الاختلاف الفقهي ووظائفه في الاجتهادات الحديثة

الاختلاف الفقهي

ووظائفه في الاجتهادات الحديثة*

إعداد: أ. د. محمد سعيد رمضان البوطي

 

تقديـــــــم

الحمد لله الذي بنعمته تتمُّ الصالحات، والصلاة والسلام على سيدنا مُـحَمَّد النَّبِيّ الأميّ، وعلى آله وصحبه أجمعين.

وبعد: فإن هذا البحث يتفرَّع -كما يبدو من عنوانه- إلى شطرين اثنين:

أحدهما: الاختلافات الفقهية. ويتضمن مسألتين: الأولى: بيان مشروعية الخلافات الفقهية، والثانية: بيان المنهج الذي شاءه الله تعالى موجباً لهذه الاختلافات.

ثانيهما: وظائف الاختلافات الفقهية في هذا العصر. وهي متنوعة وسألفت النظر إليها مبيناً أثر هذه الوظائف في تحقيق مقاصد الشريعة الإسلامية.

*  *  *

أولاً: مدى مشروعية الخلافات الفقهية:

في الناس اليوم من ينظر إلى واقع الخلافات الفقهية على أَنَّهُ ثغرة تعيب بنيان الفقه الإسلامي. ومِن ثَمَّ تشير إلى أَنَّهُ ليس إِلاَّ مجموعة أفكار بشرية تكوّن منها نسيج متلائم، وليس وحياً منزلاً من عند الله U. وقد كان المستشرق الألماني “شاخت” في مقدمة من قرَّر ذلك، متخذاً من الاختلافات الفقهية أقوى دليل عليه.

غير أن الحقيقة التي ما ينبغي أن تغيب عن بال المتأمل المتحرر عن الأسبقيات الفكرية والعصبية، هي أن الاختلافات الفقهية التي أفرزتها اجتهادات العلماء الذين شهد لهم تاريخ التشريع الإسلامي بعمق الدراية مع صدق الالتزام الديني والإخلاص لله في القصد، إِنَّمَا هي ثمرة نهج شاء الله أن ينضبط به كل من المصدرين الأساسيين للشريعة الإسلامية: القرآن، والسنة.

ومِن ثَمَّ فإن انتهاء المجتهدين إلى الاختلاف في بعض أحكامها، قرار قضى به المشرِّع ـ جل جلاله ـ لا اختيار للفقهاء في انتهائهم إليه، أو في ابتعادهم عنه. والحكمة من هذا القرار الرباني أن تتعدد وجوه الأحكام المنوطة بالمصالح المتطوِّرة، بقدر تطورها ما بين زمان وآخر، بل بين مكان وآخر أيضاً.

فما هو النهج الذي شاءه الله ـ تبارك وتعالى ـ موجباً للاختلاف عند استنباط الأحكام الفقهية من مصدريها القرآن والسنة؟

يتمثَّل هذا النهج في نوافذ متعددة، من أبرزها وأشملها خطاب الشارع عباده بصياغة محتملة لكثير من النصوص، بدلاً من أن يخاطبهم بصياغة قاطعة محكمة. وهو الأمر الذي يعطي السمة الشرعية لاستنباط الأوجه المحتملة من النص، ومِن ثَمَّ تسري الشرعية إلى تلك الوجوه المتعددة مهما اختلف بعضها عن بعض، لا يشترط لشرعيتها إِلاَّ صحَّة الاحتمال في ميزان اللغة العربية وقواعد تفسير النصوص، وتوافر القدرة العلمية على معرفة الاحتمال الأقرب والأكثر انسجاماً مع تلك القواعد.

ثُمَّ إن الدلائل توافرت على أن الاحتمال الذي هدي إليه المجتهد في فهم النص ذي الاحتمالات المتعددة، هو الحكم الذي خوطب به ذلك المجتهد من قبل الشارع جلّ جلاله، ولا يعود بالنقض على ذلك تعارض الاحتمالات الراجحة عند المجتهدين، سواء قلنا بمذهب المصوّبين أو المخطّئين؛ لأَنَّ الكل مثاب على اجتهاده، ولأن كلاً منهم مكلف بالعمل طبق ما هداه إليه اجتهاده.

ومن أبرز ما يَدُلُّ على هذا حديث رسول الله المتفق عليه: «إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد فأخطأ فله أجر واحد»، فإن قلنا برأي المصوّبة فالاجتهادات المتخالفة كُلّها هي الْـحَقّ الثابت في علم الله، والواجب اتباعه على من هداه اجتهاده إليه، وإن قلنا برأي المخطئة (وهذا الحديث حجة لهم) فالحق المقرر في علم الله من بين تلك الاجتهادات واحد. ولكن يغني عنه اتباع ما ظنه المجتهد هو الْـحَقّ في علم الله عز وجل.

