الضياء للعلامة العوتبي، والانتصار للإمام يحي بن حمزة: مقارنة فقهية

الضياء للعلامة العوتبي، والانتصار للإمام يحي بن حمزة:

مقارنة فقهية*

الشيخ عبد الله بن حمود العزي([1])

المقدمة:

إذا كانت هذه الندوة قد خصصت لـ(التطورات الفقهية في عمان خلال القرن الخامس الهجري) أو بمعنى آخر (التأليف الموسوعي والفقه المقارن) فإنها بطبيعة الحال تكشف بشكل أو بآخر عن أهمية وجمالية التنوع والتعدد والتجديد المستمر في فقه الشريعة.

فلحكمة إلهية تعددت الأفهام ولم تخلق على نمط واحد، ولحكمة إلهية وجدت الأدلَّة الشرعية التي تحتمل أكثر من وجه وأكثر من معنى، وكأنما وجدت لرياضة الأفهام والعقول، والدعوة الدأئمَّة إلى البحث والاجتهاد وإبداء الرأي كميدان مثوبة وأجرِ من الله (أجران للمصيب وأجر للمخطئ) وكضرورة ملازمة للمتغيرات حتى تزدهر الحياة وتنمو في ظل قواعد الإسلام ووفق أصوله وضوابطه التي تمنع الانحراف وتعصم العقول من الشطط.

من هنا أثبت الإسلام في وضوح حرية البحث والاجتهاد كما أثبت أن لابابوية فيه، فالجميع قابل؛ لأنَّ يبدع وأن يجتهد، كلما امتلك أدوات الإبداع والاجتهاد، ولا أحد يملك في الإسلام أن يلغي الآخر أو يفرض فهمه على الآخرين، وبالتالي فإن عظمة الفقه الإسلامي تكمن في قابليته لهذا التعدد والتنوع والتجديد، وإمكاناته في استيعاب كل جديد، ولا غرابة في ذلك فمجمل هذه الخصائص لازمة من لوازمه، باعتباره أتى شاملاً لكل مناحي الحياة، ومعالجاً لجميع مستجداتها ومشاكلها.

ومنذ بزوغ شمس الهداية والمسلمون يجدون في تلافيف الفقه الإسلامي كل ما يحتاجون إليه، فلم يحدث أن وقعت الأمة في أزمة فقهية تجاه أي قضية أو حالة كل ذلك بفضل سعة النصّ الشرعي وشموليته.

إن عالمية الشريعة، وكمالية الدين، وخاتمية الرسالة، خصائص اختص بها هذا الدين الإسلامي، وبالتالي كان لزاماً على مجتهدي الأمة أن يفجّروا طاقات نصوصه الشرعية كلما جد جديد في حراك المجتمعات والحضارات، ليستخرجوا من دررها وجواهرها جميع الحلول لكل ما أظهرته الأيام أو أحدثته ظروف المعيشة والانتقال من مكان إلى مكان.

مما نتج في النهاية ثروة فقهية هائلة كان فيها لكل مجتهد ولكل مذهب نصيبه ومساهمته، ولعل من أهم هذه المذاهب المذهب الإباضيّ فهو صاحب رأي وذو حضور فقهي متميز منذ أبجدياته الأولى، حين تأسس على يد الإمام جابر بن زيد الأزدي العماني، حيث قطع هذا المذهب مراحل طوال على طريق الاجتهاد والتطور الفقهي، تجديداً وبحثاً وتنقيباً، وتنصيصاً وتخريجاً وإسهاماً في إثراء الفقه الإسلامي بشكل عام.

وقد كان للعلماء العمانيين الدور الأكبر والأبرز في ذلك، إذ يبدو عطاؤهم واضحاً في تلك المؤلفات والموسوعات الفقهية العظيمة التي قيدت كل شاردة وواردة في مجالات الفقه، واشتملت على كل مواضيعه ومسائله وأبوابه المتعددة، وقد بقيت هذه المؤلفات شاهد حق على حجم التطور الفقهي الذي حققه هؤلاء العلماء.

ومن أبرز تلك المؤلفات الفقهية موسوعة (الضياء) للعلامة سلمة العوتبي ـ رحمه الله تعالى ـ وبما أنه قد أوكل إليّ في هذه الندوة المباركة الكتابة عن هذه الموسوعة وموسوعة (الانتصار) للإمام يحيى بن حمزة ـ رحمه الله تعالى ـ المتوفى سنة (749هـ) فلا بد من الإشارة إلى أن الحديث أو الكتابة عن (الضياء) و(الانتصار) طويل ومتشعب بطول وتشعب هاتين الموسوعتين، وتعدد مسائلهما.

وفي حقيقة الأمر لا أجدني من خلال هذه الوريقات المتواضعة قد أوفيتهما حقهما، وإن كنت أرجو الله أن أوفق في إلقاء ـ ولو بعض الضوء ـ على هاتين الموسوعتين، ولعلها إن شاء الله تكون بداية لسلسلة يستكمل حلقاتها الباحثون والمختصون، وهي جهد المقل وليست أقل الجهد.

وقد اشتمل هذه البحث على ثلاثة فصول وخاتمة كالتالي:

الفصل الأوَّل: تناول التعريف بالموسوعيين الإمام يحيى بن حمزة، والعلامة المجتهد سلمة العوتبي، رحمهما الله تعالى، كما تطرق لبعض الحقائق عن الموسوعتين (الضياء) و(الانتصار).

أما الفصل الثاني: فقد تناول المنهج الذي اتبعه الإمام يحيى بن حمزة والعلامة العوتبي في موسوعتيهما.

والفصل الثالث: عبارة عن نماذج فقهية من الموسوعتين.

وأما الخاتمة: فتناولت بعض الاستنتاجات والتوصيات.

الفصل الأول: تعريف بالموسوعيين الإمام يحيى بن حمزة والعلامة سلمة العوتبي الصحاري وموسوعتيهما.

من هو الإمام يحيى بن حمزة؟:

هو الإمام المؤيد بالله يحيى بن حمزة بن علي بن إبراهيم بن يوسف.. ينتهي نسبه إلى الإمام علي بن أبي طالب t.

ولد سنة 669هـ، اشتغل بالعلم منذ نعومة أظفاره، فأخذ في جميع أنواعها، وتبحر في فنونها، حتى فاق أقرانه، وكان وحيد عصره وأوانه، ترجم لـه كثير من المؤرخين منهم، الشيخ الشوكاني، قال في كتابه (البدر الطالع) بعد إيراد مؤلفات الإمام يحيى بن حمزة ـ رحمه الله تعالى ـ: «وله غير ذلك من المصنفات الكثيرة، حتى قيل: إنها بلغت إلى مائة مجلد، ويروى أنها زادت كراريس تصانيفه على عدد أيام عمره، وهو من أكبر أئمَّة الزيدية بالديار اليمنية، وله ميل إلى الإنصاف، مع طهارة لسان وسلامة صدر، وعدم إقدام على التكفير والتفسيق بالتأويل، ومبالغة في الحمل على السلامة على وجه حسن، وهو كثير الذب عن أعراض الصحابة المصونة y وعن أكابر علماء الطوائف ـ رحمهم الله»([2]).

وقال الدكتور حسين عبد الله العمري: «الإمام يحيى بن حمزة أحد أعاظم أئمَّة اليمن، وأكابر علماء الزيدية، ولد بصنعاء، واشتغل بالمعارف الإسلامية من صغره، دعا لنفسه بالإمامة عقب موت الإمام المهدي محمَّد بن المطهر سنة 728هـ… أما كتبه ومصنفاته فكثيرة، ويروى أن كراريس تصانيفه زادت على عدد أيام عمره ولعل أجلها كتاب الانتصار في ثمانية عشر مجلداً»([3]).

وقال الأستاذ عبد الله محمَّد الحبشي: «الإمام المؤيد بالله يحيى بن حمزة بن علي، مولده سنة 669هـ، وحكمه سنة 729هـ، وفاته سنة 749هـ، من أجَلِّ حكّام اليمن وعظمائهم، ولد بصنعاء في 27 صفر، وحفظ القرآن، واشتغل بالمعارف الإسلامية من صغره، وصحب الإمام المتوكل على الله المطهر بن يحيى في حربه سنة 689هـ في جبل (اللوز) و(تنعم) من (خولان)، فقال الإمام المطهر: “في هذا الولد ثلاث آيات: علمُهُ وخطُّه وخلقُه”. ومن أجل شيوخه الإمام يحيى بن محمَّد السراجي، والفقيه عامر بن زيد الشماخ وغيرهما»([4]).

وله عدد من المؤلفات بلغت زهاء سبعين مؤلفاً، منها:

كتاب (الديباج الوضي في الكشف عن أسرار كلام الوصي) في ست مجلدات.

كتاب (الشامل لحقائق الأدلَّة وأصول المسائل الدينية).

كتاب (الجواب الرائق في تنـزيه الخالق).

كتاب (الانتصار الجامع لمذاهب علماء الأمصار).

كتاب (الحاوي لحقائق الأدلَّة الفقهية) وغيرها.

موسوعة (الانتصار):

أما كتابه الموسوعي الفقهي (الانتصار على علماء الأمصار في تقرير المختار من مذاهب الأئمَّة وأقاويل علماء الأمة) فيقع في ثمانية عشر مجلداً، وقد تبنت مؤسسة الإمام زيد بن علي ـ t ـ الثقافية رعاية وطباعة تراث هذا العلم الشامخ من أئمَّة الزيدية.

وكان منها كتابه (الانتصار) ثلاثة أجزاء كبار:

يقع الجزء الأول في (985) صفحة، والجزء الثاني في (863) صفحة، والجزء الثالث في (884) صفحة، وتحت الطبع ثلاثة أجزاء أخرى بتحقيق الأستاذين علي أحمد مفضل وعبد الوهاب بن علي المؤيد.

ومن المعروف أن كتاب (الانتصار) يعتبر من أكبر وأوسع كتب الفقه الزيدي على الإطلاق، يقول الدكتور/ حسين العمري: «يعتبر كتاب الانتصار من أعظم كتب الفقه عند الزيدية، بل لقد وصف بأنه لا نظير لـه في كتب المتقدمين والمتأخرين»([5]).

يقول الدكتور أحمد صبحي: «أما كتابه (الانتصار) في الفقه، فهو الينبوع الذي نهل منه (ابن المرتضى) فأخرج للناس (البحر الزخار) ثُمَّ تعاقبت من بعده المؤلفات لا في الفقه الزيدي فحسب، بل فقه مختلف الأمصار»([6]).

من هو العوتبي:

هو أبو المنذر سلمة بن مسلم بن إبراهيم الأزدي العوتبي الصحاري، والعوتبي نسبة إلى عَوْتب وهي منطقة في صحار.

يعد من أكبر علماء الإباضيّة في القرن الخامس الهجري، وبالرغم أن المصادر التاريخية العمانية لم تحدد تاريخاً محدداً لمولده ووفاته، فإننا نستطيع القول إنه عاش إلى أواخر القرن الخامس الهجري وأوائل القرن السادس الهجري، وهذا ما توصل إليه سماحة الشيخ العلامة الجليل أحمد بن حمد الخليلي ـ مفتى عام السلطنة ـ، وقد علل ذلك بقولـه: «وأرى أنه إن كان من علماء القرن الخامس فإن الزمن قد امتد به إلى القرن السادس، نظراً إلى ما وجدته في موسوعته (الضياء) من نقل عن حجة الإسلام الإمام أبي حامد الغزالي الذي عاش بين عام (405)هـ إلى (505)هـ ولا يمكن أن ينقل عنه في تلك الفترة التي لم تكن فيها وسائل النقل والنشر إلا بعد ما شاعت شهرة الإمام أبي حامد الغزالي، ولا ريب أن شيوع هذه الشهرة كان في القرن السادس الهجري»([7]).

