رؤية للمرجعيات الكلامية للاستنباط الفقهي

رؤية للمرجعيات الكلامية للاستنباط الفقهي*

إعداد: د. عبد الجبار الرفاعي**

 

بسم الله الرحمن الرحيم

تغلغلت الرؤى العقائدية في مختلف العلوم الإسلامية، وظلَّت المفاهيم العقائدية التي تبلورت في مقولات المتكلمين فيما بعد أحد أبرز مرجعيات ومفروضات المفسرين والأصوليين والفقهاء في صياغة آرائهم، واستند الكثير من الاختلافات في اجتهاداتهم إلى التنوع في مواقفهم الاعتقادية. وتخطى أثر المقولات الكلامية هذه المجالات، وامتد ليحسم اختيارات اللغويين لمعاني الألفاظ في مدوَّناتهم أحيانا؛ فقد يرجّح أحد اللغويين معنى محددا للفظ من عدة معان متداولة له، حين يكون ذلك المعنى قريبا من آرائه الكلامية، فيما يستبعد كل ما لا يقترب من شبكة آرائه العقائدية.

وبالرغم مِمَّا ناله المتكلمون من تبجيل واحترام في القرون الأولى، خاصة عند الخليفة المأمون في العصر العباسي، غير أن الاشتغال بعلم الكلام أضحى مغامرة بعد المحنة، فانحسر نفوذ المتكلمين في البلاط العباسي، وانصرف الدارسون إلى الفقه، باعتبار الاختلاف في الفتاوى والاجتهادات الفقهية لا يفضي إلى المقاضاة أو الخروج على”الاعتقاد القادري” الذي جرى بموجبه تسييج المعتقد في إطار مغلق لا يصح تجاوزه أو التفكير خارج مَداراته([1]).

ومع ذلك بقي علم الكلام حيًّا، وواصل نموه وتطوره، وتكرست أنساقه المعروفة بعد المحنة؛ فالنسق المعتزلي عرف كبار متكلميه، ودونت أهم مصنفاته في الفترة اللاحقة على المحنة، وهي الفترة التي تكاملت وتبلورت فيها المنظومة الكلامية للاعتزال على يد أبي الحسين الخياط (ت300-913)، وأبي علي الْجُبَّائي (ت 303-915) وابنه أبي هاشم (ت321-933)، وأبي القاسم البلخي (ت319-931)، وأبي بكر بن الإخشيد (ت326-938)، وأبي عبد الله البصري (ت369-980)، وأبي إسحاق بن عياش (ت386-996)، وأبي رشيد النيسابوري (ت400-1009)، والقاضي عبد الجبار بن أحمد (ت415-1025)، وأبي الحسين البصري (ت436-1044)، وأبي محمد الحسن بن متْويه (ت469-1076)… وغيرهم.

كما أنتج التشيع الإمامي أبرز متكلميه في هذه الفترة مثل: أبي سهل النوبختي (ت311-924)، والشيخ المفيد (ت413-1022)، والشريف المرتضى (436-1045)، والشيخ الطوسي (ت460-1067)، ونصير الدين الطوسي (672/1252)، والعلامة الحلي (726/1306).

وعرف التشيع الزيدي كبار متكلميه زمن المحنة وبعدها، مثل: القاسم بن إبراهيم الرسي (ت246-860)، والحسن بن زيد (ت270-884)، ويحيى بن الحسين الهادي إلى الحق (ت298-911).

أما التسنن فقد ظهرت فرقه الكلامية وأبرز متكلميه يومذاك، كأبي الحسن الأشعري (ت324-935)، وأبي منصور الماتريدي (ت333-944)، وأبي بكر الباقلاني (ت403-1012)، وأبي بكر بن فورك (ت406-1015)، وأبي المعالي الجويني (ت478-1085)، وفخر الدين الرازي (ت606-1209)، وعضد الدين الإيجي (ت756-1355)([2]).

لقد توارى المتكلمون عن الحضور في بلاطات السلاطين وأروقة قصور الخلفاء، واستأثر بعض الفقهاء والمحدِّثين بامتيازات وحظوة عالية في تلك الأماكن، وانصرف معظم الدارسين لتعلم الفقه والاستغراق في مذاهبه، والتعرف على مواطن الخلاف بين الفقهاء، وتعلم أساليب استدلالهم ومناهج الاستنباط المتعارفة لديهم، ومقدماتها من العلوم، حتى أمسى الفقه ملاذا آمنا لمن يروم التفرغ للدراسات الشرعية.

