سدّ باب الاجتهاد، وفتح باب الاجتهاد المعنى والدلالات

سدّ باب الاجتهاد، وفتح باب الاجتهاد

المعنى والدلالات*

إعداد: الشيخ محمد مهدي نجف

(مستشار الأمين العام للمجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية)

 

المقدمة:

الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على من بُعِثَ رحمة للعالمين مُـحَمَّد المصطفى وعلى آله الأئمة الهداة الميامين، وصحبه الذين اتبعوه بإحسان إلى يوم الدين.

وبعد؛ فقد سادت الأُمم قبل قرون الجاهلية الجهلاء، وحكمتهم النواميس المخزية، وكانت تترامى بهم أمواج الضلال، حتى ظهر من بينهم الرسول الأكرم (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) هادياً، ومبشراً، ونذيراً، حاملاً راية الهدى، هاتفاً بما فيه إصلاح البشرية، فكان القرآن الكريم تبياناً لكلّ شيء، وهو الدستور المتكفّل لأنظمه حياة الأُمم العزّ الخالد وسعادتها.

وكانت أوامر النبي الأكرم (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) ونواهيه، وأعماله بحضرة أصحابه، قاصداً بذلك تعبيد الجادة الموصلة إلى رضوان الله تعالى، كما كان تقريره لأعمال الصحابة بحضرته كالكتاب المجيد في تلكم الأهمية؛ لأنّه لا ينطق عن الهوى إن هو إلاّ وحي يوحى.

ولا يُحالف البقاء أيّ دعوة تعتمد على الاعتقاد الداخلي أو العاطفة فقط، بل لا بدّ من الالتزام العَمَلي ببعض الواجبات، ليكون دليلاً صادقاً بها على صحة الاعتقاد.

ولا يمكن أن يتمّ تنظيم شؤون الحياة على النحو الصحيح دون مبادئ رصينة، وأنظمة شاملة تضع حداً للفرد في ذاته، وفي سِرّه وعلانيته، ليعيش في أمن واستقرار.

ولَمّا كان علم الفقه يعالج الوقائع والحوادث التي ترتبط بواقع حياة الفرد بالأحكام الإلهية، وهي متغيّرة بحسب الزمان والمكان، فكان ولا بدّ من أن تُصقَل مسائِلَهُ العقول، وتُنقّح مطالبه الأفكار، ويناله التطور الذي ينال كُلّ علم من العلوم التي يكون لها هذا الشأن.

وقد ظلّ الصحابة من بعد الرسول (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) وكذا التابعون من بعدهم يستقون مسائل الشريعة من السنة النبوية الشريفة، إلاّ أن السُنّة بقيت ردحاً من الزمن بين حفظ في صدور حُفّاظها، وبين تدوين ضاع الكثير منها، ودُسّ فيها ما ليس منها.

وتكاثرت الفروع بسبب اختلاط المسلمين بغيرهم، ولم يكن لتلك الفروع نصّ جليّ فيها، فمال بعض العلماء فيها إلى الرأي والاستحسان والقياس وغيرها. حتى يمكن القول بأن أهم الموضوعات الحيّة التي تتصل بالفقه الإسلامي اتصالاً عملياً اليوم موضوع التشريع والاجتهاد والإفتاء في تلكم الفروع، وأهمية هذا الموضوع تكمن في صلاحيته لكفالة الحياة السعيدة للأمة كافة.

ولو كانت أحكام الشريعة قد أُعطيت كلّها من خلال الكتاب الكريم والسنة النبوية الشريفة ضمن صيغ وعبارات واضحة لا يشوبها أي شك أو غموض؛ لكانت عملية استخراج الحكم الشرعي منها ميسور لكثير من الناس.

لكنّها لم تُعط بهذه الصورة بل أُعطيت منثورة في المجموع الكلّي من الكتاب والسنّة الشريفة، وبصورة تفرض الحاجة إلى جُهد علمي في دراستها، والمقارنة بينها واستخراج النتائج منها.

هذا، إضافة إلى أنّ تطور الحياة يفرض عدداً كبيراً من الوقائع والحوادث المستجدة لم يرد فيها نصّ خاص جلي، فلابد من استنباط حكمها على ضوء القواعد العامة، ومجموعة ما أُعطي من أُصول وتشريعات.

ويزداد هذا الجُهد العلمي ضرورة كلّما ابتعد الشخص عن زمن صدور النصّ، وامتدّ الفاصل الزمني بينه وبين عصر البعثة بكلّ ما يحمله هذا الامتداد من مضاعفات يطول الحديث عنها، الأمر الذي يتطلّب عنايةً بالغةً في التمحيص والتدقيق.

كلّ ذلك وغيره مِمَّا لا يمكن الإشارة إليه على عجالة في هذه الورقة، مِمَّا جعل التعرّف على الحكم الشرعي في كثير من الحالات عملاً علمياً معقّداً يتطلّب جُهداً وعناءً كبيرين، وإن لم يكن كذلك في جملة من الحالات الأخرى التي يكون الحكم فيها واضحاً.

ومن هنا وجَد كلّ إنسان أنّه لا يمكن أن يتحمل بمفرده مسؤولية البحث والجهد العلمي، ولا يُتيح لـه التعمّق في كلّ تلك النواحي بالدرجة الكبيرة.

والذي استقرت عليه المجتمعات البشرية هو أن يختص عدد من الناس لكلّ مجال من مجالات المعرفة والبحث، محمّلاً لهم المسؤولية في تقدير الموقف.

ولَمّا كان الفقه الإسلامي خير صورة عملية للبشرية جمعاء، لما امتاز به من مبادئ العقيدة الصحيحة، والعبادة السليمة، والمعاملة المستقيمة التي تستهدف في الحقيقة تحقيق أغراض تهذيبية للنفوس تؤدي إلى تصحيح المعاملات، والسلوك الاجتماعي، فكان تطور علم الفقه بتطور الزمن، وتجدده بتجدد الأحداث أمراً لازماً لطبيعة موجوديته، وبنفس حيويته، وإن تمرّ به أدوار مختلفة منذ نشأته حتى اليوم.

ولم يكلّف الله -سبحانه وتعالى- كلّ إنسان بالاجتهاد، ومعاناة البحث والجُهد العلمي، من أجل التعرّف على الحكم الشرعي، بل حثّ على طلب العلم، ودراسة علوم الشريعة بقوله: ﴿فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾([1])، بل أوجبه على البعض منهم ممّن لـه القدرة على ذلك.

كما حثّ على التمسك بالعلماء والسؤال منهم بقوله تعالى: ﴿… فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾([2]).

كما وصف الرسول الكريم العلماء بأنّهم ورثة الأنبياء، في الأثر المروي عنه (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) أنّه قال: «العلماء ورثة الأنبياء»([3])، إلى غير ذلك من الأحاديث والأخبار التي يطول المقام بذكرها.

وأوضح أمير المؤمنين علي u فضل العلم وحملته بكلام له لكميل ابن زياد النخعي حيث قال: يا كميل هلك خزان الأموال وهم أحياء، والعلماء باقون ما بقي الدهر. أعيانهم مفقودة، وأمثالهم في القلوب موجودة. ها، إن ههنا لعلما جما – وأشار إلى صدره – لو أصبت له حملة، بلى أصبت لقناً([4]) غير مأمون عليه، مستعملاً آلة الدين للدنيا، ومستظهراً بنعم الله على عباده، وبحججه على أوليائه، أو منقاداً لحملة الحقّ، لا بصيرة له في أحنائه، ينقدح الشك في قلبه لأول عارض من شبهة. ألا لا ذا ولا ذاك، أو منهوماً باللذة، سلس القياد للشهوة، أو مغرماً بالجمع والادخار ليسا من رعاة الدين في شيء. أقرب شيء شبهاً بهما الأنعام السائمة، كذلك يموت العلم بموت حامليه اللهم بلى، لا تخلو الأرض من قائم لله بحجة. إما ظاهراً مشهوراً أو خائفاً مغموراً لئلا تبطل حجج الله وبيّناته. وكم ذا؟ وأين أولئك؟ أولئك والله الأقلون عدداً والأعظمون قدراً، يحفظ الله بهم حججه وبيّناته حتى يودعوها نظراءهم ويزرعوها في قلوب أشباههم، هَجَمَ بهم العلم على حقيقة البصيرة، وباشروا روح اليقين، واستلانوا ما استوعَرَه المترفون، وأنسوا بما استوحش منه الجاهلون، وصحبوا الدنيا بأبدان أرواحها معلّقة بالمحل الأعلى، أولئك خلفاء الله في أرضه والدعاة إلى دينه، آه آه شوقاً إلى رؤيتهم([5]).

لذا الحديث عن الاجتهاد يدعونا لنقف بيقظة إلى أنّه لا يقلل من شأن الأحكام، بل يعينُنا على السير في الطريق المستقيم، وهذا يدعونا للتساؤل:

لماذا أُغلق باب الاجتهاد، وكأنّ السابقين من العلماء لا مثيل لهم في عالَمنا من العلم والورع والتقى؟!.