إذن فالاختلافات الفقهية وظيفة أقام الله أهل العلم من عباده عليها، رعاية لمصالح العباد، وسيراً مع احتياجاتهم الفطرية المتطورة، وليست من مفرزات أفكارهم الداخلية. وقد علمنا أن من أبرز السبل إلى تلك الاختلافات، خطاب الشارع عباده بصياغات محتملة بالنسبة للنصوص المتضمنة أحكاماً منوطة بمصالح متطورة.

ولنقف على بعض النماذج التي تبرز هذه الحقيقة في تلك النصوص التي اقتضت المصلحة أن تكون محتملة لأكثر من معنى واحد، في القرآن أو السنة.

يقول الله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾.

هذا الجزء من الآية (233 في سورة البقرة) تتضمن بيان حكمين اثنين: أحدهما: جاء ضمن صياغة محتمِلة وهو حكم الرضاع، والثاني: جاء ضمن صياغة قاطعة محكمة غير محتملة، وهو حكم الإنفاق على الزوجة.

أما الحكم الأَوَّل: فهو ما تضمنه قول الله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ إن هذه الجملة خبرية فيما هو واضح، وليست إنشائية. ومِن ثَمَّ فهي تحتمل أن تفسّر بمعناها الظاهر الحقيقي، وهو أن الرضاع حق للأم، فلا يجوز للزوج اختيار مرضع لطفله منها، إلا بعد مشورتها ورضاها. وتحتمل أن تكون إخباراً في الشكل إنشاءً في المعنى. ويكون معناها إذن: وعلى الوالدات إرضاع أولادهن.

إن المهم أن نعلم أن الشارع أراد أن يتوازع هذان الاحتمالان اجتهادات المجتهدين في فهم المعنى المراد من هذه الجملة، توخياً للمصلحة التي قد تختلف ما بين مجتمع وآخر، أو زمن وآخر، ولولا ذلك لجاء التعبير عن حكم الرضاع كالتعبير عن حكم الإنفاق على الزوجة، إذ لا يوجد – إن أسقطنا هذه الحكمة – موجب لاختلاف التعبير في جملتين متجاورتين يتضمنان حكمين يفترض أنهما من نوع واحد، بحيث تأتي الأولى إخباراً وتأتي الثاني إنشاءً.

وَإِنَّمَا جاءت الجملة الثانية ذات دلالة قاطعة خلافاً للأولى؛ لأَنَّ الحكم الذي تتضمنه؛ وهو وجوب إنفاق الزوج على الزوجة تابع لمصلحة لا تتبدّل مع الزمن ولا تختلف ما بين صقع وآخر.

ولذلك أجمع الفقهاء على وجوب نفقة الزوجة على الزوج في كل الأزمنة وفي سائر الأحوال، واختلفوا في حكم رضاع الأم لوليدها؛ أهو الوجوب من حيث هو حق عليها، أم هو الإباحة من حيث هو حق لها؟ فذهب المالكية إلى أن قوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ…﴾ من قبيل المجمل، إذ يحتمل أن يكون إخباراً بمعنى الإنشاء، فيكون المعنى: الرضاع واجب عليها، ويحتمل أن يكون إخباراً في الظاهر والمراد، فيكون المعنى: الرضاع حق لها. وكلا الاحتمالين متساويان. وَإِنَّمَا يرفع الإجمال عن الجملة في هذه الحال، العرف الدارج في مجتمع الزوجة وبلدها. فإن ألزمها العرف بالرضاع كان الرضاع واجباً عليها، وإن لم يلزمها العرف به كان الرضاع فيما تدل عليه الآية حقاً مباحاً لها. فهذا ما ذهب إليه المالكية.

وذهب الشافعية والحنفية والحنابلة إلى أن الآية ظاهرة في كونها إخباراً، فيؤخذ بظاهر ما تدلّ عليه، وهو أن الرضاع حق ثابت للزوجة، فلا يجوز للزوج أن يستقدم مرضعاً لوليدها إِلاَّ برضاها([1]).

فهذا الخلاف في الحكم إِنَّمَا تسبب عن الصياغة التي تميزت بها هذه الفقرة من الآية. وقد علمنا أن مصدر هذه الصياغة إِنَّمَا هو الوحي الإلهي. فمصدر الاختلاف في معناها إذن، هو الوحي وليس فكر المجتهدين.