إلا أن المقولات الكلامية واصلت حضورها في التفكير الفقهي، وترسخت بالتدريج كمرجعيات يصدر عنها هذا التفكير، من خلال استعارة أصول الفقه لهذه المقولات، وتشكيل قواعد استنباط الأحكام الشرعية في ضوئها. وواصلت مفاهيم علم الكلام نفوذها على الدوام في التفكير الأصولي، واستمرت مهيمنة على مسارات هذا التفكير، وموجهة له، وإن كانت لا تتبدى بوضوح في مساحات عريضة منه، لكننا نعثر عليها مستترة خلف أصول الفقه.

فمثلا نلاحظ في كتاب “الرسالة” للإمام للشافعي، وهو الكتاب الأول الذي وصلنا في أصول الفقه، والأهم في صياغته لقضايا ومنطلقات هذا الفن؛ أن المباحث التي بنى على أساسها قواعده وترسيماته هي مرتكزات عقائدية، كالبحث في مفهوم الحكم، وتصور الله سيدا ونحن عبيده، وافتراض وجود أحكام وأوامر ونواه صادرة من الله إلى عبيده، وأن الإنسان إذا علم بأمر صادر من الله تجب عليه طاعته، باعتبار الله سيدا والإنسان عبدا، والسيد هو من تجب طاعته على العبد؛ أي: أن الدافع الذي يجعل الإنسان يطيع الآمر هو الإقرار لله بالسيادة، والإقرار بالسيادة قضية كلامية.

فعندما يقرر الأصوليون قاعدة: «إن الأمر يدل على الوجوب» تبتني هذه القاعدة على حكم العقل بلزوم امتثال الأمر إن كان صادرا من ذروة عليا وجهة متعالية، أي من مولى، مثلما يصطلح القدماء، ومضمون المولوية هو وجوب الطاعة، فافتراض المولوية يعني افتراض حق الطاعة، وافتراض وجوب الامتثال، واستحقاق العقاب على المخالفة. بمعنى أن مجرد علمنا بصدور الأمر من المولى تعالى؛ يعني: أنه حجة، والحجية هي وجوب الامتثال. فبمجرد افتراض صدور الأمر من مولى يعني وجوب الامتثال في رتبة سابقة. وهذه مسألة كلامية اعتقادية قبلية تستقي منها دلالة صيغة الأمر على الوجوب([3]).

وكان أبرز الأصوليين كالشريف المرتضى والشيخ الطوسي والفخر الرازي من علماء الكلام البارزين، بل إن المباحث الكلامية هي التي دفعتهم إلى ابتكار علم الأصول، وكانت آراء المتكلمين تدرج في مؤلفات الأصوليين المبكرة، تحت عنوان “قول المتكلمين في المسألة”([4]).

وفي مراجعة عاجلة للكتابات المتأخرة في الأصول عند الإمامية نلاحظ كثافة الاستناد إلى القواعد الكلامية، واشتقاق القضايا والمفاهيم الأصولية منها؛ فمثلا صارت مجموعة من المقولات والقواعد الكلامية مرتكزات محورية في بناء فرضيات ونظريات وقواعد الأصوليين، مثل: قاعدة (اللطف) و(الحسن والقبح العقليين) و(قبح العقاب بلا بيان) و(حق الطاعة) و(عدم التكليف بما لايطاق) و(عدم صدور القبيح عن الحكيم)([5]).

كما استلهم الأصوليون مفاهيمهم من قواعد أخرى، مثل: (الإرادة التكوينية للواجب لاتكون منافية لاختيارية أفعال الإنسان)([6])، و(إرادة الواجب علمه بالمصلحة والنظام الأحسن)([7])، و(تخلف مراد الواجب عن إرادته التكوينية محال لا التشريعية)([8])، و(حدوث الممكن بلا علة محال)([9])، و(صفات الواجب متغايرة مفهوما ومتحدة مصداقا)([10])، و(ما يلزم العجز والجهل في حق الواجب محال)([11])، و(ماينتهي إلى ما لا يكون بالاختيار فهو غير اختياري)([12])، و(وجوب دفع الضرر)([13]).

إن الإنتاج الفقهي هو الأثرى والأوسع من بين كافة أنماط الإنتاج المعرفي للمسلمين، فهو الإنتاج الذي انخرط فيه معظم المهتمين بالدراسات الإسلامية في العصور الأخيرة، باعتباره المعرفة التي تعطي مشروعية لتلامذتها وأساتذتها، وتضعهم في مرتبة من يمنح التفويض لغيره من الدارسين في الحقول الأخرى للمعرفة الدينية. مضافا إلى ما يحصل عليه المشتغلون في الفقه من امتيازات ومكاسب من الأوقاف والفرائض المالية؛ لذلك اضمحلت دراسة المعقول في القرون الأخيرة، ولم يتفرغ التلامذة لدراسة المنطق والفلسفة وعلم الكلام، فضلا عن التصوف الفلسفي والعرفان النظري، واضطر المهتمون بهذه المعارف إلى الاختباء والتكتم في تعلمها أحيانا، أو دراستها على هامش دراستهم للفقه وأصوله في بعض الحواضر العلمية المعروفة، التي عادة ما تغض النظر عن التعاطي معها.

