مقارنة بين كتاب الوضع مختصر في الأصول والفقه لأبي زكريّاء الجنّاوني (ق 5/ 11) وكتاب مختصر الخصال لأبي إسحاق الحضرمي (ق 5/ 11).

مقارنة بين كتاب الوضع مختصر في الأصول والفقه لأبي زكريّاء الجنّاوني (ق 5/ 11)
وكتاب مختصر الخصال لأبي إسحاق الحضرمي (ق 5/ 11)*
د. فرحات بن علي الجعبيري([1])
لا مشاحّة في أنّ بذور الفقه الإسلامي تنبثق من كتاب الله تعالى وسنّة رسوله e، وما أن انتشرت الفتوحات الإسلاميّة في أطراف المعمورة حتّى ثبت أنّ الفقه هو الجبهة الرئيسة الفعّالة في استيعاب كلّ عطاء حضاري لم يعرفه المسلمون في الجزيرة العربيّة، وفعلا انتظمت حياتهم في كبيرها وصغيرها على أساسه، وانبثقت المدارس الفقهيّة تدريجيّا لتوجّه حياة المسلمين توجيها شرعيّا سليما.
ومن بين هذه المدارس الفقهيّة انبثقت مدرسة أهل الاستقامة (الإباضيّة) مع العقد الثّاني من النّصف الثّاني للقرن الأوّل مع إمامها جابر بن زيد العماني (93/711)([2]) عند انحراف بعض رؤوس الْمُحَكِّمة عن مسار الْمُحكِّمة الأول، وقرّر عبد الله بن إباض (86/705)([3]) بمشورة الإمام جابر وغيره من أهل الدّعوة القعود استعدادا للمستقبل، ولتركيز أسس عقديّة وفقهيّة ثابتة تنهل من كتاب الله U ومن سنّة المصطفى u؛ وما أثر من أقوال الصّحابة والتّابعين، وتوالت القرون وبرز أئمَّة وفقهاء في المشرق والمغرب.
وقد اختار لنا المشرفون على هذه النّدوة أن نبحث في “العلاقات الفقهيّة الإباضيّة بين المشارقة والمغاربة في القرن الخامس الهجري”.
لكن نظرا لضيق الوقت وصعوبة توفّر مخطوطات هذه الموسوعات بين أيدينا اقترحنا أن يكون موضوع مداخلتنا بعنوان: مقارنة بين كتاب الوضع للجنّاوني وهو نفوسي مغربي، ومختصر الخصال للحضرمي وهو يمني مشرقي.
وسنحاول في بحثنا هذا أن نقف عند إشكاليّتين من إشكاليّاته المتعدّدة.
الأولى: لماذا هذا التّوجه نحو المختصر مشرقا ومغربا في قرن التّأليف الموسوعي والانفتاح على المدارس الأخرى؟
الثّانية: مدى تحقيق هذا المنهج المخالف للسّائد آنذاك الغرضَ الذّي رغب الفقيهان في تحقيقه.
وسنتّخذ من هاتين الإشكاليّتين محوري بحثنا هذا.
المحور الأوَّل: عوامل اختيار منهج الاختصار:
إنّ البحث عن علّة هذا التّوجه لدى الحضرمي والجنّاوني يدفعنا حتما إلى النّظر في الإطار الزّماني والمكاني الذّي عاشا فيه، وفيما ضبطه كلّ من الفقيهين في مقدّمة كتابه في هذا الشّأن.
1- عوامل اختيار الاختصار عند الحضرمي:
أ) الإطار الزّماني والمكاني:
أمّا الفقيه الحضرمي فالرّاجح أنّه ولد في الرّبع الأوّل من القرن الخامس الهجري/الحادي عشر الميلادي، في حضرموت ببلاد اليمن، هذه البلاد التّي عرفت أوّل إمامةَ ظهورٍ للإباضيّة مع عبد الله بن يحيى طالب الحقّ 130/747([4])، تلك الإمامة التّي كادت تحققّ إمامة المسلمين قاطبة بالنّسبة إلى الإباضيّة.
وقد استمرّ كثير من أهل اليمن في حضرموت([5]) وغيرها على مسلك أهل الاستقامة إلى القرن الثّامنهـ/ 14م، كما تثبت النّصوص والدّراسات.
ويهمّنا بالخصوص القرن الخامس هـ/ 11م الذّي عاش فيه أبو إسحاق يناضل بالسّيف والقلم للحفاظ على الإمامة ولتثبيت أهل الدّعوة (الإباضيّة).
ودون أن نطيل في تحليل أخبار سيرته التّي استشفها الباحث بدر بن هلال اليحمدي من خلال تحقيقه لديوانه الموسوم بالسّيف النّقاد([6]).
ولقد عاصر الإمام الحضرمي إمامين من أئمَّة عمان هما الإمام راشد بن سعيد اليحمدي (425 ـ 445هـ/1034 ـ 1054م) والإمام الخليل بن شاذان (405 ـ 425هـ/ 1017 ـ 1034م)([7]).
والرّجل كان قد نشأ في أسرة عريقة في العلم إذ أسند عديدا من الأقوال في كتاب المختصر إلى والده قيس بن سليمان([8]).
إنّ مثل هذه النّشأة دفعته إلى الاستنجاد بإمامي عمان مرّات عديدة ومكّنته من إحياء الإمامة هناك على مسلك أهل الاستقامة، كما تدلّ على ذلك كثير من القصائد في ديوانه وأكتفي بهذه الأبيات (من البسيط).
واللهِ لاَ أَشَــرًا قُُمْنَا ولاَ           بَطـَرَا       لاَ لاَ             ولاَ طَلَبًا مُلْكًـا وعُدْوَانَـا
لكـنْ كقُدْوَتِنَا بالعدلِ إذْ         نُبِـذَتْ       آياتُ              خَالِقنَا والحَقُّ قـد بـانَـا
شكرا لخالِقنا إذْ ليس نحنُ        كَمَنْ       ضلَّ السَّبيـلَ           ورَامَ المُلْكَ طُغْيانَـا
إنّ الإلهَ هدانَا جَلَّ جـلَّ           إلـى       أَهْدَى        الهِدَايَةِ والعِرْفَانِ عِرْفَانَـا([9]).
هذه الأبيات وغيرها كثيرة طافحة بالشّكوى مِمَّا أصاب بلاد اليمن من نبذ آيات الخالق جلّ وعلا؛ رغم أنّ الحقّ ـ المتمثّل في الإباضيّة ـ واضح للعيان، وما أصاب أهلها من ضلال السّبيل والطّغيان.
فالمرحلة حينئذ ليست مرحلة ازدهار فكري وانتشار للعلم ومدارسه، وإنّما هي مرحلة قلّة معرفيّة وغلبة للتّيارات الأخرى المخالفة لمذهب أهل الاستقامة.
ومثل هذا الوضع من التردّي مدعاة لتأليف مثل هذا المختصر؛ لأنَّ الأمّة في حاجة إلى القليل المركّز الذّي يكفيها للدّفاع عن كيانها وتأصيله.
وفعلا «لم يكن الحضرمي شاعرا وإماما فحسب، بل كان فوق ذلك فقيها ضليعا في الفقه، يشهد له كتابه مختصر الخصال الذّي خصّصه لجميع أبواب الفقه بأسلوب جامع مانع، ويشهد له ديوان السّيف النقاد الذّي أدخل فيه بعض المنظومات الفقهيّة مثل القصيدة رقم 10 التّي وصل عدد أبياتها إلى 147 بيتا، تناول في معظم أبياتها الجانب الفقهي”([10])، وقد وردت في الدّيوان من ص143 ـ 164 ويمكن أن نعنونها بـ “عهد الإمام الحضرمي إلى القضاة والولاة”، خصّص منها ستّة وعشرين بيتا للقضاة ثُمَّ حدّد في البقيّة جميع مسؤوليّات الولاة سوى أربعة أبيات في آخرها ذكر فيها إخلاصه لله تعالى في هذا العهد.
وتتّصل بمقارنتنا بينه وبين الجنّاوني الأبيات التّي خصّصها للزّكاة من 43 ـ 98 حيث حدّد كلّ ما يأخذ منه الجباة الزّكاة مع تحديد النّصاب والقدر الذّي يؤخذ، نذكر منها: (الطّويل)
43 وتقْبضُ حقَّ الله مِن كُلِّ    مُسْلِمٍ
عَلى سُنّةِ         الأُمِّيِ فِي (القَيْظِ) والبَرْدِ
44 مِنَ الزَّرْعِ نِصْفَ العُشْرِ والغَرْسِ إِنْ سُقِي
بِغَرْبٍ وإِلاَّ عُشْرَ ما اقْتَاتَ ذُو       الكَـدِّ
57 وعِشْرين مِثْقَالاً نِصَابًـا فَـزكِّهِا
إِذَا حَالَ حَوْلٌ رُبْـعَ مِعْشِارِهَـا            أَدِّ
58 ومِنْ مِائَـتَـيْنِ مِنْ دَرَاهِمَ فضِّـةً
فَخُذْ خَمْسَةً رُبْـعَ العَشِيرِ أَخَا          سَعْدِ
وإن كان العهد إلى الولاة قد شمل واجبات الوالي وحقوقه، ودعوة النّساء إلى التّمسك بأحكام الشّريعة، والدّعوة إلى حسن معاملة العبيد، وحسن معاملة أهل الذّمة، كما بيّن بتوسّع جميع أحكام القتال في الإسلام.
وكذلك القصيدة رقم 24 جاءت على الطّويل في الميراث وعدد أبياتها ثلاثة عشر بيتا ص247 ـ 248 وكذلك القصيدة رقم 54 على الطّويل وعدد أبياتها واحد وثلاثون بيتا. وهي ضرب من الإلغاز في المواريث أيضا ص437 ـ 440.
كما يقول محقّق الدّيوان: «ترك الشّاعر بجانب هذا الدّيوان كتابا فقهيّا عنوانه مختصر الخصال جمع فيه خصال الشّريعة، وتناول فيه أبواب الفقه بأسلوب بديع ومختصر، وهو دليل على عبقريّته الفذّة وإبداعه الكبير…»([11])
نظمه الشّيخ أبو حفص عمر بن سعيد بن راشد البهلولي (9هـ/ 15م) سنة 805هـ/1403م.([12])
كما نظمه الشّيخ نور الدّين السّالمي([13]) (1332/1914) وسمّاه مدارج الكمال في نظم مختصر الخصال ([14])
وهذه الأبيات الّتي قدّم بها هذه المنظومة: (الرّجز)
وبعدُ فالفقْهُ به يَدْرِي       الفَتَــى              مــا يَذَرَنْ           من فِعْلِهِ ومَا أَتَى
وهـذه مَدَارِجُ              الكَمَــالِ              ضَمّنْتُهَــا            مُخْتَصَرَ الخِصَـال
وزِدّتُ فيهـــا دُرَرًا            عَدِيدَه              واضِحَـةً             أَعْلاَمُهَا مُفِيــدَه
لكِنَّنَي لمْ أَذْكـــُرِ            الدَّلِيـلا              فِيهَا          لأَنِّي لا أَرَى التَّطْوِيــلاَ
وطَـالمَا خَالَفْتُــهُ                مُرَتــِّبَا              ورُبَّمَا            تَرَكْــتُ مَا النَّظْمُ أَبَى
ورُبَّمَا عَدَلْتُ عـَنْ        تَصْحِيحِـه              وجِئْـتُ        بِالأَعْدَلِ مِنْ تَرْجِيحِه
وقَدْ حَذَفْتُ مِنّـهُ مـا         تكَـرَّرَا              مُحَــرِّرًا                خِصـَالَهُ مُخْتَصِرًا
وقَدْ تَرَكْتُ مِنْـهُ أَبْوَابًـا         ذَكـَرْ              فِيهَا      أُصُـولَ الدِّينِ تفْصِيلاً بَهَر
مُكْتَفِيًا بِمَا جَرَى مِنْ        نَظْمِــهَا              عَلى لِســَانِي           شَاكِرًا لِخَتْمِهَا
وهذا نموذج لنظم نصّ من المختصر:
جاء في المختصر “باب ذكر بيان أحكام الجماعة”: «قال أبو إسحاق: وصلاة الجماعة فرض على الكفاية إلاّ في خصلة واحدة وهي صلاة الجمعة. قال أبو إسحاق: وسبع تصلّى بالجماعة. أحدها: الخمس المكتوبات. الثّاني: صلاة الجنازة. الثّالث: صلاة العيدين. الرّابع: صلاة الكسوفين. الخامس: الاستسقاء. السّادس: التّراويح في رمضان خاصّة. السّابع: صلاة الوتر في رمضان خاصّة، وكذلك التّهجد في رمضان خاصّة. قال أبو إسحاق: وما سوى ذلك فرادى والله أعلم»([15]). وجاء في النّظم (الرّجز):
جَمَاعةٌ فَرْضُ كفَايـــةٍ             يَجِب           فِي الصَّلَوَاتِ الخَمْسِ والبَاقِي استَحِبْ
جَنَـازَةٌ كُسُـوفٌ             أو عِـيـدَان           تَـروح و الوِتْـرُ             في الرَّمَضَانْ
كَذَا في الاسْتِسْقاءِ لَكِنْ    في الجُمَعْ           تَكونُ فِيهَا فَرْضُ عَيْنٍ        إذْ تَـقَـعْ
ثمّ شرحه وسمّاه: معارج الآمال على مدارج الكمال([16]) نظم مختصر الخصال.
وهذا السّالمي يحدّد منهجه في الشّرح:
«وقد منّ عليّ المنّان بنظم خصاله على منوال مخالف لمنواله، مع تركي منه ما تكرّر، وتقديمي ما تأخّر، وقد حذفت منه كتاب الاعتقاد اكتفاء بأنوار العقول وغاية المراد([17])، وقد زدت فيه أكثر مِمَّا حذفت، وأخلفت أكثر مِمَّا خلّفت، وسمّيته مدراج الكمال بنظم مختصر الخصال. ثُمَّ رأيت تمامه منوطا بشرح يوضّح مرامه، ويزيح إبهامه، وينشر أعلامه، أقرن فيه المسألة بدليلها، وإن تكن مقيسة سعيت في تأصيلها وتعليلها، وإن تكن مشكلة أو مجملة اجتهدت في تحريرها، وأخذت في تفصيلها على حسب الإمكان، لقصد البيان، فإن وجدت لغيري في ذلك ما يشفي اكتفيت به، إذ السّعيد من بغيره يكتفي، وسمّيت هذا الشّرح معارج الآمال على مدارج الكمال.
اللّهمّ اجعله لي عندك ذخرا، وأثبني عنه أجرا في الدّار الأخرى، وأعوذ بك أن يكون حظّي منه قول يقال، أو جاه في هذه العاجلة ينال، فأنت حسبي ونعم الوكيل»([18])
وهذا نموذج تطبيقي للشّرح:
يورد السّالمي الأبيات التّي سيشرحها حسب تبويبها فيمهّد لها تمهيدا مختصرا إلى التّلخيص أقرب، قد يذكّر فيه بنصّ مختصر الخصال أو بالنّص المنظوم، ثُمَّ يفرّع القضيّة المطروحة إلى مسائل يقلّ عددها أو يكثر حسب المادّة المقرّرة، كما يفرّع المسائل إلى تنبيهات هي الأخرى يقلّ عددها أو يكثر.
وهذا نموذج لشرح الأبيات المذكورة سابقا عند الحديث عن المنظومة:
«يعني أنّ صلاة الجماعة فرض على الكفاية في الصّلوات الخمس، وفعلها في باقي الصّلوات الّتي تصلّى بالجماعة مستحبّ.
وتكون في صلاة الجمعة فرض عين على من لزمته الجمعة.
والصّلوات الّتي تستحبّ فيها الجماعة هي الجنازة وكسوف الشّمس وخسوف القمر.
وإنّما اقتصر في النّظم على الكسوف؛ لأنَّه يوصف به الشّمس والقمر.
والعيدين: الأضحى والفطر، وصلاة التّراويح والوتر في رمضان لمن صلّى التّراويح جماعة؛ لأنَّه في حكم القيام، ولا يصلّى جماعة في غيره، وصلاة الاستسقاء، فهذه الصّلوات الّتي تستحبّ فيها الجماعة.
زاد أبو إسحاق صلاة التّهجّد في رمضان خاصّة ثُمَّ قال: وأحبّ أن يصلّى التّهجّد فرادى، وكرهت الجماعة في مسجد صلّى فيه تلك الصّلاة جماعة إن كان للمسجد إمام ثابت…»([19])
«… فهذه جملة أحكام الجماعة في الصّلاة، وسيأتي بسطها في المسائل»([20]).
المسألة الأولى:
في حكم الجماعة في الصّلوات الخمس:
قد اتّفقوا أنّ الجماعة فرض عين على من وجبت عليه الجمعة.
واختلفوا في غير هذا:
فذهب الأكثر إلى أنّها فرض على الكفاية.
وقيل: فرض عين، وهو قول ابن عبّاس ومال إليه ابن مسعود.
وقيل: سنّة، وهو ظاهر كلام ابن مسعود ـ رحمه الله ـ وعليه مشهور المالكيّة.
ثمّ اختلف القائلون بأنّه فرض على الكفاية:
فمنهم من قال: يجزى قيام البعض من أهل المصر عن البعض.
وقال بعضهم: لا يجزى حتّى يكون في القرية من يقوم بالجماعة.
وقيل: على كلّ أهل مسجد أن يعمروا مسجدهم بالجماعة إذا قدروا على ذلك، ولا يسعهم تضييع الجماعة في مسجدهم، سواء كان في القرية من يقوم بها أو لم يكن.
وأمّا القائلون بأنّها فرض عين فقالوا: إنّ الاثنين إذا كانا غير مسافرين تلزمهما الجماعة مخاطبان بأداء فرض الصّلاة جماعة عند القدرة على ذلك.
وقيل: تلزم المسافرين أيضا.
احتجّ القائلون بأنّها فرض كفاية بحديث أنس أنّ النبيّ e قال: «الصّلاة في الجماعة خير من صلاة الفذّ بسبع وعشرين درجة»([21]).
وافتقد رسول الله e عليّا في صلاة الصّبح فدخل على فاطمة فقال: «ما شغل ابن عمّك؟ فقالت: بات يصلّي فلمّا طلع الفجر صلّى واضطجع. فقال: لو صلّى في الجماعة لكان أفضل.
فهذا والّذي قبله يدلاّن على أنّ صلاة المنفرد تامّة ولكن الجماعة أفضل منها»([22]).
ثمّ تتّبع كتب منظومته كتابا كتابا مبتدئا بكتاب الطّهارات، وقد خصّص له بقيّة الجزء الأوَّل: (ص 219-310) والأجزاء إلى نهاية الجزء الخامس.
ثمّ تتبّع بقيّة الكتب، ومن أراد التّفصيل فلينظر النصّ المطبوع.
وقد انتهى هذا النصّ بالجزء الثّامن عشر عند كتاب الصّوم الّذي بدئ في مطلع الجزء السّابع عشر. وقد ختم الجزء الثّامن عشر بذكر مفسدات الاعتكاف.
بهذا نكون قد عرّفنا بمنظومة مدارج الكمال على مختصر الخصال، وبمعارج الآمال على مدراج الكمال بنظم مختصر الخصال.
وليت الشّيخ السّالمي قد أتمّ هذا الشّرح الجليل الّذي يثبت من خلاله أنّ مختصر الخصال مختصر بحقّ.
وفاته:
وقد ظلّ الحضرمي مناضلا بكلّ ما أوتي من قوّة بسيفه وقلمه إلى أن توفّاه الأجل في الرّبع الأخير من القرن الخامس بين (475 و500هـ/ 1083 و1106م).
هكذا إن أفاد النّظر في الإطار العام لتأليف الكتاب أنّه وليد زمانه ومكانه الذي كان في حاجة إلى المختصر أكثر منه إلى التّوسع والتّحليل؛ فماذا عن تعليل الكاتب لهذا الاختيار؟
ب) مقدّمة الكتاب:
– تعريف كتاب مختصر الخصال:
يقع الكتاب في(240) صفحة من الحجم المتوسّط، وقد طبع بدار نوبار للطّباعة سنة 1983 وقد نشرته وزارة التّراث القومي بسلطنة عمان سنة 1404/ 1984بعنوان: مختصر الخصال تأليف العلاّمة الشّيخ أبي إسحاق إبراهيم بن قيس، وقد افتتح بمقدّمتين هامّتين:
الأولى (ص3-5) فريدة من نوعها في مثل هذه المؤّلفات، عرض فيها خصال العالم الحقّ وهو بهذا ضبط سيرة المسلم الزّكيّ عامّة، ذاك الذّي يلتزم بما بسطه المؤّلف من خصال في كتابه مختصر الخصال.
وقد بدأها بقوله: «العالم أحق بأن يبدأ بتأديب نفسه وعرفان مصلحته، ومفتقر إلى عقل كامل، وحلم وافر، وورع مفيد، ولبّ رصين، ونيّة في ذات الله صادقة، وتمام العلم والعمل به، مع ذهن حاضر… »([23]).
والنّص جملة وثيقة أخلاقيّة سامية تعرض سمات المسلم النّموذج حسب تصوّر المؤلّف النّابع من الكتاب والسنّة.
المقدّمة الثّانية: تقليديّة (ص6 و7) حدّد فيها الحضرمي موضوعه، وعوامل التّأليف، والمنهج المتّبع، وغرضه من الكتاب.
