الفقه المقارن والتجديد في القضايا المعاصرة

الفقه المقارن والتجديد في القضايا المعاصرة*

إبراهيم بن ناصر بن سالم الصوافي([1])

تعريف الفقه المقارن:

يقصد به ذكر الأقوال المختلفة في كل قضية فقهية، والتعرض للآراء المتعددة فيها، وذلك بالرجوع إلى أقوال المدارس الإسلامية على اختلاف مذاهبها.

وكتب الفقه المقارن هي تلك الكتب التي تعنى بأقوال المذاهب الإسلامية، بخلاف كتب الفقه المذهبية فهي تركز على مذهب معين وتفرع عليه([2]).

ولعلَّ مصطلح (المقارن) مأخوذ من القرن وهو الجمع، وقرينة الرجل امرأته، لمقارنتها إياه([3]).

والمقارنة التزويج, وقرن الشيء بالشيء، وقرنته إليه شددته إليه.

وعن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ قال: «الحياء والإيمان في قرن»، أي مجموعان.

وقارن الشيء الشيء مقارنة وقراناً اقترن به وصاحبه، واقترن الشيء بغيره وقارنه قرناً أي صاحبه، وقرنت الشيء بالشيء وصلته، والقرين المصاحب([4]).

وتمتاز كتب الفقه المقارن عن غيرها بأن فيها اتساعاً للآراء المختلفة، مِمَّا يسهل على الباحث الاطّلاع على أكثر من قول، ليتحرى منها الأقرب إلى الصواب.

وترجع كتب الفقه المقارن إلى القرن الثاني الهجري ومن أمثلة ذلك (المدونة الصغرى للإمام أبي غانم بشر بن غانم الخرساني الإباضيّ). فقد جمع فيها آراء سبعة من الفقهاء كأبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة، وأبي المؤرج وابن عبد العزيز والربيع، كما أنه كان يشير أحياناً إلى بعض آراء الطوائف الأخرى([5]).

كما ظهرت بعد ذلك المصنفات التي عُنيت بجمع أقوال الصحابة والتابعين المختلفة في المسألة الواحدة، ومن هذه الكتب كتاب المصنف لابن أبي شيبة، وكتاب المصنف لعبد الرزاق. كما ظهرت على كافة المذاهب الإسلامية كتب فقهية نجد فيها التعرض لبعض آراء المذاهب الأخرى.

وإحقاقاً للحق لا تعصباً أقول بأن الإباضيّة هم أكثر المذاهب الإسلامية تطبيقاً لهذه المبادئ، فإنه في حين لا نجد ذكراً للإباضيّة في كتب المدارس الفقهية الأخرى إلا في القليل النادر، بينما كتب الإباضيّة مليئة بأقوال وآراء المذاهب الأخرى, فمن أقدم الكتب الإباضيّة مسند الإمام الربيع الذي ألفه في القرن الثاني الهجري، ويجد فيه المطلع عليه روايات لغير الإباضيّة، وهذا الأمر قد وجد في كتب الروايات الأخرى كصحيح البخاري وصحيح مسلم وغيرها.

ومدونة الإمام أبي غانم هي الأخرى حوت أقوالاً لغير الإباضيّة كما سبق ذكره.

وفي القرن الرابع الهجري عُني الإمام أبو سعيد الكدمي بكتاب الأشراف لابن المنذر، فوضع عليه تعليقات قيّمة، وناقش فيها الآراء التي أوردها ابن المنذر، وأضاف إليها قول المذهب الإباضيّ.

وفي نفس هذا القرن ألف العلامة ابن بركة كتابه الجامع، وكان كثيراً ما يذكر الشافعي وأبا حنيفة وغيرهما من الفقهاء، وتوالت كتب الإباضيّة أو أكثرها على هذا المنوال، ولسنا بمقام تفصيل ذلك.

