أثر فقه المقاصد على حركة الاجتهاد والتقنين

أثر فقه المقاصد

على حركة الاجتهاد والتقنين*

إعداد الشيخ / عبد الله بن حمود بن درهم العزي**

 

مقدمة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا ونبينا مُـحَمَّد الأمين، وعلى آله الطيبين الطاهرين، ورضي الله عن صحابته الراشدين.

وبعـد:

فإن هذه الورقة تحاول أن تقدِّم نفسها كمساهمة متواضعة في ترسيخ أهمية فقه المقاصد، وذلك من خلال التركيز على تمخضاته العملية، وأثره في مجالين مهمين هما: الاجتهاد، والتقنين، وهذا ما سوف يتم تناوله من خلال ثلاثة فصول:

الفصل الأول: مفاهيم ودلالات.

الفصل الثاني: أثر فقه المقاصد على حركة الاجتهاد.

الفصل الثالث: أثر فقه المقاصد على حركة التقنين.

سائلاً الله تعالى أن يجعل الأعمال والأقوال خالصة لوجهه الكريم.

 

*    *    *

الفصل الأَوَّل: مفاهيم ودلالات

في سياق الحديث عن أثر فقه المقاصد على حركة الاجتهاد والتقنين الفقهي، تجدر الإشارة أولاً إلى بعض الإيضاحات حول هذه المفردات: (فقه المقاصد-حركة الاجتهاد- والتقنين الفقهي) نتناولها تباعاً بالشكل الآتي:

أولاً: فقه المقاصد:

لقد جاءت الشريعة الإسلامية لتقدم نفسها كرسالة جامعة وشاملة، غايتها القصوى ومقصدها الأساس إلحاق الرحمة بالعالمين، وإخراج الناس من الظلمات إلى النور، ومن عبودية الخلق إلى عبادة الخالق، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾([1])، وقال تعالى: ﴿الَر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾([2])، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾([3]).

وتحت هذه المقاصد الواسعة تراسلت نصوص وأحكام الشريعة في تناغم وانسجام لا محل فيها للعبثية، ولا مجال عندها للتناقض، وَإِنَّمَا ارتبطت الأسباب فيها بمسبباتها، والوسائل بمقاصدها، والنتائج بمقدماتها، وبذلك أعادت للعقل دوره ومكانته، لا بل منحته كل التكريم؛ إذ جعلته مناط التكليف ومستقر الخطاب في جميع ما جاءت به من نصوص وأحكام، وما انطوت عليه من أسرار ومصالح،ولم تقف عند هذا الحد، وَإِنَّمَا استمرت تحوز قصب السبق في إعلاء مقام هذا العقل وفي تحفيز قدراته، وإطلاق طاقاته من خلال الحث المتكرر على النظر والتأمل والتفكير والتدبر… الخ، حتى أَنَّهَا لا تكاد تمرّ سورة كاملة من القرآن دون إشارة إلى أهمية الدور العقلي وضرورته في فهم المراد الإلهي، واستكشاف طريقه،وبما يحقق للإنسان المكلف خيره ومصلحته في حاله ومآله على حد سواء، وينأى به عن حياة العسر والحرج، قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾([4])، ﴿يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾([5]).

ولذا شاع بين الفقهاء ارتباط الأحكام بمصالح الخلق؛ إذ كل ما وردت به الشريعة الغرَّاء معقول المعنى، وذو حكمة بالغة تتضافر جميع أحكامها ونصوصها في التأكيد على جلب المصالح ودرء المفاسد، فهي «عدل كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها، وحكمة كلها، فكلّ مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث، فليست من الشريعة وإن أُدخلت فيها بالتأويل»([6]).

ومن هنا جاءت الفكرة المقاصدية، لتعتمد الكليات التشريعية والبحث في غاياتها وتحكيمها في فهم النصوص الجزئية وتوجيهها، وبالتالي فإن المقاصد بهذا المعنى تعتبر محل رعاية الشريعة من أول يوم، ومن شواهد ذلك «معاملة الرسول e لنصارى بني تغلب»([7])، وبقيت المقاصد كذلك محل اعتبار الصحابة ومن تبعهم من الأئمة والعلماء، عدا بعض الظاهرية، فقد كان الإمام علي -كرّم الله وجهه-يأخذ بالأصلح في اجتهاداته، وكذا عمر بن الخطاب t وغيرهما من كبار الصحابة y كعبد الله بن مسعود وابن عباس ومعاذ بن جبل.

وقد ظلَّ الكثير من التابعين وأئمة العلم يراعون مقاصد الشريعة في فهم النصوص وفي تفسيرها، وفي استنباط الأحكام وبناء القواعد الفقهية، وهذا أمر يمكن أن نستنتجه أو نلمسه بوضوح من خلال ما روي عنهم من اجتهادات وكتب فقهية، فقد أشار الإمام أبو زهرة إلى شيء من الحضور المقاصدي في فقه الإمام زيد t([8])، ومثل ذلك ما نجده في فقه الإمام الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين t وسياسته الشرعية.

ويوجد اليوم عشرات الأبحاث والرسائل الجامعية التي اتجهت إلى إبراز المقاصد في فقه العديد من أئمة العلم والفقهاء السابقين عبر العصور.

وقد أشار الشاطبي ( 790هـ) في كتابه القيم (الموافقات) إلى هذه الحقيقة بقوله: «فإن عارضك دون هذا الكتاب عارض الإنكار.. وغرّ الظان أَنَّهُ شيء ما سمع بمثله، ولا ألف في العلوم الشرعية الأصلية أو الفرعية ما نسج على منواله أو شكل بشكله… فلا تلتفت إلى الإشكال دون اختبار، ولا ترم بمظنة الفائدة على غير اعتبار، فإنه ـ بحمد الله ـ أمر قررته الآيات والأخبار، وشدّ معاقده السلف الأخيار، ورسم معالمه العلماء الأحبار، وشيد أركانه أنظار النظار، وإذا وضح السبيل لم يجب الإنكار»([9]).

الأمر الذي يعني بأن مقاصد الشريعة قد امتلكت حضوراً مبكراً في الفقه الإسلامي، وهو ما جعل بعض الباحثين ينسبون هذا العلم إلى عصر الصحابة، أو عصر التابعين، وقد يقرنون بداياته بأسماء محددة ومعلومة كالإمام علي بن أبي طالب([10])، وعمر بن الخطاب، وإبراهيم النخعي، مروراً بالحكيم الترمذي في كتابه (مقاصد الصلاة) وأبي عبد الله البخاري (346هـ) في كتابه (محاسن الإسلام) وأبي الحسن العامري (381هـ) في كتابه (الإعلام بمناقب الإسلام)، وأسماء أخرى كالإمام مالك (179هـ) والغزالي (505هـ) والقرافي (684هـ) والجويني (478هـ)([11]). ومثل هؤلاء الإمام يحيى بن حمزة (749هـ) في كتابه (الحاوي لحقائق الأدلة الفقهية وتقرير القواعد السياسية)، والعلامة النجري (877هـ) في كتابه (معيار أغوار الأفهام في مناسبات الأحكام).

بيد أَنَّهُ يمكن القول بأن الفقهاء المتقدّمين قد اقتصروا على الجانب التطبيقي في علاقتهم بمقاصد الشريعة، وأمَّا العناية بها كعلم متخصِّص فإنَّها لم تبرز إِلاَّ في فترات متأخِّرة وحسب ما أظهرته الدراسات([12])، فقد شكلت بعض الأسماء حلقات مركزية في هذا الصدد، كالإمام الجويني (478هـ) وأبي إسحاق الشاطبي (790هـ) وابن عاشور (1973م)، ومن يدري لعل مسيرة البحث العلمي تكشف عن أسماء أخرى – مِـمَّن لم تشملها عناية الباحثين بعد- ذات بصمات خاصة وأدوار مماثلة في تاريخ فقه المقاصد.

المقاصد تعابير واستعمالات:

ونخلص مِمَّا تقدَّم إلى كون الفكرة المقاصدية عميقة ومتجذرة في فقهنا الإسلامي، وذلك على الصعيد العملي والتطبيقي ـ كما أسلفنا ـ أما على صعيد التنظير والتقعيد والتأصيل، فتبقى محاولات الأوائل محدودة، حيث اقتصرت عنايتهم ـ في غالبها ـ على «بيان الحكم والغايات والأسرار ضمن كلمات مقتضبة وإشارات عابرة»([13])، قد لا تتجاوز أحياناً الصيغ المعتادة للتعليل من قبيل «بسبب، لأنَّ، لكي، من أجل..»([14]) مع ملاحظة أن العلة تطلق في الأصل على الحكمة والمصلحة، والتعليل إِنَّمَا هو إظهار لمقصد أو لحكمة أو مصلحة، ولكن العلة صارت تطلق فيما بعد لدى الكثير من الأصوليين على الوصف الظاهر المنضبط وقد أشار الشاطبي إلى وجود تلازم ملحوظ بين المعنيين، فالعلة وإن ارتبطت بالوصف إلا أنها مفضية إلى حكمة ذلك الوصف ومشروعيته([15])، ولذلك أخذ بعض الأصوليين كالزيدية بالوصف المناسب ـ ولم يشترطوا انضباط العلة ـ في إشارة أوضح إلى هذا التلازم([16]).

وما نقصده هنا هو أن ألفاظ التعليل قد مثَّلت إحدى صور التعبير عن مقاصد الشريعة في استعمالات بعض الأوائل، وقد حصر بعض الباحثين أغلب التعبيرات والاستعمالات لكلمة المقاصد التي استخدمها العلماء قديماً وحديثاً؛ ليعنوا بها مراد الشارع ومقصود الوحي ومصالح الخلق([17]). ومن تلك التعبيرات «الحكمة المقصودة بالشريعة من الشارع» و«نفي الضرر ورفعه وقطعه» كما عبر عن المقاصد «بمطلق المصلحة» سواء أكانت جلباً لمصلحة أو درءاً لمفسدة، أم كانت جامعة لمنافع شتى أو تخص منفعة معينة، وعبّر عنها أيضاً «بدفع المشقة ورفعها» وبـ«رفع الحرج والضيق» و«تقرير التيسير والتخفيف» و«استنكار التنطع والتشدد والمبالغة» ويعبر عنها بـ«المصالح العامة»([18]). وبالكليات الخمس الشهيرة، وبأسرار الشريعة ومحاسنها([19])، والتسامح، والوسطية، والاعتدال… وغيرها كثير.

تعريف المقاصد:

وهكذا عبّر العلماء عن المقاصد، ولكن دون أن يضعوا تعريفاً تأصيلياً يتطابق بشكل دقيق مع مدلول المقاصد الشرعية ومعناها ومسماها، وحتى أبي إسحاق الشاطبي ـ وهو من ينسب إليه ابتكار فقه المقاصد ـ من خلال كتابه (الموافقات) الذي اعتبر فتحاً جديداً حسب تعبير البعض([20])ـ لم يضع تعريفاً محدداً للمقاصد الشرعية، ومع ذلك فإن جميع هذه الجهود سابقاً ولاحقاً قد أسهمت بشكل كبير في «تكوين مادة هذا الفن الجليل، وصياغة نظريته العامة»([21]).

ولننتقل الآن إلى التعريفات المعاصرة لمقاصد الشريعة، وهي كثيرة نكتفي هنا ببعضها، ومن ذلك:

تعريف العلامة التونسي محمد الطاهر بن عاشور، حيث عرّفها بقوله: «مقاصد التشريع العامة: هي المعاني والحكم الملحوظة للشارع في جميع أحوال التشريع أو معظمها، بحيث لا تختص ملاحظاتها بالكون في نوع خاص من أحكام الشريعة، فيدخل في هذا أوصاف الشريعة وغاياتها العامة، والمعاني التي لا يخلوا التشريع عن ملاحظاتها، ويدخل في هذا أيضاً معاني من الحكم ليست ملحوظة في سائر أنواع الأحكام ولكنها ملحوظة في أنواع كثيرة منها»([22]).

وقد عرّفها العلامة المغربي، علال الفاسي بقوله: «المراد بمقاصد الشريعة: الغاية منها، والأسرار التي وضعها الشارع، عند كل حكم من أحكامها». كما عرفها الدكتور المغربي أحمد الريسوني، بقوله: «إن مقاصد الشريعة: هي الغايات التي وضعت الشريعة لأجل تحقيقها لمصلحة العباد».

وقد عرّفها الدكتور محمد رأفت عثمان بقوله، هي: «مطلوباتها العامة لتحقيق مصالح الناس الدنيوية والأخروية من خلال تطبيق الناس لأحكامها».

ويفهم من التعاريف السابقة أن مقاصد الشريعة:

هي جملة الغايات الأساسية والأهداف الكبرى التي أعلنتها الشريعة، وتضافرت الأدلة في جملتها على تأكيدها، وما يندرج تحتها من معاني وحكم وقواعد، سواء كانت حكما جزئية أو مصالح كلية، أو سمات إجمالية، وما يتطلبه تحقيقها من عوامل معرفية ووسائل تطبيقية لتفعيل الفقه الأكبر([23]) باعتباره منظومة فقهية أصولية تكاملية فاعلة، ومؤثرة في صناعة المجتمعات، وإنجاز التحولات الحضارية.

أنواع المقاصد:

وَمِـمَّا تقدم يتبين لنا ارتباط معنى المقاصد بالمصلحة، قال العلامة الغزالي رحمه الله: «نعني بالمصلحة: المحافظة على مقصود الشرع، ومقصود الشرع من الخلق خمسة، وهو أن يحفظ عليهم: دينهم، ونفسهم، وعقلهم، ونسلهم، ومالهم، فكل ما يتضمن حفظ هذه الأصول الخمسة فهو مصلحة، وكل ما يفوت هذه الأصول فهو مفسدة ودفعها مصلحة»([24]).

مع ملاحظة أن المقاصد أوسع وأعم من المصلحة، فالأخيرة تدخل تحت لواء الأولى باعتبارها محكومة بها وليس العكس؛ فالمقاصد مظلة عامة تشمل جميع أحكام الشريعة من عبادات وعادات ومعاملات وعقوبات ونحوها، أما المصالح فتتركز غالباً في أبواب المعاملات لتحقيق منافع الناس في تصرفاتهم وعقودهم وممارساتهم الاقتصادية([25]).

وبما أن الفقهاء قد قسموا المصالح إلى ضروريات وحاجيات وتحسينات، فقد جرى تقسيم مقاصد الشريعة وفق هذا الاعتبار([26]) إلى:

أ ـ مقاصد ضرورية: وتمثل الوعاء الدائم والضابط العام لكافة الضروريات التي لا بد منها في قيام مصالح الدارين، ومثال ذلك: الكليات الخمس، وهي: حفظ الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال.

ب ـ مقاصد حاجية: وهي التي تحكم كل ما يحتاج إليه من التوسعة والرفق ورفع الضيق والحرج، من قبيل التوسع في المعاملات المشروعة والترخص في تناول الطيبات.

ج ـ مقاصد تحسينية: وهي مظلة عامة لكل ما يليق بمحاسن العادات ومكارم الأخلاق.

وهناك اعتبارات وحيثيات مختلفة تتنوع بموجبها المقاصد، فهي باعتبار محل صدورها تنقسم إلى:

أـ مقاصد الشارع: وهي التي تتمثل إجمالاً في جلب المصالح ودرء المفاسد في الدارين.

ب ـ مقاصد المكلف: وهي ما يقصده المكلف في سائر تصرفاته اعتقاداً وقولاً وعملاً، والتي يتحدد بموجبها صحة الفعل من فساده، وما هو موافق للمقاصد، وما هو بخلافها… الخ.

وهي بحسب تعلقها بعموم الشريعة وخصوصها تنقسم إلى:

أـ مقاصد عامة: وهي التي تلاحظ في جميع أو أغلب أبواب الشريعة ومجالاتها، بحيث لا تختص ملاحظاتها في فرع خاص من أحكام الشريعة، فيدخل في هذا أوصاف الشريعة وغاياتها الكبيرة.

ب ـ مقاصد خاصة: وهي التي تتعلق بباب معين أو أبواب معينة من أبواب المعاملات: العائلية مثلاً، أو المالية، أو العمل والمال والتبرعات، القضاء والشهادة… الخ.

ج ـ مقاصد جزئية: وهي علل الأحكام وحكمها وأسرارها.

وهناك من يتوسع في تقسيمها باعتبارات أخرى لا نرى حاجة إلى عرضها في هذه الورقة([27]).

طبيعة فقه المقاصد وعلاقته بالعلوم الأخرى:

1- وفي ضوء ما سبق يصبح من الممكن التعرف على طبيعة هذا النوع من الفقه؛ إذ هو كما نلاحظ أحد المداخل المركبة التي يلتقي فيها النقل والعقل والفرع والأصل والجزء والكل والمتشابه والمحكم، بحيث يمكن القول بأن فقه المقاصد ذو طبيعة فقهية وأصولية قد تعني عمل العقل المستند إلى النقل، ودوران الفرع في فلك الأصل، أي أنه فقه النصوص الجزئية في ضوء المقاصد الكلية، بحيث تصبح الأخيرة هي المحور الذي تدور حوله الأولى([28])، فمعرفة مقاصد الشريعة أو هذه المقاصد ذاتها قد تعبر عن الجانب الفقهي في هذا العلم.

وأما بالنظر إلى حاكمية هذه المقاصد في ضبط منهجية التفكير والبحث، ودخولها الضروري في عملية الاستنباط أو الالتفات إليها عند الاجتهاد، فذلك ما يمثل الجانب الأصولي فيه، وهذا أمر تؤكده بوضوح طبيعة المخاض الذي انبثق عنه هذا الفقه، فهو إلى جانب كونه موجوداً ومعتبراً في صميم الشريعة السمحاء ـ ومن أول يوم كما أسلفنا ـ إلا أن ولادته بشكله المعروف قد جرت في سياق ما يمكن تسميته بأزمة القياس، وانحسار فاعلية المنهج الأصولي في مواجهة مستجدات الحياة والشعور بالحاجة إلى تجاوز العديد من الإشكالات النظرية والتطبيقية التي عانى منها المنهج الأصولي منذ لحظة تأسيسه([29]).

مِـمَّا يعني أن علم الأصول قد شكل الحضن الذي توالد في فضائه فقه المقاصد، فالعلوم عند نشأتها عادة ما تمتص مكوناتها من العلوم السابقة لها، فمثلما نشأ علم الفقه في أحضان علم الحديث، ونشأ علم الأصول في أحضان الفقه، نجد أن فقه المقاصد قد ولد أيضاً ونشأ في أحضان علم أصول الفقه، بل إن الدكتور مُـحَمَّد كمال إمام تعمد النظر إليه كمبحث ـ لا أكثر ـ من مباحث أصول الفقه، وذلك لاعتبارات مبررة ليس هنا مجال ذكرها([30]).

وفي هذا كلّه ما يكشف عن الطبيعة الأصولية لفقه المقاصد من جهة، كما يكشف عن علاقته الوثيقة بعلم الأصول من جهة أخرى.

2- وباعتبار أن فقه المقاصد يبحث في أهداف الدين والغايات العامة لشريعته السمحاء، فإن علاقاته تمتد ـ أيضاً ـ مع العديد من فنون العلم والمعارف الأخرى، ومنها:

أـ فقه النوازل: ويعني فقه المستجدات أو فقه الواقع، وهي التي لا يجد الفقهاء لها حكماً في التجريد النصي، بحيث يعودون إليه مباشرة ويدخلون الواقعة تحت خطابه، وبالتالي لا يستقيم منهج الفقهاء في التفكير الفقهي لمواجهة المستجدات إلا إذا استعانوا بمجموعة من العلوم الفقهية، ومن بينها دون شك فقه المقاصد([31]).

ب ـ علم السياسة الشرعية: ويقصد به سلطة ولي الأمر في الحفاظ على المصالح العامة للدين والدنيا، وفي ملء المساحات الشاغرة التي لا يوجد نص مباشر يحكمها، وهي سلطة يباشرها ولي الأمر المجتهد بنفسه، أو من خلال فقهاء الأمة وعلمائها، إن لم يكن كذلك([32])، وهكذا سلطة تعتبر محكومة بقاعدتين، الأولى: “لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق”، والثانية: “تصرف ولي الأمر منوط بالمصلحة”، مِمَّا يجعل العلاقة بين فقه المقاصد وعلم السياسة الشرعية وثيقة ومتينة، وقد أشار بعض العلماء إلى كون فقه المقاصد أحد الأركان الأساسية التي تقوم عليها نظرية السياسة الشرعية([33]).

جـ ـ فقه الوسائل: فالمقاصد الشرعية سواء كانت جلباً للمصلحة أو درءاً للمفسدة، إِنَّمَا يتوصل إليها بامتثال أوامر الشارع واجتناب نواهيه، أو بإنشاء الأحكام المعبرة عنها اجتهاداً، وكل ذلك مرهون بتحصيل وسائله وأسبابه، مِمَّا يقتضي أن تكون هذه الوسائل والأسباب في قوة المطالبة بها تابعة لمقاصدها ولمسبباتها، فإذا كانت مقاصد الشريعة على غاية من الأهمية فإن الطرق المقتضية إليها تصبح هي الأخرى ذات أهمية بالغة، ولو من باب «ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب كوجوبه». وعليه فإن العلاقة بين الوسائل والمقاصد هي علاقة عضوية لا يتصور وجود أحدهما في غياب علاقته بالآخر، فالمقاصد في غياب الوسائل الموصلة إليها تضل أهدافاً معلقة عصية على التطبيق والتنزيل على الواقع.

وكذلك الوسائل في غياب المقاصد تصبح خطوطاً تائهة لا وجهة لها ولا هدف، ولذلك قسم بعض العلماء([34]) موارد الأحكام إلى قسمين هما:

أـ المقاصد: وتشمل المقاصد الإيجابية، وهي الأمور المكونة للمصالح التي جاءت الشريعة لجلبها، والمقاصد السلبية، وهي المفاسد ذاتها التي جاءت الشريعة لدرئها والنهي عنها.

ب ـ الوسائل: وهي الطرق المفضية إلى المقاصد، بل قد تتداخل أحياناً الوسائل والمقاصد، فيكون المقصد مثلاً وسيلة لما هو أعلى، والوسيلة مقصداً لما هو أدنى، ومثال ذلك: ما نلاحظه في مبدأ (الجهاد) فالإعداد له وسيلة إليه كمقصد، وهو ـ أي الجهاد ـ وسيلة إلى مقصد أعلى منه، هو إعلاء كلمة الله وحفظ دينه.

هذا، وعلاقات فقه المقاصد واسعة وممتدة بسعة وامتداد الشريعة الإسلامية الشاملة والخالدة، وما ذكرناه ليس أكثر من نماذج، فهذا النوع من الفقه هو بطبيعته يجد نفسه في شتى ميادين المعرفة للفقه فهو ذو صلة وثيقة بعلم الكلام وفلسفة الفقه([35]).

بل إن هناك من يصف بعض مباحثه أو نتاجاته العلمية فقهية كانت أو فكرية أو نقدية بعلم الكلام الجديد([36])، كما وجد من يتناول فقه المقاصد كمرادف لما يسمى (فلسفة الفقه) أو التفقه بأسلوب فلسفي([37])، وهو إن لم يكن هذه كلها، فهو على الأقل يجد نفسه فقهاً مفتوحاً عليها وعلى غيرها من العلوم الشرعية والعقلية، بما فيها العلوم والمعارف الحديثة.

ثانياً: حركة الاجتهاد

الاجتهاد لغة، هو: بذلك الوسع والمجهود في أي فعل([38]).

أما اصطلاحاً فيعرفه أكثر الفقهاء بأنه: بذل الوسع في تحصيل الظن بحكم شرعي فرعي([39]). وعنه قال الشاطبي هو: “استفراغ الوسع في تحصيل العلم أو الظن بالحكم”([40])، وهناك من جعله فيما لا أصل له كالكرخي، وبهذا فهو لا يشمل القياس.

كما أن هناك من تناوله بمعنى أعمّ وأخصّ([41]) بحيث يشمل ما له أصل معين وهو القياس، وما ليس له أصل معين كقيم المتلفات، وأروش الجنايات ومتعة المطلقات، أمَّا الشافعي فقد ساوى بين القياس والاجتهاد.

ومهما يكن فقد تعدَّدت أقوال العلماء فيما يتعلق بالتفاصيل إلا أن الأكثرية متفقة، كما أشرنا على أن الاجتهاد هو استفراغ الوسع في تحصيل العلم أو الظن بالحكم، وقد لاحظ البعض على هذا التعريف الشائع بأنه لا يشير إلى جوهر الاجتهاد بقدر ما يشير إلى وصف الجهد المبذول أو إلى عمل المجتهد ولذا وجد من يعرفه بأنه: «ملكة علمية ونفسية تمكن صاحبها من استنباط الأحكام الشرعية من مظانِّها»([42]) ـ مع ملاحظة أن كلمة (ملكة) لا يعني أنها غير مكتسبة بل هي تكتسب بالجهد والمثابرة ـ فالملكة العلمية تمكن المجتهد من فهم النصوص والقواعد والمقاصد وإدراك أبعادها وعلاقاتها بحركة الزمان وتغير المكان واختلاف الأحوال والأشخاص كما تمنحه القدرة على تكييف الوقائع وفق الرؤية الشاملة، والمناسبة للشرع والواقع معاً.

وَأَمَّا الملكة النفسية فهي نوع من الثقة والقناعة بنتائج ذلك الاستنباط إلى درجة تجعل المجتهد لا يتردَّد في صياغة ما توصل إليه وإصدار ذلك في صورة قرار أو فتوى أو رؤية أو موقف أو أي تصرف آخر، وعليه فإن ما نعنيه بحركة الاجتهاد هنا هو حركة هذه الملكة (العلمية والنفسية) وهي حركة قد تكون سلبية أو إيجابية وذلك بحسب ما يحيط بها من مؤثرات سواء كانت هذه المؤثرات عوامل معرفية كفقه المقاصد الذي نحن بصدد بيان تأثيره، أو غير معرفية كالهوى والتشهي والتعصّب… الخ.

كما أن الحركة في معناها اللغوي تشير إلى الانتقال([43]) وهي أيضاً ضد السكون، والسكون إِنَّمَا هو توقف الحركة، فهو إذا شكل من أشكال الحركة ولكن في صورتها السلبية، وعلى هذا الأساس فإن حركة الاجتهاد تتَّخذ ثلاث صور: (الحركة بمعناها الإيجابي) (الحركة بمعناها السلبي) (الحركة السلبية بمعنى السكون) وكما هو معروف، فإن لِكُلِّ حركة مظاهر وملامح يتوصَّل من خلالها إلى قياس الحركة ذاتها، والوقوف على عوامل التأثير فيها.

فالفتوى مثلاً تعتبر ملمحاً من ملامح حركة الاجتهاد، والمذاهب الإسلامية أيضاً ما هي إلا مظهر من مظاهر حركة الاجتهاد في فهم الإسلام وفهم المفاهيم والقيم الإسلامية([44]) ومن كل ملمح أو مظهر نستطيع أن نحدد طبيعة هذه الحركة وما إذا كانت سلبية أو إيجابية وكذلك نستطيع اكتشاف العوامل التي أثرت في طبيعة هذه الحركة.

وعلى هذا الأساس فإن منظومة الملامح والمظاهر المعبرة عن حركة الاجتهاد، أو المؤثرة فيها هي ما يمكن الاعتماد عليه في بيان أثر فقه المقاصد على هذه الحركة، ومظان ذلك يشمل بالتأكيد كل ما له علاقة بتحريك الاجتهاد أو الملكة العلمية أو النفسية لدى المجتهد من جهة وصلة ذلك بالعامل المقاصدي من جهة أخرى، ومن هذه المظانّ:

1- النتاج الفقهي لحركة الاجتهاد بشقيها السلبي والإيجابي، وتأثير هذا النتاج على سلوك الناس وحياتهم.

2- العوامل المؤثرة في هذا النتاج وهي ذات علاقة بمنهجية التفكير وطريقة فهم النصوص والتعامل معها ومع المستجدات.

3- الفتوى والبحث والدراسة والتنظير والتقعيد والنقد والمراجعة والتصحيح والترجيح، وأيضاً الفعاليات الفقهية والفكرية من الندوات والمؤتمرات التي قد تتصل بقضية التعبير عن خصائص الشريعة وغاياتها وسماتها، وذلك لصلتها المؤثرة في الملكة العلمية (الشطر الأول لعملية الاجتهاد كما أشرنا سالفاً).

4- منظومة الأدلة الشرعية باعتبار أن حركة الاجتهاد قد تتأثر سلباً أو إيجاباً بحسب رتبة الدليل سنداً ومتناً وخصوصاً فيما يتصل بالسنة الشريفة وما إذا كان الدليل الذي يبنى عليه الاجتهاد صحيحاً ثابتاً عن رسول الله e أم لا؛ ولذلك فإن نطاق الاجتهاد قد يتسع ليشمل ما فيه نص وما ليس فيه نص، فمقولة الاجتهاد في مورد النص لا تشير إلى أكثر من النص القطعي ثبوتاً ودلالة، بل إن هذا النص هو مِمَّا قد يجتهد في تطبيقه وليس في عينه كما فعل الخليفة الثاني في إسقاطه سهم المؤلفة([45])، أما بقية النصوص سواء كانت ظنية الثبوت والدلالة أو قطعية الثبوت ظنية الدلالة، أو ظنية الثبوت قطعية الدلالة، فإن الاجتهاد يطالها حيث تبقى «تحت مجهر البحث ونظر المجتهدين وذلك لمعرفة طرق إثباتها وتوثيقها، ثم لتوضيح دلالتها وبيانها، وهذا مجال رحب للبحث في إطار النص الوارد وفق منهج توثيق النصوص وقواعد تفسيرها، وهو اجتهاد بأتَمِّ معنى الكلمة»([46]).

