الفقه الإباضي في مرحلة التأسيس المدونة نموذجا

الفقه الإباضي في مرحلة التأسيس المدونة نموذجا
وفي عهد النهضة والتجديد الشيخان: بيوض وبكلي نموذجا *
إعداد: د. عمار الطالبي
(أستاذ بجامعة الجزائر)
تقديـــــــم
لإدراك الفقه وأسسه التي أصّل عليها، ينبغي دراسة تاريخه، ومراحل تطوره، وإذا كان المقام لا يسمح بتتبع هذه المراحل كلها وخصائصها وسماتها، فقد رأينا أن نشير إلى مرحلة مهمة من مراحل الفقه الإباضي، وهي مرحلة التأصيل. ثم نعالج معالجة مختصرة أيضا مرحلة مهمة أخرى وهي فترة التجديد في عهد النهضة الإسلامية، وما قام به الإمام الصدر إبراهيم بن عمر بيوض (ت1401هـ/ 1981م) من تجديد في فتاواه، وما كتبه أيضا العلامة الشيخ عبد الرحمن بكلي (ت1406هـ/ 1986) من فتاوى، وسماحة الشيخ أحمد الخليلي- حفظه الله-.
لم يعن مؤرخو التشريع الإسلامي عناية كافية بتاريخ الفقه الإباضي أقدم المذاهب الفقهية الإسلامية، إلى أن بدأ بعض المستشرقين مثل شاخت في كتابه نشأة الفقه الإسلامي وأصول التشريع الإسلامي([1])، وما كتبه ماكدونالد([2]) إلى أن أتى الأستاذ عمرو خليفة النامي (؟1986م) فكتب دراسة موثقة مستندة إلى مؤلفات إباضية مبكرة مخطوطة، باسم “دراسات عن الإباضية” كتبها لنيل درجة الدكتوراه بالإنجليزية (1971م)، وترجمت بعد ذلك ونشرت سنة 2001 بدار الغرب الإسلامي ببيروت، وخصص الفصل الرابع من هذه الرسالة للفقه الإباضي ونشأته، فهي أول دراسة أكاديمية علمية كتبها باحث إباضي اعتمادا على مواد من الفقه الإباضي نفسه، وكانت هذه المواد تمثل المصادر الأولى من الفقه الإباضي مثل:
– الجامع الصحيح للربيع بن حبيب.
– والمدونة لأبي غانم بشر بن غانم الخراساني.
– والديوان المعروض على علماء الإباضية.
– روايات ضمام التي ألفها أبو صفرة عبد الملك بن صفرة.
– فتيا الربيع بن حبيب.
– كتاب نكاح الشغار لعبد الله بن عبد العزيز.
– ورسائل الإمامين الأولين للمذهب جابر بن زيد وأبي عبيدة مسلم.
وأشار إلى أنها في حاجة إلى دراسة علمية دقيقة لنشرها، وسجل ملاحظات مختصرة عن بعض هذه المخطوطات عسى أن تتاح له فرصة لتفصيل القول فيها.
وددت أن أسير على منهاجه فأسجل بعض ملاحظات عن المدونة الكبرى التي طبعت مصورة عن مخطوط، قدَّم لها ونشرها في جزأين قبل “إخراجها محقّقة منقحة” الناشر سالم بن حمد بن سليمان الحارثي العماني([3]).
ألف هذه المدونة أبو غانم بشر بن غانم الخراساني الذي عاش في النصف الثاني من القرن الثاني الهجري، وأوائل القرن الثالث، دونها مؤلفها في أواخر القرن الثاني، ورحل بها إلى جبل نفوسة قاصدا زيارة الإمام عبد الوهاب (ت190هـ) بتيهرت عاصمة الدولة الرسمية، فتركها عند عمروس بن فتح، فنسخها بإملاء أخته([4])، ويذكر الشيخ مبارك بن عبد الله الراشدي أنها كانت تقع في اثني عشر مجلدا([5]) وأنه عثر على باقي المجلدات سوى ما طبع، وأنها بصدد التحقيق، كما أشار إلى أن المدونة الصغرى تنسب إلى أبي غانم، إلا أنه وجدها في مكتبة الباروني منسوبة إلى عبد الله بن يزيد الفزاري([6]) من علماء القرن الثالث بالمغرب، وهو فقيه نكاري وتسمى فرقته باليزيدية([7])، وهو من أهل القرن الثاني والثالث هجري، ولعلها نسبت إليه لنسخه إياها، ويرى بعض الباحثين أنَّها سميت بالكبرى نظرا لترتيب الشيخ محمد طفيش وتعليقه عليها فأصبحت بذلك الكبرى([8])، وتوجد المدونة الصغرى مخطوطة بدار الكتب المصرية (رقم 21582ب)، ولعل المقارنة بينها وبين
الكبرى المنشورة تبين الفرق، ويظهر النص الأصلي دون تعليقات العلامة محمد اطفيش، وإن كان الناشر أشار إلى أنها مدونتان صغرى وكبرى وكلاهما للخراساني على حسب علمه، إلا أن بعض الفقهاء أخبره بأن الكبرى سميت بذلك نظرا إلى تعليقات وحواشي قطب الأئمة محمد بن يوسف اطفيش([9]).
وترجمت المدونة إلى البربرية، ويذكر أبو إسحاق إبراهيم اطفيش أَنَّه رأى نسخة من مدونة أبي غانم الكبرى مترجمة إلى البربرية([10]) وبذلك فهي تسمى بالكبرى قبل ترتيب الشيخ اطفيش وحواشيه عليها، وأغلب الظن أنها سميت المدونة الكبرى قبل عصر الشيخ اطفيش فإن الدرجيني سماها بذلك في طبقاته ([11])، وورد في المدونة المنشورة: “تمام حديث الخدري من المدونة الصغرى”([12]) بعد عبارة “انتهى” التي تشير إلى نهاية تعليق القطب، فالمسألة تحتاج إلى تحقيق بالرجوع إلى ما اكتشف من مخطوطات، وإلى مخطوطة دار الكتب المصرية التي أشرنا إليها.
والمدونة المنشورة ألحق بها ثلاثة أمور، الأول: “تكملة خارجة عن  المدونة” وهي عبارة عن تراجم فقهاء الإباضية ابتداء بالربيع بن حبيب، والأمر الثاني: “خاتمة ختمت بها المدونة الكبرى من غيرها”([13]) وهذه الخاتمة عبارة عن رسالة أبي بكر الصديق رضي الله عنه إلى الإمام علي بن أبي طالب –كرم الله وجهه- وجوابه له في شأن مناظرة السقيفة، سقيفة بني ساعدة التي رواها أبو حيان التوحيدي، وهي شكوك فيها، والأمر الثالث: “تفسير ما يخفى” من ألفاظ هذه المناظرة التي أوردها أبو حيان، وهي رسالة لغوية مفيدة، وتاريخ نسخ هذه المخطوطة
المنشورة التي سميت “بالمدونة الكبرى” يوم 20 ربيع الأول سنة 1359هـ (أي 1940م) فهي حديثة النسخ.
ولعل الناسخ أو غيره أضاف إليها فقرات متعددة، ذات طابع وعظي وأسلوب لا يبدو أنه من أساليب القرن الثاني الهجري فقوله مثلا “وأكثر الناس اليوم تاركون الصلاة، وهم لا يعلمون بسبقهم الإمام في الركوع والسجود، والرفع والخفض، وهم عند أنفسهم صلوا، ومن أدرك زماننا هذا، وحال أهله صلى وحده أفضل من صلاته مع الجماعة، لأن الجماعة جهلوا كيف تمام الصلاة وكمالها”([14]) ومن ذلك: “والناس في نقص شديد من دينهم عامة، ومن صلاتهم خاصة، وقد ضيعوها وفرطوها؟ إلا ما شاء الله. الإمام في الركوع والسجود، والخفض والرفع، وإنما ينبغي
لهم أن يكونوا بعد الإمام في جميع حالاتهم قد عمت المسابقة من الناس بالأئمة والتضييع مِمَّا هم فيها، والاستخفاف بحقها، أهل المشرق والمغرب”([15])، من الواضح أن هذا الأسلوب تنبغي دراسته وتحقيقه بالمقارنة مع نسخ أخرى مخطوطة للتحقق من النص.
كما أن النص المنشور فيه قفز من ص326 إلى ص341 وبعد ص344 عاد إلى ص327، واستمر إلى 340، ثم من 349 إلى 348، ثم انتقل إلى 353، ووضعت صفحة 341 قبل 340، وجاءت 345 بعد 352، وجاءت 353 بعد 348، وفيها بياض ج1 ص225، وأحيانا لا يكتب انتهى بعد نهاية تعليق القطب([16])، وبالجملة فإن الكتاب يحتاج إلى تحقيق ونشرة نقدية بالرجوع إلى عدة نسخ.
أصول الاجتهاد
والقياس من خلال المدونة
يرى بعض الباحثين أن “الفقه الإباضي في بدايته مسائل متفرقة وأجوبة مختلفة في الحلق، أو مكاتبة للأصحاب، وهي مسائل جزئية في
أغلبها لا تتناول الأصول والمبادئ العامة لتدوين الفقه من إجماع وقياس، وإنما تكاد تعتمد على ظاهر الكتاب والسنة فقط”([17])، ويمكن القول بأن هذا الكلام يحتاج إلى دقة أكثر؛ فإن القياس والإجماع والرأي من الأمور التي نجدها في مواضع مختلفة من المدونة، وإليك
هذا النص الذي يشير إلى النظر والرأي والاجتهاد وعدم التقليد: “قلت([18]) عمن تؤثر هذا القول، وإلى من تسنده؟ قال: إلى أهل النظر
من أهل الفقه والإنصاف، ولا يكون ناظرا ولا منصفا من قال: هكذا قال فلان، ولست أخالف فلانا صاحب هذا القول مقلّد معيّ، قلت: أما التقليد فقد عرفته فما المعيّ؟ قال الذي يقول: أنا مع فلان، ومعي فلان، فإن هو أغفل النظر، ولم ينتبه إلى المسألة أتبعه في رأيه، وأعظم عليه فراقه”([19]).
لئن كان أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي البصري -الذي توفي في خلافة أبي جعفر المنصور (136-158هـ)- لا يميل كثيرا إلى الرأي([20]) ويميل إلى طريقة أهل الحديث فإنه بصري النشأة، فلا يخلو فقهه من استعمال الرأي، ولذلك خالفه بعض تلاميذه فيما اعتمد فيه على الرأي من الفقه مثل أبي المؤرِّج وعبد الله بن عبد العزيز، وجاء النكارية فتبعوهما. يقول الخراساني: “فلسنا نأخذ بهذا من قول ابن عباد، والقول في ذلك كله قول ابن عبد العزيز والربيع وقول أبي عبيدة والعامة من فقهائنا”([21])، كما أن عبد العزيز يخالف الربيع بن حبيب في بعض آرائه الفقهية([22])، كما أجاز عبد العزيز النكاح بلا ولي إذا كان الزوج كفؤا لها، ومنعه الربيع([23])، وقد اختلف الرأي أيضا في مسألة الحيازة فزاد أبو عبيدة رواية عن جابر بن زيد أنه احتاط فجعل بعد عشر سنين عشرة أخرى، قال: “الربيع وأصحابنا من البصرة على هذا مجتمعون”([24])، أما عبد الله بن عبد العزيز فقال: “ما أدري ما هذا وما وجهه، ولا أرى أن يبطل الحق تقادمه، غير أن أهل الحجاز قد رووا عن النبي صلعم أنه قال: «من حاز شيئا وعمره عشر سنين فهو له»… وكذلك روى أهل العراق إلا أن أبا عبيدة يحدث عن جابر أنه احتاط”([25])، ونص على “أن الفريقين جميعا من أهل المدينة وأهل العراق قد جاءوا بهذا الحديث جميعا يحملونه ويروونه عن النبي صلعم، وما قاله النبي صلعم والسنة أحق بأن تتبع إذا كانت سنة من النبي e، وأما القياس فلا ينبغي أن يبطل الحق تقادمه، والحق قديم لا يبطله تقادمه، قال أبو المؤرِّج: القول عندنا قول أبي عبيدة الذي رواه عن جابر بن زيد، وبذلك يفتي أبو عبيدة حتى خرج من الدنيا أنه لا حق لكل من ادعى شيئا في يد أهله منذ عشرين سنة يحوزونه ويعمرونه، قال فبهذا نأخذ، وعليه نعتمد، وبه جرت أحكام المسلمين، وورد جوابهم عن أبي عبيدة في جميع آفاق الأرض وأقطارها”([26])، وإذا قضى القاضي برأي اجتهادي فلا ينبغي نقض حكمه إلا إذا خالف الكتاب والسنة.
