الاجتهاد الفقهي بين الاجتهاد والتحديث

الاجتهاد الفقهي بين الاجتهاد والتحديث*

أ. د. زين العابدين العبد محمَّد النور([1])

 

إن هذا الموضوع الذي عهد إلَيّ بالحديث فيه، موضوع هام جدا وهو من موضوعات الساعة الملحة التي تتطلب الكشف والبيان عن حقيقة الاجتهاد الفقهي، ومشروعيته، والحاجة إليه، ومراتب الاجتهاد الفقهي، والمجتهدين، وهل يوجد في مجتمعنا الحاضر من له القدرة بهذا المنصب العالي؟

وفي حالة خلو الساحة ممن هو جدير بالاضطلاع بهذه المهمة، فما الحل والعلاج لمشاكل المجتمع الكثيرة الشائكة المتجددة على مرّ الأيَّام والدهور؟ وغير ذلك مِمَّا له صلة بالموضوع.

ولا شك أن هذه الجوانب تتطلب أهلية، واستعدادا، ثُمَّ وقتا كافيا لما هو معلوم أن مصادر الحديث عن الاجتهاد هي تلك المصادر العتيقة التي تحتاج من الباحث إلَى وقت، وتأنّ وتدقيق وتَحرّ، وصبر على البحث والتفكير.

هذا، وقد أُخبرت بالاشتراك في هذا الموضوع بوقت ربما لا يكفي لتصوره فضلا عن الحكم فيه، والتمست إعفائي من المشاركة لضيق الوقت، ولما لدي من أشغال لا تسمح لي بالقيام بهذا الأمر، والوفاء بحقه. ولكن مع هذا فقد رغب الإخوة الفضلاء في أن أسهم ولو بالقدر القليل حسبما يسمح بي هذا الوقت القصير فأجبت طلبهم عسى أن يكون في إجابة طلبهم عون لي على تيسير هذا الأمر وتذليل صعابه.

وقد قصرت كلامي في الكلام على “الاجتهاد الفقهي بين الاجتهاد والتحديث” على مقدمة وثلاثة مباحث.

فالمقدمة: في مشروعية الاجتهاد وعمل النبيّ e وصحابته، ومن بعدهم، وفي أقسام الاجتهاد، والكلام على الاجتهاد المطلق الذي قيل: إنَّ بابه قد أغلق على رأس المائة الرابعة من الهجرة.

والمبحث الأَوَّل: في أنواع الاجتهاد المقيّد، وحقيقة كل، وشرطه.

المبحث الثاني: في تحقق شروط هذا الاجتهاد المقيّد في هذا العصر، وعدم ذلك.

المبحث الثالث: فيما يجب عمله نحو القضايا المعاصرة وتحديث الاجتهاد فيها.

المقدمة: في مشروعية الاجتهاد وأقسامه:

لقد أذن الله تعالى لنبيّه بالاجتهاد فقال: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾([2]). قال بعض أئمَّة التفسير المراد من الآية الإذن في الحكم بالاجتهاد والرأي.

وقد اجتهد النبيّ e في وقائع كثيرة مثل: فداء الأسرى، والإذن للمتخلفين عن الجهاد.

وأذن لأصحابه في الاجتهاد، وأقرهم عليه، كما في قصة معاذ t حينما بعثه إلى اليمن.

وأشار في أحاديث إلى العمل بالاجتهاد: فقال لمن سأله عن الإفطار بقبلة الصائم، ومن سأله عن الحج عن الميت فقال مشيرا إلى القياس: «أرأيت لو تمضمضت»؟ و«أرأيت لو كان على أمك دين فقضيته أكان ينفعها»؟ أو ما في معنى ذلك.

وأذن لأصحابه في الاجتهاد في وقائع كثيرة؛ فاجتهدوا في حضرته، وفي حال غيابهم عنه، وبعد وفاته. ثُمَّ جاء التابعون فاجتهدوا في مسائل كثيرة، وانتشر عملهم بالاجتهاد، وذاع، واستمر الأمر على هذا إلى رأس المائة الرابعة من الهجرة، فأغلق باب الاجتهاد([3])، وأنكر على من يدّعيه، إمّا لتقاصر الهمم عن تناول أسبابه، أو خشية أن يلج بابه من ليس من أهله، أو لغير ذلك كما ذكر في تاريخ التشريع.