لقد تراكم التراث الفقهي واتسع أفقيا، فدونت الكثير من المتون الفقهية في كل مذهب، وتوالت الشروح والحواشي والتعليقات على كل متن، فتجاوزت أحيانا عشرة آلاف صفحة في أكثر من أربعين مجلدا.

وكان الفقه يترهل وتستبد به مشكلات مزمنة يعيد تكوينها على الدوام، وتتكرس أدواته وأساليبه المتوارثة في الاستنباط، ويكرر ذاته باستمرار من دون أن ينفتح على فضاءات رحبة، تمنحه القدرة على مواكبة الحياة، والإصغاء لإيقاع المتغيرات الشديدة التعقيد والتنوع.

وبالرغم من أن دعوات إعادة فتح باب الاجتهاد، وإعادة بناء المدونة الفقهية انطلقت منذ أكثر من قرنين؛ بيد أن معظم هذه الدعوات تفتقر إلى تشخيص المأزق الحقيقي وانسداد الآفاق اللذين انتهى إليهما الفقه، ومازالت تفسيراتها تبسيطية، تشدد على بعث أصول الفقه وتوظيف العناصر التقليدية في الاستدلال الفقهي.

وماخلا الاتجاه الذي اهتم بإحياء مقاصد الشريعة، لا نعثر على محاولات جادة لتشخيص الانسداد الفقهي، واكتشاف مديات بديلة للاجتهاد، بل إن الاتجاه المقاصدي الحديث ما انفك غارقا في رؤى مقاصد الشاطبي، ولم يستطع الإفلات من تقليده، واجتراح مقاربة أخرى في تجديد مناهج الاجتهاد. وتعتبر محاولة الشيخ محمد الطاهر بن عاشور في دروسه التي ألقاها على طلبة جامع الزيتونة، ثم نشرها في كتابه الموسوم “مقاصد الشريعة الإسلامية” عام 1947، من أفضل المحاولات جدية في التفكير المقاصدي الحديث. ومع ذلك فإنها تقف عند حدود التغيير الشكلي في أسلوب الممارسة التشريعية، كما أنها رهينة الأطر المعرفية الكلاسيكية، والقيم السائدة ضمنها([14]).

إن إشكالية الفقه مندرجة في إشكالية التراث بأسره؛ من هنا ينبغي أن يعاد النظر في نسيج المعارف الموروثة المولدة للفقه، وتجري غربلتها واختبار صلاحيتها، ومعرفة إمكاناتها وقدرتها على عبور زمانها ومكانها الخاصّين، واستجابتها للوفاء بالمتطلبات التشريعية لكل زمان ومكان. ولا يصح أن نستثني القواعد الأصولية من كونها معرفة أنتجها عقل يعيش في سياقات تاريخية وثقافية ودينية محددة، وإنما يجب ان نتعامل معها في ضوء تلك السياقات؛ أي أنها معرفة تاريخية لا تتوافر على إمكانات استثنائية تتعالى بها على الواقع المنتجة في داخله، ونمط التفكير الذي صاغها، ومشاغل العصر المنبثقة فيه ومفاهيمه ورؤاه. وأن لا معنى لتجديد الفقه من دون تجديد مجموعة المعارف والأدوات المنتجة له.

لا يمكن تجديد الفقه ما لم نستأنف النظر في نمط المناهج المتوارثة في دراستنا للدين، وللظواهر والمعارف المرتبطة به، وتجليات الدين في الحياة؛ فبدلا من أن يكون الدين هو المفسِّرالشامل للأشياء والكون والعالم، لابدَّ أن يغدو ظاهرة تخضع لما تخضع له أية ظاهرة من حيث إمكان فهمها، وتحليلها، واكتشاف مدياتها، ومنابع إلهامها، ومعرفة آليات اشتغالها([15]). ذلك أن الدراسات الحديثة للدين ليست في صدد بحث معياري أو الحديث عن الصدق والكذب والصحة والبطلان؛ بل يجد الباحث في هذا الاتجاه نفسه أمام ظاهرة فريدة، هي الدين، فينهمك في فهمها واكتشافها.