كما أكد فضيلة العلامة أحمد بن سعود السيابي ـ أمين عام مكتب الإفتاء العماني ـ، أن العوتبي عاش في النصف الثاني من القرن الخامس الهجري، معللاً ذلك بقوله: «لأن من مصادره في كتاب “الأنساب” كتاب “جمهرة نسب العرب” لابن حزم الأندلسي المتوفى سنة 456 هـ.. إلى أن قال: «ولا شك أن كتابه وصل إلى العلامة العوتبي بعد ذلك الوقت، نظراً لبعد المسافة بين عُمان والأندلس»([8]).

وقد برز العلامة العوتبي بروزاً عظيماً، وأسهم في شتى فنون العلم والمعرفة، وله العديد من المؤلفاته، منها:

كتاب (الضياء): موسوعة فقهية يقع في أربع وعشرين مجلداً، قامت بطباعته وزارة التراث القومي والثقافة.

كتاب (الأنساب): في الأنساب والتاريخ.

رسالة عن المذهب الإباضيّ.

وصية لولديه (يحثهم) فيها على التمسك بالدين.

وقد قامت وزارة التراث القومي والثقافة بسلطنة عمان مشكورة بندوة خاصة عن هذا العالم الكبير، وذلك خلال الفترة من: 16 ـ 17 رجب 1416هـ، الموافق: 9 ـ 10 ديسمبر/1995م، شارك فيها كوكبة من العلماء، وأساتذة الجامعات، وقد ضمنت مقالات تلك الندوة في كتاب بعنوان (قراءات في فكر العوتبي الصحاري).

موسوعة (الضياء):

أما كتابه الموسوعي الفقهي (الضياء) فيقع في أربع وعشرين مجلداً طبعت وزارة التراث القومي والثقافة بسلطنة عمان معظمها.

يقول الشيخ العلامة الجليل أحمد بن حمد الخليلي ـ مفتي عام سلطنة عمان الشقيقة ـ: «وبالجملة فإن كتاب العوتبي “الضياء” جمع أبواب الفقه، بحيث يجد فيه الفقيه ما يغنيه، وما ذكر من ملاحظات عليه من قبل العلماء لا ينقص شيئاً قط من قيمته، فإن كل عالم مأخوذ من قوله ومردود عليه، إلا رسول الله e، وليس اختيار بعض أهل العلم كتاب (الضياء) لأجل المناقشة لما فيه من المسائل إلا من أجل أن هذا الكتاب ذو أهمية، ومكانته مكانة مرموقة بين كتب الفقه الإسلامي، ثُمَّ بجانب كونه كتاباً جامعاً لأبواب الفقه هو كتاب جامع لأقوال كثير من العلماء الذين يسوق أقوالهم.

وقد جاء سبكه سبكاً أدبياً رصيناً، وكما قلت فهو يتميز بما تتميز به مؤلفات المدرسة الرستاقية في قوة السبك، وبحسن العبارة، وبتآخي المسائل وترابطها»([9]).

الفصل الثاني: المنهج الذي اتبعه الإمام يحيى بن حمزة في موسوعته (الانتصار) والعلامة العوتبي في موسوعته (الضياء):

أولاً: المنهج المتبع في موسوعة (الانتصار):

قسّم الإمام يحيى بن حمزة كتابه (الانتصار) تقسيماً منهجياً رائعاً، فبدأ بمقدمة وتمهيد أوضح فيهما منهجه الأصولي في استنباط الأحكام، وفي آخر كتاب الحج([10]) من الجزء السابع وضح الأقسام التي اشتمل عليها الكتاب وهي: أربعة أقسام:

القسم الأوَّل: العبادات، واشتمل على ما كان قربة من الصلاة والزكاة والصوم والحج، والقسم الثاني: اشتمل على ما كان مألوفاً من العادات كالنكاح والطلاق والإيلاء والظهار وغير ذلك، والقسم الثالث: مشتمل على المعاوضات من البيع والشراء والإجارة والشفعة والفرائض وغير ذلك، والقسم الرابع: مشتمل على المعاملات للكفار والبغاة وأنواع الجهاد.

ولعلنا ندرك من خلال هذه الأسطر التي سطرها في مقدمة موسوعته الخطوات التي اتبعها في منهجه: قال ـ رحمه الله تعالى ـ « فلما أنجز الله العدة، وصدق الرجاء بتنفيس المدة، ابتدأت بتأليف هذا الكتاب فأجعله كتباً، ثُمَّ أضمن الكتب أبواباً، ثُمَّ أحشو الأبواب فصولاً، والفصول مسائل، فأذكر في كل مسألة من خالف فيها، وأورد لكل مجتهد حجَّته من الأدلَّة، ولم آل جهداً في تقرير كل مذهب من تلك المذاهب بدليله، وإيراد أحسن ما أجده في نصرته، وتقرير مقالته، حتى إذا أكملت المذاهب بأدلتها في المسألة ذكرت المختار من تلك المذاهب وقررته بحجَّته، وأوردت الانتصار بإبطال ما خالفه، فصار في سياقه مرتباً على مراتب ثلاث:

المرتبة الأولى: أن تكون المسألة قد وقع فيها خوض من أئمَّة العترة وفقهاء الأمة، وتكرر فيها النظر، وطالت فيها الخصومة، وحصل فيها النـزاع بينهم، وهذا هو الأكثر المطرد من جهة أن معظم المسائل قد خاضوا فيها، وأفتى كل واحد منهم على حسب ما يعن لـه من النظر ويقوى من الدليل الشرعي، وما هذا حاله من المسائل أذكر لكل واحد منهم دليله وأوضحه، ثُمَّ أشفعه بذكر المختار من تلك المذاهب، وأذكر ترجيحه على غيره من تلك المذاهب المذكورة.

المرتبة الثانية: أن لا يكون لأئمَّة العترة فيها قول، وللفقهاء فيها خوض، وما هذا حاله فهو مغفور قليل، ولا يعثر عليه إلا على جهة الندرة، بالإضافة إلى ما قد خاضوا فيه، فأذكر المسألة وأوضحها ببراهينها الشرعية لكل واحد من المخالفين، ثُمَّ أذكر المختار من تلك الأقاويل، وما أراه صالحاً للمذهب منها بمعونة الله، فأما ما كان مجمعاً عليه فأذكره، ثُمَّ أوضحه بحجَّته من غير زيادة.

المرتبة الثالثة: ما لا يكون لأئمَّة العترة ولا لعلماء الأمة فيها قول، وما هذا حاله فإنما يُعثر عليه في الندرة، ويوجد على جهة القلة، وهو أدخل في الندور من الذي قبله، وما هذه صفته فأذكر المسألة وأوضحها بالحجة الشرعية على حد ما أجده وأعثر عليه، فلما نزلته على هذه الهيئة، ورتبته على هذا الترتيب، وصار معتمداً في معرفة المذاهب وحجج التأويل، ووسيلة إلى تمييز الصحيح المختار من الأقاويل»([11]).

ثُمَّ بعد ذلك حدَّد المنهج الأصولي لكيفية إعمال المسائل الفقهية واستنباط أدلتها التفصيلية من خلال تمهيد قال فيه: «واعلم أن قبل الخوض فيما نريده من مقاصد الكتاب نذكر تمهيداً يشتمل على مقدمات خمس، تكون قاعدة لمهاده، وعوناً على إحراز أسراره ومراده، ولا غنى عنها لمن خاض في المسائل الفقهية وتكرر نظره في المذاهب الخلافية، وأكثر الكتب الفقهية خالية عنها، ونحن نوردها ونشرحها بمعونة الله تعالى، وكتابي هذا متميزٌ عن سائر الكتب المصنفة في هذا الفن بخصال لا تخفى على الناقد البصير، ويدري بمواقعها كل ألمعي نحرير»([12]).

ثُمَّ عدَّد المقدّمات الخمس وجعل لكلّ مقدمة مباحث وفصولا متعددة، والمقدمات الخمس هي:

المقدمة الأولى: في بيان ماهية الحكم وصحة نقل الأسماء.

المقدمة الثانية: في بيان المستند في تقرير أحكام الشريعة.

المقدمة الثالثة: في تصويب الآراء في المسائل الخلافية والأنظار الاجتهادية.

المقدمة الرابعة: في بيان ما يعرف به مذهب المجتهد وبيان الطريق إليه.

المقدمة الخامسة: في جواز التقليد للعوام في المسائل الخلافية.

يقول الدكتور رضوان السيد في تصديره لكتاب (الانتصار): «وقد أوضح منهجه في تقديمه الأصولي والتأصيلي، بحيث يمكن اعتبار موجزه التقديمي هذا في أصول الفقه رؤية تجديدية في بحوث الألفاظ كما في بحوث الأدلَّة والقواعد»([13]).

وما ذكره الدكتور رضوان السيد فهو عين الصواب، فالمتأمل لمقدماته الخمس التي جعلها منهاجاً لـه في كتابه (الاعتصام) يدرك ذلك جلياً واضحاً، وفيما يلي خلاصة مختصرة لمنهجه في موسوعته (الانتصار) وتشتمل على:

منهجه في تصنيف موضوعات الكتاب وترتيبها.

أسلوبه ولغته.

أولاً: منهجه في تصنيف موضوعات الكتاب وترتيبها:

ويشتمل على ثلاثة جوانب:

الجانب الأوَّل: العناوين الرئيسة.

الجانب الثاني: ذكر آراء المذاهب ومناقشة أدلتها.

الجانب الثالث: اختيار الأرجح والانتصار له.

فما يتعلّق بالجانب الأوّل فإنه يبدأ موضوعات الفقه وعناوينها على شكل كتاب، ثُمَّ يجعل من الكتاب عدة أبواب، ويجعل لكل باب عدة فصول ومسائل، ثُمَّ يورد التفريعات على كل مسألة، ويورد الفوائد المتعلقة بها.. وهكذا نجده يتدرج من الأعمّ إلى الأخصّ بأسلوب متين، قائم على قواعد منهجية موضوعية تتسم بالانسجام والالتقاء التام والترابط الفني فيما بينها، وعلى سبيل المثال: فهو يقول: “كتاب الطهارة” ثُمَّ يقول: “وهو مشتمل على مسائل خمس:

المسألة الأولى: في لفظ الطهارة.

المسألة الثانية: في بيان صفة الطهارة وشرح معانيها.

المسألة الثالثة: في بيان تقسيم الطهارات.

المسألة الرابعة: في بيان حكم الطهارة من النجاسات وهل تكون معقولة المعنى؟ أم لا؟

المسألة الخامسة: في بيان حكم الطهارة من الحدث، هل يعقل معناها في ذلك؟ أم لا؟»([14]).

وبعد أن يتوسع في كل مسألة من المسائل المذكورة، يقول: «فهذا ما أردنا ذكره من المسائل التي اشتمل عليها اللفظ في قولنا: “كتاب الطهارة” ونشرع الآن في الأبواب التي اشتمل عليها الكتاب مستعينين بالله وهو خير معين، وجملة ما يشتمل عليه من الأبواب عشرة»([15]) وعند عنونة الباب فإنه يبدأه بتمهيد، وعلى سبيل المثال قولـه: «الباب الأول في المياه، واعلم أن أنظار الفقهاء مختلفة في تقديم الأسبق من أبواب الطهارة في التصانيف، فمنهم من يقدم الكلام في آداب قضاء الحاجة؛ لأنَّ الطهارة إنما تقصد للصلاة، وأول ما يشتغل به الإنسان هو قضاء الحاجة ليحصل بعدها التطهير، وهذه طريقة المحدثين في كتب الأحاديث ويسمونه “باب التخلي” و”باب الاستطابة” ويعنون به قضاء الحاجة، ومنهم من يقدم الكلام في “الاستنجاء”؛ لأنَّ أول التطهير هو الاستنجاء وهو غسل الفرجين، وهذه هي طريقة السيد أبي طالب في (التحرير) وشروحه، ومنهم من يقدم الكلام في المياه؛ لأنَّ أعظم ما يقع به التطهر هو الماء من بين سائر المطهرات، وهذه هي طريقة أكثر الفقهاء، وهذا هو المختار»([16]).