واستمرَّ الباب مغلقا إلى وقتنا هذا، ورغم ذلك فقد ادعى بعض من الفضلاء الاجتهاد ولكن لم يسلّم لهم ذلك.

ما الاجتهاد الذي أغلق بابه وعسر الحصول عليه؟

قسم الأصوليون الاجتهاد إلى قسمين: مطلق، ومقيّد.

فالمطلق: هو بذل الفقيه الوسع في تحصيل ظن بحكم شرعي([4]).

فأفاد هذا التعريف أنه لابد للمجتهد من بذل جميع ما لديه من قوى فكرية بحيث يشعر من نفسه العجز عن المزيد.

والمراد من الفقيه من استوفى شروط الاجتهاد وتهيأ للقيام به، لا من حصل له الفقه، حتى لا يلزم الدور.

ولابد أن يكون المجتهَد فيه حكما ظنيا، فتخرج الأحكام القطعيات فلا اجتهاد فيها، كالأحكام المعلومة ضرورة من صيام وصلاة.

شروط الاجتهاد المطلق:

– أن يكون المجتهد على علم بالآيات القرآنية التي تتعلق بالأحكام، وعددها خمسمائة آية كما ذكر كثير من الأصوليين.

– وأن يكون على علم بأحاديث الأحكام، وعددها نحو ألف ومائتي حديث، وبعضهم جعلها أكثر من هذا العدد.

– ويعلم المسائل المجمع عليها، لئلا يجتهد مخالفا للإجماع.

– ثُمَّ علمه بأصول الفقه الذي تكفل بالقواعد التي يتوصل بها إلى استنباط الأحكام من مصادرها.

– وشدّد بعض العلماء في هذه الشروط فاشترط حفظ جميع القرآن، واشترط بعضهم في المجتهد معرفته باللغة العربية حتى تكون لديه كالسليقة، كالإمام الشاطبي.

وخلاصة الأمر: أنّ المجتهد المطلق هو الذي توفرت لديه هذه الشروط مجتمعة، فاختلالها أو اختلال شرط منها يحول دون الوصول إلى تلك الرتبة.

وتوفر هذه الشروط يحقق لديه ملكة وصلاحية كاملة تمكنه من استخراج الأحكام من أدلتها في سائر أبواب الفقه وأقسامه.

ولا يمنع من بلوغ هذه الرتبة توقف المجتهد في بعض الأحكام وعدم علمه بها، فإن المشترط إنما هو تهيؤه واستعداده لا حصول الفقه منه في الواقع ونفس الأمر.

والدليل على ذلك: أنّ بعض الأئمَّة الذين لا خلاف في بلوغهم هذه الرتبة الاجتهادية قد سئلوا عن كثير من المسائل فلم يجيبوا إلا على النـزر اليسير منها، كالإمام مالك مثلا.

واختلف العلماء فيمن توفر لديه الاستعداد لاستنباط الأحكام في بعض المسائل، كمسائل الميراث، أو مسائل الحدود فقط، هل يعد مجتهدا ويسوغ له الاستنباط فيما تَمَكّن منه أو لا يجوز له ذلك؟، وهذا يسمَّى بتجزؤ الاجتهاد.

فقال بعض العلماء بمنعه من الاجتهاد في ذلك الجزء الذي توفرت لديه ملكة الاجتهاد، وأجاز بعضهم ذلك.

هل بلوغ هذه الرتبة من الاجتهاد ممكن الحصول؟

الجواب: إنّها ممكنة، ودليل الإمكان طلب الشارع الاجتهاد والتكليف به، ولا تكليف إلا بممكن ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا﴾([5]).

إذا كان الاجتهاد ممكنا فما سبب سدّ بابه؟

السبب في ذلك عدم توفر تلك الشروط، فإنَّ السلف الصالح كانت هذه الشروط متوفرة لديهم، والجوّ صالح، فالعلماء الذين يؤخذ عنهم العلم متوفرون، والحرص على طلب العلم والتفاني فيه متحقق، والإعراض عن كل ما يشغل عن طلب العلم، مع بساطة الحياة في تلك العصور، علاوة على إخلاص النية في طلب العلم، وتقوى الله تعالى خير مُعين على تحصيل العلم.