ربما قال بعضهم: إن مصدر الاختلاف في الأحكام الفقهية ليس محصوراً في النص وصياغته المحتملة، بل هناك مصادر أخرى له. كالدور الذي يلعبه العرف، والمصالح المرسلة، وسد الذرائع في بعث أسباب الاختلاف.

إلا أن الحقيقة ليست كما يقول أولئك البعض، بل الْـحَقّ أن النص وحده هو مصدر كُلّ ما هو متفق عليه وما هو محلّ اختلاف، فإما أن يكون ذلك بصياغته، كالمثال الذي ذكرناه، أو بإحالته على شيء من المصادر الفرعية. فقيمة العرف في الدور الشرعي الذي يلعبه إِنَّمَا انبثقت من إحالة النص عليه، كذلك القياس وما يسمى بالمصالح المرسلة وسد الذرائع ونحوها.

فإذا كان أي من هذه المصادر الفرعية محكماً في الشريعة الإسلامية؛ فذلك لأَنَّ نصًّا، بل نصوصاً، من القرآن أو السنة أحال إليه وأمر بالاعتماد عليه.

ولنستحضر من ذلك مثلاً يبرز هذه الحقيقة.

يقول الله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: 199]، ويقول U: ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ [آل عمران: 104]. والعرف والمعروف ما تعارف عليه الناس في بلد ما، من أنواع السلوك الفعلية أو المصطلحات القولية. إذن فاتباع العرف أو المعروف السائد في المجتمع مطلوب بصريح النص القرآني، ما لم يكن مخالفاً لحكم شرعي دل عليه صريح نص في كتاب الله أو في سنة رسول الله e.

ونظراً إلى أن الأعراف كانت ولا تزال تتبدل ما بين عصر وآخر، وتختلف ما بين مجتمع ومجتمع آخر، فهو إذن مصدر للاختلاف في الحكم الذي ينبغي أن يكون تابعاً له، ولكن شرعية الاختلاف آتية من النص الذي يدعو إلى تحكيم العرف.

ونقول على سبيل المثال أيضاً: شرط الشارع لصحة الشهادة في القضاء أن يكون الشاهد عدلاً، أي غير مختلّ المروءة، وأحال ميزان ذلك إلى عادة الناس في كل قطر وبلد. وجعلها هي المحكّمة في ضوابط المروءة وما يخدشها، بعد تجاوز المبدأ الأساسي وهو أن لا يكون الشاهد قد ارتكب كبيرة، وأن لا يكون ملازماً لصغيرة.

واشترط الشارع قبض المبيع قبل أن يبيعه المشتري، وجعل العرف الدارج هو المحكّم فيما يعدّ قبضاً. وهو كما نعلم يتبدل ما بين عصر وآخر، ويختلف ما بين صقع وغيره.

وشرع توثيق العقود مع اختلاف وسائل التوثيق عرفاً، تحت سلطان الأزمنة الممتدة والأمكنة المختلفة.

وفرّق الشارع بين الصريح والكناية من ألفاظ الطلاق في حكم وقوع الطلاق بهما، وترك عادة الناس في اصطلاحاتهم هي المحكّمة في ذلك.

وشرع خيار العيب في المبيع، وترك عرف الناس هو المحكم في حدّ العيب وضبطه.

ولا شك أن هذه الأعراف كلها خاضعة للتبدل، ومِن ثَمَّ فإن الحكم المنوط بها يتبعها في ذلك. وربما وصل الخلاف في كثير منها إلى إحلال النقيض من ذلك محل النقيض.

يقول الشاطبي في موافقاته: “والأعراف المتبدلة منها ما يكون متبدلاً في العادة من حسن إلى قبيح وبالعكس. مثل كشف الرأس، فَإِنَّهُ يختلف حسب البقاع في الواقع، فهو لذوي المروءات قبيح في البلاد المشرقية، وغير قبيح في البلاد المغربية. فالحكم الشرعي يختلف باختلاف ذلك. فيكون عند أهل المشرق قادحاً في العدالة، وعند أهل المغرب غير قادح”([2]).

وما نقوله عن العرف، هو الذي ينبغي أن يقال عن القياس والاستصلاح وسد الذرائع ونحوها، كل ذلك مبعث للاجتهاد في استنباط الأحكام منها، والاجتهاد يستوجب الخلاف. غير أن شرعية الخلاف فيها آتية من النصوص الآمرة بتحكيمها.

*  *  *

 

ثانياً: وظائف هذه الاختلافات:

ولنتساءل الآن: ما هي وظائف الاختلافات التي تستوجبها النصوص، بالنسبة للظروف الحديثة ومواقف العلماء منها؟

نعيد هنا إلى الذاكرة ما هو معروف من أن الاجتهاد عند ذويه (بعد ضرورة التبصر بقواعد تفسير النصوص) لا يعدو، مهما تنوع، أن يكون سعياً إلى تخريج مناط الحكم، أو تنقيحه، أو تحقيقه.