الحاجة إلى التجديد:

ما من عصر من العصور ولا قرن من القرون الإسلامية، إلا واستجدت فيه مستجدات، وظهرت على الساحة قضايا جديدة تحتاج إلى بحث وتأمل، إلا أن هذا العصر وبسبب التقدم العلمي، وتعدد وسائل الإنتاج والتنمية، حدثت طفرة كبيرة وتغيرات جذرية في الحياة، صاحبها ظهور قضايا متعددة لا تقاس بالسنين والأيام بل بالساعات والدقائق، وهذا مِمَّا يدعو المسلمين إلى ضرورة الوعي بهذه القضايا، وتأطيرها في إطار الشريعة حتى لا ينحرف المسلمون في تعاملاتهم، ولا يتخبطوا فيها تخبط عشواء، وهذا ما انتبه له علماء الإسلام ـ بحمد الله ـ فانتشرت المجامع الفقهية، وعقدت الكثير من المؤتمرات، وألفت الكتب المتعددة التي تناقش مستجدات العصر، سواءً فيما يتعلق بالعبادات أم المعاملات.

كما ظهرت الموسوعات الفقهية، وتم توظيف التقنيات الحديثة لخدمة الفقه، فظهرت الأقراص التي تحوي مئات الكتب، مِمَّا يسهل على الباحث الوصول للمعلومة التي يريدها؛ فهذه أول الأسباب الداعية إلى التجديد.

يقول الدكتور يوسف القرضاوي في مقدمة كتابه “فقه الزكاة”: «ثم هناك أمور جدت في عصرنا لم يعرفها فقهاؤنا القدامى ولا المتأخرون, وهذه الأمور تحتاج إلى إصدار حكم في شأنها, يريح الناس من البلبلة, ويرد على الأسئلة الحائرة على ألسنة جمهور المسلمين, هناك ثروات ودخول حديثة غير الأنعام والنقود والزروع والثمار, هناك العمارات الشاهقة التي تشيد للإيجار والاستغلال, والمصانع الكبيرة والآلات والأجهزة المتنوعة, وشتى رؤوس الأموال الثابتة أو المنقولة التي تدر على أصحابها أموالاً غزيرة من إنتاجها أو كرائها للناس، كالسفن والسيارات والطائرات والفنادق والمطابع وغيرها»([6]).

كما أن كثيراً من الأحكام الشرعية بناها الفقهاء السابقون مراعاة للعرف، ومن القواعد المشهورة معهم “المعروف عرفاً كالمشروط شرطاً”. وما من شك أن الأعراف أو بعضها تغيرت في عصرنا هذا، كما هو الحال في كل عصر من العصور، وهذا يقتضي تجديد الحكم السابق، والأخذ بمقتضى العرف الجديد لتتحقق مصالح الناس في التعامل، وحتى لا يقع حيف أو ظلم على أحد([7]).

ومثال ذلك: أن الناس قد تعارفوا في بعض البلدان على رد ظروف الهدية ومظاريف الكتابة، نظراً لشحة الورق وعدم طيبة نفس صاحبها بها، فلا يمكن لمن اطلع على مثل هذا في كتب العلماء السابقين أن يطبقه في مثل عصرنا الحاضر، مع تغير العرف فأصبحت هذه المظاريف مِمَّا لا قيمة له([8]).

كما أن بعض الوقائع والأمور القديمة قد يطرأ عليها من الأحوال والأوصاف ما قد يغير طبيعتها أو حكمها أو تأثيرها، فلا يلائمها ما حكم به الأقدمون، وهذا ما أشار إليه علماؤنا السابقون عندما قرروا تغير الفتوى بتغير الزمان والمكان، مع أن الاختلاف في أزمنتهم بسيط وبطيء، والأمور أكثر استقرارا، فما بالكم بزماننا المعاصر، والتغيرات فيه لا تحسب بالسنوات وإنما بالأيام بل بالساعات والدقائق([9]).

ومثال ذلك: أن الشهيد إذا قتل في أرض المعركة فإنه لا يغسل، أما إذا نقل منها ثُمَّ مات فإنه يغسل, وما أسهل تحديد أرض المعركة في العصور السابقة وما أصعبه في زماننا هذا.

هناك مسائل فقهية قديمة اختلف فيها الفقهاء، فانتصر كل منهم لرأي، وأخذ يسوق الأدلَّة على صحة رأيه، مِمَّا جعل كثيراً من القضايا غير محسومة برأي يمكن الرجوع إليه واعتماده دون غيره, وهذا وإن انطبق على عصرنا أيضاً، إلا أنه ولكثرة المؤسسات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وغيرها، لابد من إعادة النظر في كثير من القضايا، والوصول فيها إلى رأي تطمئن إليه هذه المؤسسات جميعها، ليسير الجميع على نهج واحد من غير تناقض أو اضطراب.

