النهضة الفقهية في عُمان

النهضة الفقهية في عُمان
الاجتهاد والتجديد عند المحقّق سعيد بن خلفان الخليلي ونور الدين السالمي*

إعداد: عبد الله بن راشد السيابي

(باحث من سلطنة عمان)

مقدمة :

الحمد لله الذي رفع منزلة العلماء، وجعلهم مرجعا للناس يلجأون إليهم في حلّ مشكلاتهم الدنيوية، ويبصرونهم بأمور دينهم الأخروية، والصلاة والسلام على من أرسله الله بالشريعة الغراء والطريقة السواء، سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه ومن اتبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد:

فإنَّني قد شرِّفت بتلقي دعوة كريمة من وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية لأَن أكون مشاركا في هذه الندوة المباركة ببحث «النهضة الفقهية في عمان: الاجتهاد والتجديد عند المحقّق سعيد بن خلفان الخليلي ونور الدين السالمي»، فما كان لي إِلاَّ أن ألبِّي الدعوة، مستعينا بالله على هذه المهمة، وإن كنت غير أهل لها؛ لأَنَّ الحديث عن القطبين المحقّقين الخليلي والسالمي واجتهادهما وتجديدهما يحتاج إلى من كان عنده قدرة ومكانة علمية كبيرة، وأنا خلو من ذلك.

وعلى كُلّ حال فقد جاء بحثي هذا مقسماً إلى مبحثين وخاتمة في كُلّ مبحث منهما ثلاثة مطالب.

المبحث الأَوَّل: الاجتهاد والتجديد عند المحقّق الخليلي.

المطلب الأول: التعريف بالمحقّق الخليلي.

المطلب الثاني: الاجتهاد والتجديد عند الخليلي من خلال مكانته العلمية.

المطلب الثالث: الاجتهاد والتجديد عند الخليلي من خلال فقهه.

المبحث الثاني: الاجتهاد والتجديد عند نور الدين السالمي.

المطلب الأول: التعريف بنور الدين السالمي.

المطلب الثاني: الاجتهاد والتجديد عند نور الدين السالمي من خلال مكانته العلمية.

المطلب الثالث: الاجتهاد والتجديد عند نور الدين السالمي من خلال فقهه.

الخاتمة.

وبالله التوفيق.


المبحث الأول: الاجتهاد والتجديد عند المحقّق الخليلي

المطلب الأول: التعريف بالمحقّق الخليلي.

هو الشيخ العلامة المحقّق سعيد بن خلفان بن أحمد بن صالح بن أحمد بن عامر الخليلي، نسبة إلى الخليل بن شاذان الخروصي، نسبة إلى خروص بن شاري بن اليحمد بن عبد الله،والخليلي فرع من بني خروص([1]). ولد ببوشر سنة1231هـ، وهي قرية من قرى ولايَة بوشر من محافظة مسقط، نشأ بها يتيما، وكفله جدُّه أحمد بن صالح الخروصي، وتربَّى على الفضل والاستقامة في الدين، يكتسب المحامد، ويرقى إلى المعالي، ويسارع إلى الخيرات.

حياته العلمية:

درس الخليلي ـ رحمه الله ـ على يد علماء كبار؛ فكان لهم الدور البارز في تكوين ملكته العلمية، بالإضافة إلى جده واجتهاده ومثابرته، وحرصه على اكتساب العلم والمعرفة.

ومن شيوخه:

1-الشيـخ([2]) سعيد بن عامر بن خلف الطيواني، عالم مقيم بـ”بوشر”، درس عنده علوم اللغة العربية والإسلامية، وافتقده ذات مرَّة، وذهب يسأل عنه أمه،فعاتبت ابنها عن انقطاعه عن الدراسة، ثم أتى شيخه وقد نظم ألفية في علم الصرف، وكان عمره لم يتجاوز السادسة عشرة، مبيناً أن انقطاعه كان لأجل العلم، ليس إلاَّ.

2-الشيخ حمّاد بن محمد بن سالم البسط: من الباطنة، عالم، متضلع في علوم العربية، والشريعة أقام بمسقط([3])، وهو الذي كلَّف تلميذه الخليلي نظم كتاب “الكافي في علمي العروض والقوافي” لأبي العباس بن شعيب بن أحمد، الشهير بالخوَّاص، قال الخليلي في المقدمه: “التمس مني من كنت ربيط أسباب إحسانه، وغدوت مستمسكاً بأوتاد فضله وامتنانه، ذلك الشيخ الفصيح الكامل، وصرَّح باسمه هذا الأديب القائل:

بسط الله نعمة لبني البـــسط             فكان الأوْلى بها حـــمَّـــــادُ

فهو لا زال حامداً نعمة الـمولى             وأوْلى النعمة الحــمَّـــــــــادُ

فهو الذي تحكم عليَّ بأن أنظم له كتاب ” الكافي في علمي العروض والقوافي “، وهو كتاب حجمه لطيـف، مع أنـه شريف،أنشأه أبو العباس بن شعيب بن أحمد، الشهير بالخوَّاص، فالتزمت إجابته”([4]).

3ـ الشيخ العلامة ناصر بن جاعد الخروصي، من بلدة “العليا” بوادي بني خروص ([5])، رحل الخليلي إليه، إذ كان هو علامة زمانه، ووحيد عصره، فارتبط التلميذ بشيخه وأسرته ارتباطا عائليا، وذلك بزواجه من ابنة الشيخ خميس بن جاعد الخروصي، كما ارتبط ارتباطا علمياً، بأن صار بعد ذلك أحد كواكب هذه الأسرة الزاهرة، وأقمارها الساطعة الباهرة.

وهذا الشيخ هو الذي طلب من تلميذه أن يشرح الألفية التي نظمها في الصرف بطلب من الشيخ حمَّاد البسط فيما تقدَّم ذكره، يقول العلامة الخليلي في المقدمة: “وَلَـمَّا اطَّلع على نظمها العلامة الرباني، والبحر النوراني، وحيد دهره بلا ممانعة، وفريد عصره بلا منازعة، أبو مُـحَمَّد ناصر بن العلامة المولوي، الوليّ أبي نبهان جاعد بن خميس الخروصي، أمرني أن أثبت عليها شرحا لطيفاً مختصرا…”([6]).

تلاميذه: تتلمذ على يد العلامة المحقّق الخليلي كثيرون، وأشهرهم:

1ـ العلامة المحتسب صالح بن علي الحارثي (و: 1354هـ): قام بجهود كبيرة في قيادة الأمَّة على طريق الاستقامة، وله من المؤلفات “علم الرشاد في أحكام الجهاد” و”عين المصالح”، في الأجوبة الفقهية.

2ـ الإمام العادل عزَّان بن قيس البوسعيدي (و: 1260هـ): بويع بالإمامة سنة 1285هـ، فكان إماماً رضيا، آمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر.

3ـ الشيخ العلامة ماجد بن خميس العبري (1252هـ/1346م): صار المرجع في زمانه، وولي القضاء للإمامين عزَّان بن قيس وسالم بن راشد الخروصي.

4ـ الشيخ العلامة عبد الله بن مُـحَمَّد الهاشمي: صار واليا على الرستاق، وهو من شيوخ نور الدين السالمي.

5ـ جمعة بن خصيف الهنائي السمائلي: له أسئلة نظمية لشيخه، وشرح قصيدة شيخه “سموط الثناء”، وكان فقيها حاذقا جيد الخط.

6ـ الشيخ عمرو بن عدي بن عمرو (ت: 1317هـ): وله عدة أسئلة نظمية لشيخه، وأجابه عنها.

7ـ الشيخ سعيد بن علي الصقري الحارثي (ت: 1301هـ): من بلد “عزّ” من الشرقية، أرسل إليه قطب الأئمة بعض كتبه لطبعها ونشرها.

8ـ الشيخ مُـحَمَّد بن خميس السيفي النزوي: عالم، زاهد، شرح قصيدة شيخه “المعراج الأسنى”، وكان قاضي القضاة في عصره، جمع ورتّب أجوبة شيخه وسمَّاه “تمهيد قواعد الإيمان وتقييد شوارد مسائل الأحكام والأديان”، طبع في اثني عشر جزءا.

9ـ الشيخ خميس بن سليم بن خميس المعروف بأبي وسيم: عالم، فصيح، له أسئلة نظمية لشيخه.

10ـ الشيخ سعيد بن ناصر الكندي: أخذ عنه علم الأصول والفقه واللغة، وصار قاضيا بمسقط، ويرجع إليه في الفتوى.

مؤلفاته:

اشتغل المحقّق الخليلي ـ رحمه الله ـ أكثر شغله بإصلاح مجتمعه، وقيام العدل في أوساطه، ومع ذلك فقد ترك مؤلفات عدة، وهي:

1ـ مقاليد التصريف: منظومة في ألف بيت، ثُمَّ شرحها، وطبعت في ثلاثة أجزاء، ألفها وهـو لم يجاوز عمره ست عشرة سنة.

2ـ التيسير في شيء من الصرف اليسير (مخطوط).

3ـ المظهر الخافي: نظم لكتاب الكافي في علمي العروض والقوافي.

4ـ فتح الدوائر: وهي منظومة في علم العروض.

5ـ سمط الجوهر الرفيع، في علم البديع.

6ـ الدرة النورانية في الأحكام القرآنية، في علم التجويد.

7ـ النواميس الرحمانية في تسهيل الطريق إلى العلوم الربانية: وهو كتاب يعالج وسائل تحصيل العلم.

8ـ خطب لعيد الفطر والأضحى وللاستسقاء.

9ـ كرسي الأصول، في أحكام أصول الدين.

10ـ إغاثة الملهوف بالسيف المذكَّر في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

11ـ لطائف الحكم في زكاة النعم.

12ـ جوابات المسائل، وهي التي جمعها ورتبها الشيخ مُـحَمَّد بن خميس السيفي، وسماها “تمهيد قواعد الإيمان وتقييد شوارد مسائل الأحكام والأديان”، مطبوع في اثني عشر جزءا.

13ـ الجهاد ومن يجب عليه ومن لا يجب، رسالة مختصرة ضمن كتاب “التمهيد”.

14ـ الـردّ على المنذري، رسالة تكلـم فيها عن أحكام الوصايا،مطبوع ضمن كتاب التمهيد.

وفاته([7]):

توفِّي ـ رحمه الله ورضي عنه ـ في السجن في شهر ذي الحجَّة سنة 1287هـ، هو وولده مُـحَمَّد، بعد حياة حافلة بالسيرة الرضية، والهمَّة العليَّة، والسعي لإظهار العدْل، ونشر العلم والصلاح.