فهذا النص في غاية الأهمية يتعرض فيه لأهل العراق من الفقهاء في ذلك العهد، ولأهل المدينة أو أهل الحجاز، مِمَّا يدل على أن الخراساني لا تخفى عليه آراء الفقهاء من التابعين، وتابعي التابعين من أهل الحديث وأهل الرأي، ولا يخفى أن جابرا بن زيد أخذ الحديث عن أهل الحجاز ورحل إلى المدينة، وكانت طريقته وسطا بين مدرستين: مدرسة الصحابة والتابعين الذين انتقلوا إلى العراق، والذين بقوا بمكة والمدينة؛ فكانت بذلك المدونة جامعة لكثير من أسس الفقه الإباضي في أصوله وفروعه([27])، ذلك لأن القرن الثاني ظهر فيه الفقه الزيدي الذي أنشأه زيد بن علي (ت 122هـ)، والجعفري الذي يرجع إلى جعفر الصادق من آل البيت (ت 148هـ)، والفقه الحنفي في عهد النخعي الذي ورثه أبو حنيفة (ت 150هـ) ثم مالك (ت 179هـ) والشافعي (ت 204هـ) وأحمد بن حنبل (ت 241هـ) وهم كلهم مشتركون في الأصول من الكتاب والسنة والإجماع والقياس أو الرأي. والاختلاف إنما نشأ من الأخذ ببعض الروايات في الحديث دون بعضها، على حسب ما يثبت أو يصح عند إمام، ولا يثبت عند آخر من هؤلاء المجتهدين الكبار في الحديث وفي الفقه، وإن كان جابر أسبق زمنا واجتهادا إلا أن مصادره في الحديث يشترك معه فيها غيره ممن أتى بعده.
فبطلان الصلاة –مثلا- بالقهقهة، وبطلانها بدون البسملة قبل الفاتحة، ورد عند الحنفية كما ورد لدى الإباضية مثلا، وهكذا فجابر بن زيد (ت 93هـ) والربيع (ت 171هـ)، وأبو عبيدة (ت145هـ) من الذين استقلوا بمذهب فقهي وانفردوا به، وخاصة الإمام جابر بن زيد العماني ثم البصري الذي عاش بالبصرة بعد ذلك طول حياته، وتتلمذ على ابن عباس أكثر ما تتلمذ، وشهد له بالفقه والفتوى، وكثر ترحاله إلى مكة والمدينة حاجا وطالبا للحديث، فكان هذا التابعي العظيم يرجع إليه الإباضية وغيرهم، ويفزعون إليه في الحديث والفتوى، وثقه المحدثون وأخذوا ورووا عنه، وقال فيه عطاء عن ابن عباس قال: “لو أن أهل البصرة نزلوا عند قول جابر بن زيد لأوسعهم علما عما في كتاب الله”([28])، وكانت له حلقة في جامع البصرة يفتي فيها قبل الحسن البصري([29])، وقال قتادة يوم موته: “اليوم دفن علم أهل البصرة، أو قال عالم العراق”([30]
وَمِمَّا يدل على تفرده بمذهب في الفقه أن النووي أبا زكريا (ت 676هـ) قال فيه: “اتفقوا -أي أساتذته وتلاميذه- على توثيقه، وجلالته، وهو معدود في أئمة التابعين وفقهائهم وله مذهب يتفرد به”([31])، معنى هذا أنه مجتهد وله اجتهاداته التي استقلَّ بها عَن غيره.
بل إن بعض فقهاء الإباضية أخذ بأقوال غيره إذا صح دليلها عنده، فنجد ابن عبد العزيز في مسألة رجل أوصى لوارثه بدين قد كان له عليه يخالف رأي أبا المؤرِّج وأبا عبيدة وجابر بن زيد الذين قالوا بجواز ذلك: “قال عبد الله بن عبد العزيز قد جاء في ذلك اختلاف من الفقهاء كثير، بعضهم يجيزه وبعضهم لا يجيزه، وكان إبراهيم([32]) مِمَّن لا يجيزه، وقول إبراهيم عندي أعدل، وبه نأخذ، قلت لعبد الله بن عبد العزيز: سبحان
الله، سبحان الله العظيم أتأخذ بقول إبراهيم وتدع قول جابر وأبي عبيدة؟ قال لي: أنت رجل مقلد، ومالي لا آخذ بقول من أرى قوله عدلا نافيا لريبة نفسي، ومبعدا عن مقارفة الخطأ، والأخذ بالثقة، قول إبراهيم فاعتمد عليه”([33])، وأشار الخراساني إلى رأي النخعي أيضا في صلاة الجنازة، وأنه لا قراءة فيها وإنما هي دعاء فحسب([34])، ويشير الخراساني في المدونة إلى الفقهاء غير الإباضية “قلت لأبي المؤرِّج: هؤلاء
يقولون ويروون عن عبد الله بن عمر أنه كان يقول: هذا بحر وتحته سبعة أبحر وتحتها النيران وكان ينهى عن الوضوء بماء البحر، وكان يقول لأن أتيمّم أحب إلي من أن أغتسل بماء البحر، قال أبو نوح: لسنا نأخذ بهذا الحديث عن ابن عمر، وأنه كان يقول أبوه أمير المؤمنين عمر -رحمة الله عليه-، يقول بخلاف هذا القول، ويجيز الوضوء بماء البحر والاغتسال به من الجنابة”([35]).
وإذا ماتت امرأة في سفر وليس معها إلا الرجال فإن أبا المؤرِّج قال: يغسلها زوجها، إن كان حاضرا، وإن لم يوجد فليغسلوها من وراء الثياب، إلا أن الخراساني قال: “قلت لأبي المؤرِّج إن هؤلاء يقولون ويروون عن فقهائهم أنه إذا كان الأمر كما وصفت لك فلا يغسلها أحد من قرابتها، قال: فكيف إذن يصنعون بها؟ قال: يتيممون لها بالصعيد، ويمسحون وجهها ويديها بالصعيد الطيب ثم يدفنونها، قلت: ويقولون إن كانت معهم امرأة من أهل الذمة أمروها أن تغسل صاحبتهم ويعلمونها الغسل ثم تغسلها، وكذلك الرجل إذا مات وليس بحضرته إلا النساء من أخواته وقرابته أو
بناته أو أمه، فلا يغسلنه ولكن يمسحن وجهه ويديه بالصعيد، وإن وجدوا رجلا من أهل الذمة غسله. قال (أي أبو المؤرِّج) ليس فيما يقولون شيء، والقول عندنا ما أعلمتك به وقول أبي عبيدة”([36]).
كما أشار في دعاء صلاة الجنازة إلى اختلاف الفقهاء: “قلت: أبلغك أنه يقال في التكبيرات الأربع على الميت كما يقول هؤلاء ويروونه عن فقهائهم؟ قال: وما هو؟ قلت: يقولون ليس فيهن قراءة إلا دعاء معروف يقولون: اللهم اغفر لحينا وميتنا، وذكورنا وإناثنا وشاهدنا وغائبنا اللهم من توليته([37]) فتوفه على الإسلام ومن أبقيته منا فأبقه على الإيمان، يقولون ذلك ثلاث تكبيرات التي يلين  التكبيرة الأولى، ويقرأون في التكبيرة الأولى وحدها، قال: المأخوذ به عندنا ما أعلمتك به قبل هذا من قول أبي عبيدة فاقتصر عليه”([38])، والآن نجد المالكية([39]) والحنفية يدعون بعد التكبير ولا يقرأون الفاتحة في ذلك كله، ومن أصحاب المذاهب غير الإباضية اليوم من يفعلون في صلاة الجنازة هذا فيقرأون الفاتحة بعد التكبيرة الأولى والثانية، وقال أبو المؤرِّج: “أبلغك أن ثلاثة من سنن المسلمين؟ تعجيل الإفطار وتأخير السحور، والأخذ باليمين على الشمال في الصلاة؟ قال: قد بلغنا ذلك، ولم نستنكر من ذلك شيئا، ولا نعيبه، غير أنا نكره للرجل أن يعتمد بيده اليمنى على اليسرى في الصلاة، وأن يدليهما أحب إلي، وإن فعل واعتمد باليمنى على اليسرى فالصلاة تامة إن شاء الله تعالى، وتركه أحب إلينا”([40])، وهو ما نسميه بالقبض أو السدل، ويدل هذا على وجود هذين المذهبين في هذا العصر الذي كتبت فيه المدونة، وأن الإباضية اختاروا السدل كما اختاره المالكية، وإن وردت في الموطأ روايتان معا.
كما أن أبا عبيدة قال بآراء فقهية اجتهادية ثم تراجع عنها، كما روى الخراساني عن أبي المؤرِّج أنه قال: “قد كان ذلك رأي أبي عبيدة غير أنه رجع عنه، وكان رأيه الذي فارقناه عليه ما وصفت لك أنه يصوم هذا الداخل عليه، ثم يقضي الأول بعده”([41])، ثم نقل عن أبي المؤرِّج نفسه أنه قال: “وأشياء كثيرة نحو هذا مِمَّا حفظناه عنه ورجع عن أقاويله الأولى فيها”([42]). ويدل هذا على أن هؤلاء المجتهدين لا يترددون في الرجوع عن آرائهم إذا تبين لهم خلاف ذلك. فالخلاف في الرأي لا يضيق به هؤلاء الفقهاء الإباضية، فقد ورد في المدونة هذا النص المهم في هذا المجال: “سألت أبا المؤرِّج عن الاختلاف في الرأي، واختلاف السلف من قبلنا في رأيهم أليس قد يسعهم الاختلاف ولم يبرأ بعضهم من بعض؟ قال: بل ذلك واسع، قلت: فإن أخذ بعض الناس ببعض أقاويلهم، وهو خلاف ما اجتمع عليه المسلمون، هل يبرأ بعض من بعض؟ قال لي مغضبا: ما حملك على البراءة يا هذا إنك إليها لسريع، وما يسع من كان قبلنا يسعنا”([43]).
إن هذا الكلام يكتب بالذهب في عصرنا هذا الذي ضاقت فيه صدور بعض الناس، فضيقوا على أنفسهم وعلى الناس، وغاب عنهم هذا اللون الجميل من السماحة واللطف وسعة الصدر.
ويؤيد هذا نص آخر رواه الخراساني منسوبا إلى أبي المؤرِّج أنه قال: “من أحاديث النبي -عليه الصلاة والسلام- ناسخ ومنسوخ، والقرآن قد نسخ بعض (منه) بعضا، وقد قال النبي e أشياء مثل هذا ورجع عنها، وقد فعل أصحابه مثل ذلك أشياء كثيرة ثم رجعوا عنها، وقد قال السلف وأئمة المسلمين أقاويل كثيرة ورجعوا عن ذلك وقالوا بغير أقاويلهم ثم رجعوا إلى بعض أقاويلهم، وذلك كله اختلاف منهم في الرأي، ولم يكن اختلافهم في كتاب ولا سنة ولا أثر مجتمع عليه إلا اختلاف في الرأي”([44])، وعلق على ذلك القطب بأنه” قد يكون الرجل مجتهدا (في) المذهب فيرغب في كل ما يوافق إمامه، ثم يزداد اجتهاده بأن يكون مجتهدا مطلقا، فيقول بخلاف ما قال أولا”([45]).
ويؤخذ بما أثر عندهم عن فقهائهم قال: “الأثر عند فقهائنا الذين نأخذ عنهم، ونعتمد عليهم أن السنة في زكاة البقر كالسنة في زكاة الإبل فيؤخذ منها ما يؤخذ من الإبل ويعمل فيها ما يعمل في الإبل، وليس بينهم اختلاف، وقد فرعت لك من هذا في المسألة من قبل هذه وفسرته لك”([46]). ومن أسباب الاختلاف الحديث الذي ثبت عند بعضهم ولم يثبت عند غيرهم، ولذلك قال أبو المؤرِّج: “وأما حديث معاذ بن جبل عن النبي e فالله أعلم به، ولو نعلم أن ذلك عن معاذ عن النبي e لأخذنا به واعتمدنا عليه، غير أن أصحابنا وأبا عبيدة وجابر بن زيد لم يأخذوا به، وقد بلغهم قول من وصفت”([47]).
ومن الاختلاف في الحديث ما يراه سعيد بن جبير من أن الحجامة لا تفطر الصائم، وبيّن الخراساني أنها كذلك عند الإباضية: “قلت: أرى أناسا من قومنا يروون عن علي بن أبي طالب: أفطر الحاجم والمحتجم، قال: ليس فيما يروون عن علي شيء، والأمر عندنا على ما وصفت عن النبي e وابن عباس وابن عمر والحسن وسعيد بن جبير؛ لأن السنة في الصيام إنما هي على الطعام والشراب، وغشيان النساء، والحجامة ليست بشيء من ذلك، إنما يمتنع منها مخافة الضعف، ولا تمنع الحجامة إلا لخوف الضعف، فإن احتجم فقد تم صومه، فبهذا نأخذ، وعليه نعتمد، وهو قول أبي عبيدة والعامة من فقهائنا”([48])، وكذلك من أفطر رمضان ناسيا فذلك رزق ساقه الله إليه، ولا قضاء عليه اعتمادا على الحديث وعلى ما ذهب إليه ابن عباس وابن عمر، قال: “بهذا نأخذ وعليه نعتمد وهو قول أبي عبيدة والعامة من فقهائنا”([49]).