ثم يذكر بعد ذلك التعليلات وما يتعلق بها، ولما وصل إلى آخر التمهيد قال: «فإذا تمهدت هذه القاعدة فلنذكر تقسيم الأمواء، ثُمَّ نردفه بذكر ما يجوز الوضوء به وما لا يجوز، ثُمَّ نذكر كيفية الاجتهاد عند الشك في طهارة الماء ونجاسته، ثُمَّ نذكر حكم الآنية في الاستعمال، فهذه فصول أربعة:

الفصل الأوَّل: في بيان تقسيم الأمواء، وهي منقسمة إلى: طاهرة، ونجسة، ومستعملة، فهذه ثلاثة أقسام»([17]).

ثُمَّ يفصل كلّ قسم بإسهاب، وهكذا في بقية الكتاب خصوصاً في أجزائه الأولى.

الجانب الثاني: ذكر آراء المذاهب ومناقشة أدلتها:

وعند إيراده لأي مسألة فقهية فإنه يلتزم بذكر مختلف الآراء الفقهية حولها مع ذكر أدلَّة كل رأي، ومثالاً على ذلك: قال عند تعداده لرواتب الصلوات الخمس:

«الراتبة الأولى: سنة الفجر والسنة فيها أن تصلى قبل المكتوبة لما روت حفصة عن رسول اللّه e، قالت: كان إذا سكت المؤذن من أذان الفجر صلى ركعتين خفيفتين قبل أن يقام للصلاة، وروت عائشة عن الرسول e (أنه) كان يصلي بين أذان الفجر وإقامته ركعتين. وروي عنها، قالت: كان رسول اللّه e يصلي في بيتي ركعتين بعد طلوع الفجر ثُمَّ يخرج فيصلي بالناس الفجر وهل تكونان من صلاة الليل أو من صلاة النهار فيه مذهبان:

المذهب الأوَّل: أنهما من صلاة الليل وتصليان عند طلوع الفجر الكاذب، وهذا هو رأي الناصر، ومحكي عن الباقر والصادق وعلي بن موسى الرضا والإمامية.

والحجة على هذا: ما روي عن رسول اللّه e أنه قال: «احشوهما في الليل حشواً» وفي حديث آخر: «دسوهما في الليل دساً». فظاهر هذين الخبرين يدل على أن وقتهما في الليل كما ذكرناه.

المذهب الثاني: أنهما من صلاة النهار، وهذا هو رأي الإمامين الهادي والقاسم، ومحكي عن الفريقين الشافعية والحنفية.

والحجة على هذا: ما روينا عن عائشة وحفصة من الأحاديث فإنها دالة على أنه كان يصليهما بعد طلوع الفجر، وروى أمير المؤمنين ـ كرَّم الله وجهه ـ عن رسول الله e، أنه كان يوتر عند الأذان، ويصلي ركعتي الفجر عند الإقامة.

والمختار: ما قاله الإمامان الهادي والقاسم.

والحجة ما قدمناه: ونزيد هاهنا وهو ما روى زيد بن علي عن رسول اللّه e أنه كان لا يصليهما يعني ركعتي الفجر، حتى يطلع الفجر، ويعتضد ما نقلناه من الأخبار بالقياس، وهو أنها نافلة تختص فرضاً فلا تفعل إلا في وقتها كنوافل سائر الفرائض.

الانتصار: يكون بالجواب عما أوردوه.

ثم يستطرد في مناقشة الأدلَّة التي وردت في المسألة قائلاً:

قالوا: روي عن رسول اللّه e أنه قال: «دسوهما في الليل دساً واحشوهما في الليل حشواً». وفي هذا دلالة على أنهما من صلاة الليل.

قلنا: عن هذا جوابان:

أما أولاً: فلأنه كان u يسفر بالفجر في أول الأمر ثُمَّ عاد إلى التغليس وقُبِض عليه، فالغرض صَلُّوهما في وقت يلي الليل. وهذا التأويل يجب قبوله لما فيه من الجمع بين الأخبار وتوفقةً بين الأدلَّة حذراً عن التناقض.

وأما ثانياً: فالأخبار التي رويناها راجحة على ما ذكروه لكثرتها ولتصريحها بالمقصود فلهذا كانت أحق بالقبول.

قالوا: هذه الأخبار التي رويتموها محمولة على الفجر الأول، وهو الفجر الكاذب، وعلى هذا يكون موافقة لما قلناه.

قلنا: هذا فاسد لأمرين:

أما أولاً: فلأن السابق إلى الفهم عند إطلاق اسم الفجر إنما هو الفجر الصادق المنتشر عرضاً وبه تتعلق الأحكام الشرعية، دون الفجر الكاذب المستطيل فلا يجوز حمله عليه.

وأما ثانياً: فلأنه لا يطلق اسم الفجر على الفجر الأول لا لغة ولا شرعاً ولا عرفاً، وقد بين e الفجر وحدَّه فيجب حمل خطابه الشرعي على ما بينه من جهة الشرع»([18]).

يقول الدكتور رضوان السيد في تصديره لكتاب “الانتصار”: «طالعت أجزاء مختلفة من “الانتصار” في مكتبة الجامع الكبير بصنعاء، وصورت بعضها، إضافة لمصوّرة الجزء الثامن عشر، وقد ظهر لي وأنا أكتب هنا من الذاكرة إذ لم أعد لمصوّرات “الانتصار” منذ العام 94م، أن الإمام يحيى بن حمزة محيط بسائر المذاهب الفقهية (السنية على الخصوص) بالإضافة طبعاً إلى معرفته التامة باجتهادات علماء أهل البيت، ولكنه في نقوله لآراء تلك المذاهب يعود في الدرجة الأولى إلى كتب الاختلاف الفقهي لدى أولئك.. الطحاوي الحنفي، وإمام الحرمين الشافعي، وابن عقيل وابن الجوزي الحنبليين، والقاضي عبد الوهاب المالكي، والمحلى لابن حزم الظاهري، أما فقهاء العترة فيكثر من الاستشهاد بالإمام الهادي (كتاب الأحكام على الخصوص) ومجتهدي الجامع الكافي، والسيدين أبي طالب والمؤيد»([19]).

الجانب الثالث: اختيار الأرجح والانتصار له:

لقد اتسم الإمام يحيى بن حمزة بالإنصاف والاعتدال والتواضع الجم في عرضه للآراء الفقهية، فهو يورد الآراء ويذكر أدلَّة كل رأي بأمانة وإنصاف، ثُمَّ يقول: «والأرجح أو المختار» ولو كان الأرجح أو المختار مخالفاً لأئمَّة الزيدية لأخذ به، فقد يكون الأرجح في بعض المسائل قول الشافعية، وفي البعض الآخر قول الحنفية.. وهكذا، وهذه سمة من سمات المذهب الزيدي، فهو يحرم التقليد على كل مجتهد قادر على استنباط الأحكام الشرعية عن أدلتها التفصيلية، وقد سبق وأوضحنا أن الإمام يحيى بن حمزة وضع تمهيداً في بداية كتابه (الانتصار) اشتمل على منهجه الأصولي في كيفية التعامل مع مسائل الفقه، فما طابق المنهج اعتمده وقرره بأدلته، وقد ذكر الكاتب عبد الوهاب المؤيد أمرين مهمين حول اختيارات الإمام يحيى بن حمزة وترجيحاته: «ومن المفيد التأكيد على أن الإمام يحيى بن حمزة t في كتابه (الانتصار) جمع في الاستدلال على صحة اختياراته وترجيحاته بين صريح العقل وصحيح النقل»([20]) وهذا الأسلوب ـ أيضاً ـ اتبعه العلامة العوتبي في بعض المسائل الفقهية في كتابه (الضياء) كما سيأتي.

ثانياً: الأسلوب واللغة:

الإمام يحيى بن حمزة بلاغي ولغوي ونحوي من الطراز الأول، وله عدة مؤلفات في اللغة منها: (الأزهار الصافية شرح مقدمة الكافية)، (الطراز المتضمن لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز)، (الحاصر لفوائد المقدمة في حقائق الإعراب)، (الاقتصاد في النحو)، (المحصل في كشف أسرار المفصّل).

يقول الدكتور أحمد محمود صبحي مادحاً الإمام يحيى بن حمزة مؤلف موسوعة (لانتصار): «فإن يحيى بن حمزة قد بلغ الذروة في البلاغة والفقه»([21]).

ولا شك أن من كانت هذه حالته فإن تعمقه اللغوي والبلاغي لائح على مؤلفاته، وخصوصاً موسوعته (الانتصار) ومن الأمثلة على ذلك:

مسألة الخلاف في مسح كل الرأس في الوضوء من حيث دلالة صيغة آية الوضوء ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾([22]). هل توجب الآية الكريمة مسح كل الرأس أم بعضه؟ فذهب جمهور الفقهاء تقريباً إلى الدلالة على البعضية، بحجة أن (الباء) في «بِرُءُوسِكُمْ» تأتي في مثل هذا المكان للتبعيض، وتدل عليه في دلالتها ومعناها اللغويين، وعارض المؤلف هذا القول رأياً وتفسيراً، وذهب يعرض أوجه الاستدلال ضد مخالفيه بطريقة شيقة، بقدر ما هي شاملة وعميقة، ومقنعة وواضحة، في أوجه ثلاثة:

أولها: أن الباء تأتي للإلصاق، وهو معناها الأصلي الذي يجب الرجوع إليه؛ فهي تعني عكس ما ذهب إليه مخالفوه، وهو إلصاق المسح بكل جزء من الرأس.

ثانيها: استشهد بابن جني، وهو واحد من أبرز فلاسفة اللغة العربية والمجددين في علومها.. وأورد رأي ابن جني الذي قال فيه: «ومن زعم أن الباء للتبعيض فشيء لا يعرفه أهل اللغة، ولا ورد في شيء من كلام العرب منظومه ولا منثوره».

وثالثها: أورد المؤلف قاعدة في غاية الدقة والأهمية، ومفادها: أن الباء في «بِرُءُوسِكُمْ» تدخل على المفعول به لغرض التعميم لا التبعيض، ذلك أن الفعل إذا كان متعدياً بنفسه فله حالتان:

الأولى: إذا جاء دون تعديته بالباء في مثل: مسحته، فإنه هنا يفيد التعميم والتخصيص.

والثانية: إذا جاء مع الباء في مثل (مسحت به) فإنه لا يفيد إلا التعميم؛ لأنَّ الفعل المتعدي بنفسه لا يحتاج إلى الباء لغرض التعدية، ولكن لتفيد معنى جديداً هو التعميم.

ثم يؤكد بأن (باء التبعيض) لم ترد في القرآن الكريم على الإطلاق.

وكما أثبت القاعدة السالفة في القرآن الكريم بعدم وجود الباء للتبعيض فيه أثبت قاعدة مماثلة أخرى في القرآن، وهي عدم وجود العطف على المحل، وذلك في تفسير آية الوضوء في: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ منصوبة، بأن نصبها ليس عطفاً على المحل في: «بِرُءُوسِكُمْ» بفعل «وَامْسَحُوا» فهو يرى أن (.. الظاهر من قراءة النصب هو الغسل من غير تأويل، والظاهر من قراءة الجر هو المسح من غير تأويل، ولا تعارض بين القراءتين ولا تنافي بينهما..).

ثم يقول: «وطريقة الجمع بينهما، هو أن النصب في الأرجل إنما كان على طريقة العطف على الأيدي»، وذلك بالفعل «فَاغْسِلُوا» من قولـه تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوا﴾([23]). ثُمَّ يمضي في توضيح القاعدة والفصل بين المعطوف والمعطوف عليه شائع أو (سائغ) كما قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾([24]). وإنما عطف المسجد الحرام على الشهر الحرام؛ لأنَّ توجه السؤال إنما كان عن القتال فيهما..».

