في اختلاف الفقهاء: دراسة في تاريخ الخلاف الفقهي بين كتابي “بيان الشرع” لمحمَّد بن إبراهيم الكندي و”اختلاف الفقهاء” لأبي جعفر الطحاوي

في اختلاف الفقهاء:

دراسة في تاريخ الخلاف الفقهي بين كتابي “بيان الشرع” لمحمَّد بن إبراهيم الكندي و”اختلاف الفقهاء” لأبي جعفر الطحاوي*

د. محمَّد كمال الدين إمام ([1])

 

لسنا في هذا البحث الموجز بصدد دراسة أسباب اختلاف الفقهاء في المذاهب الإسلامية المختلفة، فلذلك مجاله ومؤلفاته، وأيضا لسنا بصدد دراسة في علم الخلاف الذي نما وازدهر منذ القرن الثاني الهجري، وبلغ أوج تطوره وازدهاره في القرنين الرابع والخامس الهجريين، وفيهما أنتج العقل الفقهي الإسلامي دراسات هامة ومؤلفات موسوعية في علم الخلاف، أضافت الكثير ـ مادة ومنهجا ـ إلى كتابات القرن الثاني الهجري.

هذا القرن الذي تميز ببواكير الكتب الخلافية ممثلة في مؤلفات لأبي يوسف ومحمَّد بن الحسن، ولابن أبي ليلى، والأوزاعي، والإمام مالك والشافعي، ولكن ذلك كله ـ على أهميته ـ لا يكاد يقارن بإنتاج المذاهب الإسلامية في القرنين الرابع والخامس، وهو إنتاج يستوعب كل الاتجاهات الفقهية التي تفاعلت في عصور الازدهار، رغم الجدل المذهبي والمؤثرات السياسية.

وحسبنا أن نشير إلى ما قدّمه ابن المنذر من الشافعية خاصة في كتابه “الأوسط”، و”اختلاف الفقهاء” لابن جرير الطبري، و”الإنصاف فيما بين العلماء من الخلاف” لابن عبد البر المالكي، و”التعليقة في الخلاف” للقاضي أبي يعلى الحنبلي الصغير، و”الخلاف” للطوسي الإمامي، و”اختلاف أصول المذاهب” لأبي حنيفة النعمان الإسماعيلي، وفي مقدمة هذه المؤلفات يأتي كتابان أحدهما إباضيّ، والثاني حنفي، وكلاهما عمل موسوعي، يضم بين دفتيه دراسات مقارنة لآراء المذاهب المختلفة حتى عصره.

الكتاب الأول: لأبي جعفر الطحاوي، وهو فقيه حنفي مصري، توفي في الثلث الأول من القرن الهجري الرابع، وبالتحديد في سنة 321هـ، والذي وصف بأنه كان عالما بجميع مذاهب الفقهاء، وهو موسوعة ضخمة. أشار من ترجموا للطحاوي وعرضوا لمؤلفاته أن كتابه “اختلاف علماء الأمصار” في نحو مائة وثلاثين جزءا، ورغم هذه الأجزاء التي جاوزت المائة بكثير، فإن ابن النديم في الفهرست أشار إلى أن الطحاوي لم يتح له إتمام الكتاب، وهذا الكتاب الهام في علم الخلاف لا يزال من تراثنا الفقهي المفقود، ولا نعرف أجزاءه إلا من كتب التراجم، أما محتواه على الإجمال فقد حفظه لنا الإمام أبو بكر الجصاص في كتابه “مختصر اختلاف العلماء”.

الكتاب الثاني: “بيان الشرع” للفقيه الإباضيّ محمَّد بن إبراهيم الكندي، توفي سنة 508هـ، وهو إمام كبير، جاء كتابه عملا موسوعيا في علم الخلاف قل نظيره، في مؤلفات عصره، بل وفي تراث العصور التالية، وقد حفظته العناية الإلهية إلى يوم الناس هذا، ليكون شاهدا على المرتبة العالية التي وصل إليها فقهاء الإسلام، وإلى المستوى الرفيع الذي بلغه “علم الخلاف” في منهجه ومادته وآدابه.

*) وكتاب “بيان الشرع” يزيد على سبعين مجلدا، وقد اختصره الفقيه الإباضيّ أبو بكر أحمد بن عبد الله الكندي المتوفى سنة 557هـ، ومختصر أبي بكر “لبيان الشرع” عرف باسم “المصنف”، وهو مطبوع ومتداول.