وورد الاستحسان في هذه المدونة: “وإنما الاستحسان عندنا أن يفعل كما فعل مسروق”([50])، الذي فاتته ركعتان من صلاة المغرب فقعد قبل الأخيرة، أما جندب فإنه لم يقعد للتشهد إلا في الثالثة، وَلَمَّا سئل ابن مسعود عن ذلك قال: كلاهما قد أصاب. وبعد طريقة جدلية منطقية طويلة قال: “وهذا محال فلم نجدهم نجوا إلى خبر يقطع به العذر، ولا إلى قياس، فإن كان قد قلّد ابن مسعود في قوله كما فعل مسروق ويفعل، فليزمه أن يقول: “إن لم يقعد فصلاته تامة، وذلك دليل على ما قلنا”([51])، ففي هذا النص نجد الخبر، والقياس والاستحسان، والاستدلال المنطقي والطريقة الجدلية في الإثبات والنفي، ومن طريقة الجدل ما ورد في المدونة هذه، “ويقال لهم: أبخبر قلتم ذلك أم بقياس؟ فلم نجدهم يلجأون إلى خبر يقطع به العذر، ولا إلى قياس…”([52]) فهو استند إلى حديث، وهم استندوا إلى رأي الإمام علي وابن عباس والحسن، فاعتمد على الحديث، وسلك في ذلك مسلك الاستدلال المنطقي الجدلي([53])، وأحيانا يرى أنه ليس في رأي أبي عبيدة، وأبي المؤرِّج “حجة مجتمع عليها”([54])، ويذكر “السنة أن الرجال والنساء لا يتلثمون في الصلاة ومن فعل مضت صلاته، وكذلك لو غطى كل وجهه، قياسه أن المحرم إن غطى رأسه ولبس الثياب لم يفسد حجه إلا أن على المحرم الجزاء، وليس ذلك في الصلاة، وإنما فيها من أخطأ سجدتا الوهم (السهو) وليستا بالقياس عليه، إنما هما على من نقص من نفس الصلاة”([55])، فاستعمل القياس هنا في العبادات نفسها، وكذلك تتابع قضاء رمضان “قلت: إن هؤلاء يقولون ويروون عن غير واحد أنه مخير في ذلك، إن شاء قضاه متتابعا، وإن شاء قضاه متفرقا، قال ليس فيما يقولون شيء، وقضاء رمضان عندنا بمنزلة رمضان، فلا يجوز قطعه ولا تفريقه إلا بما يجوز به قطع رمضان وتفريقه من الأمور التي يعذر الله بها العبد”([56])، ويعلق على بعض الآراء المخالفة بعبارة “الله أعلم بقول من ذكرت”([57]).
وفي الصلاة في حالة عقد المصلي شعره ذكر الخراساني أنه: “كان الحسن يكرهه ولا قياس فيه([58])، هذا وإنما يعلم بالسمع فلا يعقد شعرا ولا يرفعن ثوبا ولا يكفنّ بيده، ولا يعقدنه بين كتفيه إلا أن يكون مضطرا فإن فعل شيئا من ذلك مضت صلاته ولا سهو عليه”([59]).
وكذلك توقف أبو عبيدة في بعض الأحاديث وأفتى برأيه “قال الله أعلم بقول النبي -عليه الصلاة والسلام- غير أني أرى معالجته ومدافعته بقطع صلاته، فإن لم يقدر عليه إلا بذلك فليقف عنه، وليمض على صلاته”([60])، وذلك بصدد منع من يمرّ أمام المصلي في حالة صلاته. يرى أن من وقف عند آية تأمر بالاستغفار فاستغفر أو غير ذلك كالاستعاذة من النار إذا ذكرت في آية أثناء الصلاة أن ذلك كرهه السلف، ونهوا عنه، وأنه يكره ذلك أشد الكراهة “غير أني لا أرى أنه يقطع الصلاة”([61])، ولكن لا يطيل في ذلك مثل أن يقول: بلى في مثل: “أليس ذلك بقادر على
أن يحي الموتى” كما ذكر قطب الأئمَّة في تعليقه على هذا المحل وأجازه الشيخ عامر، والشيخ إسماعيل، وبين القطب أن من قال: “أن الأشعرية زادوا: “آمين في القرآن فقد كفر نفاقا”([62]) “فإنهم لم يريدوا الزيادة”([63]). أما صاحب المدونة فيرى أن المصلي لا يقول “آمين إذا فرغ من الفاتحة (…) والإنصات في كل هذا أحسن وأفضل، ومن فعل فليس عليه إعادة الصلاة”([64])، وإذا لم يبلغ أبا المؤرِّج شيء في مسألة ما اجتهد رأيه: “قلت لأبي المؤرِّج: أبلغك عن أبي عبيدة فيها شيء؟ قال: لم يبلغني ولم أسمع عنه فيها شيئا، وإنما قلت فيها برأيي والله أعلم”([65]).
كما أن أبا عبيدة يرجع إلى الأطباء في مسألة قدرة المريض على الإيماء في الصلاة، فروى أبو المؤرِّج عن أبي عبيدة أنه قال: “وإن استلقى (المريض) لينزع الماء من عينيه، ويبقى أيَّاما مستلقيا ولا يقعد، فقد قال أبو المؤرِّج عن أبي عبيدة أنه يومئ إيماء وقد فعل ذلك أبو نوح فلم ينهه أبو عبيدة عن ذلك، والسنة في ذلك أنه مريض، وله ما للمريض فإذا خاف على عينيه صلى كما يأمره الأطباء”([66]).
وأن من لغى يوم الجمعة، لا تبطل صلاته وبئس ما فعل، “قال أبو المؤرِّج قد جاءني في ذلك أثر عن الفقهاء، وتفسير ذلك في رأينا والله أعلم أنه لا جمعة له”([67]) وعلق على ذلك القطب بأنه لا جمعة له كاملة، وأضاف أبو المؤرِّج: “بمعنى لا فضل جمعة له والله أعلم بتحقيق التفسير، وأما أن ينقض ذلك صلاته فلا نقول ذلك”([68])، وسأل الخراساني أبا المؤرِّج عن صلاة الجمعة أهي فريضة وألح على ذلك إلحاحا شديدا إلى أن قال له: “هي فريضة على نحو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله (…) قلت: أيكفر من تركها؟ قال: فما أعلم، إلا أنه أجابني مغضبا. قال: قد أكثرت البحث والحجة في المسألة يا هذا قم عني، قلت: يرحمك الله تعالى إني لم أدخل عليك إلا ما قد وقع فيه الاختلاف، وتفرّقت فيه الكلمات وتشعبت فيه الأمة، قال: لو علمت ذلك ما أجبتك في هذا بحرف”([69])، وهذا يدل على وجود خلاف شديد في إقامة الجمعة، ولعل ذلك كان في مسلك الكتمان وقد استمر هذا الخلاف عندنا في المغرب إلى أوائل القرن العشرين، ويعود الفضل في الأمر بإقامتها للمصلح الشيخ إبراهيم بيوض- رحمه الله- تم تبعه كل من كان مترددا في ذلك أول الأمر، فانتقل من قوله: لا تجب وتصح، إلى قوله: تجب وتصح. ويقول القطب تعليقا على هذا: “وتصلي الجمعة خلف أئمة الجور، ولو رفعوا أيديهم، وأخذوا باليمين على الشمال، وقيل: تصلى خلف الجبابرة في الأمصار السبعة، والأوائل من قومنا لا يرفعون أيديهم ولا يأخذون باليمين على الشمال”([70])، ويذكر الخراساني أن ابن عمر صلى خلف الصفرية مِمَّن يقتل ويأخذ المال([71]). وقال عبد الله بن عبد العزيز: إنه لا كفارة على من أصبح جنبا؛ لأنه “ليس عندي بمنزلة من أكل وشرب وجامع في نهار رمضان، فانظر فيها فإني إنما قلت فيها برأيي والله أعلم”([72]).
والقياس هو الملجأ إذا اختلفت الأمة، “وإذا اختلفت الأمة لم يثبت إلا ما شهد له القياس، ألا ترى أن الخبر جاء عن النبي e: أنكم ستختلفون من بعدي، فما جاءكم عني فاعرضوه على كتاب الله تعالى”([73]). وذهب أبو عبيدة إلى أن المجنون لا يجب عليه صوم رمضان إذا جن قبل رمضان، ولم يشف من جنونه إلا بعد انقضاء الشهر، وأنه “بمنزلة الصبي الذي لا كلفة عليه والله أعلم، وانظر فيها فإنما قلت فيها برأيي”([74])، وإذا سبق الماء حين المضمضة إلى حلق الشخص “وهو غير متعمّد فلا شيء عليه، ولا قضاء (…) وهو قول أبي الشعثاء جابر بن زيد والعامة من فقهائنا، ألا ترى أنه لو أكل ناسيا لم يكن عليه شيء، والماء الذي سبق حلقه أهون من هذا”([75])، وعلل القطب ذلك بأن الأكل نسيانا فعل باختيار، بخلاف سبق الماء فإنه كان اضطرارا لا اختيار فيه([76])، وقد ورد القياس مرات كثيرة في المدونة سوى ما أشرنا إليه([77]).
ولا ينبغي أن يتّهم أبو سعيد عبد الله بن عبد العزيز بأنه يذهب مع الرأي، ولا يراعي ما ثبت من السنة، بل إنه يخالف أبا عبيدة مسلم اتباعا للحديث الثابت عنده؛ “قال أبو سعيد عبد الله بن عبد العزيز: أنا أخالف أبا عبيدة في هذه المسألة، وآخذ بالحديث الذي بلغني عن غير واحد من العلماء والتابعين وجماعة من أصحاب رسول الله e يروونه أنه قال: “إذا رأت المرأة في منامها ما يرى الرجل فنامت فأنزلت فإن عليها من ذلك ما على الرجل من الجنابة”، لم أخالف أبا عبيدة ردا لرأيه، ولكن للحديث الذي جاء متصلا مسندا”([78]). كما يورد الخراساني رأي من يسمّيهم العامة من غير أصحابه: “وأما العامة غير أصحابنا فقد أجمعوا على ما وصفت في أول المسألة من سجدتي الوهم عن النبي -عليه الصلاة والسلام-ومن دونهم”([79]).
وفي صيد البحر اختلاف لدى أهل الاستقامة فيرى الربيع أنه حلال كله سمكا كان أو غير ذلك، أما عبد العزيز فقد رأى أنه “لا خير في أكل شيء من صيد البحر سوى السمك، وبه نأخذ وعليه نعتمد”([80]). وعلق قطب الأئمة على ذلك بأنه “هو الصحيح لأن الآية تعم ما على صورة الإنسان أو الخنزير مِمَّا في البحر، وكل ذلك من ماء البحر”([81])، بل هو حلال ولو “اصطاده مشرك وغير كتابي، أو مات في البحر أو جزر البحر عنه ولو بصورة إنسان وحبي في البرّ، ولو خرج وحده أو حبي ومشى؛ لأنه لم تلده امرأة في البحر”([82]).
وفي دعاء القنوت قال الخراساني: “سألت أبا المؤرِّج: هل في الصلاة قنوت؟ قال: حدثني أبو عبيدة عن جابر بن زيد أنه سئل عن ذلك فقال: الصلاة كلها قنوت، قال الله تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ﴾ فَالصلاةُ كلّها قنوت، قلنا: يا أبا الشعثاء، لسنا عن هذا نسألك، ولكن سألناك عن الذي يفعل هؤلاء بعد الركوع، يقومون ويدعون ويهللون وهم قيام؟ قال: هذا أمر محدث لا نعرفه، ولا نؤثره عمن مضى من خيار هذه الأمَّة”([83]).
ويمكن القول بأن الفقهاء استعملوا في مناقشاتهم طريقة الجدل، في هذه المدونة، مثل: يقال لهم (…) فإن قالوا: نعم، قيل: … ويقال لهم: ما تقولون؟([84]) كما أن الإباضية يأخذون بالمصالح المرسلة كما ذهب إلى ذلك أبو عبد الله ابن حميد السالمي([85]) وصاحب كتاب الوضع.