إن وصف الظواهر الدينية وتفسيرها من أهم أهداف البحث في الرؤية الجديدة للدراسات الدينية؛ بينما نجد في الرؤية التقليدية أن البحث الديني يستهدف فهم تعاليم الدين وتفسيرها، وتبريرها، والبرهنة على صدقها([16]).

وليس هدف هذه الرؤية جحود الدين، أو إنكار وظائفه الروحية والمعنوية والنفسية والجمالية والرمزية والاجتماعية، وإنما هدفها توظيف المكاسب الراهنة للعلوم في دراسة وتحليل ومساءلة التجليات والتعبيرات والظواهر الدينية في حياة الفرد والمجتمع، واكتشاف منابعها وحدودها وآثارها ومعطياتها. وتحليل طبيعة المعرفة الدينية، وتشخيص مصادر تشكيلها، وكيفية تكونها، والعلاقة بينها وبين مختلف المعارف العلمية والإنسانية، وكيف أن تطور العلوم الطبيعية والإنسانية يقود إلى تحولات هامة في المعرفة الدينية، ويفضي إلى نمو وتكامل التفكير الفقهي؛ فإن فهم الشريعة ليس مستقلا عن فهم الطبيعة، بمعنى أن للفهم والمعرفة في كل عصر هندسة خاصة، والفهم الديني ابن عصره، وإن اضافة ضلع أو إنقاص ضلع من هندسة المعرفة البشرية المتعددة الأضلاع يغيّران شكل هذه المعرفة؛ ذلك أن العلوم الجديدة حين تجتاح عالمنا لا تترك معارفنا السابقة على حالها، وإنما تتصرف في مضمونها، بحيث تسلحنا بمنظار بديل يعطيها صورة متجددة.

وإن المعرفة الدينية كأي معرفة أخرى، هي حصيلة جهد البشر وتأملاتهم، وهي دائما مزيج من الآراء الظنية واليقينية، والصواب والخطأ. ولاشك في أن الوعي البشري كلما تنامى واعتمد على مقدمات وأدوات علمية صحيحة اتسعت لديه مساحة الصواب وتقلص الخطأ. وهذا لا يعني أن الوحي الذي أتى به الأنبياء يكمله البشر، وإنما يعني أن فهم البشر لمضامين الوحي وكلماته يتكامل تبعا لتطور العلوم والمعارف البشرية؛ أي أن المقدس والكامل هو الوحي، أما الفهم البشري له فإنه ليس كاملا ولا مقدسا([17]).

إن الدين هو الذي يتمتع بالكمال، أما الفكر الديني وما يفهمه البشر من الدين في مختلف البيئات الثقافية والاجتماعية فليس كذلك. والقراءة المتأنية العميقة للميراث الفقهي والأصولي ترينا أن ما تراكم من قواعد أصولية وفقهية وفتاوى إنما هي معطيات معرفية منجزة في سياقات تاريخية وثقافية واجتماعية خاصة، ولا يمكن تجريدها من بصمات العصر المنبثقة فيه، مثلما لا يصح فصلها عن المشروطية الزمانية والمكانية والثقافية لمن أنتجها، فهي منخرطة في تاريخ أصحابها، وليست حقائق أو جواهر مثالية متسامية على الواقع، كما أنها ليست عابرة للمحددات والظروف والمحيط الذي تبلورت في داخله؛ إنها مرتهنة بالفضاء الخاص وخلفيات الفقيه والأصولي الذي قالها أو دوّنها، فالقبليات و«المسبقات الفكرية لكل فقيه، ونمط معرفته بالعالم الخارجي المحيط به تؤثر في فتاواه؛ بحيث إن فتوى العربي تفوح منها رائحة العرب، وفتوى الأعجمي رائحة العجم، وفتوى القروي رائحة القرية، وفتوى المدني رائحة المدينة»([18]) حسب تعبير الشيخ مرتضى المطهري.

إن الفقيه والأصولي عادة ما يصدر في النتائج التي يخلص إليها عن النظام المعرفي السائد في عصره، وعن الحاجات والضرورات والمصالح التي كانت تفرض نفسها في ذاك العصر([19]). فإنسان اليوم هو إنسان نظريات ومتطلبات وظروف اليوم، وإنسان الأمس هو إنسان نظريات ومتطلبات وظروف الأمس، وليس بوسع الإنسان أن يتجرد منها أو يفكر خارجها بلا أن يتأثر بها بدرجة ما.