يقول الشيخ محمَّد شلتوت واصفاً الخلاف في الآراء في مسائل الزكاة: “هذا يزكي مال الصبي والمجنون, وذاك لا يزكيه, وهذا يزكي كل ما يستنبته الإنسان في الأرض, وذاك لا يزكي إِلاَّ نوعاً خاصا أو ثمرة خاصة, وهذا يزكي الدَّين وذاك لا يزكيه, وهذا يزكي عروض التجارة وذاك لا يزكيها، وهذا يزكي حلي النساء وذاك لا يزكيه، وهذا يشترط النصاب وذاك لا يشترط, وهذا وهذا… إلى آخر ما تناولته الآراء فيما يجب زكاته وما لا تجب وفيما تصرف فيه الزكاة وما لا تصرف”([10]).

وبقاء كثير من هذه المسائل عائماً، وعدم التوصل إلى رأي حاسم فيها يعرقل عمل كثير من المؤسسات ـ كما تقدم ـ بل يعرقل تعاون هذه المؤسسات بعضها مع بعض وحل هذه الإشكالية لا يأتي إلا بالاجتهاد الجماعي الذي سنتحدث عنه لاحقاً إن شاء الله.

إن لغة الحوار والكتابة قد تغيرت عن ذي قبل، وهذا يدعو إلى إعادة صياغة لمؤلفاتنا السابقة، وأسلوب مناقشتها للمسائل, وإبرازها في قالب عصري وبأسلوب عصري، ولا يكتفى بما ألفه العلماء السابقون، فإنهم ألفوا لعصرهم وبأسلوبه، ولكل عصر لغة ولكل مقال مقام ([11]).

يقول الشيخ محمَّد الخضري بك بعدما نقل ثلاثة نصوص من ثلاثة كتب فقهية لثلاثة مذاهب مختلفة: «هذه الكتب الثلاثة هي التي ترشح طالب العلم؛ لأنَّ يكون عالماً في أحد المذاهب الثلاثة المنتشرة في عصرنا، تراها من جهة التعبير لا تكاد تفهم وحدها، لذلك احتاجت إلى الشرح والشرح إلى حاشية، ولا يخطر في بالك أن هذا الموضوع يقرأ في أقل من أسبوعين، معظمهما ينقضي في تفهم ما يريد المؤلف، ثُمَّ تراها بعد ذلك خلوا من الاستدلال، وبذلك لا يكون هناك فرق بين من لم يتعلم ومن تعلم، إلا أن هذا عنده من المسائل ما ليس عند ذاك، أما كيف أخذ إمامه الحكم من أدلته فلا, مع أن الفقه لا يتم بهذه الصورة التي لا تجد فيها أثرا لخلاف سائر الأئمَّة، وهذا يغلق باب حسن الفهم على طالب العلم»([12]).

نعم «لقد آل التصنيف في عصور مضت إلى عرض بأسلوب علمي شديد التركيز, متفاوت الترتيب, مستغلق العبارة لغير المتمرس, وظهرت (المتون) التي استلزم إيضاحها وضع (الشروح) وتعليق (الحواشي) على نمط صعب لا تكمل الفائدة منه للمتخصص, بل ربما تنحصر خبرة الفرد بمذهب دون آخر, لما تعارف عليه أهل كل مذهب في دراسته والإفتاء به والتأليف فيه, من أصول ورموز واصطلاحات, بعضها يدون في مواطن متفرقة, وبعضها لا يدرك إلا بالتلقين والتوقيف عليه»([13]).

وللإمام السالمي في مقدمة كتابه المعارج كلام نفيس حول هذه القضية، أحرى بنا أن ننقله بنصه قال: «فينبغي لكل مؤلف أن يراعي لسان قومه الذين قصدهم بالخطاب، فيخاطبهم بلغتهم التي يفهمونها، ويراعي أحوالهم في أفهامهم، فيخاطبهم بقدر عقولهم, وقد تختلف هذه الأحوال باختلاف القرون والأمم, وتنوع اللغات, ووفور الذكاء, وقوة الفهم, وتفاوت المراتب في ذلك, فلذا ترى نهج الأقدمين في التأليف غير نهج المتاخرين، فإنّ الأقدمين إِنَّمَا يخاطبون قوما لا يليق بحالهم إلا ذلك الخطاب، والمتأخرين يخاطبون أقواما لا يليق بحالهم إلا ذلك الخطاب أيضًا. والبلاغة هي مراعاة مقتضى حال المخاطب، فقد يكون الخطاب بليغا في حق قوم بموافقته مقتضى حالهم، غير بليغ في حق آخرين أن لو خوطبوا به؛ لأنَّه لم يوافق مقتضى حالهم، ومع ذلك فهو بليغ؛ لأنَّه إنما خوطب به من لا يليق بحاله إلا ذلك الخطاب»([14]).