والذي يطالع أي جزء من “بيان الشرع” باعتباره من أكبر الموسوعات الفقهية في علم الخلاف، يراه مكتبة إسلامية متكاملة في فقه المذاهب، تضم كتابات لفقهاء سابقين، بعضهم لدينا تراثه الفقهي، وبعضهم، خاصة من علماء الإباضيّة لا نعرفه إلا من خلال “بيان الشرع”.

بل إن محمَّد بن إبراهيم الكندي بموسوعته “بيان الشرع” يفتح الباب واسعا أمام ضبط قراءات وتحقيقات لكتابات مهمة لابن المنذر، وأبي عبيد القاسم بن سلاّم، وغيرهم. فهل ينقل من نسخ خطية مبكرة، أغلبها لم يعد موجودا، وأحسب أن المقارنة بين كتابي “بيان الشرع” و”اختلاف الفقهاء” لن تنصف الإمام الطحاوي؛ لأنَّ المقارنة الصحيحة لا تكون بين كتاب موجود، وهو “بيان الشرع”، وكتاب مفقود هو “اختلاف الفقهاء”، خاصة وأن الإمام الجصاص، كما يقول محقق المختصر، “قد حذف الكثير من معالم كتاب الطحاوي أثناء اختصاره. حيث لا توجد تلك الروح النشطة للطحاوي كاملة، تلك التي عهدناها في كتبه “معاني الآثار”، و”مشكل الآثار”، و”الشروط الكبير والصغير”. تلك الروح التي لا تمل من تتبع وتعقب الأقوال المختلفة في المسألة، وذكر أدلتها النقلية، وموازنتها مع الأدلَّة العقلية، ثُمَّ مناقشة أصحابها مناقشة علمية مقنعة.

وما يقوله الدكتور عبد الله نذير أحمد محقق كتاب “مختصر اختلاف الفقهاء” صحيح ودقيق، ومن يراجع المجلد الأول من كتاب “أحكام القرآن” للإمام الطحاوي، والذي نُشر في استامبول أخيرا يرى نموذجا لأسلوب الإمام الطحاوي في عرض الخلاف، وتناول آراء الفقهاء، وسرد أدلتهم، إضافة إلى تحليل دقيق لموارد الأحكام، وانتصار أو مخالفة لآراء مذهبه، يظهر فيها جليًّا الإمام الطحاوي الفقيه المجتهد.

ورغم التحفظ الذي أبديناه حول صعوبة المقارنة بين نص مفقود ونص موجود، إلا أن “مختصر اختلاف الفقهاء” من خلال أبي بكر الجصاص يستبقي لنا البنية الرئيسة لكتاب الطحاوي خاصة ترتيبه ولمحات من منهجه، بل إنه في مباحث قليلة يحس القارئ بلغة الإمام الطحاوي، وبطول باعه في التحليل والتعليل والمقارنة، بما يعطي صورة تقترب من الحقيقة لما كان عليه أصل المختصر من توسع في عرض الآراء، واستفاضة في مناقشة الأدلَّة، واهتمام من جانب الطحاوي بالموازنة والترجيح، وإعلاء ما يراه الأقرب إلى الصواب.

وسوف نعرض بإيجاز لمنهج الإمام الطحاوي ولمنهج الإمام محمَّد بن إبراهيم الكندي في كتابيهما، مع الإشارة إلى ما بينهما من اتِّفاق أو اختلاف في المنهج.

أولا: “اختلاف الفقهاء” للطحاوي:

للإمام الطحاوي منهج في عرض الآراء الفقهية:

1-   يبدأ الإمام الطحاوي مسائله في كتاب الخلاف بأقوال أصحاب أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمَّد، أو بما رواه أصحاب أبي حنيفة مستخدما مصطلحه، أو قال أبو يوسف ومحمَّد. وعند اختلاف الفقهاء يبدأ بأقوال مالك بعد أقوال مذهبه، ثُمَّ يعرض للأوزاعي والليث والشافعي وغيرهم من الفقهاء.

2-        لدى الإمام الطحاوي حضور خاص فيما يعرض له، فهو لا يكاد يترك حكما دون تعليل وتدليل ومقارنة.

3-        لدى الإمام الطحاوي اهتمام كبير بعرض أقوال الصحابة وفتاوى التابعين.