ولذلك فإن عطف المسجد الحرام كما يقول على “عن سبيل الله” غير جائز لمجيء التعاطف في الجواب، طبقاً لتوجه السؤال([25]).

يقول أحد محققي كتاب (الانتصار) الأستاذ عبد الوهاب المؤيد: «وفي الأسلوب العام في لغة الكتاب ميزات ثلاث:

أولاها: الأسلوب العام لعصره ومدرسته من ميل إلى الجزالة في اللفظ، والاهتمام بجمال التعبير وبلاغة القول.

ثانيتها: تميز المؤلف بأن أسلوبه في جزالة لفظه وبلاغة تعبيره، يأتي مقروناً بأسلوب العالم الحصيف في اختيار مفرداته، بحيث يستوعب ويستفرغ توظيف كل منها معناها الكامل، وأن يظهر جمال التوظيف وبلاغة التعبير ضمن سياق متسق ومتناغم، وسهولة ظاهرة وراقية وبعيدة عن الهبوط، قد بعدها عن أي تعقيد أو تكلف.

ثالثتها: قصر الجمل المتتابعة في السياق، مع قدرة فيها على دقة التعبير واستيعاب المعاني المقصودة بما تفيده مباشرة وإيحاء وتصريحاً وإشارة، منطوقاً ومفهوماً. إلى جانب سرعة تناولها للموضوعات الكبيرة والصغيرة والأصلية والفرعية، وما يترتب عليها من دقائق وتنبيهات وفوائد، وتوخي احتمالات وتساؤلات واردة، وتوقي أية ثغرات أو شروخ أو تجاوز قد يحدث أو يحتمل حدوثه أو يفهم احتماله»([26]).

ثانياً: المنهج المتبع في موسوعة (الضياء):

الحقيقة أن هنالك مجموعة من القواسم المشتركة بين موسوعتي (الضياء) و(الانتصار)، وقد حاولت إيضاحها قدر الإمكان في خاتمة هذا البحث، ولا بد من الإشارة هنا إلى المنهج الذي اتبعه العلامة سلمة العوتبي في موسوعته (الضياء) كما أوضحنا ـ سلفاً ـ المنهج الذي اتبعه الإمام يحيى بن حمزة في موسوعته (الانتصار).

يمكننا الكلام عن منهج العلامة سلمة العوتبي من خلال ما يلي:

منهجه في تصنيف موضوعات موسوعته، وترتيب أبوابها.

أسلوبه في عرض المسائل الفقهية.

أولاً: منهجه في تصنيف موضوعات الكتاب:

ويشتمل على ثلاثة جوانب:

الجانب الأوَّل: العناوين الرئيسة والموضوعات المطروقة.

الجانب الثاني: طريقة عرض الموضوعات.

الجانب الثالث: كيفية عرضه للآراء.

فأما ما يتعلق بالجانب الأوَّل:

فإن العلامة العوتبي جمع في موسوعته أربعة فنون من فنون العلم والمعرفة، وهي:

الفن الأوَّل: أصول الدين، ويقع في الثلاثة الأجزاء الأول.

الفن الثاني: أصول الفقه، ويقع في بداية الجزء الثالث.

الفن الثالث: الأخلاق (تهذيب النفوس) ويقع في الجزء الرابع.

الفن الرابع: الفقه، ويقع في بقية الأجزاء.

وتقسيمه هذا يذكرني بتفسير أحد أئمَّة الزيدية الإمام القاسم بن إبراهيم ـ رحمه الله ـ المتوفى سنة (246هـ) لقول الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾([27]).

قال: العبادة تنقسم إلى ثلاثة أقسام: الأوَّل: معرفة الله تعالى، والثاني: معرفة ما يرضيه وما يسخطه، الثالث: اتباع ما يرضيه واجتناب ما يسخطه([28]).

والعلامة سلمة العوتبي ـ رحمه الله تعالى ـ جمع هذه الثلاثة الأقسام في موسوعته (الضياء) وكأن لسانه حاله يقول: إنَّها لا يمكن أن تستقيم العبادة والمعاملة إلا بعد معرفة الله تعالى معرفة صحيحة تليق بجلاله، بعيدة عن التجسيم والتشبيه، قال ـ رحمه الله تعالى ـ في مقدمة موسوعته حاكياً عن حرصه على إدخال ما يستطيع من فنون العلم في موسوعته: «فلو استطعت أن أجمع كل العلوم في هذا الكتاب لفعلت، لكن ذلك ما لم يكن لمتقدم، ولا يكون لمتأخر، فهو وإن كان كبيراً فبالقياس لغيره يكون صغيراً، وقد جمع ما تفرد في سواه، وهو مع ذلك بحمد الله مهذب التصنيف مصوب التأليف»([29])، وقد تناول موضوع العلم والمعرفة في الجزء الأول، فخصه بأبواب متعددة بلغت ثمانية عشر باباً.

تكلم في التسعة الأبواب الأولى عن فضل العلم وأهميته والحث عليه، وذكر مراتب العلماء وأحوالهم، مرتبة كما يلي:

الباب الأوَّل: في بسم الله الرحمن الرحيم.

الباب الثاني: في العلم.

الباب الثالث: في الحكمة.

الباب الرابع: في مدح العلم وتفضيله.

الباب الخامس: في ذم الجهل وتضليله، وكثرة أهل جيله.

الباب السادس: في العقل.

الباب السابع: في تفضيل العلماء وإعظامهم وتبجيلهم وإكرامهم.

الباب الثامن: في مراتب العلماء وأحوالهم وما جاء في أقوالهم وأفعالهم.

الباب التاسع: في الحث على العلم وتعليمه.

ثم تدرج بأسلوب شيق إلى أطراف العملية التعليمية معلماً ومتعلماً ووسيلة، فخصها بالتسعة الأبواب الأخرى، وهي:

الباب العاشر: في آداب العلماء.

الباب الحادي عشر: فيما يجب على العلماء في التعليم.

الباب الثاني عشر: في ما يجب على المتعلم لمعلمه، وما يؤمر به من الآداب.

الباب الثالث عشر: في آداب المسؤول والسائل والفتيا، والجواب عن المسائل.

الباب الرابع عشر: في صفة المستحق عن السؤال في الحلال والحرام.

الباب الخامس عشر: في الدرس والمذاكرة والمراء والمناظرة.

الباب السادس عشر: في التقليد.

الباب السابع عشر: في ذهاب العلم وطالبيه وانقلاب الأحوال بأهليه، وزهادة أهل الوقت فيه.

الباب الثامن عشر: في المتعلم وما لـه وما عليه من التعليل والتحليل والتحريم.

ثم خصص: الباب التاسع عشر: في التكليف، ثُمَّ بعد ذلك ابتدأ من الباب العشرين في الكلام عن رأس العلم وهو (علم أصول الدين) مفتتحاً إياه بقسم التوحيد وما يتعلق به من الأسماء والصفات، كالتالي:

الباب العشرون: في التوحيد.

الباب الحادي والعشرون: في الأسماء.

الباب الثاني والعشرون: في أسماء الذات وأسماء الصفات.

الباب الثالث والعشرون: في التوحيد.

وتدرج في إيضاح مسائل أصول الدين في الجزء الثاني، وضمنه الأبواب التالية:

باب فيما يجوز من الصفات حقيقة ومجازاً.

باب في ما لا يجوز من الصفات.

باب في نفي الرؤية.

باب في قول: (لا إله إلا الله).

باب في الرزق وطلب المعيشة.

باب في أحكام القرآن.

باب في المحكم والمتشابه.

باب في الأوأمر والنواهي.

باب في الأخبار عن النبيّ e.

باب في شيء من الأخبار.

باب فيما لا يسع جهله.

باب فيما يسع جهله.

وفي الجزء الثالث تناول التفريق بين الأصول والفروع، ثُمَّ عقد باباً في القياس وهو ما يتعلق بأصول الفقه، ثُمَّ بعد ذلك تكلم عن المصطلحات المتعلقة بأصول الدين، وهي:

باب في الدين.

باب في الإيمان والإسلام.

باب في مؤاخاة أهل التقوى.

باب فيما يجوز للمسلم على المسلم.

باب في الولاء والبراء.

باب في الشرك والمشرك.

باب في الكفر والكافر.

باب في النفاق والمنافق.

باب في الفسق والفاسق.

باب في الظلم.

باب في الفجور.

باب في الإثم والوزر.

باب في الهدى والضلال.

باب في المرتد.

باب في أهل الذمة.

باب في أطعمة أهل الكتاب وغيرهم.

باب في الجزية.

باب في اختلاف الفرق والمذاهب.

باب في اختلاف الناس في المقالات.

وفي المجلد الرابع تناول فقه الباطن (تزكية النفس وطهارتها وضرورة إخلاص العمل لله U) وعقد لـه تسعة وأربعين باباً، اشتملت على الكبائر وكيفية التوبة منها، وحقوق الوالدين والجيران والأرحام وحق المسلم على أخيه المسلم وحق اليتيم وشكر النعم، وما يجب أن يكون عليه المسلم من الصدق والوفاء والتوبة والإخلاص والصلة بالله تعالى.

وبعد أن اطمأن على سلامة عملية التعليم بأطرافها الثلاثة، وضرورة فهم العقيدة الصحيحة وطهارة الباطن ابتدأ بالكلام في الجزء الخامس عن أبواب الفقه باباً باباً، مبتدأ بـ(باب القبلة) و(السترة)، ثُمَّ جعل الباب الذي يليه عن (المساجد وأهميتها) وما هي الكيفية التي يجب أن تكون عليها، والآداب الخاصة بها، والباب الذي يليه في (الأذان وكيفيته) ثُمَّ ابتدأ أبواب الصلاة وما يتعلق بها، وخصص لها سبعة وأربعين باباً.

وفي المجلد السادس تناول موضوع الزكاة والصيام، وخصص لهما اثنين وخمسين باباً، وفي المجلد السابع تناول موضوع الحج وأركانه وأحكامه، وفي الجزء الثامن، لعله تناوله موضوع النكاح ومتعلقاته؛ لأنَّه لم يتيسَّر لي الاطّلاع عليه، وفي الجزأين التاسع والعاشر تناول موضوع الطلاق والحضانة وما يتعلق بهما، وفي الجزء الحادي عشر، والثاني عشر، والثالث عشر تناول موضوع القضاء والأحكام وكيفية معاملة الناس، وفي الجزء الرابع عشر استطرد في ذكر ما يتعلق بالبيع والشراء من الأحكام، وما يتعلق بالطرقات وفض المنازعات، وفي الجزء الخامس عشر تناول موضوع الديات وأنواعها وكيفية إقامة مجلس القضاء فيها، وفي الجزء السادس عشر تناول موضوع الفرائض والإرث والوصايا، وفي الجزء السابع عشر والجزء الثامن عشر تناول موضوع التجارة والشراكة وما يتلعق بهما. وأما بقية الأجزاء الستة الأخيرة، فلم يتيسر لي الاطّلاع عليها.

وعموماً: فإن المتأمل لموسوعة الضياء يجد أنها اشتملت على مسائل أصول الدين، ومسائل علم الباطن، ومسائل الفقه بأنواعه الثلاثة: عبادات، كالصلاة والصيام والحج والزكاة، ومعاملات، كالنكاح والطلاق والإيلاء والظهار، ومعاوضات، كالبيع والشراء والإجارة والشفعة وغير ذلك.

الجانب الثاني: طريقة عرض الموضوعات:

وطريقة عرضه للموضوعات طريقة مترابطة متماسكة، فهو في البداية يضع باباً ثُمَّ يفرع منه فصولاً، ومن الفصول مسائل، ويفتتح الباب أو الفصل أو المسألة في الغالب بآية أو حديث تدلان على الموضوع الذي يتناولـه، وعلى سبيل المثال: «باب في صفة الصلوات عند القيام إليها، وما يستحب للمصلي من الأفعال فيها ـ إن شاء الله ـ قال الله تبارك وتعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ، الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾([30]).