– كما أنه من الضروري إيجاد البدائل الإسلامية المناسبة للمصارف الاسلامية، في تطوير النظرة إلى بعض المعاملات، كما أن بعض القضايا المطروحة في كتب الفقه الإسلامية القديمة تختلف طبيعتها عن طبيعة القضايا الحديثة([15]).

فلئن كانت حوادث السير في عصور مضت متوقفة عند حدود سقوط شخص من راحلته، وإصابته ببعض الجروح أو الكدمات، فإنَّ حوادث السير في عصرنا أنتجت قضايا تحير اللب، لكثرتها ودقتها، فالمركبة قد تصيب أشخاصا وتقتل آخرين، وتدمر ما تأتي عليه من الممتلكات والأموال، ناهيكم عن حوادث الطائرات وما شابهها.

لكل هذه الأسباب السبعة المتقدمة ولغيرها من الأسباب يتضح لنا مدى الحاجة الماسة إلى التجديد.

ولكن ماذا نعني بالتجديد؟ وما هي ضوابطه؟

معنى التجديد:

التجديد في اللغة: هو تصيير الشيء جديدا غير قديم.

وَأَمَّا في الاصطلاح: فهو لا يخرج عن المعنى اللغوي؛ لأنَّ المقصد منه إبراز ديننا الإسلامي في ثوب قشيب متمشيا مع متطلبات العصر، من غير تفريط في شيء من ثوابته. وهو ما يشير إليه الحديث الذي رواه أبو داود من طريق أبي هريرة عن الرسول e أنَّه قال: «إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها»([16]).

ولا يعني التجديد تغيير طبيعة القديم أو استبداله بشيء آخر؛ كما قد يظن البعض، بل لابد من الإبقاء على جوهر القديم وطبيعته ومعالمه وخصائصه مع اتساعه لمتغيرات العصر ومستجداته، حتى يكون لكل نازلة حكم ولكل مشكلة حل.

يقول الدكتور الجبوري في معرض حديثه عن تجديد الدين: «إنها في الحقيقة العودة إلى التدبير والتيسير، والاهتمام بجوهر الدين ولبابه. فالذي يقرأ فقه الصحابة والتابعين يجد أنهم أفقه الناس لروح الشريعة ومقاصدها، وكانوا ملتزمين كل الالتزام بشرع الله، ومع ذلك كانوا يجتهدون في أحكام الوقائع بروح سمحة، يعلم الناس أن الله تعالى لم يشرع دينه إلا لمصلحة عباده، وأنه يريد لهم اليسر ولا يريد لهم العسر، وكان منهجهم الوسط الذي هو سمة أحكام الشريعة الإسلامية.

وإذا كان تجديد الدين قد ثبتت مشروعيته بصفة عامة، فإن الفقه الإسلامي أولى جوانب الدين بالتجديد؛ لأنَّه الجانب العلمي المرن المتحرك الذي يطلب منه مواجهة مستجدات الأمور والحوادث بالحكم والفتوى والبيان»([17]).

ولئن كان هذا هو المراد بالتجديد في الدين، فإن التجديد في الفقه الإسلامي لا يختلف عن ذلك، إذ يراد به تنمية الفقه الإسلامي وإدخال التحسينات التي لا تغير من صفته، ولا تبدل من طبيعته، مع احتفاظه بخصائصه والمحافظة على جوهره.

يقول الدكتور الجبوري: «فليس من التجديد السير وراء غيرنا واتباع سننهم؛ لأنَّه بذلك تفقد ذاتنا وتذوب شخصيتنا، ونرضى؛ لأنفسنا موقف التبعية والخضوع. وليس من التجديد تطويع الفقه الإسلامي ليساير القوانين الغربية… وليس من التجديد الاستخفاف بكل قديم وفتح الأبواب لكل جديد»([18]).