وأما المسح على الخفين فقد نفاه فقهاء الإباضية في المدونة، وأنه في رواية عن ابن عباس كان قبل نزول آية سورة المائدة، ولا يجوز عند قطب الأئمة إلا للضرورة،كالمسح على الجباير([86]).
ووردت في المدونة أمور مهمة كالوصف التفصيلي لغسل الميت لابن عبد العزيز، ووصف حاتم بن منصور، وعمل أهل المغرب في رواية قطب الأئمة، ووصف أبي المهاجر وعبد العزيز في أثواب الكفن، ولا شك إنها أوصاف أخذت عن التابعين والصحابة برواية متصلة مسندة([87]).
وورد في المدونة أيضا الإجماع، سواء كان إجماعا خاصا بالفقهاء الإباضيين، أو إجماع الأمة، مثل الإجماع على السجود، السجود على سبعة أعضاء([88]). فقد نصَّ على القياس والإجماع معا: “وهذا القياس لأنه قد أدى السجود الذي أجمعوا عليه أن من تركه بطلت صلاته، وليس اليدان بالسجود الذي أجمعوا عليه، وإن رفعهما في الصلاة لسنة، والسنة المجتمع عليها أن الصلاة يبطلها ترك السجود الذي أجمعوا عليه (…)، ولا يبطل الصلاة إلا ما اجتمعوا عليه أنه يبطلها”([89]).
ومن ذلك “وقول أصحابنا في التشهد الأول فريضة على أن ذلك لا ينقض الصلاة إلا بالادعاء؛ لأن الفريضة لا تثبت إلا بالإجماع”([90]).
وبالنسبة للمريض في أداء صلاته قاعدا ويومئ “والسنة في الصلاة ما أجمعوا عليه، أن الله تعالى إنما حط عن المريض ما لم يستطع أن يفعله”([91]). وفي صلاة الجنازة أشار إلى الإجماع: “فاجتمع رأيهم على أربع تكبيرات، ليلا صلوها أو نهارا”([92])، ولكنه إجماع أولوي لا واجب: “ولهذا الإجماع أولوي، لا واجب، لكن الأولى الثبوت عليه لا وجوبه”([93]). وهكذا فإن المدونة اشتملت على أصول فقه الإباضية من كتاب وسنة وإجماع ورأي من قياس واجتهاد والأخذ بآثار السلف وفهومهم، وليس من بعد هذا كله شك في اتفاق مجتهدي هذه الأمة على هذه الأصول والمصادر، وإن اختلفوا في الفروع، وهو أمر لا يضر، ولا إثم فيه، كما قال أبو يعقوب الوارجلاني: “المذهب ما بانت به كل فرقة عن الأخرى، في الفروع التي لا تأثيم فيها”([94]).
وإن الفروع الفقهية أيضا ليست متباعدة بين المذاهب الإسلامية؛ فكان مذهب زيد بن علي زين العابدين (ت122هـ) لا يختلف عن مذهب الإباضية إلا في أشياء قليلة، وهو معاصر لكثير من أئمة الإباضية، ولذلك قال أبو إسحاق إبراهيم اطفيش: “بينهم (الزيدية) وبين أصحابنا خلاف بسيط، وهم أهل اليمن”([95])، وكان أهل الجريد بتونس من المالكية يتقاضون عند قاض إباضي في([96]) القرن السادس الهجري.
إمامة النساء:
من الطريف أن نتعرض لإمامة النساء من خلال فقه المدونة، وقد أثيرت في عصرنا هذا، وخرج بعضهم عما ألفه المسلمون، ودرجوا عليه عصورا متطاولة؛ ففي المدونة: “الرجال والنساء سواء، إلا أنها لا تؤم غيرها إلا في نافلة، في قول بعض العلماء”([97])، وعلق القطب على ذلك بأنه: “تؤم النساء أو الأطفال غير المراهقين”([98])، وأضاف الخراساني: “وفي قول آخر لا تؤم في فرض ولا نفل، وهو قولنا وبه نأخذ”([99])، وأما أن يؤم الرجل النساء فقال الخراساني: “سألت الربيع أيؤم الرجل النسوة، وليس معهن رجل غيره؟ قال نعم”([100])، وفي سؤال آخر: قلت أيكره الرجل أن يؤم نساء ليس معهن رجل غيره؟ قال: أما إذا كان المسجد جامعا أقيمت فيه الصلاة وهو الإمام فتقدم وصلى ودخل معه نسوة فصلى فلا بأس بذلك، وأما أن يخلو بهنَّ في بيت أو مكان غير المسجد فإنه كره ذلك، إلا أن يكون معهن ذا([101]) محرم([102])، ولعلَّ هذا السؤال وجه إلى الربيع فنسب الكراهية إلى جابر بن زيد في هذا الموضع، وأعاد هذا السؤال نفسه في موضع آخر: “سألت الربيع أيؤم الرجل النسوة وليس معهن رجل غيره؟ قال: نعم”([103]). وعلق القطب أيضا على ذلك بأنه: “ولو لم تكن محرمته فيهن، ولا يصلي بواحدة إلا إذا
لم يمكن أن يفتن([104]). وكذلك صلاة النساء صلاة الجنازة على الميت من الرجال إذا كان وحده بينهن “قلت أفيصلين عليه هؤلاء النساء، إذا لم يكن أحد بحضرته من الرجال؟ قال: نعم، وهل يكون إلا كذلك، قلت: كيف يصلين عليه؟ قال: حدثني أبو عبيدة أنهن يقمن جميعا إلى جانبها، وتقوم التي تكبر بتكبيرها وسطا، ثم تكبر فيكبرن، قال: وقال عبد الله بن عبد العزيز قيام المرأة التي تصلي على الجنازة، وتصلي بالنساء في رمضان تطوعا تقوم فيقمن على يسارها، وتكون هي على يمينهن، فيقمن جميعا على يسارها من ورائها فلا يكون منها ومنهن إلا في التطوع، وأما في الفرض فلا تصلي امرأة بامرأة”([105]) وعلق على ذلك القطب: “وقال قومنا وبعض أصحابنا تصلي الفرض، وإن صلت ثم وجد أجزت”([106])، ولكن أليست صلاة الجنازة فرضا كفائيا؟ فعلى هذا القول تصلي المرأة إماما للنساء في الفرض أيضا إذا أخذنا هذا القول على ظاهره، ويرى القطب أنه: “يجوز أن تكون المرأة إماما للنساء والصبيان المتطهرين الذين لم يراهقوا وكان صلعم يأمر النساء باتخاذ المؤذن رجالا، وذلك حيث احتجن إلى ذلك أن يؤم بعضهن بعضا، وروي أنه زار أم ورقة في بيتها، فاستأذنته أن تتخذ في بيتها مؤذنا فأذن لها وأمرها أن تؤم أهل دارها من النساء، وكانت عائشة وأم سلمة تؤمان أهل دارهما من النساء، فتقفان بينهن ولا تتقدمان، وذلك في الفرض والنفل، بدليل الأذان وإطلاق الإمامة([107]).
وأما زيادة عبارة: “الصلاة خير من النوم في أذان الفجر” فقد نقل أن بلالا “أذن للفجر فقيل له: إن رسول الله صلعم نائم، فصرخ: الصلاة خير من النوم، فأدخلت في أذان الفجر، ونحن لا ندخلها لأن بلالا قالها بعد فراغ الأذان”([108]).
وأتى برواية أخرى: “وروى قومنا أنه صلعم قال: “ما أحسن هذا يا بلال، اجعله في أذانك”، وروي أنه يقول صبحا: “حي على خير العمل”، قال بعض قومنا: فأمره e أن يقول بدلها: “الصلاة خير من النوم”. وروى أن ابن عمر تارة يقول هذا، وتارة يقول هذا ([109]) ثم قال: “وكذلك قال أبو المؤرِّج، وروي ذلك عن أبي عبيدة كما قال الربيع”([110]).
تعاليق قطب الأئمَّة: يمكن القول بأن تعاليق المرتِّب غنية، وفيها آراء فقهية جديدة، ومعارضات للأوائل، ففي قراءة المتطوع بفاتحة الكتاب وحدها منعها الربيع، وذكر أنه لابد من قراءة سورة معها في كل ركعة، أما القطب فذكر أنه يجوز قراءة الفاتحة فقط، قياسا على الثالثة والرابعة من الظهرين، وعلى الأخيرة من المغرب([111])، ويقرر أحيانا أن ما روي عن جابر لا يصح([112]).
وأحيانا يعترض، ويقول: “غفر الله له هذا التكبير حق؛ لأنه في محله”([113])، ويعارض إبراهيم النخعي فقيه العراق ويقول: “هذا تخليط من النخعي (…) لا يقول بذلك عاقل”([114]) بل إنه عارض أبا المؤرِّج نفسه في وضع المرفقين على الفخذ؛ فأبو المؤرِّج أجازه، أما القطب فقال: “بل يجب أن لا يضعهما في الفخذين”([115])، ولكنه لم يأت بدليل في هذا الموضع، وربما استدل عليه في كتبه الفقهية، وأحيانا يقول: “هذا باطل يجب أن لا يعمل به”([116]).
ولا يأخذ بالحساب في إثبات رمضان، ويقول: هذا هو الصحيح، وبه العمل عندي ولو شهّر خلافه([117]).
كما رد على أبي المهاجر في عدم قراءة الفاتحة للمأموم إذا كان الإمام يجهر بها([118])، وهو رأي محمد بن محبوب العماني، ثم رجع عنه.
وبالجملة فإن تعليقات الإمام اطفيش تستحقّ بحثا مطولا بل رسالة علمية جامعية.
وقائع تاريخية:
من قرأ المدونة يقف على أحداث تاريخية، ومسائل اجتماعية في المعاملات والعبادات وردت إلى الفقهاء وأجابوا عنها، منها: مثلا “نحلة الجلوة” عند المغاربة، التي سأل عنها الخراساني أبا المؤرِّج “فقال: ما أدري ما نحلة الجلوة، قلت: القوم يدخلون مع زوج المرأة، وهم من قرابته وبني عمه وأخواله وغيرهم من أهل رحمه، وينحلون جميعا ويتجلونها، وينظرون منها ومن جسدها ويلبسونها ثوبا لا يواري جسدها وينظرون إلى صدرها وسائر جسدها فيتجلونها (…) فضحك أبو المؤرِّج فقال: أستغفر الله. قلت: وما استغفارك ها هنا؟ قال: سأل أبو عبيدة رجالا من أهل المغرب عن هذه المسألة وأنا حاضر عنده، فقال: لا نحلة لها على هؤلاء الذي أعطوها على المنظر الحرام؛ لأنَّه محرم عليهم النظر إلى ما ذكرتم من صدرها وثدييها وسائر جسدها (…)، ثم التفت أبو عبيدة إلى جميع جلسائه فقال: ما أجفى أهل المغرب! أسمعتم بمثل هذا قط؟”([119]).
وكذلك عرفنا من هذه المدونة المرض الذي عانى منه أبو عبيدة مسلم وهو الفالج: “بلغنا أن أبا عبيدة مرض مرضا أدنفه، وهو المرض الذي يسميه الناس: الفالج”.
كما أورد سؤال أبي الأزرق الخارجي لابن عباس عن ورود أوقات الصلوات في القرآن”([120]). ومنها علمنا اسم خادم جابر بن زيد وأنه غاب إلى خراسان سنين، روى عنه أبو المؤرِّج عن أبي عبيدة عن عمارة: “قال أبو المؤرِّج عن أبي عبيدة إلى عمارة، وكان عمارة خادم جابر بن زيد، وقد غاب بخراسان سنين، فقال عمارة: قدمت على أبي الشعثاء فأمرني أن أرقى له نخلة في داره لأخترف رطبا منها، وكنت صائما، فما زلت
آكل منها وأخترف، فذكرت أني صائم فاسترجعت، فقال لي أبو الشعثاء: ما شأنك؟ فقلت: إني كنت صائما ونسيت وأكلت ما دمت أخترف، فقال لي: الله أطعمك وسقاك، أتِمّ صومك ولا قضاء عليك”([121]).