ويهمّني في هذه المرحلة من البحث أن أقف عند دواعي التّأليف:
قال أبو إسحاق: «فقد دعاني إلى تصنيف هذا الكتاب خشية انطماس أصول الإباضيّة في الأمصار، وتقييدها في الأسطار، وخيفة الرّغبة عنها في معقل الدّعوة الأصليّة..؛ لأنَّي… شاهدت قوما ممّن ينتمي لديننا زاغت بهم الأهواء عن قصد السّلف الصّالح… فلمّا خشيت هؤلاء وأمثالهم أن يزيغوا بما استخفّوا به من الخلاف، ويستميلوا قلوب الضّعاف، صرفت عناني إلى تصنيفه لترسخ الأصول في أماكنها، ويتعلّق بها أهل دعوتها…
… وقد نظرت في بعض تصانيف أهل مذهبنا فإذا هو علم منشور، ولا تؤدّي المسألة إلاّ معنى واحدا غير شامل لأصول العلم مفتقرا إلى النّظر في جميع الكتب، فجعلت كتابي هذا مختصرا موجزا… »([24])
جاء الحديث في هذه المقّدمة واضحا مؤكّدا ما أشرنا إليه آنفا في حديثنا عن الإطار الزّماني والمكاني، فالإمام الحضرمي يشكو وضع أهل زمانه الذين صار الكثير منهم غير قادر على أن يميّز بين مسائل الخلاف، ذلك أنّ أهل الدّعوة صاروا قلّة بين كثرة مخالفة في المذهب (شافعيّة، حنفية وباطنيّة)، بل الكثير منهم صار ميّالا إلى آراء مخالفيهم عن غير علم.
ويلتمس الحضرمي عذرا لهؤلاء تمثّل في عدم توفّر تصانيف في المتناول، إذ يقتضي التّعرف على مسألة “النّظر في جميع الكتب”.
نتبيّن إذن من خلال هذه المقدّمة أنّ أهل الدّعوة في بلاد اليمن اجتمع عليهم أمران:
1 ـ انتشار آراء المخالفين الذّي استهوى الكثير من النّاس.
2 ـ عدم وفرة تصنيف ميسّر يكون مفزعا عند الحاجة، خاصة في مواطن الدّفاع عن الذّات وتأصيل الكيان.
ومعلوم أنّ كلّ أمّة يذهب ريحها إذا أتيت من هذين البابين.
لذلك عمل الحضرمي على تأليف هذا المختصر: «فجعلت كتابي هذا مختصرا موجزا، وفصّلته أبوابا وجعلت كلّ كتاب منه خصالا ليسهل على المتعلّم حفظه، ويقرب إليه فهمه، ويزيد العالم نباهة في قلبه، وتقوية في علمه…»([25]).
واضح من خلال النّظر في الإطار العام، وما ضبطه الحضرمي بنفسه في مقدّمة الكتاب أنّه اختار مسلك الاختصار عن وعي كامل، رغبة في توفير مرجع يستفيد منه المبتدئ والعامي، ولا يستغني عنه العالم، وذلك بالتنصيص على المعتمد من الأقوال، الذّي يوفّر سلامة التّمسّك بمسلك أهل الاستقامة.
هذا عن الحضرمي فماذا عن الجنّاوني النّفوسي؟
2- عوامل اختيار الاختصار عند الجنّاوني:
أ) الإطار الزّماني والمكاني:
أمّا الفقيه الجنّاوني النّفوسي اللّيبي فهو أيضا قد عايش فترة تحوّل واضح بالنسبة إلى إباضيّة المغرب، ذلك أنّ هؤلاء قد حاولوا طيلة القرن الرّابع للهجرة/ 10 إحياء إمامة الظّهور بعد سقوط الإمامة الرّستميّة سنة 296/ 909 من خلال ثورة أبي يزيد مخلد بن كيداد التّي كادت تطيح بالدّولة الفاطميّة في القيروان والمهدية (326/ 928) وثورة أبي خزر الحامي (358/ 968)، لكن باءت جهودهم بالفشل ففكّروا تفكيرا جديّا عمليا للحفاظ على كيانهم في التحوّل إلى مسلك الكتمان([26]).
وفعلا بعد مشاورات طويلة بين إباضيّة المغرب في كلّ من أريغ ووارجلان وقسطيليّة وجربة ونفوسة استقرّ قرارهم على تأسيس نظام الحلقة على غرار مسلك أبي عبيدة (145هـ/ 763م)([27]) مِن قبل في البصرة، فأوكلوا المهمّة إلى أبي عبد الله محمَّد بن بكر الفرسطائي (440/ 1049)([28]) فاضطلع بالمهمّة على أحسن وجه، وأعلن التّحول إلى مسلك الكتمان سنة (409/ 1019).
إنّها حركة إصلاحيّة بحقّ آتت أكلها بسرعة، ذاك أنّها تقوم على التّعليم والتّعلم، وغرس السّلوك الحسن، فأثمرت حركة علميّة جليلة في المحيط الإباضيّ المغربي في (ق5/ 11)، القرن الّذي عمره الفقيه أبو زكريّاء يحيى بن الخير بن أبي الخير الجنّاوني، على أرجح روايات كتب السّير والطّبقات، صاحب كتاب الوضع موضوع البحث.
لقد سعت كلّ مناطق إباضيّة المغرب إلى بعث نظام الحلقة مع بعث منطقة جديدة هي وادي ميزاب التّي أسّسها أبو عبد الله مؤسّس نظام العزّابة لتثبيت أهل الدّعوة أينما كانوا، كما انبرى تلاميذه يتسابقون في ميدان التّأليف في شتّى فنون العلوم الإسلاميّة، وخاصة منها أصول الدّين والفقه لتنضاف إلى ما وصل من قبل من مؤلّفات مشرقيّة مهمّة مثل المدونة لأبي غانم الخراساني (ق2/ 8) وجامع ابن جعفر (ق 3/ 9) وكتاب محمَّد بن محبوب (ق 3/ 9) وجامع ابن بركة (ق 4/ 10)، وما ألّفه المغاربة من قبل مثل فتاوى الأئمَّة الرّستمييين والدّينونة الصّافية لعمروس بن فتح 283/ 896 وكتاب الرّد على جميع المخالفين لأبي خزر (380/ 990)([29]).
ونكتفي بذكر ديوان غار مجماج بجربة في الفروع الذّي انبرى سبعة من العلماء لتأليفه بطابع موسوعي، وديوان الأشياخ بوادي أريغ الذّي تعاون على تأليفه عشرة من العلماء فكان الأوّل في ستّة أجزاء والثّاني في خمسة وعشرين جزءا، وذكر مؤلّفات أبي العبّاس أحمد بن أبي عبد الله ولد مؤسّس نظام الحلقة التّي وصلت إلى خمسة وعشرين مؤلّفا، ونرى من المفيد أن نتعرّض لهاتين الموسوعتين بشيء من التّفصيل، وكذا مؤلّفات أبي العبّاس؛ لأنَّه لم يقع التّعرض لها كما توقّعنا ذلك في بحوث أخرى، وهي من عطاء (ق5/11).
أمّا عن ديوان غار مجماج بجزيرة جربة فقد فصّلنا الحديث في شأنه في كتابنا نظام العزّابة ([30]) حيث ترجمنا للفقهاء الذين تعاونوا على تأليفه ([31]) ونكتفي هنا بذكر أسمائهم وهم:
1 ـ أبو عمران موسى بن زكريّاء المزاتي الدّمّري([32]).
2 ـ أبو محمَّد عبد الله بن مانوح اللّمائي الهوّاري([33]).
3 ـ أبو عمرو النّميلي الزّواغي([34]).
4 ـ أبو يحيى زكريّاء بن جرناز النّفوسي([35]).
5 ـ جابر بن سَدَّرْيمَام (بفتح ففتح فسكون).
6 ـ كُباب بن مصلح المزاتي.
7 ـ أبو مجبر تُوزِين.
كما نذكر توفّر نسختين من الدّيوان إحداهما بمكتبة الشّيخ سالم بن يعقوب([36])، وثانيتهما بالمكتبة البارونيّة([37]).
ونرى من المفيد أن ننقل من كتابنا الباب الذّي خرجناه من الدّيوان: باب ما يجب به التّعريز (ج3/ص23).
«وإذا اقتتل رجل إلى غيره من النّاس، وقد كان في يده شيء يضرب به مثل الحجر أو الحديد أو العصا أو ما شابه ذلك فإنّه يعزّر على ذلك.
وإن رماه ولم تبلغ الرّميّة ينكّل، ومنهم من يقول إن لم تصله الرميّة فإنّه يعزّر.
ومن وجد مع امرأة ليست له في لحاف واحد، وليس بينهما ثوب، فإنّهما يعزّران على ذلك.
وكذلك من مثّل بقاتل وليّه بعدما قتله؛ فإنّه يعزّر في ما ذكر من الكتاب.
والتّعزير: ما دون أربعين جلدة في الظّهور والكتمان، ولا ينقصون الأربعين ولا يجاوزونها، وقيل سبيله النّكال».
لقد ورد هذا الباب بين باب ما يؤدّب به الطّفل وباب ما يجب به النّكال، وقد اخترته خاصّة لقصره؛ ولأنّه يمثّل الطّريقة الفقهيّة في القديم وهي إيراد الآراء دون ذكر أصحابها، وكذلك ذكر الآراء الغريبة([38]).
إلاّ أنّنّا عندما نتتبّع الكتاب نجد أنّ الآراء الهامة منسوبة إلى مصادرها وأصحابها: القرآن الكريم، السنّة، جابر بن زيد، أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة([39])، الحسن البصرى، عليّ بن أبي طالب، عمر بن عبد العزيز…([40]).
وأمّا عن ديوان وادي أريغ فقد جاء في سير الشّماخي ما يلي: «وأمّا الذين ألّفوا كتاب ديوان العزّابة:
فالشّيخ يَخْلَفْتن بن أيّوب النّفوسي المَسْناني ([41]).
ومحمَّد بن صالح النّفوسي المسناني ([42]).
ومن قنطرارة: الشّيخ يوسف بن موسى([43]).
ومن تيجديت: يوسف بن عمران بن أبي عمران موسى بن زكريّاء المزاتي([44]).
ومن أريغ: الشّيخ عبد السّلام بن سلام([45]).
والشّيخ جابر بن حمّو([46]).
والشّيخ إبراهيم بن أبي إبراهيم([47]).
وعرض على أبي العبّاس أحمد بن محمَّد بن بكر وأبي الرّبيع سليمان بن يخلف، وماكسن بن الخير.
قال أبو الرّبيع: «لا يطعن في هذا التّأليف إلاّ شيطان».
ليس لنا في هذا البحث أن نتوسّع في تراجم هؤلاء وإنّما نكتفي بتحديد قصّة تأليف هذا الدّيوان:
قال أبو العبّاس أحمد بن محمَّد بن بكر: «ذكر غير واحد من المشايخ أنّ العزّابة اجتمعوا على تأليف كتاب في المذهب، يسهل على المبتدئين حفظه، فصنّفوه في خمسة وعشرين جزءا»([48]).
نتبيّن مِمَّا ذكره الشّماخي أنّه جهد جماعي يرمي إلى تأليف كتاب في المذهب الإباضيّ، ومن النّسخ المتعدّدة المتوفّرة التّي لم تنل حظّها من الدّراسة العلميّة ندرك أنّه في الفروع بجميع قضاياها.
وعن هذا الجهد الجماعي توفّر نصّ سمّوه الدّيوان؛ لأنَّه جمع من الأقوال ما كان متداولا مشافهة أو قراءة عن النّصوص المشرقيّة كمدوّنة أبي غانم الخرساني (2/ 8).
وهذا الدّيوان اضطربت كتب السّير والطّبقات في الاسم المضاف إليه بين ديوان العزّابة وديوان الأشياخ وديوان المشايخ، للتمييز بينه وبين الدّيوان الآخر الذّي ألّف في جربة وأطلقت عليه نفس التّسميات.
وللتمييز بينهما يحسن أن نستعمل النّسبة إلى المكان الذّي ألّف فيه كلّ من الدّيوانين: ديوان أريغ بالنّسبة إلى هذا الدّيوان، وديوان غار مجماج جربة بالنّسبة إلى الدّيوان الآخر. مع العلم أنّ هذا الأخير أوسع بكثير من ديوان جربة. فإن عرفنا أنّ الأوّل في ستّة أسفار فالثّاني في خمسة وعشرين.
ومن مطالعتنا نحزر أنّ السّفر يضمّ مائة صفحة تقريبا مِمَّا يجعل الكلّ يقارب ألفين وخمسمائة صفحة: عبادات معاملات. أحوال شخصيّة.
وينقل الشّماخي عن أبي العبّاس دائما أنّه «انفرد بكتاب الصّلاة الشّيخ إسماعيل بن ييدير([49])، فجاء أحسنها تأليفا وترتيبا وأكثرها فائدة»([50]).
كما يذكر أنّ الشيخ يخلفتن بن أيّوب جمع كتاب النّكاح، وأنّ الشّيخ محمَّد بن صالح جمع كتاب الوصايا، وأنّ الشّيخ أبا العبّاس جمع كتاب الحيض.
كما يذكر تردّد الرّوايات في شأن نسبة كتابين إلى داود بن أبي يوسف([51])، ثُمَّ يقرّر أنّه ليس مؤّلفهما معتمدا على ما نقله عن أبي عمرو عثمان بن خليفة السّوفي([52]). يقول فيها: إنّه تركهما في الألواح فعرضهما أبو العبّاس أحمد بن بكر.
فالحاصل أنّ الدّيوان اشترك في تأليفه ثمانية من الفقهاء اثنان من جبل نفوسة، واثنان من تيجديت في حوزة أريغ، وثلاثة من أريغ، وواحد من قنطرارة قسطيليّة. فالثّقل حينئذ من أريغ وهم خمسة، فحقّ له أن ينسب إلى حوزة أريغ.
ثمّ عرض على رجلين هما أعلم أهل ذلك العصر، وهما تلميذا مؤسّس نظام العزّابة أبي عبد الله محمَّد بن بكر الفرسطائي([53])، أوّلهما: أبو العبّاس أحمد ([54]) وهو ابنه في نفس الوقت، وقد اشتهر بمؤلّفاته التّي بلغ عددها خمسة وعشرين. وثانيهما: أبو الرّبيع سليمان بن يخلف المزاتي([55])، وقد اشتهر بكتابه التّحف في أصول الدّين وأصول الفقه، وكتابه السّير.
وقد شملت هذه الموسوعة جميع أبواب الفقه، ونحن في صدد رقن نصّها عسى أن يعمل فريق من الطّلبة الباحثين على تحقيقها([56]).
بقيت ملاحظة رغبة هؤلاء في أن يكون هذا الكتاب مِمَّا يسهل على المبتدئين حفظه، فلسنا ندري المعيار المعتمد في هذه السّهولة، والرّاجح أنّ أمر التّيسير للحفظ بقي في مستوى الرّغبة، لكن عندما تحوّل الأمر إلى الإنجاز جاء النصّ في مستوى أرفع بكثير من مستوى المبتدئين، ويكفي أن نقول ليس من السّهل حفظ ألفين وخمسمائة صفحة. وفيما نعلم إنّ النّصوص التعليميّة المخصّصة لهذا لا تدرك عادة مثل هذا العدد من الصّفحات.
عايش الجنّاوني صاحب كتاب الوضع هذه الحركة العلميّة عن كثب؛ لأنَّ الرّجل ينتمي إلى أسرة عريقة في العلم، ذلك أنّ جدّه أبا الخير اعتنى بتربيته أحسن اعتناء في نشأته الأولى، ثُمَّ أرسل به إلى أحسن المدارس العلميّة قرب مدينة جادو، في مسجد إِبَنَّايَنْ عند الشّيخ أبي الرّبيع سليمان بن هارون([57])، حيث كان مثالا في الجدّ والمثابرة والانقطاع للعلم؛ كما يروي الشّماخي في سيره، وقد دوّن أقوال شيخه هذا خاصّة في كتاب خصّصه لباب النّكاح.
ولا شكّ في أنّه كان يلاحظ انبعاث حلقات العلم وحلقات العزّابة في أطراف جبل نفوسة، وما كان من مراسلات وفتاوى بين شيخه وأمير الجبل آنذاك، وهو أبو زكريّاء يحيى بن إبراهيم([58])، وما إلى ذلك من أحداث، أهمّها الإحساس بتحوّل ثقل الحركة السياسيّة والعلميّة من جبل نفوسة، الذّي عرف أوج ازدهاره الأوّل في القرون السّابقة، خاصة منها القرنين الثّاني والثّالث للهجرة 8 و9 مع الإمامة الرّستميّة، إلى بلاد قسطيليّة وجربة ثُمَّ أريغ([59])، خاصة بعد وقعة مانو 283/ 896 التّي خسر فيها الجبل أربعمائة عالم([60]).
نعم، وإن بقيت بقيّة من حركة علميّة في الجبل فإنّها ليست في مستوى إشعاعه الأصلي، وعامّة النّاس ليسوا في مستوى استيعاب ما أنتج في جربة وأريغ وتمولست من موسوعات ومؤلّفات.
كلّ هذا كان يدور في خلد أبي زكريّاء وهو يتعلّم ويعلّم على مسلك جميع المدارس العلميّة في محيطنا الإسلامي، فبماذا يمكن أن ينفع الأمّة يا ترى؟
إنّه مسلك آخر في التّأليف ينتفع به العامّة والمبتدئون، ولا يستغني عنه الخاصّة من أهل العلم، إنّه منهج التبسيط والتّيسير، ولا ننسى هنا أن نذكر تنويه الشّماخي بقدرته العجيبة في الفتوى: «ومن غزارة علمه وعمق بحره أنّه يفتي للنّاس حين رجع عن أستاذه أبي الرّبيع سليمان بن أبي هارون ستّة أشهر ولم يتوقّف ولو في مسألة واحدة مع كثرة السّائلين في أيّ فنّ من الفنون سألوا»([61]).
إنّه الإحساس بضرورة تقريب المعلومة العمليّة خاصّة إلى أكثر عدد ممكن من النّاس، ليثبتوا على مسلك السّلف عن علم.
فليكن مسلكه في التّأليف قريبا من الفتاوى التّي تعبّر عمّا يحتاج إليه النّاس، إنّه الاختصار ولكن ليس لمؤلّفات سابقة ولكنّه الاختصار انطلاقا، وفعلا قد جاءت مؤلّفات الجنّاوني متماشية مع إطارها الزّماني والمكاني، وخاصة منها كتاب الوضع الذّي اخترناه لنقارن بينه وبين مختصر الخصال للحضرمي.
مؤلّفات الجنّاوني:
ـ عقيدة نفوسة: طبعت عدّة طبعات. لم تحقّق تحقيقا علميّا، اهتمّ المستشرقون بدراستها وترجمتها، وتوّج أعمالهم المستشرق الفرنسي بياركوبرلي (P. Cuperly) ([62]) بتحليلها تحليلا علميّا مستفيضا في أطروحته عن العقيدة الإباضيّة عامّة.
وهذا النصّ المختصر هو أول ما يحفظه أهل نفوسة بعد كتاب الله العزيز وسنّة المصطفى u، كما يحفظ إخوانهم بمزاب وجربة عقيدة التّوحيد لابن جميع([63]).
– كتاب الصّوم: بتحقيق: سليمان بن موسى الجنّاوني وعلي سالم علّوش من ليبيا. يقع في 95 صفحة، وهو تحليل لِما ورد في باب الصوم من كتاب الوضع. ط 2 دار الفتح (1393/ 1973).
– كتاب النّكاح: أعدّه للنّشر سليمان أحمد عون الله ومحمَّد ساسي زعرود من ليبيا. وقدّم له وعلّق عليه الشّيخ علي يحيى معمّر، (328 صفحة. د، ت).
– كتاب الأحكام: خ مبكتبة الشّيخ سالم بين يعقوب بجربة وللشّيخ يوسف المصعبي حاشية عليه. حقّقه الباحثان عمر بازين وأحمد كرّوم من وادي مزاب من الجزائر. حسب ما جاء في معجم أعلام الإباضيّة، عدد: 993.
– كتاب الشّيخ أبي زكريّا يحيى الجنّاوني: يشتمل على سبعة أجزاء: جزء الصّوم، وجزء النّكاح والطّلاق، وجزء الوصايا، وجزء الأحكام، وجزء الإجارات، وجزء الشّفع، وجزء الرّهن. كما جاء في رسالة تآليف الإباضيّة للبرّادي: تحقيق عمّار الطّالبي: ملحق بكتاب الموجز (ط الجزائر، ج2/ 288)، وهو مفقود على حدّ علمنا.
– كتاب الوضع: مختصر في الأصول والفقه. نشره وعلّق عليه أبو إسحاق إبراهيم اطفيش (1385/ 1966)([64]) طبع عدّة طبعات. 254 صفحة من الحجم المتوسّط.
الملاحظ حينئذ أنّ مؤلّفات الجنّاوني يغلب عليها طابع الاختصار، وخاصة منها كتاب الوضع، فهو مثل كتاب مختصر الخصال للحضرمي يلبّي حاجيات أهل زمانه الملحّة عقيدة وشريعة.
إن كان هذا ما وصلنا إليه استنتاجا فكيف عبّر عنه الجنّاوني صراحة في مقدّمة كتاب الوضع.
ب) مقدّمة كتاب الوضع:
يقول الجنّاوني: «أمّا بعد، فإنّه رغب إليّ راغب من إخواني، وأخ في الله من أخداني، وسألني تلخيص أبواب من أصول الدّين والمسائل الشرعيات، ليكون له المجموع من ذلك مفزعا يحور إليه عند الملمّات، فأسعفت مراده على قصور منّي في الدّرايات… »([65]).
إن كان الحضرمي انطلق من إحساس ذاتي في تأليف مختصره، فإنّ الجنّاوني قد عبّر عن تناغم إحساسه الذّاتي مع طلب أحد إخوانه، بل أذهب فأقول إنّه طلب كلّ إخوانه الذين كانوا يستفتونه بِنَهَمٍ شديد كما ذكرنا من قبل، إلى حاجة الأمّة إلى ملخّص مختصر يكفي عند الحاجة ويغني عن الموسوعات، وعبارة الجنّاوني دقيقة في هذا «ليكون له المجموع من ذلك مفزعا يحور إليه في الملمّات…».