المطلب الثاني: الاجتهاد والتجديد عند الخليلي من خلال مكانته العلمية

يأتي الشيخ العلامة المحقّق سعيد بن خلفان الخليلي في أبرز قائمة العلماء المجتهدين المجددين، يظهر ذلك في مكانته العلمية، وما تركه من آثار في ذلك، فقد كان بحق “نموذجا فذّا لعلماء عمان في سيرته وتصرفاته، وسلوكيَّاته، وزهده، وعلمه، وإشاراته التأريخية، والتفاتاته البلاغية، وتعليقاته اللغوية، وروائعه الشعرية، فجاءَت مؤلفاته من أجلَّ المؤلفات العمانية، وأكثرها نضجاً وإشراقاً،وأحفلها إيضاحاً بالرأي”([8]).

“لقد كان العلامة المحقّق… ضمن كوكبة علماء عمان الذين كانوا بمثابة الجسور العلمية الواصلة بين القديم والجديد من علمائنا في عملية توازن محكمة، فكانوا ـ يرحمهم الله ـ كغدران تترقرق مياهها عذبة، تروي الظمأى، وتضفي على من حولها جوّاً مفعماً بكلّ ما يبعث البهجة في النفوس، والفرحة في القلوب، والأمل في العيون… وهو نموذج فذّ لِما كان عليه السلف الصالح من علم ومعرفة، ودقّة في المتابعة والدراسة، وتمسّك بأهداب الحق، وبحث عن الحقيقة، وقيادة للفكر على أساس من العدل، ومنهج من العلم دقيق، مدعم بالأدلة والبراهين”([9]).

نعم لا أدلَّ على كون العلامة الخليلي من أهل الاجتهاد والتجديد من حمله لقب “العالم الربَّاني”، أو “العالم المحقّق”، وهو لقب يختصّ به في الأثر المشرقي، واشترك معه في لقب “العالم الربَّاني” العلاَّمة ناصر بن جاعد الخروصي، كما أطلق على العلامة الخليلي لقب “إمام المذهب”، يظهر ذلك في الرسالة التي وجهها الشيخ العلامة محمد بن سليّم الغاربي ـ من أكابر العلماء في الباطنة ـ إلى الشيخين العلامتين عبد الله بن مُـحَمَّد الهاشمي وماجد بن خميس العبري في جواب لهما على بعض الأسئلة، قال: “وأنتما أيّها الشيخان تفضَّلا عرَّفا إمام المذهب في هذه الصورة”([10]).

وقال في موضـع آخر من جواب له لبعض سائليه: “والشيخ الربَّاني الخليلـي خالفني وأتى علـى ذلك حججا كثيرة مِمَّا يدفع ما نحن عليه”([11]).

وكان الإمام عزَّان بن قيس ـ رحمه الله ـ عندما يكتب إليه يخاطبه بلفظ: “سيَّدي العلامة”([12])، وما كان يتقدمه في شَيْء، ولا يصدر إلاَّ عن رأيه ([13]).

وكتب الشيخ المؤرخ ذو الغبراء خميس بن راشد العبري والد الشيخ العلامة ماجد بن خميس العبري كتب رسالة تظهر فيها مكانة الشيخ الخليلي العلمية، وفيها يقول: “قد كثرت مكاتبة شيخنا العالم سعيد بن خلفان إلينا يريد منا أن نكون في خدمته”، وقال في آخر الرسالة: “وفي زماننا هذا أنتما أئمَّة مذهبنا، وبكما نقتدي، وبعلومكما نهتدي”([14]).

أمَّا الشيخ أحمد بن عبد الله العبادي فأظهر له مكانته التي يستحقها، ومنزلته التي تسنَّمها، قائلا في بحثه الذي وجهه إليه: “شيخنا وقدوتنا العالم العلامة، شمس الزمان، ووحيد العصر والأوان”([15]).

أمَّا الشيخ العلامة مُـحَمَّد بن علي المنذري المقيم بزنجبار فيشهد للشيخ الخليلي بأنـه علاَّمة زمانه، والمشهـور له بالفضل في أوانـه([16])، وذلك بعدما اطلع على فقهه وقدرته على الاجتهاد.

أمَّا نـور الديـن السالمي فيشيـد به وبآرائه دائــما، فينعته بـ”المحقّق الخليلي”([17]) تارة، وبـ” المدقِّق الخليلي”([18]) تارة أخرى، وبـ”شيخنا الخليلي” ([19])، وبـ”شيخنا المحقّق” ([20])، وبـ”إمامنا المحقّق”.

يقول في جوهر النظام:

أفتى به في الـمــاء والنـخـيل             إمامنا المحقّق الخـلـيـلي([21])

أمَّـا قطب الأئمَّة مُـحَمَّد بـن يوسف فسمَّاه “جامع المعقول والمنقول”([22])، وفي موضع آخر ذكر أئمَّة الإباضية في العلم من أهل المغرب وعمان وقال: “كلُّ هؤلاء أئمة عـدول كبار، ومَن لم أذكر أكثـر مِـمَّن ذكر، ومن أهل عصري العلامـة سعيد بن خلفان”([23])، وشهدَ له بهذه المنزلة الكبيرة بعد أن رأى مكانتـه العلمية، ومنزلته التي بلغ بها شأواً عظيما في ذلك، وإن كان قبل هذه الشهادة منه يردّ عليه في بعض المسائل، ويشتد غضبه في ذلك، ولعله لم يعرف ما عنده، ولم يطَّلع على ما حواه من العلم، وشهادته الأخيرة تلك كانت في كتابه “تيسير التفسير”، وهو من الكتب التي ألَّفها القطب آخر عمره..

وأطلق عليـه شيخنـا المجدَّد العلامـة أحمد بن حمد الخليلي لقب “العملاق القطب الربَّاني والبحر الصمداني”([24])، وفي موضع آخر: “العملاق المحقّق”([25]).

ولا شكَّ أنَّ الشيخ سعيد بن خلفان هو علاَّمة في الفقه واللغة العربية، فقد نظم ألفيّة في علم التصريف وهو صغير في السن، يقول الشيخ العلامة أحمد بن حمد الخليلي: “إنَّ مؤلفنا فيما أخبرت قد ألف هذا الكتاب وهو لم يجاوز السادسة عشرة من عمره، حدثني بذلك أحد الثقات، وهو الشيخ القاضي سعود بن سليمان الكندي، نقلاً عن جده العلامة سعيد بن ناصر الكندي، وهذا الأخير كان ـ رحمه الله ـ تلميذاً للمحتفى به، فقد ذكر الناقل عن ذلك الشيخ بأن المحقّق الخليلي ـ رحمه الله ـ كان يتردد على الشيخ سعيد بن عامر الطيواني ببلدة بوشر، طالبا العلم منه، فافتقده فترة من الوقت، وذهب إلى أمه وسألها عنه، فلمَّا عاد إليها أقبلت عليه تلومه وتقرعه، بسبب انقطاعه عن الدراسة على يديه، فذهب إلى شيخه وهو يحمل إليه هذا الإنتاج العلمي الذي هو ألفية في علم التصريف… فيها من عذوبة القول وسلاسة التعبير وحسن التركيب ما رُبَّمَا يعدّ إنتاجا جديداً لم يكن له مثيل فيما تقدم”([26]).

ثُمَّ شرح هذه الألفية، وسمَّاها “مقاليد التصريف”، يقول في مقدمة الكتاب: “وقد مَنَّ الله عليَّ بألفية مغنية في هذا الفنّ الشريف، وسميتها ـ والحمد لله ـ بـ”مقاليد التصريف”، ولـمَّا اطَّلع على نظمها العالم الربَّاني والبحر النوراني، وحيد دهره بلا ممانعة، وفريد عصره بلا منازعة، أبو مُـحَمَّد ناصر بن العلامة المولوي الوليّ أبي نبهان جاعد بن خميس الخليلي الخروصي، أمرني أن أثبت عليها شرحا لطيفا مختصرا، ولم يقبل تعلُّلي كُلّما جئته معتذرا، فلم أستطع خلافاً لأمره ولا تبديلاً، بل تلوت: ﴿إنَّا سَنُلْقِي عَلَيكَ قَوْلاً ثَقِيلاً﴾([27]).

كما ألَّف كتابه “المظهر الخافي” وعمره إحدى وعشرون سنة، وهذا يدلُّ على فتح الله عليه معارف العلوم منذ صغره،وكان له صلة ببعض علماء الأمصار، كمصر مثلاً، وله مراسلات في ذلك، ومنها رسالته التي وجهها إلى الشيخ العلامة سعيد بن قاسم الشماخي، الذي كان أحد رجال الإصلاح في مصر، وهو تونسي الأصل من جزيرة “جربة”، وانتقل إلى مصر وأقام بها، وهذه الرسالة المشار إليها:

بسم الله الرحمن الرحيم.. نحمدك يا من شرح صــدور الأعــلام بنور توحيده فشكروا،وسقاهم من كأس محبته فسكروا، ونوّر عقولهم بمعرفته وأهّلهم لخدمته فقصروا نفوسهم عليه واقتصروا،وأظهرهم بالحجَّة البالغة فوق كل مخالف فقهروا، ويسّر لهم سلوك سبيل الحق فاقتدروا، وجعلهم أئمة يهدون بأمره لَـمَّا صبروا، فإذا ابتلاهم بمصاب أجروا، فمن صبر اجتباه، ومن رضي اصطفاه، فيا نعم ما ادَّخروا، فهم على كُلّ حالة في ذكره دائمون، وبشكره ناعمون، قد تاهوا به على الكون وافتخروا، أحمده حمد مَن لا يرضى عنه بدلا، ولا يبغي عن لزوم خدمته حولا. مصليا بأكمل الصلاة والتسليم على من أرسل إلى الثقلين بشيراً ونذيراً،وجعله داعيا إليه بإذنه وسراجا منيراً، وعلى آله وأصحابه الذين أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا. ينتهي تحرير التحية المغلغلة، والتسليمات المقفلة، وقد تعاورتها أيدي الرياح طربا، فجاءت بريا القرنفل منها نسيم الصبا، إلى مصر القاهرة، بل إلى تلك الحضرة الزاهرة، حضرة النحرير الفاضل والأديب الكامل، الشيخ سعيد بن قاسم بن سليمان الشماخي الجربي النفوسي المغربي، أقام الله في نصرة الْـحَقّ لواءه،وأدام على عرش العلوم استواءه، وجمّله بالتقوى، وصرف عنه كُلّ بلوى.

أما بعد: فقد أتتني منك رقيمة كريمة، وصحيفة شريفة، بعيد مداها، قريب هداها، يتضوَّع نشرها أرجا، ويتضوَّأ نورها حججا، قد أسفرت عقود سطورها عن شنب اللؤلؤ المنظوم، ولمعت بروق ثناياها عن وادق العلوم، فسرَّني ما أهدته إلينا من العلم بوجود سلامتكم، ودوام استقامتكم في ذلك القطر المغربي على هذا السنن الذي نهج صلوات الله عليه، بعد ما وهن الزمان، وفشا العدوان،وكاد أن يعود الدين كما بدا، وما أشبه اليوم غدا.