نصّ لجابر بن زيد: وردت أقوال كثيرة للإمام جابر، ولكن لفت نظري أن الخراساني نقل نصا يبدو أنه من كتب جابر أو من ديوانه أو رسائله، أشار إلى النص مرتين، الأولى: “قال جابر بن زيد: إن الله نصب الإسلام للناس وأمرهم بطلبه والناس بين مصيب له ومخطئ، نسأل الله التوفيق والهدى على الصراط المستقيم. وقد قطع عذر كل جاهل بالعلماء، وقال: ﴿فَاسْأَلُوا أَهلَ الذِّكرِ إِن كُنتُم لاَ تَعْلَمُونَ﴾، ومن ترك السؤال لم يعذر فيما أخطأ به، وكذلك إن سأل غير عالم”([122]). والثانية: “كما قال جابر بن زيد: إن الله نصب الإسلام للناس وأمرهم بطلبه، والناس بين مصيب له ومخطئ، فنسأل الله أن يوفقنا لمراشد الأمور، وأن يهدينا إلى صراط مستقيم، إن الله قد قطع عذر كل جاهل بالعلماء، قال الله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهلَ الذِّكرِ إِن كُنتُم لاَ تَعْلَمُونَ﴾، وقد بلغنا في كل شيء مِمَّا لا يكون عند المرء به علم فليسأل عنه العلماء، وذلك أن مثل هذا مِمَّا يميز([123]) العلماء لو سألهم عنه؛ فمن ترك السؤال، وعمل برأي نفسه أو برأي جاهل فإني أخاف أن يكون غير معذور، وذلك أنه يقال: من عمل بغير علم كان ما يفسد من دينه أكثر مِمَّا يصلح، وذلك أن من عصمه الله من جهله وغفلته وشهوته وحيرته، وخلصه من مضلات الفتن، وجنبه زلات العلماء ورزقه الفطنة، ونفاذ البصيرة، وأيده بالعون والتوفيق فقد نجا وسلم إن شاء الله”([124]) تفسير الخمسمائة آية أو تفسير آيات الأحكام: هكذا سماه الدكتور عمرو بن خليفة النامي([125])، ونسبه إلى أبي المؤثر الصلت بن خميس البهلوي (ت 278هـ)، ونسب أيضا إلى تلميذه أبي الحواري، إلا أن البرادي نسبه أيضا إلى أبي المؤثر، وأما المطبوع المصور فنسب إلى أبي الحواري العماني الإباضي كما نسبه الدكتور مبارك بن عبد الله إلى الشيخ أبي المؤثر([126]).
أما عنوانه الذي طبع به مصورا فهو: “الدراية وكنز الغناية في منتهى الغاية وبلوغ الكفاية في تفسير خمسمائة آية” ويظهر أن هذا العنوان وضعه المتأخرون المولعون بالسجع. ومؤلفه هذا هو الشيخ محمد بن الحواري أبو الحواري، مرجع العمانيين في عهده، تتلمذ على أبي المؤثر الصلت بن خميس الخروصي، عاش زمن القرامطة؛ فهو من أهل القرنيين الثالث والرابع الهجريين.
وعنوان الكتاب كما جاء في أوله: هذا كتاب فيه “تفسير خمسمائة آية” من كتاب الله تعالى من الحلال والحرام([127])، ويذكر أن فيه رد الفقيه العالم العلامة أبي الحواري ـ رحمه الله ـ ([128]) وهو يتألف من جزأين، يبدأ الثاني منهما ص179، ويوجد عنوان آخر ص152 وهو: تفسير الكبائر.
ويبدو أن الكتاب لأبي الحواري لا لشيخه؛ لأنه يرد فيه كثيرا قال الحواري([129])، وأنه لو كان لأبي المؤثر شيخه فإنه لا يروي عن تلميذه، ولم يرد في الكتاب قال أبو المؤثر مثلا، وينقل عن فقهاء الإباضية كالربيع([130]) وعن أبي عبد الله محمد بن محبوب([131])، ولا تعطى الزكاة عنده في بناء المساجد([132]) بخلاف ما ذهب إليه، في القرن الماضي، الشيخ بيوض ـ رحمه الله ـ .
ويروي عن أبي عبيدة([133]) وعن جابر([134]) ويمكن أن يكون “الرد” الذي أشير إليه في أول الكتاب يبدأ من ص121: “وليس كما قال أهل العمى وأهل الجهل بالله وبكتابه”، ويستمر إلى ص 124 في الرد على مسألة النبيذ وبه رسالتان: إحداهما لأبي الدرداء([135])، والأخرى لسلمان الفارسي([136])، وبه مسائل فقهية محدودة لا داعي لمتابعتها في هذا البحث، وإِنَّمَا يمكن القول إن هذا يمثل أوَّل تفسير لآيات الأحكام عند الإباضية.
وأما تفسير محكم بن هود الهواري فلم يُعن بالأحكام كثيرا، وبالكتاب أيضا العناية بالوعظ في مناسبات كثيرة، كما نجد ذلك أيضا في المدونة، وما في ذلك من إنكار على أهل زمنهما، من نقص في التدين، وضعف في الالتزام بأحكام الله([137]). هذا ونقل صاحب “منهج الطالبين وبلاغ الراغبين” رأيه في دفع القيمة في الزكاة مراعاة للمصلحة([138])، ونقل عنه هذا الرأي سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي([139]).
*     *      *
النهضة الفقهية
ساد الركود في الفقه بعد أبي يعقوب الوارجلاني (ت 570هـ) وأبي عمار عبد الكافي وغيرهما من جهابذة الأصوليين والفقهاء، وخاصة في القرنيين الثاني عشر والثالث عشر في المغرب؛ فجاء الشيخ أبو زكريا يحيى بن صالح الأفضلي (ت 1202هـ) وتلميذه الشيخ عبد العزيز الثميني (ت 1223هـ) الملقب بضياء الدين، فكتب عمدة المذهب في الفقه وهو كتاب “النيل وشفاء العليل” الذي شرحه القطب الشيخ امحمد بن يوسف اطفيش([140]) (ت1332هـ) فأصبح هذا الكتاب موسوعة فقهية في الفقه الإباضي، مع مقارنات بفقه المذاهب الأخرى يرجع إليه الباحثون من الفقهاء في الموسوعة الفقهية الكويتية والمصرية، وصفه علي منصور([141]) بأنه من أجل كتب الفقه تأصيلا وتفريعا، وأبواب الاجتهاد -كما قال النامي-مفتوحة لدى  الإباضية”([142]).
جاء الشيخ الجليل إبراهيم بيوض فقام بحركة إصلاحية في جنوب الجزائر، وكان مركزه القرارة، وواجه صعابا ومعارضات ولكنه ثبت، وأدى رسالته الإصلاحية متضامنا مع جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وكان عضوا فيها فعالا. والذي أقصد إليه هاهنا هو تجديده في الفقه الإباضي معتمدا على فتاواه التي أصدرها([143]) وراعى أوضاع عصره، ومشاكل المجتمع الإسلامي المستجدة.
يرى الشيخ أن كل المذاهب تأخذ أحكامها من الكتاب والسنة، وإِنَّمَا تختلف في طرق الاستنباط ومناهجه، وكان ذا اتجاه بعيد عن التعصّب، ولا فرق عنده بين موافق ومخالف([144])، ويفتي للناس جميعا سواء في ذلك الإباضي وغيره، وقد يخالف الفقهاء القدماء لتغير أحوال الناس وظروفهم، وهو ليس من الفقهاء المعزولين عن علوم عصره وقضاياه، المحصورين في دائرة أحكام بعيدة عن القضايا الجديدة، وتصوّرها.
تجده يشكو من عدم وصول كتب إخوانه المشارقة العمانيين، مثل: “بيان الشرع وقاموس الشريعة” و”التاج على المنهاج”([145]).
مصادره:
يرجع إلى مؤلفات الإباضية القديمة والحديثة([146]) كجابر بن زيد المحدث الفقيه مؤسس المذهب([147]) وقطب الأئمَّة([148]) والجيطالي([149]) ومسند الربيع([150]) وعبد الله السالمي وأبي ستة([151]) وصاحب الإيضاح([152]) وحاشية السالمي على الجامع([153])، وكان يدرس مسند الربيع بحاشية أبي ستة، كما يدرس صحيح البخاري بشرح ابن حجر: فتح الباري درسه مدة خمس عشرة سنة([154])، كما درس تفسير البيضاوي وتفسير المنار، ويرجع إلى تفاسير الحاج أمحمد اطفيش والرازي والقرطبي والآلوسي([155])، وختم تفسيره للقرآن سنة 1400هـ/ 1980م، وحضرت هذا الختم في مهرجان ضخم، جاءته وفود من أنحاء مختلفة من البلاد.
يرجع في فتاواه إلى أهل الاختصاص كالأطباء فيجتهد ويرجح، وكان يستشهد بالشيخ رشيد رضا ويصفه بأنه إمام حجة([156])، وكان يستنجد بالشيخ عبد الرحمن بكلي ـ رحمه الله ـ لما له من مراجع ومصادر لا تتوافر لديه([157])، وعندما كان مريضا يحيل الفتوى على الشيخ عبد الرحمن بكلّي([158])، ونود أن نعرض لبعض فتاواه حتى يتبين القارئ نظراته الصائبة، ويعرف أنه ذو ملكة فقهية نافدة.
حكم صلاة الجمعة:
كان يقول في صلاة الجمعة: “إنها تصح ولا تجب”: لذلك رأى وأفتى بأن صلاة الجمعة اليوم تصح ولا تجب؛ فمن أقيمت الجمعة قريبا منه فشهدها وصلاها صحت وأغنت عن الظهر، كما هو معروف، وحسنا فعل، ومن صلاها ظهرا رجونا له الصحة والنجاة”([159]) هذا رأيه في عهد الاحتلال، ثم رجع عن هذه الفتوى وأوجبها على كل حضري مقيم، بعد أن مهد لذلك الرأي العام، وذلك في أوائل محرم سنة 1391هـ وقال:
“صلاة الجمعة فرض على الرجل المقيم دون المسافر، إذا كان له إمام عادل أو جائر بنص الكتاب والسنة، واتفاق جمهور الأئمة، وبهذا نقول في زمننا الذي لنا فيه إمام”([160])، كما أجاز صلاة الجمعة مع المالكية في مساجدهم([161])، وهو متسامح في تقليد أي إمام في المسائل الاجتهادية([162])، وأنه لا يجوز النزاع في الاختلافات في الفروع الاجتهادية، ولا تخطئة المجتهدين فيها([163])، ولذلك فصلاة الجمعة تؤدى في أي مسجد، ومع أي إمام([164]) وتجوز الصلاة مع إمام أي مذهب([165]).
وله اختيارات واجتهادات، فأفتى للمجلس الإسلامي الأعلى في الجزائر بعدم جواز إجبار الحاكم الناس على تحديد النسل، وبمنع الإجهاض بعد العلوق، أما العزل فجائز وهو رأي المالكية أيضا([166]). وأفتى في عدم جواز الزواج بمزنية الرجل، تبعا لفقهاء الإباضية؛ فقال: “هذا هو الذي نراه ونفتي به ونراه حقا، ولكننا لا نقطع عذر من خالفه وعمل بغيره من أقوال أئمَّة المسلمين؛ فالمسألة فرعية اجتهادية، لا يسوغ لنا فيها قطع عذر المخالف”([167])
وأفتى بجواز زواج الرجل بزوجة ربيبه، وخالف في ذلك اطفيش، موافقا للسالمي الذي لا يقول بالتحريم، وقال: “هذا ما نراه الصواب في القضية ونفتي به، ولا نقبل سواه لعدم اطلاعنا على دليله”([168]) ويرى أنه لا دليل على الحرمة إطلاقا([169]).
كما أنه أجاز أن يعتبر الطلاق بالثلاث في لفظ واحد طلقة واحدة قال: “فإني أختار وأعتمد القول المشهور بين العلماء، بأن الطلاق الثلاث بلفظ واحد يعتبر تطليقة واحدة”([170]).
وأفتى بطهارة عين الخمر([171])، وأن المسح على الخفين ليست كل الأحاديث الواردة فيه موضوعة، وأن النبي e مسح أولا وترك أخيرا، فروى كل صحابي ما رآه ولم يره غيره، أو علمه، ولم يبلغه بعد ذلك ما جد غير ما علمه، وقد تفرق الصحابة في الأمصار وأطراف الجزيرة العربية، فتحدث كل بما سبق إليه علمه، وروى الناس عنهم ما سمعوا منهم من أحاديث، وهذا من أعظم الأسباب في اختلاف الأمة في مسائل كثيرة”([172]).
وحدد مسافة القصر في الصلاة باثني عشر كلم تبعا لما أخذه العلماء من المسافة بين المدينة المنورة وذي الحليفة([173])، كما حدده في موضع آخر بستة أميال([174]).
وأن الأصح عنده هو أن الظهر والعصر مشتركان في الوقت، وهو ما يساعد العمال والموظفين في الجمع بين الظهر والعصر، رفعا للحرج وتبعا لما رواه الربيع في هذا([175]).
كما أن له رأيا في صلاة التراويح وعدد ركعاتها، وخالف فيها صاحب الإيضاح واطفيش([176]) في أنها 24 ركعة. ومن اجتهاداته في الحج فتواه للمجلس الإسلامي الأعلى بالجزائر في جواز الإحرام من جدة، وهو عنده عزيمة لا رخصة([177])، وأفتى بأن الهدي في الحج لا يجوز دفع قيمته، وإِنَّمَا لا بد من القيام بذبحه “ولا يعنيه بعد ذلك ما يؤول إليه أمره”([178]).