فبهذه الظروف تمكنوا من آلة الاجتهاد فاجتهدوا، وعندما تقاصرت الهمم، وقل العلماء، وأقبل الناس على الدنيا بكليتهم، وتعقدت الحياة، وفسدت الدنيا، وصار وقت الناس مصروفا في تحصيل مآكلهم ومشاربهم، وملابسهم، ومراكبهم، ومجاملاتهم ـ كما هي الحال الآن ـ عند ذلك كله، لم يكن هنالك طمع في حصول الاجتهاد.

ومن أجل ذلك أغلق باب الاجتهاد، وشدد النكير على من يدعيه كما تقدم ذلك.

ولا يظن بهؤلاء الذي حكموا بسد باب الاجتهاد ـ وهم خير الأمة ـ أن يقدموا على المنع من شعيرة دينية شرعها الله لعباده ـ بل أوجبها عليهم أحيانا ـ إلا وهناك سبب لهذا المنع.

وإذا كان الاجتهاد قد سد بابه في تلك العصور مع ما فيها من خير وصلاح وإخلاص، وجو مشحون بالعلم والعلماء فتعسره في عصرنا من باب أولى.

وإذا كان الأمر هكذا، فلا ينبغي لأحد في عصرنا هذا أن ينادي بالاجتهاد، وفتح بابه، ونحن على ما نحن عليه من ضعف فكري وديني، وتشتت وتمزق، وإهمال الكثير من الواجبات، فإنَّ هذا ليس فتحا لباب الاجتهاد بل هو فتح لباب الفساد، والفوضى الدينية وطمس لمعالم الدين وتعاليمه، وإذا انتهى القول إلى عدم إمكان الاجتهاد المطلق لعدم التمكن من شروطه، وأسسه في هذا العصر، فهل يمكن للعلماء في هذا العصر أن يجتهدوا فيما يجد من وقائع اجتهادا مقيّدا غير مطلق؟

وقبل الكلام على إمكان الاجتهاد فلا بد لنا من الحديث عن حقيقته وأقسامه، وما يجوز لصاحبه الفتوى والحكم بالاجتهاد بناء عليه وما لا يجوز، وذلك في المبحث الأول.

المبحث الأوَّل: في الاجتهاد المقيّد:

المجتهد المقيّد هو من لم يبلغ رتبة المجتهد المطلق الذي تقدمت شروطه لقصوره عن تلك الرتبة؛ بسبب عدم تحقق تلك الشروط المشترطة في المطلق.

وهو على ثلاثة مراتب:

المرتبة الأولى: مجتهد المذهب:

وهو الذي قال فيه الكمال بن الهمام في التحرير، وابن أمير الحاج في شرحه عليه: «إفتاء المجتهد بمذهب مجتهد تخريجا جائز إن كان مطلعا على مآخذ أحكام المجتهد، أهلا للنظر فيها، قادرا على التفريع على قواعده، متمكنا من الجمع والفرق، والمناظرة والدفاع عن مذهب إمامه… ـ ثُمَّ قال ـ والحاصل أن يكون له ملكة الاقتدار على استنباط أحكام الفروع المتجددة، التي لا نقل فيها عن صاحب المذهب، من الأصول التي مهدها صاحب المذهب».

فحاصل معنى هذا المجتهد: أنه عالم بأدلَّة إمامه، وبالقواعد التي يستخدمها في الاستنباط.

المرتبة الثانية: كما قال ابن السبكي: من لم يبلغ رتبة مجتهد المذهب، ولكنه فقيه النفس، حافظ للمذهب، قائم بتقريره، غير أنه لم تكن له دربة وممارسة للتخريج والاستنباط، مثل ما لمجتهد المذهب. وقد كانوا يفتون ويخرجون.

المرتبة الثالثة: كما قال ابن السبكي أيضا: من هو دون المرتبة الثانية، فهو محصل لبعض المسائل الواضحات، عارف بمشكلاتها، لكنه لا يقوى على التخريج وتقرير الأدلَّة.

هذه مراتب المجتهد المقيّد؛ وحكم هؤلاء الثلاثة: وجوب تقليدهم للأئمَّة وعدم استقلالهم باستنباط الأحكام، وهم من العلماء وليسوا من العوام.