قيل: «كان النبيّ e إذا صلَّى رمى ببصره نحو السماء، ويقال نحو القبلة، فلما نزل: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ، الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ رمى ببصره نحو قدميه إلى أن مات، واختلف في الخشوع، فعن ابن عباس أنه قال: “خاشعون خائفون ساكنون”»([31]).

وهكذا يستمر في شرح الخشوع والسكون وكيف يجب أن يكون، ثُمَّ يفتتح أحكام الصلاة فيقول: «مسألة: فإن أراد المصلي الصلاة صف قدميه، وجعل بينهما مسقط نعل في عرضها، وإن كان أقل أو أكثر فلا بأس، وأرسل يديه إرسالاً في قيامه، وبهذا قال جماعة من أهل العلم، منهم الحسن، وابن الزبير، والنخعي، فأما وضع اليمين على الشمال في الصلاة فلا نعرفه، وفيه بين القائلين به أيضاً اختلاف في صفته»([32]).

وهكذا يتدرج في إيضاح المسائل المتعلقة بالأبواب برسوخ وغزارة علم، يقول سماحة الشيخ العلامة أحمد بن حمد الخليلي متحدثاً عن رسوخ قدم العلامة العوتبي في الفقه: «أما الفقه فإن الرجل كان فيه راسخ القدم واسع الاطّلاع، فهو ينقل عن شتى المذاهب الإسلامية، حيث ينقل قل كل شيء عن الرسول e عندما يورد الأحاديث في معرض الاحتجاج في الأقوال التي يرجحها أو الاحتجاج بالأقوال الأخرى، حتى الأقوال التي يوردها يذكر أدلتها أيضاً من حديث الرسول e بجانب ذكر الآيات القرآنية، ثُمَّ يورد أقوال الصحابة، وأقوال التابعين، وأقوال علماء الأمصار، ويورد ـ أيضاً ـ أقوال أئمَّة المذهب خاصة»([33]).

الجانب الثالث: كيفية عرضه للآراء:

من الفوارق بين موسوعة (الانتصار) وموسوعة (الضياء) أن مؤلف الأولى الإمام يحيى بن حمزة يذكر آراء المذاهب وأدلتها ومناقشتها، أما مؤلف الثانية العلامة سلمة العوتبي فيكتفي بعبارة: “ويرى بعضهم”، أو “قال بعضهم”، أو “ذكر بعضهم”؛ لأنَّ غرضه هو ذكر الفقه الإباضيّ وتقرير أدلته، وقد أشار إلى هذا في مقدمته قائلاً: «فهذا كتاب دعاني إلى تأليفه وحداني إلى تصنيفه ما وجدت من دروس آثار المسلمين، وطمس آثار الدين، وذهاب المذهب ومتحمليه، وقلة طالبيه ومنتحليه، فرأيت الإمساك عن إحيائه مع القدرة عليه ووجود السبل إليه ذنباً وشؤماً»([34]).

فهذا الكلام وأمثاله لا يصدر إلا عن العلماء المخلصين، الذين غرضهم الله رب العالمين، ومنهم هذا العالم.

وبالنسبة للمعتمدين في نقولات المسائل الفقهية من علماء المذهب الإباضيّ فهو ينقل عن أبي محمَّد عبد الله بن محمَّد بن بركة بواسطة محمَّد بن أحمد بن غدانة، وعن أبي عبد الله محمَّد بن الحسن، وعن الفضل بن الحواري، وعن أبي قحطان، وعن أبي سعيد، وعن هاشم بن غيلان، وعن محمَّد بن روح، وعن أبي عبد الله محمَّد بن محبوب، وينقل عن جابر، وأبي عبيدة، والربيع، ووائل، وأبي مودود، وأبي غسان.

يقول الشيخ العلامة أحمد بن حمد الخليلي متكلماً عن العلامة العوتبي: «فهو ينقل عن جابر وأبي عبيدة، والربيع، ووائل، وأبي مودود، وأبي غسان مخلد بن العُمُرُّد، وأبي حاتم بن أبي مودود، وينقل أيضاً عمن بعدهم عن محبوب بن الرحيل، ومحمَّد بن محبوب، وبشير بن محمَّد بن محبوب، وعن موسى بن أبي جابر، وموسى بن علي، وعلي بن عزرة، والأزهر بن علي، ومحمَّد بن علي، وعن أبي المؤثر، وأبي قحطان، وعن ابن جعفر، وعن غيرهم من العلماء، كما أنه ينقل عن المدرستين اللتين جاءتا بعد عزل الإمام الصلت بن مالك، واللتين سميتا بالمدرسة الرستاقية والمدرسة النـزوانية، حيث ينقل عن هذه المدرسة وتلك، مع كونه منتمياً إلى المدرسة الرستاقية»([35]).

وقد ذكر سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي أن للإمام أبي نبهان جاعد بن خميس الخروصي تعقبات على موسوعة الضياء، وهي في مجملها لا تنقص شيئاً من قدرها([36])، ومؤلف (الضياء) نفسه قد اتسم بالتواضع الجم، فقد ذكر في مقدمة موسوعته قوله: «فألفته على ضعف معرفتي ونقص بصيرتي وكلة لساني وقلة بياني، طالباً للأجر لا للفخر، وللتعلم لا للتقدم، وللدراسة لا للرئاسة، غير مدع للعلوم تصنيفاً، ولا مبتدع للفنون تأليفاً، لكن لأحيي به نفساً، وأفزع إليه أنساً، وأرجع إليه فيما أنسى»([37]).

ثانياً: اللغة والأسلوب:

أما اللغة فإن العلامة سلمة العوتبي ينتمي إلى المدرسة الرستاقية وهي معروفة في المذهب الإباضيّ برسوخ القدم في علوم العربية والأدب، يقول سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي: «فإننا نسجل بأن المدرسة الرستاقية ـ وإن نسب إليها ما نسب من التشدد والغلو وعدم التسامح ـ إلاّ أن باعها في علوم العربية بل وفي علوم أصول الفقه كان أفضل، وهذا ظاهر في آثارها العلمية والآثار هي خير الشواهد، بل أصدق الشواهد التي تكشف الحقيقة وتدل على الواقع»([38]).

وقد قام الدكتور عبد الحفيظ محمَّد حسن بدراسة عن لغة العوتبي وأسلوبه في كتاب (الضياء) وذكر عدداً من الشواهد الدالة على تضلع العلامة العوتبي في مجال اللغة والأدب، ومنها المقابلة بين الألفاظ كمقابلته بين الأصل والفرع في قولـه معرفاً الأصل والفرع: «الأصل ما عرف به حكم غيره، والفرع ما عرف حكمه بغيره، وقيل: الأصل مقدمة العلم، والفرع نتيجة، والواجب على من أراد الفقه أن يعرف أصول الفقه وأمهاته، فيكون بناه على أصول صحيحة، ليجعل كل حكم في موضعه ويجريه على سنته، وليستدل على معرفة ذلك بالأدلَّة والاحتجاجات الواضحة؛ لأنَّه لا يسمَّى العلة دليلاً، ولا الدليل علة، والحجة علة، وليفرق بين معاني ذلك ليُعلم افتراق حكم المفترق واتِّفاق المتفق»([39]) ومنها توظيف المعنى اللغوي في الاستدلال على المعنى الفقهي، كقولـه: «فالخمرة تحريمها بكتاب الله تبارك وتعالى في قولـه: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾([40]). ويدل على ذلك: قول الشاعر:

شربت الخمر حتى ضلّ         عقلي           كذاك الإثم يذهب      بالعقول([41])

ومنها: الاستعانة بالمعنى اللغوي لغرض الوصول إلى المعنى الفقهي كقوله في تعريف الصلاة: «الصلاة من طريق اللغة الدعاء، قال الله جل ذكره: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾([42])، أي ادع لهم، وقوله تعالى: ﴿وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ﴾([43])، أي دعاء الرسول»([44]). ويورد بعد ذلك الأدلَّة العقلية والنقلية والاستشهادات الشعرية.

ومنها شرحه لبعض مفردات الكلمات الواردة في النصوص المستشهد بها، كقوله في تفسير (شطر) عند استشهاده بقول الله تعالى: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَام﴾([45])، وهذا ليس بغريب على العلامة سلمة العوتبي فله مؤلف بأكمله في المعاجم اللغوية بعنوان (الإبانة).

وأما ما يتعلق بالأسلوب فسأكتفي بما أورده الدكتور عبد الحفيظ محمَّد حسن في دراسته عن كتاب (الضياء) حيث قال:

«إذا انتقلنا إلى البحث في أسلوب كتاب (الضياء) وجدنا أن للعوتبي مناطق نحوية كثيرة يتحرك فيها، من حيث التقديم والتأخير، والذكر والحذف، والإيجاز والإطناب، والإيضاح والإبهام، ومن حيث التصريح والتضمين، وغير ذلك مِمَّا يكون له أثر في الدلالة.

فهو في بعض الأحيان ينتهك النظام اللغوي ويخرج على مألوفه، أو يكرر ألفاظاً بعينها من المنبهات الفنية، بما يجعل لذلك دوراً بارزاً في الدلالة.

أما من ناحية بناء العبارة فإن أسلوبه محكم البناء، تأخذ فيه الألفاظ بعضها بعجز بعض، وتتآلف وتلتحم التحاماً قوياً، حتى لا يوجد بين أجزاء الكلام تنافر. يقول ـ مثلاً ـ في تعريف الإسلام والكفر:

«وإجمالاً الإسلام في كلمة واحدة، طاعة الله U، وفي كلمتين: طاعة الله U وطاعة رسوله e، وفي ثلاث: القول والعمل والمعرفة؛فالقول الإقرار باللسان، والمعرفة بالقلب، والعمل بالأبدان».

ثم أوضح العوتبي الجانب المقابل لهذه الصورة، ليحدث ذلك التوازن الذي يتميز به أسلوبه، فعرف الكفر بقوله: «وإجمالاً الكفر في كلمة واحدة: معصية الله، وفي كلمتين: معصية الله ومعصية رسوله. والذي دعا إليه الخلق ثلاثة أشياء: أن يشهدوا لـه بالربوبية، ويخضعوا لـه بالعبودية، ويدينوا لـه بالطاعة والتوحيد وحجة الله في الأرض العقل والاستطاعة والكتاب والسنة والرسل، والدليل على الحق الهدى والرسل والميثاق والإجماع. وأربع لولاهن لهلك الناس جميعاً هن: الوقوف، والرخصة، والتوبة، والتقية»([46]).

تعريف الكفر يقابل تعريف الإسلام، ويتوازن مع جملة، ويتضمن كل تعريف على حده إجمالاً ثُمَّ تفصيلاً، وقد برزت عند العوتبي ظاهرة المزج بين الفقه واللغة، حيث جاء تفصيله لما أجمل على مراحل بدقة وإحكام، وتعريف الإسلام بأنه “طاعة الله U” فيه إيجاز وقصر، حيث طاعة الله U تتضمن طاعة رسوله e وتتضمن كذلك الإيمان والعمل، فالإيمان بالقلب، والعمل قول باللسان وعمل بالأبدان.

وفي مجال تعريف الإسلام أردف لفظ الجلالة بجملة “U” وقد ناسب ذلك الحديث عن موقف الطاعة أن يكون الله هكذا في قلوب المطيعين، وكذلك أوردت جملة “e” بعد كلمة رسوله.

أما في مجال الحديث عن الكفر والكافرين فلم يورد هذه الجمل، وقد ناسب ذلك موقف الكافرين من معصية وجحود.

وفي تعريفه للكفر توازنت الجمل مع تعريف الإسلام في المرحلتين الأولى والثانية، ولكنه في المرحلة الثالثة انحرف عن الخط الذي سار عليه، وخرج على ذلك التوازن فناسب ذلك ما في الكفر من انحراف. ومن ناحية أخرى جاء أسلوبه طبيعياً غير متكلف، فلم يتعسف ذلك التوازن، فأثار القارئ، ونبه بكسر تلك الرتابة.