ومنهجه هنا يختلف عن منهجه في “أحكام القرآن”، حيث يعرض أولا للأدلَّة من القرآن والسنة، ثُمَّ للحكم المستنبط مع إشارة للموقف الفقهي بين الائتلاف والاختلاف. وهو وإن أغفل آراء كل الفقهاء لا يكاد يغفل رأي الإمام مالك إضافة إلى أبي حنيفة وأصحابه.

وإليك هذه النماذج من كتاب “مختصر اختلاف الفقهاء”.

النموذج الأوَّل: في شرط المزارعة([2]):

«قال أبو يوسف ومحمَّد: لا يستحق بعض الخارج بالشرط إلا عن الأرض، أو عن الرجل، ولا يستحق عن البقر والآلة ورب البذر، ويستحق بغير شرط، ومتى فسدت المزارعة كان الخراج لصاحب البذر، والباقي إجارة المثل عليه من أرض وعامل.

وقال مالك: إذا كانت الأرض من عندي والبقر من عند شريكي، والبذر من عندنا جميعا، والعمل علينا جميعا، أنه جائز إذا كان كراء الأرض والبقر سواء. وإن كان أحدهما أكثر كراء لم أحبه، ويجوز عنده إذا أخرج أحدهما الأرض، والآخر البقر، والآخر العمل، إذا كان البذر بينهما أثلاثا، وتكافؤوا في العمل. وإن كان البذر من عند أحدهم لم يجز بحال. ولا تصلح الشركة في الزرع عند مالك، إلا أن يكون البذر بينهما، ويتكافآن فيما بعد ذلك من العمل، فإن كان البذر من عندهما ومن عند الآخر الأرض، وجميع العمل لم يجز لصاحب الأرض، ويعطى هذا بذرهما.

وقال الأوزاعي: إذا كان لأحدهما ماء، وللآخر أرض، اشتركا على أن ينبتا الأرض والماء، فيكون عمل تلك الأرض ونفقتها عليهما سواء، فذلك جائز.

وقال الليث: إذا كان من عند أحدهما الأداة، ومن عند الآخر العمل، فإنه ينظر إلى قيمة العمل، وأجرة الآلة، فيترادان الفضل، وإن كان الأرض من عند أحدهما، أو كانت تكرى مثلها، أقيم له كراها، جاز عليه نصف الكراء.

وقال الشافعي: إذا اشترك أربعة نفر، لأحدهم البذر، وللآخر الأرض، وللآخر البقر، وللآخر عمل يده، فالشركة فاسدة، والربح لصاحب البذر، وللآخرين إجارة أمثالهم.

وقال أبو جعفر: إنما تجوز المزارعة على أن تكون الأرض مستأجرة، ويكون الرجل مستأجرا، فإذا خرج عن ذلك لم تصح، إلا أن محمَّدا قال: إذا كان من عند أحدهما الفدان، ومن الآخر العمل، ومن الآخر البذر، وعليه أجرة المثل لهؤلاء، فكان ينبغي ألا يفسدها بين صاحب الأرض لفسادها فيما بين صاحب البقر وبين صاحب الأرض.

النموذج الثاني: في شركة المفاوضة([3]):

قال أصحابنا: شركة المفاوضة جائزة، وشرطها أن يستويا في المال الذي يجوز انعقاد الشركة وفي التصرف، فيكون حينئذ كل واحد منهما وكيلا لصاحبه في التصرف والخصومة، وضامنا عنه ما يلزمه من جهة العقود الداخلة في المفاوضة، وما كان ضمانه في معنى ضمان العقود، ويجوز عندهم المفاوضة في شركة الوجوه والأبدان أيضا.

فإن وزن أحدهما بعد المفاوضة دراهم أو دنانير، فسدت المفاوضة في الوجوه، وإن وزنا عروضا لم تفسد.

وقال ابن أبي يعلى: إذا اشتركا شركة مفاوضة؛ لأحدهما ألف درهم، وللآخر ألفان، فهذه مفاوضة جائزة، والمال كله بينهما نصفان، فإن اشتركا في جميع الأشياء فقد تفاوضا، وإن اشتركا في نوع واحد من التجارة، متفاوضان في ذلك النوع، ولا تصح المفاوضة على الثلث والثلثين، ولا يفسدها أن يكون مال أحدهما أكثر من مال الآخر.

وإن اشترى أحدهما جارية لنفسه من مال الشركة، وإن اشترى طعاما ليأكله كان له خاصة.