أما تخريج المناط: فهو العمل على استخراج علة الحكم.

وأما تنقيحه: فهو العمل على تنقية العلة من الشوائب التي قد تقترن بها فتوهم أنها جزء من العلة، وهي ليست كذلك، كي تصفّى العلة من تلك الشوائب التي تسربت إليها وعلقت بها. وليس لنا شأن في هذا المقام بهذين الاجتهادين.

وأما تحقيق المناط: فهو العمل على إسقاط الحكم على وقائعه وأحداثه الكثيرة. وهو المجال الذي تدخل فيه وظائف الاختلافات الفقهية، فيما ينبغي أن ينهض به العلماء ذوو الاجتهادات الحديثة.

إن الاختلافات الفقهية لم تنشأ – كما أوضحت – في فراغ، ولم تنبعث من دواع مزاجية، وَإِنَّمَا نشأت من الاختلاف في مناط الأحكام أو صيغ النصوص، وهي في مجملها تأخذ شرعيتها -كما قلنا-من مصدري القرآن والسنة.

ووظيفة المجتهد اليوم أمام ذخر هذه الاختلافات، أن ينتقي الأنسب منها؛ لتحقيق حاجة العصر، فيسقطه عليها. ومظهر الاجتهاد في هذا العمل يتمثل في أن الفقيه لا يحق له أن يلتقط من ذخر الاختلافات الفقهية ما يشاء اعتباطاً أو لرغبة مزاجية، أو مصانعة لجهة ما، بل يجب أن يتبع في ذلك المنهج الذي يحقق الحكمة من وجود هذه المسائل الخلافية ومشروعية الخلاف فيها، وهي مراعاة مصالح الأمة المطوية في مقاصد الشريعة الإسلامية.

ويتلخص المنهج الذي يجب اتباعه فيما يلي:

-أما الخلافات الناتجة من تبدل الأعراف والمصالح، وتطور الذرائع انفتاحاً وانغلاقاً, فيجب اعتماد ما يتفق منها مع العرف الدارج في ذلك المجتمع، أو ذلك العصر، في كل ما كان سبب الخلاف فيه تبدل العرف. ويجب اعتماد ما تقتضيه المصلحة المنضبطة بسلم المقاصد الشرعية مقيدة بترتيبها المعتمد، في كل ما كان سبب الاختلاف فيه الاستصلاح. ويجب اعتماد ما تقتضيه حال الذرائع انفتاحاً وانغلاقاً، إلى ما هو واجب أو إلى ما هو مندوب أو محرم.

– وأما الخلافات الناتجة عن الاحتمالات الواردة للمعنى المراد بالنص، بسبب كون الصيغة محتملة وليست قاطعة الدلالة، فينبغي للمجتهد أن يختار من الأقوال الواردة فيها ما هو الأكثر رعاية لمقاصد الشريعة الإسلامية الخمسة، مع الانضباط بترتيبها الذي هو محل إجماع من علماء المسلمين عامة، ومع الانضباط بالدرجات الثلاثية لكل منها، وهي الضروريات، فالحاجيات، فالتحسينيات.

والذي أعنيه من هذا البيان أن وجود خلاف في تفسير نصٍّ ما في القرآن أو السنة، لا يبرر للمجتهد أن يغمض العين عن هذه الضوابط التي هي مادة الاجتهاد ومعناه، ليفتي بواحد من الآراء الخلافية في تفسير ذلك النص اعتباطاً، أو بدافع هوى أو مصلحة شخصية تتحكم بنفسه.

إن وجود أقوال متعددة في مسألة ما أمام بصيرة المجتهد، ليس إِلاَّ خيارات موضوعة أمامه تقتضيه مهمته الاجتهادية أن ينتقي منها ما هو الأكثر انسجاماً مع مقاصد الشريعة الإسلامية، ضمن سلم الأولويات المعتمدة والمتفق عليها.

ولنذكر بعض الأمثلة التطبيقية على ذلك:

1-قرر جمهور الفقهاء أن التزام الآمر بالشراء في بيع المرابحة غير ملزِم له قضائياً. أي بوسعه أن يَعِدَ بالشراء ثم يمتنع عن الوفاء بما وعد به. وذهب المالكية (أو جمهورهم) إلى أن التزام الآمر بالشراء، ملزم له قضائياً.