وفعلا لقد كان وما يزال كتاب الوضع مفزعا يرجع إليه الإباضيّة في الملمّات.
وكلمة الملمّات جاءت متماشية مع ما ذكرناه من قبل عن الإطار الزّماني والمكاني لتأليف هذا الكتاب. فالكتاب حينئذ عبارة عن مجموعة من المذكّرات الدّقيقة في أصول الدّين وفي أركان الإسلام، ومعلوم أنّ المسلم إن سلمت عقيدته وشريعته يكون إن شاء الله من النّاجين بين يدي الله U.
وقبل أن نصل إلى الاستنتجات المتعلّقة بهذا العنصر يحسن أن نذكر أنّ هذا الكتاب ـ كتاب الوضع ـ قد أشار البرّادي إلى أنّه سمّي أيضا باللّمع، كما أنّه جاءت إشارات إلى نسبته إلى غير الجنّاوني([66]) إلاّ أنّنا نضمّ صوتنا في هذا إلى ما وصل إليه أبو إسحاق اطفيش محقّق الكتاب إلى أنّه جنّاوني التّأليف بدون منازع ([67]).
كما أنّ الكتاب قد حشّى عليه محمَّد أبو ستّة الجربي المشهور بالمحشّـي (1088/ 1677)([68]) وهو مطبوع طبعة حجريّة بالقاهرة بالمطبعة البارونيّة 1305/ 1888. 692 صفحة.
وقد بدأ المحشّي حاشيته مباشرة بدون أيّ تقديم، وهذه ملاحظات عن منهج المحشّي في الحاشية:
«لقد جاء منهجه استقرائيا حيث يتعرّض لكلّ قضيّة من جميع وجوهها معتمدا على الشّروح اللّغويّة وقد يعمد إلى فقه اللّغة أحيانا كما يحقّق وجوه الخلاف فيها مقارنا بين آراء الفرق الإسلاميّة منتقدا ما يرى ضرورة انتقاده بقوله: و”المناسب أن يقول”.
وقد تجلّت النّزعة المنطقيّة في تحليله لبعض المسائل، كما أنّه لا يتردّد في مناقشة بعض المسائل ليرجّح ما يراه صوابا، وهو في أغلب الأحيان يحيل على المصادر المعتمدة، الإباضيّة منها وغير الإباضيّة ناسبا إيّاها بوضوح إلى أصحابها.
وفي كلّ هذا تتّضح نزعة المحشّي التّعليميّة، حيث يريد أن يقرّب المفاهيم إلى المتعلّم دون أن يثقل عليه الرّجوع إلى الأمّهات»([69]).
«يورد المحشّي أوائل جمل الجنّاوني في الوضع (قوله كذا…) ثُمَّ يعقبها بالشّرح اللّغوي أوّلا، ثُمَّ التّحليل المنطقي، أو الكلامي، أو الفقهي حسب الموضوع الّذي يتحدّث فيه.
ومن مميّزات الحاشية استقصاء مباحث اللّغة بشكل دقيق، بحيث يشعر القارئ أنّه مع كتاب لغوي، ثُمَّ يتحدّث بعد ذلك عن مراد الجنّاوني من كلامه، وقد يستدرك على الجنّاوني بعض المسائل إن خالف فيها فتاوى المذهب المعتمدة، ومن ذلك عندما ذكر الجنّاوني دعاء الثّبوت على الصّراط أثناء الوضوء وعند غسل الرّجلين إشارة منه إلى أنّ الصّراط جسر على متن جهنّم، وهو بذلك خالف معتمد المذهب في هذه المسألة».
وقد استدرك عليه المحشّي بقوله: «وهذا الّذي ذكره المصنّف ـ رحمه الله ـ عند غسل الرّجلين ظاهره مشكل على ما هو المذهب عند أصحابنا من أنّ الصّراط المستقيم هو دين الله القويم»([70]).
كما جمع الشّيخ امحمَّد اطفيش (1332/ 1914) بين نصّ كتاب الوضع وحاشية المحشّي في كتاب سمّاه الجامع الصغير. يقع في ثلاثة أجزاء. نشر وزارة التّراث بسلطنة عمان. ط1406/ 1986([71]).
وهذا الكتاب جمع فيه المؤلّف معاني كتاب الوضع وحاشيته، وشرحه شرحا وافيا، وقد ورد عنوانه في الصّفحة التّالية من الكتاب بهذه العبارة: «هذا كتاب الجامع الصّغير لمعاني الوضع وحاشيته في الفقه الشّهير تصنيف الإمام المحقّق المدقّق بقيّة السّلف محمَّد بن يوسف اطفيّش الإباضيّ الوهبي».
– منهج اطفيّش في كتابه: “الجامع الصّغير”.
ذكر المؤلّف في مقدّمة الكتاب منهجه الّذي سلكه في كتابه الجامع بقوله: «… هذا مختصر جمعت فيه الوضع والحاشية رجاء وطلبا للنّجاة من الغاشية وسميّته بالجامع والله النّافع، وليس مختصرا جدّا لئلاّ يكون على الطّالب كدّا، وربمّا خالف الشّيخين لأمر تبيّن للّذي له العينين، وقد أوجز وأقدم وأوضح وأفهم، وربّ فائدة أزيد، والله المعين على ما أريد»([72]).
كما نظمه شعرا الشّيخ سعيد بن خلف الخروصي (معاصر) ـ مساعد مفتي سلطنة عمان ـ ط1403/1983 سلطنة عمان ويقع في 411 صفحة ([73]). ويقول في مقدّمة نظمه: (الرّجز)
وبعـدَ ذَا يَقُولُ عَبْدُ         رَبـهِ            سَعيدٌ        السَّائِلُ عَفْوَ ذَنْـبِـهِ
قَدْ عنَّ لِي نَظْمُ كِتَابِ الوَضْعِ            تَبَرُّكًا            بِعُلَمَاء الشَّــرْعِ
لأَنَّـهُ سِفْـرٌ عَظِيمٌ         جَامعٌ            ومَا            حَوَاهُ نَافِعٌ ورَافِــعٌ
سِفْرٌ حَوَى التَّوْحِيدَ   والأدْيَانِا            فَمِنْ        هُنَا كَمَالُهُ قَدْ بَـانَـا
ألَّفَـهُ علاَّمَـةُ             الزَّمَــانِ            يَحْيَى     الجَنّاوْنِي ذُو الإحْسَان
– منهج الخروصي في كتابه الوضع “قواعد الشّرع في نظم كتاب الوضع”:
بدأ الخروصي في نظم معاني كتاب “الوضع” من أوّله إلى آخره، فهو يستوعب عبارة الجنّاوني في كتاب “الوضع” ثُمَّ يصوغها صياغة شرعيّة بنفس المعنى من غير زيادة أو نقصان، ولا يستدرك عليه إن أفتى بغير المعتمد في المذهب، بل يورد عبارة الجنّاوني صياغة بالشّعر كما هي بنفس التّرتيب والنّظام»([74]).
كما أعدّ الطالب العماني سلطان بن محمَّد الحارثي بحثا حول منهج الجنّاوني من خلال كتابه “الوضع” شهادة الدّراسات المعمّقة بالجامعة الزّيتونيّة بتونس 1424/2003. (مرقون 104 ص).
الاستنتاجـات:
إنّ هذا التّحليل للتّعرف على دواعي تأليف الكتابين أوصل إلى ملاحظة التّشابه الكامل بين هذه الدّواعي الخارجية والذّاتية، ذاك التّشابه الذّي يصل إلى درجة التّطابق أحيانا.
فإن كانت دواعي الحضرمي تتلخّص فيما يلي:
ـ قلّةٌ إباضيّة بين كثرة غير إباضيّة.
ـ انتشار آراء المخالفين في المذهب (شافعية، حنفية، باطنية).
ـ ميل العامّة إلى تلك الآراء.
ـ رغبة في إحياء مسلك السّلف بالسّيف والقلم.
ـ صعوبة في تناول الموسوعات.
فإنّ دواعي التّأليف عند الجنّاوني تتلخّص كالآتي:
ـ نكبات توالت على جبل نفوسة أهمّها واقعة مانو 283/ 896.
ـ انتهاء إمامة الظّهور 296/ 909
ـ فشل محاولة العودة إلى الظّهور: سيف.
ـ بعث مسلك الكتمان نظام الحلقة: القلم.
ـ تحوّل المذهب المالكي إلى دور السّيادة مع الصّنهاجيّين.
ـ قلّة إباضيّة بين كثرة غير إباضيّة خاصة في قسطيليّة.
ـ صعوبة في تناول الموسوعات.
كلّ هذا إلى جانب شعور ذاتي بالأمانة تجاه الأمّة عبّر عنه الحضرمي بطريقة مباشرة والجنّاوني بطريقة غير مباشرة دفع الرجلين إلى أن يلتقيا على نفس الدّرب، إنّه درب المختصر من البداية، وليس اختصارا لعمل سابق، وليس منظومة تعليميّة.
تلك هي ملامح دواعي تأليف هذين المختصرين حاولنا أن نلمّ بجوانبها بقدر الإمكان، ونرجو أن نكون بذلك قد حللنا الإشكالية الأولى المطروحة. فماذا عن الإشكالية الثّانية؟ وهي مدى تحقيق هذا المنهج المخالف للشّائع آنذاك الغرض الذّي رغب الفقيهان في الوصول إليه.
المحور الثّاني:
مدى تحقيق منهج الاختصار ـ المخالف للسّائد آنذاك ـ الغرض الّذي رغب الفقيهان في الوصول إليه شكلا، ومضمونا، ومنهجا.
1) في مستوى الشّكل:
أ- هيكل كتاب مختصر الخصال
يقول أبو إسحاق: “.. وفصّلته (الكتاب) أبوابا”([75]).
الجزء الأوَّل: (ص1 إلى ص110).
المواضيع الصّفحات
1) كتاب مالا يسع جهله 24 بابا ص8 ـ 34
2) كتاب الطّهارة 36 بابا ص35 ـ 48
3) كتاب الصّلاة المكتوبة 44 بابا ص49 ـ 74
4) كتاب صلاة الجمعة 3 أبواب ص75 ـ 77
5) كتاب صلاة السّفر 5 أبواب ص78 ـ 79
6) كتاب صلاة العيدين 15 بابا ص80 ـ 87
7) كتاب صلاة المريض باب ص88
8) كتاب الجنائز 14 بابا ص89 ـ 94
16 بابا لم يجمعها تحت كتاب، هذه الأبواب ضرب من الاستدراكات من نوع ذكر بيان الخطب المخصوصة بالتّكبير ص99 ص94 ـ 99
9) كتاب الزّكاة 19 بابا ص100 ـ 108
ـ زكاة الفطر 4 أبواب ص108 ـ 109
ويختم الجزء الأوّل بباب سمّاه: معرفة أصناف أهل الصّدقات ص109 ـ 111.

الجزء الثّاني: ص111 إلى ص225.
يواصل كتاب الزّكاة ويخصّص له 12 بابا ص111 ـ 115
10) كتاب الصّوم 14 بابا ص116 ـ 124
يقحم الأيْمان والنّذور 3 أبواب ص125 ـ 128
11) كتاب الحجّ 19 بابا ص129 ـ 138
ملاحظة: نتوقّف هنا للمقارنة بين المختصر والوضع؛ لأنَّ كتاب الوضع وقف عند هذا الحدّ.
المواضيع الصّفحات
12) كتاب البيوع. الرّهائن الإجارات. ص 139 ـ 156
13) كتاب النّكاح ص 157 ـ 177
14) كتاب الجنايات ص 178 ـ 201
15) كتاب الذّبائح والأطعمة ص 201 ـ 205
16) كتاب الفرائض ص 206 ـ 217
17) كتاب الوصايا ص 218 ـ 221
18) كتاب المضاربة والحوالة والضّمان ص 221 ـ 225
لقد أقام الحضرمي هيكل كتاب مختصر الخصال على كتب قسّمها إلى أبواب، ونلاحظ أنّه ترك ستّة عشر بابا دون أن يضمّها في كتاب، وهي عبارة عن مستدركات تتعلّق بموضوع الصّلاة (ص94-99).
أمّا فيما يتعلّق بالكتب فقد بلغت أحد عشر كتابا خصّص لكلّ ركن من أركان الإسلام كتابا سوى موضوع الصّلاة فقد خصّه بسبعة كتب كان يمكن أن تضمّ تحت كتاب واحد كما أنّه أقحم موضوع الأيمان والنّذور بين كتابي الصّوم والحجّ.
أمّا من حيث طول الكتب فإنّ أطولها ما يتعلّق بالصّلاة ثُمَّ يليه كتاب التّوحيد فكتاب الزّكاة فكتاب الصّوم فكتاب الحجّ.
أمّا عن عدد الأبواب ضمن هذه الكتب فيتراوح بين أربعة وأربعين بابا في كتاب الصّلاة المكتوبة إلى أربعة عشر بابا في كتاب الصّوم وذلك إذا اعتبرنا أنّ الصّلاة في الحقيقة كتاب واحد وإن قسمت إلى عدّة كتب.
والملاحظ أنّ في كتاب مختصر الخصال كثيرا من الاضطراب لا نتصوّر أنّ مردّه إلى المؤلّف؛ لأنَّ الرّجل دقيق في التّرتيب والإحصاء، لكنّها أيدي النّاسخ فعلت فعلها في هذا الاضطراب.
من ذلك ما هو بارز للعيان ذلك أنّك لا تجد ذكرا لجزء أوّل للكتاب في البداية وإذا بك تفاجأ في الصّفحة 111 أنّك إزاء جزء ثان، وممّا يؤكّد ما نقول إنّ كتاب الزّكاة يمسح القسم الأخير من الجزء الأوّل والقسم الأوّل من الجزء الثّاني.
كما أنّنا نجد عند الانتهاء من موضوع الصّلاة استدراكات لا نتصوّر أنّ الحضرمي عجز عن إقحامها في محلّها من التّقسيم.
كما لاحظنا من قبل إقحام موضوع الأيمان والنّذور هكذا بين كتابي الصّوم والحجّ كأنّ القضيّة لا تستوعب كتابا مستقلاّ، وكتب الفقه عادة تجمع بين الأيمان والكفّارات والنّذور والحضرمي بذلك عليم.
واضح من خلال طبعة هذا الكتاب أنّه لم ينل القدر الأدنى من التّحقيق، وإنّما يبدو أنّه أخذت نسخة بعلاّتها وصفّف ما فيها ونشر.
ولعلّ الكتاب لو لم ينشر على هذا الشّكل لبقي إلى اليوم مخطوطا لا تصله الأيدي بينما صار اليوم في المتناول، وليس لمن يرغب في التّحقيق إلاّ أن يعتبر هذه النّسخة مخطوطة، غاية ما هنالك أنّها أوضح عند قراءتها.
ونحن نعلم أنّ همّ الوزارة كان منصبّا على إنقاذ أكثر عدد ممكن من النّصوص من التّلف، وهي الآن تواصل هذا الجهد الجبّار، وتسعى إلى دفع المحقّقين إلى تدارك ما فات.
كما نلاحظ أنّ كتاب مختصر الخصال شمل كتاب النّكاح، والجنايات، والذّبائح والأطعمة، والفرائض، والوصايا، والمضاربة والحوالة والضّمان. وهذا يتجاوز نطاق مقارنته بكتاب الوضع.
ب- هيكل كتاب الوضع:
المواضيع الصّفحات
1) باب التّوحيد: تمهيد 6 فصول: 1 ـ 36
2) باب الوضوء: تمهيد

فصل الاغتسال: تمهيد + فصل واحد
فصل في التّيمّم: تمهيد + فصل واحد
فصل فيما ينقض التّيمّم والوضوء: وحده
4 فصول: 37 ـ 59
3) باب في الحيض والنّفاس والاغتسال منهما: تمهيد 5 فصول ص60 ـ 79
4) باب الأذان: تمهيد + 4 فصول: 79 ـ 88
5) باب الصّلاة: تمهيد + 10 فصول: 88 ـ 140
6) باب الصّوم: تمهيد + 10 فصول: 140 ـ 167
7) باب في الزّكاة: تمهيد + 10 فصول: 167 ـ 195
8) باب في الحجّ ومناسكه: تمهيد + 10 فصول: 195 ـ 232
9) باب الأيمان والكفّارات: تمهيد + 4 فصول: 232 ـ 246
أمّا الجنّاوني فقد أقام كتاب الوضع على تسعة أبواب قسّمها إلى فصول، والملاحظ أنّه خصّص للوضوء والحيض والأذان والأيمان أبوابا إزاء أبواب أركان الإسلام من توحيد وصلاة وصوم وزكاة وحجّ، مع الالتزام بتمهيد لكلّ باب.
وقد جاء هيكل أبواب الصّلاة والصّوم والزّكاة والحجّ محكم التّركيب، ذاك أنّه خصّص لكلّ باب منها عشرة فصول وإن تفاوت عدد الصّفحات بالنّسبة إلى كلّ باب حسب غزارة المادّة وقلّتها، فإن وصلت فصول باب الصّلاة إلى اثنتين وخمسين صفحة، وفصول باب الحجّ إلى سبع وثلاثين صفحة، فإنّ فصول بابي الصّوم والزّكاة قاربت الثّلاثين صفحة.
وأمّا باب التّوحيد فقد بلغت فصوله السّتة ستّا وثلاثين صفحة.
وأمّا بقيّة الأبواب فإن قارب باب الوضوء وتوابعه الثّلاثين صفحة فإنّ باب الأيمان والكفّارات اكتفى فيه بأربع عشرة صفحة.
واللاّفت للنّظر أنّ الجنّاوني لم يلتزم بترتيب نصّ الحديث “بني الإسلام على خمس” إذ قدّم باب الصّوم على باب الزّكاة.
وكنّا ننتظر أن نجد عناوين للفصول إلاّ أنّ محقّق الكتاب تدارك ذلك في الفهرس العام، بل زاد القضيّة تفصيلا إلى حدّ أنّه كاد يخصّص كلّ مسألة بعنوان وذلك للتّيسير على القارئ، ولسنا ندري لِمَ خيّر المحقّق في الفهرس تعويض “الباب” بـ “كتاب” فأشعرنا بأنّ كتاب الوضع قائم على سبعة كتب بينما أثبت في النصّ أنّه قائم على أبواب، كما تصرّف في متعلّقات الوضوء والاغتسال وما إليها فسّماها كتاب الطّهارات وأقحم باب الأذان في كتاب الصّلاة، وإن كان موفّقا في ذلك فإنّه لم يلتزم بحرفيّة ما في النّص.
ونلاحظ في الأخير: أنّ القسم الذّي تجاوز فيه الحضرمي الجنّاوني قد اعتنى به هذا الأخير في مؤلّفاته الأخرى كما ذكرنا ذلك من قبل.
الاستنتاج:
إنّ المقارنة بين هيكلة الكتابين تفضي إلى ما يلي:
الحضرمي الجنّاوني
كتب أبواب
أبواب فصول
بعض الاضطراب في الهيكلة الدّاخليّة. (يرجع إلى سوء التّحقيق) إحكام أكثر في الهيكلة الدّاخليّة للأبواب
اتِّفاق في تخصيص القدر الأكبر للصّلاة ثُمَّ تأتي بقيّة الأركان.
فالكتابان يتقاربان تقاربا كبيرا من حيث الهيكلة العامّة وإن اختلفت التّسميات فكتب الحضرمي أبواب عند الجنّاوني، وفصول الجنّاوني أبواب عند الحضرمي، والأساس أنّ الهيكل جاء خادما للمعنى عند الفقيهين، كما هو الشّأن في جلّ كتب الفقه الإسلامي، إذ هي مرتبطة ارتباطا جذريّا بأركان الإسلام، لذلك نجد أنّ جلّها يفتتح بباب التّوحيد تأصيلا لما يأتي من الفروع.
لغة الكتابين:
أمّا عن لغة الكتابين فإنّنا نحسّ أنّنا مع رجلين جمعا مع العلوم الفقهيّة فصاحة الأدباء، وقد عرفنا أنّ للحضرمي ديوان شعر من الفصاحة بمكان، وإن لم يعرف للجنّاوني مثل ذلك، فإنّ لغته في كتاب الوضع توحي بطول باع في باب البيان.
وفعلا لقد خلا الكتابان مِمَّا يكتنف كثيرا من كتب الفقه من ثقل في الأسلوب نتيجة التّفاعل مع القضايا العلميّة الدّقيقة المطروحة.
ولعلّ العامل الأساسي في ذلك يرجع إلى أنّ الرّجلين سلكا مسلك الاختصار والإحصاء مِمَّا يخفّف الأمر وييسر جانب التّبليغ.
والملاحظ أنّ نغم التّقسيمات المتّبعة هنا وهناك يكاد يكون واحدا.
وإن تجلّت فصاحة الحضرمي أكثر في مقدّمتي الكتاب فإنّ جماليّة أسلوب الجنّاوني جاءت متناغمة، خاصّة مع فصوله المخصّصة لفضائل ما فرض الله على عباده مع ترصيعها بالآيات الكريمة، والحديث الشّريف والشّعر والحِكَم، الأمر الّذي خلا منه كتاب مختصر الخصال عن إرادة من صاحبه الّذي وعد في آخر كتابه أن يعود إليه بالشّرح لتلافي ذلك بحول الله.