وقد ساءني ما ذكرته من مصاب الوالد ـ رضوان الله عليه ـ فإنَّا لله وإنا إليه راجعون، حكمه عدل، وقضاؤه فصل، ونحن له طائعون، نرجو عفوه وفي رحمته طامعون، أثقل الله فيه ميزانك، وضاعف فيك إحسانك،إذ بلغك به رتبة الصابرين، ليعظم فيه أجرك، ويرفع فيه قدرك فكن له من الشاكرين.

فإن من شكر المولى في كل ما مرَّ واحلولى، شكره بالرضا تحت مقاريض القضا، ناعما بشهوده بفنائه عن وجوده،فهو في صبر شاكر، ولسانه بأنواع الثناء لله ذاكر، والحمد لله على كُلّ حال.

وقد حرَّرنا لك هذا الكتاب، ونحن في حال يجب علينا لله حمده وشكره، بمكان يستوي فيه عرفه ونكره، وزمان طار في الْـحَقّ بغاثه وانحط نسره،نسأل عن أخياركم وأخباركم، ونستنشق نسمات أدواحكم وأرواحكم، ونستمد الله لنا ولكم، ونستهديه لما يحبه ويرتضيه.

وذكرت أَنَّهُ بلغك أن لي مصنفـات، فليتني أسعى في نشرها إليكم، فما كان لي أن أبخل بها عليكم، ولكني لست بذاك، ولا من يعدّ هناك، وما أحسن ما أنشدني في مثل هذا المقام الذميم للقاضي الفاضل عبد الرحيم.

ما أنــت أول سار غــره   قـــمــر           ورائـد أعجبته خضرة   الــدمـــن

فانظر لنفسك غيري إنني رجـــل           مثل المعيديّ تسمع بي ولا ترني

هذا والسلام عليكم وعلى كافة الإخوان من لديكم ورحمة الله وبركاته. من أخيكم الفقير المحب لكم إن استقمتم على طاعة ربكم سعيد بن خلفان بن أحمد الخليلي، حرر في سلخ شهر رجب الأصم سنة 1273هـ”([28]).

كما اطَّلع على بعض الكتب الفرنسية التي ترجمت إلى اللغة العربية، ولعلَّها جاءته من مصر، حيث ترجمت أيَّام النهضة العلمية الحديثة بها، حيث بعثت مجموعة من الطلبة إلى فرنسا، وكان المشرف عليها الشيخ رفاعة الطهطاوي، وذلك في عهد مُـحَمَّد علي باشا.

كما أن المحقّق الخليـلي واسـع الاطِّلاع في علوم شتّى فنجده مثلا “يتحدث في مؤلفاته عن أمور لم يكن ليعنى بها الفقهاء في ذلك الوقت، فمثال ذلك أَنَّهُ عندما تحدث في كتابه (لطائف الحكم في صدقات النعم) عن الأمراض التي تعتري النعم، وتخلّ في قيمتها، وتجعلها غير صالحة لايتائها في الزكاة، قال إثر ذلك: “ومن أراد مزيدا من الاطِّلاع على هذا فعليه بكتب البيطرة”، مع أننا نجد بعض علمائنا كانوا يتحفظون على قراءة كتب البيطرة، لِما تصوَّروه من بعض الفساد في الأخلاق الذي ينتج عنها، وليس ذلك بصحيح، فإن علم البيطرة علم الطب الحيواني، كما أن علوم الطبّ الأخرى تعنى بالطب الإنساني”([29]).

وكان ـ رحمه الله ـ ذا باع طويل في علوم القرآن وفنّ القراءات، وألف رسالة في علم التجويد، فهو بحقّ موسوعة علمية، ومدرسة سلوكية، شعَّ ضياؤها في أفق عمان، وتلألأ نورها في كُلّ مكان.


المطلب الثالث: الاجتهاد والتجديد عند الخليلي من خلال فقهه

إنَّ المحقّق الخليلي ـ رحمه الله ـ من أبرز علماء الشريعة في الاجتهاد والتجديد، لقدمه الراسخ في العلم، وعلوّ منزلتـه في الفهـم، فهو يرى أنَّ العالم المتمكِّن لا يقف في المسألة على النصوص، فإن وجدت فبها ونعمت، وإلاَّ أعمل رأيه، وعصر ذهنه، واستنبط وخرَّج، وفي ذلك يقول: “إن دين الله يسر، ليس فيه عسر… وقد أوضح للأنام معالم الحلال والحرام في الآيات المحكمات، والسنن النيرات، فما أتى بالنصِّ فيهما فهو الدين المجتمع عليه عند أولي الألباب، فهما أمّ الباب، وفصل الخطاب، من تمسك بهما نجا، ومَن خالفهما ضلَّ وغوى، وما لم يأت به فيهما نصّ صريح، فهـو على الصحيح، وموكل على الاجتهاد بالاستنباط من علماء الأمَّة، الهادين إلى سواء الصراط”([30]).

وتطبيقاً لذلك فهو يقول في بعض أجوبته: “فلينظر في هذا، فقد خرَّجت أكثره بالقياس والنظر، ولم أجده كذلك مشروحاً في أثره”([31]).

وهو في اجتهاده ونظره هذا يدرك ما يفتي به حق الإدراك، فيضع النقط على الحروف، والدواء على الداء، وينظر المصلحة ويراعي الأحوال في عصره، ومن ذلك قوله: “فالجاهل الظلوم في فساده يمنع من الرخص المعينة له على نيل الظلم لعناده؛ لأن ما يؤدي إلى العنت عليه أو على غيره ممنوع لعدم خيره… والتائب الخاضع لا يعان بالتشديد عليه الشيطان، بل يسهّل له الطريق إذا تعيّنت الضرورة إليها، ليخرج بها من المضيق”([32]).

والعلامة الخليليّ وإن كان بلا شكّ يجلّ آراء العلماء فيما قالوه من مسائل، ولكنه لا يمنع ذلك من النظر فيها، كقوله: “كُلّ آثار المسلمين الصحيحة جائز العمل بها، ولكن في بعض الآثار مسائل مجملة لابّد من النظر فيها، لتفصيلها وتفسيرها”([33]).

وهو يوازن بين عنايته بالآثار وبين استقلاله بالنظر والاعتبار، ومثال ذلك:

1ـ مسألة نية المسافر في عدد الركعات حينما يصلي وراء الإمام المقيم في الصلوات الرباعيات، قال: “والأصح عندنا في موجب النظر بالقياس والرد إلى الأصول أن منع المسافر من ذكر عدد الركعات ونية التمام إِنَّمَا هو قول ضعيف خامل، والصحيح جواز ذلك البتة، فلا نقض ولا فساد ولا كراهة لمن أبصر عدله”، ثُمَّ استدلَّ بأدلَّة تأييداً لرأيه، ثُمَّ قال: “أفليس في هذا كله ما يستدلّ به على ما قلناه، من تضعيف ذلك القول وتوهينه، بشاهد الردّ إلى صريح النقل ونتائج العقل، وإن قال به غير واحد من الأواخر والأوائل، فهم بِالْـحَقِّ رجال ونحن مثلهم في التعبّد رجال، وعلى كل مكلف أن يلتمس العدل لنفسه، ولا يقنع بشاهد التقليد، فيرجع به عـن برهان الْـحَقّ السديد؛ لأَنَّ ذلك ما لا يكاد يفعله من أشفـق على نفسه، وإن سمَّاه بعض مَن في الزمـان ورعا، أو ألزمـه الناس وجوبا، لقلـة علم وركاكـة فهم، فلا تعويل بحمد الله عليه”([34]).

2ـ مسألة أحكام النطق بالهاء في تكبيرة الإحرام، وفي ذلك يقول: “وقد أكثر العلماء الأوائل والأواخر من الجدل في تكبيرة الإحرام، إلاَّ أن تأدَّوا إلى الخصام من غير استماع حجة، ولا إيضاح محجة، كل يقول بقول لا يفسره على أصله، حتى تلج في المسامع حجته، فينكشف الهدى منه بأنوار الْـحَقّ لمن أراده فتأمله، وما اختلفوا في الأصل بالمعنى إلاَّ بالعبارة الاصطلاحية، ثم حدث بعدهم من لم يفهم الكلام، فنصبوا الأعلام، وقسَّموا الأقسام، وحاربوا الأنام، وأظهروا الأحكام، بتجهيل مَن خالف، ولغيرهم حالف، وما لهم إلى ذلك من سبيل، وما عندهم لو فهموا من دليل ﴿وَرَبُّكَ يَخلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَختَارُ﴾([35])، فمنهم من قال بتخريجها من الأنف، ومنهم من عدل إلى السكون المحض، لمن لم يحسن هيئة ما قالوه مِمَّا لا طائل تحته، وكل ذلك تخليط وتفريط، فقل إن شئت بالضمّ الصريح، أو الإشمام الصحيح، فالكل واحد وإن اختلفت العبارة، ولا بأس”([36]).

3ـ عُرض عليه في صورة سؤال كلام السيد مهنّا بن خلفان في كتابه “لباب الآثار” في الكفاءَة الزوجية، حيث يراها في النسب والدين والمال والجمال.

فأجاب الشيخ الخليلي أوَّلا معترفا بمكانة السيَّد مهنَّا العلمية، وما له من الفضل والصلاح، ولكن لغيره أن يجتهد وينظر، ونصّ كلامه: “إن هذا الشيـخ على ما ظهر لنا هو علامة زمانه، والمشهود له بالفضل في أوانه، لكنه قاس في هـذا الجواب باجتهاده، وأوضح فيه أنه من رأيه ونتيجة من فكره، صادرة عن عقله وفؤاده، ولغيره وعليه أن ينظر لنفسه، أو لمن بلي بالنظر له ما هو به أولى، إذا رآه عن بصيرة إلى الْـحَقّ، من دون طعن على غيره ولا ازدراء، ولا تنديد به ولا اجتراء”([37]).

وكلامه هذا ـ رحمه الله ـ في غاية من سموّ الأخلاق، والتزام بأدب الحوار الهادئ الهادف.

ثم استمرَّ في الجواب بنفَس طويل، ومناقشة واسعة، وبيَّن أنَّ الكفء إذا أطلق بمعنى “المثل”، فهو صحيح من حيث اللغة فيما ذهب إليه السيَّد المذكور، ولكن للكفء معنى آخر، عرفي شرعيّ، واصطلاحي فقهي، يطلق في هذا الباب على المثل من جهة النسب خاصة.

واستطرد في إيضاح ما يقول، مبطلاً أن يكون التكافؤ في الجمال والمال والدين.