هل لهؤلاء الثلاثة حق الفتوى؟

أَمَّا من جهة نصبهم للفتوى للناس فأمرهم مختلف فيه، فصاحب المرتبة الأولى اختلفوا فيه على أقوال ثلاثة:

الأوَّل: أنه يجوز له أن يفتي على مذهب إمامه مستخرجا للأحكام من نصوص إمامه وقواعده، فقواعد إمامه هي محل نظره واجتهاده، فينظر فيها ويفتي في الوقائع التي لم ينص عليها إمامه، مستندا إلى تلك القواعد، بحيث يجعل قواعد إمامه كنصوص الشارع عند المجتهد المطلق. واختار هذا القول غالب الأصوليين.

واستدلوا له بالإجماع: فإن أتباع الأئمَّة ممن هم في هذه المرتبة كانوا يفتون الناس تخريجا على مذاهب أئمتهم، مع حضور أهل الاجتهاد من غير أئمتهم، ولا ينكرون عليهم فتواهم، مع إنكارهم ـ أي الأئمَّة ـ على من لم يبلغ رتبة هؤلاء، ومُثِّل لهؤلاء بأصحاب أبي حنيفة، فإنهم كانوا يفتون على مذهب إمامهم تخريجا على مذهبه بحضور الشافعي وابن حنبل وغيرهم، فلم ينكروا عليهم فصار ذلك إجماعا.

القول الثاني: إنه لا يجوز لمثل هذا أن يفتي، وهو قول أبي الحسين البصري من المعتزلة، وقال به بعض الحنابلة والشافعية.

وحجَّتهم في هذا: قياس صاحب هذه المرتبة على العامي، بجامع عدم بلوغ رتبة الاجتهاد المطلق، والعامي لا تجوز له الفتوى فكذا هذا.

وردّ قولهم هذا بأن مجتهد المذهب دل على جواز فتواه الإجماع الذي تقدم، وبأنه قياس مع الفارق فإنَّ مجتهد المذهب مطلع على أدلَّة إمامه عالم بقواعده، قادر على التخريج والتفريع عليها، وكل ذلك منتف في حق العامي.

أما صاحب المرتبة الثانية وهو الفقيه في المذهب القادر على تقرير مسائله، لكنه لم يكن له مقدرة على التخريج كالأول لعدم تدربه وممارسته لذلك؛ فقد منع الجمهور من الأصوليين فتواه.

وأجازه واختار القول بفتواه بعض الحنفية، ونسب لكثير من العلماء. واستدلوا لذلك: بأنه ناقل للفتوى فهو كناقل للحديث، فكما يجوز نقل الحديث لمن هو في هذه الرتبة فكذلك تصح فتواه، لاشتراكهما في صحة النقل.

وردّ هذا بأنه خروج من محل النـزاع، فإن النقل المحض للمذهب لا خلاف في جواز اتباعه، وإنما الخلاف في الفتوى بالاجتهاد بالتخريج والتفريع.

وصاحب هذه المرتبة الثانية مردود عند أبي الحسين بطريق الأولى، فإذا لم تصح عند أبي الحسين فتوى من هو أعلى منه مرتبة، فعدم جواز فتوى هذا من باب أولى.

أما المرتبة الأخيرة فالذي يظهر من كلام السبكي الاتِّفاق على منع صاحبها من الفتوى؛ لأنَّه لم يكن لديه ما يرشحه للفتوى في المذهب كالأول، ولا هو حافظ للمذهب فقيه فيه، قادر على تقرير مسائله كالثاني.

فخلاصة الأمر: في المجتهد المقيّد أَنَّه مقلد يلزم باتباع مذهب إمامه. وهو عالم من علماء المسلمين وليس من عامتهم. أما جواز فتواه فبالنسبة لمجتهد المذهب المختار لدى العلماء جواز فتواه. أما بالنسبة لصاحب المرتبة الثانية فمحمل خلاف والمختار رد فتواه.

أما بالنسبة للأخير فالمنقول عن بعض الأصوليين الاتِّفاق على منعه من الإفتاء بمذهب إمامه. أما نقل المذهب

نقلا محضا من غير تصرف فهو محل اتِّفاق، أيا كان الناقل من المرتبة الأولى أو غيرها؛ أعني: اتفقوا على جواز العمل بنقله، والله اعلم.