ولكنه أبقى على الرقم “ثلاثة” في هذه المرحلة الثالثة ليحتفظ بذلك الخيط الذي يرتبط بين الجانبين فقال: «والذي دعا إليه الخلق ثلاثة أشياء: أن يشهدوا له بالربوبية، ويخضعوا له بالعبودية، ويدينوا له بالطاعة والتوحيد».

وكما أراد العوتبي أن تتضمن المرحلة الثالثة من تفصيل تعريفه للكفر ما يبين جحود الكافرين وضلالهم وعصيانهم.

وفي عبارة العوتبي إطناب عن طريق الإيضاح بعد الإبهام، فقد جاء المعنى مجملاً مبهماً في الجملة الأولى، فتشوقت نفس المتلقى إلى معرفته على سبيل التفصيل والإيضاح، فإذا جاء المعنى مفصلاً بعد ذلك «تمكن في النفس أفضل تمكن، وكان شعورها به أتم شعور، ولذتها بالعلم أكمل»([47]).

ومن ذلك ـ أيضاً ـ قوله: «وأربع لولاهن لهلك الناس جميعاً، هن: الوقوف، والرخصة، والتوبة، والتقية».

تقديم الخبر في الجملتين، وذلك للاهتمام به، وهو الأولى: “حجة الله في الأرض”، وفي الثانية “الدليل على الحق”، وناسب تأخير المبتدأ أن تتوالى المعطوفات بعده في الحالين.

ومن الإطناب أو الإجمال والتفصيل قولـه: «قال أصحابنا: الكفر كفران: كفر جحود، وكفر نعمة، وكفر الجحود هو الكفر بالتنزيل، وكفر النعمة هو الخطأ في التأويل مِمَّا تصيبه الناس ديناً وادعوا أنه الحق في مخالفتهم، فهم عندنا بذلك ضلال هالكون، إلا أن يتوبوا ويراجعون الحق»([48]).

جاء الكلام مجملاً مبهماً في قولـه: «الكفر كفران»، ثُمَّ فصل ذلك وأوضحه بالكلام الذي جاء بعده، وهذا اللون هو ما دعاه البلاغيون بـ”التوشيع”([49]): وهو أن يؤتى في عجز الكلام ـ غالباً ـ بِمثنى، مفسر باسمين، أحدهما معطوف على الآخر.

ثم أورد العوتبي القول المخالف لقول أصحابه في أدب وتواضع، ودون طعن أو تجريح أو تشهير وتسفيه، وإنما اكتفى بإيراد الأدلَّة النقلية والعقلية على صحة قول أصحابه، يقول: «وأنكر مخالفونا قول أصحابنا في كفر النعمة، وقولهم: إن الكفر كفر واحد وهو كفر الجحود، والله يوفقنا للصواب. عن النبيّ e أنه قال: «من قال لأخيه المسلم: يا كافر فقد كفر أحدهما أو كلاهما». وتأول ذلك كفر نعمة لا كفر شرك. وقال e: «من أتى كاهنا أو ساحراً فصدقه فيما يقول فقد كفر بما أنزل على محمَّد e» يعني كفر نعمة لا كفر شرك. الكاهن الذي يخط على الأرض يتكهن في ذلك»([50]).

ويستخدم العوتبي عبارات تفيد حسن النية والتواضع، ومن ذلك قوله: “والله أعلم”، أو “فيما علمت”، وقال في الموقف الذي نحن بصدده: “والله يوفقنا للصواب”.

واستدل العوتبي على أن كفر الكاهن أو الساحر يختلف عن كفر من يأتيه فيصدقه عن طريق العقل، ومن ذلك أن حد الساحر القتل، وليس كذلك من يأتيه ويصدقه.

2 ـ تصوير المعاني التي يتناولها فيجعلها مشخصة ماثلة أمام الأعين:

ومن أمثلة ذلك تشخيصه العلم على سبيل الاستعارة المكنية، يقول:

«العلم ذو مفاصل كثيرة: فرأسه التواضع، وعينه البراءة من الحسد، وأذنه الفهم، ولسانه الصدق، وفهمه الفحص، وقلبه حسن النية، وعقله سعة المعرفة، ويده الرحمة، ورجله زيارة العلماء، وهمته السلامة، وحكمته الورع، ومستقره سعة الرأي، ومحله الأناة، وسلطانه العدل، ومملكته القناعة، ورئيسيه النجاة، وقائده العافية، ومركبه الوفاء، وسلاحه لين الكلام، وسيفه الرجاء، وقوسه القناعة، وسهمه المحبة، ورمحه التقوى، وفرسه المداراة، وجيشه المشورة، وماله الأدب، وحربه المكابدة، وذخيرته التوبة، وزاده المعرفة، ومأواه الموادعة، ودليله الهدى، ورفيقه مودة الأخيار»([51]).

3ـ في الأحكام الفقهية اليقينية فيما يتصل بالحلال والحرام يأتي أسلوبه قاطعاً في لغة تقريره، مستخدماً أفعالاً محددة مثل: يجب، أو يجوز، ولا يجوز، ومن ذلك قولـه: «والصلاة تجب على من حصل منه الإيمان»([52]). وقولـه: «والإقامة سنة، وهي كالأذان، لا زيادة فيها إلا قولـه: “قد قامت الصلاة مرتين، مثنى مثنى”»([53]). وقولـه: «ولا يكون المؤذن إلا ثقة أميناً»([54]) وقولـه: «لا يجوز أذان المرأة ولا إقامتها»([55]) وقولـه: «ولا يجوز أن يغتصب المسجد، وليس لمغتصبه أن يصلي فيه»([56]) وقولـه: «جائز أن تستعمل بئر المسجد لغسل الثياب وسقي الدواب وكذلك دلوها»([57]).

أما في المسائل الأخرى فإن أسلوبه يأتي منبسطاً فضفاضاً مستقصياً كل رأي، موضحاً الرأي الذي يوافقه. فإذا كان الاتِّفاق هو الأظهر بدأ بما اتفق عليه، سواء كان بين العلماء بصفة عامة أو بين أصحابه، ومن ذلك قوله: «أجمعت العلماء أن النبيّ e صلى بأصحابه عند الكعبة خلف مقام إبراهيم، وجعل المقام بينه وبين الكعبة، وصف أصحابه خلفه صفوفاً مستديرة كالحلقة»([58]).أصحصحا

 

ويقول: «اتفق أصحابنا ـ فيما علمت ـ أن عدد الأذان الذي جاءت به الرواية خمس عشرة كلمة»([59]).

وإن كان الاختلاف هو الأظهر يبدأ بذكر الخلاف، ثُمَّ ينتهي في النهاية إلى القول الذي يوافقه مؤيداً بالأدلَّة والحجج. يقول مثلاً: «اختلف الناس في معنى قول النبيّ e: «المؤذنون أطول الناس أعناقاً يوم القيامة»([60])»([61]).

الفصل الثالث: نماذج فقهية عن الموسوعتين

في هذا الفصل نورد نماذج فقهية من موسوعتي (الانتصار) للإمام يحيى بن حمزة، و(الضياء) للعلامة العوتبي، وتشتمل على أربعة نصوص فقهية من الموسوعتين:

النص الأوَّل: من موسوعة (الضياء)([62]): «باب في الصلاة ووجوبها: في الصلاة والنهي عن التهاون بها وأحكام تاركها: قال أبو محمَّد ـ رحمه الله ـ: الصلاة من طريق اللغة الدعاء، قال الله جلّ ذكره: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾([63]). أي ادع لهم، وقوله تعالى: ﴿وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ﴾([64]). أي دعاء الرسول.

وأما الصلاة الشرعية فهو ما ضم إلى الدعاء من الركوع والسجود والقراءة وغير ذلك مِمَّا وقف الرسول e وبينه من مراد الله تعالى بقولـه: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ﴾([65]). ويدل على أن الصلاة دعاءٌ من طريق اللغة أن الصلاة على الميت دعاء ليس فيها ركوع ولا سجود ـ والله أعلم ـ قال الأعشى:

وصهبـاء طـاف             يـهـوذ بهـا           وقابلهــا الريـح                 في دنّهــا

وأبرزهَا وعليهــــا                  ختــم           وصلى عـلى             دِنّهـا وارتســم
وقال ابن الأنباري: الصلاة في كلام العرب تنقسم على ثلاثة أوجه، تكون الصلاة المعروفة التي فيها الركوع والسجود كما قال الله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾([66]). وتكون الصلاة الترحم، ومنه قوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾([67]).

قال كعب بن مالك:

صلى الإلهُ عليهم            من فتْيَةٍ           وسقى عظامَهما الغمامُ      الْمُسبْلُ
ومنه: حديث ابن أبي أوفى قال: أتينا النبيّ e الصدقة عامنا، فقال: اللهم صل على آلِ أبي أوفى، فمعناه ترحَّمْ عليهم، وتكون الصلاة الدعاءُ، من ذلك الصلاة على الميت، معناه الدعاء، ومن ذلك قول النبيّ e: «إذا دُعي أحدكم إلى طعام فليجب، فإن كان مفطراً فليأكل، وإن كان صائماً فليُصلِّ» معناه: فليدع لهم بالبركة، ومنه قوله e: «إن الصائم إذا أكل عنده الطعام صلت عليه الملائكة حتى يمسي» معناه: دعت له الملائكة، ومن قول الأعشى:

بِنْتِي وَقَدْ قَرَّبْتُ                مُرْتَحَلَا           يَا رَبِّ جَنِّبْ أَبِي الْأَوْصَابَ   وَالْوَجَعَا

عَلَيْكِ مِثْلُ الذِي صَلَّيْتِ فَاغْتَمِضِي           نَوْمًا فَإِنَّ لِجَنْبِ الْمَرْءِ      مُضْطَجَعًا

يقول: ليكن لكِ مثل الذي دعوت لي به، وهذا تفسير من روى مثلُ بالرفع، ومن روى مثلَ بالنصب أي عليك بالدعاء لي مثل ما دعوت بي فأكثري منه.

وقال أبو عبيد: كل داع فهو مصل. وكذلك الأحاديث التي جاءَ فيها ذكر صلاة الملائكة، كقوله e: «الصائم إذا أكل عنده الطعام صلّت عليه الملائكة عشراً حتى يمسي» وحديثه: من «من صلى عَلَى النبيّ e صلت عليه الملائكة عشراً حتى يمسي» وهذا في حديث كثير، وهو كله عندي الدعاء، ومثله في الشعر في غير موضع. قال الأعشى:

وقابلها الريحُ في                  دِنَّها           وصلى على دِنَّها              وارتسم

أي دعا لها بالسلامة والبركة يصف الخمر، ومنه قولهم: اللهم صل على محمَّد، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النبيّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ﴾([68]). فهو من الله رحمة، ومن الملائكة دعاء.

قال أبو عبيدة: الصلاة ثلاثة أشياء: الرحمة والدعاء والصلاة، وقال الرازي مثل قول أبي عبيدة، قال: ومن الرحمة قول كثير:

صَلّى علَى عَزّةَ الرحمنُ         وابنتها           ليلى وصلّى علَى جاراتِها       الأُخَرِ

الصلاة ها هنا بمعنى الرحمة. قال أهل التفسير: الصلاة من الله الرحمة، ومن الملائكة استغفار، ومن المؤمنين دعاء.

قال: والصلاة على وجوه كثيرة غير ما ذُكر وقد تركتها اختصاراً».

النص الثاني: من موسوعة (الانتصار)([69]):

«المبحث الأوَّل: في لفظ الصلاة واشتقاقه: اعلم أن لفظ الصلاة مقول على معان ثلاثة:

أولها: الدعاء، قال اللّه تعالى: ﴿َصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾([70]). أي ادع لهم. وقال الشاعر:

عَلَيْكِ مِثْلُ الذِي صَلَّيْتِ فَاغْتَمِضِي([71])

وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ﴾([72]).