فكان مِمَّا قاله في مسألة الجمال: “المقايسة بين الزوجين في جمالهما أو ما زاد عليه من كمالهما أمر لا تقبله العقول، ولم تأت به النقول،… فإن كان لهذا خبر أو صح به فنبؤوني بعلم إن كنتم صادقين، وائتوني عليه بسلطان مبين، كان هذه المقايسة بينهما في طولهما وقصرهما؟، أم دقتهما وضخامتهما؟، أم بياضهما وسوادهما؟،أم غيره من ألوانهما؟، أم في نجل أعينهما؟، أم حمرة خدودهما؟… إلى آخر كلامه”.

ثُمَّ بيَّن أَنَّهُ ليس المقصود بالمال كثرة الحطام والفضول، والمباهاة به والمكاثرة، والترفّع على عباد الله بالتطاول والمفاخرة، وَإِنَّمَا المقصود المعونة على كثرة المئونة، وسدّ الخلة ودفع الضرورة،ورفع الفاقة”.

ثُمَّ قال: “وإن شيخنا ذلك الفقيه المشار إليه لمنزه عن التعلق بهذا الخيـال، وإن قـال في تلك العبـارة ما قـال، فَإِنَّهَا من مجملات الأثر، ولابد في صحيح النظر من تفسير ذلك الإجمال فدع القول به…، وأما مساواة الزوج للمرأة في الدين فشيء لا يطَّلع عليه إِلاَّ رب العالمين، فكيف يصحّ أن يطَّلع عليه الولي أو غيره فيدريه، ولا أعلم أن ذلك مِمَّا يصح ذلك فيه؛ لأنَّ للإيمان درجات ومعارج، هي في أهله على تفاوت أحوالهم ومقاماتهم أكثر في العدّ من رمل عالج”.

ثُمَّ ختم تحقيقه في المسألة بقوله: “ولقد صرَّح الأثر وحققه النظر وأيدته الأفكار الصحيحة والعبر، أن الكفء إِنَّمَا هو من جهة النسب لصحة الحسب”([38]).

وللعلامة الخليلي ـ رحمه الله ـ تحقيقـات أخرى في علم الكلام، وذلك أَنَّهُ شاع في أوساط كثير من العلماء تفسير الذات العلية بالثبات، فيقولون: ذات الله ثباته، بل وقع خطأ ـ كما يقول المحقّق الخليلي نفسه ـ في بعض المؤلفات، فجاء فيها: ذات الله إثباتـه، وتناقل ذلك الناس خلفا عن سلف، وهذا خطأ فاحش، فتفسير الذات بالإثبات أمر مستحيل؛ لأنَّ الإثبات من صنع الإنسان، فالإنسان إذا أثبت شيئا، فإثباته هو فعله، ولا يمكن أن تفسَّر الذات بالإثبات.

أما تفسير الذات بالثبات، فهو من باب تفسير الـذات بالصفات، ويترتب على ذلك أن يقال: ذات الله قدرته، وذاته سمعه، وذاته بصره، وإن كان بلا شك أنَّ صفات الذات هي عين الذات، فصفات الذات معان اعتبارية أريد بها نفي أضدادها بالكلية، فلكل صفة منها مفهوم غير مفهوم الصفة الأخرى، ومفهوم الذات غير مفهوم الصفات، فذات الله هي: حقيقته الخاصة التي لا يعلمها أحد من مخلوقاته”([39]).

 

المبحث الثاني: الاجتهاد والتجديد عند نور الدين السالمي.

المطلب الأَوَّل: التعريف بنور الدين السالمي.

هو الشيخ العلامة نور الدين أبو محمد عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي من بني ضبَّة، وهي قبيلة عدنانية([40]).

ولد ببلدة ” الحوقين ” من أعمال ولاية ” الرستاق ” في عام 1286هـ /1869م، ونشأ في قريته، وتعلَّم القرآن الكريم على يد والده، وتربَّى في بيت تقوى وصلاح، وكُفَّ بصره وهو ابن اثنتي عشـرة سنة، وكان في صباه معروفاً بحافظته الخارقة، وذاكرته القوية، فكان لا يكاد يسمع شيئاً إلاَّ حفظه ووعاه([41]).

انتقل لطلب العلم إلى ” الرستاق ” فدرس على يد الشيخ العلامة راشد بن سيف اللمكي، (1262هـ/1845م ـ1333هـ/1914م)، فكان محل اهتمامه وتقريبه، لما عاين عليه من النجابة والذكاء.

ثُمَّ انتقل إلى الشرقية فنزل متعلّماً على الشيخ المحتسب صالح بن علي الحارثي (و: 1250هـ) فاكتسب منه علوم الشريعة، والهمَّة على النهضة السياسية في قيادة الأمة التي قام بها.

وكذلك درس الشيخ السالمي على يد الشيخ العلامة ماجد بن خميس العبـري (1254هـ-1346هـ)، الذي كان أكبر فقهاء أهل زمانـه، كما درس على يـد الشيخ العلامة عبد الله بن مُـحَمَّد الهاشمي(([42]).

ولا شكَّ أنَّ مَن كان هؤلاء شيوخه ومربُّوه، وهو على درجة كبيرة من التقوى والصلاح والنجابة والذكاء وحبّ العلم، تشرق شمس طلعته، ويسطع كوكب منزلته، ويرسخ قدمه في العلم.

أمَّا تلاميذه فكثيرون، وتكفي الإشارة إلى أبرزهم:

1ـ الإمام سالم بن راشد الخروصي (1301هـ/1884م ـ1338هـ/1920م): من قرية “مشايق” بالباطنة، اشتهر بالعدل وبالورع والزهد والعفاف.

2ـ الإمام محمد بن عبد الله الخليلي، (1299هـ/1882م ـ1373هـ): من أهل سمائل، علاَّمة مجتهد، وإمام عادل ورع.

3ـ الشيـخ العلامـة عامر بن خميس المالكي،(و: 1280هـ /1863م): من وادي بني خالد بالشرقية، كان من الطلاب المقربين عند الإمام السالمي وأحظاهم منزلة عنده، وصار من العلماء الكبار الذين يرجع إليهم في المهمات، وله مؤلفات عدَّة([43]).

4-الشيخ العلاّمة عبدالله بن عامر العزري الإزكوي (ت الاثنين 16 شوال 1358هـ/ 29/11/1939م([44]).

مؤلفاته:

ألَّف نور الدين السالمي في عدة فنون، الحديث وعلومه، والعقيدة، والفقه وأصوله، واللغة والأدب والعروض، والتأريخ، أوصلها بعض الباحثين إلى أربعة وثلاثين مؤلفاً.

أهمُّها:

1ـ شرح الجامع الصحيح مسند الإمام الربيع في ثلاثة أجزاء (مطبوع).

2ـ أنوار العقول، أرجوزة في العقيدة بلغت أكثر من ثلاثمائة بيتاً.

3ـ مشـارق أنوار العقول، شرح مطول لأرجوزة أنوار العقول (مطبوع).

4ـ شمس الأصول، ألفية في أصول الفقه.

5ـ طلعة الشمس على الألفية.

6ـ جوهر النظام، أرجوزة في أربعة عشر ألف بيت تقريبا في الفقه.

7ـ مدارج الكمال، أرجوزة في الفقه تزيد على ألفي بيت.

8ـ معارج الآمال في الفقه، طبع في ثمانية عشر مجلدا (وحقق وسيطبع فِي خمسة مجلدات).

9ـ مجموع الفتاوى في سبعة مجلدات (مطبوع)([45]).

وهي كُلّها تدل على علمه الواسع، واجتهاده المطلق، وتجديده في عصر ازدهر به، واستنار بنور معرفته، ثُمَّ توفي ـ رحمه الله ـ في اليوم الثامن عشر من شهر صفر من عام اثنين وثلاثين وثلاثمائة وألف للهجرة([46])، في عمر لم يجاوز ستا وأربعين سنة، رحمه الله وغفر له وأسكنه فسيح جناته، فهو كما قال واصفه:

“جمع العالم في حيزومه”([47])، وقـال: “لقد أحيى السنة، وأمات البدعة، وقوَّم الأَوَد، ونشر العلم والعدل، فرحمة الله عليه”([48]).

وكما قال آخر: “الذي همَّ فضاقت عن هممه هممُ الدهر، وأراد فعجزت عن إرادته إرادة الزمن”([49]).

المطلب الثاني: الاجتهاد والتجديد عند نور الدين السالمي

مكانته العلمية:

يعدُّ الإمام السالمي مجدَّدًا بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى، فهو مجدَّد لِما رثَّ من حبل إقامة شرع الله، كما تشهد بذلك سيرته التأريخيَّة في مجتمعه، وهو مجدَّد من حيث نشر العلم في ربوع وطنه بالتدريس، ومجدَّد في نشره بالتأليف، على اختلاف مدارك المتلقين والقارئين، ففي كتابه “تلقين الصبيان” ما يغني المبتدئ بأحكام دين الله ومعرفة واجباته، وأصبح هذا الكتاب مشتهراً مع الخاص والعام يحمله الصبية إلى مدارسهم مع المصحف الشريف جنباً إلى جنب، وإذا انتقلنا إلى مرحلة متقـدمة فـ”جوهر النظام” بغية المتعلم والفقيه، ومـرجع المدرك والنبيه، يحفظ كثير من العـوام أبيـاتا منه في العبـادات أو المعـامـلات أو الآداب والسلـوك، وكـذلك “مدارك الكمال”، وأمَّا شرحه “معارج الآمال” فهو موسوعة كبيرة، حوت كثيراً من أقوال العلماء الفقهية وآرائهم وأدلتهم ومناقشاتهم والترجيحات لتلك الأقوال، إلى غير ذلك من المؤلفات الأخرى، يقول الشيخ أبو إسحاق إبراهيم اطفيش: “معارج الآمال شرح لهذه الأرجوزة (يعني أرجوزة مدارج الكمال)، وقفنا على بعض الأجزاء منها، وهي تنبئ عن غزارة علمه وتدقيقه ورسوخه في علم الشريعة، بحيث لا يشق له غبار، قيل: إِنَّهَا تبلغ ستة عشر جزءا، إلاَّ أَنَّهُ لم يتم هذا التأليف الجليل”([50]).

ويقول عن مجموع تآليفه: “كان معروفا بغزارة العلم والاجتهاد، إليه انتهت رئاسة العلم فيما بلغنا بعمان، وظهر ذلك في تآليفه الجمة في مختلف الفنون الشرعية والعربية، وهو من أهل التحقيق والإجادة في التأليف”([51]).

ويقول شيخنا العلامة أحمد بن حمد الخليلي المجدد في هذا العصر عن مؤلفات الإمام السالمي: “عني عناية بالغة بالتأليف في مرحلة مبكرة من عمره المبارك، وقد بارك الله ـ سبحانه وتعالى ـ في عمره فأمدنا بما أمـدنا به من مواهبه السنيَّة، وتيسَّر أن يؤلف في مجالات شتى، حيث ألف في العقيدة، وألف في مجال الفقه، وفي اللغة العربية وعلومها، وفي التـأريخ، وفي موضـوعات متعددة، وكان في جميع هذه المجالات التي يؤلف فيها عالماً محقّقا جامعا بين المعقول والمنقول.

