الاجتهاد والتقنين الفقهي الإسلامي

الاجتهاد والتقنين الفقهي الإسلامي

من المسارات القديمة إلـى تجديدات محمد عبده ومدرسته*

 

إعداد: أ. د. محمد الحداد

( باحث وأستاذ أكاديمي من الجمهورية التونسية)

تقديم:

الاجتهاد في اللغة: هو بذل الجهد واستفراغ الوسع في إنجاز فعل من الأفعال.

وقد حدد له القدامى معنى مخصوصاً أو اصطلاحّيا، وهو المعروف في كتب أصول الفقه، وعبّر عنه أبو حامد الغزالي (القرن 6هـ/12م) بقوله: “بذل المجتهد وسعه في طلب العلم بالأحكام الشرعية”([1]).

والاجتهاد بهذا المعنى المخصوص هو: منهجية لاستخراج أحكام شرعية من مصادر التشريع المعترف بها. وعلى هذا الأساس يكون علم أصول الفقه كله علماً للاجتهاد. فهذا العلم يتوزع كما هو معلوم إلى أربعة أبواب، وهي: الأدلة التي تستنبط منها الأحكام، وأصناف الأحكام، وطرق استنباط الأحكام من الأدلة، وصفات المستنبط أو المجتهد.

فالباب الأول يحدّد مصادر الاجتهاد، والثاني المقولات التي يقدم من خلالها الاجتهاد. والثالث الطرق المستعملة للاجتهاد. والرابع يجمع المسائل المتصلة بممارسة الاجتهاد، مثل بيان أصنافه وأنواعه ودرجاته وعلاقة المجتهد والمقلد. فعلم أصول الفقه يمثل في ذاته تقنيناً للممارسة التشريعية بما هي ممارسة اجتهادية.

ويتفق المؤرخون -سواء منهم المسلمون أو غير المسلمين- على أن هذا العلم إبداع إسلامي خالص، كما يتفقون على الدور الأساسي الذي اضطلع به الفقه وأصوله في نشر تعاليم الدين الإسلامي، والمحافظة على تماسك المجتمعات الإسلامية. ولم يكن الفقه الإسلامي ليتطوّر لولا وجود المذاهب المختلفة، وما بقي منها وما اندثر، فقد كانت مدارس لتطوير المعارف الشرعية على مدى الأجيال والعصور. وعندما استقرَّت المذاهب انقطعت الحاجة إلى الاجتهاد المطلق، وقام الاجتهاد المقيد الذي يعني الاجتهاد حسب أصول المذهب.

وعرف بعد ذلك الترجيح، ويعني الاختيار بين أقوال شراح المذهب وتقديم أقوالهم بحسب ما يعتبر التفوق في الكفاءة. وكان لاختلاف الأمصار والعصور ولاختلاف العقول والحالات دور في إثراء الفقه الإسلامي بالأقوال والآراء المتعددة، وهو ما اعتبر توسيعاً على المسلمين واعتباراً لتغيير الأوضاع والمصالح.

ونذكر في هذا المجال ابن حزم الأندلسي (ت 456 هـ) الذي اقترح مراجعة المسار السائد في مسألتين محوريتين.

المسألة الأولى: التخلي عن آلية القياس مقابل التوسيع في الدلالة الظاهرة للنص. فإذا قلنا مثلاً: كل مسكر حرام، النبيذ مسكر، فالنبيذ حرام، فإننا لا نستعمل حسب ابن حزم قياساً بل نستخرج حكماً من الدلالة العامة للفظ، باعتبار مفهوم ” نبيذ ” متضمنا في كلمة مسكر.

والمسألة الثانية: هي الاحتكام مباشرة إلى النصوص التشريعية الأولى دون وساطة مدونات المذاهب.

إلا أن منهجية ابن حزم لم تلق قبولاً من الفقهاء الذين تخلصوا من معارضته.

وفي القرن السادس ظهر الشاطبي (ت 592 هـ) صاحب كتاب ” الموافقات في أصول الشريعة”، والشاطبي خريج البيئة الأندلسية التي لم تشهد التعدد المذهبي بالكثافة المعروفة في المشرق، فكانت تطمح إلى التقريب بين المذاهب الفقهية. وقد برز هذا الاتجاه أيضاً مع ابن رشد الحفيد صاحب كتاب “بداية المجتهد ونهاية المقتصد”، ويعني الاجتهاد هنا: الترجيح والتقريب بين المذاهب الفقهية المعتمدة.