وثانيها: الرحمة من اللّه تعالى، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾([73])؛ لأنَّ التقدير أن اللّه يصلي وملائكته يصلون.

وثالثها: بمعنى الاستغفار وهي صلاة الملائكة، فصار إطلاق لفظ الصلاة على هذه المعاني الثلاثة الدعاء والرحمة والاستغفار. وهل يكون إطلاقها عليها على جهة الاشتراك أو على جهة التواطؤ؟ فيه وجهان:

أحدهما: أن إطلاقها عليهما إنما هو على جهة الاشتراك؛ لأنَّ هذه المعاني مختلفة وكل لفظ أطلق على معانٍ مختلفة فهو مشترك كلفظ القرء ولفظ الشفق.

وثانيهما: أن يكون إطلاقه على جهة التواطؤ؛ لأنَّه يجمعها جامع معنوي كإطلاق لفظ الإنسان والفرس، فإطلاق لفظ الإنسان على أفراد متعددة كزيد وعمرو وبكر وخالد تجمعها الإنسانية، وهكذا لفظ الفرس فإنه يطلق على أفراد متعددة يجمعها جامع الفرسيَّة. فالصلاة من اللّه تعالى ومن ملائكته ومن المؤمنين يجمعها جامع معنوي وهو الاهتمام بأمر الرسول e.

والمختار: هو الأول، من جهة أن هذه الأمور الثلاثة مختلفة في أنفسها لا يجمعها جامع معنوي على حال ولو سوغنا هذا الجامع المعنوي الذي ذكروه وهو الاهتمام بأمر الرسول فما يعجز عن تقدير أمر معنوي في الألفاظ المشتركة فيلزم ألا يوجد لفظ مشترك وهذا فاسد. فصح إفادته لهذه المعاني بالاشتراك وهو مطلوبنا.

المبحث الثاني: في بيان معنى الصلاة وحقيقتها بالشرع: اعلم أن لفظ الصلاة صار منقولاً بالشرع لإفادة معانٍ شرعية تخالف موضوعها اللغوي، ويوضح ما قلناه ويؤيده أن القائل إذا قال: فلان يصلي فلا يسبق إلى الفهم الدعاء وإنما يفيد اشتغاله بأفعال مخصوصة شرعية تخالف الدعاء فصارت حقيقة في إفادة تلك المعاني الشرعية، وحقيقة فيها لسبقها إلى الفهم عند الإطلاق. وصارت المعاني اللغوية مجازاً لا تفهم إلا بقرينة وهذه أمارة كون اللفظ مجازاً.

فإن قال قائل: إذا كان لفظ الصلاة منقولاً بالشرع لإفادة معانٍ شرعية فهل يفيد الدعاء أو يصير الدعاء غير مستفاد منه ويكون نسياً منسياً.

قلنا: المقصود أنه قد حصل تغيير المعنى اللغوي بإفادة معانٍ شرعية وسواء كان الدعاء مفهوماً منه أو غير مفهوم، بل نقول لا يمتنع أن يكون مفهوماً مع تعبيرات من جهة الشرع قد صار اللفظ مفيداً لها عند الإطلاق وهو مطلوبنا. وهكذا القول في جميع الألفاظ الشرعية من الزكاة والحج والصوم لا تمتنع إفادتها لمعانيها اللغوية مع تحكمات من جهة الشرع بأمور مخصوصة، قد اعتبرها وشرطها. فإذا تمهدت هذه القاعدة من كونه منقولاً بالشرع لإفادة معان شرعية مختلفة.

فنقول: ما هذا حاله لا يجوز أن يُحَدَّ بحقيقة واحدة فلا يجوز أن يقال في تعريف ماهيتها: هي عبارة عن أقوال وأفعال وركوع وسجود مؤقتة بأوقات مخصوصة على كيفية مخصوصة؛ لأنَّا نجد كثيراً من الصلوات خالياً عما ذكرتموه مع كونها صلاة، ولهذا فإن صلاة الجنازة خالية عن الركوع والسجود وكلها صلاة، فلما كان الأمر كما قلناه بطل إدخالها في ماهية واحدة.

نعم.. يمكن أن يقال في تعريفها على جهة التقريب: إنها عبادة مؤقتة مؤداة على حسب الحال وحكم الشرع.

فقولنا: عبادة، يخرج عنه ما ليس بعبادة كالبيع والإجارة وسائر عقود المعاوضات.

وقولنا: مؤقتة، يخرج منها ما ليس مؤقتاً من العبادات كالزكاة والحج.

وقولنا: مؤداة على حسب الحال، يدخل فيه جميع ما نقص منها لأجل العذر من قيام وقعود وسائر الأمور المعتبرة في حقها.

وقولنا: وحكم الشرع، يدخل فيه صلاة الجنازة فإنها مؤداة من غير ركوع وسجود لأجل حكم الشرع وأمره في ذلك».

وعند التأمل في النصين نجد أن كلاًّ منهما استعان بالمعنى اللغوي للوصول إلى المعنى الفقهي، كما أنهما ذكرا معاني الصلاة الثلاثة بطرق متنوعة واستدلالات خاصة بكل واحد منهما. وجميعها توصلنا إلى المعاني الثلاثة التي توصل إليها كل واحد منهما.

النص الثالث: من موسوعة (الضياء)([74]):

«باب ما يكره للمصلي فعله ولا ينقض عليه: يكره للمصلي كل عبث وكل مشغل عن الصلاة، ويكره لـه العبث بثيابه أو جسده، وقال بعض: من صلى متلثماً نقض. وقال أبو عبد الله: من صلى متلثماً لم أبلغ به إلى فساد صلاته، إلا أن ذلك يكره. وكذلك إن صلى وقدامه نارٌ موقدةٌ أو قبر أو ميتة، فذلك يكره ولا يبلغ به إلى فساد صلاته.

وقال بعض الفقهاء: إنها تفسد والله أعلم. وقال بعض: يكره ذلك وصلاته تامة. ويكره أن يقصد المصلي إلى حصاة بعينها للسجود، فإن فعل فلا نقض عليه. ومن رفع رأسه من سجوده ويداه في الأرض حتى عاد فذلك يكره، ولا يرفع ركبتيه عن الأرض، ولا بأس أن يريح رجلا ويعتمد على أخرى وهو قائم. ومن صلى ولم يمس أطراف قدمه الأرض في سجوده فذلك يكره، ولا يبلغ به إلى فساد. ومن صلى قائماً على بساط وسجد على الأرض فبعض الفقهاء أجاز ذلك وبعض كرهه.

ومن صلى فإذا أراد السجود ردّ يده فضم ثوبه من خلفه فإنه يكره ولا نقض عليه. ومن صلى في رمل فوضع لموضع سجوده حجراً أو خصفاً فذلك يكره. وإن صلى في رمل أو تراب أو طين فجعل بين وجهه وبين الأرض طرف ثوبه أو حجراً فلا يصلح ذلك إلاّ من حرٍِ شديد يحرق جبهته. وَأَمَّا الطين فإذا كان كثيراً يفسد ثيابه فليومئ إيماءً. وكرهوا للمصلي أن ينـزع سمطاً من لحيته أو رأسه، وكره أن يعبث الرجل بلحيته في الصلاة. ومن سجد وأبصر من خلفه من تحت يديه، وكذلك إذا ركع فلا ينبغي له فعل ذلك وصلاته تامة إن شاء الله.

ومن أبصر في سجوده الصف الذي خلفه ولا يلتفت لم أتقدم على نقض صلاته. ويكره أن يرفع الرجل عطاسه في صلاته وغيرها والتثاؤب، وهو مِمَّا يعرض به الشيطان، وكذلك تنقيع الأصابع والعبث بالحصى والنفخ، كل هذا لا ينبغي فعله، ولا يكف شعراً ولا ثوباً، ولا يجعلن ثوبه على فيه، وليخرجه عنه.

وقال أبو عبد الله: كف الثوب والشعر لا ينقض الصلاة، ولكنه يكره ويؤمر المصلي أن لا يفعل ذلك. ويكره للرجل أن يغرق ريقه في الصلاة، ويكره الالتفات، ولا نبصر نقضاً حتى ينظر في التفاته ما خلف ظهره. وإن نظر عن يمينه أو شماله أو أمامه حتى يستبين فلا نقض ما لم يشتغل بذلك عن صلاته. وكذلك أرجو إن كان بين يديه كتاب فاستبان شيئاً مِمَّا فيه بلا أن يشتغل به عن صلاته. ويوجد ـ أيضاً ـ عن أبي عبد الله فيمن نظر كتاباً واستبانه في الصلاة أن ينقض.

والتمطي إن فعله من غير عذر فأرجو أن لا يبلغ به إلى نقض. وقال أبو عبد الله: كره للرجل أن يصلي مستقبلاً للنار الموقدة، وأما السراج والقناديل فلا بأس بذلك. ويكره للمصلي أن ينقر أنفه حتى يخرج منه شيء أو لا يخرج، أو يدخل يده في فيه أو منخره أو أذنه. وقال بعض: بالنقض في ذلك، وقيل غير ذلك، ونحن ممن لا يبصر النقض في ذلك.

وإذا أبصر المصلي رجلاً يتعرق فعن مسبح وهاشم أنه مكروه ولم ير نقضاً. ومن ردّ يده إلى ظهره فحكمه لم يبلغ به إلى فساد صلاته، ومن خلّل لحيته في صلاة الفريضة بأصابعه فسدت صلاته؛ لأنَّه من العبث. وعن نجدة بن أزهر أنه رأى موسى بن علي يجري كفه على لحيته. ومن أدخل يده في أذنه أو إبطه يحك شيئاً يؤذيه، أو مسح رأسه أو أنفه أو لحيته فكل هذا مكروه، ولا يرى عليه إعادة، وليتق فعل ذلك، وليسكن في صلاته، وليخشع فيها بقلبه وجوارحه.

ومن عبث بمنخره وهو في الصلاة فخرج منه شيءٌ، قال أبو عبد الله: بئس ما صنع ولا أبلغ به إلى نقض. وبعض يرى أن العبث كله من غير عذر ينقض، ومن كان في ردائه رطوبة فرفعه عن التراب أو كان في إزاره فأرخى الرداء على الإزار ليتقي التراب عنه فهذا ما يكره في الصلاة ولا نقض فيه إن شاء الله، ومن كان به من دُمّل فحكها فخرج منها ماء لا ينقض عليه وضوءه؛ لأنَّه لا ينقض عليه صلاته، ومن صلى وقدامه بول أو عذرة أو ميتة أو ثوب نجس فصلاته تامة، ويكره لـه أن يتعمد لذلك، وهذا قول بعضه الفقهاء.

ويكره للمصلي أن يغمض عينيه وهو يقرأ، ولا نقض عليه. وكذلك إن غمض في الركوع والسجود فمكروه ولا نقض. ويكره للمصلي أن يكون قدامه نائم أو متحدث أو قادم أو ذاهب، فإن فعل فلا نقض ما لم يستقبله المتحدث بوجهه، ويكون كالمصلي إلى صورة، وإن كان النائم خلفه فلا بأس عليه، وإن كان قدامه فيكره له، وإن كان النائم مقبلاً بوجهه إليه خفت عليه الفساد.

ومن كان يصلي خلف سارية فجاءَ رجل يريد أن يمضي بينه وبين السارية فمدّ يده حتى حجز الرجل من المضي، فعن أبي عبد الله: أنه قد أساء. ولا أبلغ به إلى نقض إلا أن يجره أو يدفعه؛ لأنَّه جاء فيا لأثر: أن للمصلي أن يدرأ عن نفسه في صلاته ما استطاع بلا علاج. قال: وأنا أكره جميع ذلك، وليسكن في صلاته. ومن نظر في الصلاة أمامه حتى عرف من مرَّ بين يديه أو نظر في كتاب فعرف عنوانه فمكروه ولا ينقض، إلا أن يتشاغل به فنسي ما هو فيه من صلاته. قال أبو عبد الله: النقض في قراءة الكتاب، وأما ما بقي فنعم.