أما أخذ الربا من الحكومة فأمر جائز عنده، قال: “إن الذي حفظناه عن شيوخنا أنه لا ربا مع الحكومة، أعني: إذا كانت هي الدافعة فخذ، ولا تتحرج، فما في الأمر من بأس”([179])، ومعنى هذا أنه لا ربا فيما يأخذه الشخص من مؤسسات الحكومة، إذا كانت هي الدافعة، إذا وضعت في خزانتها مالا لك حلالا”، وقال: “ولم يبق إلا ما يدفعه الخازن زيادة على ما وضعته عنده أول مرة فاقبضه ولا إثم عليك”([180]
والمسألة تحتاج إلى مناقشة فالشيخ ـ رحمه الله ـ لم يذكر شيوخه الذين روى عنهم هذه الفتوى ولا مصادره في ذلك.
وأجاز الشيخ بيوض إثبات الأهلة بالرصد الفلكي، مخالفا في ذلك الشيخ اطفيش (قطب الأئمَّة)، أجاب بهذه الفتوى وزير الشؤون الدينية في عهده وهو الأستاذ مولود قاسم ـ رحمه الله ـ وقال: “ونحن اليوم أشد طمأنينة بقطعية نتائج الحساب الفلكي مِمَّا كان عليه الحال في صدر الإسلام، وفي عهد الأئمَّة الذي اعتمدوا الحساب”([181])، كما أنه لما أفتت لجنة الإفتاء الجزائرية بالعمل بالحساب الفلكي كتب إليها بالموافقة على ذلك، وقال: “إنني موافق كل الموافقة على فتوى اللجنة في اعتماد الحساب الفلكي القطعي في تعيين مواقيت العبادات، وعلى الخصوص تعيين اليوم الأول من شهر رمضان”([182]).
واجتهد في تحديد وزن المثقال الشرعي وبين أنه 5 غرام، استعان في ذلك بجماعة العلماء والتلاميذ، وجمعوا أنواع الشعير (تسعون حبة) فتحققوا أنها تساوي 5 غرامات، فالدينار وزنه أربع غرامات وثلثان، والدرهم وزنه 3 غرامات وثلث فيكون نصاب زكاة الذهب غير المسكوك كالحلي مائة غرام حصلت من ضرب 20×5، أما نصاب الذهب المسكوك فهو 93 غراما وثلثان، تحصل من ضرب20 × 4 غرامات وثلثين، ونصاب الفضة 666 غراما وثلثان، تحصل من ضرب 200 × 3 غرامات وثلث([183]). وهذا عمل رياضي دقيق قام به مع جماعة.
ويجوز عنده دفع الزكاة لمؤسسات التعليم([184])، كما يجوز إعطاء الزكاة للمخالفين([185])، وأجاز إخراج القيمة بشرط أن تكون عادلة مع مراعاة مصلحة الفقراء، وللضرورة في الحلي؛ حيث رخص العلماء في ذلك، والأصل في الزكاة أن تدفع من أعيانها([186])، أطال في هذه الفتوى لتكون واضحة، وقال أيضا: يجوز إخراج القيمة إذا تعذر الإخراج من العين، كما هو الغالب في زكاة الحلي([187]) بشرط تقويمه بقيمته الحقيقية([188])، وإن كان قرَّر أن هذا الترخيص ضعيف ولكن الناس مالوا إليه لسهولته([189]).
أجاز الشيخ بيوض أيضا التأمين على السيارات الذي توجبه الحكومات وتلزم به([190])، وأجاز التصوير الفوتوغرافي، وكذلك الرسم بالأدهان والأصباغ([191])، أما التماثيل فلا تجوز عنده([192]).
وأجاز زرع القرنية في العين([193])، كما أنه حدد الغرة بعشر الدية([194])، في دية الجنين. أما الغناء والموسيقى وآلات الطرب، فإنه رأى أن الغناء حلاله حلال وحرامه حرام (أي مضمون الكلام)، فالتغني ليس له دخل في التحريم والتحليل، وكره آلات الطرب كالطبل والمزامير والعيدان، فهي عنده مكروهة كراهة شديدة، وإذا كانت مع الغناء فحكمها حكم الغناء، على تفصيل في ذلك([195])، أما التلفزة فإن الأمر فيها يرجع إلى طريقة استعمالها وما تحتويه، أما الآلة فهي صالحة للخير والشر على حسب ما يلقى فيها([196]).
أما إنشاء الفرق الرياضية،كفرق الكرة، فإنه لا يميل إلى ذلك، لما ينتج عن ذلك من مشاكل في نظره([197]). ولا غنى للباحث من الفقهاء عن أن يعود إلى هذه الفتاوى لمعرفة تفاصيلها وأدلتها، وليكون على بينة تامة منها، ولا يكفي الاقتصار على مثل هذا البحث القصير.
*            *              *
فتاوى الشيخ عبد الرحمن بكلّي:
من أعلام الإباضية في زمننا هذا العلامة عبد الرحمن بن عمر بن عيسى بكلّي المعروف بالبكري (ت 1406هـ/ 1986) تتلمذ على العلامة الشيخ محمد الطاهر بن عاشور بالزيتونة بتونس، وغيره من كبار علماء الزيتونة، ودرس العلوم العصرية في الخلدونية، وهو من مؤسسي جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، سنة 1931م، وعضو بالمجلس الإسلامي الأعلى([198])، كما أنه عضو في لجنة الإفتاء به.
وهو منفتح على المذاهب الإسلامية، ولم يقتصر على المذهب الإباضي، ذلك المذهب الذي وصفه الشيخ الفاضل بن عاشور (ت1970) بأنه: “استمد عناصره ومقومات خلوده من متانة أصوله ومرونة فروعه”([199])، له علاقة متينة بالشيخ بيوض، وكان يستشيره في فتواه، ويجتمع به، كما روى لي صديقنا العزيز شريفي بالحاج ـ الأستاذ بكلية العلوم الإسلامية بالجزائر، حفظه الله ـ: والبكري مولع بتجديد الفقه، وبالفقه المقارن عموما ويرى: “أنَّنا إذا وسّعنا صدورنا لآراء مجتهدي الأمَّة، لا فرق بين هذا وذاك، نَجد ولا شكّ من بينها ما نحلّ به كثيرا من مشاكل عصرنا”([200]), كما يرى أنه “ليس من تقدير الإسلام حق قدره أن نجعل من اختلاف آراء مجتهدي الأمة موجب تفرقة أو أداة عنصرية، فنتعصّب لهذا أو ذاك، لا لقوة دليله، وإنما لمجرد انتمائه لإمام من أئمة المسلمين”([201]), ويذهب إلى أن آراء المجتهدين ” لا يختلف غالبها في الغاية، لكن في ملحظ المجتهد فحسب، وكل مجتهد مصيب”([202]).
فمن فتاويه أنه من حرّم زوجه ثلاثا ومائة مرة بأنه يمين، يحنث صاحبه ويكفّر عن حنثه كفارة يمين([203])؛ لأن الشخص السائل قال: مخاطبا ابنه: إن زوجته حرام إن عملت معي في تجارتي.
أما من طلق زوجه ثلاثا في لفظ واحد فقد أفتى مثل الشيخ بيوض أنه تطلق عليه واحدة، وأن ذلك كان في عهد الرسول، وأبي بكر وفي ثلاث سنين من خلافة عمر([204]).
وسئل عن الزواج بالمزنية وقد نتج من ذلك أولاد، فأفتى بجواز ذلك على بعض المذاهب الإسلامية حتى لا يقع ضرر بالأولاد، وأمر الشخص أن يتوب ويكفر كفارة مغلظة، وهذه الفتوى إنما هي خارج المذهب.
وأفتى أيضا بجواز دفع الزكاة في بناء المدارس ومشاريع أخرى كطبع الكتب، وجعل ذلك داخلا في قوله تعالى: ﴿وفِي سَبِيلِ اللهِ﴾ كما يجوز دفعها في مشاريع التعليم، وأن ذلك بمثابة الجهاد في سبيل الله، وهو في هذا متفق مع الشيخ بيوض.
أما نصاب الزكاة فقد حدده 93 دينارا، والعبرة في تحديد النصاب عنده هو الذهب المسكك، وعلى هذا الفتوى عنده، وأشار إلى تحديد بعض الفقهاء غير الإباضية النصاب بـ 85 غراما، ثم علق على ذلك بقوله: “والذي يبدو لي، والله أعلم، أن نصاب الذهب مسككا أو غير مسكك واحد وهو 100 غرام”، ووزن المثقال عنده كما عند الشيخ بيوض 5 غرامات([205])، والذي حدد النصاب بـ85 غراما هو صاحب المنار([206])، كما أشار إلى أن بعض المحقّقين قدر النصاب بـ93 غراما([207]). وأفتى بجواز دفع الزكاة بالقيمة لكن بالسعر المتداول([208]) حتى لا يظلم الفقراء، وإن كان لا يميل إلى دفع الزكاة بالقيمة. لكن نجده في تعليقاته على النيل يرى أنه من الأولى اعتبار الذهب أصلا للفضة
لا العكس، كما ذهب إليه صاحب النيل وشارحه. واستند في ذلك إلى قوله تعالى: ﴿وَالقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالفضَّة﴾ فالذهب ذكر أولا([209]).
أما ما يتعلق بصندوق التوفير فقد مال إلى رأي رشيد رضا ومحمد عبده في جواز إيداع الأموال فيه، وأخذ الربح أيضا؛ لأنه ليس قرضا جرّ نفعا،
وليس فائدة لدين حتى يكون ربا([210]). وأجاز العمل بالبنوك الربوية، وقد أفتى الشيخ شلتوت بذلك، لدفع الحرج عن الناس([211]) وقال: “وأنا كذلك أفتي بهذا الرأي”([212]). كما أنه أفتى في الصرف بأن الشرع لا يمنع أن يكون الصرف في مجلس نقدا على أن يوضع صرف العملة الأخرى في مكان متفق عليه، ولو في بلد آخر، والأجل هنا لا يضرّ؛ لأنه غير ملحوظ، ولا كانت في مقابله زيادة([213])، كما أنه يتعذر أحيانا إخراج العملة([214]) والناس يضطرون إلى ذلك، لتعذر الصرف يدا بيد.
كما أنه رأى أنه من الأوفق عدم التتابع في قضاء شهر رمضان، وهو ما جرى عليه الجمهور، وليس مجرد رخصة، والموافق أيضا لروح التشريع الإسلامي([215]). أما تأمين السيارات وحوادثها، فيرى أن تشريع الحكومات المعاصرة ينزل مصلحة التأمين منزلة العاقلة، وكأن ذلك مقتبس من عمل عمر الذي جعل أهل الديوان هم العاقلة، لما دوّنت الدواوين، ونظمت الجيوش، ونقل في ذلك نصا لمحمد بن الحسن الشيباني في كتابه السير “وتناصر أهل الديوان بالديوان، ولهذا فهم يتعاقلون به”([216]).
أما التأمين فقد بحثه بحثا دقيقا، واستعرض آراء العلماء المعاصرين له كالزرقاء وأبي زهرة وغيرهما، وانتهى إلى أنه يميل إلى رأي الزرقاء والذين معه في جوازه على اختلاف أنواعه([217]) إذا خلا من الربا([218]).
أما الغرّة فقد حددها بنصف العشر، أي خمس من الإبل من مائة أو قيمة ذلك، ونسب ذلك إلى بعض الفقهاء ([219]) ويبدو أن هذا التقدير لا يتفق مع ما ذهب إليه الشيخ بيوض، فإنه نصّ على عشر الدية كما سبق أن أشرت ([220]).
وأجاز تنظيم النسل، لا تحديده، ولا قطعه، وإنما يجوز للضرورة كمرض عضال أصاب الأم وفيه خطر، وما إلى ذلك، مِمَّا يهدد حياتها([221])، وجواز تنظيم النسل يكون باتفاق الزوجين([222])، ويجوز
عنده التبرع بالدم ([223]) بناء على الاستحسان، وأجاز ترقيع الجسم، وتلقيم العين، الذي نعبر عنه بزرع الأعضاء([224]) ويتفق في هذا مع الشيخ بيوض.
والمواد الكيمائية إذا استحالت في الأدوية مثلا عن طبيعتها الأصلية كالمسك الذي استحال عن صفته التي هي الدم وأصبح شيئا آخر، ولذلك قال الشيخ اطفيش بأنه خرج عن صفته في شرحه للنيل([225]) وكالخمر يصير خلا، وكذلك الأدوية إذا دخلها شيء من النجاسة فاستحالت، فلا محذور في استعمالها لتلاشيها في المواد الطاهرة([226]) كاستحالة الميتة رمادا مثلا.