المبحث الثاني: هل يمكن الاجتهاد المقيّد في هذا العصر؟

فإذا لم يكن هناك مطمع في الارتفاع إلى رتبة الاجتهاد المطلق فهل من سبيل إلى الاجتهاد المقيّد في هذا العصر؟

الجواب: أنّ الاجتهاد يتحقق بتحقق أسبابه، فلننظر أولا في أسبابه هل هي متحققة في هذا العصر؟

فقد تقدّم أن المختار أن مجتهد المذهب تجوز له الفتوى، وهناك قول بأن من يليه في الرتبة أيضا يجوز أن يفتي عند بعض العلماء.

فلنختر في الثاني أنه من يجوز له الإفتاء المقيّد بالمذهب، فهل ذلك الاجتهاد برتبتيه: الأولى والثانية متوفر في هذا العصر؟

الجواب: إنه غير متوفر، فإنك إذا نظرت إلى مؤسسات العلوم الشرعية، وجامعاتها فماذا ترى؟

ترى عدم الاعتناء الكامل بمدّها بما يلزم لطلبتها وأساتذتها من وسائل الاستقرار في غالب تلك المؤسسات. ثُمَّ انظر إلى تلك المناهج والمقررات فإنها ضعيفة، لا تؤهل الطالب إلى الملكة العلمية التي يمكن بها أن يرقى إلى درجة الاجتهاد. أضف إلى ضعف المناهج عدم تمام الاستعداد لدى من يقومون بتقديمها للدارسين.

مع ما حول أولئك الدارسين والمدرسين من مشاغل جمة، فالكل مشغول.

ثم محاربة التعليم الشرعي من الداخل والخارج، وقلة من يطلبه، والضغوط على المسلمين في هذه الأيام خاصة.

ثم عدم خلوص النية في طلب العلم الشرعي، فإن العلم اتخذ سببا ومهنة للتكسب.

فهذه الأمور مجتمعة لا شك أنها تحول دون بلوغ رتبة الاجتهاد هذا هو الغالب، ولا ينافى ذلك أن يكون في بعض الأفراد من اصطفاه الله، وحسن حاله وبلغ مبلغا من العلم، فهل يبلغ تلك المرتبة؟

أستبعد ذلك، والمشاهدة خير دليل.

وإذا كان الأصوليون مثلوا لأهل هذه المرتبة بإمام الحرمين الجويني والغزالي والكدمي فأين علماء اليوم من أولئك؟

لو قلنا: إن ما تقدّم من فقد أهلية الاجتهاد المطلق ـ فيه نوع من المبالغة ـ في أهل هذا العصر، وتقليل من جهدهم ومساهمتهم العلمية، وأن التوسط في الأمور يقتضي رفع مرتبتهم عن ذلك، فهم وإن لم يبلغوا مبلغ أولئك السابقين، لِما ذكر من أسباب، فإن فيهم من يمكنه أن يفتي ويخرّج الفروع، ويقيس على أقوال العلماء، فيمكن أن يكونوا من أهل المرتبة الثانية من رتب المجتهدين المقيّدين، ولا سيما وأن هناك مؤتمرات، وندوات تعقد من وقت لآخر، ومجامع فقهية في عدة بلدان من بلاد الإسلام، وقد عرضت فيها كثير من الوقائع والحوادث، وعولج فيها كثير من تلك الوقائع المعاصرة.

أقول: لم أقل بانتفاء وصف هؤلاء بهذه المرتبة قطعا، بل استبعدت ذلك، وسبب الاستبعاد قائم، وهو أن المرتبة الوسطى ـ من مراتب الاجتهاد المقيّد ـ صاحبها حافظ لفقه إمامه، يمكنه تقريره وإيضاحه، وقد ألَمّ بطرق من التخريج والتفريع، والترجيح بين الروايات فهل هذه الصفات متحققة فيمن ذكروا من أهل تلك المؤسسات السابقة؟

ثم على فرض تحقق الاجتهاد المقيّد، أو فرض عدم تحققه، فما الحل لتلكم المشاكل والقضايا التي تنتظر الحلول وبيان حكم الشرع فيها؟

هذا ما سنتحدث عنه في المبحث الآتي.