والملاحظ في الأخير أنّ قارئ الكتابين لا يصيبه الملل إذ يحصل على مبتغاه من الأساسيّات؛ في التّوحيد وأبواب الشّرعيات الأساسيّة، أمّا إذا عرضت له بعض الإشكالات فليس له إلاّ أن يلجأ إلى ما دبّج حولهما من شرح، أو إلى أمّهات كتب الفقه، وهي عند الإباضيّة مثل غيرهم من المذاهب الإسلاميّة ليست بقليل، ويضع المتقدّمون على رأسها جامع ابن بركة([76]) بالنّسبة إلى المشارقة، وكتاب الإيضاح للشّماخي([77]) بالنّسبة إلى المغاربة، وكلّ منهما يشار إليه بالكتاب فيما جاء بعدهما من مؤلّفات هنا وهناك.
هذا عن هيكل الكتابين ولغتهما فماذا عن مضمونهما؟
2) في مستوى المضمون:
أ ـ مضمون كتاب مختصر الخصال للحضرمي:
«…وضمنته من جميع أصناف الفقه في الدّين، وبدأت في أوّله بذكر ما لا يسع جهله، وهو ما اجتمع أئمَّة المسلمين على توقيف ذكره وبيانه في الكتاب والسّنة المأثورة ولم يشيعوا التّنازع… »([78]).
الـقضـايا الـعقـديّـة:
لم يقف الحضرمي عند جميع القضايا العقديّة:
– فمن ذلك أنّه لم يُلِمَّ بباب الإلهيّات، وإنّما اكتفى بالتّعرض إليه في نطاق الحديث عمّا لا يسع جهله من كلّيات الإيمان السّت؛ الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشرّه من الله تعالى. فهو لم يقف عند التّدليل على وجود الله، وما يجب في حقّه، وما يجوز، وما يستحيل.
كما لم يفصّل الحديث عن أسماء الله وصفاته الذّاتيّة والفعليّة، وإنّما جاء ذكرها في إشارات عرضيّة مثل قوله: «أحدها: معرفة أسماء الله تعالى… والثّاني: معرفة أحد صفاته سبحانه…»، وعند حديثه عن الخصال الّتي يسع جهلها ما لم يسمعها أو يخطر بباله ذكرها، «فإن جحد شيئا منها أوشك فيه بعد ذلك كان مشركا»([79]).
كما لم يتعرّض إلى ذكر قضيّتي نفي الرّؤية وخلق القرآن.
– ومن ذلك أنّه لم يقف عند باب الرّساليّات سوى ما جاء في الحديث عن وجوب الإيمان بالرّسل والأنبياء جميعا. فلا حديث لا عن المعجزة أو العصمة أو ما إلى ذلك.
– إلاّ أنّ الحضرمي اعنتى اعتناء كبيرا بجانب هام من جوانب الإنسانيّات ألا هو قضيّة الأسماء والأحكام، وخصّص لذلك أحد عشر بابا (ص18 ـ 32)، وأكتفي بذكر ثلاثة عناوين وهي: باب ذكر بيان صفة الإيمان والكفر وأحكامهما. باب ذكر بيان وجود صفة الشّرك. باب ذكر بيان صفة النّفاق.
ومن المفيد أن نورد ما جاء في الباب الثّالث؛ لأنَّه معبّر عن خصوصيّة من خصوصيّات الإباضيّة في فهم معنى النّفاق: قال أبو إسحاق «وصفة النّفاق خصلتان: أحدهما: الإقرار بما يعصمه من الشّرك. الثّاني: ارتكاب الكبائر دون الشّرك. فإن قال قائل فما صفة الارتكاب للكبائر؟ قيل له صفته موجودة بأحد وجهين: إمّا بالقول وإمّا بالفعل. فإن قال فما صفة القول؟ قيل له: صفة القول موجودة بأحد شيئين: إمّا بلفظ الجحود أو بلفظ الشّك. فإن قال فما صفة الجحود؟ قيل له: لا يخلو من أحد معنيين: إمّا معنى الدّينونة أو معنى الاستكبار، فأمّا معنى الدّينونة فنحو قول القدريّة إنّ الله لم يخلق المعاصي، وقول المرجئة إنّ الإيمان قول بلا عمل، وقول المعتزلة إنّ فسّاق أهل القبلة لا يستحقّون اسم الكفر، وما أشبههم من الجاحدين لقول الله في تأويلهم. وأمّا معنى الاستكبار: فنحو استكبار إبليس لعنه الله عن السّجود لآدم u. فإن قال فما صفة الشّك؟ قيل له: صفته أن يدعى أحد إلى معرفة شيء من دين الله وتنـزل بلية به فيقول لا أدري أحقّ هذا أم لا. فإن قال فما صفة الفعل؟ قيل له: لا يخلو من أحد وجهين: إمّا بالتّضييع للفرائض أو الإقدام على حرام. فإن قال: صف لي ذلك: قيل له: مثاله أن يكون بالغا عاقلا يترك الصّلاة والصّيام عمدا حتّى زال وقتها أو نحوهما مِمَّا حرّمه الله أو يزنى أو يقتل نفسا حراما ونحو ذلك»([80]).
كما أنّ الحضرمي فصّل الحديث في شأن أحكام أهل المعاصي، وما يترتّب على ذلك من الولاية والبراءة، مع الإلحاح على دلالة كفر النّعم والولاية والبراءة الشّخصيّة، وهذه أيضا من خصوصيّات الإباضيّة.
ونرى من المفيد أن نورد فقرتين في هذا الشّأن:
«… فإن قال: من أيّ شيء يعرف الكفر؟ قيل له: من أحد شيئين: إمّا عن ارتكاب الكبائر، أو الإصرار على الصّغائر. والكبائر كلّ ما أوجب الله عليه حدّا في الدّنيا وعذابا في الآخرة، والصّغائر كلّ ما لم يأت فيه وعيد بعينه نصّا؛ كالنّظرة والكذبة والغيبة، ودخول بيت بغير إذن مولاه، ودخول الحمّام بغير إزار، أو نحو ذلك. مثاله لو أنّ وليّا ركب كبيرة كفر بركوبها، وانقطعت ولايته ووجبت براءته حتّى يتوب، ولو أنّه واقع صغيرة لم يكفر بركوبها، وفي ولايته قولان: أحدهما: أنّها موقوفة حتّى يتوب ويرجع إليها، أو يصرّ فتنقطع ولايته، والثّاني: أنّ ولايته ثابتة حتّى يصرّ، وقد قال بعض أصحابنا: إنّ الإمام إذا واقع كبيرة من الذّنوب ليس فيها حدّ استتيب قبل البراءة، فإن تاب وإلاّ برئ منه وانخلعت إمامته…»([81]).
– «… فإن قال: فما حكم النّفاق؟ قيل له: المنافق كالمؤمن في جميع أحكامه في الدّنيا؛ من إباحة النّكاح، والذّبائح والأسوار والطّعام، والميراث منه وله، ولزوم الحقوق وتحريم السّباء والغنيمة، فأمّا دمه فحرام إلاّ في عشر خصال… »([82]).
وقد أحسن الحضرمي بختم هذه الأبواب في أصول الّدين بباب ذكر بيان التّوبة وحكمها (ص34).
والملاحظ أنّه لم يخصّص أبوابا مثلا لقضيّة القدر، ولقضيّة الوعد والوعيد إلاّ ما يفهم من سياق الكلام.
وبالجملة نتبيّن أنّ حديث الحضرمي عن القضايا العقديّة يفي بالغرض للإعداد لكتاب متخصّص في الفقه لبناء الفروع على الأصول العقديّة لكن يتميّز الكتاب بتخصيص أبواب لأصول الفقه.
أصـول الـفـقـه:
وقد جاءت أبواب أصول الفقه كالتّالي:
ـ باب ذكر بيان أقسام الأحكام والمحكوم فيه من الكتاب والسّنة.
ـ باب ذكر بيان المنهي عنه في كتاب الله صراحا.
ـ باب ذكر بيان المنصوص بذكره وحكمه في الكتاب من غير تصريح.
ـ باب ذكر بيان المنصوص بذكره وحكمه في السّنة المأثورة.
ـ باب القول في الإجماع.
ـ باب ذكر المنصوص بمعنى حكمه دون غيره.
إنّ المتتبّع للأبواب التّي خصّصها الحضرمي لأصول الفقه يتبيّن أنّه يعتبر أنّ أصول الشّريعة القرآن الكريم والسّنة النّبويّة الشّريفة والإجماع، مع اعتماد الاجتهاد، وإن كنّا ننتظر أن يخصّص بابا للرّأي أو القياس، لكن في سياق الحديث تعرّض إلى الاجتهاد والاستنباط، مِمَّا يدلّ على أنّه يعتبره من الأصول المعتمدة، وهو ما يتماشى مع ما هو متداول في بقيّة كتب أصول الفقه عند الإباضيّة.
ومن ذلك ما جاء في باب القول في الإجماع:
قال أبو إسحاق: «وإجماع المسلمين على ضربين:
أحدهما: الإجماع من جهة النصّ والتّوقيف كفرض الصّلاة…
والضّرب الثّاني: من جهة الاستدلال والاجتهاد. وينقسم على ضربين:
أحدهما: لا يجوز خلافه وذلك ما أجمع عليه أهل القبلة جميعا نحو إجماعهم على أنّ الله قديم… وعلى توريث الجدّ… والضّرب الثّاني: يجوز خلافه لمن كان مستنبطا للقول متأوّلا على سبيل الاجتهاد…([83]).
وفي كلّ هذا نلاحظ أنّ الحضرمي يلحّ على بعض خصوصيّات المذهب الإباضيّ، طبعا فيما يجوز فيه الخلاف.وهذا نصّ يختم به حديثه عن أصول الفقه:
«وأمّا الفرع المعلول المختلف في حكمه فنحو بيع شيء من الأرز والذّرة بأكثر من جنسه، ووجوب الكفَّارة على القاتل عمدا، وعلى ترك الصّلاة عمدا، ونحو ذلك مِمَّا اختلف فيه النّاس، والحكم فيه من التّحليل والتّحريم والوجوب، وغير ذلك فالواجب الكفّ عن القول فيه الادّعاء من غير علم وتأويل، فإذا علم الحكم فيه من طريق الاستنباط جاز له ذلك، من غير أن يقطع على معينه، فأمّا العمل بأحد الحكمين في ذلك الشّيء فواسع العمل بأحدهما، تارة بهذا وتارة بهذا على سبيل الجهالة، غير أنّه مأمور بالسّؤال عن أمر دينه، فإذا سأل فليقصد بمسألته العلماء من المسلمين([84]) دون غيرهم، فإذا أعلموه برأيهم فيه لم يجز له أن ينتقل إلى رأي سواه من أهل الخلاف؛ لأنَّه إذا لم يكن له موئل إلاّ التّقليد كان تقليد العلماء من المسلمين أولى من أهل الخلاف، فإن اختلف فقهاء المسلمين عليه وسعه أن يختار أحد أقوالهم، والله أعلم.
فأمّا من علم الحكم فيه بالاستنباط والاجتهاد ثُمَّ اعتقد مذهبا يفتى به فلا يسعه ترك العمل به والانتقال منه إلى غيره إلاّ بدلالة صحيحة توجب فساد ذلك الحكم عنده، أو بشبهة ألبست عقله شكّا في ذلك الحكم، والله أعلم»([85]).
وبالتّالي ندرك أنّ الحضرمي حرص في هذا المختصر على أن يؤصّل لما سيأتي من شرعيّات في بقيّة الكتاب تأصيلا كافيا يجعل القارئ قادرا على إدراك حقيقة جميع الأحكام المضبوطة ليعمل بها عن فهم واقتناع.
الـشّـرعـيّـات:
علمنا عند حديثنا عن الهيكل أنّ المقارنة بين الحضرمي والجنّاوني تفرض علينا الوقوف عند الصّلاة والزّكاة والصّوم والحجّ والأيمان والنّذور والكفّارات دون بقيّة الأبواب.
لقد خصّص الحضرمي لذلك نيّفا ومائة صفحة ضبط فيها الكلام عن الأحكام الشّرعيّة المعروفة بكلّ وضوح في كلّ باب من هذه الأبواب، وهذا باختصار غير مخلّ، مِمَّا يجعل القارئ للكتاب يدرك ما له وما عليه، فيأتي ما أمره الله به بكلّ طمأنينة، كما ينتهي عمّا نهي عنه بسلام.
وسأذكر عناوين بعض الأبواب على سبيل المثال:
– باب ذكر بيان أوقات الصّلوات المكتوبات وعددها: ص49.
– باب ذكر الأوقات الّتي لا يجوز فعل الصّلاة فيها، ص49.
– باب ذكر الأوقات المنهي فيها عن التّطوّع، ص50.
– باب ذكربيان ما يسقط به فرض القبلة، ص62.
– باب ذكر بيان ما يفسد الصّلاة، ص66.
– باب ذكر بيان ما يوجب القصر [في الصّلاة]، ص78.
– باب ذكر بيان الرّخصة في الجمع، ص78.
– باب ذكر بيان سنن العيدين، ص81.
– باب ذكر ما يستحبّ من عدد أكفان الميّت، ص89.
– باب ذكر بيان أقلّ ما يجزئ من الصّلاة على الميّت، ص91.
– باب ذكر بيان ما يبيح قتل تارك الصّلاة، ص98.
– باب ذكر بيان الأرض الّتي لا تجب الزّكاة فيما أخرجت، ص105.
– باب ذكر بيان ما يستحقّ به العامل من الصّدقة، ص111.
– باب ذكر بيان من لا يلزمه القضاء من أهل التّوحيد، ص17.
– باب ذكر بيان فرض الصّيام، ص117.
– باب ذكر بيان أحكام الاعتكاف، ص122.
– باب ذكر بيان ما لا جزاء في قتله (في الحجّ)، ص135.
وفي كلّ هذا نجد الحضرمي يقف عند ما يختصّ به المذهب ويختلف فيه عن المذاهب الأخرى.
ومن ذلك باب ذكر بيان ما يكره في الصّلاة مِمَّا جعله قومنا سنّة. «قال أبو إسحاق: وستّ خصال مكروهة عندنا مِمَّا جعله قومنا سنّة. أحدها الإحرام لها قبل التّوجيه. الثّاني رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام. الثّالث وضع اليدين على السّرة. الرّابع الإشارة بالسّبابة. الخامس التّورك على اليسرى. السّادس الصّلاة على النبيّ e في التّشهّد الأوّل فإن فعلها أساء ولا شيء عليه»([86]).
تلك عيّنة عن مضمون كتاب مختصر الخصال في أصول الدّين وأصول الفقه والفروع تثبت إلمامه بما وعد بتحريره في مقدّمة الكتاب، فماذا عن مضمون كتاب الوضع للجنّاوني؟.
مضمون كتاب الوضع للجنّاوني:
يقول الجنّاوني: «وسألني تلخيص أبواب في أصول الدّين والمسائل الشّرعيّات ليكون المجموع من ذلك مفزعا يحور إليه عند الملمّات»، ص17.
الـقضـايا الـعـقديّـة:
سعى الجنّاوني إلى الإلمام بجلّ القضايا العقديّة حسب منهجه في الاختصار.
– من ذلك أنّه وقف عند باب الإلهيّات:
فدلّل على وجود الله تعالى عقلا ونقلا، وكذلك أثبت وحدانيّة البارئ U فهو واحد في ذاته وصفاته وأفعاله، ولم يغفل عن أسماء الله تعالى، وخاصّة عن اسم الجلالة الأعظم الله، وبيّن أنّه تترتّب عليه بقيّة الأسماء والصّفات، وميّز بين الصّفات الذّاتيّة والفعليّة، وذكر ما يفهم أنّ صفات الذّات هي عين الذّات، وأكّد على أنّ الله لا يشبه شيئا ولا يشبهه شيء في اسم ولا صفة ولا ذات، وهكذا أثبت ما يجب في حقّ الله U، وما يجوز، وما يستحيل.
والجنّاوني لم يعتمد في هذا إلاّ على المحكم لذلك لم يتعرض إلى قضيّة نفي الرّؤية، وقضيّة خلق القرآن، وإن أثبت في صفاته الكلام، فالله U متكلّم ليس بأخرس.
وتوّج باب الإلهيّات بتفسير سورة الإخلاص، وأثبت أنّها ردّ على اليهود والنّصارى والمشبّهة، وأنّه U نفى بها عن نفسه التّقلّب والنّقائض والعلّة والمعلول، ونفى الأضداد والأشكال([87]).
ـ لكنّه لم يعط باب الرّساليّات حقّه من الضّبط والتّحديد، وإنّما اكتفى بذكر وجوب الإقرار برسالة محمَّد e عند حديثه عن جانب الإقرار بالقول في الإسلام، وذكر الإيمان بالرّسل عند التّعرض لكلّيات الإيمان السّت ومن بينها الإيمان بالرّسل والأنبياء، وذلك عند ذكر الإقرار بأنّ ما جاء به محمَّد u حقّ، وفي هذا لم يتعرّض إلى المعجزة والعصمة وما إلى ذلك، ونحن نعلم أنّه أطنب في ذلك في متن العقيدة المعروفة بعقيدة أبي زكريّاء الجنّاوني([88]).
ـ أمّا الإنسانيّات فقد تعرّض لها عند تفصيل الكلام عن الأصول التّسعة الّتي اختلفت في شأنها الفرق، ونحن نعلم أنّ سبعة منها في الإنسانيّات: وهي القدر، والولاية والبراءة، والأمر والنّهي، والوعد والوعيد، والمنـزلة بين المنـزلتين، وألاّ منـزلة بين المنـزلتين، والأسماء والأحكام.
وقد توسّع أكثر في شأن الولاية والبراءة والوقوف؛ لأنَّها دعامة من دعائم الفكر العقدي عند الإباضيّة، وكذلك فعل مع الأسماء والأحكام، فحدّد مفهوم الإيمان وأثبت أنّه اعتقاد وقول وعمل، وحدّد مفهوم الكفر وبيّن أنّه شرك مساواة أو جحود، وكفر نعمة، كما حدّد مفهوم النّفاق، وهو في أحد معانيه مساو لكفر النّعم.
وفي هذا الصّدد تعرّض إلى أحكام الملل السّتّ: الإسلام والشّرك واليهود والنّصارى والصّابئين والمجوس.
كما أنّ الجنّاوني بيّن خصوصيّة الإباضيّة في القول بالكسب وبالقول بعدم خلف الوعيد.
وقبل أن يختم الجنّاوني هذا الباب حدّد قوائم الدّين وأركانه، ومسالكه ومجاريه، وحدوده وأفرازه وأحرازه، وقوائم الكفر وأركانه. وهذا نصّه:
«وللدّين قوائم وأركان، ومسالك، ومجار، وحدود، وأفراز، وأحراز. فقوائمه أربع: العلم والعمل والنّية والورع، وأركانه أربعة: الاستسلام لأمر الله، والرّضا بقضاء الله، والتّوكّل على الله، والتّفويض إلى الله. ومسالكه أربعة: الظّهور كأيّام أبي بكر وعمر، والدّفاع كأيّام عبد الله بن وهب الرّاسبي، والكتمان كأيّام أبي عبيدة مسلم وجابر بن زيد رحمهما الله، والشّراء كأيّام أبي بلال مرداس بن حدير ـ رحمه الله تعالى ـ. ومجاريه ثلاثة: الكتاب، والسّنة، والإجماع. وحدوده ثلاثة: علم ما لا يسع النّاس جهله طرفة عين كالتّوحيد، وفعل ما لا يسع النّاس تركه كالفرائض البدنيّة والماليّة، وترك ما لا يسع النّاس فعله كالمعاصي. وأفرازه ثلاثة: وفاء المؤمن، وتضييع المنافق، وجحود المشرك. وأحرازه ثلاثة: ولاية المؤمن الموفّي، وبراءة المنافق والمشرك، والإمساك عن المجهول حتّى يعلم. وللكفر قوائم، وأركان: فقوائمه أربع: الكبر، والحسد، والعصبيّة، والجهل. وأركانه أربعة: الرّغبة، والرّهبة، والشّهوة، والغضب»([89]).
ثمّ ختم الباب بالحديث عن الخوف والرّجاء، والمنّ والدّلائل، وما يسع جهله وما لا يسع جهله.
بهذا ندرك أنّ الجنّاوني حاول استيفاء باب الإلهيّات والإنسانيّات في هذا المختصر وإن لم يعط باب الرّساليّات حقّه، وكان ذلك بالإمكان بإضافات قليلة.
أصـول الـفـقـه:
أدرك الجنّاوني أهمّية التّأصيل للفقه إلى جانب التّأصيل للدّين وقد أورد في هذا الباب ما يفي بالغرض توطئة للشّرعيات الّتي خصّص لها بقيّة الكتاب.
وقد وقف عند ذلك في موطنين في الصّفحة السّابعة، والثّالثة عشرة.
من ذلك قوله: «والشّرع المسموع ينقسم إلى ثلاثة أقسام: أصل، ومعقول أصل، واستصحاب حال الأصل. فالأصل ينقسم ثلاثة أقسام: الكتاب والسّنة والإجماع. وينقسم معقول الأصل ثلاثة أقسام: لحن الخطاب، وفحوى الخطاب، ومعنى الخطاب، وينقسم استصحاب حال الأصل ثلاثة أقسام: براءة الذّمة، وشغل الذّمة والاستحسان… »([90]).
وقوله: «والمأمور به ينقسم ثلاثة أقسام: من الكتاب والسّنة والإجماع… فمن الكتاب وجوب الصّلوات الخمس… ومن السّنة عدد الصّلوات… ومن الإجماع عقد الإمامة… وما أشبه ذلك مِمَّا لم يذكر في كتاب الله ولا في سنّة نبيّه»([91]).
والملاحظ أنّ الجنّاوني وإن لم يذكر الرّأي والقياس أو الاجتهاد فإنّنا نفهم أنّه يقرّ به أصلا من أصول الشّريعة، من خلال تحليله لوجوه الخطاب.