وهناك أيضاً اجتهاد بالمعنى الخاص وهو البحث عن حكم مسألة من المسائل لم يرد فيها نص وذلك بالاعتماد على المصادر الاجتهادية من استحسان واستصلاح وغيرها، والمهمة هنا قد تبدو دقيقة وغير يسيرة إذ هي مشروطة ـ في تحقيق أغراضها ومقاصدها ـ بمدى كفاءة المجتهد وتوسع قدرته وإلمامه بقضايا زمانه وضرورات عصره كونه مطالب بتوليد الحكم الشرعي وإنزاله على الواقعة إنزالاً يتلاءم بين مقصد الشارع الحكيم في جلب المصالح ودرء المفاسد وبين مقتضيات العصر ومستجداته([47]). ذلك باختصار ما يمكن أن نعده من مظان العثور على صور التأثير المقاصدي في حركة الاجتهاد.

ثالثاً: حركة التقنين

التقنين لغة: مأخوذ من كلمة قنن، وهي تعني وضع القوانين، والقانون: هو مقياس الشيء وطريقه إليه.

وأما اصطلاحاً فيعني ـ بوجه عام ـ: جمع الأحكام والقواعد التشريعية المتعلقة بمجال من مجالات العلاقات الاجتماعية وتبويبها وترتيبها وصياغتها بعبارات آمرة موجزة واضحة في بنود تسمَّى مواداً ذات أرقام متسلسلة، ثُمَّ إصدارها في صورة قانون أو نظام تفرضه الدولة، ويلتزم القضاة بتطبيقه بين الناس([48]).

ونقصد بتقنين الفقه الإسلامي تطبيق طريقة التقنين الآنف الذكر على الأحكام الفقهية.

وعرّفه بعض الباحثين بأنه: صياغة الأحكام الفقهية ذات الموضوع الواحد، التي لم يترك تطبيقها لاختيار الناس بعبارات آمرة، يميز بينها بأرقام متسلسلة ومرتبة ترتيباً منطقياً بعيداً عن التكرار والتضارب([49]).

وفكرة تقنين الأحكام الفقهية تعود في جذورها إلى عهد الخليفة العباسي كما تشير بعض المصادر([50]).

وقيل: إِنَّهَا تعود إلى ما قبل ذلك التاريخ ـ أي في عهد عمر بن عبد العزيز ـ بل أن البعض يعتبر كتاب (القضاء) الذي بعثه الخليفة عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري فيه معنى التقنين، باعتباره ربط قضاء الأخير بنصوص الكتاب والسنة، وقيد اجتهاده بالقياس على الأشباه والنظائر([51]).

ومهما يكن فإنَّ عملية التقنين قد بقيت مجرد فكرة ولم تشهد أي تطبيق عملي لها، حتى ظهور المجلة (مجلة الأحكام العدلية) في عام (1869م) وقبلها ربما الفتاوى الهندية المعروفة بـ(العالمكيرية)، وبعد ذلك سرت فكرة التقنين إلى كثير من الدول العربية والإسلامية، وما نرمي إليه هو أن فكرة التقنين -ومنذ بدايتها- قد جمعت حولها أنصاراً وخصوماً، فالفقهاء بين مجيز لهذه الفكرة يرى فيها مصلحة ـ وهم في عصرنا الأكثرية تقريباً ـ وبين محرّم لا يجيزها ويعتبرها مفسدة.

وعليه فإن ما نعنيه بحركة التقنين في هذه الورقة هو الوقوف على منطلقات هذه الحركة وبيان أثر فقه المقاصد عليها، وما إذا كان هذا الأثر سلبياً أو إيجابياً.

*    *    *

الفصل الثاني: أثر فقه المقاصد على حركة الاجتهاد

في ضوء ما سبق يمكننا القول بعضوية العلاقة بين فقه المقاصد وحركة الاجتهاد، وأنها من الرسوخ والقوة، بحيث لا يمكن أن نتصور أي حركة إيجابية للاجتهاد من دونها، ولذا كان العلم بمقاصد الشريعة أحد الشروط اللازم توافرها في من يتصدَّى لعملية الاجتهاد، وفي هذا يقول العلامة الشاطبي: «إِنَّمَا تحصل درجة الاجتهاد لمن اتصف بوصفين؛ أحدهما: فهم مقاصد الشريعة على كمالها، والثاني: التمكن من الاستنباط بناء على فهمه فيها»([52]).

وحين تكلَّم الغزالي في شروط الاجتهاد وحصرها في شرطين كان أولهما عنده: «الإحاطة بمدارك الشرع والقدرة على الاستنباط». بل أَنَّهُ لم يجعل شرطه الثاني، وهو العدالة شرطا في صحة الاجتهاد، وَإِنَّمَا شرطاً في صحة تقليد هذا المجتهد واعتماد فتواه([53]).

وقد تحسن الإشارة إلى أن شرط العلم بالمقاصد هو مِمَّا اتفق عليه علماء الأصول، بل أنه مِمَّا لم يتخلَّف فيه مذهب عن مذهب([54]) ومن تعابير بعض العلماء عن هذا الشرط ما قاله الإمام عبد الله بن حمزة: «أن يكون المجتهد عارفا بالله وبصفاته، عالما بأفعاله وأحكام أفعاله، وما يجوز عليه وما لا يجوز، وما يجوز أن يريده، وما لا يجوز أن يريده وبهذا يصح له العلم بحكمته سبحانه وعدله ليصحَّ منه الاستدلال بقوله سبحانه على الأحكام»([55])، وكذا ما أشار إليه الإمام الهادي يحيى بن الحسين من ضرورة العلم بأصول دين الإسلام،والقدرة على رد الفروع إلى الأصول، والمتشابه إلى المحكم([56])، ومع كون مذاهب العلماء قد تتفاوت في بعض التفاصيل ذات العلاقة بإعمال هذا الشرط ودرجة تطبيقه إلا أن ما يمكن الاتِّفاق عليه هو أن مقاصد الشريعة قد بقيت حاضرة في النظرية العامة للاجتهاد.

وهكذا يتبين لنا عمق الصلة بين حركة الاجتهاد وفقه المقاصد، ودونما شك فإن هذه الصلة أو العلاقة لابد وأن تعطي أثرها، بيد أن طبيعة هذا الأثر كما سنرى ظلت تتشكل سلبا وإيجابا بحسب الموقف الاجتهادي من فقه المقاصد أو بحسب أمرين اثنين هما:

1- مدى حضور أو غياب هذه العلاقة بين فقه المقاصد وحركة الاجتهاد.

2- طبيعة هذه العلاقة وما إذا كانت وفق الشكل المعتبر شرعا أم لا.

ذلك أن الحديث عن أثر فقه المقاصد على حركة الاجتهاد يقودنا إلى توجهات ثلاثة -انبثقت في الأساس عن مدرستين عرفتا قديما بمدرستي الرأي والأثر- نتناولها كما يلي:

التوجُّه الأَوَّل:

وقد اتَّخذ أصحاب هذا التوجه موقفا سلبياً متشددا من قضية المقاصد فلم يلتفتوا إليها في قراءة النص ولا في تعاملهم مع الواقع، ولذا جمدوا على حرفية النصوص واعتبروا العقل وعاءاً لظواهرها، فالعقل وفق هذا التوجه ليس من مهامه الغوص إلى ما تحت السطح، أو الإحاطة بأبعاد النصوص أو إثارة عللها أو الحكمة من ورائها، لا بل أنكر هذا التوجه أن تكون الأحكام الشرعية قد ربطت بحكمة أو مصلحه أصلا، وأن من الجائز أن يكون المأمور به منهيا عنه،والمنهي عنه مأمورا به([57])، ولذا يمكن القول بأن هذا التوجه قد مثل الخط المتشدد في مدرسة الأثر ومن هنا عرف أصحابه قديما بالظاهرية،ومع كون هذه المنهجيه من الفهم هي بطبيعتها مِمَّا يتجاوزها الزمن بل أنها لم تعد موجودة في نظر البعض([58]) إِلاَّ أن آثارها ما تزال موجودة وصور إحياءها ما تزال تطل من هنا وهناك، ولذا وجد في عصرنا من يُطلق عليهم اسم (الظاهرية الجدد)([59]).

التوجه الثاني:

ويعتبر هذا التوجّه نقيضا صارخا للتوجه السابق حيث وجد من يتّهم هذا التوجه بالإفراط في استعمال المقاصد([60])، وتعطيل النصوص باسم المصالح والمقاصد([61]) تحت ذريعة الحماس لقضية التجديد، ومواكبة العصر في ظلّ انبهار أصحاب هذا التوجه بما وصل إليه الغرب من النهضة والتقدم،ومع أن التحمّس لهذه القضية هو أمر مشروع ومطلوب، إلا أن هذا التوجه كما يبدو لم يقدم رؤية متوازنة تصل الأصل بالعصر والماضي بالحاضر، فوقع في بعض أخطاء ليست بالهينة – كما سيأتي – اُعتبرت في نظر بعض المفكرين تعبيراً صارخا لما أسموه بـ(نزعة التغريب)([62])، لكن ولأن أصحاب هذا التوجه لا يفتأون يقدمون أنفسهم ضمن الإطار الإسلامي كدعاة إصلاح وتجديد، وكونهم عادة ما يتكئون في أطروحاتهم على شَيْء من اجتهادات الأوائل المحسوبة على مدرسة الرأي ثم يقدمونها بفهمهم الخاص، فَإِنَّهُ يمكننا القول بأن هذا التوجه قد مثل ما يمكن تسميته بخط الغلو في مدرسة الرأي.

التوجُّه الثالث:

وقد اختط هذا التوجه موقفاً وسطاً بين حالة التفريط التي لمسناها في التوجه الأول وبين حالة الإفراط ذات العلاقة بالتوجه الثاني حيث يقوم هذا التوجه على منهج الاستناد إلى العقل في فهم النص، فيكون العقل مستكشفا لكمالات الله، ويكون النص كاشفا لتلك الكمالات([63])، ويتعاونا معاً من خلال عملية الكشف والاستكشاف في بيان وتحقيق مراد الله من العباد، وفي أكناف هذا التوجه عادة ما يتم التوظيف السليم لمقاصد الشريعة ضمن العملية الاجتهادية.

ولذا كان من خصائص هذا التوجه فقه الجزئي في ضوء الكلي، والمناداة بقراءة الواقع في ضوء مقاصد الشريعة الواسعة،والانفتاح على العلوم الأخرى والإفادة منها، والموازنة بين ما يشكل مصلحة، وما يشكل مفسدة، فتجلب المصلحة حين يكون ذلك هو الأصلح في التعبير عن مقصود الشارع، وتدرأ المفسدة حين يكون ذلك هو الأولى والأجدر بتحقيق مراد الشارع ومقصوده. ويمثل هذا التوجه مدرستي الرأي والأثر معا ولكن في خطهما الوسطي والمعتدل الذي يجمع بين صريح العقل وصحيح النقل.

وهكذا يمكننا قراءة أثر فقه المقاصد على حركة الاجتهاد من خلال الوقوف على كل حالة من الحالات السابقة (التفريط – الإفراط –الوسط) وذلك على النحو التالي:

أولاً: أثر إغفال فقه المقاصد (حالة التفريط):

حينما لا يلتفت إلى مقاصد الشريعة فإن الاجتهاد يفقد أهم شرط من شروطه -كما رأينا- وهو ما يعني فك الارتباط أو الانفصال عن المفهوم الحقيقي للاجتهاد الأصيل، المعبر عن خصائص الشريعة الإسلامية، والتي من أهمها: «صلاحيتها ودوامها وواقعيتها ومرونتها وقدرتها على التحقق والتفاعل مع مختلف البيئات والظروف والأطوار»([64]) ولذلك نجد أن معظم الانحرافات الخطيرة والأمراض الفتاكة الكثيرة التي منيت بها أمتنا عبر تاريخها الطويل إِنَّمَا كان وراءها إغفال متعمد وغير متعمد لعظمة هذه الشريعة، وعجزٌ كذلك في التعبير عن مقاصدها، ولعل من آثار ذلك:

1- الجمود والحرفية في فهم النص وتفسيره ومن ثمّ تطبيقه خارج المنحى التعليلي الموصل إلى غرض الشارع مِمَّا أفضى إلى هيمنة النظر الفقهي الجزئي، وتجاوز فقه الأولويات، وبالتالي الوقوع فيما يترتب على ذلك من آثار بالغة الخطورة([65])، ولذا ظهر قديماً ما يسمى بالفقه الظاهري القائم أساسا على المبالغة في التمسك الحرفي بظواهر النصوص، وإغفال المقاصد الجزئية أحيانا فضلا عن ربطها بالمقاصد الكلية، ومثالاً على ذلك ما نجده من الجمود العجيب لدى ابن حزم في قراءته لحديث: «تستأذن البكر وإذنها صُمَاتُها»، فقد رأى أن البكر إذا نطقت صراحة بالرضى فَإِنَّهُ لا ينعقد النكاح عليها لأنه خلاف الحديث النبوي مع أن جمهور الفقهاء قد فهم من هذا الحديث أن البكر إِنَّمَا تستحي في الغالب ولذا كان صمتها دلالة على رضاها، فلو أَنَّهَا تكلمت وعبرت عن رضاها صراحة لكان ذلك أبلغ في تحقق شرط الرضا.

وبذات الطريقة تعامل أيضاً مع حديث: «لا يبُولنَّ أحدكم في الماء الدائم (الذي لا يجري) ثُمَّ يغتسل منه»، وفي رواية: «ثُمَّ يتوضَّأ منه»، فمع أن مقصود الحديث هو اجتناب ما تقع فيه النجاسات من الماء إِلاَّ أننا نجد ابن حزم يرفض قياس الشرب على الوضوء والغسل، إذ حرم على البائل أن يتوضَّأ منه أو يغتسل، وفي ذات الوقت أباح له أن يشرب منه، كما رفض أن يقيس غير البائل على البائل فأجاز لغير البائل ـ إلى جانب الشرب طبعاً ـ أن يتوضأ ويغتسل باعتبار أنه لم يبل فيه هو وإنما قد بال فيه غيره، وأكثر من ذلك أنه ربط الحكم بالبول المباشر في الماء، فلو بال خارجاً منه ثم جرى البول فيه فهو طاهر عنده يجوز الوضوء منه والغسل له ولغيره([66])، وفي هذا من الجمود ما ينبو عنه منطق التشريع([67]) ويمجه «الذوق الفقهي البصير بمقاصد الشريعة»([68])، وعادة ما يؤدي النظر الفقهي الجزئي أو فهم النص خارج الإطار الكلي لمقاصد وقواعد الشريعة إلى ما يمكن تسميته بالفتوى المتزمتة التي قد تجلب المشقة والضرر على الناس بغير حق، ولعلَّ أقدم صورة لهذا النوع من الفتوى المخالفة لمقاصد الشرع، تلك التي أنكرها الرسول e، فقد غضب رسول الله e على قوم أفتوا رجلا أصابته شجَّة، وأجنب فأمروه بالغسل، ولم يعذروه فمات، فقال النبي e: «قتلوه قتلهم الله، هلاَّ سألوا إذ لم يعلموا، فَإِنَّمَا شفاء العيِّ السؤال»([69]).

وفي عصرنا اليوم هناك من تحجبهم النصوص الجزئية عن النظر إلى المبادئ الكلية، ولهذا كانت آراؤهم الفقهية أميل إلى الفقه الظاهري ومثال ذلك عدم الترخيص في أخذ القيمة في زكاة المال، وعدم إيجابها في النقود الورقية مهما بلغت؛ بحجة أن هذه النقود ليست المشار إليها في الكتاب والسنة أي ليست ذهبا ولا فضة ولم يلتفتوا إلى قيمتها، وكذلك الأمر بالنسبة لعروض التجارة وجد من لا يرى وجوب الزكاة فيها كالألباني ومن قبله الشوكاني والقنوجي.

2- وبفعل إغفال مقاصد الشريعة وما يرتبط بذلك في العادة من إقصاء لدور العقل في منحاه الاستكشافي والتعليلي بشكل عام ازدادت الحاجة إلى الدليل اللفظي، ويبدو أن هذه الحاجة قد أنضجتها العديد من الأسباب منها ما يتعلق باعتبارات سياسية تبحث عن غطاء شرعي لها، ومنها ما يتعلق باعتبارات منهجية تبحث عن صمود ما في مواجهة المنهج الآخر (المنهج العقلي أو المقاصدي)،وضمن هذا الإطار وما تخلله من معارك كلامية وردود أفعال ظهر المزيد من التشبث بالدليل اللفظي حتى ولو كان مجرد أثر من آثار الصحابة مِمَّا أدى إلى ظهور القول بحجية قول الصحابي، وظهور ما بات يعرف بعد ذلك (بالحشوية) الذين اتهموا بقبولهم كل حشو مفهوم أو غير مفهوم من الآثار، وفي هذا ما يعبر عن أزمة فقهية كان من آثارها أن فتحت الباب واسعاً أمام الكثير من الأكاذيب والتقولات حتى طالت مجال السنة النبوية، فيما بات يعرف بالإسرائيليات، ناهيك عن المشاكل والانحرافات والتداعيات التي انبثقت عنها.

3- وفي فضاء مثل هذا الجمود الناجم عن إغفال المقاصد نبتت معظم الانحرافات المنهجية الخطيرة من قبيل مفاهيم الجبر والإرجاء والتجسيم والتشبيه إلى غير ذلك من المفاهيم المغلوطة، وما ترتب عليها من اهتزاز الثقة بالله، وتشويه مفهوم الوعيد، وعزل الأسباب عن مسبباتها، والنتائج عن مقدماتها، ورواج الظلم، وغياب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر…إلخ.

وقد تفرَّع عليها العديد من التداعيات الخطيرة التي ظلت تعتمل خلال مئات السنين من الفساد السياسي والانحراف الفكري الذي عانته الأمَّة منذ سقوط الخلافة الراشدة عام 41هـ([70])، مِمَّا ساهم في انحسار الوعي الإسلامي وغياب التصور الصحيح، وقد انعكس ذلك على بعض الرؤى الفقهية، فتعمقت الانحرافات بشكل أكبر، وترسَّخت – على وجه الخصوص- ثقافة الظلم والاستبداد، ومقاومة الإصلاح والمصلحين، ونبذ كل من يحاول أن يرد الناس إلى المحجَّة البيضاء، وهو ما أشار إليه الشيخ الخليلي -حفظه الله-في كتابه القيم (إعادة صياغة الأمة) بقوله: «وقد وجدنا من الفقهاء الكبار من يقول: إنَّ الحسين -سبط رسول الله e- قُتل بسيف جدّه، أي: أنه ثار على وليّ أمر المسلمين الذي تجب طاعته والخضوع له سواء برّ أو فجر، عصى أو أطاع، عدل أو جار، ولا يحاسب على شيء من أعماله، ومخالف حقيق بالقتل، فما أنزله يزيد بن معاوية بالحسين إِنَّمَا كان تطبيقاً بما جاء به الرسول!! فهكذا وصل الناس إلى هذا المستوى من ضلال الفكر»([71]).

ولعلَّ من صور هذا الضلال أيضا أنك تجد من الفقهاء من قد يؤكّد فسق الحاكم، ثُمَّ يكون حكم ذلك عنده عدم جواز الخروج عليه، سواء توافرت أسباب الخروج أم لم تتوافر، وهو خطأ وقع فيه العديدون كابن كثير([72]) والشوكاني لقوله بوجوب طاعة الظلمة([73]) وغيرهما، وفي عصرنا كثيرون أيضا يرددون ذات الطريقة من التفكير، فيحكمون -باسم الشرع -على أي شَيْء بالطاغوتية والفسق، وباسم الشرع أيضا يوجبون الخضوع لِما يعتبرونه طاغوتا وفسقا،على أن تشخيصهم لما يعتبرونه وصفاً شرعياً في كلا الحكمين المتناقضين عادة ما يكون بعيدا عن الفهم الحقيقي للواقع من جهة، ولرؤية الشرع ومقاصده العظيمة من جهة أخرى([74]).

وفي ذلك كله ما يفسر المعاناة الكبيرة التي تكبَّدها مصلحو هذه الأمَّة عبر مسيرتها الطويلة بدءا بالإمام الحسين والإمام زيد بن علي وابنه يحيى، ومرورا بالنفس الزكية وأخيه، وعبد الله بن يحيى طالب الْـحَقّ وغيرهم، وانتهاء برموز حركات الإصلاح المعاصرة، ولذا وجد من يقول بأن الفقه السياسي الإسلامي قد ولد في أحضان الاستبداد، ووضع أساساً لشرعنة ممارسات الحاكم الجائر([75]).

4- كما أن إغفال المقاصد قد أفضى إلى اختلاط الأوليات، فصارت القضايا الاجتماعية لا تحتل الأهمية نفسها التي للقضايا الفردية، وصار المتدين يغار ويسخط لما يرى مخالفات ذات سمات فردية أكثر مِمَّا يسخط ويغار حين يرى أو يسمع بمخالفات تطال الشأن العام – مثال ذلك رد فعل أغلب المتدينين عند رؤية امرأة سافرة عن شعرها، مقابل ردود أفعالهم من منظر طفل يمدّ يده للناس([76])، وفي ذلك صورة معبرة عن حالة فقهية أنضجها الإغراق في التنظير البعيد عن واقع الحياة العملي، وجمود حركة الاجتهاد ضمن الدوائر الجزئية بعيدا عن القضايا والهموم العامة، كأثر آخر من آثار إغفال الفقه المقاصدي، ولعل من خطورة هذه الحالة أن الاستمرار في استمرائها هو مِمَّا يسهم في إظهار الشرع الإسلامي بمظهر القانون الميت الذي لا علاقة له بالحياة العامة للناس وتطوير مداركهم.

5- ويعتبر التقليد أحد أبرز الآثار السلبية التي منيت بها حركة الاجتهاد الفقهي أو منهجية التفكير بشكل عام، ولذا شكل منتصف القرن الرابع الهجري واحدا من أخطر المنعطفات في تاريخ الحركة الفقهية، وخصوصا لدى المذاهب الأربعة،ففي هذا التوقيت بالذات صدرت عن علماء المذاهب الأربعة تلك الفتوى الشهيرة بإغلاق باب الاجتهاد ولزوم التقليد. ومع كونها استندت لتبريرات خاصة من قبيل «مخافة العلماء من الشذوذ الجاهل، والتخبط الأهوج في الأهواء العلمية، وخشيتهم من أن يهدم ذلك ما بناه أولئك الأئمة العظام، وذلك لقعود الهمم عن اكتساب مجموعة الصفات والعلوم اللغوية، والشرعية بالقدر الذي يؤهل للاجتهاد في أحكام الشريعة»([77]).

إلا أن هذه التبريرات تبقى محدودة ومؤقتة وغير كافية باعتبار أن الاجتهاد، مِمَّا ينبغي بقاءه واستمراره كأداة معبرة عن خصائص هذه الشريعة ومقاصدها وصلاحيتها لكل زمان ومكان، وقد كان بالإمكان أن يبقى باب الاجتهاد مشرعاً لمن هو أهله حسب الأصل، كما هو الحال في المذهبين الزيدي والإباضي، خاصة وأن شروطه تغني في الواقع عن تقديم أي فتوى من هذا النوع، ولذلك فقد اعتبرت هذه الفتوى (قراراً تعسفياً في نظر البعض)([78])، (ومظهراً من مظاهر التعصّب المذهبي)([79])، ومهما يكن فلسنا بصدد البحث عن تفاصيل وحيثيات الفتوى ذاتها بقدر ما يمكن اعتبارها تعبيراً صارخاً عن أثر إغفال المقاصد؛ لكونها أفضت إلى التقليد الذي لا تقره مقاصد الشريعة ولا خصائصها، إذ يُقصد به تقليد الرموز في القضايا الدينية الأساسية التي تتعلق بإيماننا بالله وعلاقتنا به ـ جلَّ وعلا ـ، وفي تحديد المصالح والمفاسد التي ترتبط بحركة الزمان وتغير المكان، ثُمَّ أن التقليد يقدم نفسه كأول وأبرز أثر من آثار إبعاد العقل، فهو أساساً العمل وفق تفكير عقل الغير، ولذلك فهو يقضي ابتداءً على ميزة أساسية لدى الفرد هي عقله المستقل، إضافة إلى كونه قد أدى إلى وجود شيء من الكهنوت داخل المجتمع المسلم، وذلك من خلال حصر أمور التشريع والإرشاد الروحي بطبقة محددة في حين تلك الأمور إِنَّمَا تستند إلى العلم كما هو مفترض، وليس إلى أي شكل من أشكال الانتماءات.

بل إن التقليد هو مِمَّا يسوغ تسليم قضية التفكير للغير حتى في القضايا غير الدينية، وهذا أفقد الأمَّة الجرأة على التفكير المستقل، مِمَّا أدى إلى ضعف العقل وتناقص قدراته الإبداعية، ناهيك عن كونه أسهم في إضعاف حرارة تأثير الإيمان، وذلك لأنَّ الفكرة التي تؤخذ إيماناً بعد فكر ونظر أشد تأثيراً من الفكرة التي تأتي جاهزة وتؤخذ تقليداً([80]).

ثُمَّ إِنَّهُ ينطوي في العادة على مخالفة للمقلَّد، فهذه الفتوى مثلاً انطوت على نوع من المخالفة للفقهاء الأربعة، الذين أكَّدوا جميعهم ـ بخلاف الفتوى ـ على ضرورة الاجتهاد، وعبّروا جميعهم بما يذمّ التقليد([81])، وهذه الأمور وغيرها هو مِمَّا يتنافى مع مقاصد الشرع.

ولئن كانت المذاهب الأربعة قد حققت بعض المزايا ـ بعد منع الاجتهاد ـ على صعيد التدوين والتخريج وتشعب الآراء الفقهية ـ كنتيجة لاختلاف الروايات في كثير من الموضوعات عن إمام المذهب نفسه ـ إِلاَّ أن الفقه داخل هذه المذاهب قد آل بعد ذلك إلى الركود والجمود على الأقل من منتصف القرن السابع وحتى ظهور المجلة سنة 1286هـ، عدا بعض الومضات التي انطفأت لكونها بدت وكأنها سابقة لعصرها، حيث ساد الفكر التقليدي المغلق، وانصرفت الأفكار عن تلمس العلل والمقاصد الشرعية في فقه الأحكام، إلى الحفظ الجاف وتقبّل كل ما في الكتب المذهبية دون مناقشة، فانحصر العمل الفقهي في ترديد ما سبق، وحل الفكر العامي محل الفكر العلمي لدى كثير من متأخري رجال المذاهب الفقهية ضمن هذه الفترة([82]) وشاعت كنتيجة لذلك ما عُرف بطريقة المتون في التآليف الفقهية، والتي عمد فيها المتأخرون إلى وضع مختصرات يجمعون فيها أبواب العلم كُلّها في ألفاظ ضيقة يتبارون فيها بالإيجاز إلى درجة قد تصل أحياناً إلى حد الألغاز، وهو ما جعل الشيخ أحمد القباب (شيخ الشاطبي) يصف هؤلاء بأنهم (أفسدوا الفقه)([83]).

6- وفي أحضان هذا التقليد الناجم عن إغفال المقاصد توالدت العصبيات المذهبية، واتسعت دوائر الأحقاد والضغائن، فحلّت لغة العنف والكراهية ـ في أسلوب الخطاب والمعاملة بين المذاهب ـ محل لغة الحوار العلمي والديني والأخوي، حتى امتلأت بعض الكتب المذهبية بمفردات التضليل للآخرين والتبديع والتفسيق، بل بما هو أكثر من ذلك، فلقد يمرُّ قوم بمساجد آخرين ليسوا من مذهبهم فيقولون في تغيظ وزفير ـ وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً ـ: “أما آن لهذه الكنائس أن تُسدّ”([84]).

وهكذا باتَ كُلّ مذهب يمثِّل في نظر معتنقيه دين الإسلام المقدّس ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسلام دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ﴾([85]).

وفي عصرنا ما يزال التعصّب المذهبيّ يقوم بدوره في تعميق الخلافات بين المسلمين، وصور ذلك لا تكاد تحصى كثرة من كتب منشورة وفتاوى مشهورة، حتى وصل الأمر إلى إفتاء البعض بعدم جواز مجرّد الدعاء بالنصر والثبات لفئة مسلمة تقاتل عدواً مشتركاً أهلك الحرث والنسل وقتل الأطفال والنساء، ودنّس المقدسات، ولربما ارتفعت الأصوات في بيوت الله لمجرّد أن مصلياً أرسل في صلاته أو جهر بـ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾، قال العلامة الصنعاني: «وأكثر ما ضرَّ مدّعي العلم أَنَّهُ يرى لمشائخه تعريفات وحدوداً يأخذها تقليداً ويحمل الألفاظ القرآنية والنبوية عليها وليس بمحتاج إلى ذلك، فالقرآن يبيّن بعضه بعضاً ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اختلافا كَثِيرًا﴾([86])، فليس في القرآن اختلاف ولا في السنة، ولكن الاختلاف في أفكار أخذت نزراً من العلم تقليداً، وأوهام اضطربت ولم ترج وعداً ولم تخف وعيداً، فضلَّت وأضلَّت»([87]).