ولماذا أغلق هذا الباب وعصرنا اختلف كلّيا عن عصور السابقين؟.

إنّ الواقع المؤلم للمسلمين الآن يدعو علماءنا للمسارعة والنهوض من الركود إلى الاجتهاد، وتخفيف العبء عنهم فيما يُستجدّ من مسائل، وما انتهت إليه من نظريات، حتى نثبت للعالم أن الإسلام صالح لكلّ زمان ومكان، وأنه النجاة إلى قيام الساعة.

وقبل الحديث عن سدّ باب الاجتهاد، وفتح باب الاجتهاد، أو إمكان الاجتهاد في المسائل الفقهية المستحدثة، أو استحالته والوقوف عند قول إمام معيّن، أولا يجوز لأحدٍ استنباط حكم شرعي دون أُُولئك القوم الّذين وقفت قافلة التشريع الإسلامي عندهم، فأصبحوا المصدر للتشريع، والمرجع الأعلى في الدين، فأُغلق باب الاجتهاد في وجوه بعض المسلمين، وبقيت مفتوحة عند البعض الآخر، يحسن بنا أن نعرف معنى الاجتهاد لغة واصطلاحاً، وأقسامه وأنواعه، ثمّ نتعرّف بعد ذلك على أهمية الاجتهاد، وأنّ سدّ بابه جمود للتشريع، ووقوف أمام تطور حياة الأُُمّة.

 

سدّ باب الاجتهاد، فتح باب الاجتهاد

المعنى والدلالات

معنى الاجتهاد:

تكلّم أهل اللغة والفقهاء والأصوليون طويلاً في معنى الاجتهاد في البحوث المتّصلة به، كما اتفق جميع فقهاء المسلمين على أن الاجتهاد مجاله الأحكام في فروع الدين مثل: أحكام العبادات، والمعاملات، وما يتعلّق بها من أمور اجتماعية، فتدور الأحكام بين الحُرمة والحلّية، أو الاستحباب والكراهة، وأحياناً تكون الإباحة، والتي اصطلح الأصوليون على تسميتها بالأحكام التكليفيّة الخمسة.

كما اختلف الفقهاء في مناهج الاستنباط وفروع الأحكام ولقاعدة فقهيّة- لا اجتهاد في مقابل النص- تفيد عدم جواز استنباط حكم اجتهادي مخالف للنص، وهذا أمر بديهي. كما لا يجوز الاجتهاد فيما كان النصّ فيه دالاً على حكمه بطريقة قطعيّة.

وتتمثل مهمة المجتهد في البحث عن النصّ من حيث اعتباره دليلاً أو غير دليل، ويكون ذلك في السنّة النبوية، حيث يقع الاختلاف في مدى الحكم على الرواة من حيث العدالة والضبط، ولا يُتصور الاجتهاد في مجال القرآن من حيث الثبوت، لأنّ القرآن قطعي الثبوت.

واختلفوا في الاجتهاد والتقليد في أُصول الدين على قولين، والحقّ منع التقليد في أُصول العقائد، لقوله تعالى في محكم الكتاب العزيز: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ﴾([6])، وقوله تعالى: ﴿قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُم بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ آبَاءكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ﴾([7])، وهو قول جمهور علماء الإسلام، ولسنا بحاجة إلى البحث والتطويل فيهما.

تعريف الاجتهاد لغةً واصطلاحاً

الاجتهاد في اللغة: مأخوذ من ” الجُهد ” بالضم بمعنى الطاقة، أو”الجَهد” بالفتح بمعنى المشقة، وقد يأتي بمعنى الطاقة أيضاً.

فالاجتهاد بمعناه اللغوي هو: بذل الوسع للقيام بعملٍ ما، ولا يكون إلاّ في الأشياء التي فيها ثقل، فيقال: اجتهد فلان في رفع حجر ثقيل، ولا يقال: اجتهد في حمل ورقة.

قال ابن الأثير: “الاجتهاد بذل الوسع في طلب الأمر، وهو افتعال من الجهد: الطاقة. والمراد به: ردّ القضية التي تعرض للحاكم من طريق القياس إلى الكتاب والسنة. ولم يرد الرأي الذي يراه من قبل نفسه من غير حمل على كتاب أو سنة”([8]).

الاجتهاد في الاصطلاح:

أمّا معناه الاصطلاحي، فالذي يبدو أنّ للأصوليين في الاصطلاح معنيين مختلفين: خاص وعام.

أمّا المعنى الخاص: فلا يمكن تحديد مفهوم الاجتهاد بمعناه الخاص تحديداً دقيقاً، ولعلّ ذلك من جهة اختلاط بعض المفاهيم العامة بمصاديقها، فالذي يظهر من تتبع كلمات العلماء أنّ الاجتهاد عند البعض منهم بمعناه الخاص كان المرادف للقياس، وأنّ الاستحسان، والمصالح المرسلة ونظائرها إنّما هي من قبيل المصاديق لهذا المفهوم.

فنرى الشافعي اعتبر القياس مرادفاً للاجتهاد حيث قال: “هما اسمان لمعنى واحد ” وأضاف أنّ جِماعُهما ” كلّ ما نزل بمسلم ففيه حكم لازم، أو على سبيل الحقّ فيه دلالة موجودة، وعليه إذا كان فيه بعينه حكمٌ، إتّباعُه، وإذا لم يكن فيه بعينه، طُلِبَ الدّلالةُ على سبيل الحق فيه بالاجتهاد، والاجتهاد القياس([9]). ونفى أن يكون الاستحسان من الاجتهاد([10]).

فمفهوم الاجتهاد اصطلاحاً عنده هو القياس، ولا فرق بينهما عنده، إلاّ أنّ المتأخرين خالفوه في ذلك، فقالوا: بأن الاجتهاد أعمّ من القياس، وهذا الأخير يحتاج إلى الاجتهاد، والاجتهاد لا يحتاج إلى القياس.

ومنهم من جعل الاجتهاد مرادفاً للرأي، فنرى مصطفى عبد الرزاق يقول: “فالرأي الذي نتحدث عنه هو الاعتماد على الفكر في استنباط الأحكام الشرعية، وهو مرادنا بالاجتهاد. والقياس هو أيضا مرادف للاستحسان والاستنباط”([11]).

وربما جعلوا الاجتهاد مرادفاً للاستحسان، والرأي، والاستنباط، والقياس بجعلها أسماء لمعنى واحد.

وقال السيد المرتضى علم الهدى: “وفي الفقهاء من فصل بين القياس والاجتهاد، وجعل القياس ما تعيّن أصله الذي يقاس عليه، والاجتهاد ما لم يتعيّن فيه أصل يشار إليه كالاجتهاد في طلب القبلة… وفيهم من أدخل القياس في الاجتهاد وجعل الاجتهاد أعمّ منه”([12]).

ومهما يكن من أمرٍ، فإنّ الاجتهاد بهذا المعنى استمر من القرن الأول حتى القرن الخامس تقريباً، فحينما كان يطلق الاجتهاد، كان يراد منه هذا المعنى الخاص، وكان مرفوض من قِبَل أكثر فقهاء الإماميّة الإثني عشرية، لبطلان القياس والاستحسان عندهم، وكذا النهي عن القول بالرأي، لما جاء في الأثر عن رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) أنّه قال: “إيّاكم وأصحاب الرأي فإنّهم أعداء السنن أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها، فقالوا بالرأي، فضلّوا وأضلّوا”([13]).

وفي حوالي القرن الخامس أخذ الاجتهاد مفهوماً عاماً أوسع من ذي قبل.

أمّا المعنى العام: فبَعد أن كان الاجتهاد عند الفقهاء في الصدر الأول منحصراً في الرأي والقياس والاستحسان، على اختلاف بين القبول والردّ، تطوّر مفهومه، وأخذ يعطي معنى أعمّ من معناه الخاص، فتلقته علماء الإمامية بالقبول.

قال المحقّق الحلّي: “حقيقة الاجتهاد هو في عرف الفقهاء: بذل الجُهد في استخراج الأحكام الشرعية، وبهذا الاعتبار يكون استخراج الأحكام من أدلة الشرع اجتهاداً، لأنّها تبتنى على اعتبارات نظرية ليست مستفادة من ظواهر النصوص في الأكثر، وسواء كان ذلك الدليل قياساّ أو غيره، فيكون القياس على هذا التقرير أحد أقسام الاجتهاد.

فان قيل: يلزم على هذا أن يكون الإمامية من أهل الاجتهاد.

قلنا: الأمر كذلك، لكن فيه إيهام من حيث أن القياس من جملة الاجتهاد، فإذا استثنى القياس كنّا من أهل الاجتهاد في تحصيل الأحكام بالطرق النظرية التي ليس أحدها القياس”([14]).