وناهيكم إذا رأيتم مؤلفاته التي يربط فيها القضية بالدليل، سواء كانت هذه القضية فكرية، أم كانت قضية فقهية، وفي الجوانب العقدية فإننا نجد أَنَّه يجمع فيها ما بين العقل والنقل…

أما الجانب الفقهي فهو ـ بلا ريب ـ المقصد العام الذي استطاع أن يربط الفقه بالسنة، وأن يربط الفروع بالأصول، وقد كان واسع الاطِّلاع بعلم الحديث، كما أَنَّه كان واسع الاطِّلاع قويّ المأخذ في علم أصول الفقه، وقد تمكن من ربط الفروع بالأصول، واستطاع أن يأتي في مؤلفاته بتحقيقات لم يسبق إليها في مجالات متعددة، وكان يعتمد أكثر ما يعتمد على الدليل، فلا يكاد يخرج عن الدليل، كما بيَّن نفسه منهجه عندما قال:

فإننـي أقفـو الدليـل    فاعــلــمــا           لم أعتمـد على كـلام   العــلــمــا

فالعلماء استخرجوا   ما استخرجوا           من الدليـل وعليـه    عــرَّجـــــوا

فهـــم رجـال وسـواهــــم    رجـل           والحـق ممّن جـاء حتما يقبل([52])

نعم، إن السالمي مِـمَّن يتبع الدليل ويقفو سواء السبيل، ومؤلفاته القيمة خير شاهد على ذلك، يقول الشيخ مُـحَمَّد مُـحَمَّد الدهَّان في تعليقه على الجزء الأَوَّل من فتاوى نور الدين السالمي: “بدأت أطالع هذا الكتاب المبارك فوجدت نفسي أمام موسوعة نادرة في شتى مجالات العلم وألوان المعرفة، تجلت فيها شخصية المؤلف الفذَّة، وإدراكه الشامل، وبصيرته النيّرة، وعقله الكامل، ولا غرابة في ذلك فإنه رغم حداثة سنة وفقد بصره خلف جيلا من أكابر العلماء، ترجع إليهم الأمة في شئون دينهم وأمور دنياهم، وزوَّد المكتبة الإسلامية بالكثير من الكتب القيمة والمؤلفات النافعة”.

وممَّا يعد تجديداً عنـد السالمي مؤلفاته المتنوعة، وأسلوبه الراقي البديـع، فهو الأصولي، والفقيه، والمحدَّث، والأديب، والمؤرخ، وهو علامة عصـره، وعلامة دهره، فلا ريب إن أشاد به القاصي والداني في ذلك، “فإنَّ من يطرق سمعه ذكر مؤلفات هذا العلم المحقّق يظنّ لأوَّل وهلة أنه أصوليّ وفقيه محدث فحسب، ولكنه بمجرد ما يقلب بعض صفحات أيّ مؤلف من مؤلفاته ولو كان صغير الحجم يجد الخير المتدفق والنور المتألق، فيحس أن القريحة التي جاءت بذلك الأسلوب الرفيع تنبئ بصدق ويقين عن موهبة أدبية لا تبارى، وفارس في مضمار الأدب لا يجارى”([53]).

وخير شاهد على مكانة الشيخ السالمي العلمية ومؤلفاته القيمة ما قاله عنه شيخه العلامة الكبير ماجد بن خميس العبري: “ما تأسفت لشيء كما تأسفت ذات يوم إذ صليت الظهر بالمسجد الأوسط في محلة بيت القرن من الرستاق، فلما فرغت من صلاتي وهممت بالخروج من المسجد إذا أنا بالشيخ السالمي حاملا كتابه يريد مني أن أشرح له فيه، وكنت لا أخلـو من شاغـل، فاختلست عنه لم أكلمه، وتركته في مسجـده ولم أرجـع إليه؛ لأنَّي ما كنت أظنـه يبلغ هذه الدرجة من العلم([54]).

ويقول في رسالة أخرى مشيداً بمؤلفاته وما لها من مكانة رفيعة مع طلبة العلم: “بسم الله الرحمن الرحيم من ماجد بن خميس بن راشد العبري إلى شيخه وصفيَّه عين الزمان وفخر عمان، وخلاصة الإخوان: عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي، سلمه الله من حوادث الزمان ونزغات الشيطان ومكايد العدوان، والمحبّ لك المسرور بوجودك بخير أدام الله لك الخير، وما هنا حادث مِمَّا يجب إسناده إليك سوى الخير، والداعي لرقم الكتاب إبلاغك التحية والسلام، والرغبة في الاطِّلاع على ما أنت فيه من الحال في هذا الزمان، فأنا لم أقف من مدة على أخباركم وما أنت فيه من الاشتغال.

ونرجو من الله تعالى أن لا يشغلك إلاَّ بمصالح الإسلام على حسب ما تقدم منك في سالف الأيَّام، فإن الكتب التي حباك مولاك بتأليفها لم يضاهها مع أهل المذهب تأليف فيما تقدم من الزمان، فصارت عند طلبة العلم هي المقصودة في هـذا الزمان، لسهولة تناولها، ولظهور بيانها، وفصاحة مؤلفها، وبلاغة كلامها، فصارت القلوب إليها قابلة، فلو كنت حاضرا هنا مع طلبة العلم حيث تهذّها الألسن مع تقابـل جباههم وجثيّ ركبهم، لرقص قلبك، وامتلأت فرحا مسروراً، وازددت حمدا وشكورا…”([55]).

هذه شهادة شيخه العلامة الكبير، ويظهر من رسالته التي صدَّرها بقوله: “من ماجد بن خميس إلى شيخه وصفيه ” أنه جعل الشيخ تلميذه شيخاً له حينما خاطبه،فما في الرسالة من تواضع جمّ غير منكور، فيها أيضا إظهار لمنزلـة السالمي العلمية، التي شعَّ نورها المضيء، وعمت بركتها القطر العماني وغيرها، حتى جعل قطب الأئمة يدرَّس تلاميذه منها.

قال عز الديـن التنوخي في مقدمتـه لشرح الجامع الصحيح للسالمي: “انتهت إليه رئاسة العلم بعمان، وظهر ذلك في تآليفه الجمة في مختلف الفنون الشرعية والعربية، مع التحقيق في مسائلها والإجادة في تأليفها كتبها ورسائلها… وإن الإنسان ليعجب كيف استطاع أن يؤلف تلك المكتبة في عمره القصير وهو لم يبلغ الخمسين، فهـو في قصر عمـره وكثرة كتبه نظير شيخنا الجمال القاسمي -رحمهما الله-“([56]).

هذا هو التحقيق والتجديد للعلماء الكبار، يظهر فيما يتركونه من آثار تزخر بها المكتبة الإسلامية، وتشرف بها أوجه الدنيا الحضارية، والسالمي من هـؤلاء العلماء الأفذاذ، بل هو كما قال العلامة العبري: “كان -يرحمه الله- قطب دائرة العلوم بعمان، لا نعرف أصلاً من علماء المشرق يباريه في علم الحديث وأصول الفقه”([57]).

أمَّـا قـوله: “في علم الحديث” فنعم، هو مِـمَّن قال عنه واصفه: “ويفهم من شرح هذا المسند أن الشارح من المتمسكين بالحديث الصحيح، وأرباب العقل الراجح، والمعظمين للرسول e وأقواله، والمهتدين بسنته وأفعاله، فهو في شرحه لهذا المسند يمحص أقوال العلماء، ويختار على أقوال هذا المذهب ما صح من حديث الرسول e، فليس هو مِـمَّن يرى العمل على الفقه لا على الحديث”([58]).

أمَّا في الأصول فَإِنَّهُ لم يكن جامعاً لآراء الأصوليين فحسب، وإنما كان أصوليا وفقيها لا يشق له غبار، وكان يعيب على أهل زمانه تركهم هذا العلم، وفي ذلك يقول: “وقد رغب عن ذلك كثير من أهل زماننا، لجهلهم بما فيه من التحقيق، وصعوبة ما فيه من التدقيق، فقصارى متفقههم حفظ أقوال الفقهاء، وغاية نباهة أحدهم رواية ما قاله النبهاء، لا يدرون غثّ الأقوال من سمينها، ولا خفيفها من رزينها، قد حبسوا في التقليد المضيق عن فضاء التحقيق، وليتهم لـمَّا وقعوا هنـالك عرفوا منزلتهم بذلك، ولم يدَّع أحدهم منزلة ابن عباس، ويقول: هلمّوا أيها الناس، فإنا لله وإنا إليه راجعون، ذهب العلم وأهلوه، وبقي الجهل وبنوه”([59]).

وأمَّا في الفقه فإن موسوعته “معارج الآمال” في ثمانية عشر جزءا شاهد على بحره الزاخر في العلم، وأفقه الواسع في الفهم، ففيها حرَّر وأصَّل، وعلَّل وفصَّل، وذلك أنه نظم مختصر الخصال لأبي إسحاق الحضرمي وسمَّاه “مدارج الكمال” ثُمَّ شرحه في “معارج الآمال”، وفي ذلك يقول: “وقد منَّ عليَّ المنَّان بنظم خصاله، على منوال مخالف لمنواله، مع تركي منه ما تكرر، وتقديم ما تأخر، وقد حذفت منه كتاب الاعتقاد، اكتفاء “بأنوار العقول، وغاية المراد”، وقد زدت فيـه أكثر مِمَّا حذفت، وأخلفت أكثـر مِمَّا خلفت، وسميته “مدارج الكمال بنظم مختصر الخصال”، ثُمَّ رأيت تماما منوط بشرح يوضح مرامه، ويزيح إبهامه، وينشر أعلامه، أقرن فيه المسألة بدليها، وإن تكن مقيسة سعيت في تأصيلها وتعليلها، وإن تكن مشكلة أو مجملة اجتهدت في تحريرها، وأخذت في تفصيلها على حسب الإمكان، لقصد البيان، فـإن وجدت لغيري في ذلك ما يشفـي اكتفيت به، إذ السعيد من بغيره يكتفي، وسميت هذا الشرح “معارج الآمال على مدارج الكمال”([60]).

وقد كتب أحد الباحثين رسالة بعنوان “الدور الفقهي للإمام أبي محمد عبد الله بن حميد السالمي في المدرسة الإباضية من خلال كتابه معارج الآمال” نال بها شهادة الماجستير من جامعة آل البيت بالأردن في عام 1424هـ /2004م، وذكر تسعة أوجه تبين أهمية هذا الكتاب وهي:

1)                     اهتمامـه الكبير بعلم أصـول الفقـه.

2)                     الاهتمام بعلم القواعد والضوابط الفقهية.

3)                      مراعاتـه لمقاصـد الشريعة الإسلامية.