وأساس الخلاف ومصدره النظر في الزمان الذي يتعلق به كل من الصدق والكذب، أيتعلقان بالمستقبل، كما يتعلقان بالزمن الماضي والحال، أم يخصّان الماضي والحال؟

ذهب الجمهور إلى أن الصدق والكذب مناطهما الزمن الماضي والحال، أما المستقبل فلا يتعلقان به؛ لأَنَّ المستقبل لم يأت بعد، فلا يتأتى الحكم على كلام يتعلق بالمستقبل أَنَّهُ صدق أو كذب، ونظراً إلى أن الوعد إنما يتعلق بالمستقبل، فلا يسري عليه معنى الصدق ولا الكذب. وربما أيّد الجمهور رأيهم هذا بما رواه أبو داود عن رسول الله e أنه قال: «إذا وعد أحدكم أخاه، وفي نيته أن يفي، فلم يف فلا شيء عليه»([3]).

ولكن القرافي نقل في فروقه تفصيلاً في هذه المسألة، فقال: “واعلم أن الفقهاء اختلفوا في الوعد هل يجب الوفاء به شرعاً أم لا؟..”، ثُمَّ نقل عن سحنون قوله: “الذي يلزم من الوعد قوله: اهدم دارك وأنا أسلفك ما تبني به، أو اخرج إلى الحجّ وأنا أسلفك، أو اشتر سلعة أو تزوج امرأة وأنا أسلفك؛ لأَنَّك أدخلته بوعدك في ذلك (أي في العمل الذي أغريته به)، أما مجرد الوعد فلا يلزم الوفاء به، بل الوفاء به من مكارم الأخلاق”، ثُمَّ نقل عن أصْبَغ كلاماً قريباً من هذا.

ثم أيّد القرافي هذا التفصيل فقال: “وحينئذ نقول: وجه الجمع بين الأدلة المتقدمة التي يقتضي بعضها الوفاء وبعضها عدم الوفاء به، أَنَّهُ إن أدخله (أي الواعد) في سبب يلزم بوعده (أي كهدم داره أو شراء متاع) لزم الوفاء به كما قال مالك وابن القاسم وسحنون .. ويحمل عدم اللزوم على خلاف ذلك“([4]).

أقول: ومن هنا قرر المالكية أن الواعد بالشراء في عقد المرابحة ملزم بتنفيذ وعده قضائياً؛ لأنه من قبيل اهدم دارك وأنا أسلفك، أو اشتر هذا المتاع وأنا أسلفك.

فما الذي تقتضيه مصلحة رعاية المال -وهو المقصد الخامس من مقاصد الشريعة الإسلامية- في ظل ما يتنامى وينتشر اليوم من المصارف الإسلامية، على ضوء هذا الخلاف الذي مرّ بيانه في عاقبة إخلال الآمر بالشراء في عقد المرابحة بالوعد الذي ألزم به نفسه؟..

مِـمَّا لا ريب فيه أن المصلحة الراهنة قاضية بالأخذ بقول المالكية في التفصيل الذي جنحوا إلى الأخذ به، والقاضي بإلزام الآمر بالشراء بالوفاء بما التزم به، وملاحقته بذلك عند النكول قضائياً.

إذ كثيراً ما يكون المصرف الإسلامي هو المأمور بالشراء، وتكون الصفقة التي يجري التعاقد عليها كبيرة وغطاؤها المالي باهظاً مرهقاً. ومِن ثَمَّ يلجأ التاجر إلى مؤسسة اقتصادية ذات قدرة عالية يوسطها لنيل هذه الصفقة عن طريق عقد المرابحة، فإذا نكث التاجر في وعده وأعرض عن تنفيذ التزامه وقعت المؤسسة من جراء ذلك في خسارة مالية فادحة قد يعسر التخلص منها.

فاقتضى المقصد الخامس من مقاصد الشريعة الإسلامية الأخذ باجتهاد المالكية في إلزام التاجر قضائياً بتنفيذ ما وعد به، مع ما يستتبع ذلك من الإجراءات المالية والعقوبات التعزيرية.

2- الشركات من حيث هي أنواع كثيرة ذكرها الفقهاء وعرّفوا كلاًّ منها. وقد وقع خلاف بين الأئمة في صحة أكثرها، واتفقوا على صحة بعض منها كشركة العنان، وما يتفرع عنها كشركة التناقص. ولكن ما من نوع منعه بعض الأئمة إِلاَّ وفي الأئمة الآخرين من قال بصحته، وجواز اعتماده والأخذ به.

وهذا يعني أن سائر تلك الأنواع جائزة وصحيحة في الجملة. فإذا كانت المصالح المستجدة تقتضي الأخذ بها، فإن ذلك يشكل دليلاً إضافياً مستجداً على صحتها. وما أظن أننا بحاجة إلى عرض هذه الأنواع والتعريف بكل منها، وبيان أقوال الأئمة فيها.