ونرى أبا حامد الغزّالي يُعرّف الاجتهاد بأنّه: “بذل المجهود واستفراغ الوسع في فعل من الأفعال، ولا يستعمل إلاّ فيما فيه كلفة وجهد… لكن صار في عرف العلماء مخصوصاً ببذل المجتهد وسعَهُ في طلب العلم بأحكام الشريعة. والاجتهاد التام: أن يبذل الوسع في الطلب بحيث يحسّ من نفسه بالعجز عن مزيد طلب”([15]).

وعرّفه الإمام أحمد المرتضى بقوله: حقيقة الاجتهاد استفراغ الفقيه الوسع لتحصيل ظنّ بحكم شرعي بالاستدلال([16]).

كما عرّفه الآمدي في اصطلاح الأصوليين مخصوص: “باستفراغ الوسع في طلب الظن بشيء من الأحكام الشرعية على وجه يحسّ من النفس العجز عن المزيد فيه”([17]).

وعرّفه ابن الحاجب: “باستفراغ الوسع لتحصيل ظنّ بحكم شرعي”([18]).

أمّا العلامة الحلّي فقد عرّفه بقوله: “الاجتهاد اصطلاحاً: استفراغ الوسع من الفقيه لتحصيل ظنّ بحكم شرعي”.

ثمّ قال: “والأقرب قبوله للتجزئة، لانّ المقتضي لوجوب العمل مع الاجتهاد في كل الأحكام موجود مع الاجتهاد في بعضها وتجويز تعلّق المعلوم بالمجهول يدفعا الفرض”([19]).

ويستفاد مِمَّا تقدّم أنّ الاجتهاد عند البعض هو: استفراغ الوسع في تحصيل الظن بالحكم الشرعي الفرعي بحسب الجهد والطاقة من ألفاظ الكتاب والسنة وغيرها من الأدلة الظنيّة، وتسمى الأدلة المستنبطة منها تلك الأحكام الظنّية بالأدلة الاجتهادية.

وقد نوقش هذا التعريف: بأنّ الدليل في الأحكام الشرعية غير منحصر بالظن، فهو تفسير بالأخص، وعليه فهذا التعريف ساقط([20]).

قال المناوي: قال عياض: “الاجتهاد بذل الوسع في طلب الحقّ والصواب في النازلة”([21]).

وعرّفه ابن حزم بقوله: “الاجتهاد في الشريعة هو استنفاد الطاقة في طلب حكم النازلة حيث يوجد ذلك الحكم، هذا ما لا خلاف بين أحد من أهل العلم بالديانة فيه”([22]).

كما عَرّفه بدر الدين الزركشي بقوله: “بذل الوسع في نيل حكم شرعي عملي بطريق الاستنباط”([23]).

أما السيد الخوئي فقد عرّف الاجتهاد: “ببذل الوسع لتحصيل الحجّة على الواقع أو على الوظيفة الفعلية الظاهرية”([24]).

وقال السيد محمد تقي الحكيم: “والأنسب فيما نرى أن يعرّف بملكة تحصيل الحجج على الأحكام الشرعية أو الوظائف العملية شرعية أو عقلية “.

ثم قال: وهذا التعريف منتزع مِمَّا تبنّته مدرسة النجف الحديثة في علم الأُصول([25]).

وهناك تعاريف أخرى كثيرة تركتها رعاية للاختصار.

 

وجوب الاجتهاد

يظهر من فحوى كلام الفقهاء أنّ الاجتهاد من الواجبات الكفائية على المسلمين، فإذا أهمله المسلمون جميعاً، ولم يتوفّر لهم مجتهد، كان الجميع آثمين؛ لقوله تعالى في محكم كتابه الكريم: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾([26]) لذا أوجب الله -سبحانه وتعالى- على بعض أفراد هذه الأُمة ممّن لـه الاستعداد، ليقوموا بواجب التخصص الديني إلى المستوى الذي يُمكنهم من معرفة حكم الإسلام فيما يُستحدثّ لهم من النوازل.

قال العلامة الحلّي: إنّ تحصيل هذا العلم واجب على الكفاية، ويدلّ عليه ما تقدّم من القرآن، فإنّه دلّ على وجوب التفقه على الطائفة من كلّ فرقة، ولو كان واجباً على الأعيان لكان واجباً على كلّ فرقة، ولأنّ الأصل عدم الوجوب، والدليل إنّما يتضمّن بالوجوب على الكفاية، ولان الوجوب على الأعيان ضرر عظيم، وهو منفي اتفاقاً([27]).

وقال الشهرستاني: الاجتهاد من فروض الكفايات لا من فروض الأعيان، إذا اشتغل بتحصيله واحد سقط الفرض عن الجميع، وإن قصر منه أهل عصر عصوا بتركه واشرفوا على خطر عظيم، فإنّ الأحكام الاجتهادية إذا كانت مترتبة على الاجتهاد ترتيب المسبب على السبب، ولم يوجد السبب، كانت الأحكام عاطلة، والآراء كلّها قائلة، فلابدّ إذاً من مجتهد([28]).

ثمّ قال: وإذا كان مجتهدان في بلد، اجتهد العامي فيهما حتى يختار الأفضل والأورع، ويأخذ بفتواه([29]).

وقال النووي: متى لم يكن في الموضع إلاّ واحد يصلح للفتوى، تعيّن عليه أن يفتي وإن كان هناك غيره، فهو من فروض الكفايات، ومع هذا فلا يحلّ التسارع إليه، فقد كانت الصحابة مع مشاهدتهم الوحي، يُحيل بعضهم على بعض في الفتوى، ويحترزون عن استعمال الرأي والقياس ما أمكن([30]).

الاجتهاد لدى الشيعة الإماميّة

يُعد الاجتهاد لدى أتباع مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) في طليعة المعالم الأساسية، من خلال الاستفادة من ميراثهم الحديثي الواسع والعميق الذي ورثوه من أئمتهم (عليهم السلام).

ومن غير الممكن أبداً أن يؤدي الاجتهاد في الفقه الشيعي من دون استلهام علوم الإمامين الباقر والصادق (عليهما السلام) إلى نتائج ذات قيِّمة.

ويُعدّ اجتناب تبنِّي طريقة القياس والاستفادة من المصالح المرسلة معلما بارزا آخر يَمتاز به فقه أتباع مدرسة أهل البيت، فيما يزخر الفقه لدى المذاهب الإسلامية الأخرى بالاستدلال وفقاً لطرق القياس والاستحسان والمصالح المرسلة.

فالأحكام الإلهية يجب أن لا تخضع لمقاييس العقل البشري، ومن أجل هذا فقد روي عن الإمام علي بن الحسين u أنّه قال: «إنّ دين الله لا يصاب بالعقول»([31])، وروي عن الإمام جعفر بن محمد الصادق u أنّه قال: «إنّ السنَّة إذا قيست مُحِق الدين»([32]).

كما تُعدّ حيوية الفقه الشيعي ومسايرته لروح العصر معلماً آخراً من معالمه، فالاجتهاد في ضوء القواعد الفقهية الإمامية يُحتّم على الفقيه الشيعي متابعة مستجدّات القضايا واستنباط أحكامها الشرعية، وفقاً للدليل والبرهان.

أنواع الحكم الشرعي

من المعروف أنّ الشريعة الإسلامية جاءت بنوعين من الأحكام:

النوع الأول: أحكام ثابتة قطعية، يجب الإيمان بها، وليست موضع اجتهاد، ولا محلّ خلاف، وليس من شأنها أن تتغير بتغير الزمان والمكان، ولا يسوغ للمسلمين أن يتفرّقوا فيها، كالعقائد الواجبة، وما ثبت من الأحكام العملية بالتواتر، وما دلّت عليه النصوص دلالة ظاهرة، بحيث لا يحتمل النصّ غيرها.

النوع الثاني: أحكام اجتهادية ظنّيّة هي موضع النظر والاجتهاد، واختلاف الفقهاء من كلّ ما لم يرد فيه من الشرع دليل يفيد اليقين.

أقسام الاجتهاد

يمكن تقسيم الاجتهاد إلى قسمين:

أحدهما: الاجتهاد الكامل، ويسمّى ذو الاجتهاد الكامل (بالمجتهد المطلق)، وهو المجتهد الذي يكون أهلاً وقديراً على استخراج الحكم الشرعي من دليله المقرّر في مختلف أبواب الفقه. وقد اختلفوا في تعريفه على أقوال كما تقدّم:

أمّا الشيخ عبد الحسين الرشتي فقد عرّفه بقوله: “ما يقتدر به على استنباط الأحكام الفعلية من أمارة معتبرة, أو أصل معتبر عقلاً أو نقلاً في الموارد التي يظفر فيها بها”([33]).

ولا ريب في أنّ المجتهد المطلق يحرم عليه الرجوع إلى فتوى غيره، وكذا يجوز أن يُرجع إليه في التقليد، ويتصدّى للقضاء، ويتصرّف في أموال القُصّر ونحو ذلك.