والمنظومة الكلامية هي التي تحدد نظرة الإنسان للعالم، وتصوغ رؤيته الكونية؛ فالمواقف حيال الألوهية لا تتطابق عند المتكلمين والفلاسفة والمتصوفة والعرفاء وغيرهم. وهكذا مفهوم الإنسان ونمط علاقته بالله تتشكل في إطار رؤيتهم الكونية؛ فمثلا من يستند على مباني أرسطو في إثبات وجود الله لا يستطيع أن يفهم الله في القرآن بنحو لا ينسجم مع تلك المباني([20])، وهكذا من يتوكأ على منظور المتصوفة والعرفاء في إثبات وجود الله وعلاقة الإنسان به لا يمكن أن يفهم النص بشكل مغاير لذلك المنظور. هكذا يستقي فهم النصوص وتأويلها منظوراته من الرؤية الكونية، ويتحدد في فضائها، ويمد علم الكلام الفقه وأصوله بالرؤى والمفروضات التي تشكل وجهة نظره حيال مجالات الفقه وحدوده، وامكانات الامتداد بالأحكام الشرعية زمانيا، وفي مختلف الظروف والمناسبات، أو ما يصطلح عليه بالإطلاق الأزماني والأحوالي للأحكام.

ويشدد أصول الفقه على أن إطلاق الأحكام وشمولها لكافة العصور ومختلف الظروف والحالات مستفاد من الأدلة اللفظية الواردة في الكتاب والسنة؛ إذ إن عدم تقييد الأدلة وتخصيصها يدل على استيعابها وعمومها، بناءً على ما يعرف لدى الأصوليين في هذا العصر بقرينة الحكمة، وهي قرينة عامة يفصح عنها حال المتكلم، في أنه في مقام بيان تمام مراده بخطابه، فما لم يقله لم يرده، ولما لم يقيد ما نطق به إذن هو لا يريد المقيد، وإنما مراده المطلق؛ بمعنى أن الظهور الحالي الذي تعتمد عليه قرينة الحكمة مفاده هو أن لا يكون هناك قيد من القيود دخيلا في المراد الجِدّي للمتكلم إلا ويبينه ويذكره في خطابه، ذلك أن ظاهر حال المتكلم هو أنه في مقام بيان تمام مراده الجِدِّي بكلامه، فالمعاني التي يريدها يفصح عنها في حديثه، بينما ما لا يقوله في حديثه لا يريده؛ أي: إن كل ما يكون قيدا في مقصوده عادة ما يقوله في الألفاظ الصادرة عنه، فإن لم يقله فهو ليس قيدا في مقصوده. وهكذا يثبت الاستيعاب والإطلاق من خلال نفي القيد بقرينة الحكمة، ذلك أن نفي القيد يعني إثبات الطبيعة المجردة لموضوعات الأحكام التي تكون صالحة للانطباق على أي حالة من حالاتها، أو فرد من أفرادها، في كل زمان ومكان. وبتعبير أصول الفقه تكون موضوعات الأحكام مأخوذة بنحو القضايا الحقيقية الشاملة، فمتى ما توافرت تلك الحقيقة في أي زمان أو أية حالة يثبت لها الحكم، وليست الموضوعات مأخوذة بنحو القضايا الخارجية الخاصة بزمان معين، وبذلك يستدلون على أبدية الأحكام وعمومها لكافة الأزمان والأحوال([21]).

لكن هذا التصور غير مكتمل، ذلك أن ما يقرر شمول الأحكام وإطلاقها الأزماني والأحوالي أبعد مدى مِمَّا تكشف عنه الأدلة اللفظية، فإنه يحيل إلى أن ذهنية الفقيه مشبعة بمجموعة مسلمات ومفروضات، تشكل بأسرها خلفيات ومسبقات خفية وغير معلنة، لم يلتفت إليها الفقيه حينما يمارس عملية الاستنباط، فهو لا يستخلص فتاواه وآراءه من تلك النصوص المتاحة له، بل إن ضيق وسعة معاني ومضامين النصوص، واستيعابها أو اقتصارها على موارد محددة، تنتجه عدة مقولات كلامية يعتبرها مسلمات، وتؤطر فهمه للإنسان وطبيعة علاقته بالله، والوحي والنبوة وختم النبوة، والأحكام الشرعية. فأبدية الأحكام وامتدادها تصدر عن المواقف الكلامية بشكل غير مباشر، وإن كانت مباشرة بالنظرة الأولية تبدو أنها مستقاة من مداليل الأدلة اللفظية.