هذا ما جاء في شأن التّأصيل دينا وفقها فماذا عن الشّرعيّات؟
الشّــرعيّــات:
لقد اجتهد الجنّاوني في وضع الشّرعيات، من صلاة وصوم، وزكاة وحجّ، وأيمان ونذور وكفّارات، في الإطار الإسلامي العام، ملحّا مع كلّ فريضة على ذكر مناسبات النـزول بالنّسبة إلى الآيات الّتي فرضت بها هذه الفرائض، وقد التزم بذلك التزاما كاملا.
كما أنّه التزم بذكر فضائل هذه الشّرعيات، وما يترتّب على فعلها من ثواب، وما يترتّب على الاستهانة بها وتركها من عقاب.
وإزاء ذلك حرص حرصا كاملا على ضبط شروطها، وأحكامها الشّرعيّة المعروفة ضبطا دقيقا، وهذه نماذج ضمن فصول جميع الأبواب على سبيل المثال لا على سبيل الإحصاء:
ولا يصحّ الوضوء إلاّ بثلاثة شروط. ص40.
وفي الوضوء أربع فرائض وأربع سنن. ص43.
والمستحبّ في الوضوء. ص44.
والغسل للميّت فرض على الكفاية. ص51
ويجب على المرأة أن تعلم مسائل الحيض. ص64.
ولا يجوز للمرأة الاغتسال حتّى ترى الطّهر. ص76.
اعلم أنّ الصّلاة فريضة من فرائض الإسلام. ص88.
ويكره للمصلّي استقبال الأصنام. ص137.
ويجوز للمصلّي دفع المضارّ كلّها عن نفسه. ص138.
واعلم أنّ الصّوم يفسده ثمانية أشياء. ص154.
ورخّصوا لأربعة (الصّوم). ص156.
والملاحظ أنّ الجنّاوني عند ضبط هذه الأحكام يثبت بدقّة خصوصيّات المذهب من ذلك مثلا قوله عند الحديث عن مفسدات الصّوم: «اعلم أنّ الصّوم يفسده ثمانية أشياء… والرّابع: تضييع الغسل من الجنابة أو الحيض أو النّفاس حتّى يصبح»([92]).
وذلك لثبوت حديث في مسند الرّبيع بن حبيب (175/ 792) عمدة الإباضيّة في الحديث، يقول فيه u: «من أصبح جنبا أصبح مفطرا»([93]).
ولا ينبغي أن نغفل عن أنّ من مضمون كتاب الوضع ما جاء فيه من شروح لغويّة، وشواهد أدبيّة نثريّة وشعريّة، وحكم وقصص وأمثال، مِمَّا يطبع الكتاب بطابع متميّز، يرغّب في الإقبال على المأمورات إخلاصا لله تعالى، ورجاء ما ينتج عنها من حفظ في الدّنيا وحسن جزاء في الآخرة، والإعراض عن المنهيّات طاعة لله U، وخوفا مِمَّا ينتج عن إتيانها من خزي في الدّنيا والآخرة.
وبهذا نكون قد عرّفنا مضمون كتاب الوضع للجنّاوني بما يفي لغرض المقارنة وما ينبني عليها من استنتاجات.
الاستـنـتـاجات:
نلاحظ بعد النّظر في مضمون الكتابين أنّ الفقيهين حاولا استيفاء القضايا الأصوليّة بنوعيها، والشّرعيّة بقدر الإمكان، لكن بنصيب واضح من التّفاوت.
فإن توسّع الجنّاوني نسبيّا في قضايا الإلهيّات فإنّ الحضرمي اكتفى بالنّزر القليل، على أساس أنّها من المسلّمات في رأينا، أمّا الرّساليّات فقد تعادلا تقريبا في الاكتفاء بالوقوف عند وجوب الإيمان بالرّسل والأنبياء جميعا، سوى أنّ الجنّاوني فصّل أكثر وجوب الإيمان بما جاء به محمَّد e، وكذلك الأمر في التّعادل في شأن الإنسانيّات، فقد أعطى الفقيهان خصوصيّات الإباضيّة حقّها في التّوضيح، ونخصّ بالذّكر هنا تحديد الإيمان والكفر والنّفاق وما يترتّب عليها من أحكام، وخاصّة منها القول بكفر النّعمة، والحديث عن الولاية والبراءة والوقوف، إلاّ أنّ الجنّاوني وقف عند مسالك الدّين، وعند بعض الرّقائق كالخوف والرّجاء والمنّ والدّلائل، وبعض الاستعمالات المغربيّة كقوائم الدّين وما شابهها.
هذا عن قضايا العقيدة أمّا عن أصول الفقه فالتّفاوت واضح بين الفقيهين، إذ كان هذا الباب مشغلا أساسيّا من مشاغل الحضرمي، فيما أفرد له من حديث، وفيما جاء مبثوثا في المسائل الشّرعيّة، إلى حدّ أنّ هناك من يعتبر الكتاب في أصول الفقه، بينما اكتفى الجنّاوني بذكر الضّروري في هذا الباب.
أمّا في شأن الشّرعيّات وهي صلب مضمون الكتابين فمادّة كتاب الحضرمي تكاد تكون ضعف ما جاء عند الجنّاوني، ذلك أنّه جاء عدد صفحات الشّرعيّات في كتاب الوضع في نيف ومائتي صفحة، وفي نيف ومائة صفحة في كتاب الحضرمي فإنّ الفارق بين الطّبعتين يحتّم الوصول إلى النّتيجة الّتي ذكرنا، وهو ما يجعل كتاب الجنّاوني أقرب إلى المبتدئين، بينما يتجاوزه مختصر الخصال للتّوجه إلى المتخصّصين، لما تناوله من تأصيل ومن تدقيق في عديد من المسائل، وهذا ما سيتّضح في حديثنا عن المنهج.
يبقى أنّ كتاب الوضع يتميّز في مضمونه بما جاء فيه من شواهد قرآنيّة وحديثيّة ولغويّة وحكميّة، فإنّ الحضرمي عبّر في آخر الكتاب عن أنّه أعرض عنها عمدا من أجل الرّغبة في الاختصار، وأحسّ بأنّ الكتاب في حاجة إلى ذلك فوعد بأن يعود إليه بالشّرح إن مدّ الله في العمر. قال أبو إسحاق: «ولقد صنّفت في هذا الكتاب، ومن همّتي، إن مدّ الله في العمر، أن أشرح على مسائله دلائل من الكتاب والسّنة وإجماع الصّالحين من الأمّة»([94]).
وقد جاء السّالمي فيما بعد فشرح جانب الأركان من الشّرعيّات دون أن يقف عند قسم الأصول العقديّة في ثمانية عشر مجلّدا([95]).
واضح من خلال مضمون الكتابين أنّ همّ الفقيهين كان يتمثّل في توفير مادّة فقهيّة تمكّن الإباضيّ من الحفاظ على كيانه، وتعرّف المخالف أنّ لأهل هذا المذهب فقها واضحا مؤصّلا.
وبعد هذا لم تتبقّ إلاّ المقارنة بين منهج الكتابين.
ثالثا: المقارنة في مستوى المنهج:
أ- منهج كتاب مختصر الخصال:
مدى التزام الحضرمي بما ضبطه في المقدّمة:
يقول أبو إسحاق في المقدّمة: «فجعلت كتابي هذا مختصرا موجزا، وفصّلته أبوابا، وجعلت كلّ باب منه خصالا، ليسهل على المتعلّم حفظه، ويقرب إليه فهمه، ويزيد العالم نباهة في عقله، وتقوية في علمه، وبصيرة في دينه… »([96]).
«… ثُمَّ أتبعته سائر ذلك صنفا صنفا ترتيبا حسنا. وذكرت فيه إشارة مِمَّا حضرني من تنازعهم فيما يجوز التّنازع فيه على سبيل الاجتهاد والاستحسان طلبا لإصابة العدل والاحتياط في ذلك إن شاء الله.
فتجد بيان ذلك حيث أقول في أيّ مسألة كذا وكذا على قول أصحابنا فقط، أو على قول فقط، وقد قيل فيه كذا وكذا من غير تسمية لقائله. ولربّما أفضيت مسألة من ذلك قياسا على قولهم، ولقد صنّفت كتابي هذا على أصولهم»([97]).
كما يقول في الخاتمة: «ولقد صنّفت في هذا الكتاب، ومن همّتي ـ إن مدّ الله في العمر ـ أن أشرح مسائله دلائل من الكتاب والسّنة وإجماع الصّالحين من الأمّة»([98]).
لا أرى كبير فائدة في تحليل هذه النّصوص وإنّما أكتفي من خلالها بتعداد أبرز سمات منهج الحضرمي لنتبيّن مدى التزامه به عمليّا.
أبرز سمات منهج الحضرمي:
1) الاختصار:
«فجعلت كتابي هذا مختصرا موجزا».
لا أحتاج إلى كبير تدليل على التزام الحضرمي بهذا المنهج، فمجرّد تصفّح الكتاب يثبت ذلك، كأن تفتح الكتاب قدرًا فتقع في صفحتي 118 و119 فتجد الأبواب التّالية: باب ذكر بيان ما يفسد الصّوم: 7 أسطر.
باب ذكر بيان ما يفسد ما تقدّم من الصّوم: 6 أسطر.
باب ذكر بيان من لا يلزمه الكفَّارة ممن أفسد صيامه في شهر رمضان. 5 أسطر
باب ذكر بيان من تلزمه الكفَّارة في سوى شهر رمضان: سطران.
باب منه آخر: سطران.
باب ذكر بيان أحكام الكفّارات في الصّوم: 3 أسطر.
ثمّ يتواصل في الصّفحة اللاّحقة. 7 أسطر.
كما أنّ المتتبّع لأبواب الكتاب يجد أنّها تتراوح بين خمس صفحات. باب ذكر بيان ما يفسد الصّلاة 66 ـ 71. وسطر ونيّف، باب ذكر بيان أقلّ ما يجزئ من تكفين الميّت وغسله (ص92).
فالحضرمي كان وفيّا لما التزم به فتصير سمة الاختصار من أبرز سمات منهجه في هذا الكتاب فهو اسم على مسمّى: “مختصر الخصال” والرّجل يذكّر بذلك في بعض المواطن كقوله: «تركتها خشية الإطالة وليست من شرط الكتاب»([99]).
2) الإحصاء:
يقول الحضرمي: «وجعلت كلّ باب منه خصالا… »([100]).
الخَصْلَةُ جمع خِصَال: خُلُقٌ في الإنسان يكون فضيلة أو رذيلة.
والمقصود في الكتاب الفضائل الّتي هيّأ لها كما بيّنا في مقدمّته الأولى الّتي تميّز بها كتابه، حيث أبرز الخصال الّتي تجعل من الإنسان إنسانا مسلما ملتزما، وبالنّسبة إلى الكتاب هي الخصال الّتي يجب أن تتّبع والّتي يجب أن تجتنب ليكون الإنسان مسلما حقّا، وذاك ما اعتنى به الفقهاء عبر الزّمان والمكان، انطلاقا من الكتاب العزيز والسّنة النّبويّة الشّريفة والاجتهاد حيث يجب الاجتهاد.
والمتتبّع لأبواب الكتاب يجد أنّ الحضرمي التزم التزاما كلّيا بإحصاء هذه الخصال، إحصاء عدديّا دقيقا مضبوطا. وقد تفاوت عدد الخصال في الأبواب تفاوتا كبيرا حسب غزارة المادّة وقلّتها. فإن بلغت خصال أطول باب إلى السّبعين فإنّها كانت خصلة واحدة في أقصر باب، والملاحظ أنّ الحضرمي يلتزم بالعدد الّذي يضبطه من البداية.
وأكتفي بضرب مثال واحد. «قال أبو إسحاق: والّذي يستحقّ به ابن السّبيل من الصّدقة ثلاث خصال: أحدها: أن يكون حرّا. الثّاني: أن يكون مسلما. والثّالث: أن يكون منقطعا به عن أهله من غير معصية بلا مال يكفيه مؤنته إلى أهله»([101]).
بهذا يتّضح أنّ الإحصاء سمة لازمة من أبرز سمات منهج الحضرمي في هذا الكتاب وقد التزم بما وعده به.
3) ضبط الأحكام الشّرعيّة بدقّة:
تعتبر هذه السّمة من مندوح القول بالنّسبة إلى كتاب في الفقه لكن لا بدّ من ذكرها ليتكامل منهجنا في البحث.
والنّاظر في حديثنا عن الشّرعيّات عند تحديد مضمون الكتاب يتأكّد من أنّ الحضرمي واع بما حدّده من مقصد لكتابه الّذي يرمي إلى تفقيه النّاس في دينهم وتعليمهم ما به يلتزمون بأحكام شريعة الإسلام للفوز بصلاح الدّارين.
ومن هذه الأحكام نجد ذكر المباح والجائز وما لا يجوز([102]).
ومن أمثلة ذلك: «قال أبو إسحاق: ثلاثة أوقات لا تجوز الصّلاة فيها، ومن قضى فيها فرضا لم يجزه. أحدها: قيام الشّمس. الثّاني: غروبها. الثّالث: عند طلوعها»([103]).
تلك هي سمة ثالثة من أبرز سمات منهج الحضرمي في كتابه، وهي سمة الالتزام بضبط الأحكام الشّرعيّة.
4) عدم ذكر الأدلَّة من القرآن الكريم والسّنة رغبة في الاختصار:
لقد كفانا الحضرمي مؤونة انتقاده بأنّ الكتاب وإن كان مختصرا في حاجة إلى الاستدلال فيه بالنّصوص المؤصّلة، حيث ختم كتابه بقوله: «ومن مهمّتي ـ إن مدّ الله في العمر ـ أن أشرح مسائله دلائل من الكتاب والسّنة وإجماع الصّالحين من الأمّة»([104]).
فالحضرمي واع بهذا السّكوت عن الأدلَّة، واعتماده في ذلك حسب فهمنا على حسن الظّن بالمسلمين وإلمامهم بهذه الأدلَّة ومعرفتهم لها، وهم قادرون على استحضارها في مواطنها وعند الحاجة إليها.
ولقد كان همّه في إحصاء الأحكام الّتي يسهل أن ينفلت عددها من باب السّهو أو الغفلة أو النّسيان، ونحن نعلم أنّ من عرف العدد الجملي لمسألة ما يتوقّف في اتّخاذ حكم حتّى يستحضرها جميعا، أو يستعين بمن يستحضرها وفي هذا ضمان لما يضبط من أحكام شرعيّة.
وإن كان الحضرمي اضطرّ في بعض المواطن إلى الاستدلال بالقرآن والسّنة.
ومن ذلك ما جاء عند حديثه عن الأسماء والأحكام، وما يسع جهله وما لا يسع جهله، حيث يستدلّ بقوله تعالى: ﴿لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاَةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلاَ جُنُبًا إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾([105]). وقوله u: «إذا التقى الختانان وجب الغسل»([106]) ليثبت أنّ من الأسماء والأحكام ما لا ينقطع عذر الشّاك فيه إلاّ بإطالة وكلام كثير([107]).
وكذلك ما جاء عند الحديث عن أقسام المياه من الاستدلال بقول الرّسول u: «الماء الطّهور لا ينجسّه إلاّ ما غيّر لونه أو طعمه أو ريحه»([108]).
إزاء هذه السّمات الأربع الثّابتة في منهج الكتاب نجد فيه بعض السّمات غير الثّابتة، وإنّما تتجلّى في بعض الأبواب دون الأخرى وهي:
– سمة إسناد الأقوال إلى الأصحاب مطلقا([109]).
فتجد بيان ذلك حيث أقول في أيّ مسألة: كذا وكذا على قول أصحابنا فقط، أو على قول فقط، وقد قيل فيه: كذا وكذا من غير تسمية لقائله…»([110]).
وهذه بعض الأمثلة على ذلك:
لقد تردّدت عبارة وقال بعض أصحابنا، وفي قول بعض أصحابنا، وعلى قول بعض أصحابنا وعلى قول أكثر أصحابنا، في مواطن عدّة، منها الصّفحات التّالية: 26، 32، 38، 39، 42، 45، 46، 108…
«وقد قال بعض أصحابنا: إنّ الإمام إذا واقع كبيرة من الذّنوب ليس فيها حدّ استتيب قبل البراءة، فإن تاب وإلاّ برئ منه وانخلعت إمامته»، ص25.
كما جاءت عبارة «وقال بعض أهل العلم: إذا كان الماء قليلا أو كثيرا فوقعت فيه النّجاسة ولم تغيّره كان طاهرا مطهّرا…»([111]).
كما جاءت عبارة: “وقد وجدت في الأثر” (ص44)، وعبارة: “وجدنا في بعض الآثار” (ص37)، وعبارة: “وجدنا في آثارهم” (ص39)، وعبارة: “هكذا وجدته في بعض السّير” (ص30). وعبارة: “وقد قيل” (ص33، 40، 41، 43)، وعبارة: “على قول” (ص42، 43)، وعبارة: “وفي قولين آخرين” (ص44).
– سمة إسناد بعض الأقوال إلى أصحابها:
على العموم بتحديد المكان كما جاء في قوله: «وقال بعض أصحابنا من خراسان، وأمّا أصحابنا من أهل عمان»([112]).
أو على التّحديد بذكر اسم القائل كقوله: «وهو قول الرّبيع بن حبيب ولا أحسبه إلاّ قول الجميع»([113]).
وكقوله: «وجدت في الأثر عن محمَّد بن محبوب»([114]). وكقوله: «وقد قيل لأبي عبد الله في هذه المسألة نظر»([115]).
– سمة استنباط أقوال قياسا على أصول المذهب:
يذكر الحضرمي أنّه يجتهد ويستحسن حيث يجد الاجتهاد والاستحسان، دون أن يخرج عن دائرة المذهب، وإنّما يقيس على أصوله (المذهب الإباضيّ)، وقد نوّه بذلك في باب أصول الفقه. ص17، وأثبت أنّ قصده إصابة العدل والاحتياط.
وهذه ثلاثة أمثلة على ذلك:
«قال أبو إسحاق: فكلّ نجاسة إزالتها بالماء فلا يجزئ إزالتها بسواه إلاّ في خمس خصال… الخامس ما أقوله قياسا: إذا أدمى الفم أو أصابته النّجاسة ثُمَّ بزق أو أكل أو شرب، أو أقام حينا حتّى لم يبق للنّجاسة أثر ولا ريح، فقد طهر»([116]).
«قال أبو إسحاق: وكلّ من لزمه التّيمّم، أو أبيح له، فتيمّم وصلّى فلا إعادة له عليه إلاّ في خصلتين… الثّاني: أن يكون واجدا للماء فلا يمكنه استعماله؛ إلاّ أن يناوله أحد فأعوز من يناوله الماء، وعنده تراب طاهر فقدر على استعماله ويخاف فوات الصّلاة قبل أن يقدر على من يناوله الماء إذا كان الغالب وجوده فإنّه يلزمه التّيمّم وعليه الإعادة إذا قدر. قلته قياسا على قولهم، وبالله التّوفيق»([117]).
قال أبو إسحاق: والّذي ينقض الوضوء أربع عشرة خصلة… الثّاني عشرة: ما أقوله تخريجا على قول أهل عُمان: إن واقع ذنبا صغيرا أو كبيرا مِمَّا يدين بتحريمه، أو لم يصل إلى التّأويل فيه أفسد وضوءه»([118]).
– سمة التّعليق في آخر عديد من الأبواب:
التزم الحضرمي بالانطلاق في كلّ باب من أبواب الكتاب بقوله: “قال أبو إسحاق” وفي أغلبها يكتفي بذكر هذا السّند مرّة واحدة. لكنّه في عدد من الأبواب يكرّر هذا السّند مرّة أخرى للتّعليق أو التّوضيح أو الإلحاح أو الإضافة. وقد جاء ذلك في الصّفحات التّالية: 8. 18. 33. 34. 37. 38. 44. 48. 49. 54. 61. 104. 110.
وأمثّل لذلك بما يلي:
ـ «قال أبو إسحاق: خمسة خصال توجب الغسل على الرّجال…
قال أبو إسحاق: وهوـ يعني ـ الرّجل ـ المخاطب بهذه الخصال إلاّ غسل الموت فالمخاطب به جماعة المسلمين»([119]).
ـ «قال أبو إسحاق: والصّلوات المكتوبات خمس أوّلها الظّهر وأوّل وقتها…
قال أبو إسحاق: وتأدية الصّلاة في أولّ وقتها أفضل إلاّ في خصلة واحدة وهي صلاة الظّهر في الحرّ الشّديد وينبغي تأخيرها، والله أعلم»([120]).
– سمة الإحالة على ما سيأتي وعلى ما مضى:
نجد الحضرمي واعيا عند تعداد الخصال، حيث يسعى إلى اجتناب التّكرار فيحيل على ما مضى ويذكّر به، كما يعد بما يجب تأخير التّفصيل فيه إلى موطنه.
ونمثّل لذلك بما يلي:
“وسنذكره في بابه إن شاء الله”([121]).
“وسنذكر فيما بعد إن شاء الله بيان المندوب إلى فعله”([122]).
“وقد قدّمنا ذكره”([123]).
نلاحظ أنّ الحضرمي أفلح في الالتزام بما ضبطه في مقدّمته فجاءت سمات منهجه واضحة المعالم، نخصّ بالذّكر منها سمتي الاختصار والإحصاء.
هذا عن منهج الحضرمي فماذا عن منهج الجنّاوني؟
ب) منهج كتاب الوضع:
لم يتعرّض الجناوني إلى منهجه في مقدّمة الكتاب إلاّ بإشارة خفيفة يفهم منها أنّنا إزاء كتاب همّه التّلخيص والاختصار، وذلك في قوله: «سألني تلخيص أبواب…»([124]).
لكن المتأمّل في هيكل الكتاب ومضمونه يدرك أنّ الجنّاوني على بيّنة من منهجه في هذا المختصر، إذ يلاحظ جملة من التزامات تجعل منها سمات منهجيّة ثابتة من أوّل الكتاب إلى آخره.