الثاني: الاجتهاد الناقص، ويسمّى صاحبه بذي الاجتهاد الناقص، (أو بالمجتهد المتجزّئ)، وهو الذي يجتهد في بعض المسائل الشرعية دون بعض، فيكون قديراً على استنباط أحكام ووقائع خاصة للوصول إلى معرفة حكمها الشرعي بالدليل، لإحاطته بما يلزم لتلك الوقائع.

وقد اختلفوا في تعريفه أيضاً، فقد عرّفه الشيخ الرشتي بقوله: “ما يُقتدر به على استنباط بعض الأحكام”([34]).

وعندما نتحدث عن الاجتهاد الخاص، أو الاجتهاد الجزئي، فالقادر على هذا النوع من الاجتهاد يحرم عليه التقليد في المسألة التي يؤدي اجتهاده إلى الحكم فيها.

وربما أوضح كلام الغزالي في المقام ما يمكن أن يراد من أمثال هذا التعريف حيث قال: “وليس الاجتهاد عندي منصباً لا يتجزأ، بل يجوز أن يقال للعالم بمنصب الاجتهاد بأنه مجتهد في بعض الأحكام دون بعض”([35]).

وقال الآمدي بعد أن نصّ على شروط المجتهد: وذلك كلّه إنّما يشترط في المجتهد المطلق المتصدّي للحكم والفتوى في جميع المسائل، وأما الاجتهاد في بعض المسائل فيكفي فيه أن يكون عارفاً بما يتعلّق بتلك المسألة وما لابدّ منه فيها، ولا يضرّه في ذلك جهله بما لا تعلّق لـه بها بباقي المسائل الفقهية([36]).

فالمكلّف إذا حصلت لـه أهلية الاجتهاد بتمامها في مسألة من المسائل، فإن اجتهد فيها وأداه اجتهاده إلى حكم فيها، فقد اتفق الكلّ على أنّه لا يجوز لـه تقليد غيره من المجتهدين في خلاف ما أوجبه ظنّه.

شروط الاجتهاد الناقص

أما شروط الاجتهاد الناقص (المتجزئ) كما يُرى سهلة المنال، فليس على من أراد الاجتهاد في مسألة من مسائل البيع أو الطلاق مثلاً إلاّ أن يعرف آيات البيع أو آيات الطلاق، وأحاديث البيع أو أحاديث الطلاق، ويعرف ما نُسخ منها وما بقي، ويعرف مواقع الإجماع ليتجنّب المخالفة بعد أن يكون على بصيرة في فهم اللغة ونصب الأدلة، وليس عليه أن يُحيط بجميع الأدلة، وجميع علوم اللغة وفنون المنطق والكلام وآراء الفقهاء.

أقسام المفتين

وقسّم ابن قيّم الجوزية أهل الفتوى إلى أربعة أقسام حيث قال:

أحدهم: العالم بكتاب الله وسُنّة رسوله وأقوال الصحابة، فهو مجتهد في أحكام النوازل، يقصد فيها موافقة الأدلة الشرعية حيث كانت، ولا ينافي اجتهاده تقليده لغيره أحياناً.

فلا تجد أحداً من الأئمة إلاّ وهو مقلّد من هو أعلم منه في بعض الأحكام. وقد قال الشافعي في موضع من الحج: قلته تقليداً لعطاء([37])، فهذا النوع الذي يسوغ لهم الإفتاء، ويسوغ استفتاؤهم ويتأدى بهم فرض الاجتهاد…

النوع الثاني: مجتهد مُقيّد في مذهب من ائتمّ به، فهو مجتهد في معرفة فتاويه وأقواله ومأخذه وأصوله، عارف بها، متمكّن من التخريج عليها، وقياس ما لم ينصّ من اتمّ به عليه على منصوصه من غير أن يكون مقلداً لإمامه، لا في الحكم ولا في الدليل، لكن سلك طريقه في الاجتهاد والفتيا، ودعا إلى مذهبه ورتّبه وقرره، فهو موافق لـه في مقصده وطريقه معاً…

النوع الثالث: من هو مجتهد في مذهب من انتسب إليه، مقرّر لـه بالدليل، متقن لفتاويه، عالم بها، لا يتعدّى أقواله وفتاويه ولا يخالفها، وإذا وجد نصّ إمامه لم يعدل عنه إلى غيره البته، وهذا شأن أكثر المصنّفين في مذاهب أئمتهم، وهو حال أكثر علماء الطوائف.

وكثير منهم يظنّ أنّه لا حاجة به إلى معرفة الكتاب والسنّة والعربية، لكونه مجتزياً بنصوص إمامَه، فهي عنده كنصوص الشارع قد اكتفى بها من كلّفه التعب والمشقّة، وقد كفاه الإمام استنباط الأحكام ومؤنة استخراجها من النصوص، وقد يرى إمامه ذكر حكماً بدليله، فيكتفي هو بذلك الدليل من غير بحث عن معارض له…

النوع الرابع: طائفة تفقّهت في مذاهب من انتسبت إليه، وحفظت فتاويه وفروعه، وأقرّت على أنفُسها بالتقليد المحض من جميع الوجوه، فإن ذكروا الكتاب والسنّة يوماً ما في مسألة فعلى وجه التبرك والفضيلة، لا على وجه الاحتجاج والعمل… ([38]).

تقليد المجتهد الميت ابتداءً

أمّا تقليد المجتهد الميت ابتداءً، فقد اختلف الفقهاء في جواز تقليد الميّت ومنعه على أقوال:

أحدها: جواز تقليد المجتهد الميت، وبه قال جمهور من فقهاء المسلمين، وعبّر عنه الشافعي بقوله: المذاهب لا تموت بموت أربابها([39]).

والثاني: منعه، أي منع تقليد المجتهد الميت مطلقاً، وعزاه الغزالي لإجماع الأصوليين، واختاره فخر الدين الرازي([40]).

وقال النووي في شرح المهذب: “وليس له – أي للعامي – التمذهب بمذهب أحد الصحابة -رضي الله تعالى عنهم- وغيرهم من الأولين، وإن كانوا أعلم وأعلى درجة ممّن بعدهم؛ لأنهم لم يتفرغوا لتدوين العلم وضبط أصوله وفروعه، فليس لأحدٍ منهم مذهب محرّر مقرّر”([41]).

وقال محي الدين ابن العربي: “والتقليد في دين اللّه لا يجوز عندنا، لا تقليد حيّ ولا ميّت”([42]).

والثالث: يجوز تقليد المجتهد الميت مع فقد الحيّ، ولا يجوز مع وجوده.

وقال ابن عابدين الشامي: إنّه يجوز تقليد المفضول مع وجود الأفضل، وبه قالت الحنفية والمالكية والشافعية وأكثر الحنابلة، وعن أحمد وطائفة كثيرة من الفقهاء: لا يجوز([43]).

أسباب الاختلاف

لقد ذُكر للاختلاف الناشئ بين الفقهاء في المسائل الفقهية المختلفة أسباباً وعوامل جانبية كثيرة منها:

أولاً: كان الصحابة في عصر البعثة النبوية يَسألون النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) عمّا يقع لهم من الحوادث وحكم الله فيها، فيُفتيَهم بها، وعندما لا يتيسر لهم ذلك، يَسأل الصحابة بعضهم بعضاً ويجتهدوا فيها. وكان الناس في البلاد البعيدة عن المدينة يسألون الصحابة الموفدين إليهم من قبل الرسول (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) فيما يعرض لهم من الأمور، فإن عرفوا أجابوا، وإلاّ فاجتهدوا.

لكن لم يكن الصحابة جميعاً في العلم والفهم ومعرفة الأحاديث على حدّ سواء، فمنهم من لازم النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) مدّة طويلة، فسمع منه الحديث، وعلم من الأحكام ناسخها ومنسوخها، وعامها وخاصها أكثر من غيره.

ومنهم من لم يظفر إلاّ بالنزر القليل من ذلك، فيشتبه عليه الحال، ولم يعرف ما عنى به رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم).

وقد أشار ابن حزم الأندلسي إلى البعض من ذلك بقوله: “وقد كان عِلمُ التيمّم عند عمّار وغيره وجهله عمر وابن مسعود، فقالا: لا يتيمّم الجنب ولو لم يجد الماء شهرين. وكان حكم المسح عند عليّ وحذيفة -رضي الله عنهما- وغيرهم وجهلته عائشة وابن عمر وأبو هريرة، وهم مدنيون. وكان توريث بنت الابن مع البنت عند ابن مسعود وجهله أبو موسى، وكان حكم الاستئذان عند أبي موسى وعند أبي سعيد، وجهله عمر. وكان حكم الإذن للحائض في أن تنفر قبل أن تطوف عند ابن عباس وأم سليم، وجهله عمر وزيد بن ثابت…

ثم ّ قال: ومثل هذا كثير جداً، فمضى الصحابة على ما ذكرنا، ثمّ خلف بعدهم التابعون الآخذون عنهم”([44]).