لقد ذهب الشاطبي إلى أبعد من ذلك، فحاول بناء نظرية تشريعية عامة يمكن أن تكون جامعة لمختلف المذاهب السنية، وكانت فكرة المقاصد المدخل لهذه المحاولة.

وفي القرن الثامن جاء ابن تيمية (ت 728هـ) داعياً إلى الاجتهاد بمعنى تقديم النصوص الشرعية على نصوص المدونات المذهبية.

وعصر ابن تيميّة لاحق لفترة استقرار المذاهب الفقهية، ولهذا السبب كانت معارضة الفقهاء له قوية؛ لأنه يراجع مساراً كان قد استقر بصفة نهائية.

أصبحت المذاهب واقعة قائمة، وكما ذكرت سابقا،فإن تطوّر العلوم الفقهّية لم يكن ممكنا لولا تطّور هذه المذاهب واستمراريتها. لكن العصر الحديث هو الذي أعاد الجدل حول القضّية، وأعاد الاعتبار لهذه المحاولات.

كانت البداية بالحركة الوهابية التي أعادت طرح قضية الاجتهاد، واستعادت فكر ابن تيمية ومدرسته في ظرفيّة جديدة. وقد اصطدمت بالإمبراطورية العثمانية في عصر التنظيمات، ومحمّد علي باشا باعث النهضة المصرية الحديثة. وكانت تركيا ومصر وكذلك تونس في الغرب الإسلامي قد شهدت حركات إصلاحية تدعو إلى التقنين.

ومع أن فكرة التقنين قد تجد لها أصولاً قديمة فإنها كانت تقتبس أساسا من فكرة المدونة القانونية التي أنشأها نابليون بونابرت في فرنسا سنة 1804. والاقتباس هنا يعني: الأخذ بالشكل الجديد مع استقاء المضمون من التراث التشريعي الإسلامي.

ومن الوثائق المعبّرة عن هذا التوجه رسالة رفاعة الطهطاوي وعنوانها “القول السديد في الاجتهاد والتقليد”. وقد عرض فيها آراء القدامى في قضية الاجتهاد، وقبل التقسيم المشهور للاجتهاد إلى نوعين: اجتهاد مطلق واجتهاد على مذهب من مذاهب الفقهية القديمة. ويرى الطهطاوي أن الاجتهاد المطلوب في عصره هو اجتهاد من النوع الثاني، واستنباط الأحكام للوقائع المستجدة. وهذا ما أكده أيضاً في كتاب “مناهج الألباب” حيث يقول: “من أمعن النظر في كتب الفقه الإسلامي ظهر له أنها لا تخلو من تنظيم الوسائل النافعة من المنافع العمومية، حيث بوّبوا للمعاملات الشرعية أبواباً مستوعبة للأحكام التجارية كالشركة والمضاربة والقرض والمخابرة والعارية والصلح وغير ذلك. ولاشك أن قوانين المعاملات الأوروبية قد استنبطت منها (…) أن المعاملات الفقهية لو انتظمت وجرى عليها العمل لها أخلت بالحقوق بتوقيفها على الوقت والحال مِمَّا هو سهل العمل به على من وقفت إليه لذلك من ولاة الأمور المستيقظين. ولكل مجتهد نصيب”([2]).

ليس هذا الموقف من اختصاص الطهطاوي، بل هو الموقف الذي اتجهت إليه طبيعياً التجارب المصرية والتركية والتونسية في التحديث. ولقد كانت المدونات القانونية الأولى في العالم الإسلامي والعربي، أي السجلات المدنية والتجارية، مستمدة من المذاهب الفقهية مع ترجيح ما يبدو أكثر صلاحية للعصر.

وكانت هذه المدونات مشروعاً وسطياً بين تقنين على نمط المدونة الفرنسية المشهورة بقانون بونابرت (1804)، ومبدأ صلاحية الهيئة التنفيذية المسلمة في أن تختار بين الآراء الفقهية المعتمدة مدونة أحكام شرعية صالحة للعصر.