نستثني من هذه السّمات باب أصول الدّين، ذلك أنّه تميّز بطابع جدلي إقناعي يتماشى وموضوع العقيدة. وقد ركّز على قضيّة التّوحيد؛ لأنَّه محور علم الكلام، كما تعرّض للرّساليّات والإنسانيّات، «وهو في كلّ هذا يتدرّج في ذكر المسائل المهمّ فالأهمّ، مستعملا طريق التّلقين والإقناع باستعمال الدّليل والبرهان»([125]).
ونحن نعلم أنّ هذا الباب إنّما هو مجرّد توطئة حاول فيها الجنّاوني الإلمام بالأساسيّات، وخصوصيّات الإباضيّة بقدر الإمكان. والكتاب كتاب فقه أساسا، وهنالك تبرز سماته المنهجيّة.
– أبرز سمات الشّرعيّات:
1) التّمهيد للباب المعروض: تدليلا بالقرآن الكريم والحديث الشّريف، مثل قوله في باب الصّلاة: «اعلم أنّ الصّلاة فريضة من فرائض الإسلام وركن من أركانه لقوله u…»([126]).
2) تعريف المفردات الأساسيّة لغة واصطلاحا: مثل: «إنّما سمّيت الصّلاة صلاة؛ لأنَّها صلة بين العبد وربّه… »([127]). ومثل: «ويسمَّى السّفر إلى بيت الله الحرام حجّا دون غيره من الأسفار»([128]).
3) السّبب في مشروعيّة العبادة: عادة يقع الوقوف عند أسباب نزول الآيات، أو الأحداث الّتي واكبت انطلاق العمل بالمأمور به.
ومن ذلك ما جاء في سبب ابتداء الأذان بعد رؤيا رآها عبد الله بن زيد، وأخرى مثلها رآها عمر بن الخطَّاب([129]).
4) فضل العبادة: ثواب الملتزم وعقاب التّارك.
فصل في فضل الصّلاة([130]).
فصل في عقوبة تارك الصّلاة([131]).
فصل في ثواب الصّلاة([132]).
5) ذكر الحكم الشّرعي: (أكثرها تفصيلا)
مثل: «اعلم أنّ الصّلاة تنقسم إلى ثلاثة أقسام: قسم فرائض، وقسم سنن([133])، وقسم نوافل. أمّا الفرائض… وأمّا صلاة السّنن… وأمّا المرغوبات…».
6) الاستدلال بالقرآن والسّنة والإجماع والشّعر والحكم:
«اعلم أنّ الصّلاة تنقسم إلى ثلاثة أقسام: قسم فرائض، وقسم سنن وقسم نوافل، أمّا الفرائض: فكلّ صلاة نصّ الله تعالى على وقتها وذكرها في قوله: ﴿أَقِمْ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾([134])، وفي قوله: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾([135]). فهي خمس صلوات بدليل قول رسول الله e لمعاذ بن جبل، حين بعثه إلى اليمن: «اُدْعُوهم إلى شهادة أن لا إله إلاّ الله، فإن هم أطاعوك لذلك، فأَعْلمْهُم أنّ الله افترض عليهم خمس صلوات في كلّ يوم وليلة»([136])، ولقوله u: «خمس صلوات كتبهنّ الله على العباد»([137]).
ولكن ورد فرض الصّلاة في كتاب الله تعالى مجملا غير مفسّر، فبيّنها رسول الله e بحدودها، وركوعها وسجودها ووظائفها وقراءتها، وتسبيحها وتعظيمها، وقعودها وتشهّدها وتسليمها، وجعلها e سبع عشرة ركعة على المقيم، وإحدى عشرة ركعة على المسافر. والأمّة كلّها مجتمعة فيما تناهى إلينا على هذا العدد الّذي ذكرنا: أربع ركعات للظّهر، وأربع للعصر، وثلاث للمغرب، وأربع للعشاء، واثنتان للفجر. وهذا النوع المتواتر الّذي لا ينكره إلاّ متجاهل، يأثره أهل جيل عن جيل من لدن رسول الله e إلى هلمّ جرّا، حتّى عرفه الخاصّ والعامّ.
وقد ذكر عن عتبة بن أبي سفيان أنّه استعمل رجلا من آله على الطّائف، فظلم رجلا من أزد شنوءة فأتى الأزديّ إلى عتبة شاكيا إليه من عامله، فلمّا وقف بين يديه قال شعرا (البسيط):
أَمَرْتَ مَنْ كَانَ مَظْلُومًا       لِيَأْتِيَكُمْ           فَقَدْ أَتَاكُمْ غَرِيبُ الدَّارِ       مَظْلُومًا
فذكر له ظلامته، فقال له عتبة: إنّي أراك أعرابيا جافيا، والله ما أحسبك تدري كم تصلّي في كلّ يوم وليلة. فقال الأزديّ: أرأيت إن أنبأتك بذلك أتجعل لي عليك مسألة. فقال عتبة: نعم، فقال الأعرابي (الرّجز):
إنَّ الصَّلاَة أربعٌ                 فأربـعُ           ثمّ ثـَلاَثٌ بـَعدَهُـنَّ                أَرْبَـعُ
ثُمَّ صلاةُ الفَجْرِ             لاَ تُضَيّعُ           وهِيَ اثْنَتَانِ فَاسْتَمِعْ         مَا أَشْرَعُ
قال: صدقت، فسل. قال: كم فقار ظهرك؟ قال: لا أدري. قال: أفتحكم بين المسلمين وأنت تجهل هذا من نفسك؟ فقال عتبة ردّوا عليه غنيمته»([138]).
7) مسلك الفقه المقارن:
نلاحظ أنّ الجنّاوني يكتفي غالبا بإثبات آراء الإباضيّة عقيدة وشريعة، لكنّه في بعض الأحيان يورد الآراء المخالفة بإسنادها إلى أصحابها أو دون إسناد، ليقرّر في الأخير الموقف المعتمد عند الإباضيّة. ومن ذلك ما جاء في موقف الفِرق من الإيمان:
«واختلفوا فيما بينهم على ثلاث فرق: فرقة قالت: الإيمان معرفة دون إقرار، وهو جهم بن صفوان ومن شايعه، وفرقة قالت: الإيمان إقرار ومعرفة، وهو أبو حنيفة ومن شايعه. وفرقة قالت: الإيمان إقرار دون معرفة، وهو مروان بن غيلان ومن شايعه»([139]).
ثمّ بعد أن ذكر حجج هؤلاء قال: «وسائر الأمّة قد أجمعوا على أنّ الإيمان قول وعمل، خلافا لقول المرجئة. واختلفوا فيمن أتى بالقول وضيّع العمل على خمسة مذاهب»([140]).
ومن ذلك ما جاء في فصل التّيمّم: «واختلفت النّاس في التّيمّم على خمسة مذاهب: قال بعضهم… وقال بعض ضربتان ضربة للوجه وضربة لليدين إلى الرّسغين، وهو الصّحيح»([141]).
ومن ذلك ما جاء (ص219) في الحديث عن السّعي في الحجّ، وما جاء (ص234) عند الحديث عن اللّغو في اليمين.
وإن لم يكن مسلك المقارنة مسلكا قارا في كلّ أبواب الكتاب فإنّ الجنّاوني لم يغفل عنه بالنّسبة إلى المسائل الخلافيّة الأساسيّة بين الإباضيّة وغيرهم من الفرق والمذاهب، وذلك ليمكّن القارئ الإباضيّ من القدرة على الاحتجاج للموقف المعتمد في المذهب([142]).
إزاء هذه السّمات الّتي يتّفق فيها جلّ كتب الفقه يتميّز كتاب الوضع بسمتين أساسيتين أخريين هما:
1- الاختــصار:
لقد التزم الجنّاوني بما وعد به في المقدمّة وسمّاه “تلخيصا” فلم يسلك مسلك الموسوعات أو حتّى مسلك كتب الفقه المألوفة بل حصر ـ كما رأينا في الهيكل ـ فصول كلّ باب في عشر ليقف عند ما لا يمكن الاستغناء عنه لأداء الفريضة على الوجه المطلوب، ولذلك أضيف لعنوان الكتاب “مختصر في الأصول والفقه” وعدد صفحات الكتاب يؤكّد ذلك إذ قد بلغ 254 صفحة باعتبار ما أضافه المحقّق من تعليقات إذا قورن مثلا بكتاب جامع ابن بركة الّذي ألّف قبله في القرن وهو يقع في جزأين.
كما أنّ هناك من يسمّي الكتاب “باللّمع” إشارة إلى اكتفائه بالقليل الّذي لا غنى عنه للمسلم([143]).
والكاتب عبّر عن الغرض من هذا الاختصار إزاء ذكر التّلخيص بقوله: «ليكون له المجموع من ذلك مفزعا يحور إليه عند الملمّات»([144]).
فالكتاب حينئذ ليس تحليلا ضافيا للعقديّات والشّرعيّات، وإنّما هو عبارة عن مذكّرات تساعد على الإلمام بالأساسيّات الّتي لا تتمّ الفروض إلاّ بها.
2- الإحصاء والتّفريع:
للالتزام بمبدإ الاختصار عمد الجنّاوني إلى مسلك الإحصاء والعدّ في كامل أبواب الكتاب، وهذا لييسّر على القارئ تذكّر المسائل المطروحة، ومن غفل عن بعضها يفرض عليه ما حفظ من عددها أن يستحضرها أو أن يستعين بمن يذكّره إيّاها. وهذه نزعة تعليميّة واضحة في منهج هذا الكتاب.
والملاحظ أنّ إحصاء المسائل وتعدادها يتراوح في الكتاب بين التّفريع إلى فرعين وإلى خمسة عشر فرعا، وهذه أمثلة على ذلك:
ـ «واعلم أنّ اليمين على ضربين: مستقبل وماض، فالمستقبل منه على ضربين… والماضي على ضربين… »([145]).
«واعلم أنّ الكفارات على ضربين: تغليظ وتخفيف»([146]).
– «ويجب على المرأة أن تعلم مسائل الحيض، وما يجوز لها فعله مع المحيض، وما لا يجوز لها فعله مع الحيض. اعلم أنّ كلّ ما يجوز لها قبل الحيض، فهو جائز مع الحيض إلاّ خمس عشرة خصلة… »([147]).
وبين هذين الطّرفين من التّفريعات نجد كلّ الأعداد نذكر منها تفريعات إلى 11 ص41 وص 178… وتفريعات إلى 10 ص86، 114، 168، 221.
كما يسلك الجنّاوني في كثير من الأحيان تفريع التّفريعات إلى تفريعات أخرى، مثل ما جاء في فصل عقوبة تارك الصّلاة: «وعن أبي ذرّ ـ رحمه الله ـ أنّه قال: من تهاون بالصّلاة فتركها ثلاثة أيّام بلياليها عاقبه الله بخمس عشرة خصلة: ستّة في الدّنيا، وثلاثة عند موته، وثلاثة في قبره، وثلاثة في محشره… »([148]).
كما يسلك الجنّاوني مسلك التّلازم بين بعض المسائل عند الإحصاء، ومن ذلك:
جاء في فصل وعيد مانع الزّكاة: «ويقال: من منع خمسا منع الله منه خمسا: من منع الزّكاة منع الله منه حفظ المال، ومن منع الصّدقة منع الله منه العافية، ومن منع العشر منع الله منه بركة أرضه، ومن منع الدّعاء منع الله منه الإجابة، ومن تهاون بالصّلاة منع الله منه كلمة التّوحيد عند الموت»([149]).
وجاء في باب الزّكاة: «وثلاثة تكون أصلا لثلاثة: الذّهب يكون أصلا للفضّة، وتكون أصلا له. والبقر تكون أصلا للجواميس، وتكون أصلا لها. والضّأن يكون أصلا للمعز، ويكون أصلا لها»([150]).
بهذه الأمثلة وغيرها يتّضح أنّ الإحصاء والتّفريع سمة قارّة في كتاب الوضع ومنهج معتمد اعتمادا كبيرا.
استـنـتـاجـات
نعلم أنّ المعاني مطروحة في الطّريق كما يقال، وقد عالج الفقيهان نفس المادّة العقديّة والفقهيّة وقد ضبطنا ذلك عند حديثنا عن المضمون فلم يبق إلاّ أن نبيّن ما يتّفقان فيه في المنهج، وما يختلفان فيه، وما يتميّز به كلّ واحد منهما.
لقد أثبت الوقوف عند منهج الفقيهين أنّهما يتّفقان اتِّفاقا كلّيا في ثلاث سمات منهجيّة، يتميّز الكتابان باثنتين منها تميّزا واضحا، ألا وهما سمة الاختصار وسمة الإحصاء والتّفريع، وهذا ما دفعنا إلى المقارنة بينهما لنتحقّق من التزام الرّجلين بذلك، فإذا هما قد وفّيا هاتين السّمتين حقّهما وجعلا من كتابيهما يختلفان اختلافا كلّيا عن المنهج المتّبع في القرن الخامس/11 ألا وهو المنهج الموسوعي.
وبهاتين السّمتين كان الكتابان قريبين قربا واضحا من عامّة النّاس، وما زلت أذكر في صغري النّسخة المخطوطة من كتاب مختصر الخصال الّتي كان شيوخنا يستحثّوننا على مطالعتها وحفظها، وكذلك نسخة كتاب الوضع عندما وصلتنا محقّقة وقد تقدّمنا في السّن فصرنا نعتمدها في دروسنا العامّة لتقريب المعلومة للمستمعين الّذين تتفاوت أعمارهم وقدراتهم العلميّة، وكان هؤلاء يتتبّعون بكلّ عناية هذه الإحصاءات ويمتحن بها بعضهم بعضا، وقد أدركت من الشّيوخ من يحفظ كتاب الوضع عن ظهر قلب، وكلّما فرغ من آخر سطر في عرضه يعود على بدء دون أن يملّ درسه في حال من الأحوال.
ومن مندوح القول أن نذكر اتِّفاق الفقيهين في ضبط الحكم الشّرعيّ لأركان الإسلام وهي السّمة الثّالثة، فذاك هو الغرض الأسمى الّذي من أجله ألّف كلّ منهما كتابه.
كما يقترب منهج الشّيخين في عدم الالتزام بإسناد الأقوال إلى أصحابها، فإن حرصا على ذلك بعض الحرص في باب أصول الدّين فقد تحرّرا من ذلك في باب الشّرعيّات إلاّ لماما كما بيّنا ذلك، ويغلب الإسناد إلى المطلق من نوع (قال بعض) و(قيل) و(قال بعض أصحابنا).
كما اختلف منهج الرّجلين اختلافا جذريّا في شأن الاستدلال بالقرآن الكريم والسّنة الشّريفة، وغيرهما من الشّعر والأمثال والحكم، فبقدر ما حرص الجنّاوني على الالتزام بهذا بتوسّع سكت الحضرمي عن ذلك عن وعي، ووعد بالرّجوع إلى ذلك في عمل لاحق في آخر كتابه، وهذا الاختلاف في رأينا يجعل القارئ المبتدئ خاصّة يستطيب كتاب الوضع أكثر، لما يدخل عليه من ترويح وطرائف وحكم تخفّف وطأة الأحكام الشّرعيّة الدّقيقة الجافّة المتكرّرة، وإن كان قارئ مختصر الخصال لم يحرم من ذلك تماما، إذ لم يخل هو الآخر من بعض الاستدلال، وإن تعوّد على تلك الإحصاءات المتتالية الّتي تساعد على التّركيز والحفظ بدون انقطاع.
كما لم يغفل الرّجلان عن المسلك المقارن مع ترجيح قول المذهب، وتصحيحه والاستدلال له، ليتمكّن الإباضيّ من الحفاظ على كيانه والدّفاع عنه، مع معرفة الأقوال الأخرى.
بقي أنّ كتاب مختصر الخصال يتميّز باعتنائه الكبير بأصول الفقه مِمَّا يجعله أقرب إلى المتقدّمين في العلم منه إلى المبتدئين، إلى حدّ أنّ هناك من اعتبره كتاب أصول فقه، والحقيقة أنّه كتاب فقه مدعّم تدعيما واضحا بالأصولين أصول الدّين وأصول الفقه، وقد دمج بينهما الحضرمي في بداية الكتاب، وكان يرجع إلى تأصيل المسائل الفقهيّة في كلّ حين.
تنتج عن ذلك سمة أخرى يتميّز بها الحضرمي وهي سمة استنباط عديد من الاستنباطات الطّريفة الدّقيقة على أصول المذهب ما لا نعثر عليه عند الجنّاوني، وذلك بما سميّته سمة التّعليق على عديد من الأبواب بتعاليق تثبت قدرته على الاستنباط وثقته في ذلك، كما لا نغفل عن سمة دقيقة منهجيّا وهي سمة الإحالة على ما سبق والإعداد للاّحق حتّى لا يقع في التّكرار وقد بيّنا ذلك في مواطنه.
وإن تميّز صاحب مختصر الخصال بهذه السّمات المنهجيّة الطّريفة، فإنّ للجنّاوني تميّزه المنهجيّ الّذي تجلّى في التزامه بالتّمهيد لأبواب الكتاب الأساسيّة، ليشوّق القارئ للإقبال على التّعرّف على الحكم الشّرعيّ، وهنالك يتحفه بزاد لغوي مفيد لفهم هذه الأحكام، مع زاد اصطلاحي لا يمكن أن تفهم هذه الأحكام إلاّ به، فلا يخرج من هذه التّمهيدات إلاّ وقد عرف معاني المفردات الأساسيّة لغة واصطلاحا، ولا يغفل الجنّاوني في هذا عن توضيح أسباب مشروعيّة هذه الأحكام خاصّة، بالوقوف عند أسباب نزول الآيات، ومناسبات قول الأحاديث في الأحكام، فلا ينتهي القارئ من ذلك إلاّ وقد تزوّد بزاد معرفي إسلامي واضح، مع عدم الغفلة عن إدخال نسمات روحانيّة لطيفة، عن طريق جمع طائفة من فضائل هذه العبادات، وما يجنيه المسلم منها إن هو التزم بها من خير في الدّنيا وحسن ثواب في الآخرة، وما يجنيه من عناء في الدّنيا وعقاب في الآخرة إن هو أعرض عنها وتهاون بها.
ولا شكّ أنّ هذا الأسلوب قرآني نبوي يتمثّل فيما يعرف بالبشير والنّذير والوعد والوعيد، ومثل هذه النّسمات جديرة بأن تدفع إلى الحرص على حفظ الأحكام، وأساسا إلى العمل بها، وخاصّة أنّ الإيمان عند الإباضيّة عقيدة في الجنان وقول باللّسان وعمل بالأركان، وأنّ الله U كما لا يخلف وعده لا يخلف وعيده، وأنّ من يهلك دون أن يتوب خالد في جهنّم والعياذ بالله.
تلك هي أبرز السّمات المنهجيّة لدى الفقيهين طبعت كلاّ منهما بطابعه الخاصّ، وإن كانا يلتقيان التقاء كاملا خاصّة في منهج الاختصار والإحصاء وبهما تميّز الكتابان عن بقيّة كتب الفقه في المذهب في ذلك العصر.
الـخـاتـمـة:
لا أرى من المفيد أن أكرّر ذكر ما استنتجته تفصيلا عند المقارنة بين الكتابين في مستوى الهيكل، واللّغة، والمضمون، والمنهج، وإنّما يقتضي المقام أن نكتفي بالوقوف عند أبرز السّمات المشتركة بين الكتابين وتتمثّل فيما يلي:
1 ـ النّزعة التّعليميّة:
وإن اكتفينا بالتّلميح إليها من قبل فإنّنا نؤكّد هنا أنّ همّ الفقيهين كان يتمثّل في تبليغ الحكم الشّرعيّ للقارئ أو المستمع ـ؛ لأنَّ مثل هذه الكتب كثيرا ما تقرأ في حلقات الدّرس ـ ليتعلّمه المسلم ويحفظه ويعمل به غير مشوب بما يعرف من تعدّد الأقوال الّتي تشتّت ذهن المسلم. فالأساس بالنّسبة إلى الفقيهين التّيسير، وذلك عن طريق الاكتفاء بعرض أرجح الأقوال في كلّ المسائل المطروحة.
هذا دون أن نغفل عن أنّ الفقيهين جلسا للتّدريس والفتوى ـ وحلقات الفتوى ضرب خاصّ من حلقات التّدريس تتعدّد فيها المسائل بتعدّد الأسئلة المطروحة ـ ولا شكّ أنّ لمثل هذا الجلوس للتّعليم والفتوى أثره الفعالّ في الكتابة، إذ يستحضر الفقيه في ذهنه ما طرح من مشكلات فيسعى إلى حلّه بأقرب السّبل، وتمثّلت أقرب السّبل هذه في السّمة المشتركة الأساس بين الكتابين، وهي سمة الإحصاء.
2 ـ سمة إحصاء المسائل وتعدادها بدقّة علميّة:
عن النّزعة التّعليميّة انبثقت بدون شكّ سمة العدّ والإحصاء، تلك السّمة الّتي تمكّن من حفظ المعلومة والحفاظ عليها واستحضارها عند الحاجة، وقد بيّنا أنّه وإن نسي الإنسان بعضا من تفريعات المسائل فإنّ حفظ العدد الجملي يحتّم عليه مراجعة النصّ المحفوظ، أو الاستعانة بمن يحفظه.
فالنّصّان وإن لم يكونا متنين مختصرين بمفهوم المتون النّثريّة أو الشّريعة الّتي عرفت فيما بعد في جميع العلوم الإسلاميّة، فإنّهما قريبان من مثل هذه النّصوص الدّقيقة، ومختصر الخصال في عديد المواطن أقرب إلى هذه المتون، كما أنّ كتاب الوضع لا يخلو أيضا في بعض المواطن من مثل ذلك.