وبعد أن لحق النبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) بالرفيق الأعلى، وأصبحت السلطة التشريعية بيد الخلفاء من بعده، وامتدت رقعة البلاد الإسلامية شرقاً وغرباً، وانتقل إلى هذه البلاد المفتوحة بعض الصحابة، وأخذوا يحكمون ويقضون ويفتون على وفق ما فهموا من كتاب الله وسُنّة رسوله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، فإن لم يجدُوا في كتاب الله ولا في سنّة رسوله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) ما يسعفهم فيما يُسألون عنه، أعملوا رأيهم واجتهدوا، وكانت حرّيّة هذا الاجتهاد كفيلة بالتقنين والتشريع لكلّ حاجاتهم.

فقد روى الدارمي بسنده عن ميمون بن مهران قال: “كان أبو بكر إذا ورد عليه الخصم، نظر في كتاب الله، فإن وجد فيه ما يقضي بينهم قضى به، وإن لم يكن في الكتاب وعلم من رسول الله e في ذلك الأمر سُنّة قضى به، فإن أعياه خرج فسأل المسلمين وقال: أتاني كذا وكذا، فهل علمتم أنّ رسول الله e قضى في ذلك بقضاء؟ فربما اجتمع إليه النفر كلّهم يذكر من رسول الله e فيه قضاءً، فيقول أبو بكر: الحمد لله الذي جعل فينا من يحفظ على نبيّنا، فإن أعياه أن يجد فيه سُنّة من رسول الله e، جمع رؤوس الناس وخيارهم فاستشارهم، فإذا اجتمع رأيهم على أمر قضى به”([45]).

وعنه أيضاً بسنده عن شريح: “إنّ عمر بن الخطاب كتب إليه: إن جاءك شيء في كتاب الله فاقض به ولا يلفتنك عنه الرجال، فإن جاءك ما ليس في كتاب الله فانظر سُنّة رسول الله e فاقض بها، فإن جاءك ما ليس في كتاب الله ولم يكن فيه سُنّة من رسول الله e فانظر ما اجتمع عليه الناس فخذ به، فإن جاءك ما ليس في كتاب الله ولم يكن في سنة رسول الله e ولم يتكلم فيه أحد قبلك، فاختر أيّ الأمرين شئت، إن شئت أن تجتهد برأيك ثمّ تقدم فتقدم، وإن شئت أن تتأخر فتأخر، ولا أرى التأخر إلاّ خيراً لك([46]).

ثانياً: إنّ الأعم الأغلب من حملة الحديث في عصر البعثة النبوية كانوا لا يحسنون القراءة والكتابة، بل كان جلّ اعتمادهم على ما تعي آذانهم وتحفظ قلوبهم، وقد أكلت نيران الحروب والفتن العديد من هؤلاء، إضافة إلى ذلك فقد ساد في عصر الخلافة اتجاه منع تدوين حديث الرسول الأكرم (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، مِمَّا كان له الأثر في إضاعة الحديث، وإيجاد شقّة الخلاف بين المسلمين.

لكن قابل هذا الاتجاه جمع من الصحابة وعارضوا هذه الفكرة معارضة شديدة، وأكّدوا بأنّ عترة النبي الطاهرة هم عدلٌ للكتاب العزيز، لما ورد فيهم من صحاح الأحاديث النبوية الشريفة.

واستمر الحال حتى عهد عمر بن عبد العزيز على رأس المائة الثانية للهجرة الذي أمر بتدوين الحديث، فكان ابن شهاب الزهري المتوفى سنة 124 أول من دوّن الحديث، ثم كثر التدوين والتصنيف من بعده. وقد ذكر أبو نعيم الأصبهاني وابن عبد البرّ وغيرهما بسندهم عن مالك بن أنس قال: أول من دون العلم ابن شهاب([47]).

ثالثاً: ابتعاد الناس عن القيم الرفيعة والمُثل العليا، وانخراطهم في الجوّ المادي، أدّى إلى العيش في مفارقات متناقضة، وأجواء وهميّة كاذبة.

وكان لباعة الضمير والوجدان اليد الطولى في تشويه الحقائق، لأجل اكتساب المزيد من الدراهم والدنانير، فنراهم يختلقون أحاديث ينسبونها تارة للنبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، وأُخرى لأحد من الصحابة، وثالثة لنفسه – وهو كلّ يوم في شأن – فشاع الكذب، وادّعى كلّ لنفسه، أو قبيلته، أو بلده، أو زعماء الأمر وأصحاب السلطة والقدرة المدح والثناء.

وقد كُذب على رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) حتى قام خطيباً بين أصحابه، وأعلم الأُُمّة بذلك، وحذّرهم في أكثر من موطن وموقف، وأكثر من لفظ، بأحاديث متواترة منها:

قوله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم): «أيها الناس قد كثرت عليَّ الكذّابة فمن كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار»([48]).

وقوله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم): «ستكثر عليّ القالة (الكذّابة) من بعدي فمن كذب عليّ فليتبوأ مقعده من النار»([49]).

وقوله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم): «من كذب عليّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار»([50]).

وقوله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم): «من قال عليّ ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار»([51]).

قال ابن تيميّة: “وطائفة وضعوا لمعاوية فضائل ورووا أحاديث عن النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) في ذلك، كلّها كذب”([52]).

وقد جمع ابن الجوزي نزرا يسيرا من الأحاديث الموضوعة والواهية في كتابه الموسوم بـ(العلل المتناهية في الأحاديث الواهية)، وكتاب (الموضوعات)، والسيوطي في كتابه (اللآلئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة).

آرَاء الأئمة الأربعة حول اجتهاداتهم:

قال ابن قدامة، قال أبو حنيفة: “لا يحلّ لأحد أن يأخذ بقولنا ما لم يعلم مأخذه من الكتاب والسنة وإجماع الأُمّة والقياس الجلي في المسألة”([53]).

وفي قول قال: “لا ينبغي لمن لم يعرف دليلي أن يفتي بكلامي”([54])، وزاد في قول آخر: “فإنّنا بشر نقول القول ونرجع عنه غداً”([55]).

وهذا تصريح بمنع التقليد؛ لأنّ من علم بالدليل فهو مجتهد مطالب بالحجة لا مقلّد، والمقلد هو الذي يقبل القول ولا يطالب بحجّة.

قال مزاحم بن زفر لأبي حنيفة: “يا أبا حنيفة هذا الذي تفتي والذي وضعت في كتابك هو الحقّ الذي لا شكّ فيه؟ قال، فقال: والله ما أدري لعله الباطل الذي لا شكّ فيه”([56]).

وقال زفر: “كنّا نختلف إلى أبي حنيفة ومعنا أبو يوسف ومحمد بن الحسن فكنّا نكتب عنه، فقال يوماً لأبي يوسف: ويحك يعقوب! لا تكتب كلّ ما تسمعه منّي، فإنّي قد أرى الرأي اليوم فأتركه غداً، وأرى الرأي غداً فأتركه بعد غد”([57]).

أمّا مالك بن أنس فقد روي عنه أنّه قال: “إنما أنا بشر أخطئ وأصيب، فانظروا في رأيي، فكلّ ما وافق الكتاب والسنة فخذوا به، وكلّ ما لم يوافق الكتاب والسنة فاتركوه”([58]).

وهذا أيضاً تصريح منه بالمنع من تقليده.

أمّا الشافعي فقد روي عنه أنّه قال للمزني: “يا إبراهيم، لا تقلّدني في كلّ ما أقول، وانظر في ذلك لنفسك، فإنّه دين”([59]). وقال أيضا: “مثل الذي يطلب العلم بلا حجة كمثل حاطب ليل يحمل حُزمةَ حطب، وفيها أفعى تلدغه وهو لا يدري”([60]). وقال: “لا حجة في قول أحدٍ دون رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) وإن كثروا، ولا قياس ولا في شيء، وما ثمّ إلاّ طاعة الله ورسوله بالتسليم”([61]). وقال حرملة بن يحيى، قال الشافعي: ما قلت وقد كان النبي (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) قد قال بخلاف قولي، مِمَّا يصحّ، فحديث النبي أولى، لا تقلدوني”([62]).

أمّا أحمد بن حنبل فانّه كان يقول: “لا تقلّدني، ولا تقلد مالكاً، ولا الشافعي، ولا الثوري، ولا الأوزاعي، وخذ من حيث أخذوا”([63]).

وقال: رأي الأوزاعي، ورأي مالك، ورأي أبي حنيفة كلّه رأي، وهو عندي سواء، وإنّما الحجّة في الآثار”([64]). وقال أيضاً: انظروا في أمر دينكم فإن التقليد لغير المعصوم مذموم، وفيه عمى للبصيرة”([65]). وقال أيضاً: “من قلة فقه الرجل أن يقلّد دينه الرجال”([66]).

وقال أبو داود، قلت لأحمد: “الأوزاعي أتّبع أم مالكاً؟ قال: “لا تقلّد دينك أحداً من هؤلاء، ما جاء عن النبي e فخذ به”([67]).