7- وكثيراً ما أدَّى إغفال المقاصد إلى تجاوز مدخل النقد والمراجعة والتصحيح، ومن مظاهر هذا الأثر:

أـ شيوع الخرافة والأساطير المكذوبة، واحتلالها مساحات ليست بالهينة من تراثنا الفقهي والمعرفي بشكل عام، ولعلَّ أخبار الدجال بما فيها من المبالغة وما لا يمكن أن يمتحن الله به عباده، وكذا مصطلح «مفتي الثقلين» إحدى الصور المعبِّرة عن ذلك، وكذا تصورات العلاقة بين الإنس والجنّ التي فرضت نفسها على بعض الفقهاء ليقولوا فيها كلمتهم مثل تشكّل الجن بأشكال الإنس، إذا حدث هذا فهل يحسب هؤلاء في نصاب المصلين يوم الجمعة؟! وموضوع زواج الإنس بالجن، وادعاء الزانية الحمل من جنِّ وهل يدرأ به الحد أم لاً؟!

حتى لقد توهَّم بعض الباحثين الأجانب بأن هذا الزواج بين الإنس والجن أمر ممكن عند المسلمين، وَأَنَّهُ مستمد من قرآنهم، بيد أن بعض العلماء قد أثبت من وجهة نظر الشرع الإسلامي بطلان هذا الزواج، استناداً إلى قوله تعالى: ﴿وَاللّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾([88])، وبالتالي فإن اختلاف الجنس مانع يحول دونه، غير أن المشكلة تبقى في أن بطلان الزواج هذا لا يقرّه جمهور العلماء، كما جاء في طبقات الشافعي للسبكي!

وَمِـمَّا أدى إلى هذا الخلاف حول استحالة هذا الزواج من عدمها شرعاً، أن يحيى بن معين وفقهاء آخرين من أهل السنة ـ كما جاء في تذكرة الحفاظ للذهبي ـ ينسبون ما كان عليه بعض العلماء ـ الذين ذكروا أسمائهم ـ من الذكاء وسرعة الخاطر إلى أن واحداً من آبائهم كان من الجنّ كما يقال، وقد ذكر ابن خلكان أن شخصاً كان أخاً لجني من الرضاع، حتى وصل الأمر إلى أن يبحث بعض العلماء مسألة ما إذا كان للملائكة والجن حق الملك والتملّك([89]).

وفي عصرنا هناك الكثير مِـمَّن يقع في أمراض نفسية وعصبية تحت تأثيرات خرافية في معظمها، وربما كان بعض هذا الموروث وراء ما نرى ونسمع من بعض القنوات الفضائية التي باتت تمارس العلاج على الهواء، بما يوحي للمشاهد أن لدى ضيف البرنامج فريقه الخاص من الجنّ أو نحو ذلك، وأن هذا الفريق هو من يتكفّل بتشخيص حالة المريض وتقرير الوصفة العلاجية.

وفي هذا الخط نشأت ـ أيضاً ـ المبالغة اللامشروعة في تقديس الأولياء والصالحين من عظماء هذه الأمَّة قديماً وحديثاً، والوصول بكراماتهم إلى حد المعجزات، بل إن منها ما لا يجرؤ الإنسان أن يتحدث به([90]).

ومن الناس من قد يتحدثون أنهم رأوا في حجّهم عالماً أو صالحاً يطوف معهم بالبيت العتيق ويسعى بين الصفاء والمروة، مع كونه لم يحج معهم أو يغادر بلده، وهذا أمر تعلّق بالكثير من الصالحين الأبرار، ولكنهم ما إن يسمعوا به حتى يردوه رداً جميلاً([91]).

ب. ولعل من أهم صور تجاوز مدخل النقد كأثر من آثار إغفال المقاصد ما نجده في مجال الأدلة، وخصوصاً علم الحديث من اهتمام بالسند على حساب المتن، وكل هذا الدفاع المستميت الذي نشهده لدى البعض عن متون ثبت بالدليل العقلي والنقلي معارضتها للقرآن([92])، وربما لهذا السبب اشتملت الكثير من المجاميع وكتب الحديث على كثير من الأحاديث المنكرة متناً فيما بات يعرف بالإسرائيليات.

ومثالاً على ذلك فقد أشار الشيخ عبد الله بن محمد الصديق الغماري في كتابه (الفوائد المقصودة في بيان الأحاديث الشاذة المردودة) إلى ثلاثة وأربعين حديثاً حكم عليها بالشذوذ، مع أن أغلبها صحيح الإسناد، وذلك لما رأى في متونها من مخالفات([93]).

وقد أشار كثيرون من قبل ومن بعد إلى هذه الأحاديث، ومن هؤلاء علماء الزيدية والإباضية، لاعتمادهم قاعدة العرض التي تعطي للمتن ذات الأهمية للسند في عملية تصحيح الروايات، وهي قاعدة نصّ عليها الحديث النبوي الشريف، ولفظه برواية الزيدية: «سيكذب عليَّ كما كذب على الأنبياء من قبلي، فما أتاكم عني فاعرضوه على كتاب الله، فما وافقه فهو مني وأنا قلته، وما خالفه فليس مني ولم أقله» ([94]).

وقد أخرجه الإمام الربيع بن حبيب ـ رحمه الله ـ من رواية ابن عباس بلفظ: «إنكم ستختلفون من بعدي، فما جاءكم عني فاعرضوه على كتاب الله، فما وافقه فعني، وما خالفه فليس عني»([95]).

ج. الاحتجاب ضمن الموروث ومعاناة غربة الزمان والمكان يُعدُّ صورة أخرى من صور إغفال المقاصد، وهي صورة اكتملت معالمها في سياق التجاوز لمدخل النقد والتعصّب التقليدي للموروث، ولذلك نجد العديد من المشاكل والإشكالات القائمة اليوم في وجه التجديد ومحاولات النهوض،ليست أكثر من انعكاس لهذه الصورة([96])، وَإِنَّمَا يعود السبب في ذلك إلى كون الموروث الفقهي والمذهبي قد اكتسب مع الزمن ـ في نظر الكثيرين سابقاً ولاحقاً ـ قدسيةً ربّما لا تبعد كثيراً عن قدسية النص، الأمر الذي جعل من الموروث بشكل عام يمارس سلطته المعرفية على الأجيال، ويحجب بحضوره النصوص، بل ويطمس معالمها وما تكتنزه من قدرات ومضامين تتجاوز الفهم البشري لعصر بعينه.

ولعلَّ هذه السلطة العاتية للموروث بغثِّه وسمينه هي من جعلت الصاوي في حاشيته على الجلالين يضلّل الأمَّة بأسرها إن هي لم تقلّد الأئمة الأربعة، ولو وافق قولها ظاهر القرآن والأحاديث الصحيحة وأقوال الصحابة!([97])، وهي من تدفع الكثيرين اليوم إلى تأليف الكتب وتسجيل الأشرطة في التحذير من كل محاولة تتجه إلى الموروث بهدف التصحيح أو المراجعة أو النقد أو الاجتهاد والتجديد، وهناك عشرات الأشرطة والكتب المملوءة أحياناً بالتهم الجزاف لكل من حاول من العلماء أن يصحح خطأ، ومثال ذلك خاض الشيخ الوادعي معركة البقاء في كتابه (ردود أهل العلم على الطاعنين في حديث السحر) كردَّة فعل على موقف الشيخ محمد عبده والشيخ محمد رشيد رضا من حديث السحر، عندما أكدا بأن الحديث يصرّح بما يؤيد كلام الكفّار عن رسول الله، والذي حكاه القرآن بقوله تعالى: ﴿إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَّسْحُورًا﴾([98])، وقد ردّه كُلّ منهما لمعارضته القرآن. وهناك كتب أخرى لا تكاد توفر أحداً من علماء الإسلام المعاصرين مِـمَّن اتجهوا إلى إعادة قراءة الموروث، بل أن بعضها قد حمل عناوين يستحي المرء أن يثبتها في كتاب أو ينطق بها في ملأ.

ولعلَّ ثقافة التقليد التي استمرَّت زمناً طويلاً قد هيأت الذهنية العامة لصالح هذا التوجه المنغلق، فبات يطلق التهم ويضع العراقيل في وجه كل من يحاول الإصلاح دون خوف من أن يشكل ذلك خروجا عن المألوف.

 

ثانياً: الأثر السلبي للتركيز على المقاصد وحدها (حالة الإفراط):

فيما تقدم رأينا كيف أن التفريط بمقاصد الشريعة قد رتب آثاراً ـ أو أضراراً ـ انحرفت معها منهجية البحث والتفكير، وتضررت معها حركة الاجتهاد، كما تراسلت بموجبها تداعيات وأزمات كان لها أثرها وموقعها البارزين ضمن منظومة الأسباب التي قامت ـ في الماضي ـ وتقوم عليها اليوم صيغ الضعف والتخلف والإعاقة في واقعنا الإسلامي. وإذا كان ذلك التفريط قد أسهم في تكوين هذه الصيغ، فإن الإفراط كذلك لن يجد نفسه إلا في موقع الشريك الذي يمد يده هو الآخر لتعميق صيغ المعاناة ذاتها.

ذلك أن الإفراط في استعمال المقاصد، يعني المبالغة في التنكر للجزئيات نصوصاً وأدلة، مقابل المبالغة في النظر المصلحي على أساس الاستقلالية الكاملة للمقاصد، بحيث تصبح المصلحة المجردة من ضوابطها الشرعية هي المعيار المهيمن والحاكم الأول على جزئيات الشريعة لا فرق فيها بين ما هو ظني أو قطعي، فالقاعدة الأصلية عند أصحاب هذا التوجه هي مقولة الطوفي: «حيثما وجدت المصلحة فثم شرع الله».

ولئن كانت المصلحة هي مقصود الشارع الحكيم، إلا أن ذلك لا يعني بحال أن تكون المصلحة ـ في تجاوز النصوص التي قامت عليها في الأصل مقاصد الشريعة ذاتها ـ وما يردده هذا الفريق يمكن أن يكون صحيحاً في ما ليس فيه نص، أما ما كان فيه نص أو إجماع ـ فإن التعبير الصحيح يصبح هكذا ـ «حيثما يكون شرع الله فثم المصلحة»([99]).

وعموماً فهذا الفريق لا يجد حرجاً اليوم في الدعوة إلى استقلال المقاصد عن الأدلة الشرعية، وفي ذلك ما يرتب آثاراً خطيرة، ليس فقط على حركة الاجتهاد، وَإِنَّمَا على حركة الشريعة وتماسكها البنيوي ككلّ، ولعلَّ من صور ذلك ما يلي:

1- أن الإفراط في المقاصد، يعني إعدام الدور الشرعي للأدلة والنصوص في ضبط النظر المصلحي وتنظيم حركة الاجتهاد، وهو ما يفضي إلى تمييع مفهوم الاجتهاد الذي يرتكز في الأساس على التواصل الفاعل بين طرفين هما العقل والنص أو الدليل الشرعي، أو لنقل الذي يرتكز أساساً على عمل العقل المتشبع بعلم الأدلة والمقاصد، حيث يصبح العقل المجرد هنا عن علاقته بالأدلة الشرعية هو جوهر العملية الاجتهادية، وبالتالي يصبح وصف المجتهد في متناول الجميع، وحينها تضطرب الأحكام وتعمّ الفوضى وتطمّ.

ولذلك تجد أن معظم أصحاب هذا التوجه هم من خارج علماء الشريعة كما أشار بعض([100])، بل إن فصائل منهم: «لا تفرق بين الشريعة والفقه فيها، ولم يعرف بعضهم التراث الإسلامي إلا من بوابة الاستشراق ومن كتابات المستشرقين، ومع ذلك فهي الأخرى تفتي وتقضي وتنتج فقهاً، وتحدّد الأولى والأسبق والمهم والأهم من شئون وشجون هذه الأمَّة»([101]).

2- أن الإفراط في التركيز على المقاصد والضغط باتجاه استقلاليتها قد دفع البعض إلى التعامل مع المصطلحات الأصولية، كالقياس أو المصلحة المرسلة والاستحسان، وقاعدة الضرورة ونحوها ـ من زوايا مغايرة تماماً لِما وضعت له ـ فبدلاً من أخذها كمصادر شرعية بالتبعية لها ضوابطها وشروطها، يتم التعامل معها وفق هذا التوجه كأدلة فقط، أو حجج قابلة للتوظيف في تثبيت الدعوة إلى استقلالية المقاصد عن الأدلة الشرعية.

فالاستحسان مثلاً، وما يقال عنه من أَنَّهُ عدول عن الدليل الكلي أو القياس الجلي أو الدليل الضعيف إلى ما توجبه المصلحة ليس في نظر هذا الفريق إلاّ دليلاً على مراعاة تلك المصلحة أو التعويل عليها انفراداً وابتداءً، وعن العرف الذي يعني تحكيم العوائد والتقاليد وفق شروط وضوابط ليست أكثر من برهان على أن المصالح مستجيبة للأعراف، مسايرة للعادات، ولو تناقضت مع الشرع وقيمه وقواعده.

والضرورة تبيح الممنوع، وهي ليست سوى ما يخالف عادة الإنسان في معاشه وحياته، فإذا تغيرت تلك العادة ومالت عن سيرها المعهود، ولو بفقدان الطعام ليوم أو وقع خدش في الجسم، فَإِنَّهُ يجوز للإنسان أن يتناول ما يريد من الممنوعات والمحظورات، وفقاً لِما اضطر إليه أو أكره عليه.

والأمور بمقاصدها ـ أي بما ينويه الإنسان من خير ومحبَّة وعدالة ـ فالعبرة بما في القلوب لا بما في المظاهر من أعمال أو عبادات وأخلاق.

وهكذا تعاملوا مع بقية القواعد الأصولية؛ ليستخلصوا من تعاريفها ما يثبت أحقية دعوتهم إلى استقلالية المقاصد عن بقية الأدلة الشرعية([102])، وبما يرفع من سقف الحرية في تجاوز بعض الثوابت الشرعية ـ كالنصِّ القطعي أو الإجماع ـ في عملية الاجتهاد والاستنباط، وما يمكن ملاحظته هنا هو أن هذا المنهج ـ وإن بدا متوشِّحا بجملة من المبررات ـ هي في ظواهرها مِمَّا يقوم عليه فقه المقاصد إلا أنهم ـ كما أسلفنا ـ لا يأخذونها كما هي بضوابطها أو لغرض أعمالها، وَإِنَّمَا لغرض توظيفها كحجج للاكتفاء بالمقاصد كضابط وحيد لما هو مصلحة، أي أنهم يستعملون هذه الأدلة في تثبيت منهج يصبح عمله مخالفاً لها، ولما تقوم عليه من معايير وضوابط.

وبالإضافة إلى ذلك يتكئ هذا التوجه على كثير من التطبيقات الفقهية والاجتهادية لأعلام السلف وأئمة الفقه وأصحاب الاجتهاد، كاجتهادات الخلفاء وخاصة عمر بن الخطاب في إسقاط سهم المؤلفة، وذلك فقط لتبرير قولهم باستقلال المقاصد عن الأدلة والقرائن الشرعية، ولينتهوا إلى نتيجة مفادها: بأن المقاصد الشرعية «مطلقة عن التقييد أو الضبط بأي قيد أو ضابط، وأنَّها مطلوبة في ذاتها وليست لما يتعلق بها مِمَّا جعله الشارع لها من مناطات أو متعلقات، فالمهم كما يدعي هذا الفريق هو أن تتحقق هذه المقاصد بشتى الوسائل»([103]).

وعليه: يمكن القول بأن هذه الرؤية المقاصدية المفرطة قد أفضت إلى منهج اجتهادي ـ إن جاز التعبير ـ ذو خصوصية مختلفة لعلَّ أبرز ملامحها:

أ ـ حاكمية المصلحة المجردة من أي ضابط، عدا موافقتها للمقاصد العامة للشريعة (كما يرونها).

ب ـ التوهُّم بإمكانية التعارض بين المصلحة القطعية والنصّ القطعي.

ج ـ تغليب المصلحة على القواطع الشرعية من نصوص أو إجماع أو قرائن، لا على سبيل الاستثناء أو الضرورة بمعناهما الشرعيين، وَإِنَّمَا على سبيل الأصل أو التوسع ـ على الأقل ـ في معنى الضرورة والاستثناءات.

3- أن الإفراط في استعمال المقاصد عادة ما يؤدِّي إلى الخلط بين المتغيرات والثوابت، وهو في هذا يلتقي مع توجّه التفريط أو إغفال المقاصد، فالتفريط بمقاصد الشريعة أدى كما أشرنا إلى الجمود، وبالتالي إلى التوسّع في دائرة الثوابت بحيث شملت مساحات ليست قليلة مِمَّا هو متغيّر في أصله، وبذلك ساوى التفريط بين ما هو ثابت ومتغير في حالات كثيرة، والأمر نفسه فيما يتعلق بحالة الإفراط،عدا أن الإفراط هنا قد توصل إلى ذات النتيجة بطريقة مختلفة وذلك من خلال التوسّع في دائرة المتغيّرات؛لتشمل ضمنها الكثير من الثوابت.

ومردّ هذا الخلط بالنسبة لحالة الإفراط هو أن الإفراط المقاصدي قد حرَّك الاجتهاد ضمن المساحة المحظورة، وهي مساحة الأدلَّة القطعية التي لا اجتهاد في موردها كما هو معلوم باتِّفاق جميع المذاهب([104]).

4- أن الإفراط بالنظر المصلحي أو الأخذ بمطلق المصلحة دون الالتفات إلى ضوابطها يؤدِّي في كثير من الأحيان إلى الوقوع في أخطاء ليست بالهينة، وقديماً ـ على سبيل المثال ـ أفرط بعض الفقهاء في الأخذ بالمصلحة فجوزوا قتل الثلث لصلاح الثلثين.

وأجازوا ضرب المتهم بالسرقة استصلاحاً، وتساهلوا في قبول وضع أحاديث الترغيب والترهيب([105])، وأخطاء أخرى وقع فيها بعض الفقهاء على سبيل الاستصلاح المبالغ فيه، والتي قد تخالف الدليل القاطع كالإجماع أو النص القطعي؛ ولذلك تنبّه أئمة أهل البيت وجمهور الفقهاء إلى خطورة التوسع المصلحي دون قيود أو معايير منظمة لذلك، فوضعوا ضوابط وشروط للقبول بالمصلحة، لخصها العلامة الكبير صارم الدين الوزير ـ رحمه الله ـ في كتابه (الفصول اللؤلؤية) بقوله: «أن تكون المصلحة غير مصادمة لنصوص الشارع، ملائمة لقواعد أصوله، خالصة عن معارض، لا أصل لها معين»([106]).

وقد جاءت هذه الضوابط عن رؤية شرعية متوازنة، وقفت وسطاً بين حالة الإفراط المفضية إلى مثل هذه الأخطاء، وبين حالة التفريط، المفضية إلى خلو الكثير من الوقائع عن الأحكام.

5- وفي عصرنا اليوم نجد أن الإفراط في استعمال المقاصد وجعلها مستقلة قد أدَّى إلى الوقوع في أخطاء رُبَّمَا تجاوزت في فداحتها تلك الصور القديمة؛ إذ وجد ما يمكن تسميته بالاجتهاد التبريري، ونعني به الاجتهاد الاستسلامي أو الانهزامي الذي لا يشارك بحركته في صناعة الواقع وتحولاته المتسارعة بقدر ما تبرز حركته في ترسيخ الحالة الاستهلاكية من التبعية والمحاكاة المفرطة، وخاصة في ظل انبهار البعض بما وصل إليه الغرب من النهضة الصناعية والاقتصادية، حيث أطلَّت على عالمنا الإسلامي من بعض أبنائه ألواناً من الآراء والمقترحات، التي لا يمكن بحال إدراجها ضمن تسمية الاجتهادات، باعتبار أن مجال الاجتهاد معروف ـ لا يدخل في مجال الثوابت إلا في حالات نادرة جداً ولضرورة قصوى ـ كجواز الأكل من الميتة عند الإشراف على الهلكة.

ومن تلك الآراء والمقترحات ـ على سبيل المثال ـ المطالبة بإباحة الربا لمصلحة الاقتصاد([107])، أو رفع صفة الربا عن المعاملات البنكية، وبطريقة قد تشبه فقه الحيل أو فقه الظاهرية([108])، وإباحة وتنظيم البغاء والزنا لمصلحة عدم انتشار الأمراض، وإباحة بيع الخمور تشجيعاً للسياحة([109])، واستحسان البعض جواز ظهور النساء المسلمات دون حجاب تشجيعاً للأجنبيات اللواتي قد لا يمنعهن من اعتناق الإسلام إلا استثقالهن للحجاب الذي يفرضه الدين الإسلامي على المرأة([110]).

بل وصلت بعض المقترحات إلى أن المقصد من العبادة هو تزكية النفس وارتقاء الأخلاق، وبالتالي فَإِنَّهُ يمكن أن يتحقق مثل هذا المقصد بأي وسيلة، في إشارة إلى إمكانية استبدال الوسائل التعبدية التي أقرها الشارع بهيئاتها المعروفة، ويقرب من ذلك اقتراح البعض تأدية الصلاة على كراسي لضمان الخشوع والتأمّل([111])، كما اقترح البعض أن يؤدي المسلمين في أمريكا صلاة الجمعة في يوم الأحد لضمان حضور أكبر عدد من المصلين باعتباره يوم إجازة([112])، وإمعاناً في محاكاة الوافد الغربي ترتفع الأصوات النشاز للمطالبة بتعطيل الحدود ـ كالجلد والرجم، والقصاص، وحد السرقة.. الخ، وذلك لمصلحة إظهار الإسلام في صورة معاصرة تنسجم مع التوجه العالمي السائد اليوم، وهكذا تستمر التبريرات التي تنسف القطعيات، وتجعل الأهواء هي بوابة العبور إلى إصدار الأحكام باسم الشريعة؛ اعتماداً على مصالح ليست ظنية وحسب، وإنما وهمية في معظمها لا يعتبرها الشرع بحال؛ ذلك أن «المصالح المجتلبة شرعاً والمفاسد المستدفعة، إِنَّمَا تعتبر من حيث تقام الحياة الدنيا للحياة الأخرى، لا من حيث أهواء النفوس في جلب المصالح العادية أو درء المفاسد العادية»([113]).

وقد اعتبرت بعض الفتاوى التي صدرت عن بعض العلماء صوراً من النظر المصلحي أو المقاصدي المبالغ فيه، ومن ذلك الفتوى التي قضت بتجويز اشتراك الجندي الأمريكي المسلم في صفوف الجيش الأمريكي المقاتل في أفغانستان المسلمة، وذلك بناءً على اعتبارات مصلحية عدها البعض مخالفة لضوابط المصلحة ولحالات الضرورة المعتبرة شرعاً، بل ومناقضة لاعتبارات ومصالح أعلى منها وأهم([114]).

وهكذا يتَّضح الأثر الخطير الذي يرتبه النظر المقاصدي المفرط القائم أساساً على المبالغة في التنكر للجزئيات، حيث يفضي ذلك كما لاحظنا إلى الإضرار بالمقاصد الكلية ذاتها؛ لأَنَّهُ يمكن القول بأن الكليات هي نفسها الجزئيات مجتمعة، وبالتالي فإن التنكّر لأيهما تنكر للأخرى.

ولعلَّ من أخطر تداعيات هذا التوجه أنه أعطى وما زال يعطي المحتجبين ضمن الموروث ـ مِـمَّن يُغفلون المقاصد ـ شيئاً من المشروعية أو المبرر لعملهم الذي لا يتفق ـ كما رأينا ـ مع النظرة المعتدلة للشريعة ومقاصدها، وهذا يجعل الحركة الاجتهادية المتزنة والآخذة بالوسطية والاعتدال بين فكَّين من الإفراط والتفريط كلاهما يضرها ويزيد من معاناتها.

 

ثالثاً: الأثر الإيجابي لفقه المقاصد على حركة الاجتهاد (حالة الوسط)

لم يكن للآثار السلبية المتقدمة ـ رغم وطأتها الثقيلة بطبيعة الحال ـ أن تعدم أهمية المقاصد الشرعية، أو أن تمنع أثرها الإيجابي عَلَى حركة الاجتهاد الفقهي الأصيل، ولا أن تحجب إشراقها أو تجمد فاعليتها أو تحول دون إسهاماتها العظيمة في إبراز خصائص شريعة الإسلام الخالدة في أصالتها وعدلها وتسامحها ووسطيتها، وفي قدرتها أيضاً على الاستمرار والعطاء، وتقديم الحلول والمعالجات عبر كل زمان ومكان.

فلقد كان الوعي المقاصدي حاضراً في الذهنية الفقهية المسلمة، ومشاركاً حقيقياً في إنجاز كُلّ جوانب الإشراق الممتدة على طول المسيرة الفقهية في تاريخ الشريعة الإسلامية الغراء، بدءاً بعصر القدوة والأسوة، ومروراً بعصر الخلافة الراشدة وما تلاها من العصور. وحتى في أشد العصور حلكة وظلامية كانت تلمع من بين الركام إضاءات مقاصدية بحيث بقيت الشريعة الإسلامية محط إعجاب الأمم وقبلة الباحثين والمتزودين والمقتبسين من كل البشر ومن مختلف الشرائع والحضارات، وبالتالي فإنَّ الحديث عن أثر فقه المقاصد على حركة الاجتهاد قد يعني أحياناً الحديث عن تاريخ الاجتهاد والفقه الإسلامي ككل، وهو لا شك تاريخ طويل رُبَّمَا بدأ مع قول رسول الله e: «الحمد لله الذي وفق رسولَ رسولِ الله»، وذلك في ختام حواره المعروف مع الصحابي الجليل معاذ بن جبل وقت بعثه النبي e إلى اليمن؛ ولذلك فإن استقصاء كُلّ التفاصيل ذات العلاقة بأثر المقاصد الشرعية على حركة الاجتهاد ومن ثم استدعاء كل مكونات الصورة عبر العصور هو مِمَّا يبدو فوق طاقة وطبيعة هذه الورقة البحثية، وعليه سوف نكتفي بتقديم صور إجمالية نستوعب من خلالها بعض النماذج ونلتقط بعض المؤشرات التي قد تعبر في مجملها عن أهمية المقاصد ودورها في الحركة الاجتهادية وهو ما سنتناوله عبر النقاط التالية:

1- الالتفات إلى روح النصّ، ويعتبر صورة من الصور المقاصدية في الفهم حيث يوفق فقه المقاصد بين خاصيتي الأخذ بظاهر النص والالتفات إلى روحه على وجه لا يخل فيه المعنى بالنص ولا العكس لتجري الشريعة على نظام واحد لا اختلاف فيه ولا تناقض([115]) مِمَّا ينأ معه الفهم والعقل عن الحرفية والجمود اللذان لاحظناهما سابقاً لدى بعض الظاهرية كابن حزم.

والالتفات إلى روح النص إنما هو بحث في معانيه وتنقيب عن أسراره الموصلة إلى هدف قصده الشارع لحكمة تقوم عليها مصلحة أو تدرأ بموجبها مفسدة، ولذلك أثره الفاعل دون شك في تشكيل الوعي المقاصدي الذي يحاصر عقلية التلقين والتقليد في أضيق دوائرها، ويفتح الأفق واسعاً أما عقلية التفكير والاستنتاج وهو ما يعطي أثره الكبير في تحريك الاجتهاد نحو فهم النص في ضوء مقصده الجزئي أولاً وفي ضوء المقاصد العامة ثانياً ونتيجة لذلك يتمكن الفقيه ـ بشكل أكبر ـ من فهم الحكم وتحديده وتطبيقه.

2- وقديماً شكَّل الوعي المقاصدي للصحابة مصدراً ملهماً في فهم النصوص الجزئية وربطها بكليات الشريعة وأصولها العامة، وبشكل أثرى ملكاتهم الفقهية وزاد من قدراتهم العقلية في تكييف الوقائع تكييفاً شرعياً أصيلاً ومدروساً في إطار الرؤية الشاملة والمدركة لِكُلِّ الاحتمالات، وما يترتَّب عليها ليتحرك النظر الاجتهادي نحو الموازنة الصحيحة والاختيار السليم لِما هو أفضل وأصلح وأنفع للإسلام والمسلمين، فكانت مقاصد الشريعة وراء وضع الخراج وتدوين الدواوين وتمصير الأمصار، واتخاذ السجون مِمَّا لم يكن في عهد رسول الله.

ومقاصد الشرع ذاتها هي من وجهت معاذ بن جبل إلى أخذ الثياب اليمنية بدل العين من زكاة الحبوب والثمار حيث قال لليمنيين: «ائتوني بخميس أو لبيس (أقمشة يمنية) آخذه منكم مكان الذرة والشعير فَإِنَّهُ أهون عليكم وأنفع للفقراء بالمدينة»([116]).