ويمكن القول إنّ سمة الإحصاء والتصاقها بحيثيّات المسائل الفقهيّة المطروحة تجعلنا لا نستبعد النّزعة التّقنينيّة عند الفقيهين، فيصبح عدد التّفريعات أقرب ما يكون إلى بنود القانون الواحد بالنّسبة إلى رجال القانون، وليس الفقهاء إلاّ مقنّنين لمسائل عمليّة في باب العبادات والمعاملات والأحوال الشّخصيّة، ألم يكن هؤلاء الفقهاء هم القضاة الّذين يفصلون النّوازل، ويتّخذون الحلول الشّرعيّة مع أهل الإفتاء والاجتهاد لجميع المستجدّات في المحيط الإسلاميّ، وقد ذكرنا في مقدّمتنا أنّ الفقه كان وما يزال الجبهة الرئيسة في استيعاب كلّ عطاء حضاري جديد متطوّر.
فالإحصاء عند الرّجلين سمة قارّة وهو ضرب من التّقنين يساعد على حفظ المسائل المعدودة والعمل بها.
3 ـ سمة الاختصار:
والملاحظ أنّه قد انبثقت عن النّزعة التّعليميّة وسمة الإحصاء سمة قارّة في الكتابين هي سمة الاختصار، وقد بيّنا أنّها سمة اختارها الفقيهان عن وعي كامل وعبّرا عن ذلك بصراحة في مقدّمتيهما، وقد بيّنا أنّ مثل هذا التّعبير الصّريح هو الّذي دفعنا إلى اختيار موضوع المقارنة بين الكتابين لنثبت أنّ القرن الخامس/ 11 وإن كان عصر الموسوعات، فإنّه لم يخل من المسلك المخالف وهو مسلك الاختصار.
4 ـ الرّغبة في تبني المنهج المقارن:
لقد انبثقت هذه السّمة لدى الفقيهين عن واقعهما الموضوعي المتمثّل في زحف فقه آخر على المنظومة العقديّة والفقهيّة الإباضيّة، وذلك بغلبة الفكر الشّافعيّ خاصّة في اليمن، وبتطوّر الفقه المالكي نحو السّيادة في بلاد المغرب. إنّها نزعة تهدف إلى تأصيل الكيان، وتمكين الإباضيّ من الدّفاع عن هذا الكيان.
وفعلا تعدّدت مختلف الأقوال في الكتابين رغم اختصارهما، وقد غلب إسناد الأقوال إلى أصحابها على باب العقيدة، وغلب عدم الإسناد على الشّرعيّات.
والمهمّ أنّ الكتابين يجعلان الإباضيّ على بيّنة من القضايا الخلافيّة، للتّمسّك بقول المذهب من جهة، وللقدرة على الدّفاع عن هذا القول إذا اقتضى الأمر ذلك، عند الاحتكاك اليوميّ مع الأطراف الأخرى المنتشرة في المحيط.
وإذا قلنا فقها مقارنا يعني عرض الأقوال مع التّرجيح والاستدلال للقول المرجّح، وتلك هي السّمة الأخيرة القارّة في هذين الكتابين.
5 ـ ضبط القول المعتمد في المذهب:
إنّه بدون شكّ القول الّذي يرجّحه الإباضيّة عقيدة وشريعة، ومعلوم أنّ لهؤلاء منظومة متكاملة تستمدّ جذورها، كبقيّة المنظومات الإسلاميّة، من القرآن الكريم والسّنة النّبويّة الشّريفة، بدأت تستقلّ بكيانها من النّصف الثّاني من القرن الأوّل/ 7 مع الإمام جابر بن زيد العماني (93/711)، ليتواصل بناؤها تدريجيّا، كما تواصل بناء المنظومات الإسلاميّة الأخرى.
ولقد تجلّت هذه المنظومة عقيدة وشريعة في الأقوال المعتمدة، خاصّة بكلّ وضوح في هذين المختصرين، وذلك كان همّ الفقيهين فيهما.
فالكتابان بدون منازع كتابان إباضيّان مختصران شاملان معا لكلّ أبواب فقه العبادات ـ وهو موضوع المقارنة ـ وإن كان مختصر الخصال يتجاوز ذلك ليتناول بقيّة أبواب الفقه.
وقد جاءا في أسلوب أدبي مرن، مع دقّة علميّة منهجيّة، تمثّلت في براعة نادرة في تعداد المسائل وإحصائها، وهما فعلا مفزع يرجع إليهما في الملمّات.
بقي أن نشير إلى أنّ كتاب الوضع كان محظوظا أكثر في فترتنا المعاصرة بفضل اعتناء فقيه بتحقيقه تحقيقا علميّا رصينا ونشره، وهو الشّيخ أبو إسحاق إبراهيم اطفيّش فرغّب النّاس فيه.
بينما لا يزال كتاب مختصر الخصال في حاجة إلى تحقيق مماثل يعرضه في صورة قشيبة، تجعله في المتناول أكثر مِمَّا هو عليه الآن.
ملاحظة: لقد بشّر الأستاذ سلطان الشّيباني، أثناء النّقاش، بأنّ مشروع التّحقيق قائم، وقد جمع عددا محترما من مخطوطات الكتاب للغرض، فنعم البُشرى وإنّنا لنرجو أن يتحقّق ذلك في أسرع وقت ممكن وعلى أحسن صورة([151]).
وفي الختام ليس لنا إلاّ أن ندعو العليّ القدير ليوفّقنا إلى أقوم السّبل حتّى نتمسّك بما خطّه الأول من فهم للكتاب العزيز والسّنة النّبويّة الشّريفة، لنستنير به عسى أن نتمكّن عن طريق الاجتهاد من حلول لما يستجدّ في كلّ لحظة من لحظات عصرنا، من قضايا لم تعرف لها العصور السّابقة مثيلا، تمسّ حتّى ماهية وجودنا فيما عرفته العلوم البيولجيّة خاصّة من أسرار الحياة، نكتفي بذكر هندسة الوراثة والموت الرّحيم من بينها.

المصادر والمراجع
مـصـدران:
– أبو إسحاق إبراهيم بن قيس الهمداني الحضرمي (ق 5/ 11): كتاب مختصر الخصال يقع في (240) صفحة من الحجم المتوسّط وقد طبع بدار نوبار للطّباعة سنة 1983، وقد نشرته وزارة التّراث القومي بسلطنة عمان سنة 1404/ 1984.
– أبو زكريّاء يحيى بن أبي الخير الجنّاوني (ق 5/ 11): كتاب الوضع: مختصر في الأصول والفقه، نشره وعلّق عليه: أبو إسحاق إبراهيم اطفيش (1385/ 1966)، طبع عدّة طبعات، 254 صفحة من الحجم المتوسّط.
الـمـراجـع:
– ابن بركة عبد الله بن محمَّد (362/ 972): كتاب الجامع لابن بركة، أخرج نصّه المخطوط: الأستاذ عيسى الباروني، وطبع طبعة أولى بيروت 1971م، وأعادت طبعه وزارة التّراث العماني، د.ت.
– اطفيّش امحمَّد (1332/ 1914): الجامع الصغير، يقع في ثلاثة أجزاء، نشر وزارة التّراث بسلطنة عمان، ط 1406/ 1986.
– البرّادي أبو الفضل أبو القاسم (810/1407): رسالة تآليف الإباضيّة: تحقيق عمّار الطّالبي: ملحق بكتاب الموجز ط الجزائر، ج2/ 288.
– الجعبيري فرحات: البعد الحضاري للعقيدة الإباضيّة، نشر جامعة السّلطان قأبوس، ط النّهضة 1987. – العلاقة بين إباضيّة المغرب وإباضيّة البصرة وعمان سراس للنّشر، تونس 2005. – نظام العزّابة عند الإباضيّة الوهبيّة بجربة، نشر المعهد القومي للآثار والفنون، المطبعة العصريّة، تونس 1975.
– عمرو بن جميع وكتاب التّوحيد، دار الجويني للنّشر، تونس، 2000.
– الحارثي سلطان (معاصر): منهج الجنّاوني من خلال كتابه الوضع، شهادة الدّراسات المعمّقة بالجامعة الزّيتونيّة بتونس 1424/2003، مرقون 104ص.
– الحضرمي الإمام إبراهيم بن قيس الهمداني (ق 5/11): ديوان الإمام الحضرمي (السّيف الناقد)، تحقيق: بدر بن هلال اليحمدي، شركة المعالم للإعلام والنّشر، مطابع النّهضة، سلطنة عمان 1423/ 2002، 496 صفحة.
– الخروصي سعيد بن خلف (معاصر): قواعد الشّرع في نظم كتاب الوضع: ط 1403/ 1983 سلطنة عمان ويقع في 411 صفحة.
– الرّبيع بن حبيب (175/791): الجامع الصّحيح، مسند الإمام الرّبيع بن حبيب، طبعه وخرّج أحاديثه محمَّد إدريس وراجعه وقدّم له عاشور بن يوسف، دار الحكمة، بيروت دمشق، مكتبة الاستقامة، سلطنة عمان ط 1، 1415/1995.
– السّالمي عبد الله (1332/1914): تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان، نسخة مصوّرة عن الطّبعة الّتي حقّقها أبو إسحاق اطفيّش، جزءان في مجلّد واحد، نشر مكتبة الاستقامة، د ت، د ط. – كتاب جوهر النّظام: مصوّرة عن ط 1 بتحقيق: إبراهيم اطفيّش. – مدارج الكمال في نظم مختصر الخصال: مطابع سجلّ العرب، نشر وزارة التّراث بسلطنة عمان،1403/1983. – معارج الآمال على مدارج الكمال نظم مختصر الخصال: تحقيق محمَّد محمود إسماعيل، مطابع سجلّ العرب، من ج1 إلى 11، ط 1403/ 1983، من ج12 إلى 18 ط 1404/1984، نشر وزارة التّراث القومي والثّقافة سلطنة عمان. وقد عرّف المحقّق بالمؤلّف في ج1: 3، 9، ثُمَّ جاء التّحقيق مجرّد تخريج للنّص الأصلي بدون أيّ تعليق، كما وضع فهرسا عامّا لكلّ جزء.
– الشمّاخي عامر (ت 792/1390): كتاب الإيضاح: الطّبعة 2، حقّقها فريق من علماء جبل نفوسة (25 ربيع الثّاني 1390/ 29 يوينو 1970) كما هو مثبت في التّقديم صد: عن اللّجنة: علي صالح الشّاوش، النّاشر: دار الدّعوة نالوت مطبعة الوطن بيروت.
طبع الكتاب طبعة أولى بالمطبعة البارونيّة 4 أجزاء، وأعادت وزارة التّراث العماني الطّبعة الثّانية في 8 أجزاء.
– العلوي صالح بن حامد (معاصر): تاريخ حضرموت. مكتبة الإرشاد. جدّة. د. ت 1/ 270.
– مجموعة من المؤّلفين: معجم أعلام الإباضيّة من القرن 1 إلى 15/ 7 إلى 20 قسم المغرب، المطبعة العربيّة، غرداية، الجزائر، نشر جمعيّة التّراث، القرارة، 1420/1999، 4 أجزاء.
– المحشّي محمَّد ابن أبي ستّة (1088/1679): حاشية على كتاب الوضع وهو مطبوع طبعة حجريّة بالقاهرة بالمطبعة البارونيّة 1305/ 1888، 692 صفحة.
– المسعودي زهران بن خميس بن محمَّد (معاصر): الإمام ابن بركة السّليمي البهلوي (362/ 972) ودوره الفقهي في المدرسة الإباضيّة من خلال كتابه الجامع. دراسة مقارنة. ط 1. 1421/ 2000.

([1]) أستاذ الدراسات الإسلامية بجامعة تونس.
([2]) معجم أعلام الإباضيّة من القرن 1 إلى 15/ 7 إلى 20 قسم المغرب، المطبعة العربيّة، غرداية، الجزائر، نشر جمعيّة التّراث، القرارة، 1420/ 1999. 4 أجزاء، نشير إليه فيما يلي بـ”أعلام”، عدد: 230.
([3]) عبد الله بن إباض: أعلام، عدد: 577.
([4]) طالب الحقّ: أعلام، عدد: 605.
([5]) انظر: صالح بن حامد العلوي: تاريخ حضرموت، مكتبة الإرشاد، جدّة، د. ت، 1/270.
([6]) الإمام إبراهيم بن قيس الهمداني الحضرمي: ديوان الإمام الحضرمي (السّيف الناقد)، تحقيق: بدر بن هلال اليحمدي. شركة المعالم للإعلام والنّشر. مطابع النّهضة. سلطنة عمان 1423/ 2002. 496 صفحة.
([7]) الإمام راشد بن سعيد اليحمدي (425- 445/ 1034- 1054) جاء في التّحفة: “تكون بيعته في أوّل سنة خمس وعشرين وأربعمائة (425)، وكان إماما شاريا، وكان لفظ الشّرى الذي يشارى إليه هذا الإمام: أنت قد شاريت الإمام راشد بن سعيد على طاعة الله وطاعة رسوله وعلى الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر، وعلى الجهاد في سبيل الله، وعلى أنّ عليك ما على الشّراة الصّادقين” (1/ 304). استطاع أن يخمد ثورة نهد وعقيل الّلذين خالفا عليه وقد أورد السّالمي ما جاء في شأن هذه المعركة من أشعار للإمام نفسه ولأبي إسحاق الحضرمي (بعد 475/ 1083). وله سيرة إلى أبي العبّاس بن مريح ومن معه من أهل منصورة من أرض السّند بيّن فيها معالم الإسلام وأظهر فيها دعوة المسلمين ونقض فيها اعتقاد المخالفين. وله رسائل في ردع الذين يسطون على أموال النّاس بالباطل. وكان شديدا في الاحتساب على الولاة ليتمسّكوا بالحقّ ويستعينوا بالقضاة لما ينبغي أن يفصل من النّوازل. كما له كتاب وضّح فيها قضيّة الخلاف في شأن الولاية والبراءة من الإمام الصّلت وموسى بن موسى وراشد بن النّظر. وتوفّي سنة خمس وأربعين وأربعمائة (445) وقبره بنـزوى. التّحفة 1/ 304- 314. الإمام الخلـيل بـن شاذان بـن الصّلت بـن مالـك الـخروصـي (407- 725/ 1017- 1034) جاء في التّحفة: “بويع له بالإمامة بعد راشد ابن الوليد بزمان طويل، تجبّر فيه السّلطان على أهل عمان لخذلانهم الإمام راشد… فسار بهم سيرة جميلة، ودفع عنهم الجبابرة، وأمنت بعدله البلاد، واستراحت في ظلّه العباد، ودانت له الممالك، ووفدت إليه الوفود لظهور العدل، وانتشار الفضل. (1/ 294). ” ثمّ توّفي الإمام الخليلي t، وكان في إمامته مشكورا، وصار سجلّ الثّناء من بعد منشورا… وهذا في أوّل سنة خمس وعشرين وأربعمائة (425) فتكون مدّة إمامته سبع عشرة سنة وبعض سنة تقريبا” (1/ 303).
([8]) قيس بن سليمان الحضرمي (ق 5/ 11): يذكر أباه في ديوانه في القصيدة 53 البيت 60 كما يلي: (الرّجز)
إِلاَّ لأَحْمِي دِينَهَا وأَحْتَمِي                      كَمَا حَمَى قَيْسٌ أَبِي فِي القِدَمِ
ص427. وقد كان أبوه مرجع الفتوى في حضرموت، يدلّ على ذلك الآراء الفقهيّة التّي يوردها الشّاعر في كتابه مختصر الخصال وينسبها إلى أبيه فيقول في باب الضّحايا (أي الأضاحي):… “قال قيس بن سليمان: وقد قيل يجزئ منها ما يقدر…”، ص138. ويقول في باب ما يكون الرّهن به مضمونا: “قال قيس بن سليمان: وإذا قبضه بعد ذلك، فإذا هلك هذا الرّهن في يد من هو معه كان ضامنا”، ص144. ويقول في باب ما يحرم من النّساء: “قال قيس بن سليمان: ويجوز الجمع بين المرأة وزوجة ابنها دخل بها أو لم يدخل” ص160. و هذا صاحب المختصر يعترف بفضل والده في مواطن عديدة من الدّيوان منها: (الرّجز):
لَكـنْ أبِي لاَ زَالَ عَنِّـي                  ظـلُّـهُ          للدّين طَـوْدٌ                    حَامِـلُ الأَثْـقَــالِ
مَا نَابــَنِي مِنْ نَائِبٍ أَوْ                  نَـابَــهُ          يَومًا                    فَكــَانَ لَهُ رَخِـيَّ الْـبَــالِ
لله مَا أَقْــوَاهُ مِنْ شَـيْـخٍ                  عَـلَى          جَهْدِ                 البــَلاَ والخِصْبِ والإِمْحَالِ
أُعْطِي قِيَادَ الصّـــَبْرِ              فاسْتَوْلَى بِـهِ          حُسْنَ الثَّنَـــا               و الصَّبْرُ عِلْقٌ غَـالِ
تَلْقى أَبِي مِنْ غَيْــرِ               عــُدْمٍ طَاوِيًا          فِي ثَوْبِ                 قُطــْنٍ وهـْوَ جَمُّ المَالِ
شَيْخٌ لــَه أَصْلٌ                  قَـدِيـمٌ مَجْـُدهُ          ذو نَجْدَةٍ               عِنْدَ الْتَـقَــا الأَبْطَـالِ…
القصيدة، عدد: 45، ص370.
([9]) القصيدة، عدد: 59، ص464
([10]) الدّيوان: 14.
([11]) الدّيوان، ص17.
([12]) ن.م لم أطّلع على هذا النّظم. ولم أتمكّن من التّعريف بصاحبه.
([13]) عبد الله السّالمي: (1286- 1332/ 1869- 1914) ولد بمدينة الرّستاق ببلد عمان وبها حفظ القرآن الكريم ومبادئ العلوم الإسلاميّة من أصول وفقه ولغة وظهر نبوغه من السّابعة عشرة من عمره وذلك لما آتاه الله من جودة الحفظ مع ذكاء نادر. ثمّ انتقل إلى بلدة المضيبي. ثمّ استقرّ ببلدة القابل وتفرّغ للتّدريس والتّأليف والفتوى. وقد حدّثنا (الجّعبيري) ابنه محمّد أثناء رحلتنا إلى عمان سنة 1984 عمّا اتّسمت به حركيّته من انضباط في الحلّ والتّرحال مع سعة الأفق والرّغبة في المقارنة بين أقوال الإباضيّة وأقوال غيرهم، وزائر المكتبة الّتي خلّفها يتبيّن تنوّع المصادر الإسلاميّة المعتمدة. وقد حرص أحفاده سليمان وأحمد وعبد الله مع أبيهم على تنظيمها تنظيما عصريّا ييسر الاستفادة منها. كما صوّر لنا متانة العلاقة بينه وبين إباضيّة المغرب وخاصّة من خلال مراسلاته المستمرّة مع امحمّد اطفيّش. (1332/ 1914)
إنّ مثل هذا النّشاط العلمي مألوف بالنّسبة إلى رجل ضرير إلاّ أنّ غير المألوف يتمثّل في الحركيّة العمليّة الّتي انتهت بإحياء الإمامة في عمان على يد الإمام سالم بن راشد.
وقد تخرّج على يديه، عدد: كبير من التّلاميذ نذكر منهم الإمامين محمّد ابن عبد الله الخليلي والإمام سالم بن راشد.
كما ترك ثمانية وعشرين مؤلّفا نذكر منها قصيدته ” أنوار العقول في الأصول ” وقد شرحها في كتاب سمّاه ” مشارق أنوار العقول ” وكتابه “تحفة الأعيان في تاريخ أهل عمان”.
وتوفّي سنة 1332/ 1914 وقبره ببلدة تنوف بسفح الجبل الأخضر. ر. عبد الله السّالمي: المشارق (ص: ث. ذ) وترجمة المؤلّف وضعها خالد بن مهنا البطّاشي. مع إضافات من رواياتنا.
انظر. عبد الله السّالمي: “كتاب جوهر النّظام ” مصوّرة عن ط1 بتحقيق إبراهيم اطفيّش.
([14]) طبع بمطابع سجلّ العرب، نشر وزارة التّراث بسلطنة عمان. 1403/ 1983. 190 صفحة. وقسّمه إلى تسعة عشر كتابا. 1: في الطّهارات. 2: في الصّلاة. 3: في الجنائز. 4: في الزّكاة. 5 في الصّوم. 6: في الاعتكاف والنّذور. 7: في الأيمان. 8: في الحجّ والعمرة. إلخ….
([15]) ص54.
([16]) تحقيق: محمّد محمود إسماعيل. مطابع سجلّ العرب من ج1 إلى 11- ط1403/ 1983. من ج12 إلى 18 ط1404/ 1984، نشر وزارة التّراث القومي والثّقافة سلطنة عمان.
و قد عرف المحقّق بالمؤلّف في ج1: 3- 9. ثمّ جاء التّحقيق مجرّد تخريج للنّص الأصلي بدون أيّ تعليق. كما وضع فهرسا عامّا لكلّ جزء.
ج 1: لقد وطأ فيه السّالمي لكامل الكتاب بأربعة فصول: 1- في الخلاف الواقع بين النّاس في الأديان والمذاهب. 2- في بيان الأسباب الموجبة للخلاف بين أهل المذاهب. 3- في صفة أصحاب التّخريج والتّوجيه من المفتين، وتفاوت درجاتهم باختلاف الأعصار 12-23. 4 في نبذة في أصول الفقه، ص24- 282.
([17]) يشير إلى منظومتين من نظمه مطبوعتين عدّة طبعات.
([18]) ج1/ 10 – 11.
([19]) ج9/ 68.
([20]) ن، م: 69.