المبحث الثالث: ما الذي يجب القيام به نحو الوقائع المستجدة؟

أولا: الحديث عن عنوان المبحث: “الاجتهاد الفقهي بين الاجتهاد والتحديث”.

أَمَّا الاجتهاد الفقهي فهو ما قدمنا الكلام عليه، عن حقيقته وأقسامه، وما يمكن منه وما لا يمكن، ثُمَّ من تجوز له الفتوى ومن لا تجوز له.

ولكن ما المراد بالاجتهاد والتحديث؟

قطعا لا يراد منه الاجتهاد الفقهي المتقدم؛ لأنَّه لا يقارن بين الشيء ونفسه.

فإذًا: ما هو؟ وما التحديث؟ وهل هما شيء واحد؟

الذي فهمته بمعونة ما هو سائد في المجتمع هذه الأيام من الحديث عن وقائع معاصرة كنقل الأعضاء، وتشريح الميت، وتلقيح النساء ونحو ذلك؛ أنّ المراد استحداث فتاوى شرعية في وقائع جديدة تختلف عن تلك الوقائع التي قد اجتهد فيها المجتهدون السابقون، مرتكزة هذه الفتاوى على أسس الاجتهاد الفقهي بضوابطه وشروطه المعلومة مِمَّا تقدم.

هذا فهمي لمعنى الاجتهاد والتحديث، فهما إذا معنى واحد، والمراد إذًا منهما الحداثة في الفتاوى لا في الأساس التي بنيت عليه الفتاوى، فهو قديم على نهج الأسس السابقة.

ويمكن أن يفهم من الاجتهاد والحداثة ـ على أنهما بمعنى واحد أيضا ـ تجديد وسائل الاجتهاد وابتكارها على نحو يكفل الحل لمشاكل المجتمع المعاصر المعقدة، بعيدا عن التقيد بتلك القوانين التي اختطها الفقهاء للاجتهاد سابقا.

وبمعنى أوضح المراد هو التجديد في أصول الفقه كما يرى ذلك بعض الناس، وهذا الفهم ما لا أتوقع صدوره. وسبب ذلك أن مثل هذا النوع من الاجتهاد معلوم البطلان.

ما الذي يجب نحو القضايا المعاصرة؟

بعد بيان المراد من عنوان البحث حسبما فهمته فأقول عن هذا العنوان: العلماء إما مجتهدون اجتهادا مقيّدا، أو ليسوا كذلك (أي غير مجتهدين)، وهذا الكلام في حالة توفر الاجتهاد.

فالذي أراه أن الواجب على العلماء قبل سلوك طريق الاجتهاد أن ينظروا في كتب السابقين فإنَّ كثيرا من المسائل التي يظن أنها لم يسبق لها حكم في كتب الفقه؛ نجدها قد نص عليها الفقهاء السابقون، كما تأتي أمثلة ذلك.

ثم إن لم يجدوا للمسائل حكما واضحا أمكنهم أن يلجؤوا إلى التفريغ على قواعدهم الفقهية العامة، كالمشقة تجلب التيسير، والضرر يزال.

أو بقياس الوقائع الحديثة على نظائرها القديمة في كتب الفقه.

كلّ هذا يجوز لمن تأهل لهذه المسألة، حسب الاجتهاد المقيّد وشروطه السابقة.

ويمكن أخذ الفتوى من كتب الفقهاء بتكوين لجنة من العلماء تنظر في المسألة في كتب سائر المذاهب، فلا أظنها تعدم حكما لتلك الواقعة، فبعضها وقع في مجتمعهم فأفتوا فيه، وبعضها فرضوها فرضا وهم في حالة فرضهم للأحكام؛ فكأن الله ألهمهم ـ أي أولئك العلماء السابقون؛ أن استخرجوا فقها لا واقع له اليوم فسيكون له واقع في المستقبل؛ لأنَّ من سيأتي بعدكم ممن لم يمكنهم التفريع سيجدون هذه الأحكام فيستفيدون منها.

ومن أمثلة ذلك: قول الفقهاء سابقا: «يقصر المسافر الصلاة ولو على جناح طائر، وكفتواهم في النقود المقترضة إذا قلّت قيمتها، أو بطل التعامل بها. وكفتواهم في بيع الهواء فوق الهواء ليبنى عليه، وكفتواهم فيمن حمل قربة مملوءة ريحا وهو في الصلاة، وفتواهم في المريض الميئوس من حياته، هل تجوز إراحته بتعجيل موته، وغير ذلك.