وقال الثوري في المفاوضة كقول أصحابنا، إلا أن شرط الشركة عنده أن يخلطا المالين.

وقال الحسن بن حيّ: في المتفاوضين يقول كل واحد منهما لصاحبه: أنت في مالي بمنـزلتي، فيصيران شريكين متفاوضين، ولا بأس أن يأخذ كل واحد منهما من المال ما شاء، من غير أن يحبسه على نفسه، وليس بينهما حساب مِمَّا أخذا، ويؤخذ كل واحد منهما بدَين صاحبه.

وقال الشافعي: لا تجوز المفاوضة بحال.

وقال أبو جعفر: وذكر لنا بكار بن قتيبة أنه سمع أبا عاصم النبيل، وقال له رجل: ما معنى شركة العنان؟ فقال: هي كلمة تطرف بها أهل الكوفة. يريد أنهم أحدثوها للفرقة بين المفاوضة والعنان، فذكرته لابن أبي عمران فقال: ما قال شيئا. وإنما هي مأخوذة من عنان الدابة، الذي يحبسها به راكبها عما لا يريده؛ لأنَّه يمنع نفسه بها عن التصرف في سائر الوجوه الأخرى، ومنعه أن يتصرف عليه من غير الوجه الذي تعاقدا عليه. فإذا كانت شركة العنان موجودة في اللغة، فقد دل على أن هناك شركة غيرها، وهي المفاوضة، فتجوز المفاوضة كما جاز العنان، إلا أن المفاوضة أعم، وإذا جاز العنان مع ما فيها من الجهالة، جازت المفاوضة».

تعليق على منهج الإمام الطحاوي:

على الرغم من أن منهج الإمام الطحاوي في عرض الخلاف يتسم بالدقة، خاصة في نسبة الآراء إلى أصحابها، إلا أنه يكاد ينحصر في الفقه السُّنِّي لا يتعداه إلى غيره من المذاهب، بل حتى في دائرة المذهب السنّي لا يكاد يشير إلى المخالفين من الظاهرية. وفي كل الأحوال فإنه لم يستوعب آراء المذهب الإباضيّ وخلافاته، وهذا جانب يدعو إلى التساؤل، خاصة بالنسبة لفقيه قيل: إنه عارف بكل مذاهب الإسلام. والمذهب الإباضيّ اكتملت نشأته ومصادره الأساسية منذ القرن الثاني الهجري، واستقرت معظم مسائله على يد مسلم بن أبي كريمة.

هل إغفال الطحاوي لآراء الفقه الإباضيّ جاءت عن عمد، لخلاف حول بعض الأسس، خاصة وأن المؤسس الأول للفقه الإباضيّ جابر بن زيد أكمل مهمته وغادر الدنيا وأبو حنيفة في العقد الثاني من عمره، والإمام مالك لم يكن أكمل السنوات الثلاث من عمره، أم إن المسألة تتعلق بغياب المراجع الإباضيّة الرئيسة بعد أن دخلت مرحلة كتمان جديد، إثر سقوط الدولة الرستمية؟ إنه احتمال يحتاج إلى أدلَّة، خاصة وأن مؤلفات إباضيّة مهمة اكتملت في أواخر القرن الثاني وأوائل القرن الثالث الهجري، ووجدت طريقها إلى الحياة الفقهية.

ويكفي الإشارة إلى بشر بن غانم الخراساني وكتابه “المدونة”، وابن غانم درس في البصرة، وفيها ألّف مدونته قبل أن يرحل إلى تاهرت في الشمال الإفريقي، ويجعل مدونته بطاقة تعريف له عند الإمام الرستمي عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم.

ولو شئنا العدل والإنصاف فإن الإمام الطحاوي كان أسير ثقافة لم تنفتح على فقه المذاهب غير السنية، من إباضيّة وشيعية، ولعلنا نجد تبريرًا لذلك فيما ذكره أكاديمي إباضيّ قائلا: «إن النظام الفقهي الإباضيّ كان قائما على مواد ترويها المصادر الإباضيّة فقط، وتطور خلال تاريخه في إطار هذه المواد، ولا يمكن فهم طبيعة التشريع الإباضيّ، إلا بدراسة مواده ومراجعه الأصلية»([4]).

وهو الأمر الذي لم يكن متاحا أمام الإمام الطحاوي، ولا شك أن الخلاف في هذه المصادر المرجعية من أسباب الخلاف بين الأنظمة الفقهية المختلفة.