والمقاصد ـ أيضاً ـ هي التي جعلت الإمام علي كرم الله وجهه يأمر أبا الأسود الدؤلي بوضع مبادئ علم النحو حفظاً للغة القرآن وحرصاً على حمايتها بعد أن شكَا عليه أبو الأسود الدؤلي ما لاحظه من اللحن في كلام لإحدى بناته([117]). والمصلحة المقصودة للشرع هي أيضاً من جعلت الإمام علي يضمن الصناع ما بأيديهم من أموال في حال عجزوا عن إثبات أن هلاكها لم يكن بسبب، وقد قال ـ كرم الله وجهه ـ في ذلك: «لا يصلح الناس إِلاَّ ذلك»([118]).

وقد كان لهذا الوعي المقاصدي المبكر والمبارك أثره الكبير في تحريك الاجتهاد لدى التابعين وتابعيهم، حيث تراسلت اجتهادات مشابهة كثيرة ومتعددة، وقد ظهر ما يسمى بمدرسة الرأي في العراق التي نهجت نهج الصحابة في إعمال النظر الفقهي المعزز بالأثر الصحيح والمؤيد بتعاليم الكتاب والسنة وفقه السلف صحابة وتابعين، والمدعم بمراعاة المصالح، وكثيراً ما كانت تستند إلى فتاوى وأقضية الإمام علي بن أبي طالب الذي ازدادت به هذه المدرسة قوة ومكانة، وكذلك عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، وإبراهيم النخعي الذي أخذ عن علقمة بن قيس تلميذ عبد الله بن مسعود، والذي كان يقول: «إن أحكام الله تعالى لها غايات وحكم ومصالح راجعة إلينا»([119])

3- وفي هذا السياق يمكن القول بأن الفقه أو الوعي المقاصدي قد وفر أسباباً مهمة هي في العادة مِمَّا يدخل في تكوين الرؤية المكتملة للمجتهد؛ إذ هو باستمرار يلفت أنظار الفقهاء إلى ضرورة المزاوجة بين الجزء والكلّ، وبين الفرع والأصل، والمحكم والمتشابه، كما يشير على الدوام إلى أهمية الأخذ بالاستثناء ـ حين تطرأ شروطه وظروفه ـ وبشكل يوازي أهمية الأخذ بالأصل ـ حين تستمر ظروفه وشروطه ـ وقد جاء في الحديث النبوي: «إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يُـحِبُّ أن تؤتَى عزائمه»([120])، وهو مصداق قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾([121])، ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾([122])، فكان من آثار ذلك أن توجهت حركة الاجتهاد نحو التعبير عن سماحة هذا الدين، ورحابة شريعته الخالدة، وما تقوم عليه من أسس الرحمة، والرفق، والتيسير، والعدل، والإحسان، ورعاية المصالح…إلخ. فنجم عن ذلك مئات المؤلفات الفكرية والفقهية المعبرة عن ذلك، ولعلنا هنا نكتفي فقط بالإتيان على ذكر بعض القواعد الفقهية ذات النمط المقاصدي لكونها الأكثر التصاقاً في موضوع الاجتهاد والأكثر تأثيراً أيضاً في حركته وتشغيله؛ فعليها قامت آلاف المسائل والأحكام الفقهية، وعليها تقوم اليوم دعوات الحثّ على الاجتهاد والتجديد، وتقوم عليها أدلة الدفاع عن سماحة هذه الشريعة وشواهد ديمومتها وخلودها، ولذلك عدها بعض العلماء القسم الثاني من أصول الشريعة ومنهم العلامة القرافي حيث قال في مقدمة كتابه (الفروق): «إن الشريعة المحمدية اشتملت على أصول وفروع، وأصولها قسمان: أحدهما المسمى أصول الفقه… والثاني: هو القواعد الكلية الفقهية وهي جليلة كثيرة لها من فروع الأحكام ما لا يحصى…»([123])، ومن هذه القواعد المقاصدية قاعدة: رفع الحرج والضرر يزال، والمصالح والمفاسد راجعة إلى خطاب الشارع، والتكاليف كلها راجعة إلى مصالح العباد في دنياهم وأخراهم([124]) ودرء المفسدة أولى من جلب المصلحة، والمصلحة العامة مقدمة على المصلحة الخاصة، ومثلها قاعدة: يتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام، والمشقة تجلب التيسير، أو الأمر إذا ضاق اتسع، والضرورات تبيح المحظورات، والعمل بالقرائن، وقاعدة: لا ينكر تغير الأحكام بتغير الزمان والمكان، أو تتغيّر التكاليف بتغير الأزمنة والأمكنة والأحوال والأشخاص([125])، والأمور بمقاصدها، واليقين لا يزول بالشك وغيرها كثير، وقد أشارت (مجلة الأحكام العدلية) إلى عدد من هذه القواعد بلغت تسعاً وتسعين قاعدة كلية وتبعية([126]).

وبالرغم من أن القواعد الكلية المأثورة في الفقه الإسلامي لا يعرف لأي منها صائغ معين من الفقهاء، عدا ما كان منها نص حديث نبوي، كقاعدة «لا ضرر ولا ضرار»، إِلاَّ أَنَّهَا قد نالت اهتمام العديد من كبار العلماء والفقهاء على اختلاف المذاهب الإسلامية، وعلى أيدي هؤلاء ربما اكتسبت صياغتها الأخيرة صقلاً وتنقيحاً وتداولاً([127])، وبقي الاهتمام بها بعد ذلك محلّ اعتبار الكثير من الفقهاء المدركين لأهميتها في حفظ وتيسير الفقه، فنشأت المؤلفات التي تحمل اسم القواعد أو تبحث فيها داخل كل مذهب تقريباً. وفي عصرنا شهد الفقه الإباضي والفقه الإمامي اهتماماً ملحوظاً على صعيد استخراج القواعد جمعاً وتدويناً ونشراً.

ولا شك أن الاشتغال بالقواعد الفقهية والأصولية هو ضرب من ضروب العمل المقاصدي، ومؤشر على أهمِّية مثل هذا العمل في تنشيط حركة الاجتهاد، وذلك لأنَّ من هذه القواعد ما هو مقاصدي، ولأنَّ فنّ التقعيد قُصد به أساساً أموراً مقاصدية كثيرة، على نحو خدمة الفقه وتيسير الرجوع إليه، وتحقيق مصالح الناس ومنافعهم في الامتثال والتدين والتقاضي والتعامل([128]).

وقد أشار الدكتور رضوان السيد إلى اهتمام عبد الرحمن الكيلاني بالربط بين المقاصد والقواعد الفقهية ذات التوجه المقاصدي، والتي زادت عنده على الخمسين قاعدة، وفي حين ربط الكيلاني بين القواعد والمقاصد يرى السيد أن القواعد تقع في منزلة وسط بين فقه التعليل وفقه المقاصد([129])، ولذلك اعتبرت في نظر الدكتور عبد الرحمن السالمي بمثابة الجسر بين القياس والمقاصد، فالعلة تعنى بالجزئيات، والمقصد يعنى بالكليات والمعاني الكبرى للشريعة، وبينهما القواعد الشرعية التي تضمن التواصل والانفتاح بينها، وعلى هذا فالقياس لم ولن يجمّد الفقه إذا ظل منفتحاً على المقاصد([130]).

4- ويعتبر الثراء الفقهي الذي نلاحظه في عموم الفقه الإسلامي بشتى مذاهبه صورة من صور هذا التواصل بين جزئيات وكليات الشريعة عبر انفتاح للقياس ـ يضيق ويتسع أحياناً ـ على المقاصد العامة، فكل هذه الثروة الفقهية الهائلة تعبّر في مجملها عن حركة اجتهادية فاعلة كان العامل المقاصدي من أهم أسبابها، إذ قلّما نجد مذهباً من المذاهب الفقهية لم يأخذ بمقاصد الشريعة في مناهجه الاستنباطية ولو تحت مسميات أخرى.

ودونما شكّ فإنّ بإمكان الباحث أن يستدعي مئات الصور التي تعضد هذه الحقيقة وتعكس الطبيعة المقاصدية فيها، وذلك من خلال استقراء اجتهادات المجتهدين داخل كل مذهب، بيد أن الأمر لا يتسع هنا للوفاء بذلك، ولهذا قد تكون الإشارة إلى موقع المقاصد في المنهجية الأصولية لدى هذا المذهب أو ذاك كافية للكشف عن هذه الحقيقة. وعلى سبيل المثال فإن القياس قد مثّل في تاريخ الفقه المدخل الأكبر للاجتهاد، حتى عدّه البعض كالشافعي مرادفاً للاجتهاد، بحيث يمكن القول أن كل هذه الثروة الفقهية، وما لا يستطاع حصره من اجتهادات المجتهدين قد كان وراءها الاعتماد على القياس، فإذا علمنا أن الفكرة المقاصدية كانت فيما مضى جزءاً من القياس باعتبارها نشأت كضرب من ضروبه في سياق المنحى التعليلي ـ كما أشرنا سابقا ـ فَإِنَّهُ يمكن القول بأن أثر العامل المقاصدي بشكل أو بآخر قد كان أيضاً معتمداً ومؤثراً في حركة الاجتهاد، وبالتالي فيما أنتجته هذه الحركة من ثروة فقهية، فهو وإن لم يكن يعمل عمله تحت مسمَّى (المقاصد) قد كان يعمل عمله تحت مسميات مختلفة كـ(الاستحسان) أو (المصالح المرسلة) أو (مراعاة الضرورة).. وهذه كلها ـ كما بين ابن عاشورـ هي مِمَّا يندرج إثباتها تحت مظلة المقاصد([131]).

فالحنفية مثلاً عبّرت عن مقاصد الشريعة تحت ما أسمته بـ(الاستحسان) في حين كانت المصلحة المرسلة أو الاستصلاح هو المدخل الاعتباري لمراعاة المصلحة الملائمة لمقصد الشارع بالنسبة للمذهب المالكي، مع اختلاف بينهما قد لا يتجاوز الشكل، فالأول اعتمد الاستحسان كضرب من ضروب القياس، في حين اعتمد الثاني عنوان المصلحة المرسلة بشكل مستقل عن القياس([132]).

كما أخذ المذهب الزيدي بمفهوم القياس الموسع الذي يعتبر (المناسب المرسل) واحداً من ضروبه التي يعتمدها([133]).

وكذلك اعتمد المذهب الإباضي الالتفات إلى مقاصد الشرع في عملياته الاجتهادية التي جسدت عملياً أخذه بالاستحسان والمصلحة المرسلة([134])، وهذا ما أكده العلامة المفتي([135]).

وراعى الفقه الشافعي مقصود الشارع أيضاً والتعليل أحياناً بما يفيد الأخذ بالمصلحة، رغم إنكار بعضهم على من يأخذ بالمصلحة المرسلة([136])، كما أصبح المذهب الحنبلي يأخذ بالمصالح المرسلة.

وقد نجم عن كل ذلك حركة اجتهادية رائعة أنتجت فقهاً غزيراً مع ملاحظة الضرر الكبير الذي لحق بالمذاهب الأربعة خصوصاً، نتيجة التزامها التقليد المفروض عليها منذ وقت طويل خلا بعض المحاولات التي قد نشير إلى بعضها لاحقاً لأهميتها.

أما هنا فقد يحسن استدعاء نماذج من الأثر المقاصدي على حركة الاجتهاد وما ترتب عليها من نتائج راعت المصلحة الخاصة والعامة للإسلام والمسلمين، ولكي لا يطول الحديث سوف نأخذ المذهبين الزيدي والإباضي نموذجاً مع شيء من التركيز على المذهب الزيدي، لا لشيء، وَإِنَّمَا لكون البحوث والدراسات قد أظهرت الكثير النافع من مقاصدية الفقه الإباضي، في حين لم تتصل عناية الباحثين بالمذهب الزيدي، والحديث عنه هنا ليس أكثر من إشارة إلى أهمية أن تصله عناية العلماء والباحثين، لِما يمكن أن تحققه هذه العناية من الوقوف على ما يُثري المصلحة المنشودة لعموم الأمة المسلمة إن شاء الله.

الزيدية والإباضية نموذجاً

تلتقي الزيدية والإباضية مع بقية المذاهب الإسلامية في عموميات المنهج الاستدلالي مع تقارب كبير أيضاً معها في كثير من التفاصيل، أما فيما بينهما على وجه الخصوص فإن هذا الالتقاء والتقارب يبدوان بدرجة أكبر مع احتفاظ كل منهما ـ طبعاً ـ بما يميزه عن الآخر، وهذا الالتقاء الكبير بين الزيدية والإباضية راجع في واقعه إلى عوامل كثيرة جمعتهما، سواء من حيث النشأة وظروفها أو من حيث التاريخ، أو من حيث البيئة الموضوعية فكراً وفقهاً.

فكلاهما نشأ في النصف الثاني من القرن الأول، وكلاهما ذاق مرارة الاضطهاد الأُموي والعباسي، وكلاهما قدّما العديد من الثورات التصحيحية والحركات التحررية ضد الظلم، وهذا التاريخ شبه المشترك([137])، إِنَّمَا يعبر في كثير من جوانبه عن تلاقي اندماجي في معظم المسائل العقائدية والكلامية المتصلة بقضايا العدل والتوحيد والقول بالتحسين والتقبيح العقليين([138]) فالزيدية مثلاً لا تتوقع تعارضاً بين العقل السليم والقرآن الكريم أو السنة الصحيحة، ومثل ذلك رأي الإباضية؛ لأَنَّ الشرع عندهما لا يأتي بما يناقض العقول([139]).

والزيدية تعتمد المحكم في فهم المتشابه وتأويل النصوص التي قد توهم في ظواهرها بما يخالف مقاصد الشرع الحنيف([140])، ولذلك فهي بشكل دائم تراعي الموازنة والتناغم بين الفرع والأصل، والجزء والكل، فالزيدية والإباضية يأخذون بقاعدة العرض التي نصّ عليها الحديث النبوي الشريف([141]).

وإذا كانت الزيدية ـ ومثلها الإباضية ـ قد أبزرت من خلال هذه القاعدة أهمية المتن كمعيار من معايير توثيق الحديث صحة وثبوتاً، فإنهم ـ أيضاً ـ يعطون الأهمية ذاتها للسند، فالزيدية على سبيل المثال تحرم التساهل في أحاديث الفضائل الموضوعة دون بيان ضعفها أو بطلانها([142])، وكذلك الأمر بالنسبة للإباضية([143]).

وبالنسبة لحديث الآحاد فَإِنَّهُ لا تثبت به العقائد عند الإباضية([144])؛ لأَنَّهُ لا يوجب العلم وإن كان يوجب العمل، والأمر نفسه بالنسبة للزيدية([145]) وكذلك بالنسبة لمذهب الصحابي فَإِنَّهُ لا يعتبر حجَّة عند الإباضية([146]) تمنع الاجتهاد على اجتهاده، وكذلك الحال عند الزيدية([147]) وغير ذلك من المسائل، مِمَّا أفضى إلى تقارب حقيقي في منهجية التفكير والتعبير، وفي طرائق الوصول إلى الأصول التي شكّلت بطبيعتها الوعاء الفكري والفقهي لدى هذين المذهبين، وحددّت البيئة الموضوعية لحركة الاجتهاد، ولذلك بدت موضوعات الفقه ومنهجية الاستنباط في هذين المذهبين وثيقة الصلة بالعقيدة أو بالفكر الإسلامي، فأصول الدين داخلة في علوم الاجتهاد لتوقف صحَّة الاستدلال بالسمعي عليها.

وعلى سبيل المثال: فمقولة “ما من عام إِلاَّ وقد خصص” والتي تُشير إلى دلالته الظنية، هي مقولة صحيحة عند الزيدية ولكن بشكل نسبي وليس بشكل مطلق، أي أن هناك عموميات لا يجوز أن يرد عليها التخصيص، مثل قوله تعالى: ﴿وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾([148])، وقوله تعالى: ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾([149])، وكذلك الأمر بالنسبة للإباضية، ففي الأصول الثابتة لا يمكن أن تكون دلالة العام ظنية([150]).

وهذا الالتقاء بين مقاصد العقيدة ومقاصد الشريعة هو مِمَّا يعطي أثره الكبير والحتمي في تحريك الاجتهاد وبالشكل الذي يجعل الفقه أقرب للتعبير عن رؤية دينية شاملة ومتزنة، ولعلَّ ذلك ما باتت تدعو إليه وتنظر له بعض الكتابات المعاصرة كأساس لانطلاقة الاجتهاد نحو التجديد([151]) وهي محقة في ذلك كما يبدو؛ لأَنَّ “الكثير من الاعتقادات التي نؤمن بها قابلة لأن ندخلها في عملية الاستنباط”([152])، ولأننا نرى في الموروث الفقهي والإباضي على حد سواء ما يعبّر عن مقاصدية من هذا النوع جعلت باب الاجتهاد مشرعاً على الدوام، وحتى حين أقدم فقهاء المذاهب الأربعة على إغلاق باب الاجتهاد وتحرير الفتاوى بوجوب التقليد بقي مبدأ الاجتهاد ساري المفعول داخل هذين المذهبين، وظلَّ بابه مفتوحاً لأهله([153]) فكانت الزيدية في هذا ـ ومثلها الإباضية ـ الأكثر إعمالاً لمقاصد الشريعة، وهذا بطبيعة الحال جنّب الذهنية الفقهية لديهما مزالق الوقوع في آثار إغفال المقاصد التي تقدّم ذكرها، كما أكسبها ـ في الوقت نفسه ـ خصائص وسمات مقاصدية لعلّ أهمها:

1- الانطلاق من العدل كأحد مقاصد الشريعة، والاتصال بقضايا وهموم الناس، ولهذا تجد مباحث الإمامة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حاضرة بقوَّة في الفقهين الزيدي والإباضي، وكان لهذا المقصد أثره الواضح في فتاواهم واجتهاداتهم وفي أقوالهم وأفعالهم، وقد تضمَّنتها سير أئمتهم وعلمائهم وكتبهم، وهي كثيرة([154]).

2-  الحضور الدائم لهاجس الوحدة بين المسلمين والتأليف بينهم، وقد تجلّى ذلك من خلال الانفتاح المذهبي والاطلاع على ما لدى الآخر، والتحرّك ضمن المشترك في كثير من المجالات، ومثالاً على ذلك: فإن تكبيرات صلاة الجنازة عند الزيدية هي خمس تكبيرات، ولكنهم أجازوا العدول عنها إلى أربع تكبيرات إذا كان الإمام زيدياً والمأمومين من مذهب يرى عدد التكبيرات أربعاً لا خمساً، تَمسكاً من الزيدية بمقصد الوحدة والتأليف بين المسلمين، ويقرب من هذا في الفقه الإباضي ما نجده من فتوى الإمام أبي علي موسى بن علي في قضية زواج المرأة بدون ولي “فهو يرى ـ على ما جاء في الحديث عن النبي e ـ أن الزواج بدون ولي لا يصحّ، إِلاَّ أَنَّهُ يقول: إن وقع الدخول بينهما لم أجرؤ على التفريق بينهما، وقد علّل العلماء فتواه هذه بأنه نظر إلى أن الحنفية لا يشترطون الولي في زواج المرأة”([155]).

ونجد الإمام القاسم بن إبراهيم الرسي يضع آلية تقريبية بشأن الاختلاف في فهم السنة، فيقول: «وأصل الكتاب فهو المحكم الذي لا اختلاف فيه، الذي لا يخرج تأويله مخالفاً لتنزيله. وفرعه المتشابه من ذلك فمردود إلى أصله الذي لا اختلاف فيه بين أهل التأويل. وأصل السنَّة التي جاءت على لسان الرسول e، ما وقع عليه الإجماع بين أهل القبلة، والفرع ما اختلفوا فيه عن الرسول. فكل ما وقع فيه الاختلاف من أخبار رسول الله e فهو مردود إلى أصل الكتاب والعقل والإجماع»([156]) وهو من خلال هذا النص يضع آلية الحل ورفع الاختلاف بين المسلمين، وهي الحوار، وحددت الأسس أو المرجعية التي ينبغي الاحتكام إليها (أصل الكتاب ـ الذي هو المحكم ـ والعقل، والإجماع). ويترتب على ذلك: تعظيم أثر اتِّفاق الأمة وإجماعها في ما اتفقت أو أجمعت عليه من السنة، باعتبار أن ذلك هو الأصل الذي يجب أن يكون حاضراً في أذهان المسلمين عامة، كإطار واسع وثابت، يجمع شتاتهم، ويصون جوهرهم، ويشعرهم على الدوام بوحدتهم وتقاربهم، ومن جانب آخر لا يترتب على المختلف فيه ـ من السنة ـ تفسيق المخالف أو تضليله أو تكفيره؛ لأن ذلك فرع يجب أن يرد إلى الأصل الجامع.

3-     وهذا الإمام يحيى بن حمزة في موسوعته (الانتصار) يعرض إلى جانب الرأي الزيدي آراء المذاهب المختلفة في مسائل وأبواب الفقه، ويستوفي لكل رأي حججه بمنتهى الأمانة العلمية ودون غضاضة. ثم يوازن بينها ويُعمل نظره تأصيلاً وترجيحاً لاختيار الأصلح والأرجح دليلاً ومنفعة، وربما خرج عن آراء فقهاء الزيدية ليوافق في رأيه رأي مذهب آخر، ومثل ذلك قد نجده في موسوعة (بيان الشرع) للعلامة الإباضي محمد بن إبراهيم الكندي النزوي([157]) ، فكان عملهما أشبه بما يدعو إليه البعض في عصرنا وهو فكرة المجمع العلمي للفقهاء، الذي يحقق مبدأ تبادل النظر، ويؤدي إلى تكامل الفقه وتطوره ([158]).

وفي مثل هاتين الموسوعتين ـ أيضاً ـ ما يؤكد نبذ ومفارقة التعصّب المذهبي الذي يقضي ـ في العادة ـ على الكثير من نقاط التقارب والالتقاء، والإمام يحيى بن حمزة ليس إلا واحداً من نماذج زيدية كثيرة سابقة عليه ولاحقة، وهذا ما جعل الشيخ أبو زهرة يعبر عن ذلك بقوله: «وإنا نجد في كل مذهب تعصّباً من معتنقيه خصوصاً في القرنين الرابع والخامس إِلاَّ المذهب الزيدي، فإنا نجد من معتنقيه قبولاً لِكُلِّ ما يكون له مستند من الشرع، وفي الوقت الذي نجد فيه الفتن في العراق وفي بلاد ما وراء النهر تقع بسبب التعصّب نرى المذهب الزيدي هادئاً كالبحر الساجي، يحمل في سفائنه خير ما في الكنوز الإسلامية من فقه»([159]).

4- وقد كان الوعي بمقاصد الشريعة عند الزيدية يحرّك الاجتهاد نحو اقتحام الواقع والأخذ بزمامه وضبط إيقاعاته؛ لينتج عن ذلك فقه اجتماعي حضاري يعطي الشرعية الكاملة لمقاومة الظلم والجهل والمرض والتخلف، ليحل محلها العدل، والعلم، والصحة، والتنمية، والحفاظ على البيئة والبناء والعطاء، ونشر الرحمة ليس فقط لبني الإنسان وإنما إلى ما هو أبعد من ذلك كما سنرى.

وبدلاً من الخوض في تاريخ طويل على شواهد ومظاهر ما ذكرنا، فإننا نكتفي هنا فقط بالإشارة إلى مجالات الوقف الزيدي، والتي تعد إحدى الصور العملية لحركة اجتهادية تبلور نتاجها الفقهي إلى سلوك وممارسة، فكان أشبه بثقافة عامة نتمنى اليوم أن تبعث من جديد، فمن مجالات هذا الوقف إلى جانب مجال المساجد والقائمين عليها([160]) ما يلي:

مجال التعليم:

ويشمل: “وقف المدارس، وقف العلماء والمتعلمين، وقف الأربطة، وقف المصاحف والكتب، وقف المكتبات، وقف الدرس وقراءة القرآن، وقف المنازل (جمع منزلة) وهي الأماكن الملحقة بالمساجد التي يسكنها طلبة العلم”.

ودونما شك فإن الاهتمام بالعلم هو اهتمام بحفظ العقل أحد المقاصد الضرورية كما هو معروف، وهو مقصد يدور في فلك المقاصد العليا للشريعة من قبيل حفظ الدين وعبادة الله على يقين.

المجال الصحي:

ـ وقف الجذمان: وهو ما تم وقفه وحدد مصرفه لإنشاء الدور التي كان يجمع فيه المجذومون لمنع انتشار العدوى، إضافة إلى الإنفاق عليهم.

ـ وقف ذوي العاهات: وهو ما تم وقفه وحدد مصرفه لصالح ذوي العاهات من معاقين ومجانين ومكفوفين وعاجزين عن العمل، وغيرهم.

ـ وقف زيارة المرضى: وهو ما تم وقفه وحدد مصرفه لمن يتولى زيارة المرضى وطمأنتهم، وشراء بعض الهدايا لهم.

ـ وقف المنقه: وهو ما تم وقفه وحدد مصرفه لصالح المنقه الفقير (الذي خرج من المرض لفترة النقاهة).

ـ وقف ضربة الشمس: وهو الوقف الذي ينفق عائده على معالجة من يصاب بضربة الشمس وخصوصاً من العاملين الضاربين في الأرض.

ـ وقف العلاج النفسي: وهو وقف يصرف على موظفين مختصين يكلف كل اثنين منهم أن يقفا قريباً من المريض بحيث يسمعهما ولا يراهما، فيقول أحدهما لصاحبه: ماذا قال الطبيب عن هذا المريض، فيرد عليه الآخر: إن الطبيب يقول إِنَّهُ لا بأس عليه، فهو مرجو البرء ولا يوجد في علته ما يشغل البال، وربما نهض من فراش مرضه بعد يومين أو ثلاثة.

ـ وقف مؤنس المرضى والغرباء: وهو وقف ينفق منه على عدة مؤذنين من كُلّ رخيم الصوت حسن الأداء فيرتلون القصائد الدينية ليلاً حتى ينام المريض أو الغريب.

مجال العبادات المختلفة:

و تشمل: وقف تسهيل فريضة الحجّ، فبالرغم من أن الحج لم يفرض إِلاَّ على القادرين عليه من خلال قوله تعالى: ﴿وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾([161])، إِلاَّ أنَّ قوة الشعور الديني تجعل الكثيرين يتوقون لتأدية الفريضة، وهنا يأتي دور الفقه ليحث الميسورين على إعانة مثل هؤلاء.

وقف الجهاد في سبيل الله: وهو ما تَمَّ وقفه وحدد مصرفه في إعداد المقاتلين بجميع اختصاصاتهم وأعمالهم كالرماة، والمدافعين، والقائمين على إصلاح الأسلحة وخزنها، إضافة إلى فك أسرى المسلمين من أيدي الأعداء، وهذا الوقف وسيلة ـ من الإعداد والاستعداد ـ لتحقيق هدف الجهاد الذي يعتبر هو الآخر وسيلة إلى حفظ الدين المقصد الأول من مقاصد الشريعة كما هو معروف.

ـ وقف البارود: وهو الوقف الذي يخصص ريعه لشراء البارود لاستخدامه في حماية الدين والدفاع عن المدن والقرى من أي اعتداء.

ـ وقف يوم عاشوراء.

ـ وقف شهر رمضان، ويشمل: وقف الفطارة (إفطار الصائم)، وقف مدفع رمضان ويخصص ريعه لتجهيز مدفع رمضان للإعلان بمواعيد الإمساك والإفطار، وهو مِمَّا يظهر محاسن الشريعة.

ـ وقف العيد، وهذا الوقف خصص من أجل مشاركة أكبر عدد من الفقراء أفراح الناس وبهجتهم، ويشمل: (وقف لحم العيد، وهو الوقف الذي يخصص ريعه لشراء الأبقار والأغنام لذبحها يوم العيد، وتوزيع لحومها على الفقراء والمساكين، وقف عطر العيد، ويخصص ريعه لشراء كميات من العطور توزع على الفقراء والمساكين، ويعطر بها من حضر صلاة العيدين.

ـ وقف مراقبة الأهلة (الأرصاد) وينفق ريعه على القائمين على مراقبة الهلال في شهر رمضان وغيره.

ـ وقف البهجة: وينفق ريعه لإحياء المناسبات الدينية.

مجال محاسن المياه:

وتشمل: ـ وقف الأسبلة، وينصب هذا الوقف في تيسير الحصول على مياه الشرب للمارة، وصيانتها وتزويدها بالمياه بصورة مستمرة.

ـ وقف الآبار، ووقف الغيول، ويخصص الأول في حفر الآبار وإنشاء مشاريع مياه الشرب، وأما الثاني فيخصص في صيانة منابع الغيول، وتنظيف وإصلاح مجاريها وسواقيها.

ـ وقف المواجل (البرك) ووقف الأحواض، التي تخصّص لجمع مياه الأمطار وإقامة حياض المياه المخصصة لشرب المواشي في الطرقات والميادين العامة.

ـ وقف السقايات، ووقف الجرَّة، ويخصص الأَوَّل لإقامة السقايات المخصصة لجمع المياه الصالحة للشرب، والثاني لشراء الجرار ووضعها في الطرقات العامة في المدن وملئها بالمياه لشرب المارة.

وقف السدود والحواجز، ووقف السلبة، ويعني الأخير وقف الحبل، وهو المخصص ريعه لترميم وصيانة وشراء الحبال التي تستخدم في رفع المياه من الآبار.

مجال المواصلات:

وقف المواصلات والطرق البرية والبريد، ويشمل:

ـ وقف الطرق والممرات والجسور.