وأفتى بأن استعمال الصائم للدواء كالحقنة، سواء كانت تحت الجلد أم في العرق لا يجعله مفطرا، إلا الحقنة المغذية كحقنة محلول السكر، أو المصل (السيروم)، وهذا إذا كان مضطرا لذلك، وكذلك إذا استعمل قطرات الدواء في عينيه أو أنفه، وإذا أحس بطعم الدواء في حلقه رماه، وقضاء الصوم بالنسبة للذي أمره الطبيب بالإفطار في رمضان يكون متتابعا، كما يجوز عنده أن يكون متفرقا([227]).
وأجاز التصوير الفوتوغرافي الذي تتوقف عليه مصالح الناس، وتقتضيه نظم الحياة الاجتماعية، ومنع تصوير ماله ظل كالتماثيل ما عدا ألعاب الأطفال، وكذلك تصوير ذي روح من إنسان وحيوان، أما ما سوى ذلك كالأشجار والمنازل ومناظر الطبيعة فجائز، وكذلك عمل المصور الفوتوغرافي فإنه ضروري في هذا العصر لتوقف مصالح الناس عليه “لذلك نحكم بجوازه وبعدم خبث كسبه”([228]).
وكذلك سماع الموسيقى ومشاهدة السينما والتلفزة لا ضير في ذلك عند بعض العلماء، على حد تعبيره، بشرط أن تخلو مِمَّا يهيج الإنسان، ويدفعه للرذيلة، ويفضل أن يتورع الإنسان عن هذا “فهو خير وأسلم”([229])، ولا ينكر عنده تغير الأحكام بتغير الزمان([230]).
*            *              *
الشيخ أحمد بن حمد الخليلي
إذا تعرضنا للتجديد في الفتوى في هذا الزمان عند الشيخ بيوض والشيخ عبد الرحمن بكلي في المغرب فيحسن أن نشير أيضا إلى سماحة الشيخ أحمد الخليلي، المفتي العام لسلطنة عمان. ففي كتابه “زكاة الأنعام”([231]) مثلا، رجح إخراج القيمة في زكاة الأنعام معتمدا على أن المصلحة ينبغي أن تراعى؛ لأنها مدار الأحكام “ولما أن المصلحة مدار الأحكام الشرعية فإني أختار جواز إخراج القيمة عن العين في حالتين: عندما يكون ذلك أنفع للفقراء، وعندما يكون فيه رفع كلفة ومشقة عن صاحب المال أو الساعي”([232]) مع أن الشماخي منعه، والمنع عنده أصح([233])، وكذلك الإمام الثميني، في كتابه النيل، وتابعه شارحه([234]) ويميل الإمام السالمي إلى الترخيص بالقيمة([235]) مراعاة للمصلحة، فالمغاربة منعوها والمشارقة أجازوها عمليا.
وفي زكاة الخيل اختار قول الجمهور، واستدل على ذلك بأدلة كثيرة، وناقش المسألة مناقشة علمية مطولة، وانتهى إلى رأي اختاره اعتمادا على نصوص متظافرة في الدلالة على ذلك([236]).
كما أنه ذهب إلى أن الصحيح في العوامل من الأنعام أنها لا تزكى: “من أجل ذلك أرى التعويل على رأي المسقطين للزكاة فيها، أخذا بما دل عليه الدليل، ولا حظ للنظر مع الأثر”([237])، ولم يوافق في هذا الشيخ القرضاوي.
وكان نظره واسعا، وأفقه رحبا في فتواه بأن الوصية تنفّذ ولو كانت لكافر مشرك أو منافق، فإن الوصية لا يشترط فيها الإيمان، فهي قربة وصلة”، والوصية لا يختلف فيها المسلم والكافر”([238]).
ومنع الوقف على الذرية باعتبارهم ورثة، ولا وصية لوارث([239])، ورأى أن الوقف يأخذ حكم الوصية([240])، ومعنى هذا أن هذا الوقف يقسم بين الورثة على حسب أنصبائهم؛ لأن الوصية للوارث باطلة بالسنة والإجماع([241]).
ويرى الشيخ أبو إسحاق اطفيش والشيخ محمد عبده أن آية الوصية غير منسوخة([242])، وهذا كما يقول الشيخ اطفيش من باب العموم أريد به الخصوص، وذهب إلى هذا أبو الحسن البسيوي في كتابه الجامع، ووصف الشيخ الخليلي هذا القول بأنه “من القوة بمكان”([243]).
وفي فتواه في المعاملات، ومنها الجانب الاقتصادي، منع الطرف الثالث المموّل في البيع بالتقسيط؛ لأنه يعتبر قرضا جرّ نفعا، وقد وقع الإجماع على حظره، وكذلك إذا وقع بين الطرفين وكانت الصفقة عامة وغير مجزومة([244]) وذلك لما ورد من حديث الربيع عن جابر بن زيد عن النبي e «أنه نهى عن بيعتين في بيعة، وعن قرض جرّ منفعة»([245]).
ومنع التأمين التجاري سواء كان شاملا أو غير شامل إلا للضرورة([246]). وله فتاوى في الأسهم والسندات والشركات، وأفتى بمنع التأمين؛ لأنه عقد من عقود الغرر، وقرر أن رأي الشيخ الزرقاء شاذ، وأن المجمع الفقهي لم يقبله؛ لأن التأمين على السيارات مثلا نوع من المقامرة، وهو أيضا بيع نقد بنقد مع تفاوت ونسيئة وهو عين الربا([247]).
وأوجب الدية على عائلة المخطئ في حوادث السيارات، وتحفّظ في حكم المحكمة بأن تدفع شركة التأمين هذه الدية، ودعا إلى تغيير قانون التأمين. ويبدو أن فتاوى المغاربة ذهبت مذهب التيسير للضرورات، وتمسك الشيخ الخليلي بالأصل في هذا.
وتحتاج فتاوى الشيخ إلى بحث مستقل مطوّل، ربما يقوم به أحد الباحثين الفقهاء في جامعتكم مع مقارنة باجتهادات غيره من الفقهاء.

[1]) Schacht, J.An Introduction to Islamic low, Oxford, 1961. p.261. – the Origins of muhammadan Jurisprudence, Oxford
1967.
[2]) Macdonald Duncan B. development of muslim, theology, Jurisprudence and constitutional theory, Beirut, 1965. p.116
[3]) وذلك في 12/ 03/ 1394هـ- 04/ 05/ 1974م. دار اليقظة العربية. سوريا، لبنان. في جزأين.
[4]) الدرجيني، الطبقات، جـ2، ص344. انظر صالح باجية، الإباضية بالجريد، تونس (1976) ص181.
[5]) “نشأة التدوين للفقه واستمراره عبر العصور” ضمن ندوة الفقه الإسلامي 1410هـ- 1990م، ص188
[6]) كتب “الغراري” والصحيح “الفزاري” انظر: معجم أعلام الإباضية، دار الغرب الإسلامي، بيروت، 1420هـ/ 1990م.، جـ1، ص282.
[7]) وقيل نسبه إلى يزيد بن فندين انظر: الفرق لأبي عمرو السوفي، ص53، دراسات في الإباضية، ص202.
[8]) فرحات بن علي الجعبيري: الندوة، ص506.
[9]) انظر: كلمة الناشر للمدونة، جـ1، ص2.
[10]) مقدمة كتاب الوضع للإمام أبي زكريا يحي الجناوني (د.ت) ص11.
[11]) جـ2 ورقة 344 انظر الإباضية بالجريد ص54.
[12])، جـ1، ص271 مشيرا إلى حديث أبي سعيد الخدري في الزكاة.
[13]) فهذه إذن المدونة الكبرى، ولكن لم يذكر لنا من ألحق هذه الأشياء هل هو قطب الأئمة أم غيره.
[14]) المدونة، جـ1، ص90.
[15]) المدونة، جـ1، ص247، وانظر كذلك فقرات الوعظ ص242-243، 245، 246، 249، 250، 253-254 مع تكرار لا يناسب أساليب القرن الثاني، تابع ذلك إلى تمام كتاب الصلاة: 267 ومما ورد فيها: “ونحن في زمان ضيّع فيه الناس الفقه والتفقه ودخلهم الكذب، وطلب الدنيا بالدين وغلب الرياء على كثير من الناس…”، ص266-267.
[16]) انظر: ص11، وأحيانا ينسى، قال المرتب: ويضع انتهى ص62 وهكذا.
[17]) الإباضية بالجريد ص54.
[18]) يبدو أنه كان يحاور الفقيه المتكلم عبد العزيز الذي عرف بولعه بالرأي ومخالفته أحيانا لأبي عبيدة مسلم.
[19]) قيل له: أهل عمان يلجؤون إلى الرأي في الفتوى، قال: “ما نجوا من الفروج والدماء” الشماخي، سيرته 120-121.
[20]) المدونة، جـ2 ص39.
[21]) المدونة، جـ1 ص269 والخلاف في زكاة البقر فيما زاد على الأربعين إلى أن تبلغ الستين، أما ابن عباد فيرى أن فيها إذا حال عليها الحول مسنة وربع عشر مسنة. انظر: المدونة ص269.
[22]) خالفه في الزاني بأخت زوجته لا تحرم عليه. المدونة، جـ2 ص21.
[23]) المدونة، جـ2، ص36.
[24]) المدونة، جـ2، ص224.
[25]) المدونة، جـ2، ص225.
[26]) المدونة، جـ2، ص225-226، ولم يرجع المترجم هنا في كتاب عمرو النامي إلى الأصل العربي بل ترجمه ترجمة لا تؤدي المعنى وهو قوله: “إن ما قاله الرسول e هو وحده الحقيقة، السنة أولا شرط أن تكون السنة موثوقة عن الرسول، أما القياس ولو كان قديما فلا يمكن أن يحل محل السنة”، ص125.
[27]) مبارك عبد الله الراشدي، المرجع السابق ص155، مشيرا إلى المدونة الصغرى والكبرى المأثورتين عن الخراساني.
[28]) الذهبي، تاريخ الإسلام، دار الغرب الإسلامي بيروت 2003. المجلد الثاني ص1200.
[29]) المصدر نفسه.
[30]) المصدر نفسه.
[31]) تهذيب الأسماء، تحقيق دوزي، القاهرة (د.ت) ص140.
[32]) إبراهيم هنا هو النخعي وهو إبراهيم بن يزيد بن قيس النخعي الكوفي فقيه العراق لقي عائشة، وأخذ عن الصحابة كالمغيرة بن شعبة، وأنس بن مالك، توفي 95هـ. انظر: الذهبي، تاريخ الإسلام، مجلد 2 ص1052.
[33]) المدونة، جـ2، ص187، أما القطب فلم يقبل هذا، وأخذ برأي جابر وأبي عبيدة في تعليقه على هذا المحل، فهي عنده للموصى له ولو كان وارثا.
[34]) المدونة، جـ2، ص213.
[35]) المدونة، جـ1، ص7-8.
[36]) المدونة، جـ1، ص219.
[37]) لعله: توفيته.
[38]) المدونة، جـ1، ص221-222.
[39]) ومن المالكية من يرى استحباب القراءة، أي قراءة الفاتحة في الأولى.
[40]) المدونة، جـ1، ص287.
[41]) المدونة، جـ1، ص288-289.
[42]) المدونة، جـ1، ص289.
[43]) المدونة، جـ2، ص260.
[44]) المدونة، جـ1، ص165-166.
[45]) المدونة، جـ1، ص166.
[46]) المدونة، جـ1، ص274 وهذا كلام لأبي المؤرج.
[47]) المدونة، جـ1، ص274.
[48]) المدونة، جـ1، ص297-298.
[49]) المدونة، جـ1، ص299.
[50]) المدونة، جـ1، ص132.
[51]) المدونة، جـ1، ص132-133.
[52]) المدونة، جـ1، ص134.
[53]) المدونة، جـ1، ص134.
[54]) المدونة، جـ1، ص178.
[55]) المدونة، جـ1، ص178.
[56]) المدونة، جـ1، ص284.
[57]) المدونة، جـ1، ص284.
[58]) كذا في الأصل لعله “في هذا”.
[59]) المدونة، جـ1، ص154.
[60]) المدونة، جـ1، ص158.
[61]) المدونة، جـ1، ص159.
[62]) المدونة، جـ1، ص159.
[63]) المدونة، جـ1، ص159.
[64]) المدونة، جـ1، ص160.
[65]) المدونة، جـ1، ص196.
[66]) المدونة، جـ1، ص197.
[67]) المدونة، جـ1، ص208.
[68]) المدونة، جـ1، ص208-209.
[69]) المدونة، جـ1، ص209.
[70]) المدونة، جـ1، ص209-210.