 

الدعوة إلى سدّ باب الاجتهاد

إنّ الذين يحاولون الجمود ويلتزمون بالتقليد فإنّهم عجزوا عن الوصول إلى رتبة الاجتهاد، واقتنعوا بعناية السلطان على ما هم فيه من النقص، فلا يروق لهم بلوغ أحد رتبة الاجتهاد، ونسبوا مدّعيه إلى الجنون، كما ذهب إليه الشيخ داود النقشبندي في كتابه: «أشد الجهاد» حيث يرى أنّ مدّعي الاجتهاد ضال مبتدع([68]).

ويقول الشيخ أحمد بن عبد الرحيم الدهلوي في تقسيم طبقات المجتهدين: (الطبقة الثالثة من نشأ من المسلمين من رأس المائة الرابعة): ويجب على العامي تقليد المجتهد المنتسب لا غير ـ أي لأحد المذاهب الأربعة ـ لامتناع وجود المستقل من هذا التأريخ حتى اليوم([69]).

دور حصر الاجتهاد

لا يمكن تحديد تاريخ دور حصر الاجتهاد والدعوة إلى التقليد، وحصر المذاهب في أربعة رغم وجود غيرها من المذاهب، إلاّ أنّ المصادر التاريخية تعزوه إلى زمن العباسيين، حيث اختلفت في عصرهم الآراء، وتفرقت الأهواء، وتعددت المذاهب، فاتفقت كلمة رؤساءهم على حصر المذاهب في أربعة، وذلك في زمن القادر بالله العباسي المتوفى سنة 422 هجرية، فأخذ من كلّ من الطوائف الأربعة مالاً خطيراً، وأبدى رسمية تلك المذاهب.

وقال ابن قيّم الجوزية: واختلفوا، متى انسد باب الاجتهاد؟ على أقوال كثيرة ما أنزل الله بها من سلطان، وعند هؤلاء أنّ الأرض قد خلت من قائم لله بحجة، ولم يبق فيها من يتكلم بالعلم, ولم يحل لأحد بعد أن ينظر في كتاب الله ولا سنة رسوله لأخذ الأحكام منهما.

ثمّ قال: فقالت طائفة: ليس لأحد أن يختار بعد أبي حنيفة وأبي يوسف وزفر بن الهذيل ومحمد بن الحسن والحسن بن زياد اللؤلؤي، وهذا قول كثير من الحنفية. وقال بكر بن العلاء القشيري المالكي: “ليس لأحد أن يختار بعد المائتين من الهجرة، وقال آخرون: ليس لأحد أن يختار بعد الأوزاعي وسفيان الثوري ووكيع بن الجراح وعبد الله بن المبارك، وقالت طائفة: ليس لأحد أن يختار بعد الشافعي”([70]).

وقال ابن االفوطي في حوادث سنة (631) عند ذكر فتح المدرسة المستنصرية: “ثمّ قسمت أرباع، فسُلّم ربع القبلة الأيمن إلى الشافعية، والربع الثاني يسرة القبلة للحنفية، والربع الثالث يمنة الداخل للحنابلة، والربع الرابع يسرة الداخل للمالكية”([71]).

ثم قال في حوادث سنة (645): وفيها أحضر مدرسو المستنصرية إلى دار الوزير وتقدم إليهم أن لا يذكروا شيئا من تصانيفهم، ولا يلزموا الفقهاء بحفظ شيء منها، بل يذكروا كلام المشايخ تأدباً معهم وتبركا بهم… فتقدم الخليفة ان يلزموا بذكر كلام المشايخ واحترامهم فأجابوه بالسمع والطاعة([72]).

وذُكر أنّ السيد المرتضى عندما أقدم على أخذ رسمية المذهب الجعفري من الخليفة، طالبه الخليفة بمائة ألف دينار من الذهب، ولأن الشيعة لم تقدر على الوفاء، أو لم يريدوا أخذ رسمية مذهبهم بالمال، انحصرت المذاهب الرسمية على المذهب الحنفي، والمالكي، والشافعي، والحنبلي([73]).

وحذا حذو القادر بالله العباسي، بيبرس البندقداري الملقب بالظاهر ملك مصر سنة (661) هجرية حيث بايع الحاكم بأمر الله أحمد العباسي، ولم يكن يقبل قضاء غير قضاة المذاهب الأربعة المذكورة، وكان المتمذهب بغيرها يعادى ويُنكر عليه، ولا تُقبل شهادته، ولا يُقدّم للخطابة والإمامة والتدريس([74]).

الدليل على أهمية فتح باب الاجتهاد

ويدلّ على أهمية فتح باب الاجتهاد والتي لم تخفَ على الفقهاء والمفكرين، فاكتفى البعض منهم بالدعوة إلى الاجتهاد فقط، إلاّ أنّ البعض الآخر تجاوز النوايا المعلنة إلى المُمارسة الواقعية.

قال محي الدين ابن العربي: لا يجوز ترك آية أو خبر صحيح لقول صاحب أو إمام، ومن يفعل ذلك فقد ضلّ ضلالاً مبيناً، وخرج عن دين الله([75]).

وقال الشعراني: لم يبلغنا أنّ أحداً من السلف أمر أحداً أن يقيّد بمذهب معيّن، ولو وقع ذلك منهم لوقعوا في الإثم، لتفويتهم العمل بكلّ حديث لم يأخذ به ذلك المجتهد الذي أمر الخلق باتباعه وحده، والشريعة حقيقة إنّما هي مجموع ما بأيدي المجتهدين كلّهم لا بيد مجتهد واحد، ومن أين جاء الوجوب والأئمة كلّهم قد تبرأوا من الأمر باتّباعهم، وقالوا: إذا بلغكم حديث فاعملوا به واضربوا بكلامنا الحائط([76]).

وسُئل ابن تيميّة عن رجل تفقّه على مذهب من المذاهب، وتبصّر فيه، واشتغل بعده بالحديث، فوجد أحاديث صحيحة لا يعلم لها ناسخاً ولا مخصّصاً ولا معارضاً، وذلك المذهب فيه ما يخالف تلك الأحاديث، فهل له العمل بالمذهب، أو يجب عليه الرجوع إلى العمل بالحديث ومخالفة مذهبه؟ فأجاب بما هذا نصه: “قد ثبت في الكتاب والسنة والإجماع أنّ الله افترض على العباد طاعته وطاعة رسوله e، ولم يوجب على هذه الأُمة طاعة أحد بعينه في كلّ ما أمر به ونهى عنه إلاّ رسول الله e”([77]). وقال ابن عابدين: “ليس على الإنسان التزام مذهب معيّن، وأنّه لا يجوز له العمل بما يخالف ما عمله على مذهبه مقلّداً فيه غير إمامه، مستجمعاً شروطه، ويعمل بأمرين متضادين في حادثتين لا تعلّق لواحدة منهما بالأُخرى وليس له إبطال عين ما فعله بتقليد إمام آخر؛ لأنّ إمضاء القاضي لا ينقض”([78]).

وقال جمال الدين ابن الجوزي: “اعلم أنّ المقلّد على غير ثقة فيما قلّد فيه، وفي التقليد إبطال منفعة العقل؛ لأنّه إنّما خُلق للتدبّر، وقبيح بمن أُعطي شمعة يستضيء بها أن يطفئها ويمشي في الظلمة، واعلم أنّ عموم أصحاب المذاهب يعظّم في قلوبهم الشخص فيتبعون قوله من غير تدبّر بما قال، وهذا عين الضلال؛ لأنّ النظر ينبغي أن يكون إلى القول لا إلى القائل”([79]).

الدعوة إلى فتح باب الاجتهاد

لم تكن الدعوة إلى فتح باب الاجتهاد وليدة اليوم والساعة، بل كان هناك منذ القرون الأولى من غلقها من يدعو إلى فتح باب الاجتهاد والاعتراض على سدّه، أمثال: أبو الفتح الشهرستاني المتوفى سنة 548([80])، وأبو إسحاق الشاطبي المتوفى سنة 790([81]) وغيرهما.

وهذا السيوطي المتوفى سنة 911، يعلن أنه بلغ مرتبة الاجتهاد المطلق… وألّف رسالة في: (الرّد على مَن أخلد إلى الأرض وجهل أن الاجتهاد في كلّ عصر فرض)، وقدّم لهذه الرسالة بقوله: “إن الناس قد غلب عليهم الجهل، وأعماهم حبّ العناد وأصمهم، فاستعظموا دعوى الاجتهاد وعدّوه منكراً بين العباد، ولم يشعر هؤلاء الجهلة أنه فرض من فروض الكفايات في كلّ عصر، وواجب على أهل كلّ زمان أن يقوم به طائفة في كلّ قطر”([82]).

وقال الشوكاني: “ومن حصر فضل الله على بعض خلقه وقصر فهم هذه الشريعة على من تقدّم عصره، فقد تجرأ على الله U ثمّ على شريعته الموضوعة لكلّ عباده، ثم على عباده الذين تعبدهم الله بالكتاب والسنة”([83]).