ـ وقف النقيل، ويخصص ريعه لصيانة وإصلاح النقيل (عقبة أو قبة في طرقات المسافرين).

ـ وقف حراسة وتأمين طرق المواصلات، وهي الأعيان الموقوفة للإنفاق على القائمين بمهام حراسة الطرق وتأمين المواصلات البرية بما يجعلها سالكة وبعيدة عن مخاطر قطاع الطرق.

ـ وقف الاستراحات (الخانات) ويخصص ريعها لإنشاء استراحات على امتداد طرق المواصلات ليلجأ إليها المسافر عند حرارة الشمس أو نزول المطر.

ـ وقف إطعام المسافرين، وهي التي يخصص ريعها لتهيئة وتوفير ما يحتاجه المسافر وابن السبيل من طعام وشراب له ولراحلته مجاناً وفق مبادئ الضيافة والاهتمام بابن السبيل التي دعا إليها الإسلام.

ـ وقف منارات السفن: وهي الأعيان الموقوفة والمخصصة ريعها لتأسيس وتسيير منارات سفن المسافرين عبر البحر، وإرشادها؛ إسهاماً في سلامة المسافر عبر البحر وعودته إلى أهله.

ـ وقف الجرَّة والسبيل في الطرق لتوفير المياه على امتداد الطرقات.

ـ وقف الدكَّات والمخصص ريعها لإنشاء دكات الموانئ لرسو السفن وصيانتها بما يكفل عدم تعطلها بركابها في البحر، إسهاماً مجاناً أيضاً في الحفاظ على سلامة الإنسان أحد مقاصد الشريعة، وهو (حفظ النفس).

المجال الاجتماعي:

ويشمل: وقف الفقراء والمساكين،وقف رعاية الأيتام، وقف تزويج الشباب العزاب من الأسر الفقيرة، وقف الطعمة، وهو الذي يخصص ريعه لتوفير الطعام في الدواوين والمنازل لإطعام الغرباء والمسافرين وعابري السبيل والفقراء والمساكين، ويدخل في هذا بعض أوقاف الكفارة كما يشمل أيضاً (وقف الدويدار) وهي الأعيان الموقوفة والمخصص ريعها لشراء الأواني والخزف أو الفخار، فكل خادم كسرت آنيته وتعرض لغضب مخدومه له أن يذهب إلى هذه الدائرة من الوقف، فيترك الإناء المكسور ويأخذ إناءً بدلاً عنه، وبهذا ينجو من غضب مخدومه عليه، الذي قد يعرضه لا سمح الله للفصل وفقدان وسيلة عيشه.

وهناك ما يسمى بوقف الأعراس، وهو عبارة عن مجموعة من الحلي والزينة والملابس الموقوفة ليستعير منها الفقراء ما يلزمهم في أفراحهم وأعراسهم، وبهذا يتيسر للفقير أن يبرز يوم عرسه بحلة لائقة هو وعروسه، حتى يكتمل الشعور بالفرح، كما يدخل في هذا المجال ما يسمى بوقف الغاضبات، ويؤسس من ريع هذا الوقف بيوتاً لإصلاح ما يقع بين الزوجين من خلافات، ولحماية الزوجة من الأذى؛ حتى يذهب ما بينها وبين زوجها من الجفاء.

وأيضاً: هناك وقف الأمّهات، أو ما يسمى بوقف الحليب، وهي الأعيان الموقوفة لإمداد الأمهات المرضعات بما يحتاج إليه أطفالهن.

وفي هذا السياق هناك وقف فرحة الولاد؛ لتشجيع النساء على زيارة نساء الفقراء وحمل الهدايا إليهن بعد الوضع.

وهناك وقف السكون، وهي الأراضي الموقوفة والمخصصة لإقامة المساكن لمن أراد من الفقراء والمعدمين، وكذا البيوت الموقوفة لمن لا يجد مالاً يشتري به داراً أو يستأجرها فيسكن فيها هو وأولاده.

ـ وقف دور الرعاية الاجتماعية، وهي الدور الموقوفة للرعاية المجانية للأيتام، واللقطاء، والعجزة، والعميان، والمقعدين، وهنالك أعيان موقوفة تخصص عائداتها لإمداد المقعدين والعميان بمن يقودهم ويخدمهم، ووجد أيضاً ما يسمى بوقف أسر السجناء، وهي ما يخصص عائداتها للإنفاق على أسر السجناء وأولادهم من غذاء وكساء..الخ.

كما أن هناك ما يسمى بوقف الإقراض؛ لإقراض المحتاجين، ووقف المتعلمين الحفاة، ويخصص ريعها لشراء الأحذية لطلاب العلم الفقراء الحفاة بالذات.

مجال الخدمات العامة الأخرى:

ومنها: وقف النظافة، وهي الأوقاف التي خصص ريعها للإنفاق على نظافة المساجد والأسبلة والأحواض والبرك والطرقات، وغيرها من المحاسن بما يكفل بيئة نظيفة كما أرادها الله.

ـ وقف المسرجة: وهي الأموال التي توقف لصرف ريعها على شراء المسارج وتوفير الزيوت لها وصيانتها وللقائمين عليها، والتي تستخدم في المساجد والمحلات العامة والدواوين والطرقات، وهي ترفد وقفيات الواقفين التي أتينا على ذكرها سابقاً بما يحقق مبدأ التعاون الذي قصده الشارع في قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾([162]).

في مجال الحيوان ورعاية الطيور:

وكان للحيوان أيضاً نصيبه من اهتمام الرسالة الإسلامية في مقصدها الواسع ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ([163])، ومن ذلك:

ـ وقف حمام مكة: وهي المخصص ريعها لتوفير حبوب طعام للطيور والحمام التي تتواجد في ساحات الحرم المكي الشريف.

ـ وقف الدواب والمواشي: وهي الأوقاف المخصصة لتوفير المراعي والأعلاف والمياه للمواشي والدواب السائبة، ورفد الخيول أيضاً بما يلزمها عند الجهاد.

ويأتي مثل هذا الوقف انعكاساً لرأي الإمام علي بن أبي طالب ـ كرّم الله وجهه ـ الذي خالف فيه رأي عثمان، حينما رأى الأخير التقاط السائبة ومن ثم بيعها وحفظ ثمنها حتى ظهور من يملكها، فقد رأى الإمام علي ـ كرّم الله وجهه ـ أن يبنى لها مكاناً تحفظ فيه لحين ظهور أصحابها، فإن ذلك أحفظ لها من مخاطر السرقة والضياع من ناحية، ومن ناحية أخرى أحفظ لحق صاحبها من أن يتصرف غيره في بيعها.

ـ وقف رعاية الحيوانات المريضة:

ـ وقف ملطع الكلب، وهي التي ينفق ريعها على إقامة أماكن مخصصة لشرب الكلاب، وتسمى الواحد منها (الملطع).

ـ وقف الغنم الجرباء: وهي الأوقاف المخصص ريعها لشراء الأعلاف لإطعام الأغنام المصابة بالجرب وغير القادرة على الخروج للمرعى.

ـ وقف تربية القطط: وهي الأوقاف المخصص ريعها لتربية القطط والاعتناء بها؛ لكي تقوم بأكل القوارض في المكتبات للحفاظ على الكتب.

وبذلك تتأكد أصالة النزعة الإنسانية الحضرية في تشريع الوقف عند المسلمين، تحقيقاً لقوله تعالى: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾([164]).

حيث نلاحظ من خلال ما أشرنا إليه من مجالات الوقف عند اليمنيين استيعاباً واضحاً لمقاصد الشريعة القائمة على الرحمة، كما نلمس في تلك الصور اتصالاً حميماً بمقاصد الشريعة على اختلاف مراتبها (الضرورية، والحاجية، والتحسينية) وكذا تواصلاً بين هذه المراتب مع بعضها، فالمقصد التحسيني يدور في فلك الحاجي ويدعمه ويقويه، والحاجي كذلك يدور في فلك الضروري ويعضده ويقويه، وهي في جملتها تعكس حيوية فقه اتصل بهموم الناس وقضاياهم؛ خاصة وأن جل الواقفين هم في العادة من الأئمة والعلماء والصالحين من الناس رحمهم الله تعالى وكتب أجرهم.

5ـ ونجد في الفقه الزيدي من الاجتهادات ما قد يساعدنا اليوم في تأصيل الكثير من قضايا الفقه الإسلامي المعاصر، وخصوصاً المتصلة بالسياسة الشرعية، وما يسمى اليوم بفقه الواقع وفقه الأولويات وفقه الموازنات..الخ، لاعتبارات لعل من أهمها: أن معظم أئمة الفقه الزيدي كانوا أئمة علم بلغوا مرتبة عالية من الاجتهاد، وإلى جانب ذلك كانوا أيضاً أئمة حكم ورجال دولة، وبذلك كانت مقاصد الشريعة تدفع آرائهم الفقهية إلى الأخذ بعين الاعتبار المصلحة العامة للإسلام والمسلمين، وتكييف الوقائع على أساس متين من التقدير العالي لاختلاف الزمان والمكان والأحوال والأشخاص، واعتماد الموازنة والأخذ بالأولويات، ونتيجة لذلك أخذوا من الأصول أوسعها، وفرضوا الاجتهاد بقوة، بحيث كان لكل زمان ومكان ما يلائمه من الأحكام الاجتهادية([165])، ولهذا فإن الزيدية لا تعد مذهباً فقهياً واحداً، وإنما مثلت إطاراً فكرياً موحداً لمذاهب فقهية متعددة. فالإمام زيد صاحب مذهب فقهي له أتباعه ومقلدوه، وكذلك الأمر بالنسبة للإمام القاسم بن إبراهيم الرسي، والإمام الهادي كذلك أيضاً له مذهبه الفقهي المتبوع، وهناك أئمة آخرين من المجتهدين المتبوعين لدى الزيدية كالإمام أحمد بن عيسى والأخوان الهارونيان، وكذلك الأخوان الناصر والمرتضى ـ ابنا الهادي ـ وفي هذا ما يعبر عن حركة اجتهادية آخذة بعين الاعتبار مقاصد الشريعة التي كانت توجههم إلى تقدير عنصر الزمان والمكان والالتفات إلى الضرورة ومصالح الناس، وهو ما تقوم عليه اليوم دعوات التجديد المعاصرة.

ولقد وقف الشيخ مُـحَمَّد أبو زهرة على جوانب كثيرة من الأصول الرحبة في الفقه الزيدي، فعبّر عن ذلك بما يشبه الإشارة إلى اعتبار الفقه الزيدي نموذجاً في القدرة على مسايرة العصور، وبالتالي في تجسيد خصائص الشريعة ومقاصدها، وهذا ما نفهمه من قوله ـ رحمه الله ـ: «وإنه بملاحظة أصول الزيدية، يتبين أنهم أخذوا من الأصول والمناهج أوسعها مدىً، وكلما كثرت الأصول كان المذهب أكثر نماءً وأوسع رحاباً، فإذا أضيف إلى ذلك فتح باب الاجتهاد والتخريج في كل العصور وكثرة الأئمة الذين خرجوا واجتهدوا واختاروا، مع فتح الباب للآراء في المذاهب الأربعة وغيرها، كان هذا المذهب أكثر المذاهب الإسلامية نماءً وقدرةً على مسايرة العصور»([166]).

وسوف نكتفي هنا كخاتمة للمقاصدية عند الزيدية بجواب لأحد أئمتها ـ وهو الإمام الهادي ـ عندما سأله أحد أتباعه عن مستنده في إعطاء الفقراء سهمهم من الزكاة تارة ومنعهم منه تارة أخرى؛ فقد أجاب على السائل بقوله: «وقد سألتَ عن ذلك فافهم، وإذا فهمت فاعلم أن من لم يعرف شيئاً أنكره، ومن لم يعرف حقيقة أمر عظمه، أما علمت إن جهلوا، وفهمت إن غفلوا أن رسول الله e لَـمَّا أن أتاه مال من البحرين، يقال إِنَّهُ ثمانون ألف أوقية من أعشار البحرين، ومن جزية ذمتها ومن صواف كثيرة كانت بها، فقسم الثمانين ألفاً في مجلسه على جلسائه، يعطيهم غرفاً غرفاً، وكفاً كفاً، حتى لم يبق من ذلك شيء، وذلك أَنَّهُ e علم أن ذلك أصلح للإسلام في ذلك الوقت من القسم على السهام الثمانية.

وكذلك فعل في غنائم حنين، وهب للمؤلفة من خمسين بعيراً، إلى مائة بعير، إلى مائتين إلى ثلاثمائة، وحرم المهاجرين والأنصار في ذلك الوقت، حتى تكلم من تكلم من الأنصار، فكان منه من الفعل ما قد بلغك، وذلك فلم يفعله e إِلاَّ للصلاح الذي رآه، فأمضى رأيه في الغنائم، ولم يقسمها على أهلها نظراً منه عليه السلام للمسلمين والإسلام.

وكذلك كان فعلنا في العشر نقسم مرة، ونتركه مرة، نتحرى في ذلك الإصلاح للإسلام إذا رأيناه وبان لنا وعرفناه، وإذا استغنى الإسلام والمسلمون، وقلت حاجتنا إلى هذه الأعشار قسمناها على أصنافها، أو من وجدنا منهم، وإذا احتاج المسلمون والإسلام إليها آثرناهم بها على أهلها نظراً منا لهم، ومعرفة بأن ذلك أرجع في كل الأمور عليهم. وذلك أن الدار لا تصلح إلا بالجيوش والأنصار، والخيل والرجال، ولا تقوم ولا تجتمع إلا بالأموال، فنظرنا فإذا بالبلد الذي نحن فيه ليس فيه شيء غير هذه الأعشار، وإن نحن – عند حاجة المهاجرين والأنصار إلى القوت، وما به ندفع الهلكة والموت، من دفع هذه الأعشار التافهة إليهم، وردها دون الاصناف عليهم – دفعناها إلى المساكين وغيرهم من الأصناف المذكورين هلكت الجنود المجندة، وتبددت الجماعة المجتمعة، وافترق المهاجرون، وذل المسلمون، ووقعت البلية وعظمت المصيبة، وشملت الفتنة، ولم تضبط البلاد، ولم يصلح أحد من العباد، وعلا الظالمون، وخمل المؤمنون، وبطل الجهاد، وخربت البلاد، وشمل البلاء، وذل الأمر والرجاء، فهلك في ذلك الضعفاء، وشح الأغنياء، ومات الفقراء ووقع الضياع، وكثر الجياع. وعلمنا أنا إن آثرنا بها من به قوام الدار من أهل الإسلام من المهاجرين والأنصار استوسقت السبل، وأمنت البلاد، وعاش العباد، وتجر التجار، وعمرت الديار، وزرع الزارعون، وتقلب المتقلبون، واستغنت الرعية، وحسن حال البرية، فعاش بينها أهل الصدقة من هؤلاء الأصناف المذكورين، وسخا الأغنياء بالعطية للطالبين، وتقلب الفقراء والمساكين في دار الأغنياء الواجدين، وتكسبوا معهم، وأصابوا من فضلهم، وحسنت بصلاح دارهم حالهم، واستقامت لعز الإمام أمورهم. فلهذا المعنى قسمنا الصدقة عند ما يستغني عنها الإسلام والمسلمون، وحبسناها عند ما يحتاج إليها ويضطر الأنصار والمجاهدون، نظراً منَّا للرعية، واحتياطاً في الحياطة للبرية، وأداء إلى الله سبحانه النصيحة لعباده، وإحساناً وأداء إليه ما استأمننا عليه من أموال بلاده، فصرفناها في اصلاح الدين والمسلمين، ورددناها على الأصناف من المسلمين حيثما كانوا اجتهاداً لله في النصيحة، وتأدية منَّا إليه ما حملنا من الأمانة؛ إذ كنا عن ذلك مسؤولين، وبإحسان النظر للإسلام والمسلمين مأمورين، وعن التفريط فيما يصلح البلاد منهيين»([167]). وتجدر الإشارة إلى ما قاله الشيخ الجيطالي الإباضي في كتابه (قواعد الإسلام) «وإن كان الإمام محتاجاً إلى جميعها ـ أي الزكاة ـ في عزّ الدولة ومصالح الإسلام أخذها كلها، وَإِلاَّ فرّقها على الفقراء كما قدمنا»([168]).

وعليه فإن فهم النصوص في ضوء المقاصد الشرعية، قد أعطى الاجتهاد عند الزيدية ـ ومثلها الإباضية ـ معنى الحركة والاتصال بالواقع، ذلك أن «النظر إلى الأحكام على أنها قواعد ذهنية مجردة تمارس بشكل آلي بعيداً عن إدراك ما يترتب عليها ينتهي بالاجتهاد إلى العزلة عن واقع الحياة وتحقيق مصالح العباد»([169]).

6ـ ويعد فقه الواقع أحد الملامح المقاصدية التي طبعت حركة الاجتهاد المعاصرة، إذ هو مِمَّا توفره مقاصد الشريعة في مواجهة المستجدات الهائلة التي تظهر بين الحين والآخر. حيث تزداد الدعوات لتكثيف الجهود الفقهية في سبيل إبراز هذا النوع من الفقه، وإدخال الزمان والمكان كعنصرين أساسيين في منهج الاستنباط([170])؛ لما لهما من أثر في تحريك العملية الاجتهادية، وإعطاء الفقه حيويته المطلوبة.

وقد تَمخَّض عن الالتفات إلى المقاصد وأثر الزمان والمكان عدد وفير من البحوث، اشتملت على شيء من المعالجات الجادة التي تدعو إلى إعادة النظر في مناهج الاجتهاد والعمل على تفكيك بعض أدواتها، وإعادة بنائها في ضوء المتطلبات الراهنة([171])، ومثالاً على ذلك: فقد شدَّد الخميني على إدخال عنصري الزمان والمكان في عملية الاجتهاد، كما أدخل شرط الخبرة السياسية في من يصدق عليه وصف المجتهد، وعلّل ذلك بقوله: «إن كثيراً من الأحكام العبادية تصدر عنها معطيات اجتماعية وسياسية، فعبادات الإسلام عادة توائم سياسته وتدابيره الاجتماعية.. فليس من المقبول ـ عنده ـ أن يقول المجتهد: إنني لا أعطي رأياً بالأمور السياسية»([172]).

وقد توصَّل من خلال ذلك إلى نظرية ولاية الفقيه التي تحمّل الفقيه مسؤولية التصدي لقيادة الأمة، وبصرف النظر عن ما قد تستحقه هذه النظرية من إشادة أو نقد، فإن مجرد اشتراط الخبرة السياسية قد كان له أثره في مطالبة الفقيه بإحراز المعارف التي يضيفها أو يثيرها مثل هذا الشرط.

وإذا كان ذلك ما يتطلبه الاجتهاد لمصلحة المسلمين من وجهة نظر (ولاية الفقيه) فإن مصلحة المسلمين لدى الطهطاوي وخير الدين التونسي مثلاً قد اقتضت العمل على إنشاء نظام سياسي لرعاية المصالح العمومية عن طريق إقامة التنظيمات والمؤسسات([173]).

7ـ وقد اقترنت بفقه المقاصد صفة الإنقاذية؛ لكونه طبع حركة الاجتهاد بإنقاذ الشريعة من التهميش ـ إن جاز التعبير ـ واستدعاء ما تكتنزه من حلول ومعالجات، والاتكاء على قدرتها الفائقة في تجاوز المحن وتخطي الصعاب، ولهذا قيل: بأن جميع الحركات الإصلاحية في تاريخنا الإسلامي القديم والمعاصر، إنما بدأت مشروعاتها في التغيير برد الاعتبار لمقاصد الشريعة([174]).

وحتى الإمام الشاطبي ـ رحمه الله ـ حينما نجح في بلورة المقاصد إلى نظرية قابلة للبناء عليها([175]) كان دافعه الأكبر لتحقيق هذا النجاح من صنع ظروفه المحيطة، وما وجده في زمنه من الفرقة والاختلاف والتناحر بين المسلمين([176]).

ولعلَّ ما يؤكد ذلك أن فقه المقاصد قد بدأ حيويته المتجددة وخصوصاً في العقدين الأخيرين من القرن الماضي في المغرب وليس في المشرق، وما ذلك إلا لأن حجم التحديات الحضارية كان كبيراً بالنسبة للمغاربة، فهم قريبون من أوروبا، وهم كانوا أصحاب أرض محتلة([177]).

واليوم وقد بات العالم أشبه بالقرية الصغيرة وبات المسلمون في مغربهم ومشرقهم أمام تحديات واحدة ومتماثلة فإن أثر المقاصد رُبَّمَا يتجلى في جملة من الصور والمصاديق ـ التي ما تزال دون التطلع المنشود ـ ولكنها رغم ذلك تبقى مهمة ومؤثرة في تفعيل حركة الاجتهاد، ومن ذلك:

أ‌. الاهتمام المتنامي والملحوظ بفقه المقاصد، وقد نلمس ذلك من خلال كثافة البحوث والدراسات، وكذا اعتماد هذا الفقه كمادة مستقلة ضمن كليات الشريعة في عدد من الجامعات العربية والإسلامية، وحضوره في محاور وتوصيات العديد من الندوات والمؤتمرات الفكرية والفقهية([178]).

ب‌. وتحت تأثير الوعي المقاصدي تتبلور اليوم العديد من الرؤى لدى الكثير من العلماء والمفكرين من مختلف المذاهب، جميعها يدعوا إلى استئناف النظر في التراث وإعادة بناء العلوم الإسلامية، وتدشين حقول معرفية جديدة([179]) تواكب الوتيرة الحياتية المتسارعة، وتجيب عما تولد ويتوالد على الدوام من إشكالات تكتنف مسيرة الفقه والتجربة الفقهية، وبما يكشف عن خلود وعالمية وحاكمية الدين الإسلامي وشريعته السمحاء، ومثل هذا التوجه لا شك هو مِمَّا يفيد عملية الاجتهاد، وعلى سبيل المثال، فقد قبل بعض علماء القرن الماضي بمفهوم المواطنة وتحددّت لديهم ـ بموجب ذلك ـ أولويات وأفهام وأحكام فقهية جديدة، وكان ذلك نتيجة لمراجعة الموروث واستدعاء عناصره الحية، التي تمثلت لهم ـ بخصوص هذه المسألة ـ فيما نقله الفخر الرازي في تفسيره الكبير عن القفال الشاشي من إمكانية تجاوز قسمة الأرض المألوفة لدى الفقهاء (دار حرب- دار إسلام – دار عهد) إلى دارين هما: دار إسلام، وهي التي يدين أكثر أهلها بالإسلام، ودار دعوة، وهي التي على المسلمين أن يوصلوا إليها الدعوة، ويبلغوها الرسالة، وأن أمم الأرض وشعوبها أمتان: أمة إجابة، وهي الأمة المسلمة. وأمة دعوة، وهي: الأمم الأخرى.

ج‌. ويعتبر التوجه نحو فقه النظرية إحدى صور الأثر المقاصدي على حركة الاجتهاد، ذلك أن طبيعته الأصولية والفقهية تقربه من معنى النظام الفقهي، وهو ما يمكن أن يلهم علماء الإسلام في صياغة النظريات الفقهية التي تحتاجها الأمة في جميع مجالاتها ومعاملاتها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والبيئية والإنسانية بشكل عام([180]).

وقد نلمس آثار ذلك في بعض الكتابات الفقهية لدى الشهيد الصدر، وطريقة الشيخ الزرقاء([181]) في عرضه لنظرية الملكية في الفقه الإسلامي، وكذا نظرية العقود، وفيما يصدر أيضاً عن المعهد العالمي للفكر الإسلامي من دراسات وأبحاث، ولئن كان الشاطبي قد اعتمد في موافقاته أطروحة الضروريات الخمس «الدين، النفس، العقل، النسل، المال» فإن هناك من ينظر إليها بوصفها نماذج وردت على سبيل المثال لا الحصر([182]).

وقديماً أضاف السبكي «حفظ ماء الوجه» كمقصد سادس([183])، وأضاف ابن عاشور «الحرية» كمقصد سادس أو سابع، ومثله رفاعة الطهطاوي([184])،ويوجد اليوم من يدعو إلى توسعة مثل هذه المقاصد؛ بحيث تشمل مفاهيم وقضايا جديدة من قبيل «التنمية ـ البيئة ـ حقوق الإنسان ـ الحرية ـ الإنسانية ـ العالمية..»([185]) وفي هذا ما يكشف عن مرونة فقه المقاصد وقابليته للزيادة والنماء، وهو ما أشار إليه الشاطبي في كتابه الموافقات([186])، بيد أن كثيراً مِمَّا يطرح اليوم من آراء ـ على أهميتها ـ لا تعدو كونها مقترحات، باعتبارها لم تحظ بالتفاعل الفقهي المطلوب لإنضاجها وبلورتها إلى نظريات اجتهادية مؤصلة، ودونما شك فإن ذلك يعود إلى أسباب كثيرة ومتعددة لعل من أهمها التشويش الكبير القادم من فريق التفريط بالمقاصد، الذي يقرن أي محاولة تجديدية بفكرة الاستلاب والتغريب والانقلاب على الماضي، ومعه سلطة الموروث العاتية وتيارها العارم من الناس، وكذلك التشويش القادم من جهة الإفراط في استعمال المقاصد الذي لا يقل هو الآخر إزعاجاً وضجة، وفي هذا الزخم المقلق والمحبط أحياناً تتراسل أسباب أخرى من أهمها: غياب التواصل والاتصال والتنسيق بين الفقهاء، ومحدودية الدور الإعلامي في ترويج ثقافة الرأي والرأي الآخر وممارسة النقد وحشد الرأي العام حول خط الوسطية والاعتدال؛ لتكوين تيار عارم يساعد في تجاوز عقبات وإشكالات التجديد القائمة. ومع ذلك فإن مثل هذه الندوات الفقهية والالتقاءات العلمية وكذا قيام المجمعات الفقهية وتزايد الدعوات إلى أسلمة المعارف وإلى الاجتهاد الجماعي القائم على فكرة التكامل والتخصص..الخ، تبدو أعمالاً مقاصدية لا تخلو من فائدة وأثر على درب الوصول إلى تحقيق آمال وتطلعات الأمَّة، بما يخدم الدين ويعز الإسلام والمسلمين.

 

الفصل الثالث: أثر فقه المقاصد على حركة التقنين

يمكننا أن نتصور طبيعة الأثر المقاصدي على حركة التقنين من خلال ما توصلنا إليه في المباحث المتقدمة عن أثر المقاصد على حركة الاجتهاد، فقد وجدنا أن فقه المقاصد ـ بشكل عام ـ يرتكز في جوهره على مبدأ جلب المصالح ودرء المفاسد، ولذلك كان أثره كبيراً في تحريك العملية الاجتهادية؛ كونها تجسد خصائص الشريعة، وتعمل على بلورة أهدافها السامية وغاياتها العظيمة، وفي ذلك ـ لا ريب ـ مصلحة للعباد ومنفعة كما رأينا.

وعلى هذا الأساس يصبح أثر فقه المقاصد على حركة التقنين مرتبطاً بمآل هذه الحركة أو بما قد يترتَّب عليها من مصلحة أو مفسدة، فإما أن تنتهي عملية التقنين إلى مصلحة ومنفعة، وعندئذ يمكننا القول بأن أثر المقاصد على هذه الحركة هو أثر إيجابي وذو طبيعة داعمة، وإمَّا أن يترتَّب على عملية التقنين الفقهي مفسدة ومضرَّة، وحينها سيكون أثر المقاصد الشرعية ذا طبيعة سلبية على حركة التقنين.

وفي كلتا الحالتين يكون فقه المقاصد قد أدّى دوره في جلب المصلحة ودرء المفسدة، ذلك أَنَّهُ: «يحافظ على المقاصد من جهة الوجود بفعل ما يفضي إليها، ومن جهة العدم بترك ما يؤدي إليها»([187]).

لذلك يصبح السؤال الجوهري في هذه المسألة هو:

ما هي المصلحة أو المفسدة التي يمكن أن تتمخض عن عملية التقنين؟!

كما تصبح الإجابة عليه بمثابة الجسر الذي قد يوصل أو يفصل بين فقه المقاصد وحركة التقنين. ودونما شكّ فإنَّ التقاط الإجابة الدقيقة يظل أمراً مرهوناً باستدعاء مكوناتها، وهي مكونات يتقاسمها في الواقع رأيان فقهيان على طرفي نقيض:

ـ أحدهما: يمنع التقنين ولا يجيزه باعتباره مفسدة.

ـ والآخر: يجيزه ويدعو إليه باعتباره مصلحة، وكلاهما يدعي شرعية الموقف وقوة الْـحُجَّة.

وقد علمنا فيما تقدم أن الشريعة معقولة المعنى، وذات حكمة بالغة تقوم عليها مصالح الخلق في حالهم ومآلهم.. وبالتالي فإننا سنتناول أثر فقه المقاصد على حركة التقنين من خلال محورين رئيسين هما:

1- منطلقات عدم التقنين وعلاقتها بالمقاصد، وسوف نتعرض تحت هذا العنوان أيضاً لمناقشة حركة التقنين وأثرها على حركة الاجتهاد.

2- منطلقات التقنين وعلاقتها بالمقاصد.