وأنشئت في تونس مجموعة من النصوص القانونية بهذا الشكل بعد إصدار عهد الأمان سنة 1857م، لكن الأكثر شهرة هي مجلة الأحكام العدلية العثمانية التي ترجع إلى تاريخ 1876م. وكان العديد من العلماء يتوجسون من أن يكون هذا المسار بداية اقتباس للقوانين الغربية. فكان الأمر محل أخذ ورد بين المحافظين والمصلحين في هذا الجدل. فالاجتهاد يعني هنا صلاحية الهيئة التنفيذية في أن تختار الأحكام المناسبة للعصر من بين أقوال الفقهاء. وطرحت مجلة الأحكام العدلية العثمانية مشكلة أخرى هي كونها مستمدة غالباً من الفقه الحنفي، فكيف يمكن أن تطبق في بيئات تغلب فيها مذاهب أخرى، مثل المذهب المالكي في الغرب الإسلامي؟ ورفضت بعض الأقطار الإسلامية تطبيقها لسبب آخر سياسي، إذ إن التطبيق يعني الخضوع التام للخلافة. والحال أن بعض الأقطار لم تكن تحت سلطة الخليفة العثماني، والبعض الآخر كان حريصا على أن تكون هذه السلطة اسمية لا غير.

إنّ خيبة التجارب الإصلاحية في عاصمة الخلافة، وفي مصر وتونس، وبداية الاستعمار المباشر قد دفعا إلى بروز حركة جديدة مثلتها جمعية “العروة الوثقى” وصحيفتها الصادرة بهذا العنوان.

وقد دعا جمال الدين الأفغاني إلى إعادة فتح باب الاجتهاد واستنكر دعوى سدّه.

ورأى أن المذهبية قد تحوَّلت إلى عامل وهن؛ لأنها تفرّق بين المسلمين بدل أن توحِّد بينهم لمواجهة الاستعمار، ولتحقيق نهضة الشرق.

واعتنق محمد عبده هذه الفكرة، لكنه كان بعد عودته إلى مصر أكثر واقعية، وقدم مشروعا لإصلاح المحاكم الشرعية، وعمل على إصلاح التعليم الديني، ومنه التدرج في تعلم الفقه وأحكامه، وإرجاء مسائل الخلاف للمستويات التعليمية العليا. وإليه يرجع الفضل في إعادة فكرة المقاصد والتعريف بكتاب “الموافقات” للشاطبي. ولم يكن هذا الكتاب مجهولا، وقد حصل عبده على نسخة مطبوعة منه أثناء رحلته إلى تونس، لكنّ المهمّ هو أن شهرة عبده ذاعت في كلّ العالم الإسلامي، فكان هذا هو العامل الأكبر في نشر فكرة المقاصد على نطاق واسع.

وليس من الصدفة أن نجد أعمق محاولتين لإقامة اجتهاد مقاصدي قد قدمهما رجلان من الغرب الإسلامي تأثرا في بداية حياتهما العلمية بآراء عبده، ونقصد محمد الطاهر بن عاشور (1879 -1973م) وعلال الفاسي ( 1908 -1974م).

فابن عاشور مؤلِّف كتاب مهمّ عنوانه “مقاصد الشريعة الإسلامية” يعرض فيه نظرية مقاصدية جديدة، ويقوم فيه بجهد كبير لإنشاء نظرية حديثة للتشريع الإسلامي، والمشكلة كما يطرحها ابن عاشور تتمثل في تجديد أصول قطعية للفقه تكون في مستوى قطعية أصول الدين، وتمثل الثوابت من الشرع الإسلامي، وعلم مقاصد الشريعة عنده إعادة تركيب لعلم أصول الفقه القديم بغاية جمع القطعيات وطرح الظنيات.

فتكون القطعيات موضوع العلم الجديد وتظل الظنيات مباحث لأصول الفقه. ويكتب ابن عاشور منتقدا الممارسة الفقهية الطاغية في عصره فيقول: “يقصد بعض العلماء ويتوجل في خضخاض من الأغلاط حين يقتصر في استنباط أحكام الشريعة على اعتصار الألفاظ ويوجه رأيه إلى الألفاظ مقتنعا به. فلا يزال يقلبه ويخيله ويأمل أن يستخرج لبّه. ولا يعمل بما قدمناه من الاستعانة بما يحفّ بالكلام من حافات القوانين والاصطلاحات والسياق. وإن أدق مقام وأحوجه إلى الاستعانة عليها مقام التشريع”([3]).

ويقول أيضاً: “معنى صلاحية شريعة الإسلام لِكُلِّ زمان أن تكون أحكامه كليات ومعاني مشتملة على حكم ومصالح صالحة؛ لأن تتفرع عنها أحكام مختلفة الصور متحدة المقاصد”([4]).