الحلّ في حالة عدم وجود مجتهد؟

ولو فرضنا عدم وجود مجتهد مقيّد ينظر في المسائل، فيفتي فيها تخريجا، فالواجب أن يرجع هؤلاء إلى الكتب لعلهم يجدون أحكاما جاهزة لا تحتاج إلى اجتهاد، بل تنقل كما هي، كما قلنا ذلك في حالة وجود الاجتهاد، فإنَّ الفقهاء اتفقوا على جواز النقل من غير اجتهاد، وبعدم وجود حكم في هذه الحالة فلا يسع الناس إلا التوقف عن الحكم في تلك المسائل، ويحتاطوا بالابتعاد عن الحكم فيها، أو يجوز لهم الإقدام على إباحة ذلك عند الضرورة فإنَّ الضرورات تبيح المحظورات، وقد قال الفقهاء إن مواطن الضرورة مستثنى من النصوص. والقرآن واضح في هذا، قال تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِير… فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾([6]).

فإن لم يجد حكما ولم يكن من أهل الضرورة فتحرم الفتوى في هذه الوقائع؛ لأنَّه قول على الله بغير علم. قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ ﴾([7]).

فإذا قال قائل: إن الشريعة لا يمكن أن تقف مكتوفة الأيدي حول هذه المسائل. قيل له: هذا صحيح، فإن الشريعة لم تقف، وإنما وقف أهلها مكتوفي الأيدي.

ويحضرني في هذا المعنى قول بعض علماء الشناقطة في جواب مثل هذا القول قال ما معناه:

فإن تكن عدمت تلك         المـنـقبة           قلنا فما على السكوت        معـتـبة

ثُمَّ يقال لِمن يستبعد الوقوف عن الفتوى، أو ينكر ذلك: لِمَ لَمْ يُقدم الجاهل على مهنة الطب من غير علم بها، ولِمَ لَمْ يُقدم على مهنة الهندسة، فيصف الأول الدواء ويجري العمليات ويخط الثاني الطرق ويشيد المباني؟

ولِمَ مَنعت الأمة هؤلاء من ادعاء مثل ذلك وجعلته جريمة نكراء، ولم تمنع هؤلاء، وتوقع بهم العقاب؟ ما ذاك إلا لهوان الدين على الناس.

فالحاصل: أنّ الناس والحالة هذه أمام أمرين:

1- ترك الخوض فيما لا علم لهم به، وهو أخف ضررا.

2- أو الخوض فيه بغير علم فيضلوا ويضلوا.

نماذج للاجتهاد الذي لم يبن على أسس شرعية:

من ذلك دعوى الاستناد إلى المصلحة في حكم كثير من القضايا التي قضى فيها الشرع بالمنع والتحريم، من غير نظر إلى موافقة تلك المصلحة للنصوص أو معارضتها لها.

وهذا المبدأ ليس مستحدثا في هذا العصر بل قال به الطوفي الحنبلي المذهب الشيعي العقيدة، في القرن الثامن الهجري، والتف حوله كثير من الباحثين تحت شعار التحديث والتجديد.

وخلاصة هذا المبدأ: أن المصلحة هي المقصودة للشارع من تشريع الأحكام “فحيثما وجدت فذلكم الشرع”، فإن وافقتها النصوص فبها، وإن عارضتها وكانت نصوصا ظنية فالمصلحة هي المقدمة على النصوص. ولذا يقولون: حيثما وجدت المصلحة فثَمَّ شرع الله.

والمعروف لدى جمهور المسلمين: “فحيثما وجد شرع الله فثمت المصلحة”، وفرعوا على ذلك المعاملات المصرفية فأجازوا القرض بالفائدة، والمعاملات التجارية عن طريق السلْف من البنوك بالفائدة…

ومن أمثلة ذلك قديما: ما أفتى به الفقيه المالكي يحيى بن يحيى الليثي بعض أمراء الأندلس عندما اتصل بإحدى حلائله في رمضان، من التكفير بالصوم فقط، ولم يجز له غيره من بقية خصال الكفَّارة، وهو في هذا مخالف ما هو مقرر شرعا في السنة، وهو تخيير المكفِّر بين الثلاثة: الصيام، والإطعام، والعتق. أو الترتيب بجعل الخصلة الأولى الإعتاق ثُمَّ الصيام فالإطعام. والفتوى هذه لم تصادف واحدا من القولين فلذا أنكرها الفقهاء في كل عصر.