أولاً: منطلقات عدم التقنين وعلاقتها بالمقاصد:

يتَّكئ هذا الفريق على جملة من الأدلَّة في موقفهم المضاد لحركة التقنين أهمها:

1- أن التقنين سوف يلزم القاضي بما رجَّحه واضعو التقنين في ذلك، مخالفة لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾([188]) وقوله تعالى: ﴿فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾([189])، والقسط إِنَّمَا هو العدل، فإذا كان القول الملزم به قد ظهر للقاضي من وجوه الأدلَّة الشرعية أن الصحيح خلاف ذلك القول المقنن صار العدل في أن يحكم وفق معتقده لا بما ألزم به، وإلا كان في ذلك تقديم القول غير المعصوم على ما يعتقده عن المعصوم، ولا خلاف في تحريمه عند أهل العلم([190]).

2- ويستدعي هذا الفريق صوراً من التاريخ يرى أَنَّهَا مِمَّا يدعم التوجه ضد التقنين، ومن ذلك أن التقنين بالشكل الذي يلزم القاضي مخالف لما جرى عليه العمل في عهد النبي e وخلفائه الراشدين، ومن بعدهم.

3- أن فكرة التقنين قد عرضت على بعض السلف الصالح، كالإمام مالك من قبل أبي جعفر المنصور فردها، وبيَّن فسادها، فهي إذن فكرة رفضها السلف([191])، ولذلك عندما طلب الملك فيصل بن عبد العزيز تقنين أحكام المعاملات من الفقه الحنبلي، تم رفض مثل هذا الطلب، حيث قامت اللجنة المكلفة بدراسة شرعية وقانونية مستفيضة حول الموضوع، ثُمَّ قدَّمت هذه الدراسة لهيئة كبار العلماء بالمملكة، فصدر قرار الأغلبية في الهيئة برفض الفكرة وتحريمها، وقد جاء في ذلك: «إن التدوين المراد يؤدّي إِلَى ما لا يحمد عقباه»([192]).

4- ويرى هذا التوجه أيضاً إن التقنين هو مِمَّا يؤثر سلباً على حركة الاجتهاد، ومن ثم فالتقنين من هذه الناحية يؤسس لنوع من القطيعة العامة مع الموروث، حتى أن الذين أجازوا التقنين في هيئة كبار العلماء بالنسبة للمملكة، إنما أجازوه فقط في حالة أن يكون القاضي مقلداً، أما إن كان مِـمَّن تتوافر فيه شروط الاجتهاد فَإِنَّهُ لا يجوز إلزامه بالحكم وفق مذهب معين([193]).

كما يرى هذا التوجّه أَنَّهُ إذا كان هدف الفريق الآخر هو وضع حد لتجاوزات القضاة ورفع الاختلاف في الأحكام الصادرة من المحاكم، فإن ذلك لا يشكل من وجهة نظر المانعين مبرراً يعتبره الشرع؛ لأَنَّ الاختلاف في الأحكام قد وجد في عهد الخلفاء الراشدين والسلف الصالح، حتى من القاضي الواحد، ولم يكن ذلك داعياً إلى التفكير في تقنين الأحكام، مع كونهم الأكثر حرصاً على حفظ الدين وعلى سمعته، وبالتالي يسع المسلمين اليوم ما وسع أولئك الأوائل([194]).

5- ويضيف هذا التوجّه بأنَّه لم يثبت أن فكرة التقنين قد حسمت الأمر في هذا الموضوع، فما تزال المحاكم المدنية في الدول التي أخذت بفكرة التقنين تصدر أحكاماً مختلفة ومتناقضة، ومهما يكن فإن الاختلاف في الآراء باب من أبواب الرحمة في الشريعة الإسلامية، ولذلك علل بعض الكتاب المعاصرين رفضه لفكرة التقنين، لا لكون التقنين يمنع أو لا يمنع وقوع المظالم والأحكام الجائرة ـ فشرع الله منزه عن مثل هذا ـ وإنما لأنه يكتنفه حشد من معاني تمييع أحكام الشريعة وخلطها بغيرها من قوانين البشر في إناء واحد، ثم أن التقنين هو وضع حكم واحد في المسألة الواحدة، وهذا في حد ذاته مخالف لشرع الله، ومدعاة للعنت والضيق كما يقولون([195]).

ملاحظات سريعة حول هذا التوجه:

تلك كانت بعض الملامح العامة التي تطبع رؤية القائلين بمنع التقنين وعدم جوازه، ومن خلالها نستطيع إبداء الملاحظات التالية، وهي:

1- أن القائلين بالمنع قد استندوا إلى أدلة عامة؛ إذ يصعب القول بأن ما يختاره العلماء من الأقوال الراجحة هو خلاف الحق المأمور به عند الحكم، أو أننا إذا رجعنا إلى قولهم فإنَّنا نرجع في هذه الحالة إلى غير الكتاب والسنة، ذلك أن المفترض في هؤلاء العلماء أن تكون مرجعيتهم هي: الكتاب والسنة، وبالتالي فإن تحريم التقنين في هذه الحالة لا يعدو كونه اجتهاداً يحتمل الخطأ والصواب.

2- أن الرؤية السلفية قد شكلت أحد المرتكزات التي يقوم عليها هذا التوجه، فقد بدا وكأن من أهدافه مطالبة المسلمين بأن يسعهم ما وسع الأوائل في موضوع لا يشترط فيه تقليد الأوائل؛ لأن الضوابط التي تنظمه تجعله كذلك، ومن ناحية أخرى تصرفه ـ أيضاً ـ عن نطاق الثابت؛ ليأخذ محله ضمن المتغير، ولهذا لم تلتفت هذه الرؤية كثيراً إلى الواقع إِلاَّ من خلال الردّ والتعليق على دعوى الفريق الآخر حول ما يقوله عن أثر التقنين في تقليل الاختلاف بين الأحكام ذات الموضوع الواحد، فقد اكتفت في هذا الصدد بملاحظة أن الواقع يثبت بقاء هذا الاختلاف رغم الأخذ بفكرة التقنين، ومع كون هذا الاختلاف ما يزال باقياً بالفعل كما لاحظه هذا الفريق، إِلاَّ أن ذلك لا يقلل من مصداقية من يقول بأن فكرة التقنين هي مِمَّا يقلص بشكل كبير ـ ولا يحسم بالمرة ـ الاختلاف بين الأحكام الصادرة في القضايا المتماثلة.

أثر التقنين على حركة الاجتهاد والاتصال بالموروث:

ومع ذلك فَإِنَّهُ يحمد للمانعين من التقنين إثارتهم لبعض المحاذير التي قد تكتنف من وجهة نظرهم عملية التقنين، كاحتمالية أن تؤثر هذه العملية على حركة الاجتهاد، أو تؤثر على اتصال الناس بتراث سلفهم، أو تتسبب في تمييع الشريعة… الخ.

وعندما نقول مثل هذا الكلام فإنَّ هذا لا يعني أننا نوافقهم الرأي، أو أن ما يثيرونه هو حتمي أو محقّق الوقوع، وَإِنَّمَا الذي نرمي إليه هنا هو أن يتم النظر إلى أطروحاتهم بشكل إيجابي، واعتبارها مثلاً كملاحظات يمكن أن يستثمرها المقنن في الوصول إلى ضوابط محددة بشأنها أو في أقل الأحوال بحثها وإظهار حجم المخاوف التي تثيرها فعلياً، فإن الوهم ـ أحياناً ـ قد يحيل الصغير كبيراً والكبير صغيراً، وربما لا يجلي ذلك سوى الرأي والرأي الآخر.

أ ـ وعن أثر حركة التقنين على حركة الاجتهاد فإنه يجب أن لا يتحول هذا الأثر إلى وسيلة إعاقة لحركة الاجتهاد، فقد قدمنا فيما سبق ما يؤكد أهمية الاجتهاد، ورأينا أيضاً الأثر الإيجابي الكبير لفقه المقاصد على حركته، وعندما يقال بأن حركة التقنين هي مِمَّا يؤثر سلباً على حركة الاجتهاد فَإِنَّهُ لا يتوقَّع من فقه المقاصد أن يكون داعماً لأي شيء يمكن أن يعطل حركة الاجتهاد، بيد أننا سنرى لاحقاً أن أثر المقاصد هو مِمَّا يدفع بحركة التقنين إلى الأمام، وهذا يعني أن حركة التقنين لا يمكن أن تثير ما يستحقّ معه القلق على حركة الاجتهاد، ذلك أن حركة التقنين ما هي إِلاَّ شكل من أشكاله.

وعليه فإن أثر فقه المقاصد على حركة التقنين لا يعدو ـ في نظري ـ كونه امتداداً لأثره على حركة الاجتهاد، ولعل ما يؤكد ذلك هو طبيعة التقنين التي سنقف عليها فيما بعد من خلال منطلقاته والمصالح الكبيرة التي يسهم في تحقيقها، إضافة إلى طبيعة العمل التقنيني ذاته، فهو عمل جماعي يقوم به عدد من كبار الذين تتوافر فيهم صفات الاجتهاد ممن عرفوا بالتقوى وحسن المسلك والبصيرة والخبرة والاطلاع على مجريات الزمان وأحداث العصر ومتطلباتها، وما يمارسونه عند التقنين هو اجتهاد بأتَمّ ما للكلمة من معنى، فهم يستعرضون جميع الآراء ويستعملون قواعد الفقه الإسلامي في الاختيار والترجيح بينها، بما يلبي الحاجة الزمنية ويحقق حفظ وصيانة مقاصد الشريعة، ومثالاً على هذا الجهد والاجتهاد الجماعي ما يشاع عن الفتاوى الهندية أو (العالمكيرية) من أَنَّهُ قد كُلِّفَ بإنجازها أربعون عالماً مجتهداً([196]).

وعليه فإن التقنين هو عمل اجتهادي وهو من هذه الناحية لا يفيد أي معنى لإعاقة الاجتهاد. لذلك يبدو أن ما قصده الفريق المناهض للتقنين هو إعاقة الاجتهاد بالنسبة للقاضي، وفي هذا الصدد يمكن القول بأن الاجتهاد عند القاضي لا يتعطل أيضاً، فإن اجتهاده مطلوب ولكنه يتحدَّد فقط في فهم النص وفي تطبيقه، فالنصوص القانونية عادة ما تأتي بصياغة محفوفة بشروط تطبيقية (زمانية أو مكانية أو شخصية) فيتجلى دور القاضي في فهمها واتخاذ القرار بتطبيقها أو عدم تطبيقها، وذلك بحسب ما يتوصل إليه نظره في بحث النص وشروط تطبيقه.

كما أن النصوص غالباً ما تترك للقاضي مساحة للتقدير والنظر في ما يعرف بسلطة القاضي التقديرية، فالنصوص مثلاً التي تضع حدين ـ أعلى وأدنى ـ هي مساحة اختيارية يعمل فيها القاضي نظره واجتهاده في تقرير ما يراه بين هذين الحدين، وفي كل ما تقدم معنى من معاني الاجتهاد.

وعليه فإن فكرة التقنين لا تعني أن يصبح عمل القاضي عملاً آلياً لا يتخلله النظر والفهم بأي حال، وبالتالي فإن دائرة الأثر والمخاوف على موضوع الاجتهاد تضيق في هذه الحالة، ليصبح المعني بهذه الملاحظة هو المجتهد المطلق، بحيث يمكن القول: أن المانعين للتقنين حينما أثاروا ملاحظتهم هذه إنما ينطلقون من كونهم لا يرون القاضي إِلاَّ مجتهداً مستقلاً ـ وفي هذا من الحرج ما لا يخفى ـ وهذا أمر لا يستحق القلق كثيراً؛ لأن مثل هؤلاء يقلون في عصرنا، وخاصة مع هذا العدد الهائل من القضاة، ومع ذلك فإن مثل هؤلاء إذا ما وجدوا في سلك القضاء، فإنهم في العادة يكونون في أعلى المواقع القضائية كمحاكم التمييز، أو النقض، وفي مثل هذه المحاكم عادة ما يترك لكل عضو فيها حرية الاجتهاد بما يخالف القرار الصادر بالأغلبية وتدوين رأيه المخالف مسبباً في ذيل الحكم الصادر، كما تقضي به قوانين أصول المحاكمات([197])؛ ولذلك وجد ما يُسَمَّى بالاجتهادات القضائية.

وحتى على فرض أن مثل هؤلاء ـ على قلتهم كما أشرنا ـ قد تتأثر حريتهم في الاجتهاد بسبب التقنين، فإن هذا لا ينهض سبباً موجباً لمنعه في مقابل ما يحققه التقنين من مزايا ومصالح.

ومع كُلّ ذلك فإن إمكانية التفكير في إيجاد ضوابط كفيلة بتقليص الآثار السلبية التي قد تكتنف حركة التقنين هي إمكانية متاحة([198]).

ب ـ وعن خطر التقنين على قضية اتصال الناس بالموروث، فإنه لا خطر أيضاً، بل ربما كان سبيل العودة الكاملة إلى العمل بالفقه هو تقنينه([199]) وصياغته في نصوص مختارة يلتزم بها الناس في حياتهم؛ لأن في هذا ما يذكرهم على الدوام بقيمة موروثهم من الناحية العملية.

ويبقى الباب مفتوحاً، أما من يريد التوسع في معرفة بقية الآراء والموروث الفقهي بشكل عام، وهو من السهولة بحيث لا نتصور أي أثر سلبي لحركة التقنين في هذه المسألة، بل إن إمكانية الاطلاع والمعرفة والاتصال بالموروث تبدو في عصرنا أكبر بكثير مِمَّا كان عليه الحال في أي عصر من العصور المتقدمة، وخاصة في ظل الاهتمام الملحوظ بالفقه والفقه المقارن والعمل على تحقيقه ودراسته وطباعة ونشر كتبه وموسوعاته([200]).

وكذلك في ظل التنامي الملحوظ لعدد المدارس والجامعات الإسلامية وكليات الشريعة التي تهتمّ بتدريس الفقه الإسلامي عموماً، وأيضاً في ظل هذا التطور الكبير الذي يشهده العصر في وسائل البحث والمعرفة لمن أراد ذلك.

ثانيا: منطلقات التقنين وعلاقته بالمصالح

الحديث عن منطلقات التقنين يعني الحديث عن الأسباب والحيثيات التي تضغط في جملتها باتجاه تقنين الأحكام الفقهية وصياغتها في نصوص وقواعد محدَّدة، بحيث تصبح ملزمة يتقيد بها القاضي والخصوم على حد سواء.

وهذه الأسباب والحيثيات قد تعني ـ أحياناً ـ العودة باتجاه التاريخ البعيد لاستدعاء صورها التي أنتجت التقنين كفكرة، ثم بلورتها فيما بعد إلى حركة، ومع أن ما يهمنا هنا هو الوقوف على المنطلقات المعاصرة المتعلقة بالتقنين، إِلاَّ أننا لا نرى بأساً من استدعاء بعض المؤشرات القديمة وتسجيلها هنا كملاحظات عامة لا أكثر، ومنها:

أ‌. أن فكرة التقنين حينما بدأت في التاريخ، سواء في عهد المنصور العباسي أو ما قبل المنصور، فإن ذلك يعطيها الصفة التاريخية، بمعنى أَنَّهَا فكرة قديمة، وهذا يعني أن الشعور بالحاجة إلى التقنين هو شعور قديم، وأن لهذا الشعور أسبابه ومكوناته، وقد حفظ لنا التاريخ بعض تلك الأسباب([201]).

ب‌. أن فكرة التقنين التي راودت الخليفة عمر بن عبد العزيز أو التي اقترحها عبد الله بن المقفع على المنصور، أو التي اقترحها المنصور على الإمام مالك ـ أياً كان ذلك ـ هي فكرة أخفقت في حينها، ولم تصادف نجاحاً، وقد كان لهذا الإخفاق أسبابه ومكوناته، ولعلَّ التاريخ ـ أيضاً ـ قد حفظ لنا شيئاً من ذلك([202]).

ج‌.         إن فكرة التقنين قد شهدت أول تطبيق لها في نهاية القرن الثالث عشر إبان الحكم العثماني، وتحديداً في العام 1869م، لذلك فإن ما يهمّنا هنا هو البحث في منطلقات التقنين منذ تحول التقنين من مرحلة الفكرة إلى مرحلة التطبيق والحركة، وسوف نوجز هذه المنطلقات وعلاقتها بفقه المقاصد في النقاط التالية:

1- أن التوجّه نحو الواقع والإحاطة بظروفه ومجرياته ورصد حركاته وصيرورته المتسارعة والمختلفة تعد أحد المنطلقات الضرورية لبناء الأفكار الفقهية العميقة والمستنيرة، وهكذا أفكار تجد بالضرورة سندها القوي ودعمها الكامل في مقاصد الشريعة الخالدة كما رأينا سابقاً.

وفي مسألتنا هذه نجد أن الباعث لتقنين الأحكام الفقهية قد نبت في ضوء المشاهدة والملاحظة والتجربة والاتصال بالواقع؛ لينتزع بذلك الصورة الكاملة لمشهد متحرك تطورت فيه وسائل الاتصال بالعالم الخارجي والداخلي، وازدادت على إثرها المعاملات، وتنوعت واتسعت العلاقات، وتشابكت المصالح، ومعها ظهر ما لا حصر له من القضايا والمشاكلات والمستجدات النوعية، وتطلب الأمر مئات المحاكم وآلاف القضاة داخل كل مجتمع أو دولة.

ومع هذا الكم الهائل من القضاة لم يعد بالإمكان أن يترك لِكُلِّ واحد منهم حريته في اختيار الحكم والطريقة التي يعتمدها كما كان عليه الحال في العصور القديمة، ومن هنا بدت المصلحة في تقنين الأحكام الشرعية، بحيث يتقيد بها القاضي، ويلتزم بها الناس جميعاً؛ خاصة وأن الوجه الآخر للواقع الذي تنطلق منه حركة التقنين يشير إلى قلة القضاة المجتهدين ضمن هذا العدد الهائل من رجال القضاء، إضافة إلى صعوبة الإحاطة بما لا يحصى من الأحكام الفقهية، ويضاعف من صعوبتها كونها منثورة في مئات المجلدات، ومعروضة بطريقة لا يفقهها الكثيرون، فعلم الفقه كما قيل (بحر لا ساحل له) وقد لاحظت جمعية المجلة (اللجنة الرسمية لوضع مجلة الأحكام العدلية) هذه المشكلة، فهي بعد أن عرضت المشكلات الواقعية التي نجمت عن زيادة الحركة والاتصال بين العالم، وذلك في تقريرها الذي رفعته للصدر الأعظم في تقريرها سنة 1286هـ أشارت إلى ضعف الملكة الفقهية لدى القضاة([203]).

ولذلك يصبح التقنين كما أشار إليه البعض ضرورة علمية وعملية باعتباره الوسيلة إلى تبصير القضاة من جهة، وانتظام المجتمعات وترشيدها وإصلاحها من جهة أخرى([204]).

2- وتنطلق حركة التقنين من مبدأ تحقيق (علنية النظام) وذلك من خلال نشر الأحكام الفقهية المقننة ووضعها بين يدي المجتمع بكل فئاته ومؤسساته، بحيث يتسنى لجميع الناس الاطلاع على النظام الذي يحكمهم، وما نلاحظه هنا هو عمق العلاقة بين هذا المنطلق وبين فقه المقاصد، ذلك أن مبدأ علنية النظام هو من بديهيات أصول الشرائع الإلهية»([205])، كما أَنَّهُ يترتب عليه العديد من المصالح التي تستدعيها مقاصد الشريعة وتدفع باتجاهها. فمبدأ العلنية يجعل من وقوف المكلف على حقوقه وواجباته أمراً ميسوراً، وهذا يجعله أحرص على المطالبة بتلك الحقوق والنهوض بتلك الواجبات.

كما أن علنية النظام تحقق مبدأ الشفافية، وتؤسّس ـ إلى حد ما ـ لشكل من أشكال الرقابة العامة على أداء القاضي، بحيث يعرف المكلف أو الخصم الحكم المتوقع لفعله، وهذه مزية قد لا نجدها بسهولة في حالة عدم التقنين، وفي ذلك كله ما يسهم في تحقيق العدالة والحرص على تطبيقها من قبل الجميع، فهي إذاً مصلحة تدعمها مقاصد الشريعة وتدفع باتجاه تحقيقها.

3- الانطلاق من فقه النظرية الذي يحقق الوحدة التشريعية، فتقنين الأحكام الفقهية يقوم به في العادة علماء مجتهدون، ويستعينون بما يلزمهم من التخصصات الأخرى، ويستعرضون الأحكام الفقهية المتعددة في المسألة الواحدة.

وعبر سلسلة من الإجراءات والضوابط يصلون إلى الاختيار الأفضل، والأصل لواقع الناس وحياتهم وفق رؤية فقهية، وواقعية عميقة مدركة وشاملة، وعلى أساسها يتم صياغة جميع الأحكام الفقهية لِكُلِّ باب أو موضوع على حده، ومثل هذه الطريقة تبدو صلتها قوية ومتينة بفقه المقاصد، فمن آثاره كما سبق أنه يؤدي إلى فقه النظرية، ومثل هذا الفقه إلى جانب كونه ينطوي على صور تطبيقية لإعمال فقه الأولويات والمقاصد، ومراعاة الواقع وعنصري الزمان والمكان بما يحقق العدالة المنشودة، فَإِنَّهُ أيضاً مِمَّا يحقّق الوحدة التشريعية التي قد تمتد آثارها الإيجابية إلى مجالات عديدة بعكس لو بقي التعامل مع باب القضاء والحقوق طبقاً للرؤية الجزئية أو الاجتهاد المنفرد([206]).

ولعلَّ من مظاهر الوحدة التشريعية التي يحققها التقنين على المستوى النفسي والاجتماعي ما لهذا التقنين من أثر إيجابي في الحد من ظواهر التعصّب المذاهبي، وخاصة إذا كانت عملية التقنين تستقي الأحكام الفقهية من مختلف المذاهب، وقد أدرك هذه الحقيقة المؤتمر الدولي الأول لوزراء العدل العرب عام 1977م، فالتقنين من الفقه الإسلامي هو مِمَّا يوفّر رؤية استيعابية أكبر لِكُلِّ نصوص ومقاصد الشرع، ولذلك ينصح بعض العلماء بعدم الاقتصار على مذهب بعينه عند التقنين([207]).

لا بل إن التوجُّه التقنيني المعاصر قد استقرَّ على أهمية التقنين من جميع المذاهب الاجتهادية([208]).

4- ويمكننا القول إن حركة التقنين تنطوي على عملية اجتهادية كبيرة تنطلق من الحرص على جعل الشريعة الإسلامية حاضرة بأحكامها في واقع الناس وفي حياتهم وممارساتهم العملية، وهو ما يجعل العملية التقنينية إحدى أشكال التعبير عن خصائص الشريعة والبرهنة على صلاحيتها الدائمة لكل زمان ومكان، وعلى قدرتها الفائقة في استيعاب حركة الواقع والأخذ بزمامه، وفي ذلك ما يقطع كافة التقولات الحاقدة على هذه الشريعة، فلقد وجد في البلدان العربية من شكك في جدوى الاعتماد على الشريعة الإسلامية لإنشاء قوانين مدنية تتماشى مع العصر، ولذلك فَإِنَّهُ لَـمَّا رحل الاستعمار بعد الحرب العالمية الثانية قامت آنذاك حركات في كثير من الدول الإسلامية ـ كباكستان والدول العربية كدول الشمال الإفريقي ـ تطالب ببقاء الوضع الذي خلّفه الاستعمار تشريعاً وإدارة، وكان من حجج مثل هذه الحركات عدم وجود قوانين مدنية حديثة جاهزة ومستمدة من الفقه الإسلامي، وهو ما يعني أن حركة التقنين قد تصبح ضرورية لرفع مثل هذه المبررات، وأنه بدون الرجوع إلى شريعتنا الإسلامية واستمداد ما تحتاجه أمتنا من قوانين وتشريعات فقد تجد مثل تلك المبررات طريقها إلى الوجدان العام، بحيث يصبح البديل هو استقبال المزيد من القوانين الوضعية التي قد نعيش مع بعض أحكامها كما لو كنا نعيش بلا قانون؛ لأن القوانين عادة ما تعكس ثقافة وحضارة أهلها، وبالتالي فإنها لا تجد فاعليتها إلا في بيئتها التي أنتجتها، وفي مثل هذه المخاطر ما يعطي حركة التقنين صفة المقاصدية، إذ قد تصبح مِمَّا يحفظ به الدين، ولعل هذا هو ما جعل البعض من علماء الشريعة المعاصرين لا يجيزون التقنين فحسب وإنما يوجبونه سداً لذريعة التحول نحو القوانين الأجنبية، ويرون فيه عملاً ضرورياً لمصلحة الإسلام والمسلمين.

وقد ارتفعت الأصوات المطالبة بالعودة إلى الحكم بما أنزل الله، وخاصة بعد أن تسرّبت القوانين الأجنبية إلى عدد من البلدان الإسلامية لتحل محل الشريعة، ولذلك كان أول ما ظهرت حركة التقنين في صورة بعض الجهود الفردية من قبيل كتاب (مرشد الحيران إلى معرفة أحوال الإنسان) للأستاذ مُـحَمَّد قادري باشا، وقد نقله من قواعد فقه المذهب الحنفي، وكذلك ما قام به الشيخ مُـحَمَّد مُـحَمَّد عامر، حيث وضع الكثير من قواعد الفقه المالكي في صورة مواد قانونية تحت عنوان (ملخص الأحكام الشرعية عن المعتمد من مذهب مالك) وغيرهما([209]) وصولاً إلى شيء من التقنين الرسمي كما سنرى.

ولذلك رُبَّمَا كان لحركة التقنين أثرها أو إسهامها في وقوف الآخرين على كفاءة شريعتنا الإسلامية، التي استطاعت أن تنتزع اعتراف وإعجاب العالم ـ بخصائصها العالمية وقدراتها العالية ـ ثلاث مرَّات في ثلاثة مؤتمرات دولية، ناهيك عن شهادات أقطاب القانون وتعابير الباحثين والمفكرين في ربوع العالم حول مزايا الفقه الإسلامي([210]).

نماذج وملامح من أثر المقاصد على حركة التقنين:

وإذا اكتفينا بما تقدَّم كعينة من منطلقات التقنين، فإن ذلك ربما يكون كافياً للقول بأن فكرة التقنين قد انطلقت من منطلقات مقاصدية تصل في بعضها إلى حدّ الضرورة لحفظ الدين وحماية شريعته الخالدة من التهميش، ويمكننا بعد كُلّ ذلك أن نورد بعض الأمثلة والنماذج السريعة التي نحسبها مِمَّا يبرز ملامح الأثر المقاصدي في حركة التقنين المعاصرة:

أوَّلاً: في مجال تقنين الأحكام الفقهية:

ونعني بذلك تقنين الأحكام الموضوعية، أو ما يسمى بقوانين الأحكام “وهي التي توجب وتثبت لِكُلِّ قول أو فعل موجبه وحكمه”([211]).

ومن ملامح الأثر المقاصدي في هذا المجال:

1- أن كثيراً من الأمثلة التي مررنا بها في حديثنا عن أثر المقاصد على حركة الاجتهاد تشكل ـ بطبيعتها ـ مصدراً داعماً لحركة التقنين كتلك الموسوعات الفقهية القديمة، سواء التي تعرض الآراء الفقهية المختلفة داخل المذهب غالباً كموسوعة (الضياء) للعوتبي، أو تلك التي تستعرض في المسألة الواحدة معظم الآراء المذهبية المختلفة، كموسوعة (الانتصار) للإمام يحيى بن حمزة، أو موسوعة (بيان الشرع) للكندي، وغير ذلك من الموسوعات القديمة أو الحديثة، وقد يبدو الأثر المقاصدي واضحاً في هذا المجال، وذلك فيما تحققه مثل هذه الموسوعات من تسهيل الاطلاع وتحقيق الانفتاح المذهبي اللازمين لحركة التقنين، وقد يكون من ملامح هذا الأثر الاهتمام الملحوظ بتحقيق وتأليف ونشر الموسوعات الفقهية، وأيضاً انتقال حركة العمل الموسوعي من دائرة موسوعة المذهب إلى موسوعة المذاهب، ومؤخراً من موقع العمل الفردي إلى موقع العمل المؤسسي، ويمكن أن نأخذ مثالاً على ذلك الموسوعة الفقهية التي بدأت عام (1956م) بناء على توصية الفقه الإسلامي بباريس، فهي وإن اقتصرت على آراء المذاهب الأربعة، إلا أن الجهد المبذول فيها قد جسّد شكلاً من أشكال العمل المؤسسي والجماعي، وهو ما تمثله الموسوعتان (الكويتية، والمصرية)([212]).

2- وكان من أثر فقه المقاصد في موضوع التقنين أنه نقل حركة التقنين من الدائرة الفردية غير الملزمة إلى دائرة التقنين الرسمي الملزم، حيث بدأت حركة التقنين كجهود فردية كما أشرنا.

3- وعلى المستوى التقنيني الملزم نجد أن حركة التقنين قد بدأت من واقع المذهب الواحد، أي أنه يتم اختيار أصلح الآراء الفقهية المتعددة داخل المذهب وأنسبها للمصلحة في موضوع المسألة الواحدة دون الالتفات إلى آراء المذاهب الأخرى، وهو ما يمكن أن نجد مثاله في مجلة الأحكام العدلية لسنة (1286م) التي قنّنت الأحكام الفقهية في مجال المعاملات من الفقه الحنفي، وتم تطبيقها في بلاد الخلافة العثمانية جميعها فيما عدا مصر والجزائر([213])، واستمر تطبيقها في كثير من البلدان العربية مثل الأردن والكويت إلى وقت قريب([214]) ومثلها (مجلة الالتزامات والعقود التونسية) التي صدرت سنة (1906م) حيث قنّنت الكثير من أحكام الفقه المالكي([215]).