4)                     وفرة الترجيحات من المؤلف في الكتاب.

5)                     استقصـاؤه لفقـه المذهب الإبـاضي.

6)                     وضوح الرؤية، لما أضفاه إليه مؤلفه من عذوبة الألفاظ، وجمال الأسلوب، وسهولة العبارة.

7)                     ذكـر ثمرة الخـلاف.

8)                     إيضـاح وجوه الأقوال.

9)                     المنـهـج المقـارن([61]).

وبذلك “يبقى السالمي علامة مضيئة في دروب الفكر العماني، ونجما يتألق في سماء المعرفة، وتبقى مؤلفاته مصدر إعجاب المفكرين من دارسين وباحثين ومحقّقين” ([62]).

المطلب الثالث: الاجتهاد والتجديد عند نور الدين السالمي من خلال فقهه

لقد كان الشيخ السالمي ـ رحمه الله ـ مجتهداً محقّقا مجدَّدا، لا يرجح من الأقوال إلاَّ ما أيده الدليل من كتاب، أو سنة، أو إجماع، أو قياس، أو استدلال، أو استحسان، أو مصالح مرسلة معتبرة في ميزان الشرع، تحقق مقاصد الشريعة، فهو القائل:

فنحـن حيث أمر    القـــرآن            لا حيث ما قال لـنـا   فــــلان

نقدم الحديث حيث   جـــاء            على قيـاسنــــا ولا    مـــــراء

وقال:

وربما أخالف   الـمــشـهـورا            وأذكرن ما لم يكن    مــذكــورا

لأنني أقفو الدليل فاعــلــمـا            لم أقتصر على مقال   العــلــمـا

وقال:

حسبك أن تتبع الـمــخـتارا            وإن يقولوا خالـــف   الآثــــارا

فهو “لم يكن مقلدا ولا متبعا إلاَّ الْـحَقّ، كان يؤمن أن من حق العقل أن يبحث ويدرس، ومن حق المجتمع أن يبحث ويدرس، ومن حقّ الإنسانية على عقل العالم أن يبحث، وأن يمتصّ ذلك الرضاب الكريم من تشريعات رب العالمين، ثُمَّ يقدمها جنى شهياً فيه شفاء العقول والقلوب” ([63]).

وكان يتتبع آراء المذهب في المسألة ويستقصي فيها أقوال علمائه، ومن ذلك قوله: “ولم أجد لهم فيها قولاً غير هذا”([64]).

” وليس لأصحابنا في الأثر القديم قول بأنه…” ([65]).

ومن مظاهر التجديد عنده التوسع في المقارنة والنقل عن كثير من علماء الإسلام من غير المذهب، فقد نقل في المعارج عن عدد كبير منهم يصل إلى مائة وعشرة من العلماء ([66]).

وكان لا يشنع مَن خالفه، ويحتمل له، ويلين الجانب معه، ويعترف له بقدره ومنزلته، سواء كان من أهل المذهب أو غيره، والدليل على ذلك:

1ـ في مسألة اشتراط الدلك باليد حال الغسل من الجنابة، فقد رخص فيما إذا قام شَيْء مقام اليد عن ذلك، إلاَّ أنَّ العلامة ابن بركة قال: “وفي نفسي من جواز هذا على ما شرطنا شَيْء…”([67]).

قال الشيخ السالمي معقبا: “ولا بأس فهو محلّ اجتهاد، وأبو مُـحَمَّد من أهل ذلك”([68]).

2ـ في مسألة سؤر البقر، حيث يرى هو طهارته، ونقل عن الشيخ العلامة موسى بـن علي القـول بنجاسته، مستثـنيا له عـن باقي أسآر الأنعام.

فقال الشيخ السالمي معلقاً: “ولعل موسى ـ رحمه الله ـ لم يستثن سؤر البقرة إلاّ لما يخشى مـن مسّ فمها للنجاسـة، فَإِنَّهَا في الغالب لا تفـارق موضـع بولها، ففـي كثير من الأمكنة تحبس في أدراسها، فاستثنى سؤرها لما وقعت فيه من الاسترابة، وهو اللائق بمنصبه العالي”([69]).

أمَّا تعامله مع علماء الإسلام من غير المذهب فمثل سابقه ويظهر ذلك على سبيل المثال لا الحصر في:

1ـ مسألة القنوت في الصلاة، قال بعد عرضه الخلاف فيها: “والمسألة محلّ رأي، فثبت عند أصحابنا النسخ فأخذوا به، ولم يقطعوا عذر من لم يصحّ معه ذلك…”([70]).

2ـ في مسألة وقت صلاة الكسوف، قال بعد ذكره لآراء الحنفية والشافعية والمالكية: “وهي مسائل اجتهاد، لا يخطأ فيها القائل برأيه، إذا كان من أهل الرأي في ذلك”([71]).

ومن اجتهاده وتجديده في بعض المسائل ما يلي:

1ـ مسألة الإقامة للصلاة:

فقد درج العمل في المجتمع العماني أنَّ الإمام في الصلاة هو الذي يقيم لها ولو لم يؤذن هو، وذلك لاشتراطهم أن يكون المقيم ثقة، ويقبلون الأذان من غيره، فجاء نور الديـن السالمي وأنكر هذا الفعل، وبيَّن أن السنة يقيم المؤذن، وهكذا كان فعل السلف، وما حدث هو تبديل وتغيير، فقال في جوهر النظام:

إذ كـان في سنتــه مَن أذَّنــا            فهـو يقيم وعليـه   صــحــبــنا

حتى أتى من جهلوا المسنونا            وهـم للاحتيـاط    يدَّعـــونــــا

فبدلـوا وليتهـم ما بدَّلــــــوا            ورسخت بقلب مَن   لا يــعــل

حتى ادعـاها سنة واحتــالا            علـى ثبـوتها بما قـــــد قــالا

وهو لعمري جـدل   مــحــرَّم            لأنـه يقـول ما لا   يــعــلـــــم

وأنه ساع لهـدم   الســنـــــه            بجهـله كـفى بهـذا   مــحــنه

لو كان سنة كما قد زعــمــا            لم تـفتن أسلافنا   والعـلــــــما

كيـف تكون سنة مخــالــفه            لما عليـه العلمـاء   الســالــفــه

وفعلـه صلـى علــيــه   ربّــه            مشتهر مضى عليه صــحــبــه

والخلفـاء الراشدون   أجــمع            إلى انتهـائهم عليه أجمعوا([72])

وقال في كتابه ” معارج الآمال: “فهذه السنة النبوية، وهذه الآثار المشرقية والمغربية كُلّها مصرّحة المقيم هو المؤذّن، فلا معنى لما حدث آخر الزمـان من استبداد الإمام بالإقامة دون المؤذن، فإن ذلك على خلاف السنة قطعاً”، ثُمَّ قال: “فالواجب على كل من قدر أن يحمي السنة في هذا الزمن الكدر، وأن يقوم لله تقرباً بإحيائها ورغبة في فضلها”([73]).

“فتـرون أن الإمـام يحرص على اتباع ما كان عليه رسول الله ـ e ـ وما كان عليه خلفاؤه الراشدون، وما كان عليه سائر الصحابة y، ولا يؤثر عليهم قول أحد من غيرهم، وقد يواجه ما كان عليه العمانيون من قبل بحزم وعزم وشدة، حتى استطاع أن يغيّر تلك الحالة التي كان عليها من قبله”([74]).

2ـ مسألة تنفيذ وصيَّة من أوصى بأن يقرأ القرآن على قبره:

فقد رجَّح ـ رحمه الله ـ عدم قراءة القرآن على القبور، وإن كان أبدى احترامه للرأي الآخر، ولكن اتباع السنة واجب، قال في جوهره:

ورجل وقف مالاً   واشتــــرط            أن يقرؤا به على القبر   فــقــط

فالـوقف ثابت وما يتشــرط            فقيـل ثـابت وقيل يســقــــط

وأكثـر الأقـوال ممن ســلــفا            إثبـاته إن قبـره قـد عــرفــــا

قيـل ويقعـدن إن   لم يعـرف            بيـن القبـور ثم يقرا ويــفــــي

ولا أرى ثبـوت هذا الشــرط            ولست للمثـبت   بالــمــخطَّـي

أتعمـرن قبـورنا   الـــدوارس            ويتـرددن إليهـا   الـــــــدارس

وهـذه المسـاجد    الــمــعـده            نـخـربها وهي لـذاك عــــــده

ثم قال:

والمصطفى قد زارها   ومـا قرا            إلا سـلاما ودعـا   وأدبــــــــرا

ولم تكـن قـراءة   القــبـــــور            بسنـة تـوجد في    الــمــأثـــور

لو كـان خيرا سبق الــمختار            له وصحبـه مــتـى مـــا   زاروا

فشـرط مـن وقــــف   لا أراه            بـاق لخلفــه لـــــمــــــا رواه

وكل ما خالف أمـر المصطفى            يبطـل لـو يشرطه من   وقــفــا

ثُمَّ قال:

حسبك أن تتبع الــمختــارا            وإن يقولوا خالف الآثــــارا([75])

3ـ مسألة مَن أوصى بحبّ ينثر للطير:

فقد حكى ثبوت الوصية في الأثر عن العلماء، وأنَّ الشيخ سالم بن سعيد الصائغي صاحب الأرجوزة تعجب من ثبوت ذلك، لكنه أوجب اتباع هذا القول، وَأَنَّهُ ليس للرأي والنظر حظّ عند ورود الشرع من أهل البصيرة، وهم العلماء، ولكن الشيخ السالمي أبطل هذه الوصية، ورأى أن السنة تمنع من إضاعة المال، والأثر المانع للنظر هو ما أتى عن المختار ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ لا ما قاله العلماء، ولو لم يكن ذلك لانسدَّ باب العلم، ويعني به الاجتهاد، ولزم التقليد، قال في الجوهر:

وقيل إن أوصـى   بحبّ ينثر            للطيــر إنَّ ذاك ليس     ينكــر

إن كان قد عيَّن فيه موضــعا            فـإنه يثـبت مـا قـد وقــعـــــا

والأصل مـن ثبوتـه   تعجَّــبا            لكنـه اتبـاعه قـد أوجــبــــــا

إذ ليـس للآراء حظ والنظــر            عند ورود الشرع من أهل البصر

وأنت تـدري أن هذا الأثــرا            ونحـوه لا يـمنعنَّ   النــظـــــرا

والأثر المانـع مـا قــــد   وردا            عن النـبي المصطفــى مــؤكّــدا

فقــولهم عنـد ورود   الأثــــر            لاحـظَّ فيـه أبــدا   للــنــظـــر

معنـاه مـا أتـى عن المختــار            ينـفـي خـلافه مـن   الأنظــــار

وباختلاف الاصطلاح في الأثر            قد اختفى المعنى على من قد نظر

ما كل قـول سطّـروه   يمــنع            ذاك ولا الخـلاف طـرّا يسمــع

لو كان ذاك انسدَّ باب العلم            ولـزم التقـليـد عنـد   الفــهـــم

وهـم مـن التقليـد يمنعــونـا            لأنـهم للحـق   يــتــبــعـــونـا

حثّوا على استعمال فكر الناظر           ورفعوه في المقام   الشـــاهــــــر

ما الحب للطيـور عندي يقع            فإنَّ من أوصى به   مــضــيّـــع

والـمال أن نضيعـه   نـهينــا            والنهـي عـن نبيَّنــا رويــنــــا

فـلا أرى الثبـوت للوصـيــة            به ولـو كان حمــــام   مـــكــة

فهـي إلى الـوارث تـرجـعـنَّا            كـذلك التـوقيف يــبــطــلنا([76])

4ـ مسألة حكم التيمم للثوب النجس:

وذلك فيمن لم يجد إلاَّ ثوبا نجساً وحان وقت الصلاة ولم يكن معه ماء، فهل يصلي بذلك الثوب؟، أم يلزمـه أن يـيمَّمه قياساً على التيممّ للبـدن؟ وهذا هـو الذي عليه الفتـوى قبل الإمام السالمي، وصفة ذلك “أن يسحبه على وجه الأرض قاصدا لطهارته بالتراب، ثُمَّ يقلّب عاليه سافله فيسحبه من الجانب الآخر أيضا، وذلك هو طهارته عن العدم”(([77]).