غير أن سائر تلك الأنواع من الشركات كانت تتصف بالمحدودية، إذ كان التعاقد فيها يتم بين شركاء معدودين متعارفين. أما اليوم فقد جدّت شركات حديثه، وإن أبرز ما يميز الشركات الحديثة عن الشركات القديمة أن كثيراً منها يقوم اليوم على التلاقي الجماعي الواسع بين عدد كبير من الشركاء الذين لا يكاد يعرف الواحد منهم الآخر. ونعني بها الشركات المساهمة التي يكون رأس مالها مجموعة أسهم تطرح للبيع بشكل اكتتاب عام في الغالب، ولا يكون المساهم فيها معنيّاً إِلاَّ بأسهمه، ولا يتحمل مسؤولية إِلاَّ عنها. فهي تمتاز عن الشركات القديمة بظاهرتين اثنتين:

أولاهما: الشمول الذي يفقد الشريك في الغالب القدرة على التعرف على بقية الشركاء.

ثانيهما: أن أسهم هذه الشركات تعد بمثابة أوراق نقدية يجري التداول بها في الأسواق المالية. ومِن ثَمَّ يتبدل الشركاء باستمرار دون علم الآخرين منهم بذلك.

فدور الاجتهاد الحديث أمام الشركات القديمة المختلف في أحكامها، النظر في إمكان قياس شركات المساهمة وسائر الشركات الحديثة عليها، ثم إخضاعها جميعاً لما تقتضيه المصالح الاقتصادية المنضبطة بأحكام الشريعة الإسلامية ومقاصد الشارع جل جلاله.

والذي أراه أن الشركات المساهمة هذه إن خلت أصول التعامل فيها من المحرمات المتفق على حرمتها، فإن جهالة الشركاء بعضهم لبعض لا تشكل موجباً شرعياً بحد ذاته لبطلانها. كما أن طرح أسهم هذه الشركات في أسواق التداول وإخضاعها لعمليات البيع والشراء، لا يشكل هو الآخر بحدّ ذاته سبباً لبطلانها، بشرط أن يكون هبوط وارتفاع قيمتها تابعين لهبوط وارتفاع قيمة السلع والبضائع والأجهزة التي تقوّم الأسهم بها، أي بشرط أن لا يكون ربح التداول بالأسهم نتيجة الخصم الربوي الذي تدور غالباً على محوره أسواق الأوراق المالية، أو نتيجة أنواع أخرى من التلاعب المعروف في هذه الأسواق اليوم.

والقول في سائر الشركات الحديثة، كشركة التضامن، وشركة التوصية البسيطة، وشركة التوصية بالأسهم، وشركة المحاصّة، والشركة المتناقصة، ينبغي أن يكون كالقول في الشركة المساهمة، بكل أشكالها، دليل ذلك أن الأصل في المعاملات الإباحة، ما لم يثبت الدليل على تحريمها، لاسيما وإن الشركات الحديثة ترجع من حيث التكييف الفقهي إلى شركة العنان غالباً، أو إلى أي من الشركات الأخرى التي جرى الخلاف فيها. ونظراً إلى ما قلناه من أنه ما من واحدة من تلك الشركات حرّمها بعض الأئمة، إلا وفي الأئمة الآخرين من قال بصحتها، فإذا لاحظنا ظروف العصر والحاجة الاقتصادية إلى اعتمادها، فإن هذا يشكل دليلاً آخر مستجداً على صحتها، كما سبق أن قلنا.

3- ومن الأمثلة الجديرة بالذكر هنا، بيع العينة. وأصح ما قيل في معناه أن يبيع الرجل سلعة لآخر بمائة إلى أجل، ويقبض المشتري السلعة، ثم يعود البائع فيشتريها منه، بأقل من ذلك الثمن نقدا.

ذهب الشافعية والظاهرية إلى صحته وجوازه، واتفق الحنابلة والحنفية والمالكية على حُرمته، وأساس الحرمة فيما ذهب إليه هؤلاء ما رواه الإمام أحمد من حديث عبد الله بن عمر أن رسول الله e قال: «إذا ضن الناس بالدينار والدرهم، وتبايعوا بالعينة واتبعوا أذناب البقر، وتركوا الجهاد في سبيل الله أنزل الله بهم بلاء لا يرفعه عنهم حتى يراجعوا دينهم».

قال المنذري: في إسناده إسحاق بن أسيد الخراساني، لا يحتجّ به. وفيه أيضاً عطاء الخراساني فيه مقال، وأعله الحافظ ابن حجر؛ لأن فيه الأعمش وهو مدلِّس.