فعندما يفترض محمد إقبال مفهوما معيّنا عن النبوة وختمها، يقوده ذلك المفهوم إلى نتيجة مغايرة في إطلاق وأبدية الأحكام لكل العصور؛ ففي ومضة سريعة يوجز إقبال رؤيته لختم النبوة،بصيغة لا تتطابق مع المفهوم المتداول في علم الكلام، قائلا : «إن النبوة في الإسلام لتبلغ كمالها الأخير في الحاجة إلى إلغاء النبوة نفسها، وهو أمر ينطوي على إدراكها العميق لاستحالة بقاء الوجود معتمدا إلى الأبد على مقود يقاد منه. وإن الإنسان لكي يحصَل كمال معرفته لنفسه، ينبغي أن يترك ليعتمد في النهاية على وسائله هو»([22]). إن هذا المفهوم لختم النبوة يفترض أن الحاجة للنبوة تختص بمرحلة الطفولة البشرية، قبل أن ينضج العقل وتتفتح ملكة النقد لديه، وهو مفهوم يرتكز على «فهم ختم النبوة أنها ختم من الخارج، أي أن هذا الختم يضع حدا نهائيا لضرورة اعتماد الإنسان على مصدر في المعرفة، ومعيار في السلوك، مستمدين من غير مؤهلاته الذاتية. إنه إيذان بانفتاح عهد جديد في وجه البشرية قاطبة، إنه تدشين لمرحلة جديدة في التاريخ لا يحتاج فيها الإنسان -وقد بلغ سن الرشد-إلى من يقوده، وإلى من يتكئ عليه في كل صغيرة وكبيرة. وتكون وظيفة نبي الإسلام في هذه الحالة إرشاد الإنسان إلى مسؤوليته الجديدة، وتحميله تبعات اختياراته، مثله اذن مثل من أغلق باب بيته -الذي هو بالنسبة إليه بيت النبوة، بيت جميع الانبياء-وختمه من الخارج، فلم يبق سجينا له، وساح في أرض الله الواسعة»([23]).

وتستقي رؤية محمد إقبال لتطبيق الشريعة على الأجيال اللاحقة من تصوره هذا للوحي والخاتمية، فهو يحلل طريقة النبيّ وأسلوبه في تطبيق الأحكام على الأمة في عصر البعثة، واعتبارها مثالا نموذجيا لما يأتي؛ فالمقصود -كما يرى- ليس هو تطبيق الأحكام، وإنما ما يمكن استخلاصه من مؤشرات قيمية عامة، ورفد وتنمية المشاعر المتسامية والخبرة والتجربة الدينية، يكتب إقبال: «إن القرآن ليس مدونة في القانون، فغرضه الرئيس هو أن يبعث في نفس الإنسان أسمى مراتب الشعور بما بينه وبين الله وبينه وبين الكون من صلات. والطريقة التي يتبعها النبي هي أن يعلم أمّة معينة، ويتّخذ منها نواة لبناء شريعة عالمية. وهو في هذه الحالة يؤكد المبادئ التي تنهض عليها الحياة الاجتماعية للبشر جميعا، ويطبقها على حالات معينة في ضوء العادات المميزة للأمة التي هو فيها. وأحكام الشريعة الناتجة عن هذا التطبيق -كالأحكام الخاصة بعقوبات الجرائم- هي أحكام يمكن أن يقال عنها: إنها تخص هذه الأمة. ولما كانت هذه الأحكام ليست مقصودة لذاتها فلا يمكن أن تفرض بحرفيتها على الأجيال المقبلة»([24]).

ويشدد محمد إقبال على التجربة الدينية الباطنية، ويعتبرها أحد مصادر المعرفة الثلاثة بموازاة الطبيعة والتاريخ. ويشير إلى استغناء البشرية في العصر الحديث عن الحاجة المباشرة إلى تعاليم الأنبياء، وكأن الإنسان يستغني بالتدريج عن النبيّ كما يستغني المريض عن الطبيب، والطفل عن حضانة الأبوين. فالإنسانية تتكامل تدريجيا، وتجتاز مرحلة عقيب أخرى، كيما تنتهي إلى مرحلة لا تحتاج معها تعاليم الأنبياء؛ ذلك أن الأنبياء بشروا بتعاليمهم ونشروها بين الناس، وأضحت متاحة كالماء والهواء في متناول الجميع، فانتشرت وترسخت تلك التعاليم بنحو صارت حياة الإنسان مهتدية بهدي الأنبياء؛ إنها بمثابة المؤشرات والمنطلقات العامة التي أنضجت الوعي، فبلغ العقل من خلالها مرتبة الرشد، وتحررت معها إرادة الإنسان([25]).