ورأى الإمام السالمي خلاف ذلك قائلاً: “وهذا كله إِنَّمَا يصح هذا على جهة الاحتياط والاحتيال في الطهارة حسب الإمكان، وأما على جهة الإيجاب والإلزام فذلك عندي لا يصحّ: أمَّا أوَّلا: فإن الشارع إِنَّمَا ورد بالتيمّم في الجسد دون الثياب، فإيجابه في الثياب إيجاب لشيء لم يثبت من جهة الشرع.

وأمَّا ثانياً: فإن التيمم عبادة غير معقولة المعنى، وَكُلّ ما كان غير معقول المعنى فلا يصح القياس عليه؛ لأنَّ القياس لا يصحّ إِلاَّ بعلة جامعة بين الأصل والفرع، وغير معقول المعنى لا تعلم علته حتى يقاس عليه ما أشبهه.

وأمَّا ثالثاً: فإن التيمم المشروع إِنَّمَا يكون في الوجه واليدين، وليس لنا تيمم في غيرهما أصلا، فإيجابه في الثياب زيادة لتيمم مخالف مشروع”([78]).

ثُمَّ قال: “وإن كان على جهة الاحتيـاط فلا بأس بـه، وينـبغي ألاَّ يفعل، لئـلاَّ يكون ذريعة إلى اعتقاد لزومه، والله أعلم”([79]).

ذكر هذه المسألة في كتابه جوهر النظام:

وليـس في السنــة والكتــاب            تيمـم المصحف    والــثــيـــاب

كـذاك أيضا منحــر الذبيحه            ليس بـه روايـة   صــحــيحــه

ولم أجـد أيضا لــه استنباطا            وإنمـا قـالوا بـه   احتيــاطــــا

وجاء من لم يفهمــنَّ المعـنى            فظـنَّ أنـه اللــزوم    يــعــنــى

ولا يصحّ أن يقــاس فاسـمعا            على التيمم الذي قـد   شــــرعا

لأنـها طهــارة لم   يعــلــــم            مـوجبها سـوى مقام   العــــدم

موضعهـا في الوجه واليديــن            ولا تصـحّ في سـوى   هــذيــــن

فكيف بالثياب حين تسحب            في التـرب والمصحف إذ يـترَّب

وذاك حيـن نالت النجـاسـه            جميعـه أو لحقـت قــرطـاسـه

لأن في الغسل لـه ضـــروره            كذاك حكم الكتب الـمسطوره([80])

5ـ مسألة حكم تأخير أداء الزكاة:

وهذه المسألة توضح لنا كيف تغيَّر اجتهاد الإمام السالمي فيها، من منطلق حرية الاجتهاد، فقد حكى خلاف العلماء في المسألة قائلاً: “قيل: إن تأخيرها جائز،فيسع الإنسان أن يؤخرها من حـال إلى حال، ما دام في نيتـه أداؤها؛ لأنَّ الله تعالى أمره بأدائها أمرا مطلقا من غير تحديد وقت، فمتى أدى ما وجب عليه صار ممتـثلاً، فلا يعصي بالتأخير على هذا القول ما لم يقصد الترك “([81]).

وقـد صحَّح هذا القـول في مشارقه، ونصُّ كلامه رحمه الله: “قلنا: قد قيّد جواز التأخير بما إذا لم يكن معتقـدا تركها، فأمَّا من اعتقـد تركها مجتـزئا بالوصية في آخر عمره فهو هالك عندنا”([82]).

ثم إِنَّهُ عدل عن هذا الرأي في ” معارج الآمال ” بقوله: “وإذا تأملت آيات الكتاب العزيز وأحوال السنة النبوية ظهر لك من لحن الخطاب تحريم التواني في أدائها، وأن المتواني بعد الإمكان عاص، وليس هو بمنزلة من توانى في الأمر المطلق؛ لأنَّ تأكيد الزكاة والتشديد فيها، يؤكد الفورية فيها، وهذا الحال لم يوجد في الأمر المطلق، فنحن إِنَّمَا نقول بوجوب التعجيل عند الإمكان بانضمام أحوال مع الأمر بالأداء، لا بنفس الأمر حتى يلزمنا القول بجعل الأمر للفور، ثم إن تأملت ما يترتب على التأخير من المفاسد الدينية والدنيوية ظهر لك رجحان القول بوجوب التعجيل”.

ثُمَّ قال: “فأمَّا ما أوجبت به في المشارق، فذلك أمر مبني على التوسعة الدينية، وهذا عائد إلى سياسة العالم، ومراعاة صلاحيتهم في الدين والدنيا، وإن الفقيه المفتي كالطبيب الماهر، يصف للعلة الواحدة إذا كانت في أشخاص متعددة أدوية مختلفة، فقد يصلح هذا ما يفسده هذا، والله أعلم”([83]).

الخاتمة

هذا ما منّ الله عليّ من إتمام هذا البحث, وعسى أن أكون وفقت في المشاركة ولو بشيء قليل في إظهار مكانة العلامتين القطبين الخليلي والسالمي في الاجتهاد والتجديد, وقد تبين لي في نهاية المطاف ما يلي:

1-  أنهما مجددين لما رثّ من حبل إقامة الشريعة.

2-  أن مكانتهما العلمية كبيرة في أوساط مجتمعهما, يعرف ذلك الخاص والعام.

3-  أنهما بلغا في الاجتهاد مكانة عظيمة,لِما حباهما الله إياه من علوم الشريعة بأنواعها المختلفة.

4-  أنهما خدما المجتمع خدمة جليلة وذلك بنشرهما للعدل والعلم.

5-  أنهما بثاّ روح المعرفة وأرسيا قواعدها بين كثير من طلبة العلم,فحملوه بأمانة واقتدار, وقاموا بالواجب وأكملوا المسار.

وصلى الله وسلّم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين…

المصادر والمراجع

  1. اطفيش، محمد بن يوسف، تيسير التفسير، وزارة التراث ـ سلطنة عمان،1408هـ/1987.
  2. اطفيش، محمد بن يوسف، كشف الكرب، وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان، 1405هـ /1985م.
  3. الخصيبي، محمد بن راشد، شقائق النعمان.
  4. الخليلي, سعيد بن خلفان, المظهر الخافي.

5.  الخليلي، أحمد بن حمد، الخليلي فقيها ومحقّقا, ضمن كتاب “قراءات في فكر الخليلي” حصاد الندوة التي أحياه المنتدى الأدبي عن المحقّق الخليلي، في الفترة من 17-18/ذو القعدة 1413هـ الموافق 8-9/ مايو 1993م.

6. الخليلي، سعيد بن خلفان، إغاثة الملهوف بالسيف المذكر،(مخطوط).

7.الخليلي، سعيد بن خلفان، تمهيد قواعد الإيمان.

8. الخليلي، مقاليد التصريف، دار إحياء الكتب، 1986م.

9. الراشدي، د. مبارك بن عبد الله، الشيخ العلامة سعيد بن خلفان وفقهه.

10. الرواحي، ناصر بن سالم، ديوان أبي مسلم، دار المختار، 1406هـ/1986.

11. السالمي, عبدالله بن حميد, شرح الجامع الصحيح.

12. السالمي، عبد الله بن حميد، الجوابات.

13. السالمي، عبد الله بن حميد، تحفة الأعيان.

14. السالمي، عبد الله بن حميد، جوهر النظام.

15. السالمي، عبد الله بن حميد، طلعة الشمس.

16.  السالمي، عبد الله بن حميد، مشارق أنوار العقول، تح: عبد الرحمن عميرة، ط1، دار الحيل، بيروت، مكتبة الاستقامة، سلطنة عمان، 1409هـ/1989م.

17.  السالمي، عبد الله بن حميد، معارج الآمال على مدارج الكمال بنظم مختصر الخصال، تح: محمد محمود إسماعيل، (د.ط)، وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان، 1403هـ/1983م.

18. السالمي، محمد بن عبد الله، نهضة الأعيان

19. السعيد محمد بدوي وآخرون، دليل أعلام عمان.

20.  السيابي، خالد بن سالم، الدور الفقهي للإمام أبي محمد عبد الله بن حميد السالمي، في المدرسة الإباضية من خلال كتابه معارج الآمال، (ماجستير، جامعة آل البيت، الأردن) 1424هـ / 2004م، بحث غير منشور.

21. السيابي، سالم بن حمود، إسعاف الأعيان في أنساب أهل عمان.

22. العبري, إبراهيم بن سعيد، تبصرة المعتبرين في تاريخ العبريين، مخطوط، لدى الباحث صورة منه.

23. العبري، إبراهيم بن سعيد، مقدمة كتاب “العقد الثمين نماذج من فتاوى نور الدين”.

24. الكندي, د. إبراهيم بن أحمد، السالمي أديبا ولغويا من ضمن بحوث ندوة ” قراءات في فكر السالمي”.


    [1]) السالمي، محمد بن عبد الله، نهضة الأعيان، ص377.

    [2]) الخليلي، أحمد بن حمد، الخليلي فقيها ومحققا، محاضرة ضمن كتاب “قراءات في فكر الخليلي”، نشر المنتدى الأدبي، سلطنة عمان، ط2،1427هـ/ 2006م، ص11.

    [3]) ابن رزيق، حميد بن محمد، الفتح المبين في سيرة السادة البوسعيديين، ص445. الحارثي، خلفان بن محمد، فقه الشيخ سعيد بن خلفان، ص40. الراشدي، د، مبارك بن عبد الله، الشيخ العلامة سعيد بن خلفان الخليلي وفكره، ضمن كتاب ” قراءات في فكر الخليلي “، ص131.