هذا ما يؤكِّده مصلح آخر هو علاَّل الفاسي من المغرب، ففي كتابه “مقاصد الشريعة الإسلامية ومكارمها” يذكر أَنَّه يقصد أن يثبت “تفوق شريعتنا السمحة واستحقاقها؛ لأن تبقى القانون الأسمى للمسلمين ولمن يريد العدالة الحق من بني الإنسان”([5]).

ومعلوم أن الفاسي كان من المناضلين الوطنيين البارزين وكان يريد التصدِّي للنظرة الاستعمارية والرد على دعوى الشعب المتوحش الذي يتولى المستعمر تعهده بالتعليم والتشريع. والنتيجة التي يصل إليها الفاسي تجمع بين حرارة الإيمان الديني وحماس النضال الوطني، فهو يقول: “إن الشرائع الإنسانية كلها كانت تقصد إلى العدل، فلما لم تبلغ مداه بحثت عنه خارج مصادرها التشريعية، بينما بقي الفقه الإسلامي يحقق العدالة والعدل بأصوله الذاتية نفسها”([6]).

ويواصل الفاسي ويعمِّق التمييز الذي كان قد أقامه محمَّد عبده بين الطبيعة والفطرة. فالفطرة حسب تعريفه هي صفة الإنسانية ذاتها التي تتحقق في الإنسان بمقتضى العقد مع خالقه. هذا العقد لا يحتاج إلى أن يكمله عقد اجتماعي بين البشر، وهذا سبب تفوّق التشريع الإسلامي باعتباره تشريع الديانة الكاملة، أي الديانة التي تحققت بواسطتها الصورة الأسمى لتعاقد الخالق والمخلوق. والعقد بين الخالق والمخلوق عقد وجداني أولا، مِمَّا يعني أن التشريع يظل الاستثناء، والقاعدة حرية تصرّف البشر في إطار المسؤولية الفردية. وفي هذا الإطار يتنزل اهتمامه بفكرة المقاصد، فهي جسر بين التشريع والواقع. وإذا كانت المقاصد الإسلامية تلتقي بالمبادئ الحديثة مثل العدل واحترام الكرامة البشرية والمحافظة على النفس، فإن تفوق المقاصد الإسلامية لا يتجلى في ذات المبادئ بل في القدرة على إحلالها على أرض الواقع. فنشرها باسم الخالق وبمخاطبة الوجدان يكون أقوى وأشد رسوخا من نشرها باسم الضمير أو العقد الاجتماعي.

والخلاصة:

أن التقنين في العصر الحديث هو إنشاء مدونات تختار بين الأقوال الفقهية المذهبية أكثرها مناسبة لروح العصر. أما التجديد فمن أبرز مسالكه العودة إلى فكرة المقاصد. وقد كان لمحمد عبده السبق في هذا المجال في العصر الحديث. وطبق ذلك في فتاوى مشهورة أحدثت جدلا بين معاصريه، مثل: إمكانية الحد من تعدد الزوجات إذا اتَّضح لولي الأمر ضرر التعدد على الأسرة والأبناء، ومثل تمييزه بين الربا والفائدة لإقامة نظام اقتصادي حديث، ومثل رفعه المنع عن الرسم والنحت بعد أن اختفى ما كان السبب في هذا المنع وهو عبارة الأوثان. والرأي عندي تعميق المنهجية المقاصدية وتطويرها، مع اعتبار أن التقنين والتجديد صنوان، والتخلي عن المنهجية الحرفية، وعن ترديد أقوال القدامى.

فالتقنين دون تجديد لا يفي بالغرض، والتجديد دون تقنين يتحول إلى فوضى، والسلام.


[1] ) المستصفى في أصول الفقه، بيروت، دار الكتب العلمية، 1993م، ص342.

[2]) الأعمال الكاملة للطهطاوي، تحقيق محمد عماره، ج2.

[3] ) مقاصد الشريعة الإسلامية، ص27.

[4] ) المصدر السابق، ص93.

[5] ) المصدر السابق، ص5.

[6] ) المصدر السابق، ص5.

* ندوة تطور العلوم الفقهية فِي عُمان التقنين والتجديد فِي الفقه الإسلامي المعاصرة. 

المنعقدة خلال الفترة: (28-2) ربيع الثاني 1429هـ/ ( 5-8) إبريل 2008م

 

هذه المقالة تحتوي على لا تعليق

أكتب تعليقك هنا

نرجو أن تضع المادة أسفله
الإسم
إيميل
موقع
تعليقك