ثانيا: كتاب بيان الشرع:

على خلاف ما قدمه الإمام الطحاوي جاء كتاب “بيان الشرع” للعالم محمَّد بن إبراهيم الكندي جامعا للأصل والفرع، كما هو الشطر الثاني من عنوانه، ولهذا كانت الأجزاء الأولى من “بيان الشرع” عرضا لمسائل أصولية وكلامية، وكأنه يقول: إن الفروع لا تُفهم فهما صحيحا بعيدا عن أصولها المعتمدة، إضافة إلى ذلك فإنه يعتمد في منهجه الخلافي على بيان الأدلَّة، واستخدام القواعد الأصولية والفقهية في تحليل الخلاف الفقهي.

ويمثل كتاب “بيان الشرع” الموسوعة الإباضيّة الكبرى في علم الخلاف المذهبي، ولكنه مسبوق بآخرين من علماء الإباضيّة الذين كتبوا في علم الخلاف وأصّلوا قواعده، وفي مقدمتهم العالم الإباضيّ العماني “ابن بركة” خاصة في كتابه “الجامع”، وهو من معاصري الإمام الجصاص.

ولا يتميز كتاب “بيان الشرع” بالجمع بين الأصول والفروع فحسب، بل يحتوي بين دفتيه مجموعة من الكتابات والمصادر والآراء تجعله كما قلنا في بداية هذا البحث الموجز، مكتبة فقهية نادرة المثال.

والإمام محمَّد بن إبراهيم الكندي يشير بأمانة إلى مصادره من أي مذهب كان، ودائرة الآراء المقارنة فيه أوسع مِمَّا رأينا في مختصر الطحاوي، فهو بالإضافة إلى المذهب الإباضيّ يستوعب آراء أغلب المذاهب السنية، من المذاهب الأربعة إلى الظاهرية، إلى إسحاق بن راهويه، إلى سفيان الثوري، إلى أبي ثور، إلى الأوزاعي.

والرأي عندي أن محمَّد بن إبراهيم الكندي جعل كتاب “بيان الشرع” معرضا لتخريج الفروع على الأصول، ولأصول الفقه المقارن من خلال المسائل الفقهية.

ويكفي الإشارة إلى نموذج وحيد:

يقول صاحب “بيان الشرع”: «ومن الكتاب: والزكاة في مال اليتيم واجبة، ؛ لِمَا رُوي عن عمر بن الخطَّاب، وعبد الله بن عمر، وعائشة، واختلفت الرواية عن عليّ بن أبي طالب في ذلك، إنهم قالوا إن الزكاة في مال اليتيم واجبة، فإن قال قائل: فإن الزكاة خوطب بها من خوطب بالصلاة، فلا تجب إِلاَّ على من تجب عليه الصلاة، واليتيم لا صلاة عليه، وكذلك إذا أنكرتم أن لا تجب الزكاة عليه، يقال له: لما قال النبيّ e: “أُمرت أن آخذها من أغنيائكم وأردها في فقرائكم”، فكان فيمن رجع إليه الصغار والكبار، فكذلك تجب أن تؤخذ من الأغنياء صغارا كانوا أم كبارا، يدل على ذلك ما روي عن عائشة كانت تُخرج عن أولاد أخيها بحق ولايتها عليهم.

ومن الكتاب: وثمار أموال أولاد المسلمين فيها الزكاة، لإجماع الناس، والاختلاف في سوى ذلك. وإنما روي عن علي بن أبي طالب كان يخرج الزكاة من أموال بني رافع، مولى النبيّ e، وهم أيتام، فقال أهل الكوفة: يحتمل أن يكون زكاة حرث، ويحتمل أن يكون زكاة عين أو ماشية، وإذا احتمل هذا وذاك لم يكن حجة علينا في إسقاط الزكاة عن مال الأيتام؛ لأنَّهم غير مخاطبين. وقالوا: وعليّ بن أبي طالب هو الرافع للخبر عن النبيّ e “رفع القلم عن ثلاثة، عن الصبي حتى يبلغ، وعن المجنون حتى يفيق، وعن النائم حتى يستيقظ”، وقد كان من قول عليّ: إن الماعون الذي توعد الله على مانعه بالويل هو الزكاة. قالوا: فقد علمنا أن الصبي ممن لا يتوجه إليه الوعيد، فالحجة عليهم بأن الخبر ورد بأن عليًّا يخرج الزكاة من أموال بني أبي رافع، فالمدعي لتخصيص الخبر عليه إقامة الدليل، والخبر إذا ورد فالواجب إجراؤه على عمومه، ولا يخص إلا بحجة، وأيضا فلو كان ما احتجوا به من قول النبيّ e من رفع القلم عن الصبي يسقط الزكاة عن ماله، مع قوله: “أمرت أن آخذها من أغنيائكم” فالصبي إذا كان ذا مال، فهو مستحق لاسم الغنى، والزكاة في ماله واجبة، لظاهر قول النبيّ e، وكان النائم تسقط عنه الزكاة من ماله لارتفاع القلم في حال نومه، وقد أجمعوا أن الزكاة في ماله حال نومه ويقظته»([5]).