وقال أبو محمد البغوي: “وفرض الكفاية هو: أن يتعلّم ما يبلغ رتبة الاجتهاد ومحل الفتوى والقضاء ويخرج من عداد المقلدين، فعلى كافة الناس القيام بتعلمه، غير أنّه إذا قام من كلّ ناحية واحد أو اثنان سقط الفرض عن الباقين، فإذا قعد الكلّ عن تعلمه عصوا جميعاً، لما فيه من تعطيل أحكام الشرع، قال الله تعالى: ﴿فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾([84])([85]).

إلى غير هؤلاء من العلماء الذين كانوا يدعون إلى فتح باب الاجتهاد، ويقفون أمام غلقه.

واستمر هذا الموقف إلى القرون المتأخرة حيث ظهر في العلماء من يدعو إلى فتح بابه من جديد، أمثال السيد جمال الدين الأسد آبادي (المشهور بالأفغاني) الذي كان يقول: “ما معنى باب الاجتهاد مسدود؟ وبأي نص سُدّ باب الاجتهاد؟ أو أي إمام قال لا ينبغي لأحد من المسلمين بعدي أن يجتهد ليتفقّه في الدين؟ أو أن يهتدي بهدي القرآن وصحيح الحديث، أو أن يجدّ ويجتهد لتوسيع مفهومه منهما، والاستنتاج بالقياس على ما ينطبق على العلوم العصرية وحاجات الزمان وأحكامه، ولا ينافي جوهر النص؟… وأولئك الفحول من الأئمة، ورجال الأمة اجتهدوا وأحسنوا، ولكن لا يصح أن نعتقد أنهم أحاطوا بكل أسرار القرآن، أو تمكنوا من تدوينها في كتبهم. والحقيقة أنهم مع ما وصلنا من عملهم الباهر وتحقيقهم واجتهادهم، إن هو بالنسبة إلى ما حواه القرآن من العلوم والحديث الصحيح من السنن والتوضيح إلا كقطرة من بحر أو ثانية من دهر، والفضل بيد الله يؤتيه مَن يشاء من عباده”([86]).

وجاء من بعده تلميذه الإمام محمد عبده (1849 ـ 1905) الذي ركّز على الإصلاح الديني، حيث قال: “إن الحياة الإنسانية للمجتمع الإنساني حياة متطورة، ويجد فيها من الأحداث والمعاملات اليوم ما لم تعرفه أمس هذه الجماعة، والاجتهاد هو الوسيلة المشروعة الملائمة بين أحداث الحياة المتجددة وتعاليم الإسلام، ولو وقف الأمر بتعاليم الإسلام عند تفقه الأئمة السابقين لسارت الحياة الإنسانية في الجماعة الإسلامية في عزلة عن التوجيه الإسلامي، وبقيت أحداث هذه الحياة في بعد عن تجديد الإسلام إياها، وهذا الوضع يحرج المسلمين في إسلامهم”([87]).

كما كان عبد الرحمن الكواكبي (1854-1902) في المشرق العربي، وعبد الحميد بن بأديس (1889-1840) في المغرب العربي يُعدّان من أبرز هذا التيار([88]). ومثلهما محمد رشيد رضا كان يقول: “لا إصلاح إلاّ بدعوة، ولا دعوة إلاّ بحجة، ولا حجة مع بقاء التقليد. فإغلاق باب التقليد الأعمى، وفتح باب النظر والاستدلال هو مبدأ كلّ إصلاح، والتقليد هو الحجاب الأعظم دون العلم والفهم”([89]).

 

الخاتمة

وفي الختام أودّ الإشارة إلى أنّ الاجتهاد قد تباينت حوله الآراء واختلفت فيه المواقف:

فمن قائل يقول: إن الباب قد أغلق فعلاً فلا اجتهاد!!… وذلك منذ مطلع القرن الرابع، وعادت مهمة الفقهاء مجرّد ترجيح بين الأقوال أو تخريج عليها.

وآخر يقول: إن باب الاجتهاد لم يُغلق ولا يملك أن يغلقه أحد، ولكن تقاصرت الهمم، وتراجعت العلوم والمعارف الفقهية.

وثالث يقول: إن الاجتهاد لم يُغلق بابه، والعلماء لم تتقاصر همهم، ولا تناقصت علومهم، ففي كلّ عصر منهم أعداد كافية لا يستهان بها.

فنرى المجتهدين الذين ذاع صيتهم في العالم الإسلامي في دور التقليد قد كثروا، فكان من أبرزهم: أبو جعفر الطبري، وأبو جعفر الطحاوي، والجصاص، والسرخسي، والقفال الشاشي، وإمام الحرمين، والرافعي، والغزالي، والنووي، وابن أبي زيد القيرواني، وابن رشد، واللخمي، وأبو بكر الخلال، وابن قدامة، وابن قيم الجوزية، والسيوطي وغيرهم.

ولا حاجة بنا إلى إطالة الحديث في نقل أقوال المانعين لملكة الاجتهاد لعلماء الأُمة بعد المذاهب الأربعة؛ لأنّها حجج لقضية تبتنى على عدم لياقة أيّ أحدٍ بعدهم لهذه الرتبة، ولا أدري ما هذه الاستحالة وعدم الإمكان من حصول درجة الاجتهاد، والحكم على الرجال بالقصور والنقص وحصر الكمال في عدد معيّن بدون دليل؟.

وممّا يدلّ على أهمية الاجتهاد باعتباره ضرورة من ضروريات الحياة الإسلامية لمواجهة مشكلاتها، ومن أجل تطوير الفكر الإسلامي وتحريره من الجمود، ما كتبه الكثيرون من علماء الفقه ومفكري الإسلام من بحوث ومؤلفات كثيرة، كما عُقدت لهذا الموضوع العديد من الندوات والمؤتمرات قُدّمت لها بحوث قيّمة، شارك فيها علماء ومفكرون من العالم الإسلامي، مثل: الملتقى السابع عشر للفكر الإسلامي المنعقد بالجزائر عام 1983، والذي كان موضوعه «الاجتهاد».

مصادر البحث
القرآن الكريم
أدوار علم الفقه وأطواره علي كاشف الغطاء
الاجتهاد والتجديد في التشريع الإسلامي وزارة التربية التونسية
الاحتجاج أحمد بن علي الطبرسي
الأحكام في أُصول الاحكام علي بن حزم الأندلسي الظاهري
الأحكام علي بن محمد الآمدي
إرشاد الفحول محمد بن علي بن محمد الشوكاني
أشد الجهاد لمدعي الاجتهاد داود البغدادي
الأُصول العامة للفقه المقارن السيد محمد تقي الحكيم
أضواء على السنة المحمدية محمود أبو رية
إعلام الموقعين لابن قيم الجوزية
إكمال الدين وإتمام النعمة الشيخ الصدوق
الانتقاء ابن عبد البر
الإنصاف في بيان سبب الاختلاف الشاه ولي الله الدهلوي
البحر المحيط في أُصول الفقه بدر الدين الزركشي
البداية والنهاية ابن كثير
تاريخ ابن معين يحيى بن معين
تاريخ بغداد الخطيب البغدادي
تلبيس إبليس ابن الجوزي
تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية مصطفى عبد الرزاق
التنقيح في شرح العروة الوثقى السيد أبو القاسم الخوئي
تنوير الحوالك شرح موطأ مالك عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي
توضيح الرشاد في تاريخ حصر الاجتهاد أقا بزرك الطهراني
تهذيب الوصول إلى علم الأُصول الحسن بن يوسف العلامة الحلي
جامع بيان العلم وفضله ابن عبد البر
جلاء العينين الآلوسي
جمع الجوامع الماوردي
حاشية ردّ المحتار ابن عابدين
حاشية كفاية الأُصول عبد الحسين الرشتي
حلية الأولياء أبو نعيم الأصبهاني
الحوادث الجامعة عبد الرزاق بن أحمد الشيباني (ابن الفوطي)
الخصال الصدوق
الخطط المقريزية أحمد بن علي بن عبد القادر المقريزي
الذريعة إلى أُصول الشريعة السيد المرتضى علم الهدى
الرأي السديد في الاجتهاد والتقليد السيد أبو القاسم الخوئي
الرد على أبي بك الخطيب البغدادي ابن النجار
الرسالة محمد بن إدريس الشافعي
روضة الطالبين يحيى بن شرف النووي الدمشقي
رياض العلماء الميرزا عبد الله بن عيسى أفندي
سنن الدارمي عبد الله بن بهرام الدارمي
سنن الدارقطني الدارقطني
شرح الأزهار الإمام أحمد المرتضى
شرح نهج البلاغة ابن أبي الحديد المعتزلي
عمدة القاري شرح صحيح البخاري العيني
الغارات الثقفي
فتح الباري شرح صحيح البخاري ابن حجر
الفتوحات المكية محي الدين ابن العربي
الفوائد المدنية محمد أمين الاسترابادي
فيض القدير شرح الجامع الصغير محمد عبد الرؤوف المناوي
الكافي محمد بن يعقوب الكليني
كشف القناع البهوتي
لسان العرب ابن منظور
المستصفى في علم أُصول الفقه أبي حامد الغزالي
مسند احمد بن حنبل أحمد بن حنبل
مسند الإمام الشافعي محمد بن إدريس الشافعي
مسند زيد بن علي زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب
المصنف في الأحاديث والآثار عبد الله بن محمد بن أبي شيبة الكوفي
معارج الأُصول جعفر بن الحسن المحقّق الحلي
المغني عبد الله بن قدامة
ملخص إبطال القياس والراي ابن حزم الأندلسي
الملل والنحل محمد بن عبد الكريم الشهرستاني
المنتظم ابن الجوزي
منتهى المطلب الحسن بن يوسف العلامة الحلي
منهاج السنة تقي الدين ابن تيميّة
مواهب الجليل الخطاب الرعيني
النهاية في غريب الحديث والآثار ابن الأثير

[1]) سورة التوبة: 122.