ولعلهم استدلوا أيضاً بما رواه الدارقطني من حديث عالية بنت أنفع أنها دخلت مع امرأة على عائشة فسألتها المرأة عن بيع باعته من زيد بن أرقم بكذا وكذا إلى العطاء. ثم اشترته منه بأقل من ذلك نقداً. فقالت عائشة: “بئس ما اشتريت، وبئس ما بعت، أخبري زيد بن أرقم أن الله قد أبطل جهاده مع رسول الله e إلا أن يتوب”.

فأما الحديث الأول فلم يثبته الإمام الشافعي لما قيل في تخريجه مِمَّا سبق ذكره، وأما هذا الحديث الثاني فقد ذكره الشافعي في الأم وأنكر صحته، وقال لا يثبت مثله عن عائشة والمرأة التي روت عنها مجهولة، وقال مثل ذلك الدارقطني أيضاً.

وقال الشافعي: “قد تكون عائشة (لو كان هذا ثابتاً عنها) عابت عليها بيعاً إلى العطاء؛ لأَنَّه أجل غير معلوم، وهذا مِمَّا لا نجيزه، لا أَنَّهَا عابت عليها ما اشترت منه بنقد، وقد باعته إلى أجل” .. ثم قال: “إنا لا نثبت مثله على عائشة، مع أن زيد بن أرقم لا يبيع إِلاَّ ما يراه حلالاً، ولا يبتاع إِلاَّ مثله. فلو أن رجلاً باع شيئاً أو ابتاعه نحن نراه محرماً وهو يراه حلالاً، لم نزعم أن الله يحبط من عمله شيئاً”.

ثم إن الشافعي ناقش من يحرم أو يبطل هذا البيع بحجج سليمة لا يتأتى إبطالها أو التهوين منها([5]).

ولعل أقوى ما استدل به المانعون أَنَّهُ من الذرائع إلى المعاملات الربوية.

فدور الاجتهاد الحديث في هذه المسألة الخلافية، ينبغي أن يدور على محور المصالح المالية المعاصرة، والخدمات المصرفية التي ينبغي إخضاعها للضوابط الشرعية. فإن اقتضى كل منهما اللجوء إلى هذا البيع، فإن فيما ذهب إليه الشافعي وأصحابه من ذلك، مدعوماً بأدلة شرعية لا مجال للتهوين منها، حجة يحتج بها المجتهد اليوم، بالإضافة إلى دليل المصلحة المعاصرة.

وإنه لعجيب من واضعي “المعايير الشرعية” أن ينظروا إلى بيع العينة على أنه عقد مجمع على حرمته وبطلانه؛ لأَنَّ فيه رائحة ربا، دون أي التفاتة إلى اجتهاد الشافعية والحجج التي أوردوها دليلاًَ على مشروعيته وصحته. هذا في الوقت الذي أفتوا فيه بجواز أخذ العمولة والرسوم على بطاقات الائتمان دون أن يشموا في ذلك شيئاً من رائحة الربا، وأفتوا بجواز امتلاك البائع أو المؤجر (العربون) إذا فسخ المشتري أو المستأجر العقد، دون أن يشموا في ذلك رائحة استلاب للمال الباطل، مستدلين على ذلك بما ظنوه دليلاً لهم في مذهب الحنابلة([6]).

وإذ قد ساقتنا المناسبة إلى ذكر مسألة العربون هذه، ينبغي أن نمحِّص القول فيها.

*- هل مسألة العربون من الخلافيات التي يمكن توظيفها في الاجتهادات المعاصرة:

أولاً: محل البحث في هذه المسألة أن يشترط البائع على المشتري دفع جزء من الثمن بين يدي عقد البيع، على أن العقد إن تم فهو جزء من الثمن، وإن فسخ المشتري العقد تملكه البائع ولم يعد للمشتري من حق فيه. فهذا ما لا نعلم خلافاً في بطلانه.

ثانياً: ما لا علاقة له بهذه المسألة، محل البحث، أن يتبرع المشتري فيقول بين يدي عقد البيع: خذ هذا المبلغ جزءاً من الثمن فإن تم العقد فهو جزء منه، وإن نكلتُ أو فسختُ فهو لك .. فهذا كقول المقترض عند تسديد ما عليه، خذ هذه الزيادة، فقد طابت لك به نفسي.. وكقول المكفول لكفيله في معاملة ما، وقد أكرمه بصلة من المال: خذ هذا المبلغ جزاء لك على ما قدّمت لي من عون، فقد طابت به نفسي لك. وقد علمنا أن اشتراط الأجر في عقد الكفالة غير جائز.