ضوابط التجديد:

التجديد في الفقه الإسلامي لا يجوز أن يكون عشوائيا أو شعارا يرفعه كل من أراد أن يروّج لفكرة يحملها، أو رأي يميل إليه، وإنما لابد أن يكون تجديدا في إطار الشريعة نفسها، مع مراعاة ثوابتها ومتغيراتها، ويتضح لنا ذلك من خلال الضوابط الآتية:

1عدم الخروج عن الكتاب والسنة: فلا خير في اجتهاد صادم النصوص الشرعية أو تجاوزها، وهذا ما نص عليه العلماء قاطبة على اختلاف مذاهبهم. بل هو قبل ذلك ما نص الله تعالى عليه نصا صريحا في كتابه العزيز، يقول سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً ﴾([19]).

ويقول سبحانه: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً﴾([20]).

كما نص عليه نبينا الكريم e في أحاديث كثيرة منها قوله e: «كلكم يدخل الجنة إلا من أبى، قالوا: ومن يأبى يا رسول الله؟ قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى»([21]).

يقول الإمام السالمي في أنوار العقول:

والأصل للفقه كتاب     الباري           إجماع بعد سنة        المخـتار

والاجتهاد عند هذي      منعا           وهالك من كان فيها مبدعا([22])

ويقول في طلعة الشمس: «الاجتهاد ثابت في ماعدا الكتاب والسنة والإجماع». وقال أيضا: «محل الاجتهاد: حادثة لم يوجد فيها حكم عن الله تعالى في كتابه ولا على لسان رسوله، ولم ينقل في حكمها إجماع من المسلمين، فإن كان في الحادثة شيء من الأحكام الثلاثة وجب اتباعه، وحرمت مخالفته إجماعا»([23]).

والنصوص في ذلك كثيرة مشهورة لسنا بحاجة إليها الآن.

ومن أطرف ما سمعته من بعض دعاة التجديد أنه يرى أن الحجاب ليس بفرض إذا ترتب عليه أذية للمرأة ولو بنظرة استهزاء، وذلك عندما تكون في غير بلاد المسلمين، وإنما يكتفى بِخرقة تضعها على شعرها، واستدل لذلك بأن الله تعالى لما ذكر الحجاب وفرضه ذكر العلة منه بقوله: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ﴾([24]). فالحجاب شرع لدفع الأذى عن المرأة المسلمة، وقد انقلب الحال الآن فأصبح الحجاب سببا لأذية المرأة!؟

ونسي هذا أو تناسى أن خلعها لحجابها لا يقلل الأذى عنها بل يزيده من خلال ملاحقة الفساق لها بنظراتهم ومضايقاتهم.

3الإجماع المتيقن: وَإِنَّمَا عبرنا بالمتيقن؛ لأنَّه ليس كلّ إجماع نقل هو إجماع صحيح، بل كثيرا ما يحكى الإجماع في مسألة فيها عدة أقوال، والأغرب من ذلك أنك تجد عالما يحكي الإجماع على قول، وآخر يحكي الإجماع على خلافه، فلابد أن يكون الفقيه المجدد على علم بمواضع الإجماع حتى لا يجتهد في مسألة أجمعت الأمة فيها على قول.

يقول العلامة ابن السبكي: «اتفق أكثر المسلمين على أن الإجماع حجة شرعية يجب العمل به على كل مسلم»([25]).

وقال إمام الحرمين في البرهان: «ما ذهب اليه الفرق المعتبرون من أهل المذاهب أن الإجماع في السمعيات حجة… إلى أن قال: … الإجماع حجة قاطعة»([26]).

5إعمال القياس الصحيح الذي هو حمل ما جهل حكمه من الأمور على ما علم حكمه لعلة جامعة بينهما([27]).

ولابد من التثبت قبل إجراء القياس، وذلك لاحتمال وجود الفارق بين الأصل والفرع، أو أن الفرع لا يساوي الأصل في وجود العلة، وأيضا أن يتساويا في الحكمة.