من هنا يتجلى أن القول بأبدية الأحكام وعمومها لكافة العصور، يرتكز على مسلَّمات الفقيه وقبلياته الذهنية المضمرة، بمعنى أن المضمرات الكلامية للفقيه أو أيديولوجيته ورؤيته الكونية، ونظرته للإنسان، والفضاء الثقافي والاجتماعي والسياسي والاقتصادي المنخرط فيه، كل ذلك يساهم في تحديد خياراته في الفتوى، ويدعوه لتبني وانتخاب أحد المواقف دون سواه.

ويرتبط نمط فهم النصوص بتطلعات الإنسان وما يترقبه من الدين؛ فالإنسان الذي يتوقع من النص استيعابه للنظم الاجتماعية والمعارف والعلوم الطبيعية والإنسانية نراه ينشد انتزاع كافة النظم والمعارف والعلوم من الكتاب والسنة، خلافا لمن لا يترقب ذلك، ويفترض أن النص يستوعب مايرتبط بهداية الإنسان وسعادته الأخروية فقط، وأن الدين ليس بديلا عن العقل أو التجربة البشرية، وأن العقل وما يتراكم من خبرات عبر التاريخ هو ما يتكفل إدارة وتدبير وتنمية الحياة البشرية. فمثلا يذهب أحد أصحاب هذا الموقف إلى أن «ما يتضمنه الكتاب والسنة بشأن العلاقات العائلية والحكومية والقضاء والعقوبات والمعاملات، وما إليها من إمضاءات بحتة أو تهذيبات وتوجيهات، لم يكن الهدف منها تقنين العلاقات العائلية أو الاجتماعية أو ما يتعلق بشؤون الدولة بقوانين ثابتة لا تتغير؛ فالثابت والخالد في هذه الإمضاءات هو القيم. إنها هي المقصودة والمستهدفة من عملية التعديل التي تمت عبر الكتاب والسنة، وهي المعيار والملهم لإجراءات من هذا القبيل. إن هذه القيم ليست أمورا مستقلة، بل هي منبثقة من ضرورات السلوك التوحيدي، فتفسر بجوارها، وتكتسب قيمتها منها»([26]). لم ينزل القرآن ليشطب على الحضارات والثقافات الإنسانية، وإنما جاء ليسبغ على ما هو موجود طابعا جديدا يسير به صوب التوحيد، كما أن الهداية الإلهية لاتبلغ للإنسان عن طريق الأنبياء وحسب، وإنما الحلول الإنسانية لمعضلات الحياة وترتيب شؤونها هي الأخرى هداية إلهية. ولم يكن الانتشار السريع للإسلام، وتغطيته لرقعة واسعة تمتد من الأندلس إلى الصين، بعد أقل من قرن على ظهوره إلا بسبب اعترافه بالتعبيرات الثقافية المتنوعة للمجتمعات، وقبوله الأساليب المتفاوتة للحياة الإنسانية لدى الشعوب. وعدم إصراره على طمسها أو مناهضتها، والاقتصار على ترشيدها وتقويمها بالقدر الذي يضمن عدم تنافيها مع قيم الإسلام وعقيدة التوحيد([27]).

وقد استطاع الإسلام أن يستوعب ويهضم طائفة من أشكال التمدن والتنظيمات والتدبيرات والمعارف والآداب والفنون السائدة في تلك المجتمعات، ويسكبها في إطار واحد، ويصوغ منها نموذجا عالميا للتمدن والتحضر.

تأسيسا على ما سبق يمكن القول: إن الاستنباط الفقهي يستند إلى القواعد الأصولية التي تمهد لهذه العملية، وتشكل المقدمات والأدوات اللازمة لصياغة الفتاوى؛ فلا استنباط للأحكام الشرعية من دون الاعتماد على الأصول، وقواعد أصول الفقه تصدر عن مسلمات وآراء اعتقادية، تتشكل في حقل التفكير الكلامي. وبكلمة موجزة: إن الاجتهاد الفقهي يعتمد على الاجتهاد الأصولي، ولا اجتهاد في أصول الفقه ما لم يتجدد علم الكلام؛ أي: أنه لا معنى لتحديث الفقه من دون تحديث مرجعياته الكلامية.

تجدر الإشارة إلى أن هذه الورقة لا تتحدث عن تاريخ نشأة الفقه أو أصول الفقه أو علم الكلام، ولا تؤرخ لولادة أيا من هذه المعارف، أو تبحث فيمن هو سابق أو لاحق في تدوينه على سواه؛ وإنما هي محاولة للكشف عن شيء من المضمرات والقبليات والمسبقات والمسلمات والمرجعيات الاعتقادية، الثاوية والمستترة في الذهنية الفقهية عند الاستنباط, والتي عادة ما تتحدد في إطار الرؤية الكلامية للفقيه.