4- ويبدو أثر المقاصد على حركة التقنين واضحاً في كونه نقل عملية التقنين من دائرة المذهب الواحد إلى دائرة المذاهب الفقهية الأخرى؛ بحثاً عن أحكام إصلاحية تلبي حاجة المصلحة الزمنية، ولم يتمّ ذلك دفعة واحدة، وَإِنَّمَا على خطوات تدريجية بدأت بالاقتصار على المذاهب الأربعة، ثُمَّ انتهت بالاقتباس من عموم الفقه الإسلامي، وقد بدأ تطبيق ذلك في دائرة الأخذ من المذاهب الأربعة، وذلك من خلال قانون العائلة العثماني لسنة (1336هـ) الموافق(1917م)، وهو أول تقنين لمسائل الأحوال الشخصية من فقه الشريعة الإسلامية، أو بالأصح من فقه المذاهب الأربعة([216])، فقد أخذ هذا القانون برأي المذهب المالكي ـ خلافاً لمذهب الدولة وهو المذهب الحنفي ـ في مسألة التفريق الإجباري القضائي بين الزوجين، وبذلك تمكَّنت المرأة من حقِّها في التخلص من زوج السوء، وهو حق شرعي تدفع باتجاهه محاسن الشريعة ومقاصدها، كما أخذ ـ من مذهب مالك أيضاً ـ إطلاق حرية الزواج لزوجة المفقود بعد أربع سنين من فقدانه، بينما يقضي المذهب الحنفي بانتظار وفاة جميع أقرانه في العمر، فتبقى زوجة المفقود معلقة حتى شيخوختها، إضافة إلى أحكام إصلاحية أخرى أخذ بها هذا القانون([217])، وقد كانت مقاصد الشريعة تدفع باتجاه توسيع موضوعات القوانين إلى جانب تغيير الأحكام بأخرى أكثر تجسيداً للمصلحة المقصودة شرعاً، وقد نجد في قانون الأحوال الشخصية السوري في عام (1953م) مثالاً على التوسع من حيث الموضوع، ففي الوقت الذي نرى فيه قانون العائلة العثماني اقتصر على تقنين الأحكام ذات العلاقة بموضوع النكاح والطلاق فقط، نجد أن القانون السوري قد نظم الأحوال الشخصية بموضوعاتها الأربعة ـ (الزواج وما يتفرع عنه من نفقة ونسب، وحضانة وطلاق، وتفريق وعدة..الخ ـ والأهلية ـ والوصاية وما يتفرع عنهاـ والوصية وما يتعلق بها، والميراث) ـ وقد اعتبر أول قانون للأحوال الشخصية كاملاً من حيث الموضوع([218]). أما عن تغييرات الأحكام فأمثلتها كثيرة، ويمكن الوقوف عليها من خلال التعديلات القانونية والمتتابعة في أي بلد من البلدان التي أخذت بالتقنين.

5- كما اقتضت المصلحة أن يتحرك التقنين الفقهي نحو الأخذ مِمَّا وراء المذاهب الأربعة، وقد بدأ ذلك باقتباس القانون المصري شيئاً من آراء المذاهب الأخرى، فقد اقتبس على سبيل المثال رأي المذهب الإباضي في الميراث بولاء العتاقة، حيث أخَّره عن كُلّ الورثة، حتى عن الرد على أحد الزوجين، مع أن المذاهب الأربعة كلها تجعله عقب العصبة النسبية، ويسبق فيها الردّ على أصحاب الفروض([219])، وفي اليمن انطلق تقنين أحكام الشريعة الإسلامية عام (1976م)، وقد اعتمد هذا التقنين على مذهبين: أحدهما من خارج المذاهب الأربعة وهو المذهب الزيدي، والآخر من داخلها وهو المذهب الشافعي، وربما عادت الأسباب في ذلك إلى كون هذين المذهبين هما السائدان في اليمن، وقد شكَّلت لجنة من علماء المذهبين آنذاك وفق معايير محددة، وما يهمنا هنا هو الإشارة إلى العلل التي دفعت باتجاه التقنين في اليمن، حيث نلاحظ أن مقدمات وتقارير لجنة التقنين قد اشتملت على علل مقاصدية عبّرت جميعها بما يؤكد أن مقاصد الشريعة كان لها الأثر الأكبر في إصدار القوانين الشرعية في اليمن([220]). ومنها: قانون المواريث رقم (24/1976م) ـ قانون الوصية رقم (42/1976م) ـ قانون الوقف رقم (78/1976م)، وقرارات تشريعية أخرى كان لها صفة القانون، وخاصة المتعلقة بشأن تيسير الزواج وتحديد الدية والأرش والجنايات العمد والخطأ وإصابات العمل([221]). ومع أن التقنين اليمني قد اقتصر في بدايته على المذهبين الزيدي والشافعي، إلا أَنَّهُ قد شهد مؤخراً انفتاحاً على بقية المذاهب الأخرى، ومثال ذلك توريث الابن من الجد بدلاً عن أبيه المتوفّى، حيث كانت القاعدة: أَنَّهُ لا يرث من جدِّه إذا توفي الأب قبل الجد([222]). ويحتوي القانون المدني اليمني([223]) على آراء متعددة اُقتبست من خارج المذهبين الزيدي والشافعي.

6- ويتجلَّى أثر المقاصد على حركة التقنين في كونه يقف اليوم وراء الكثير من الأفكار والدعوات المطالبة باعتماد التقنين من واقع الفقه الإسلامي بمختلف مذاهبه وآراءه الاجتهادية، فقد رأى بعض المفكرين من علماء العصر أن مجموعة المذاهب الاجتهادية يجب أن تعتبر كمذهب واحد، وكل مذهب فردي منها يتم اعتباره كالآراء والأقوال المختلفة في المذهب الفردي الواحد، فيرجح علماء الأمة ويختارون منها للتقنين في ميدان القضاء والفتيا ما هو أوفى بالحاجة الزمنية ومقتضيات المصلحة في كل عصر([224]) باعتبار أن مجموع الفقه الإسلامي يتسم بخصوبة وسعة ومرونة أكبر بكثير مِمَّا يمكن أن يحتويه مذهب فقهي بعينه، وأن في هذا الــمجموع ـ بالإضافة إلى استمرار حركة الاجتهاد وما قد تضيفه من أحكام ـ ما يمكن أن يلبي الحاجة التقنينية في جميع المجالات التي نحتاج فيها إلى تشريعات نموذجية، وعلى سبيل المثال، فقد مثّل القانون المدني الأردني الصادر عام (1976م) قانوناً نموذجياً، وما ذلك إِلاَّ لكونه استند إلى الفقه الإسلامي العام بما يمثله من خصوبة ورحابة، وقد صدرت معه مذكرته الإيضاحية التي واكبت مواده مادة فمادة، ووصلتها بمصادرها من فقه المذاهب، وقد تدعم بعض المواد بقياس اجتهادي، أو بالتخريج على قاعدة الاستصلاح أو المصالح المرسلة، وكلما وجدته قابلاً للتخريج على مقاصد الشريعة وقواعد الفقه الإسلامي الأخرى، فكان بهذه الطريقة أول قانون مدني حديث ـ في أسلوبه وترتيبه وتبويبه ـ يستمد أحكامه من الفقه العام لشريعة الإسلام([225])، وقد أخذت بعض الدول هذا القانون وطبقته بكامله في بلدانها، ومن هذه الدول: السودان والإمارات العربية المتحدة، وكذلك استفادت منه اليمن بشكل كبير في قانونها المدني الصادر عام (1982م) كما أخبرني بعض المختصين.

7- وفي ظلّ هذا الأثر المقاصدي أيضاً اتخذت حركة التقنين شكل الوسيلة أو المدخل إلى تقديم بعض المحاولات على طريق الوحدة ـ التشريعية على الأقل بين المسلمين العرب ـ وذلك من خلال التقنين الموحد؛ نظراً لِما يمكن أن يحققه من مزايا تجمع ولا تفرق، وتوسع ولا تضيق، وتخفف من غلواء التعصّب المذهبي، وقد ظهرت بعض المحاولات على هذا الطريق لولا أَنَّهَا لم تتجاوز وصف الفكرة أو المشروع، ومن ذلك:

أ‌. مشروع القانون المدني العربي الموحد المستمد من الفقه الإسلامي، والذي تبنته جامعة الدول العربية منتصف السبعينات.

ب‌.  فكرة توحيد النظام الجنائي في البلاد العربية على أساس الشريعة الإسلامية، وقد وضع الشيخ مصطفى الزرقاء تصوره في هذا الشأن([226]) بناءً على طلب أمين المنظمة العربية للدفاع الاجتماعي عام (1977م).

ج. مشروع قانون الأحوال الشخصية الموحد للبلاد العربية، والذي تقررت فكرته في المؤتمر الأول لوزراء العدل العرب في الرباط عام (1977م)، وهذا هو المشروع الوحيد ـ رُبَّمَا ـ الذي تم إكماله وأنجزت صياغته، لكنه مع ذلك لم يحظ بموافقة بعض الدول العربية؛ بسبب مخالفته في بعض الأحكام لمذهبها الفقهي السائد فيها، ولذلك تقرر أن يترك المشروع لكل دولة عربية مرجعاً تستمد منه ما تشاء إذا أرادات([227]).

ثانياً: في مجال التقنين الإجرائي أو الشكلي:

وفي هذا المجال قد يتجلى ـ بصورة أكبر ـ الدور الذي يمكن أن يلعبه فقه المقاصد في مسألة التقنين والتأثير على حركته، باعتباره مجالاً صالحاً للابتكار أو الإبداع القانوني المستند في حقيقته إلى الاجتهاد المقاصدي، وكونه مستودع الوسائل المتغيرة والمتطورة بطبيعتها، فقد رأينا أن المقاصد كانت وراء الكثير من أعمال الصحابة والأئمة في إدارة شؤون الدولة والمجتمع، وما يتعلق بذلك من إقامة المرافق وإنشاء الوسائل والأنظمة، وفي مجال كهذا تبدو الحاجة ماسة إلى ابتكار الوسائل المناسبة لتحقيق مقاصد الشريعة وما تنطوي عليه من مصالح، وتنظيمها بقوانين قابلة للتعديل حذفاً وإضافة وسداً وفتحاً للذرائع، وذلك بحسب ما تكشف عنه التجربة أو تجود به المستجدات، ذلك أن فقه المقاصد ينطوي بطبيعته على الأسس الكلية ـ أو النظريات والأهداف العامة ـ للقوانين بصورة إجمالية، وهو ما يتيح هوامش ومساحات واسعة لعمل كُلّ ما يُمكن أن يحقق أهداف الدين وينسجم مع متطلباته، ويدخل في ذلك سن القوانين والأنظمة التفصيلية اللازمة لإدارة المجتمع؛ إذ ليس من المتوقع أن تمنع هذه الأهداف والمقاصد قيام ما يفضي إليها ويحققها، فمن غير المعقول ـ مثلاًـ الاستغناء عن نظام البلديات أو قوانين المرور، أو نظام التربية والتعليم، أو تنظيم الجيوش والقدرات الدفاعية([228])، أو القوانين المنظمة لحركة القضاء وأداء المحاكم وإجراءات التقاضي.

وبالتالي فإن حركة التقنين ينبغي أن تقتحم كافة الميادين التي تتكشف كُلّ يوم أمام حركة العصر المتوثبة، ولكن وفق رؤية متوازنة تجيب في آن واحد على سؤال:

ماذا يريد الواقع؟! وماذا تريد الشريعة؟!

ومثل هذا السؤال إِنَّمَا يشير في طبيعته إلى دارسة متطلبات الواقع في ضوء ثوابت الشريعة التي لا تتغير بتغير العصور، وسواء كانت هذه الثوابت مقاصد أو وسائل فإنما تريده الشريعة بصفة عامة في هذه الحالة هو استثمار مطلوبات الواقع وتسخيرها في خدمة تلك الثوابت وليس العكس.

ولعلَّ من صور هذا الاستثمار المطلوب هو السيطرة أولاً على حركة الواقع التي بدونها قد تتضرر إرادة الشريعة ومقاصدها وثوابتها بشكل عام.

ومثالاً على ذلك: فإن غاية الشريعة ومقصدها الثابت من وراء القضاء هو إقامة العدل وتطبيق الشريعة بين الناس، وإذا كان ذلك ما تريده الشريعة فإن حركة الواقع المعاصر قد تراكمت من الظواهر والقضايا المزدحمة ما يجعل القضاء ـ بطريقة العصور السالفة ـ عاجزاً عن تحقيق مراد الشريعة، وهنا يصبح أثر المقاصد قوياً باتجاه تنظيم العمل القضائي عبر قوانين تحدد دوائره وتقسيماته المختلفة ومحاكمه واختصاصاتها الموضوعية والشكلية ودرجاتها ومراحل الحكم وإجراءات التقاضي في كل مرحلة، وهو ما تم فعلاً في معظم البلدان، حيث أصبح لِكُلِّ نوع من الدعاوى محكمة مختصة تنظر فيها ويمتنع عليها النظر فيما سواها، كالمحاكم الجنائية لمحاكمة المجرمين، والمحاكم الحقوقية للنظر في دعاوى الحقوق المالية.. إلى غير ذلك من المحاكم المختصة بحسب الدواعي الزمنية، وكذلك تنظيم سجلات ومحاضر للقضاة تدون فيها وقائع المحاكمات والشهادات والأحكام للتوثيق وصيانة الحقوق ومنع التلاعب في الإثبات، وهذا كله مِمَّا لم يكن موجوداً في العصر الأول، وهو بالتأكيد من ضروريات وضوح العمل القضائي وضبط مساره وامتصاص ازدحام القضايا، وصولاً إلى إقامة العدل وتطبيق الشريعة.

وكذلك الأمر بالنسبة لبقية المجالات التي تتطلب مثل هذه القوانين المنظمة، كالأنظمة والقوانين المرورية والبيئية والتربوية والعسكرية… الخ.

وبالتالي تصبح حركة التقنين الشكلي أو الإجرائي نتاجاً شرعياً لفقه المقاصد وانعكاساً لآثاره وآفاقه الواسعة التي دشَّنها.

النتــائـــج

أولاً: نتائج فقه المقاصد وأثره على حركة الاجتهاد:

  • أن فقه المقاصد يجد معانيه الأساسية في صلب الشريعة الإسلامية السمحاء، ومن أوَّل يوم.
  • أَنَّهُ ذو طبيعة أصولية وفقهية كاشفة ومنشئة للحكم الشرعي.
  • أَنَّهُ يؤمن بالحرية اللازمة لعملية البحث والاستنباط، ويتيح المجال رحباً أمام حركة النقد والمراجعة والتصحيح لِكُلِّ ما هو نتاج بشري قديماً كان أو حديثاً.
  • أَنَّهُ يعطي الفقه حيويته في مواجهة قضايا العصر، وتبديد عتمة المستجدات بنور الشريعة السمحاء، إضافة إلى الحد من الخلافات المذهبية.
  • أن فقه المقاصد هو مِمَّا يقبل الزيادة والنماء والتطور.
  • أن إغفال فقه المقاصد يؤدي إلى هيمنة النظر الجزئي، وإلى الجمود والحرفية، مِمَّا يؤثر سلباً على حركة الاجتهاد، ويُظهر الشريعة بمظهر القانون الميت.
  • أن الإفراط في استعمال المقاصد دون مراعاة الضوابط الكلية يؤدي إلى التنكر لجزئيات الشريعة، ويفضي بالتالي إلى حركة اجتهادية تحكمها الأهواء.
  • أن الإفراط في المقاصد يدفع البعض باتجاه التفريط والجمود، والعكس صحيح.
  • أن فقه النصوص الجزئية في ضوء المقاصد الكلية، هو التعبير السليم لمفهوم فقه المقاصد، وهو بهذا المعنى ذو طبيعة إيجابية وداعمة لحركة الاجتهاد السليم.
  • يتوافر العمل بفقه المقاصد في جميع المذاهب الاجتهادية على وجه العموم، وفي المذهبين الزيدي والإباضي على وجه الخصوص.
  • الإفراط والتفريط كلاهما يضرّ بالحالة الوسط، ويزيد من معاناتها.
  • أن فقه المقاصد ضروري للتعبير عن صلاحية الشريعة الإسلامية، وتأكيد خصائصها العظيمة بشكل عام.
  • أن الواقع الموجود اليوم لا يعبر عن الواقع المنشود.


ثانياً: نتائج أثر فقه المقاصد على حركة التقنين

  • أن فكرة التقنين هي فكرة قديمة.
  • أن مسألة التقنين ـ بشكل عام ـ هي مسألة اجتهادية اختلفت حولها أنظار الفقهاء.
  • تقنين الأحكام الفقهية شكل من أشكال الحركة الاجتهادية المقاصدية، التي تعبر عن ديمومة الشريعة وقدرتها الفائقة في استيعاب كل جديد.
  • أن فقه المقاصد هو مِمَّا يعطي لحركة التقنين معناها المتصل بمصلحة المكلف، خاصة وأن التقنين مِمَّا يسهم في تيسير التكليف من خلال أثره في تسهيل فهمه والاطلاع عليه، مِمَّا يجعل المكلف أكثر حرصاً وقدرة على النهوض به.
  • وتحت تأثير فقه المقاصد تتجه حركة التقنين إلى الفقه المقارن، وهو ما يشجع على الانفتاح المذهبي الذي يحقق المزيد من التقارب بين المسلمين.
  • أن أثر فقه المقاصد على حركة التقنين الفقهي هو أثر إيجابي وذو طبيعة داعمة.
  • ملاحظات الرؤية المضادة للتقنين تكتسب أهميتها باعتبارها محفزات للتفكير في المزيد من الضوابط التي تجعل من حركة التقنين حركة ناضجة وراشدة.
  • أثر التقنين على حركة الاجتهاد لا يشكل أي خطورة يمكن أن نقلق من أجلها، وإمكانية التفكير في جعله كذلك هي إمكانية متاحة.
  • قد يكون غياب أو ضعف العقلية المقاصدية بشكل عام هي إحدى مشكلات المسلمين الأساسية.
التوصيات

1- التأكيد على أهمية فقه المقاصد وما يمكن أن يلعبه من أدوار إصلاحية مهمة، مع ضرورة الالتفات إلى الضوابط الشرعية التي تحصن الناس من التحلل والانفلات، كما تصونهم من التحجر والجمود.

2- مضاعفة الجهود وتكثيف عمليات البحث والدراسة في مجال فقه المقاصد، باعتباره الحاضن لعمليتي التجديد والتقنين.

3- ضرورة الاتصال بالموروث، والعمل على مراجعته وتصحيحه وتنقيته من الشوائب، إلى جانب العمل على استدعاء عناصره الحية للإفادة منها في بناء الآراء والأفكار التي تصل الأصل بالعصر.

4- أهمية الانفتاح على العلوم الأخرى والإفادة من تجارب الآخرين، بما يتَّفق مع روح الشريعة ومقاصدها.

5- النظر إلى كافة الصيغ التي صنعها الإفراط والتفريط في واقعنا المعيش كصيغ طارئة لا ينبغي أن تثبط عزائم المصلحين، بل ينبغي التعامل معها كتحديات باعثة على المزيد من مضاعفة الجهود، ومواصلة السير في الذب عن قيم الشريعة ومقاصدها ومنابعها الصافية وفق رؤيتها العميقة والمدركة.

6- العمل على تطوير آلية التنسيق والتواصل بين العلماء والباحثين من مختلف المذاهب، والسير معاً على أساس تكاملي يجمع ولا يفرق ويوسع ولا يضيق.

7- التأكيد على أهمية الإعلام وما يمكن أن يلعبه من أدوار كبيرة وفاعلة في خدمة مقاصد الشريعة، وفي تعميم وترسيخ ثقافتها النافعة، وهو ما يعني ضرورة التفكير في إيجاد البرامج والآليات وتطويرها بما يمكن معها وسائل الإعلام المختلفة من أداء دورها المفترض في خدمة الدين وشريعته الإنسانية الخالدة.

8- ضرورة إبداء المزيد من الاهتمام بحركة التقنين المعاصر، والدفع بها نحو تقنين أحكام الشريعة الإسلامية من مختلف المذاهب الاجتهادية وفق أسس وضوابط توازن بين الحاجة إلى التقنين واستقرار المعاملات من جهة، وبين الحاجة إلى الاجتهاد والتجديد من جهة أخرى.

9- التأكيد على أهمية عقد مثل هذه الندوات الفقهية الهامة؛ لما لها من دور كبير في تصحيح كثير من المفاهيم، وفتح آفاق من الوعي الفقهي التجديدي والتقنيني، وتقريب وجهات النظر.

 

 

مصادر البحث

1- الاجتهاد المقاصدي، د. نور الدين بن مختار الخادمي، ضمن كتاب الأمَّة، الجزء الأول العدد (65) جمادى الأولى: 1419هـ، والجزء الثاني العدد (66) رجب: 1419هـ.

2-    أصول المحاكمات المدنية، دراسة مقارنة، تأليف: د. عوض أحمد الزعبي، الجزء الثاني، دار وائل، الطبعة الأولى/2003م

3-    إعادة صياغة الأمة. تأليف الشيخ أحمد بن حمد الخليلي، الحلقة الأولى: الطبعة الأولى/2003م، مكتبة الجيل الواعد.

4-    إعلام الموقعين عن رب العالمين، محمد بن أبي بكر أيوب الزرعي، تحقيق: طه عبد الرءوف سعد، دار الجيل ـ بيروت/1973م.

5-    الإمام زيد (حياته وعصره، آراؤه، وفقهه) محمد أبو زهرة، المكتبة الإسلامية، بيروت.

6- الانتصار في تقرير المختار من مذاهب الأئمة وأقاويل علماء الأمة، الإمام يحيى بن حمزة، ج1، تحقيق عبد الوهاب بن علي المؤيد، علي بن أحمد مفضل، الطبعة الأولى/2002م، مؤسسة الإمام زيد بن علي الثقافية.

7-    البداية والنهاية، تأليف: إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي، مكتبة المعارف ـ بيروت.

8- البدعة، تأليف العلامة علي بن إبراهيم بن الأمير الصنعاني. تحقيق: د. مرتضى بن زيد المحطوري، الناشر مكتبة مركز بدر العلمي والثقافي، الطبعة الأولى/1997م.

9- البركان في نسف جامعة الإيمان، الشيخ مقبل بن هادي الوادعي، نشر وتوزيع مكتبة الإدريسي السلفية ـ صنعاء، الطبعة الأولى/ 1999م.

10- البساط للإمام الناصر للحق الحسن بن علي الأطروش، تحقيق عبد الكريم أحمد جدبان، منشورات مكتبة التراث الإسلامية ـ الطبعة الأولى: 1997م.

11- البيان الصريح والبرهان الصحيح في مسألة التحسين والتقبيح، للإمام المتوكل على الله إسماعيل بن الإمام المنصور بالله القاسم بن محمد ـ خ ـ

12- تحرير المجلة، تأليف سماحة آية الله العظمى الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء، تحقيق الشيخ محمد الساعدي، إشراف آية الله الشيخ محمد مهدي الآصيفي، المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية، الطبعة الأولى/1422هـ.

13-    تراثنا الفكري في ميزان الشرع والعقل، محمد الغزالي، دار الشروق.

14-    الحقوق الإنسانية بين الإسلام والمجتمع المدني. د. مصطفى محقّق داماد، الطبعة الأولى/2001م، دار الهادي.

15- ردود أهل العلم على الطاعنين في حديث السحر، تأليف أبو عبد الرحمن مقبل بن هادي الوادعي، نشر دار الآثار ـ صنعاء/توزيع مؤسسة الريان، الطبعة الثانية/1999م.

16- الزيدية قراءة في المشروع وبحث في المكونات، عبد الله بن محمد بن إسماعيل، مركز الرائد للدراسات والبحوث، صنعاء، الطبعة الأولى/2004.

17- السنن الكبرى. تأليف أحمد بن الحسين بن علي بن موسى أبو بكر البيهقي، تحقيق: محمد عبد القادر عطا. مكتبة دار الباز، مكة المكرمة، 1414هـ – 1994م.

18-    السياسة الشرعية في ضوء نصوص الشريعة ومقاصدها، د. يوسف القرضاوي، مكتبة وهبة – القاهرة، الطبعة الأولى/1998م.

19- صفحات من تاريخ إباضية عمان وحضرموت، عبد الرحمن بن جعفر بن عقيل، دار حضرموت للدراسات والنشر، الطبعة الأولى/2006م.

20- صفوة الاختيار في أصول الفقه، الإمام المنصور بالله عبد الله بن حمزة بن سليمان، منشورات مركز أهل البيت (ع) للدراسات الإسلامية، الطبعة الأولى/2002م.

21- الضياء، تأليف الشيخ العلامة سلمة بن مسلم العوتبي الصحاري، سلطنة عمان – وزارة التراث القومي والثقافة، الطبعة الأولى/1415هـ -1995م، الجزء الأول.

22- الفصول اللؤلؤية، تأليف العلامة المجتهد السيد صارم الدين إبراهيم بن محمد بن عبد الله الوزير، دراسة وتحقيق: محمد يحيى عزان، مركز التراث والبحوث اليمني، الطبعة الأولى/2001م.

23-    فقه الوسائل في الشريعة الإسلامية، د. أم نائل بركاني، ضمن كتاب الأمَّة، العدد120، رجب/1428هـ.

24-    الفكر السياسي عند الإباضية والزيدية، د. سالم بن هلال الخروصي، مكتبة مدبولي، الطبعة الأولى/2006م.

25-    فلسفة الفقه ومقاصد الشريعة. د. عبد الجبار الرفاعي، الطبعة الأولى/2001م، دار الهادي.

26- الفلك الدوار في علوم الحديث والفقه والآثار، تأليف السيد صارم الدين إبراهيم بن محمد الوزير، تحقيق: محمد عزان، مكتبة التراث الإسلامي ودار التراث اليمني، الطبعة الأولى/1415هـ ـ 1994م.

27-    قضايا إسلامية معاصرة، إشكاليات التجديد، ماجد الغرباوي، دار الهادي، الطبعة الأولى/2001م.

28-    قضايا النوازل في فقه المعاملات بين المذاهب الإسلامية وتجديد الفتوى (ورقة عمل): أ.د/ محمد كمال إمام.

29- كتاب تبرئة البنوك من الربا في الصكوك، تأليف القاضي يحيى علي الدار، تحقيق القاضي: نديم محمد عبادي، الطبعة الأولى/ 1999م.

30-    لسان العرب، تأليف مُـحَمَّد بن مكرم بن منظور الأفريقي المصري، دار صادر، بيروت.

31-     متن الأجرومية لابن آجروم، ضبط وتحقيق: د. مرتضى المحطوري، طبعة 1997م، مكتبة مركز بدر العلمي والثقافي.

32-    مجلة رسالة التقريب – العدد الأول/ السنة الأولى/ رمضان1413هـ -1993م.

33- مجموع رسائل الإمام الهادي إلى الحق القويم يحيى بن الحسين بن القاسم بن إبراهيم (الرسائل الأصولية) تحقيق عبد الله بن محمد الشاذلي، مؤسسة الإمام زيد بن علي الثقافية، الطبعة الأولى/2001م.

34- مجموع كتب ورسائل الإمام القاسم بن إبراهيم الرسي، تحقيق: عبد الكريم أحمد جدبان، الجزء الأول، دار الحكمة اليمانية، الطبعة الأولى/1422هـ-2001م.

35-    المدخل الفقهي العام، تأليف مصطفى أحمد الزرقاء، الجزء الأول والثاني، دار القلم، الطبعة الثانية/2004م.

36- المستصفى في علم الأصول، تأليف محمد بن محمد الغزالي أبو حامد، تحقيق: محمد عبد السلام عبد الشافي، دار الكتب العلمية -بيروت، الطبعة الأولى: 1413هـ.

37-    المطلع على أبواب الفقه. تأليف محمد بن أبي الفتح البعلي الحنبلي، تحقيق: محمد بشير الأدلبي ـ بيروت، 1401هـ.

38- المعجم الكبير، سليمان بن أحمد بن أيوب أبو القاسم الطبراني، تحقيق: حمدي بن عبدالمجيد السلفي، شر: مكتبة العلوم والحكم – الموصل الطبعة الثانية: 1404هـ – 1983م.

39-    مقاصد الشريعة كتاب قضايا إسلامية معاصرة، طه جابر العلواني – دار الهادي، الطبعة الأولى/2001م.

40-    معيار أغوار الأفهام في مناسبات الأحكام، العلامة عبد الله النجري ـ مخطوط.

41-    مناهج التجديد، تحرير وحوار: عبد الجبار الرفاعي، دار الفكر المعاصر، بيروت ـ دار الفكر دمشق، الطبعة الأولى/2000م.

42- مناهج التشريع الإسلامي والبحث العلمي، سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي، المفتي العام لسلطنة عمان، المطابع العالمية – سلطنة عمان/2001م.

43-    منهج الاجتهاد عند الإباضية، د. مصطفى صالح باجو، مكتبة الجيل الواعد، مسقط/عمان، الطبعة الأولى/2005م.