([21]) البخاري: حديث، عدد: 609. مسلم: حديث، عدد: 1038. التّرمذي: حديث، عدد: 199.
([22]) ج9/ 70 – 71.
([23]) ص3.
([24]) ص6.
([25]) ص6.
([26]) عن مسلك الكتمان؛ انظر: كتاب الوضع نفسه، قسم أصول الدّين، ص29.
([27]) أعلام، عدد: 819.
([28]) أعلام، عدد: 803.
([29]) للتّعرف على هذه الكتب انظر: كتابينا: البعد الحضاري للعقيدة الإباضيّة، نشر جامعة السّلطان قابوس. (ط) النّهضة 1987، والعلاقة بين إباضيّة المغرب وإباضيّة البصرة وعمان سراس للنّشر، تونس 2005.
([30]) نظام العزّابة عند الإباضيّة الوهبيّة بجربة، نشر المعهد القومي للآثار والفنون، المطبعة العصريّة، تونس 1975، ص390.
([31]) وقد ترجمنا لهم في الموسوعة التّي تعدّها المنظّمة العربيّة للعلوم والتّربية.
([32]) نظام: 169 – 171. أعلام، عدد: 923.
([33]) ن. م: 172- 173. أعلام، عدد: 593.
([34]) ن. م: 174 (311- 431/ 923- 1039)، عدد: 684.
([35]) سكتت المصادر عن ذكر أخبارهم واكتفت بذكر مشاركتهم في التّأليف.
([36]) (ت 1408/ 1988) بحومة غيزن جربة أعلام، عدد: 366
([37]) تقع بحومة الحشّان جربة.
([38]) في لحاف واحد…
([39]) أعلام عدد: 819.
([40]) نظام العزّابة ص: 264.
([41]) أعلام:، عدد: 1021.
([42]) ن. م:، عدد: 827.
([43]) ن. م:، عدد: 1073.
([44]) ن. م:، عدد: 1065
([45]) ن. م:، عدد: 551
([46]) ن. م:، عدد: 229
([47]) ن. م: لم يترجم له.
([48]) سير، ص324 (مرقون).
([49]) أعلام، عدد: 111.
([50]) ص324 (مرقون).
([51]) لم يترجم له.
([52]) أعلام، عدد: 620.
([53]) أعلام، عدد: 803 (ت 440/ 1049).
([54]) أعلام، عدد: 89 (ت 10 ذو الحجّة 504/ 18 جوان 1111).
أبو العبّاس أحمد بن محمّد الفرسطّائي: القسمة وأصول الأراضين كتاب في فقه العمارة الإسلاميّة، تحقيق: وتعليق وتقديم: د. محمّد صالح ناصر والشّيخ بكير بن محمّد الشّيخ بلحاج، مكتبة الضامري للنّشر والتّوزيع. سلطنة عمان ط1. 1414/ 1992: 23- 33. وهذا ثبت لأسماء ما وصلنا من هذه المؤلّفات:
1) كتاب في مسائل التّوحيد ممّا لا يسع الإنسان جهله وغير ذلك من مسائل الكلام. (مرقون). ر: الجّعبيري. بعد: 115 تعليق 70.
2) كتاب سيرة الدّماء أو السّيرة في الدّماء (خ). توجد نسخة منه في مكتبة الشّيخ بابانو بني يسجن وبمكتبة دار إيروان بمدينة العطف وادي مزاب.
3) كتاب تبيين أفعال العباد: (خ) يبحث في الأخلاق والسّلوك الإسلامي إلى الآخرة. 3 أجزاء. مقاس 24، 5 × 17. ج1: 51 صفحة. ج2: 48 صفحة. ج3: 58 صفحة بكلّ صفحة 21 سطرا.
4) كتاب الجامع، أو الجامع في الفروع، جزءان، فقه العبادات، طبع بعنوان كتاب أبي مسألة 1984م، بدون أيّ تحقيق.
5) كتاب الألواح: آخر ما ألّف أبو العبّاس. (خ). البارونيّة جربة نسختان 1: نسخت 1079/ 1691 و2 نسخت 1161/ 1748 في حدود 125 صفحة.
6) كتاب تلخيص القسمة (خ): في المعاملات التّجاريّة بين الشّركاء وكيفيّة القسمة بينهم. توجد منه عدّة نسخ، عدد: صفحاته 357. 23 سطرا مقاس 24 × 17.
– كتاب الجنائز: مفقود.
– مسائل الأموات: نسخة في حدود 100 ورقة، مقاس 16 × 24.
– سير مشايخ الإباضيّة: يذكر ماسكري أنّه يملك نسخة من هذا المخطوط.
أعلام، عدد: 89.
([55]) أعلام، عدد: 472 (ت 471/ 1079).
([56]) النّص المستفاد منه: الشّماخي: السّير. (ط) البارونيّة 431-432 وتحقيق: محمّد حسن (المرقون) 324-325، (ط) عمان، 2/ 96.
([57]) سليمان بن موسى أبي هارون بن هارون الملوشائي (أبو الرّبيع) (ق 5/ 11) أصله من تملوشايت، سكن إبنّاين بجبل نفوسة بليبيا. درّس بمسجد إبنّاين حيث تخرّج عليه جيل من أهل العلم من أبرزهم أبو زكريّاء يحيى بن الخير الجنّاوني. دؤوب على المطالعة إلى أن كلّ بصره. ترك مراسلات فقهيّة وفتاوى. وقد دوّن تلميذه الجنّاوني جلّ آرائه في كتاب النّكاح. أعلام، عدد: 467.
([58]) يحيى بن إبراهيم الباروني (أبو زكريّاء) (ق 5/ 11): شيخ حاكم، تولّى الإمارة في جبل نفوسة، فانقادت له الرعيّة لعدله وحسن سيرته. عاصر أبا الرّبيع سليمان بن هارون الملوشائي، وكان يستفتيه في النّوازل وله معه مراسلات. وقد عايش الجنّاوني ذلك. أعلام، عدد: 989.
([59]) تقابل محيط مدينة تقرت حاليّا (2005) ببلاد الجزائر.
([60]) الشمّاخي: السّير، ص268 – 269 (ط) البارونيّة.
([61]) ن. م: 2/ 180 طبعة عمان.
([62]) P. Cuperly: Introduction à l’étude de l’Ibâdisme et de sa théologie. Office des publications universitaires. Alger. 1984. chap 2 p 47 -72.
([63]) عمر بن جميع بن واسين اليراسني أبو حفص (حوالي 645 – 720/ 1247/ 1320).
ولد بحومة والغ بجزيرة جربة ودرس بمدارسها القريبة من مسكنه وهي مدرسة التّالبي وتاقومين وتيفروجيين. ثمّ انتقل إلى مدرسة تاجديت بحومة فاتو حيث تتلمذ على الشّيخ عبد الله الصّدغياني والشّيخ صالح بن نجم المغرواي، ولا شكّ أنّه تردّد على مدارس أخرى مثل مدرسة الجامع الكبير.
ثمّ رحل إلى بلاد الجريد حيث جلس إلى الشّيخ أبي العبّاس أحمد بن سعيد الدّرجيني (670/ 1271) صاحب كتاب الطّبقات.
ثمّ استقرّ به القرار في مدرسة تيفروجين حيث صار كبير المدرّسين إلى أن توفيّ حوالي 720/ 1320 وقبره بروضة هذا الجامع. وقد تتلمذ عليه كلّ من قاسم ويخلف ابني أيّوب الجنّاونني.
اشتهر عمر بن جميع خاصة بترجمته لعقيدة التّوحيد من اللّغة البربريّة، هذا المتن المنثور الذّي صار أوّل نصّ يحفظه النّاشئة في وادي مزاب وجربة بعد كتاب الله تعالى وسنّة الرّسول عليه السّلام. وقد شرح عدّة شروح مختصرة ومطوّلة. وقد حقّقه. عمر بن أحمد بازين تحقيقا علميّا جيّدا وأورد النّص في آخر التّحقيق مشكولا. 86 صفحة المطبعة العربيّة غرداية، الجزائر. (ط) 3 1424/ 2003.
انظر كتابنا: عمر بن جميع وكتاب التّوحيد. دار الجويني للنّشر. تونس. 2000.
([64]) أبو إسحاق إبراهيم اطفيّش (ت 1386/ 1966): ولد في يسجن بوادي ميزاب. وبها أخذ عن شيخه امحمّد اطفيّش (ت 1332/ 1914)، نفاه الاستعمار الفرنسي إلى تونس ثمّ إلى مصر نتيجة لنشاطه السّياسي. استقرّ بالقاهرة في قسم المخطوطات المغربيّة بدار الكتب المصريّة وتفرّغ للبحث والتّحقيق والتّدريس في بيته بدار الطّلبة الإباضيّة. وقد استفاد تلميذه سالم ابن يعقوب كثيرا من دروسه ومكتبه. ويروي عنه عديدا من الأخبار الّتي تدلّ على الجرأة والشّجاعة، وهناك أخذ عنه كثير من العمانيّين والنّفوسيّين أيضا. حقّق كثيرا من النّصوص الإباضيّة الهامّة في التّاريخ والحديث والأصول والفقه نذكر منها: تحقيق: كتاب مختصر الوضع في الأصول والفقه. كما كان محرّر مجلّة المناهج الّتي اشتهرت بالدّفاع عن قضايا الإسلام. توفّي بالقاهرة سنة 1386/ 1966 أخذت هذه المعلومات عن ابنه امحمّد اطفيّش وتلميذه سالم بن يعقوب. ر. عمرو مسعود أبو القاسم: الرّبيع بن حبيب محدّثا، أطروحة ماجستير نوقشت بكليّة التّربية جامعة الفاتح بليبيا سنة 1983: 198، مرقونة بمكتبتي، هديّة من المؤلّف. ثمّ طبعت بالجزائر. 1998.
([65]) ص17.
([66]) البرّادي: رسالة في تواليف أصحابنا، تحقيق: عمّار الطّالبي ملحق بكتاب الموجز: 2/ 288
([67]) الجنّاوني: الوضع: التقديم ص: 4
([68]) والمحشّي هو أبو عبد الله محمّد بن عمر ابن أبي ستّة القصبي السّدويكشي (1022- 1088/ 1614- 1679).
نشأته بمصر: ولد بجربة سنة 1022/ 1614 ثمّ سافر إلى مصر بعد أن حفظ القرآن الكريم ليتعلّم بجامع الأزهر بالقاهرة وبالمدرسة الإباضيّة هناك، وذلك سنة 1040/ 1631.
و بقي هناك ثماني وعشرين سنة تلميذا ناشطا في أوّل الأمر ثمّ تولّى التّدريس بالمدرسة الإباضيّة بحيّ طولون وبالأزهر حيث يشار إليه بالبدر.
نشاطه بجربة: لقد رجع إليها سنة 1068/ 1658 وأدرك شيخه عبد الله السّدويكشي في آخر عمره.
و ما أن توفّي شيخه سنة 1068/ 1658 حتّى أسندت إليه رئاسة الحلقة ومهامّ التّدريس فاضطلع بمهمّته أحسن اضطلاع.
كلّ مؤلّفاته حواش على المصادر الإباضيّة ولذلك اشتهر بالمُحَشّي، ويبلغ عددها العشرين تقريبا وقد جمع هذه الحواشي تلميذه عليّ ابن بْيَانْ (11/17).
و توفّي بجربة سنة 1088/ 1679 وعمره 65 سنة وقبره معروف بالمحشّي بوَرْسيِغَنْ من حومة سدويكش.
([69]) البعد، ص204.
([70]) سلطان الحارثي: منهج الجنّاوني من خلال كتابه الوضع. مرقون 24-25.
([71]) امحمّد بن يوسف اطفيّش (1236 – 1332/ 1820 – 1914): اشتهر بقطب الأئمّة لغزارة علمه وكثرة مؤلّفاته الّتي بلغت ستّا وثلاثين ومائة مؤلّف. منها ما طبع ومنها ما لم يطبع.
ولد بيسجن. أخذ العلم عن أخيه إبراهيم بن يوسف اطفيّش. كان قويّ الذّاكرة ونبغ من العشرين من عمره. تصدّى للبدع فاشتدّ عليه الضّغط الاجتماعي فاعتزل في بُنورة طيلة سبع سنوات حيث تفرّغ للتّأليف. ولمّا رجع إلى يسجن عيّن رئيسا للحلقة وجعل من داره معهدا للتّدريس. وأقبل عليه الطّلبة من كلّ مناطق الإباضيّة لتلقّي مختلف العلوم الإسلاميّة واللّغويّة. وقد أخذ عنه سعيد ابن تعاريت، وإبراهيم أبو اليقضان، وأبو إسحاق إبراهيم اطفيّش وغيرهم ممّن واصلوا بثّ ما أخذوه عنه. وتوفّي بيسجن سنة 1332/1914. ر. محمّد علي دبّوز: نهضة الجزائر الحديثة وثورتها المباركة، المطبعة العربيّة بالجزائر 1389/1969. 1/239 – 388. البعد، ص83.
([72]) سلطان الحالرثي، ص25.
([73]) والخروصي ينتمي إلى عائلة عمانيّة عريقة في العلم، وهو يشغل منصب نائب المفتي العام لسلطنة عمان.
([74]) الحارثي، ص26.
([75]) ص6.
([76]) عبد الله بن محمّد بن بركة السّليمي البهلوي (362/ 972): نشأ في مدينة بُهلا بعمان، وبها تعلّم على محمّد الشّيخ بن خالد الخروصي (أوائل ق 4/ 10)، ثمّ رحل إلى مدينة صحار حيث أخذ عن الشّيخ أبي مالك غسّان بن محمّد بن الخضر الصّلاني الصّحاري (ق 4/ 10)، وقد أورد شيئا من آرائه في كتابيه الجامع والتّعارف، كما أخذ عن الإمام سعيد بن عبد الله الرّحيلي (328/ 940)، ودوّن بعض آرائه في كتابه التّقييد. وأخذ عن غيرهما من أهل زمانه بدليل ما دوّن من آرائهم في مؤلّفاته. أسّس مدرسته ببلدته بهلا، وكان لها كبير الأثر في الحركة العلميّة في القرن الرّابع/ العاشر، وقد تخرّج منها نفر كثير نذكر منهم أشهرهم وهو الشّيخ أبو الحسن البسيوي (ق 4/ 10). والرّاجح أنّ صدى هذه المدرسة بلغ بلاد المغرب فتوافد عليه الطّلبة من هنالك إلى أن عرف بشيخ المغاربة. يعدّ ابن بركة عميد المدرسة الرّستاقيّة ضدّ المدرسة النـزوانيّة، كما يعدّ أحد أقطاب المذهب الإباضي وأحد المجدّدين لفقه هذا المذهب. مؤلّفاته: كتاب الجامع (ط) كتاب التّقييد (خ). كتاب المبتدأ (خ). رسالة التّعارف نشر وزارة التّراث، سلطنة عمان 1984 د. ط، كتاب الموازنة. (ط) ضمن مجموعة من علماء عمان، السّير والجوابات تحقيق: سيّدة إسماعيل كاشف، وزارة التّراث، سلطنة عمان (ط) دار إحياء الكتب العربيّة، 2/ 348- 420. انظر: زهران بن خميس بن محمّد المسعودي: الإمام ابن بركة السّليمي البهلوي (362/ 972) ودوره الفقهي في المدرسة الإباضيّة من خلال كتابه الجامع، دراسة مقارنة، ط1، 1421/ 2000، ص39- 63. كتاب الجامع لابن بركة، أخرج نصّه المخطوط الأستاذ عيسى الباروني وطبع طبعة أولى بيروت، 1971م، وأعادت وزارة التّراث العماني طبعه بدون تاريخ.
([77]) عامر الشمّاخي (ت 792/1390): من أجداد أحمد الشّماخي صاحب السّير. أخذ عن أبي موسى عيسى بن عيسى الطَّرْمِيسي (ت 722/1322) اشتهر بالاستقامة منذ صغره. جلس للتّدريس والتّأليف طول حياته. قد درّس بمتِيُون 13 سنة وتحوّل إلى يفْرن 756 هـ/1355 م. ومن أبرز تلاميذه البرّادي (8 و9 هـ/14ـ15م)، صاحب كتاب الجواهر. توفّي متقدّم السّن (792/1390) له عدّة مؤلّفات يهمّنا منها كتاب الدّيانات وقد ألّفه تلبية لطلب نوح بن سعيد المرْسَاوني وقد ترجمه النّامي بأطروحته، ص255 إلى الأنكليزيّة وترجمه كوبرلي إلى الفرنسيّة 3/ 195 الملاحق ر. الشّماخي: السّير 559-561. كتاب الإيضاح، نعتمد في التّعريف بالكتاب الطّبعة الثّانية الّتي حقّقها فريق من علماء جبل نفوسة (25 ربيع الثّاني 1390 – 29 يوينو 1970) كما هو مثبت في التّقديم، صد: عن اللّجنة: علي صالح الشّاوش. النّاشر دار الدّعوة نالوت مطبعة الوطن بيروت. طبع الكتاب طبعة أولى بالمطبعة البارونيّة 4 أجزاء، وأعادت وزارة التّراث العماني الطّبعة الثّانية في 8 أجزاء.
([78]) ص6 – 7.
([79]) ص8.
([80]) ص28 – 29.
([81]) ص25.
([82]) ص26.
([83]) ص15.
([84]) يعني بالمسلمين ما يطلق عليه في التّسمية الاصطلاحيّة: جماعة المسلمين، وهي تعني الإباضيّة. وقد قال الحضرمي: “المسلمون الذين نذكرهم هم الإباضيّة”، ص14.
([85]) ص17.
([86]) ص58.
([87]) ص9.
([88]) انظر: ما سبق مؤلّفاته، ص40 – 41.
([89]) ص28 – 30.
([90]) ص7.
([91]) ص13- 14.
([92]) ص155.
([93]) الرّبيع بن حبيب: الجامع الصّحيح: مسند الإمام الرّبيع بن حبيب، ضبطه وخرّج أحاديثه: محمّد إدريس. راجعه وقدّم له: عاشور بن يوسف، دار الحكمة، بيروت، دمشق، مكتبة الاستقامة، سلطنة عمان ط1. 1415/ 1995، عدد: 315.
([94]) المختصر: 255.
([95]) انظر: ما سبق، ص15 – 20.
([96]) ص6.
([97]) ص7.
([98]) ص255.
([99]) ص24.
([100]) ص6.
([101]) ص112.
([102]) انظر: ما سبق، ص75 – 76.
([103]) ص49.
([104]) ص255.
([105]) سورة النساء: 43.
([106]) التّرمذي: حديث، عدد: 102. ابن ماجه: حديث، عدد: 600.
([107]) ص30.
([108]) رواه التّرمذي حديث، عدد: 62 (بلفظ آخر).
([109]) المقصود بالأصحاب في الكتاب فقهاء الإباضيّة.
([110]) ص7.
([111]) ص39.
([112]) ص36.
([113]) ص37.
([114]) ص34، 96.
([115]) ص104.
([116]) ص39 – 40.
([117]) ص44.
([118]) ص36.
([119]) ص37.
([120]) ص49.
([121]) ص26.
([122]) ص54.
([123])، ص27.
([124])، ص17.
([125]) ص([125]) 48. سلطان الحارثي: منهج الجنّاوني، ص48.
([126]) ص89. ر. باب الصّوم: 140. الزّكاة: 167. الحجّ: 195 تجد نفس العبارة.
([127]) ص90. ر، ص141 عن الصّوم، ص167 عن الزّكاة، ص195 عن الحجّ.
([128]) ص196.
([129]) ص80 – 82.
([130]) ص91- عن الصّوم، ص142. زكاة ص168. عن الحجّ، ص197.
([131]) ص93. عن الزّكاة، ص170.
([132]) ص95. قد يقحم الحديث عن الثّواب في ذكر الفضائل.
([133]) ص98.
([134]) سورة الإسراء: 78.
([135]) سورة الروم: 17.
([136]) البخاري: حديث، عدد: 1308. مسلم: حديث، عدد: 27. التّرمذي: حديث، عدد: 567.
([137]) النّسائي: حديث، عدد: 457. أبو داود: حديث، عدد: 1210. أحمد: حديث، عدد: 21662.
([138]) ص98 – 101. هذا يكون حسب توفّر النّصوص. ر. عن الصّوم، ص151- 153.
([139]) ص14.
([140]) ص14- 15.
([141]) ثمّ دلل لذلك قرآنا وحديثا.
([142]) والملاحظ أنّ الإباضيّة كانوا يحترزون من التّوغّل في الآراء المخالفة إلى نهاية (القرن الخامس/ 11) وخاصة المغاربة، حيث وجّهوا لوما شديدا في القرن السّادس/ 12 لأبي يعقوب يوسف بن خلفون المزاتي لكثرة اهتمامه بكتب المخالفين ثمّ بعد ذلك ثبتت لهم نجاعة هذا المسلك فتبنّوه تبنّيا كاملا فيما جاء من القرون إلى يومنا هذا.
([143]) انظر: ما سبق 44 و77.
([144]) ص17.
([145]) ص236 – 237.
([146]) ص244.
([147]) ص64
([148]) ص94.
([149]) ص174.
([150]) ص183.
([151]) طبع هذا الكتاب النفيس مؤخرا من إصدارات مكتبة مسقط، هذه السنة 1432هـ/2011م. (المراجع)
*ندوة تطور العلوم الفقهية في عمان خلال القرن الخامس الهجري “التأليف الموسوعي والفقه المقارن”
أقامتها وزارة الأوقاف والشؤون الدينية بمسقط
يومي 25- 27 محرّم 1426هـ/ 6- 8 مارس 2005م
هذه المقالة تحتوي على لا تعليق

أكتب تعليقك هنا

نرجو أن تضع المادة أسفله
الإسم
إيميل
موقع
تعليقك