 

[1]) ابن الجوزي. المنتظم في تاريخ الملوك والأمم. بيروت: دار صادر، ج7: ص287، ج8:، ص109-110، ج9:، ص124.

[2]) محمد بوهلال: إسلام المتكلمين. بيروت: دار الطليعة، 2006، ص20-22.

[3]) عبدالجبار الرفاعي: محاضرات في أصول الفقه، ج1، بغداد: مركز دراسات فلسفة الدين، ط4، 2007، ص55ـــ 56.

[4]) المصدر السابق، ص346.

[5]) الطوسي. العدة في أصول الفقه. قم: مؤسسة البعثة، 1417، ص194.

المحقق الحلي. معارج الأصول. تحقيق: محمد حسين الرضوي. قم: مؤسسة آل البيت، 1403، ص112.

العلامة الحلي. منتهى المطلب. تبريز: 1333، ج1: ص148.

الفاضل التوني. الوافية. تحقيق: محمد حسين الرضوي. قم: مجمع الفكر الإسلامي، 1412، ص88.

محمد باقر الصدر. بحوث في علم الأصول. تقريرات: محمود الهاشمي. قم: مج4، ص28ـــ 29.

[6]) محمد كاظم الخراساني. كفاية الأصول. قم: مؤسسة النشر الإسلامي، 1415، ص89. محمد حسين الاصفهاني. نهاية الدراية. قم: مؤسسة آل البيت، ج1:، ص167.

[7]) محمد كاظم الخراساني. مصدر سابق، ص319-320.

[8]) المصدر السابق، ص88. نهاية الدراية. ج1: ص165.

[9]) المصدر السابق، ص145.

[10]) المصدر السابق، ص76-78. نهاية الدراية. ج1:، ص143.

[11]) المصدر السابق، ص342، 91.

[12]) المصدر السابق، ص88-90 و300.

[13]) الشريف المرتضى. الذخيرة في علم الكلام. تحقيق: السيد احمد الحسيني. قم: مؤسسة النشر الإسلامي، ص223.

[14]) نور الدين بوثوري، مقاصد الشريعة: التشريع الإسلامي المعاصر بين طموح المجتهد وقصور الاجتهاد. بيروت: دار الطليعة، 2000، ص36.

[15]) محمد حمزة. إسلام المجددين. بيروت: دار الطليعة، 2007، ص46.

[16]) أحد فرامرز قراملكي. مناهج البحث في الدراسات الدينية. ترجمة: سرمد الطائي. بيروت: معهد المعارف الحكمية، 2004، ص85.

[17]) عبد الكريم سروش. القبض والبسط في الشريعة. ترجمة: د. دلال عباس. بيروت: دار الجديد، 2002، ص96 و102 و119 و124.

[18]) مرتضى المطهري. الاجتهاد في الإسلام. ترجمة: جعفر صادق الخليلي. طهران: مؤسسة البعثة، ص27.

[19]) محمد عابد الجابري. وجهة نظر نحو إعادة بناء الفكر العربي المعاصر. الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 1992، ص66.

[20]) عبد الكريم سروش. مصدر سابق، ص198-199 و203-204.

[21]) عبد الجبار الرفاعي. محاضرات في أصول الفقه. مصدر سابق ج1: ص207ــ 210.

[22]) محمد إقبال. تجديد التفكير الديني في الإسلام. ترجمة: محمود عباس. القاهرة: 1955، ص144.

[23]) عبد المجيد الشرفي. الإسلام بين الرسالة والتاريخ. بيروت: دار الطليعة، 2001، ص91.

[24]) محمد إقبال. مصدر سابق، ص190، 197.

[25]) عبد الكريم سروش. مدارا ومديريت. طهران: صراط، 408-412.

[26]) محمد مجتهد شبستري. هرمونتك، كتاب وسنت. طهران: طرح نو، ص87.

[27]) محمد مجتهد شبستري. المصدر السابق، ص210-215.

 

*التقنين والتجديد فِي الفقه الإسلامي المعاصرة المنعقدة خلال الفترة (28-2) ربيع الثاني 1429هـ/ ( 5-8) إبريل 2008م – بقاعة المحاضرات بجامع السلطان قابوس.

**أستاذ ومدير مركز دراسات فلسفة الدين ببغداد، ورئيس تحرير مجلة قضايا إسلامية معاصرة، ببغداد وبيروت

هذه المقالة تحتوي على لا تعليق

أكتب تعليقك هنا

نرجو أن تضع المادة أسفله
الإسم
إيميل
موقع
تعليقك