إن من المعلوم أن لكل من البائع والمقرض والكفيل أخْذُ هذه الصلة المالية، وَأَنَّهُ يتملكها بطريقة مشروعة، لا نعلم في ذلك خلافاً قط.

فذهب بعض أصحاب الاجتهادات الحديثة إلى صحة المسألة الأولى التي لا نعلم خلافاً في بطلانها، مستدلين عليها بالمسألة الثانية التي لا نعلم خلافاً في صحَّتها.

قال قائلهم: إن أخذ العربون امتلاك جائز، ودليله أن نافعاً بن عبد الحارث اشترى لعمر بن الخطاب داراً للسجن من صفوان بن أمية، وقال له نافع: إن رضي عمر بالشراء فذاك، أي فهو جزء من الثمن، وَإِلاَّ فله – أي لصفوان – من ثمنها كذا وكذا. وأن الإمام أحمد قال بجواز امتلاكه، ومثّل له ابن قدامه في المغني بأن “يشتري الرجل شيئاً ويعطي البائع درهماً، ويقول: إن أخذته، وإلاً فالدرهم لك”([7]).

أقول: إن هذا الدليل الذي هو محل إجماع على صحته، لا علاقة له بالمدلول، أي المدّعى الذي هو محلّ إجماع على حرمته. فإن للمشتري أن يلتزم للبائع – وقد نقده جزء الثمن أو كله – بأن يهبه ذلك إن نكل وألغى عقد الشراء، ما لم يلزمه بذلك البائع عند العقد، ويجعله شرطاً في صلب العقد.

*  *  *

 

الخاتمة

ولعل خير ما أختم به هذا البحث. أن أذكِّر بما هو معلوم من أن المسائل الخلافية التي يعتدّ بالخلاف فيها، هي ما كان مَدْركُ الاجتهادات المختلفة فيها، خاضعاً لقواعد الاجتهاد، منسجماً مع قواعد تفسير النصوص، فلا ريب أن الآراء الشاردة عن منهج الاجتهاد والخارجة عن وجوه الاحتمالات المقبولة، في معاني النصوص وسبل تعليلها والقياس عليها، لا يجوز الأخذ بها، ولا تملك الاجتهادات الحديثة أن تحيل بطلانها إلى صحة أو ضعفها إلى قوة. ورحم الله القائل:

وليس كُلّ خلاف جــاء معــتــبــــراً           إِلاَّ خلاف له حظ مــن    الـــنــظـــر

وفي الناس اليوم من يلتقط من هذه الآراء الشاذة والشاردة عن منهج الاجتهاد وضوابطه ما قد يستجيب لهوى، أو ينسجم مع رغبة ذاتية أو مصلحة شخصية، فيفتي بها ويحقنها من أفكاره ومؤيداته بما قد يحيل ضعفها إلى قوَّة، أو بطلانها إلى صحة. وهيهات.

أسأل الله تعالى أن يمتعنا من الغيرة على دينه والإخلاص لوجهه، بما يقينا من الخضوع لأهوائنا، ويبعدنا عن الاستجابة لمصالحنا الوهمية التي لا تتفق مع مقاصد الشارع ـ جل جلاله ـ. إِنَّهُ سميع الدعاء، وإنه ولي كُلّ توفيق.


(1) انظر: تفسير القرطبي عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ …﴾، وأحكام القرآن للجصاص في تفسيره للآية ذاتها، وتفسير آيات الأحكام لابن العربي.

(2) الموافقات: 2/283-284.

(3) انظر المغني لابن قدامة: 6/266 وبدائع الصنائع: 6/123 والحاوي للماوردي: 5/279

(4) الفرق الرابع عشر بعد المائتين بين قاعدة الكذب وقاعدة الوعد. من كتاب الفروق للقرافي.

(5) الأم للشافعي: 3/116-249. طبعة دار قتيبة.

(6) انظر المعايير الشرعية لهيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية: ص24/ف4/2 و4/3 والصفحة: 121/ف2/5/6.

(7) هذا ما ذهب إليه المجمع الفقهي بجدة، في قراره ذي الرقم 72 (3/8) وهو ما أخذت به (المعايير الشرعية) كما سبق بيانه.

 

* ندوة تطور العلوم الفقهية فِي عُمان التقنين والتجديد فِي الفقه الإسلامي المعاصرة.

المنعقدة خلال الفترة: (28-2) ربيع الثاني 1429هـ/ ( 5-8) إبريل 2008م

هذه المقالة تحتوي على لا تعليق

أكتب تعليقك هنا

نرجو أن تضع المادة أسفله
الإسم
إيميل
موقع
تعليقك