[2]) سورة النحل: 43.

[3]) مسند زيد بن علي: 383.

[4]) اللقن: بفتح فكسر: من يفهم بسرعة، إلاّ أنّ العلم لا يطبع أخلاقه على الفضائل.

[5]) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، 18: 346 (147 من كلام له u لكميل بن زياد)، ورواه الثقفي في الغارات، 1/152، والصدوق في الخصال: 186، وغيرهم الكثير.

[6]) سورة البقرة: 170.

[7]) سورة الزخرف: 24.

[8]) النهاية في غريب الحديث والآثار، 1: 319 – 320، مادة: جهد. وانظر لسان العرب 2: 135.

[9]) الرسالة للشافعي: 477.

[10]) المصدر السابق: 504.

[11]) تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية: 138، وحكاه السيد محمد تقي الحكيم في مقدمة النص والاجتهاد: 15.

[12]) الذريعة إلى أُصول الشريعة 2: 672.

[13]) سنن الدارقطني 4: 83 حديث 4236، جامع بيان العلم وفضله 2: 135، عمدة القاري 25: 43، فتح الباري 13: 245.

[14]) معارج الأُصول: 179-180.

[15]) المستصفى في علم أُصول الفقه: 342 (الفن الأول في الاجتهاد…).

[16]) شرح الأزهار 1: 7.

[17]) الأحكام 4: 162 (القاعدة الثالثة في المجتهدين وأحوال المفتين…)، وانظر: إرشاد الفحول: 250.

[18]) حكاه المناوي في فيض القدير شرح الجامع الصغير 1: 425، وكذا عرّفه الماوردي في جمع الجوامع 2: 379.

[19]) تهذيب الوصول إلى علم الأُصول: 283، وحكاه عنه الاسترابادي في الفوائد المدنية: 50.

[20]) انظر التنقيح في شرح العروة الوثقى (الاجتهاد والتقليد): 20.

[21]) فيض القدير شرح الجامع الصغير 1: 425.

[22]) الإحكام في أُصول الأحكام 8: 1156.

[23]) البحر المحيط في أُصول الفقه 6: 197.

[24]) الرأي السديد في الاجتهاد والتقليد: 9، والتنقيح في شرح العروة الوثقى 1: 22.

[25]) الأُصول العامة للفقه المقارن: 563.

[26]) سورة التوبة: 122.

[27]) منتهى المطلب 1: 8 (المقدمة السادسة).

[28]) الملل والنحل 1: 205 (الباب السابع، 2، حكم الاجتهاد والتقليد و…)، وانظر البحر المحيط 6: 198، وفتح الباري 13: 242.

[29]) المصدر السابق.

[30]) روضة الطالبين 8: 87.

[31]) إكمال الدين وإتمام النعمة: 324 الحديث 9.

[32]) الكافي 1: 57 الحديث 15.

[33]) حاشية كفاية الأُصول 2: 348 (المطبوعة مع الكفاية).

[34]) المصدر السابق.

[35]) المستصفى: 345.

[36]) الإحكام في أُصول الأحكام 4: 164.

[37]) وذكر ابن قيّم الجوزية في إعلام الموقعين 2: 183 أنّ الشافعي قال في غير موضع: قلته تقليداً لعمر، وقلته تقليداً لعثمان، وقلته تقليداً لعطاء.

[38]) أعلام الموقعين 4: 162- 164(أقسام المفتين أربعة، الفائدة التاسعة والعشرون).

[39]) كشف القناع 6: 387.

[40]) مواهب الجليل: 44.

[41]) حكاه البهوتي في كشف القناع، 6: 388.

[42]) الفتوحات المكيّة (الباب 88)، 2: 165.

[43]) حاشية ردّ المحتار، 1: 51 و6: 742.

[44]) الإحكام في أُصول الأحكام، 2: 239 – 240، وذكر نحو ذلك ابن قيم الجوزية في إعلام الموقعين، 2: 192 – 193 (مثل مما خفي على كبار الصحابة).

[45]) سنن الدارمي، 1: 58.

[46]) سنن الدارمي، 1: 60، والمصنف لابن أبي شيبة 5: 358 الحديث 3 باختلاف يسير في اللفظ.

[47]) حلية الأولياء 3: 363، وجامع بيان العلم وفضله 1: 76، وتنوير الحوالك شرح موطأ مالك 1: 5، والمنتظم 7: 234، والبداية والنهاية 9: 243.

[48]) الكافي 1: 62 (باب اختلاف الحديث) الحديث ا.

[49]) الاحتجاج: 247 (احتجاج الإمام الجواد u).

[50]) ذكره الإمام أحمد بن حنبل في مسنده بأسانيد وطرق وألفاظ كثيرة منها ما ذكره في المجلد 1: 78 و130.

[51]) مسند الإمام الشافعي: 239، ومسند الإمام أحمد بن حنبل 1: 65.

[52]) منهاج السنّة، 2: 207.

[53]) المغني 1: 14.

[54]) الانتقاء لابن عبد البر: ص145.

[55]) ملخص إبطال القياس والرأي لابن حزم: 66.

[56]) ملخص إبطال القياس: 66 – 67، تاريخ بغداد 13: 424، الرد على أبي بكر الخطيب البغدادي: 74.

[57]) تاريخ ابن معين 1: 365 برقم 2461، تاريخ بغداد 13: 424، الرد على أبي بكر الخطيب البغدادي: 74.

[58]) جامع بيان العلم وفضله 2: 32، الإحكام لابن حزم 6: 860.

[59]) إعلام الموقعين 2: 200.

[60]) إعلام الموقعين 2: 139، 147 وقال: ذكره البيهقي.

[61]) الإنصاف: 105.

[62]) إعلام الموقعين 2: 203.

[63]) إعلام الموقعين 2: 139.

[64]) جامع بيان العلم وفضله 2: 149.

[65]) أضواء على السنة المحمدية: 411.

[66]) إعلام الموقعين 2: 139 (فصل نهي الأئمة الأربعة عن تقليدهم).

[67]) المصدر السابق.

[68]) أشد الجهاد لمدعي الاجتهاد: 25.

[69]) رسالة الإنصاف في بيان سبب الاختلاف للدهلوي: 7.

[70]) إعلام الموقعين، 196 (الوجه الحادي والثمانون).

[71]) الحوادث الجامعة، 61. وانظر البداية والنهاية لابن كثير، 13: 163.

[72]) الحوادث الجامعة، 172 – 173.

[73]) انظر: الخطط المقريزية، 3: 232 – 235.

[74]) انظر: رياض العلماء 4: 33، أدوار علم الفقه وأطواره: 214.

[75]) الفتوحات المكيّة 2: 164(الباب 88).

[76]) الاجتهاد ومقتضيات العصر: 174.

[77]) جلاء العينين للآلوسي: 107.

[78]) إعلام الموقعين 4: 261 – 263.

[79]) تلبيس إبليس لابن الجوزي: 81.

[80]) الاجتهاد والتجديد في التشريع الإسلامي: 74.

[81]) المصدر السابق: 74.

[82]) المصدر السابق: 94.

[83]) المصدر السابق: 95.

[84]) سورة التوبة: 122.

[85]) الاجتهاد والتجديد في التشريع الإسلامي: 95.

[86]) الاجتهاد والتجديد في التشريع الإسلامي: 356.

[87]) الاجتهاد والتجديد في التشريع الإسلامي: 377.

[88]) الاجتهاد والتجديد في التشريع الإسلامي: 390، حكاه عنه الشيخ الطهراني في كتابه توضيح الرشاد في تاريخ حصر الاجتهاد: ص28.

[89]) الْمصدر السابق.

 

* ندوة تطور العلوم الفقهية فِي عُمان التقنين والتجديد فِي الفقه الإسلامي المعاصرة.

المنعقدة خلال الفترة: (28-2) ربيع الثاني 1429هـ/ ( 5-8) إبريل 2008م

هذه المقالة تحتوي على لا تعليق

أكتب تعليقك هنا

نرجو أن تضع المادة أسفله
الإسم
إيميل
موقع
تعليقك