وإن كان بعض المالكية التمس لهذه الفتوى مخرجا وهو أن الامير فقير وما لديه من مال هو مال المسلمين فلا يستطيع الإطعام ولا العتق؛ فتعيَّن في حقه الصوم.

وبعضهم قال: إن يحيى وهو إمام مجتهد مذهب فهم أن النصّ المخير أو المرتب للكفَّارة لم يشرع لمثل هذا الذي لا ينـزجر إلا بالصوم، بل في حق من ينـزجر بأي واحدة من هذه، ولكن هذا لا ينـزجر إلا بالصوم، فيفرض عليه وحده، لا سيما وأن الكفَّارة إنما شرعت للزجر.

ومن ذلك ما قيل من المساواة بين الرجال والنساء في الميراث، نظرا لمصلحة المرأة.

ويذكرون أمورا واهية في الاستناد إلى هذا فإنَّ النصّ القطعي الصريح جعل المرأة في الميراث على النصف من الرجل لأمور معقولة تعرض الفقهاء لشرحها.

ومن ذلك: القرض من البنك لبناء منـزل لمن ليس له منـزل. أو نحو ذلك بحجة عدم امتلاكه للمنـزل. وقد يتذرعون بالحاجة والضرورة مع أنه لا حاجة؛ لأنَّه يمكنه أن يجد منـزلا في القرى، أو في البادية لا يحتاج إلى هذه التكلفة التي يضطر إلى استقراضها من البنك.

ومن ذلك مسألة المريض الذي لا ترجى حياته، هل تجوز إراحته بالموت؟

شاع الكلام في هذا، مع أن العلماء نصوا عليها، أو على نظيرها سابقا. قال الرجراجي، وهو أحد علماء المالكية في القرن العاشر: «وانظر على هذا الحيوان الذي لا يؤكل لحمه إذا بلغ به المرض إلى حد لا يرجى، واشتد به الألَم هل يذبح تسهيلا عليه وراحة من ألم الوجع أم لا؟

قال المؤلف ـ يعني الصرفي ـ في الشرح: “الذي رأيته المنع، إلا أن يكون مِمَّا يذكى لأخذ جلده كالسباع. وأجمع الناس على منع ذلك في الآدمي وان اشتد ألمه. فيحتمل أن يكون ذلك لشرفه بخلاف غيره” اهـ([8]).

فالملاحظ من هذه الفتوى أنها مطابقة لما يسأل عنه مِمَّا يسمَّى بالموت الرحيم، أو الموت الدماغي.

والله أعلم بالصواب.


 

([1]) محاضر بمعهد العلوم الشرعية. مسقط.

([2]) سورة النساء: 105.

([3]) القول بغلق باب الاجتهاد لم يناد به الإباضية ولا الزيدية عَلَى مدى تاريخهم ـ كما سبق ذكره في إحدى المحاضرات ـ، فقد أبقوه مفتوحا يَلِجه كلّ من استطاعه وأنس من نفسه القوَّة، إِلَى أن يرث الله الأرض ومن عليها. (المراجع)

([4]) انظر: مختصر ابن الحاجب وحواشيه.

([5]) سورة البقرة: 286.

([6]) سورة المائدة: 3.

([7]) سورة الأعراف: 33.

([8]) انظر: كشف النقاب عن تنقيح الشهاب، ج6، ص301.

 

*ندوة تطور العلوم الفقهية في عمان خلال القرن الخامس الهجري “التأليف الموسوعي والفقه المقارن”

أقامتها وزارة الأوقاف والشؤون الدينية بمسقط

25- 27 محرّم 1426هـ/ 6- 8 مارس 2005م

هذه المقالة تحتوي على لا تعليق

أكتب تعليقك هنا

نرجو أن تضع المادة أسفله
الإسم
إيميل
موقع
تعليقك