    [4]) مقدمة كتاب المظهر الخافي للعلامة الخليلي.

    [5]) الخليلي، أحمد بن حمد، الخليلي فقيها ومحققا، ص12، الحارثي، فقه الشيخ سعيد بن خلفان، ص38.

    [6]) الخليلي، مقاليد التصريف، دار إحياء الكتب، 1986م، 1/3.

    [7]) انظر مزيدا عن حياته وآثاره العلمية: السالمي، محمد بن عبد الله: نهضة الأعيان، ص72 وما بعدها. الخصيبي، مُحمَّد بن راشد: شقائق النعمان، 62-68. الخليلي، أحمد بن حمد، الخليلي فقيها ومحققا، ضمن كتاب “قراءات في فكر الخليلي”، ص11 وما بعدها، الراشدي، د، مبارك بن عبد الله: الشيخ العلامة سعيد بن خلفان وفقهه، (المرجع السابق) ص،152-160، الحارثي، خلفان بن مُحمَّد: فقه الشيخ سعيد بن خلفان، ص44-55.

    [8]) مقدمة “قراءات في فكر الخليلي”، حصاد الندوة التي أحياه المنتدى الأدبي عن المحقق الخليلي، في الفترة من 17-18/ ذو القعدة 1413هـ الموافق 8-9/ مايو 1993م، ط2، المنتدى الأدبي، سلطنة عمان، 1427هـ/ 2006م، ص3-4.

    [9]) المرجع السابق، ص6.

    [10]) الخليلي، سعيد بن خلفان، إغاثة الملهوف بالسيف المذكر،( مخطوط)، ص85.

    [11]) المرجع السابق، 10/63.

    [12]) الخليلي، سعيد بن خلفان، تمهيد قواعد الإيمان،10/41.

    [13]) السالمي، عبد الله بن حميد، تحفة الأعيان،2/239ـ240، السالمي، محمد بن عبد الله، نهضة الأعيان،ص 386.وانظر: الراشدي، د، مبارك بن عبد الله، الشيخ العلامة سعيد بن خلفان الخليلي وفكره، بحث ضمن ندوة الخليلي ( مرجع سابق)، ص161.

    [14]) السالمي، عبد الله بن حميد، تحفة الأعيان، 2/222، 219.

    [15]) اطفيش، مُـحَمَّد بن يوسف، كشف الكرب، 2/120.

    [16]) الراشدي، د، مبارك بن عبد الله، الشيخ العلامة سعيد بن خلفان وفقهه، ( مرجع سابق)، ص162.

    [17]) انظر: السالمي، عبد الله بن حميد، الجوابات، 1/198، 3/528، 236، 217، 212، 205، 194، 136، 128، 124.

    [18]) المرجع السابق 6/262.

    [19]) المرجع السابق،1/523، 265، 217، 3/502، 183.

    [20]) المرجع السابق 4/112.

    [21]) السالمي، عبد الله بن حميد، جوهر النظام، ص359.

    [22]) اطفيش، محمد بن يوسف، كشف الكرب، وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان، 1405هـ/ 1985م،1/117.

    [23]) اطفيش، محمد بن يوسف، تيسير التفسير، وزارة التراث ـ سلطنة عمان،1408هـ/1987،12/344.

    [24]) الخليلي، أحمد بن حمد، الخليلي فقيها ومحققا، منشور ضمن ” قراءات في فكر الخليلي ” ( مرجع سابق)،ص9.

    [25]) المرجع السابق،ص9.

    [26]) المرجع السابق،ص11.

    [27]) الخليلي، سعيد بن خلفان، مقاليد التصريف،وزارة التراث القومي والثقافة، سلطانة عمان،1407هـ/1986م، ص3. سورة المزمل: 5.

    [28]) الخليلي،سعيد بن خلفان، التمهيد: 2/201.

    [29]) الخليلي، أحمد بن حمد، الخليلي فقيها ومحققا، (مرجع سابق)، ص13.

    [30]) الخليلي، سعيد بن خلفان، التمهيد، 2/173.

    [31]) المرجع السابق، 7/126.

    [32]) المرجع السابق، 12/86-87.

    [33]) المرجع السابق، 2/209.

    [34]) المرجع السابق،5/215، 212.

    [35]) جزء من الآية 68 من سورة القصص.

    [36]) الخليلي، سعيد بن خلفان، التمهيد،3/389.

    [37]) المرجع السابق، 10/95.

    [38]) الخليلي، التمهيد، 10/95-102.

    [39]) المرجع السابق،1/186-201. انظر: الخليلي، أحمد بن حمد، الخليلي فقيها ومحققا، (مرجع سابق)، ص27.

    [40]) السالمي، محمد بن عبد الله، نهضة الأعيان، ص99. العبري، إبراهيم بن سعيد، مقدمة كتاب “العقد الثمين نماذج من فتاوى نور الدين”، 1/7. السيابي، سالم بن حمود، إسعاف الأعيان في أنساب أهل عمان، ص69.

    [41]) السالمي، نهضة الأعيان، ص118.

    [42]) السالمي، نهضة الأعيان، ص118-119،274-275. السعيد محمد بدوي وآخرون، دليل أعلام عمان، ص67.

    [43]) السالمي، محمد بن عبد الله، نهضة الأعيان، ص197-199، 377، 395.

    [44]) السعدي، فهد بن علي، معجم الفقهاء والمتكلمين الإباضية (قسم المشرق)، 3/275.

    [45]) السيابي، خالد بن سالم، الدور الفقهي للإمام أبي محمد عبد الله بن حميد السالمي، في المدرسة الإباضية من خلال كتابه معارج الآمال، (ماجستير، جامعة آل البيت، الأردن) 1424هـ/ 2004م، بحث غير منشور، ص39ـ42.

    [46]) السالمي، نهضة الأعيان، ص110، السعيد بدوي وآخرون، دليل أعلام عمان، ص112ـ113.

    [47]) الرواحي، ناصر بن سالم، ديوان أبي مسلم، دار المختار، 1406هـ/1986، ص409.

    [48]) جزء من رسالة طويلة في السياسة الشرعية بعث بها الشيخ العلامة ناصر بن سالم بن عديم الرواحي المقيم بزنجبار إلى الإمام الرضي سالم بن راشد الخروصي.

    [49]) العبارة من كلام أمير البيان الشيخ عبد الله بن علي الخليلي. انظر: الخليلي، أحمد بن حمد، منهج السالمي في مؤلفاته الفقهية، محاضرة ضمن ندوة “قراءات في فكر السالمي” المنتدى الأدبي، ط2،1423هـ/2003م، ص17.

    [50]) جوهر النظام للسالمي، ص(و) المقدمة.

    [51]) جوهر النظام للسالمي، ص(ج) المقدمة.

    [52]) الشيخ أحمد بن حمد الخليلي، منهج السالمي في مؤلفاته الفقهية، محاضرة ألقاها في الندوة التي أقامها المنتدى الأدبي بعنــوان “قــراءات في فكــر السالمي” في الفتــرة مــن 4-5 ربيع الآخر 1413هـ/ 1-2/1992م، نشر المنتدى الأدبي، ط2، 1423هـ/2003م، ص17-18.

    [53]) د. إبراهيم بن أحمد الكندي، السالمي أديبا ولغويا من ضمن بحوث ندوة “قراءات في فكر السالمي “، ص65.

    [54]) إبراهيم بن سعيد العبري، تبصرة المعتبرين في تاريخ العبريين، مخطوط، لدى الباحث صورة منه، ص173.

    [55]) العبري، تبصرة المعتبرين، ص185-186.

    [56]) مقدمة التنوخي، شرح الجامع الصحيح، ص(ط).

    [57]) إبراهيم بن سعيد العبري، مقدمة كتاب العقد الثمين للسالمي، ص8.

    [58]) عز الدين التنوخي، مقدمة شرح الجامع الصحيح للسالمي، ص(م).

    [59]) السالمي، عبد الله بن حميد، طلعة الشمس، ص14.

    [60]) السالمي، عبد الله بن حميد، معارج الآمال على مدارج الكمال بنظم مختصر الخصال، تح: محمد محمود إسماعيل، (د.ط)، وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان، 1403هـ/1983م، 1/10-11.

    [61]) السيـابي، الدور الفقهي للإمام السالمي، ص58-63.

    [62]) مقدمة كتاب ” قراءات في فكر السالمي” نشر المنتدى الأدبي، 1423هـ/2003م، ص10.

    [63]) السالمي، سليمان بن محمد، مقدمة كتاب “قراءات في فكر السالمي” مرجع سابق، ص13.

    [64]) السالمي، معارج الآمال، 15/64.

    [65]) المرجع السابق، 15/65.

    [66]) انظر: السيابي، خالد بن سالم، الدور الفقهي للإمام السالمي، ص172-174.

    [67]) السالمي، معارج الآمال، 3/41.

    [68]) المصدر السابق، 3/41.

    [69]) المصدر السابق، 15/112.

    [70]) المصدر السابق، 8/289.

    [71]) السالمي، معارج الآمال،12/62.

    [72]) السالمي، جوهر النظام، ص50.

    [73]) السالمي، معارج الآمال، 7/195-206.

    [74]) الخليلي أحمد بن حمـد، منهج السالمي في مـــؤلفاته، بحث منشور ضمن كتاب “قراءات في فكر السالمي”، المنتدى الأدبي، 1423هـ/2003م، ص26.

    [75]) السالمي، جوهر النظام، ص392ـ393.

    [76]) السالمي، جوهر النظام، ص460ـ461.

    [77]) السالمي، معارج الآمال، 3/286.

    [78]) المرجع السابق، 3/288.

    [79]) المرجع السابق، 3/289.

    [80]) السالمي، جوهر النظام، ص50.

    [81]) السالمي، معارج الآمال، 12/31.

    [82]) السالمي، عبد الله بن حميد، مشارق أنوار العقول، تح: عبد الرحمن عميرة، ط1، دار الحيل، بيروت، مكتبة الاستقامة، سلطنة عمان، 1409هـ/1989م،1/229.

    [83]) السالمي، معارج الآمال، 14/31ـ32.

     

    * ندوة تطور العلوم الفقهية فِي عُمان التقنين والتجديد فِي الفقه الإسلامي المعاصرة.

    المنعقدة خلال الفترة: (28-2) ربيع الثاني 1429هـ/ ( 5-8) إبريل 2008م

    هذه المقالة تحتوي على تعليق (1)

    تعليق واحد ل “النهضة الفقهية في عُمان”

    1. صالح says:

      الشيخ سعيد بن علي الصقري الريامي

    أكتب تعليقك هنا

    نرجو أن تضع المادة أسفله
    الإسم
    إيميل
    موقع
    تعليقك