ومثال ذلك: بأنه لا يمكن أن يقاس التيمم على الوضوء في استحباب التثليث، بجامع أن كلاّ منهما طهارة صغرى يستباح بها الصلاة، وذلك؛ لأنَّ التيمم مبني على التخفيف لا على التحقيق بعكس الوضوء الذي لابد فيه من استيعاب غسل العضو كاملا([28]).

6اعتبار مقاصد الشريعة ومصالح العباد: وذلك لأنَّ الشريعة تدور على تحقيق المصالح ودفع المفاسد، فالتجديد في الفقه الإسلامي يحتاج إلى ربط الأحكام بمقاصد الشريعة. وإدراك الغاية من الحكم حتى يقتنع به العقل ويطمئن إليه القلب.

وينبغي الاستفادة مِمَّا يكتبه الاختصاصيون في هذا العصر، مثل ما يكتبه الأطباء عن أضرار الخمر ولحم الخنـزير، وما قد ينتج عن استعمال بعض الوسائل من أضرار، وما كتبه الاقتصاديون عن الآثار المدمرة لبعض المعاملات، وإيجابيات وسلبيات بعض المعاملات الاقتصادية([29]).

وقد وقف كثير من الباحثين أزاء هذه القضية موقفين متباينين، فمنهم من أفرط في الأخذ بالمقاصد حتى أخذ يتجاوز كثيراً من النصوص، ويعطل كثيراً من الأحكام، بحجة أن ما فعله هو الموافق لمقاصد الشارع الحكيم، ومنهم من فرط في الأخذ بها فوقع منه تسرع في قبول أو رفض بعض القضايا، مع أنها تتنافى مع مقاصد الشرع الحنيف.

والموقف الوسط: أن يؤخذ بها عندما تتعارض الأدلَّة تعارضا لا يمكن معه الجمع بينهما، أو ترجيح أحدهما على الآخر، وهنا ننظر أيهما يتناسب أكثر من غيره من مقاصد الشارع الحكيم ويؤخذ به أيضا في القضايا التي لا دليل فيها يدل على جوازها أو منعها؛ فهنا ننظر إلى النصوص العامة ومقاصد الشرع الحنيف.

7مراعاة فقه الواقع والمستجدات التي يحفل بها عصرنا هذا، وأن يكون الفقيه مُلِمًّا بمشاكل عصره، وحاجات الناس، فلابد من الانفتاح وسعة الاطّلاع، إذ الانغلاق والانكفاء على النفس ربما أدى إلى الجمود والتقوقع ورفض كل جديد.

يقول الدكتور القرضاوي: «لابد للمجتهد أن يكون على حظ من المعرفة بأحوال عصره، وظروف مجتمعه ومشكلاته، وتياراته الفكرية والسياسية والدينية، وعلاقاته بالمجتمعات الأخرى، ومدى تأثيرها فيها… وأكثر من ذلك أن نقول: إن على المجتهد أن يكون ملما بثقافة عصره، حتى لا يعيش منعزلا عن المجتمع الذي يعيش فيه ويجتهد له ويتعامل مع أهله، ومن ثقافة عصرنا اليوم أن يعرف قدرا من علوم النفس والتربية، والاجتماع، والاقتصاد، والتاريخ، والسياسة والقوانين الدولية، ونحوها من الدراسات الإنسانية التي تكشف له الواقع الذي يعايشه ويعامله…»([30]).

الفقه المقارن ودوره في التجديد:

مِمَّا لاشكَّ فيه أن الأمور الفرعية التي لا يوجد فيها دليل قطعي فيها مجال رحب للآراء والخلاف، ولا يمكن أن يحصر الصواب في جميع مسائل الفروع في مذهب بعينه، أو مدرسة إسلامية دون أخرى، فما لا تتسع له مدرسة فقهية قد تتسع له مدرسة أخرى، وهذا ما يوضح مدى أهمية الفقه المقارن الذي يوقف المجتهد على الأقوال المختلفة، مِمَّا يثري ثقافته، ويسهل عليه الوصول إلى الحقيقة.

ولا نقصد بالفقه المقارن فقه المذاهب الإسلامية القأئمَّة إلى الآن، وإنما يقصد به جميع الآراء الفقهية حتى التي انقرض أتباعها كالأوزاعي والليث وسفيان وابن حزم وغيرهم([31]).