[71]) المدونة، جـ1، ص121-122.
[72]) المدونة، جـ1، ص288.
[73]) المدونة، جـ1، ص350-351.
[74]) المدونة، جـ1، ص351.
[75]) المدونة، جـ1، ص295.
[76]) المدونة، جـ1، ص295.
[77]) المدونة، جـ1،
ص131-141-145 وانظر: ص92-103-114-121-126-127-165.
[78]) المدونة، جـ1، ص341.
[79]) المدونة، جـ1، ص114.
[80]) المدونة، جـ1، ص209-210.
[81]) المدونة، جـ1، ص363،367.
[82]) المدونة، جـ1، ص367.
[83]) المدونة، جـ1، ص117-118.
[84]) المدونة، جـ1، ص128-129-132-140-141-235-236.
[85]) في كتابه “طلعة الشمس” انظر: شرح
طلعة الشمس جـ2، ص143-185وبحث الشيخ مصطفى الزرقاء، الندوة ص691 -692.
[86]) المدونة، جـ1، ص25-27.
[87]) المدونة، جـ1، ص28-29.
[88]) المدونة، جـ1، ص92.
[89]) المدونة، جـ1، ص92.
[90]) المدونة، جـ1، ص106.
[91]) المدونة، جـ1، ص196.
[92]) المدونة، جـ1، ص212.
[93]) المدونة، جـ1، ص212.
[94]) مقدمة كتاب الوضع للجناوني، كتبها أبو إسحاق، ونقل هذا النص من الدليل والبرهان لأبي يعقوب الوارجلاني، ص16.
[95]) المصدر نفسه ص16.
[96]) صالح باجية، الإباضية بالجريد، ص70.
[97]) المدونة، جـ1، ص44.
[98]) المدونة، جـ1، ص44.
[99]) المدونة، جـ1، ص44.
[100]) المدونة، جـ1، ص75.
[101]) كذا في الأصل ولعله “ذو”.
[102]) المدونة، جـ1، ص120.
[103]) المدونة، جـ1، ص166.
[104]) المدونة، جـ1، ص166.
[105]) المدونة، جـ1، ص220.
[106]) المدونة، جـ1، ص220.
[107]) المدونة، جـ1، ص45.
[108]) المدونة، جـ1، ص235.
[109]) يبدو أن هذا تعليق القطب.
[110]) المدونة، جـ1، ص46.
[111]) المدونة، جـ1، ص77.
[112]) المدونة، جـ1، ص42.
[113]) المدونة، جـ1، ص101.في النص: “وليكبر” ولعله خطأ وصوابه “لا يكبر” حتى لا يكون اعتراضه باطلا؛ فالنص يحتاج إلى تحقيق.
[114]) المدونة، جـ1، ص129.
[115]) المدونة، جـ1، ص59.
[116]) المدونة، جـ1، ص03/ 16.
[117]) المدونة، جـ1، ص171.
[118]) المدونة، جـ1، ص76-77.
[119]) المدونة، جـ1، ص40.
[120]) المدونة، جـ1، ص37.
[121]) المدونة، جـ1، ص349.
[122]) المدونة، جـ1، ص05.
[123]) كذا في الأصل ولعله: ” يبين”.
[124]) المدونة، جـ1، ص17-18.
[125]) دراسات في الإباضية، ص122.
[126]) ندوة الفقه الإسلامي، ص189.
[127]) ص2.
[128]) ص2.
[129]) ص26-27، 59، 113، 116، 120-121، 123-124، 133-134، 137، 147، 153، 179، 187، 189، 209، 212، 214.
[130]) ص120-121/ 223/ 228.
[131]) ص29-30/ 94.
[132]) ص31.
[133]) ص119.
[134]) ص120/ 211.
[135]) ص295.
[136]) ص295.
[137]) يشير عمرو النامي إلى أن الشيخ بيوض أخبره أنه توجد منه مخطوطات في مزاب: دراسات عن الإباضية ص122 الهامش 04.
[138]) خميس بن سعيد الشقصي الرستاقي، توفي في القرن الحادي عشر الهجري جـ05 ص190.
[139]) زكاة الأنعام، مكتبة الاستقامة، عمان 1423هـ – 203، ص229-230.
[140]) طبع في 17 مجلدا.
[141]) رئيس اللجنة العليا لمراجعة القوانين الوضعية وتعديلها بما يتفق مع أحكام الشريعة الإسلامية بليبيا. انظر: شرح النيل، مكتبة الإرشاد، جدة، 1392هـ/ 1972م، ص16، وطبع الطبعة الثالثة سنة 1400هـ/ 1985م.
[142]) دراسات ص145.
[143]) طبعت بالمطبعة العربية، غرداية، 1988 في جزأين ، رتبها وخرجها وقدمها الشيخ بكير محمد الشيخ بلحاج، أستاذ بمعهد الحياة بالقرارة، ولاية غرداية، الجزائر.
[144]) مقدمة الفتاوى، جـ1، ص12.
[145]) الفتاوى جـ2، ص616، وإن كانت موجودة في مكتبة الشيخ أطفيش، والشيخ الحاج صالح بن عمر نسخ منه ولكنه يتعذر عليه الانتقال إليها، ص116.
[146]) الفتاوى، جـ2، ص364.
[147]) الفتاوى، جـ1، ص17 ،22.
[148]) الفتاوى، جـ1، ص172.
[149]) الفتاوى، جـ1، ص175.
[150]) الفتاوى، جـ1، ص111.
[151]) الفتاوى، جـ1، ص67.
[152]) الفتاوى، جـ1، ص114.
[153]) الفتاوى، جـ1، ص115.
[154]) الفتاوى، جـ1، ص9 .
[155]) الفتاوى المقدمة، جـ1، ص9.
[156]) الفتاوى، جـ2،ص6-56.
[157]) ويصفه بالشيخ الجليل.
[158]) الفتاوى، جـ2، ص622.
[159]) الفتاوى، جـ1، ص126- 127.
[160]) الفتاوى، جـ1، ص127.
[161]) الفتاوى، جـ1، ص134.
[162]) الفتاوى، جـ1، ص143.
[163]) الفتاوى، جـ1، ص150.
[164]) الفتاوى، جـ1، ص120.
[165]) الفتاوى، جـ1، ص121.
[166]) الفتاوى، جـ2، ص406-409-410.
[167]) الفتاوى، جـ2، ص378 انظر: تعليق عبد الرحمان بكلي على النيل ج2 ص324.
[168]) الفتاوى، جـ2، ص353.
[169]) الفتاوى، جـ2، ص351.
[170]) الفتاوى، جـ2، ص426 -427.
[171]) الفتاوى، جـ1، ص75-77.
[172]) الفتاوى، جـ1، ص86-87/ 101 كما حفظناه عن شيوخنا.
[173]) الفتاوى، جـ1، ص99.
[174]) الفتاوى، جـ1، ص100.
[175]) الفتاوى، جـ1، ص116-117/ 167.
[176]) الفتاوى، جـ1، ص280-283.
[177]) الفتاوى، جـ1، ص315-324-326.
[178]) الفتاوى، جـ1، ص330-331.
[179]) الفتاوى، جـ2، ص470.
[180]) الفتاوى، جـ2، ص470.
[181]) الفتاوى، جـ1، ص273، وهذه الفتوى تبدأ من ص269-274 بتاريخ 11 شعبان 1391 هـ/ 08 أكتوبر 1972م.
[182]) في رسالة كتبها إلى وزير التعليم الأصلي والشؤون الدينية الأستاذ مولود قاسم بتاريخ 22 رمضان 1392هـ/ 30 أكتوبر 1972م. الفتاوى، جـ1، ص274-276.
[183]) الفتاوى، جـ1، ص219-221، 224.
[184]) الفتاوى، جـ1، ص237، 231.
[185]) الفتاوى، جـ1، ص236.
[186]) الفتاوى، جـ1، ص238-249.
[187]) الفتاوى، جـ1، ص251.
[188]) الفتاوى، جـ1، ص261.
[189]) الفتاوى، جـ1، ص256.
[190]) الفتاوى، جـ2، ص719.
[191]) الفتاوى، جـ2، ص732.
[192]) الفتاوى، جـ1، ص733.
[193]) الفتاوى، جـ1، ص657.
[194]) الفتاوى، جـ2، ص697.
[195]) الفتاوى، جـ2، ص737.
[196]) الفتاوى، جـ2، ص735-736، وكذلك القول في الراديو الفتاوى، جـ2، ص738.
[197]) الفتاوى، جـ2، ص739-740.
[198]) معجم أعلام الإباضية ط 2، دار الغرب الإسلامي، بيروت ، 1420هـ/ 1999م جـ2، ص249 -252.
[199]) مقدمة فتاوى البكري، مكتبة البكري 1424هـ 2003م جـ1 صث.
[200]) النيل تحقيق عبد الرحمن بكلي ط 2 1387هـ/ 1967م،جـ 1 ص03 (المقدمة) وقد أهداه إلي بخط يده – رحمه الله-.
[201]) النيل, ص02.
[202]) النيل, ص02.
[203]) الفتاوى، جـ04 ص103.
[204]) الفتاوى، جـ04 ص161.
[205]) الفتاوى، جـ2، ص200-201 انظر: 163/ 183.
[206]) العدد السادس السنة الخامسة أفريل- ماي 1980م.
[207]) الفتاوى، جـ2، ص167.
[208]) الفتاوى، جـ2، ص201.
[209]) النيل، جـ1، ص136. وهو المعيار الذي تعتبره الدول في ذلك الوقت.
[210]) الفتاوى، جـ3، ص12-13.
[211]) الفتاوى، جـ3، ص28.
[212]) الفتاوى، جـ3، ص29 انظر: تعليله لذلك كله من ص28-30.
[213]) الفتاوى، جـ3، ص31.
[214]) الفتاوى، جـ3، ص31.
[215]) انظر: تعليقه في النيل ج01 ص172.
[216]) الفتاوى، جـ3، ص20- 21 يراجع تفصيله لذلك كله.
[217]) الفتاوى، جـ3، ص44-51.
[218]) انظر: استناده إلى آراء أحمد مصطفى الزرقاء، ومحمد البهي، وأحمد طه السنوسي، وعبد الرحمن بن عيسى، ومحمد يوسف موسى. الفتاوى، جـ3، ص72-73.
[219]) الفتاوى، جـ04 ص117-118.
[220]) فتاوى الشيخ بيوض، جـ2، ص697.
[221]) بكلي: الفتاوى، جـ04 ص113.
[222]) الفتاوى، جـ04 ص113/ 149.
[223]) الفتاوى، جـ1، ص181.
[224]) الفتاوى، جـ1، ص189.
[225]) الفتاوى، جـ2، ص20-23.
[226]) الفتاوى، جـ2، ص23-32.
227]) الفتاوى، جـ2، ص149-150 وقد علق على النيل ورأى  أن يكون القضاء متفرقا تيسيرا على الناس، النيل، جـ1، ص172.
[228]) الفتاوى، جـ3، ص162-163.
[229]) الفتاوى، جـ3، ص163.
[230]) النيل، جـ3، ص1082.
[231]) طبع مكتبة الاستقامة، سلطنة عمان 1423هـ 2003م.
[232]) زكاة الأنعام، ص244، وهو كتاب في الفقه المقارن مهم لإحاطته بالموضوع، طلبه منه الشيخ عجيل جاسم النشمي، رئيس الهيئة
الشرعية العالمية للزكاة، ص05.
[233]) الإيضاح، جـ2، ص24.
[234]) شرح النيل، جـ3، ص32.
[235]) زكاة الأنعام، ص229، معارج الآمال جـ16 ص109.
[236]) زكاة الأنعام، ص333.
[237]) زكاة الأنعام، ص61.
[238]) الفتاوى، الكتاب الرابع، الأجيال، مسقط سلطنة عمان، 1424هـ 2004م ص16-17.
[239]) رواه الربيع في المسند(667)وأحمد والترمذي.
[240]) الفتاوى، ص150-151.
[241]) الفتاوى، ص55.
[242]) الفتاوى، ص356.
[243]) الفتاوى، ص10.
[244]) فتاوى المعاملات، الأجيال، 1423هـ/ 2003م ص23-24.
[245]) فتاوى المعاملات، ص24.
[246]) فتاوى المعاملات، ص27.
[247]) فتاوى المعاملات، ص163-165.

 

* ندوة تطور العلوم الفقهية فِي عُمان التقنين والتجديد فِي الفقه الإسلامي المعاصرة.

المنعقدة خلال الفترة: (28-2) ربيع الثاني 1429هـ/ ( 5-8) إبريل 2008م

هذه المقالة تحتوي على لا تعليق

أكتب تعليقك هنا

نرجو أن تضع المادة أسفله
الإسم
إيميل
موقع
تعليقك