على هذا اللون من المنهج الرفيع المستوى جرى عرض الخلاف بين الفقهاء في كتاب “بيان الشرع”، وقد جمع مؤلفه المذاهب الإسلامية وما روي عن الصحابة والتابعين وتابعي التابعين، جمع ذلك كله في صعيد واحد، ولم يغب من الكتاب إلا فقه الشيعة([6])، وهو في ذلك يتفق مع الطحاوي. ولكن الإمام محمَّد بن إبراهيم الكندي يؤسس رفضه الإشارة إلى الشيعة على موقف أصولي واضح، وعلى تاريخ سياسي لم يكن غياب الدولة الرستمية ـ وهي الدولة الإباضيّة الأولى ـ على يد أبي عبد الله الشيعي في الشمال الإفريقي إلا واحدة من المعطيات التاريخية لهذا الموقف البعيد الجذور.

وقبل أن ننهي هذه الدراسة الموجزة فإننا ندعو إلى إصدار طبعة محققة من “بيان الشرع” تخرَّج فيها أحاديثه، وتعرف بأعلامه، وتضع خريطة كاملة لما ورد فيه من مصادر ومؤلفات، إضافة إلى دراسة كاملة عن المؤلف، ومكانته وطبقته بين فقهاء المذهب.

فموسوعة “بيان الشرع” تستحق العناية الكاملة من أهل المذهب وذوي الاختصاص على السواء.

والحمد لله رب العالمين.


([1]) كلية الحقوق، جامعة الإسكندرية.

([2]) مختصر اختلاف الفقهاء، تحقيق: د. نذير أحمد، دار البشائر الإسلامية، بيروت، ط1995، ج4، ص13.

([3]) المرجع السابق، ص15-16.

([4]) د. عمرو النامي: دراسات عن الإباضية، دار الغرب الإسلامي، بيروت، 2001، ص131.

([5]) الكندي: بيان الشرع، ط1، ص1985، ج17، ص16-28.

([6]) هذا القول يحتاج إِلَى تدقيق، فإن العوتبي لم يغفل بعض آراء الشيعة – وهذا نادرا – ولم يستنكف أن ينقل الحكمة عن بعض أئمتهم كأبي جعفر مُـحَمَّد بن علي زين العابدين الباقر (114هـ) وزين العابدين علي بن الحسين (94هـ) وأبي عبد الله الصادق (148هـ)، وغيرهم ممن يستفاد منهم ويؤثر عنهم. (المراجع)

 

*ندوة تطور العلوم الفقهية في عمان خلال القرن الخامس الهجري “التأليف الموسوعي والفقه المقارن”

أقامتها وزارة الأوقاف والشؤون الدينية بمسقط

25- 27 محرّم 1426هـ/ 6- 8 مارس 2005م

هذه المقالة تحتوي على تعليقات (2)

2 تعليقات ل “في اختلاف الفقهاء: دراسة في تاريخ الخلاف الفقهي بين كتابي “بيان الشرع” لمحمَّد بن إبراهيم الكندي و”اختلاف الفقهاء” لأبي جعفر الطحاوي”

  1. نسيت اسمي says:

    الموضوع طويل جدا ونادرا تجد شخص يحب إطلاع على مواقع بهذة الطريقه فهي ممله لذا اختصر مواضيعك او ضعها بشكل ممتع جذاب
    انصح لكي يقبل الجميع إلى موضوعك وليس بهدف التعليق والسخريه
    نقدر جهدك

  2. Bravo, c est un plaisir de vous lire

أكتب تعليقك هنا

نرجو أن تضع المادة أسفله
الإسم
إيميل
موقع
تعليقك