كما أن ذلك أدعى لاجتثاث أصول الهوى، ودواعي التعصب المذهبي الذي طغى ـ وللأسف الشديد ـ على كثير من المسلمين في العهود السابقة، حتى ظن بعضهم أن الحق في الفروع منحصر عليه دون من عداه، وهذا كله للمجتهد القادر على تمييز الحق من الباطل دون المقلد والضعيف.

والله المستعان، والحمد لله ربّ العالمين.


 

([1]) باحث بمكتب الإفتاء، وزارة الشؤون الدينية والأوقاف. سلطنة عمان.

([2]) مسائل في الفقه المقارن: د. عمر الاشقر وآخرون. دار النفائس. ط4، 1424هـ، ص9.

([3]) لسان العرب، ابن منظور، دار احياء التراث العربي، ط1 1416، مادة: قرن.

([4]) المرجع السابق، مادة: قرن.

([5]) ندوة الفقه الإسلامي بحث بعنوان: نشأة التدوين للفقه واستمراره عبر العصور: د. مبارك بن عبدالله الراشدي، ط1/ 1410هـ، ص151.

([6]) فقه الزكاة: د. يوسف القرضاوي, مكتبة وهبة, مصر ط21, 1414هـ ج1، ص27.

([7]) الفقة الإسلامي بين الأصالة والتجديد: أ.د.عبد الله محمد الجبوري، دار النفائس، الأردن، ط1/ 1425هـ، ص100.

([8]) جواهر القواعد: الشيخ سفيان بن محمد الراشدي, مكتبة الاستقامة, سلطنة عمان, ط1/ 1425هـ، ص155.

([9]) الاجتهاد في الشريعة الإسلامية, د. يوسف القرضاوي, دار القلم-الكويت ط1 1406هـ.

([10]) فقة الزكاة حـ1, صـ27 (نقلا عن كتاب الإسلام عقيدة وشريعة محمد شلتوت, دار القلم,مصر صـ109).

([11]) فقه الزكاة, جـ1, صـ25.

([12]) تاريخ التشريع الإسلامي, الشيخ محمد الخضري بك, دار الكتب العلمية, لبنان 1405هـ صـ271.

([13]) الموسوعة الفقهية, وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية, الكويت,ط3, 1405هـ صـ51 (بتصرف بسيط).

([14]) معارج الآمال على مدارج الكمال، الشيخ السالمي، وزارة التراث، سلطنة عمان ط1 1403هـ ص93-94.

([15]) الفقه الإسلامي بين الأصالة والتجديد، ص101.

([16]) رواه أبو داود.

([17]) الفقه الإسلامي بين الأصالة والتجديد، ص96.

([18]) المرجع السابق، ص97.

([19]) سورة النساء: 59.

([20]) سورة الأحزاب: 36.

([21]) بهجة الأنوار (بهامش طلعة الشمس على الألفية، الشيخ السالمي، وزارة التراث، سلطنة عمان)، ط2، ج1 ص31-33.

([22]) طلعة الشمس، ج2، ص78.

([23]) المرجع السابق ج2، ص302.

([24]) سورة الأحزاب: 59.

([25]) الإبهاج في شرح المنهاج، السبكي، دار الكتب العلمية، بيروت-لبنان، 1416هـ ج2ص 353.

([26]) البرهان، إمام الحرمين، دار الوفاء، مصر، ط3، 1412 ج1 ص434، ص436.

([27]) طلعة الشمس، ج2 ص91، الإحكام في أصول الأحكام، الآمدي، المكتب الإسلامي، ط2، 1402هـ.

([28]) طلعة الشمس، ج2 ص95.

([29]) الفقه الإسلامي بين الأصالة والتجديد، ص154.

([30]) الاجتهاد في الشريعة الإسلامية، ص48.

([31]) الفقه الإسلامي بين الأصالة والتحديث، ص149.

 

*ندوة تطور العلوم الفقهية في عمان خلال القرن الخامس الهجري “التأليف الموسوعي والفقه المقارن”

أقامتها وزارة الأوقاف والشؤون الدينية بمسقط

25- 27 محرّم 1426هـ/ 6- 8 مارس 2005م

هذه المقالة تحتوي على لا تعليق

أكتب تعليقك هنا

نرجو أن تضع المادة أسفله
الإسم
إيميل
موقع
تعليقك