44-    الموافقات في أصول الفقه، تأليف: إبراهيم بن موسى اللخمي الغرناطي المالكي، تحقيق: عبد الله دراز، دار المعرفة، بيروت.

45-    النص الشرعي وتأويله، الشاطبي أنموذجاً، د. صالح سبوعي، ضمن كتاب الأمة- العدد (117) المحرم/1428هـ.

46- هذه شريعتنا (دراسة أصولية دستورية لنظام حكم إسلامي) تأليف سقاف بن علي الكاف، الناشر/ حزب رابطة أبناء اليمن، رأي، الطبعة الأولى/1997م.

47- من بحوث ندوة تطور العلوم الفقهية في عمان (من القرن السابع إلى القرن العاشر الهجري) المنعقدة خلال الفترة: 18-21/ صفر/1427هـ الموافق: 18-21/مارس/2006م، مراجعة وتنسيق: الحاج سليمان بن إبراهيم بابزيز الوارجلاني.

–  معنى المصلحة والمقصد في المنظومة الفقهية، أ.د/ وهبة مصطفى الزحيلي.

–  مقاصد الشرع ومحاولات تجديد المنظومة الأصولية، د. عبد الله السيد ولد أباه.

–  المقاصد الشرعية بين الفقهين الإباضي والمالكي، د. مصطفى بن صالح باجو.

–  المقاصد الشرعية لدى فقهاء عمان، د. أحمد الكندي.

–  المقاصد الشرعية من خلال كتابي (المصنف) للكندي، و(قواعد الإسلام) للجيطالي، د. شوقي إبراهيم علام.

–  مقاصد الشريعة مدخلاً للإصلاح، معتز الخطيب.

–  المقاصد في كتابات العرب المحدثين والمعاصرين، د. رضوان السيد.

–  المقاصد والمصالح في منهج الطالبين – د. محمد الحاج سالم.

48- من بحوث المشهد الثقافي في إيران فلسفة الفقه ومقاصد الشريعة، إعداد/ عبد الجبار الرفاعي، دار الهادي، الطبعة الأولى/2001م.

–  فلسفة الفقه – الشيخ محمد شبستري.

–  الأحكام الحكومية والمصلحة، الشيخ سيف الله صرامي.

–  تأثير منظور الفقيه في الفتوى، الشيخ مرتضى المطهري.

49-  من بحوث ندوة الفقه الإسلامي، المنعقدة بجامعة السلطان قابوس في الفترة من: 22-26/شعبان/1408هـ الموافق: 9-13/إبريل/1988م، الطبعة الثانية/2006م، الموافق/ 1427هـ.

–  الاجتهاد في الإسلام مجالاته وحدوده، الشيخ محمد بن بابه الشيخ بالحاج.

–  نشأة تدوين الفقه واستمراره عبر القرون، الشيخ مبارك بن عبد الله الراشدي.

50- الاجتهاد والتجديد، الجزء الأول والثاني، مجموعة من المقالات المختارة للمؤتمر الدولي الخامس عشر للوحدة الإسلامية، إعداد/ سيد جلال الدين ميرآقائي، الطبعة الأولى/1424هـ -2003م، المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية.

-الاجتهاد والتجديد في المنهج الإسلامي، شهاب الدين الحسيني.

– الاجتهاد واجب ديني وحضاري، الشيخ الدكتور كمال الدين جعيط.

– الفقه وفقه النظريات العامة، الشيخ خالد الغفوري.

– الفكر الإسلامي ومتطلبات المستقبل، علي مؤمن.

51-   موقع علماء الشريعة على الإنترنت: http: //www.olamaashareah.net

52-    موقع الدكتور عبد اللطيف الشيخ على الإنترنت:

http: //www.dr-alshaikh.com/a7kam.htm

53-   صحيفة عكاظ الإلكترونية: http: //www.okaz.com

54-    حركة تقنين الفقه الإسلامي، عامر بن عيسى اللهو، بحث منشور على الإنترنت:

http: //www.saaid.net

55-    موقع إسلام أون لاين نت:

http: //www.islamonline.net


*التقنين والتجديد فِي الفقه الإسلامي المعاصرة المنعقدة خلال الفترة (28-2) ربيع الثاني 1429هـ/ ( 5-8) إبريل 2008م – بقاعة المحاضرات بجامع السلطان قابوس.

**عضو جمعية علماء اليمن.

([1]) سورة الذار يات: 56.

([2]) سورة إبراهيم: 1.

([3]) سورة الأنبياء: 107.

([4]) سورة الحج: 78.

([5]) سورة البقرة: 185.

([6]) إعلام الموقعين عن رب العالمين، لابن القيم: 3/3.

([7]) ينظر ذلك في (مجموع رسائل الإمام الهادي): 603، 605. فقد قبل رسول الله e أن يأخذ الجزية منهم مع إسقاط الاسم عنهم، إضافة إلى شروط ألزمهم النبي e فيها بعدة التزامات، وهناك من نسب هذه المعاملة لعمر بن الخطاب.

([8]) انظر: أبو زهرة (الإمام زيد حياته وعصره، آراؤه وفقهه): ص424.

([9]) الموافقات، للشاطبي: 1/25.

([10]) في فتاواه وأقضيته، وتقديم النصح والمشورة لعمر بن الخطاب، وفي توجيهه لأبي الأسود الدؤلي بوضع مبادئ النحو، وهي أمور معروفة ومبسوطة في مظانها، مثل: نهج البلاغة، وشرح النهج لابن أبي الحديد، وكتب السياسة الشرعية، وغيرها.

([11]) انظر: معتز الخطيب: مقاصد الشريعة مدخلاً للإصلاح، 104-105. بتصرف.

([12]) انظر: معتز الخطيب، مرجع سابق: 104، وانظر أيضاً: د. عبد الله السيد ولد أباه: المقاصد وتجديد المنظومة الأصولية، ص149.

([13]) د. أحمد الكندي، المقاصد الشرعية لدى فقهاء عمان: 325.

([14]) د. محمد الحاج سالم،المقاصد والمصالح في منهج الطالبين: 484.

([15]) انظر: الموافقات: 1/265.

([16]) أبو زهرة، مرجع سابق: 430.

([17]) انظر: د. نور الدين بن مختار الخادمي، الاجتهاد المقاصدي: ج1/48-51.

([18]) انظر: معيار الأفهام في مناسبات الأحكام، للنجري (خ).

([19]) الإنتصار، للإمام يحيى بن حمزة، ج1/155.

([20]) انظر: د. عبد الله السيد ولد أباه (مقاصد الشرع ومحاولات تجديد المنظومة الأصولية: 150.

([21]) انظر: الاجتهاد المقاصدي: 1/48.

([22]) الاجتهاد المقاصدي: 1/52.

([23]) نعني بالفقه الأكبر: الفقه الحضاري الذي أشار إليه الرسول e في حديثه: «من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين».

([24]) المستصفى، لأبي حامد الغزالي: 174.

([25]) انظر: أ.د/ وهبة مصطفى الزحيلي، معنى المصلحة والمقصد في المنظومة الفقهية: 32.

([26]) الموافقات للشاطبي: 2/8.

([27]) ينظر في ذلك: الاجتهاد المقاصدي: 1/53-56.

([28]) انظر: د. يوسف القرضاوي، السياسة الشرعية في ضوء نصوص الشريعة ومقاصدها: 228.

([29]) انظر: مقاصد الشرع وتجديد المنظومة الأصولية: 142.

([30]) انظر: د/ محمد كمال إمام في ورقة عمل،قضايا النوازل في فقه المعاملات بين المذاهب الإسلامية وتجديد الفتوى: ص8.

([31]) انظر: د. محمد كمال إمام، مرجع سابق: ص8.

([32]) المرجع السابق: 8.

([33]) انظر: السياسة الشرعية في ضوء نصوص الشريعة: 227.

([34]) د. أم نائل بركاني، فقه الوسائل في الشريعة الإسلامية: 22-26، بتصرف.

([35]) عبد الجبار الرفاعي، فلسفة الفقه ومقاصد الشريعة: 29.

([36]) انظر: رضوان السيد، المقاصد في كتابات العرب المحدثين والمعاصرين: 98.

([37]) د. مصطفى محقق داماد، الحقوق الإنسانية بين الإسلام والمجتمع المدني: 6.

([38]) المطلع على أبواب الفقه، للبعلي: 212.

([39]) الفصول اللؤلؤية لابن الوزير: 371.

([40]) الموافقات للشاطبي: 4/113.

([41]) صفوة الاختيار، للإمام عبد الله بن حمزة: 290.

([42]) عبد الله بن مُـحَمَّد إسماعيل، الزيدية قراءة في المشروع وبحث في المكونات: 83.

([43]) لسان العرب، لابن منظور: 1/377.

([44]) شهاب الدين الحسيني، الاجتهاد والتجديد في المنهج الإسلامي: 1/239.

([45]) إعادة صياغة الأمة، للشيخ الخليلي، الحلقة الأولى: ص62.

([46]) د. مصطفى صالح باجو، منهج الاجتهاد عند الإباضية: 792.

([47]) الشيخ الدكتور كمال الدين جعيط، الاجتهاد واجب ديني وحضاري: 132.

([48]) انظر: المدخل الفقهي العام، للشيخ مصطفى الزرقاء: 1/313.

([49]) تقنين الأحكام الشرعية بين المانعين والمجيزين، موقع علماء الشريعة، أنترنت).

([50]) حركة تقنين الفقه الإسلامي، عامر بن عيسى اللهو: ص3، بحث منشور على الإنترنت.

([51]) د. عبد اللطيف الشيخ، جواز تقنين قانون ينظم لأحكام الأسرة مستمد من الشريعة الإسلامية. انظر: موقعه على الإنترنت.

([52]) الموافقات للشاطبي 4/105،106

([53]) انظر: المستصفى للغزالي: 2/350

([54]) انظر: أبو زهرة، الإمام زيد حياته وعصره-آراؤه وعلمه: 465، 468.

([55]) صفوة الاختيار للإمام عبد الله بن حمزة: 373

([56]) للمزيد حول ذلك، انظر: مجموع رسائل الإمام الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين: 489-494.

([57]) انظر: السياسة الشرعية، للقرضاوي: 238.

([58]) انظر: المدخل الفقهي العام: 1/190.

([59]) د. القرضاوي، مرجع سابق: 228.

([60]) الاجتهاد المقاصدي، مرجع سابق: 1/145، وما بعدها.

([61]) د. القرضاوي مرجع سابق: 245

([62]) انظر: كتاب قضايا إسلامية معاصرة، إشكاليات التجديد، مقدمة المحرر: 6.

([63]) انظر المزيد، في: الزيدية قراءة في المشروع وبحث في المكونات: 58-63.

([64]) انظر: الاجتهاد المقاصدي، مرجع سابق: 1/59.

([65]) انظر: طه جابر العلواني، مقاصد الشريعة: 78.

([66]) انظر: السياسة الشرعية: 337-338 بتصرف.

([67]) ما عرضنا له من الأمثلة ليس أكثر من الإشارة إلى خطورة التخلي عن المنحى التعليلي،ذلك أن التألق في فهم النص مرهون به، بدليل أن ابن حزم ذاته عندما يتخلى عن ظاهريته نجده يقدم استنتاجات رائعة، وتعليقات منطقية أشار إلى بعضها الدكتور طه جابر العلواني في بحثه القيم: مقاصد الشريعة. انظر ذلك: ضمن كتاب قضايا إسلامية معاصرة: ص34-35.

([68]) انظر: المدخل الفقهي العام: 1/195.

([69]) انظر: المسألة ضمن موسوعة، الضياء، للعوتبي: 1/252.

([70]) للمزيد حول ذلك انظر: الزيدية قراءة في المشروع وبحث في المكونات: 42-50.

([71]) إعادة صياغة الأمة: 32

([72]) انظر: البداية والنهاية، لابن كثير: 8/226.

([73]) ينظر: الزيدية قراءة في المشروع وبحث في المكونات: 90

([74]) تجد مثل هذه التناقضات في كثير من الكتب والأشرطة ككتاب: صعقة الزلزال، وكتاب: غارة الأشرطة، لمقبل الوادعي.

([75]) انظر: ماجد الغرباوي، إشكاليات التجديد: 159.

([76]) الزيدية قراءة في المشروع وبحث في المكونات: 52.

([77]) المدخل الفقهي العام: 203.

([78]) الغرباوي، إشكاليات التجديد: 163.

([79]) المدخل الفقهي العام ـ نقلاً عن أبي زهرة، الملكية ونظرية العقد في الشريعة الإسلامية: 38.

([80]) انظر المزيد حول مساوئ التقليد في كتاب: الزيدية قراءة في المشروع وبحث في المكونات: 44، 45.

([81]) انظر ذلك، في إعلام الموقعين لابن القيم: 2/301-302.

([82]) المدخل الفقهي العام: 208-211 بتصرف.

([83]) معتز الخطيب، مقاصد الشريعة مدخلاً للإصلاح: 109.

([84]) نقلاً عن: الفلك الدوار، صارم الدين الوزير: 221.

([85]) سورة آل عمران: 85.

([86]) سورة النساء: 82.

([87]) البدعة، لابن الأمير الصنعاني: 30.

([88]) سورة النحل: 72.

([89]) العلواني، مقاصد الشريعة: 37-39، بتصرف.

([90]) ومثالاً على ذلك ما ورد في كتاب: الطبقات المنسوب إلى الشعراني، مِـمَّا وصفه الشيخ الخليلي بـ(الطامات المضحكات المبكيات). انظر: إعادة صياغة الأمة، مرجع سابق: 123، وكذلك ما ورد في بعض كتب العقائد الحنبلية عن كرامات وفضائل الإمام أحمد أشار إلى بعضها الأستاذ/ حسن فرحان المالكي، في كتابه، قراءة في كتب العقائد ـ المذهب الحنبلي نموذجاً، وغيرها كثير.

([91]) إعادة صياغة الأمة: 122.

([92]) ومثالاً على ذلك كتاب: ردود أهل العلم على الطاعنين في حديث السحر، للشيخ مقبل الوادعي.

([93]) محمد الغزالي، تراثنا الفكري في ميزان الشرع والعقل: 146.

([94]) حديث العرض من الأحاديث الصحيحة الثابتة التي أخرجها الإمام زيد بن علي t في: الرسالة المدنية، ورواه الإمام الهادي إلى الحق في كتاب: شرح معاني السنة، وأورده الإمام القاسم بن محمد في كتاب: الاعتصام: 1/21، وهو بلفظ مقارب في أول، تفسير البرهان، لأبي الفتح الديلمي، وهو في: كنـز العمال: 1/176، 175، ونحوه ص160، وذكر أنه أخرجه أبو نصر السجزي في: الإبانة، ونحوه في: مجمع الزوائد: 1/17، وفي، الجامع الصغير، للسيوطي: 1/74.

([95]) مسند الربيع: 40، وأورده الطبراني في: المعجم الكبير: 2/97: عن ثوبان: أن رسول الله e قال: «ألا إن رحى الإسلام دائرة» قال: فكيف نصنع يا رسول الله؟ قال: «أعرضوا حديثي على الكتاب فما وافقه فهو مني وأنا قلته».

([96]) يعتبر التقليد إحدى أهم العلل في كل ما تعانيه الأمة. انظر في ذلك مقالة: المنهج الوحدوي لدى السيد جمال الدين والشيخ محمد عبده، للأستاذ شاكر الفردان، ضمن مجلة، رسالة التقريب، العدد الأَوَّل، السنة الأولى، رمضان1413هـ -1993م.

([97]) وقد علّق الشيخ الخليلي على كلام الصاوي بقوله: (وهذا كلام في منتهى الخطورة، فهو ينسف ما يَدُلُّ عليه القرآن وما جاءت به السنة الصحيحة وأقوال الصحابة الذين هم خير جيل من أجلّ قول أربعة أئمة اجتهدوا وبذلوا جهدهم من أجل الوصول إلى الحقيقة والحق، ولم يدّعوا لأنفسهم العصمة والسلامة من الخطأ في أي يوم من الأيام، بل كانوا يدعون أتباعهم إلى النظر والاجتهاد». انظر: كتاب، إعادة صياغة الأمة: 27.

([98]) سورة الإسراء: 47.

([99]) انظر: السياسة الشرعية، 255.

([100]) المرجع السابق: 247.

([101]) طه العلواني، مقاصد الشريعة: 90.

([102]) انظر ذلك، في: الاجتهاد المقاصدي: 1/141-145، بتصرف.

([103]) انظر ذلك، في: الاجتهاد المقاصدي: 1/139، بتصرف.

([104]) للمزيد حول مجالات الاجتهاد وحدوده، ينظر: الشيخ محمد بن بابه الشيخ بالحاج في: الاجتهاد في الإسلام مجالاته وحدوده) ضمن كتاب، ندوة الفقه الإسلامي – المنعقدة في جامعة السلطان قابوس، من: 22-26 شعبان/1408هـ) مجموعة أبحاث، الطبعة الثانية: 894-924.

([105]) الفصول اللؤلؤية: 352.

([106]) المرجع السابق: 353.

([107]) ينظر في ذلك: السياسة الشرعية: 248.

([108]) ينظر في ذلك: يحيى يحيى علي الدار، كتاب تبرأة البنوك من الربا في الصكوك) نصّ الفتوى: ص41-57.

([109]) انظر: القرضاوي، مرجع سابق: 248.

([110]) انظر: مقبل الوادعي، البركان في نسف جامعة الإيمان: 172.

([111]) الاجتهاد المقاصدي: 2/117.

([112]) المرجع السابق: 118.

([113]) الموافقات، للشاطبي: 2/27.

([114]) ينظر ذلك في: د. رجب أبو مليح: ورقة عمل بعنوان، من ضوابط الإفتاء في قضايا النوازل، بحث غير منشور، من الورقة: 96-107.

([115]) انظر: الموافقات 2/392.

([116]) معيار الأفهام في مناسبات الأحكام للنجري، مخطوط.

([117]) انظر: حوار أبي الأسود الدؤلي مع ابنته ضمن مقدمة تحقيق، متن الأجرومية، لابن آجروم.

([118]) السنن الكبرى، للبيهقي، 6/122.

([119]) الاجتهاد المقاصدي، 1/106.

([120]) المعجم الكبير، للطبراني: 11/323.

([121]) سورة البقرة: 185.

([122]) سورة الحج: 78.

([123]) نقلاً عن كتاب، المدخل الفقهي العام، ج2/967، 968.

([124]) انظر: مقدمة الدكتور السالمي، في كتاب: ندوة تطور العلوم الفقهية، مجموعة أبحاث، ص: 8.

([125]) معيار الأفهام في مناسبات الأحكام، للنجري، مخطوط.

([126]) تنظر هذه القواعد في كتاب: تحرير المجلة: 1/128، وما بعدها.

([127]) المدخل الفقهي العام، 2/969.

([128]) انظر: الاجتهاد المقاصدي: 1/131.

([129]) د. رضوان السيد، المقاصد في كتابات العرب: 97.

([130]) انظر: المرجع السابق، مقدمة د. السالمي: 6.

([131]) انظر: د. مصطفى بن صالح باجو، المقاصد الشرعية بين الفقهين الإباضي والمالكي، ص459.

([132]) المدخل الفقهي العام: 120، 121.

([133]) انظر: الفصول اللؤلؤية: 353.

([134]) انظر: منهج الاجتهاد عند الإباضية: 718.

([135]) انظر: مناهج التشريع الإسلامي والبحث العلمي، للشيخ الخليلي: 18.

([136]) انظر: معنى ذلك فيما نقله القرضاوي عن القرافي، ضمن كتابه، السياسة الشرعية في ضوء نصوص الشريعة ومقاصدها: 98.

([137]) للمزيد حول الموضوع، ينظر: كتاب: الفكر السياسي عند الإباضية والزيدية، للدكتور سالم بن هلال الخروصي.

([138]) انظر: عبد الرحمن جعفر بن عقيل، صفحات من تاريخ إباضية عمان وحضرموت: 160، وانظر عند الزيدية على سبيل المثال: كتاب البيان الصريح والبرهان الصحيح في مسألة التحسين والتقبيح، للإمام المتوكل على الله إسماعيل بن الإمام المنصور بالله القاسم بن محمد..

([139]) انظر: منهج الاجتهاد عند الإباضية: 638.

([140]) انظر على سبيل المثال: البساط، للإمام الناصر الأطروش: 149.

([141]) تقدم تخريجه.

([142]) انظر: الفصول اللؤلؤية: 313.

([143]) لأن الإباضية عُرفوا بتحري صدق الحديث، انظر: الشيخ مبارك بن عبد الله الراشدي، نشأة تدوين الفقه واستمراره عبر القرون: 156.

([144]) الشيخ مبارك بن عبد الله الراشدي، نشأة تدوين الفقه واستمراره عبر القرون: 155.

([145]) الفصول اللؤلؤية: 290، 291.

([146]) انظر: نشأة تدوين الفقه واستمراره عبر القرون، 155.

([147]) انظر: الفصول اللؤلؤية: 313.

([148]) سورة الكهف: 49.

([149]) سورة الأنعام: 103.

([150]) انظر: إعادة صياغة الأمة: 25، 26.

([151]) انظر: مقدمة عبد الجبار الرفاعي في كتاب: مقاصد الشريعة للعلواني: 9، وانظر ـ أيضاً ـ علي المؤمن، الفكر الإسلامي ومتطلبات المستقبل: 2/178.

([152]) د. حجة الإسلام مبلغي، الفتاوى الفقهية بين الأدلة والقواعد، ورقة عمل قدمت في فقه النوازل وتجديد الفتوى، الورقة الرابعة.

([153]) انظر: منهج الاجتهاد عند الإباضية: 787.

([154]) لمعرفة أسماء كتب الزيدية ذات العلاقة، راجع كتاب، أعلام المؤلفين الزيدية، للأستاذ/ عبد السلام عباس الوجيه.

([155]) انظر: مناهج التشريع والبحث العلمي: 39.

([156]) أصول العدل والتوحيد، للإمام القاسم بن إبراهيم، ضمن مجموع كتبه ورسائله: 631-632.

([157]) انظر: مناهج التشريع الإسلامي والبحث العلمي: 41.

([158]) فلسفة الفقه ومقاصد الشريعة: الرفاعي، ص340.

([159]) أبو زهرة، الإمام زيد حياته وعصره وآراؤه الفقهية: 489-490، بتصرف يسير.

([160]) انظر: مجلة الرائد للدراسات والبحوث، فصلية، العدد3، يونيو 2006م، ص: 82-94.

([161]) سورة آل عمران: 97.

([162]) سورة المائدة: 2.

([163]) سورة الأنبياء: 107.

([164]) سورة الزلزلة: 7-8.

([165]) معيار الأفهام في مناسبات الأحكام ـ خ.

([166]) الإمام زيد حياته وعصره: 508.

([167]) مجموع رسائل الإمام الهادي: 534.

([168]) نقلاً عن: د. شوقي إبراهيم علام، المقاصد الشرعية من خلال كتابي المصنف للكندي وقواعد إسلام الجيطالي: 539.

([169]) انظر: د. صالح سبوعي، النص الشرعي وتأويله، الشاطبي أنموذجاً: 14، بتصرف.

([170]) للمزيد حول الموضوع ينظر: مناهج التجديد) تحرير وحوار: عبد الجبار الرفاعي، ط1/2001م: 35-56.

([171]) عبد الجبار الرفاعي، فلسفة الفقه ومقاصد الشريعة: 12.

([172]) إشكاليات التجديد: 134، 135، بتصرف.

([173]) المقاصد في كتابات العرب المحدثين والمعاصرين: 90.

([174]) انظر: الاجتهاد المقاصدي: 1/19.

([175]) انظر: الموافقات: 1/24.

([176]) تأويل النص الشرعي، الشاطبي أنموذجاً: 38.

([177]) انظر: رضوان السيد: 95.

([178]) ومثالاً على ذلك: هذه الندوة، وندوة تطور العلوم الفقهية في عمان، المنعقدة في: 18-21 صفر/1427هـ، انظر توصيات هذه الندوة: 609، ومثلها توصية المؤتمر الدولي الخامس عشر للوحدة الإسلامية، انظر البيان الختامي لهذا المؤتمر في نهاية الجزء الثاني من كتاب، التجديد والاجتهاد) مجموعة مقالات مختارة: ص326، ومؤتمرات وندوات أخرى.

([179]) للمزيد حول الموضوع، راجع: المحاورات التي أجراها عبد الجبار الرفاعي في كتابه: مناهج التجديد.

([180]) للمزيد حول الموضوع، ينظر: الشيخ محمد مجتهد شبستري، فلسلفة الفقه: 55-58.

([181]) انظر: المدخل الفقهي العام: 1/331، وما وراءها.

([182]) انظر: الشيخ سيف الله الصرامي، الأحكام الحكومية والمصلحة: 468.

([183]) المرجع السابق: 510.

([184]) رضوان السيد، مرجع سابق: 96.

([185]) الاجتهاد المقاصدي: 1/36.

([186]) انظر: الموافقات للشاطبي: 1/24.

([187]) انظر معنى ذلك في: الموافقات للشاطبي: 2/8.

([188]) سورة المائدة: 42.

([189]) سورة، ص: 26.

([190]) عامر بن عيسى اللهو، حركة تقنين الفقه الإسلامي: 10.

([191]) المرجع السابق: 10.

([192]) «التقنين» مدخل لتجسيد الوحدة التشريعية أم إيقاف للاجتهاد؟ عدنان الشبراوي، صحيفة عكاظ الإلكترونية.

([193]) موقع علماء الشريعة.. تقنين الأحكام الشرعية بين المانعين والمجيزين، أنترنت.

([194]) حركة تقنين الفقه الإسلامي: 11.

([195]) عدنان شبراوي، «التقنين» مدخل لتجسيد الوحدة التشريعية أم إيقاف للاجتهاد؟ صحيفة عكاظ الإلكترونية.

([196]) ينظر حول ذلك: المدخل الفقهي العام: 1/236.

([197]) انظر: د. عوض أحمد الزعبي، أصول المحاكمات المدنية دراسة مقارنة: 2/905، 906.

([198]) انظر: تقنين الأحكام الشرعية بين المانعين والمجيزين، عبد الرحمن أحمد الجرعي: موقع إسلام أون لاين.

([199]) سقاف بن علي الكاف، هذه شريعتنا: 140.

([200]) ينظر في ذلك: هذه شريعتنا: 141.

([201]) ينظر: «مجلة الاحكام» أول محاولة لتقنين الشريعة في تاريخ المملكة، أحمد ضيف، صحيفة عكاظ الإلكترونية.

([202]) المرجع السابق.

([203]) ينظر: المدخل الفقهي: 1/239.

([204]) حركة التقنين في اليمن، بحث غير منشور، للقاضي الشرعي.

([205]) انظر: المدخل الفقهي العام: 314.

([206]) انظر: الاجتهاد والتجديد، 2/150.

([207]) انظر: د. القرضاوي، مرجع سابق: 105.

([208]) انظر: المدخل الفقهي العام: 259، وما وارءها.

([209]) تحرير المجلة: 1/20-22.

([210]) للمزيد حول الموضوع: انظر: المدخل الفقهي العام: 306-310.

([211]) المدخل الفقهي العام: 1/230.

([212]) انظر: المدخل الفقهي العام: 254-255، وانظر: هذه شريعتنا: 141-142.

([213]) انظر: تحرير المجلة: 1/18.

([214]) انظر: د. القرضاوي، السياسة الشرعية: 105.

([215]) انظر: تحرير المجلة: 1/22.

([216]) تحرير المجلة: 1/19، 20.

([217]) المدخل الفقهي العام: 1/260-261.

([218]) ينظر ذلك في: المدخل الفقهي العام: 1/262-263.

([219]) انظر: د. أبو زهرة: 133.

([220]) القاضي محمد الشرعي، حركة التقنين الفقهي في اليمن) بحث غير منشور.

([221]) مجموعة القوانين الموضوعية الإسلامية، صادرة عن وزارة العدل اليمنية، بتاريخ: 25/ذي القعدة/1396هـ، الموافق: 17/1/1976م: ص4.

([222]) الشرعي، مرجع سابق، بحث غير منشور.

([223]) صدر هذا القانون عام، 1982م) عن هيئة تقنين أحكام الشريعة الإسلامية في أربعة مجلدات، مع مذكرته الإيضاحية.

([224]) المدخل الفقهي العام: 1/262.

([225]) للمزيد حول الموضوع، انظر: المدخل الفقهي العام: 1/295-304.

([226]) انظر: المدخل الفقهي العام: 1/321-326.

([227]) المدخل الفقهي العام: 1/226.

([228]) الشيخ خالد الغفوري، الفقه وفقه النظريات العامة: 2/149.

هذه المقالة تحتوي على تعليقات (3)

3 تعليقات ل “أثر فقه المقاصد على حركة الاجتهاد والتقنين”

  1. حنان says:

    أنا طالبة في شعبة الدراسات الإسلامية تخصص العقيدة والفقه شكرا جزيلا على الموضوع وأرجو المساعدة في اختياري لعنوان بحث الإجازة وشكرا

  2. الطاهر says:

    شكرا

  3. الطاهر says:

    شكرا على البحث

أكتب تعليقك هنا

نرجو أن تضع المادة أسفله
الإسم
إيميل
موقع
تعليقك