ومن نظر عن يمينه وشماله حتى عرف من يرى فهي مثلها. وقال عمر بن سعيد: تكره الصلاة إذا كانت صورة النفس في القبلة، ومن كان إلى جنبه رجل مريض فليس له أن يقعده من قيامه ولا يقيمه من قعوده، فإن فعل فلا نقض عليه.

النص الرابع: من موسوعة (الانتصار)([75]):

«في بيان الأمور المكروهة في الصلاة: اعلم أنا نريد بالأمور المكروهة في الصلاة ما لا يكون فعله ولا تركه مبطلين لها ولا موجبين لفسادها، وإنما نريد ما يوجب سجود السهو وينقص الثواب.

التفريع على هذه القاعدة:

الفرع الأوَّل: يكره ترك السنن في السنن، وسواء كانت السنة من باب الأذكار أو من باب الأفعال أو من باب الهيئات؛ لِما روي عن الرسولe أنه قال: «من رغب عن سنتي فليس مني». وأراد ليس من عملي وشأني ولم يرد البراءة ممن ترك السُنَّة، ولما روي عن الرسول e أنه قال: «صلوا كما رأيتموني أصلي». والمعلوم من حاله e أنه كان يأتي بالسنن في الصلاة وهيئاتها كلها، وفي الحديث عن الرسول e أنه قال: «الصلاة مكيال فمن أوفى استوفى». وأراد من أتى بها على الحد الذي شرعت لـه فقد وفَّاها حقها فيجب أن يستوفي حقه من الأجر والثواب على أدائها كاملة وافية، وفي حديث آخر: «مثل الذي لا يتم صلاته (يعني الذي لا يأتي بفروضها وسننها) كمثل الحامل حملت حتى إذا دنى نفاسها أملصت فلا هي ذات حمل ولا ذات ولد».

الفرع الثاني: يكره أن يلتفت المصلي في صلاته لغير حاجة؛ لِمَا رُوي عن عائشة أنها قالت سألت رسول الله e عن التفات الرجل في الصلاة فقال: «هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد»([76]).

وروي عن الرسول e أنه قال: «إذا التفت العبد في صلاته يقول الله تعالى: عبدي إلى من تلتفت أنا خير ممن تلتفت إليه»([77]).

وروي عن الرسول e أنه قال: «لا يزال الله مقبلاً على عبده في صلاته ما لم يلتفت، . فإذا التفت صرف وجهه عنه»([78])، فإن التفت يميناً وشمالاً لحاجة لم يكره؛ لِمَا رُوي عن الرسول e أنه كان يلتفت يميناً وشمالاً ولا يلوي عنقه خلف ظهره([79]) رواه ابن عباس، ولا تبطل به الصلاة لخبر ابن عباس ولأنه عمل قليل، وإن التفت حتى استدبر القبلة بطلت صلاته؛ لأنَّه ترك شرطاً من شروط الصلاة.

الفرع الثالث: يكره أن يرفع بصره إلى السماء في الصلاة؛ لما روى أنس بن مالك عن الرسول e أنه قال: «ما بال أقوام يرفعون أبصارهم إلى السماء في الصلاة حتى اشتد قولـه في ذلك فقال: لينتهين أو لَتُخْطَفَنَّ أبصارهم»([80]). فإن طلع ببصره نحو القبلة لحاجة لم يكره؛ لِمَا رُوي أن الرسول e لما نزل بطن واد في بعض غزواته قال: «من يحرسنا هذه الليلة» فقال رجل: أنا يا رسول الله فطلع أعلى ليحرسهم فلما طلع الفجر قال الرسول e: «هل أحسستم بفارسنا»؟ قالوا: لا يا رسول اللّه، فصلى الرسول e صلاة الفجر وهو يلحظ ببصره أعلى الوادي يرقب الرجل([81]).

الفرع الرابع: يكره أن ينظر الرجل في صلاته إلى شيء يلهيه من ثوب أو بساط أو غيرهما؛ لِمَا رُوي عن عائشة قالت: كان الرسولe يصلي وعليه خميصة ذات أعلام فلما فرغ من صلاته قال: «ألهتني أعلام هذه اذهبوا بها إلى أبي جهم فليبعها وأتوني بإنبجانية»([82]). (والإنبجاني: كساء ليس فيه خطوط وهو بالنون والباء بنقطة من أسفلها وبالجيم). فإن فعل ذلك لم تبطل صلاته؛ لأنَّه لم ينقل عن رسول الله e أنه أعاد الصلاة.

الفرع الخامس: يكره الاختصار في الصلاة لما روى أبو هريرة عن الرسول e أنه نهى أن يصلي الرجل مختصراً وإنما كره الاختصار لأمرين:

أما أولاً: فلما روي أن إبليس إذا مشى مشى مختصراً.

وأما ثانياً: فلما روي أن الاختصار راحة أهل النار واختلف في تفسير الاختصار على أقوال ثلاثة:

القول الأوَّل: هو أن يضع الرجل يده على خاصرته. حكاه أبو داود في سننه.

القول الثاني: إن الاختصار أن يأخذ الرجل عصا في يده يتكئ عليها في الصلاة يقال لها المخصرة.

القول الثالث: إن الاختصار هو أن يقرأ الرجل من آخر السورة آية أو آيتين ولا يقرأ السورة بكاملها.

الفرع السادس: ويكره مسح الحصا في الصلاة لما روى أبو ذر عن الرسول e أنه قال: «إذا قام أحدكم إلى الصلاة فلا يمسح الحصى فإن الرحمة تواجهه»([83]). ولما روى أمير المؤمنين ـ كرم الله وجهه ـ عن الرسول e أنه كره المسح في الصلاة وقال: «إن كنت لابد فاعلاً فمرة واحدة». وعن معيقيب([84]) أنه قال: سألت رسول الله e عن المسح في الصلاة؟ فقال: «إن كنت لابد فاعلاً فمرة واحدة»([85]) كأنه رخص في ذلك.

الفرع السابع: يكره العقص، وتفسيره: أن يعقص الرجل ضفيرة رأسه إلى قفاه؛ لِمَا رُوي عن أبي رافع أنه مر بالحسن بن علي وهو يصلي وقد عقص ضفرته في قفاه، فحلها أبو رافع، فالتفت إليه الحسن مغضباً فقال: أقبل على صلاتك فإني سمعت رسول الله e يقول: «هذا كِفْلُ الشيطان»([86]). قال أبو عيسى الترمذي: وعلى هذا عمل أكثر أهل العلم فإنهم كرهوا أن يصلي الرجل وشعره معقوص إلى قفاه.

الفرع الثامن: ويكره النفخ في الصلاة لما روت أم سلمة ـ رضي الله عنها ـ قالت: رأى الرسول e غلاماً لنا يقال له أفلح إذا سجد نفخ في الصلاة فقال له النبيّ e: «يا أفلح ترب وجهك»([87]). وقد قدمنا فيما سبق أن النفخ ليس مفسداً للصلاة وإنما يكره، واختلف الفقهاء فيه، فذهب أهل الكوفة والثوري إلى أن من نفخ في صلاته أعادها، وحكي عن أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه أنه غير مفسد للصلاة.

الفرع التاسع: يكره الشبك في الصلاة، وهو إدخال الأصابع بعضها في بعض لما روى كعب بن عجرة([88]) عن رسول الله e أنه قال: «إذا توضأ أحدكم فأحسن وضوءه ثُمَّ خرج عامداً إلى المسجد فلا يُشَبِّكَنَّ بين أصابعه فإنه في صلاة»([89]).

ثم عدد الإمام يحيى بن حمزة ـ رحمه الله تعالى ـ المكروهات حتى بلغت خمساً وثلاثين، وبالطريقة الآنفة الذكر.

عند التأمل في النصين نجد الإمام يحي بن حمزة سلك مسلكاً رائعاً في تعداد المكروهات وإيضاح أدلتها، والعلامة سلمة العوتبي سلك مسلكاً رائعاً أيضاً في تفصيل بعض الحركات المكروهة في الصلاة، لكنه لم يستكملها كالإمام يحيى بن حمزة.

وعموماً فإن لكل واحد منهما طريقته ومنهجه الخاص به، وبالرغم من اختلاف طريقة كل منهما عن الآخر، فإنا نجد بينهما كثيراً من القواسم المشتركة ذكرت بعضها في خاتمة هذا البحث.

خاتمة البحث:

لعلنا فيما تقدم قد تعرفنا إلى حدّ ما على قامتين شاهقتين في ميدان الفقه الإسلامي، إحداهما شع نورها في الديار اليمنية وقد تمثلت في الإمام يحيى بن حمزة وموسوعته الفقهية الموسومة بـ(الانتصار)، والأخرى تلألأت أنوارها في الديار العمانية وقد تمثلت في العلاَّمة المجتهد سلمة العوتبي وموسوعته الفقهية الموسومة بـ (الضياء).

وقد لمسنا ـ من خلال هذه المعرفة ومن خلال الوقوف على شواطئ هاتين الموسوعتين العظيمتين ـ أن تطوراً فقهياً قد حدث عَلَى يدي هذين العالمين المجتهدين.

كان من مظاهر هذا التطور ذلك التجديد الواضح في أسلوب التأليف الفقهي من حيث غزارة المعلومة وسعتها وقوة طرحها وتقسيماتها التي أتت مرتبة ومنظمة وشاملة بشكل غير مسبوق، في لغة رصينة وقوية، ومنسابة غنية وجميلة في معانيها ومبانيها، وبالمقارنة بين هاتين الموسوعتين والمنهج الخاص بكل منهما نأتي في خاتمة هذا البحث إلى ذكر أهم المميزات والنتائج:

أولاً: حدد كل واحد منهما في مقدمة موسوعته الغرض من التأليف والطريقة المتبعة في التصنيف، فالإمام يحيى بن حمزة ـ رحمه الله تعالى ـ كان غرضه هو جمع أكبر عدد ممكن من آراء المذاهب ومناقشة أدلتها واختيار الأرجح منها، والعلامة سلمة العوتبي غرضه هو ذكر المذهب الإباضيّ وجمع أدلته ونقل آراء فقهائه، مع عدم إغفال غيره من المذاهب الإسلامية.

ثانياً: تطرق كل واحد منهما إلى شيء من أصول الفقه؛ لما لها من صلة بالفقه، إلا أن الفرق بينهما في عرض مسائل أصول الفقه، هو أن الإمام يحيى بن حمزة ذكر منهجه واختياراته في أصول الفقه وجعلها قواعد لكل مسائل الكتاب، بينما العلامة سلمة العوتبي ذكر بعض مسائل أصول الفقه على شكل إجمالي، دون الإشارة إلى كيفية إعمال مسائل الكتاب على المنهج الأصولي.

ثالثاً: الانتقال من العام إِلَى الخاص قاسم مشترك بين الموسوعتين، فالإمام يحيى بن حمزة والعلامة سلمة العوتبي في كثير من أبواب وفصول ومسائل الموسوعتين سلكا هذا الأسلوب.

رابعاً: المزاوجة بين المعاني قاسم مشترك بين الموسوعتين، حيث عقد كل واحد منهما أبواباً للموضوع المطروق، ثُمَّ فرّعا عن الباب أبوابا وفصول متعددة تبعاً للموضوع المراد طرقه وعرض مسائله.

خامساً: الجمع في الاستدلال بين أدلَّة العقل والنقل، فهما في عرضهما لبعض المسائل يوردان الأدلَّة العقلية والنقلية بأسلوب مترابط شيق.

سادساً: المسائل المختلف فيها كان لكل منهما طريقته الخاصة به، حيث يتعهد الإمام يحيى بن حمزة الآراء المختلف فيها وذكر أصحابها وأدلتهم عليها، بينما العلامة سلمة العوتبي يذكر آراء المذهب الإباضيّ ويورد أقوال الفقهاء المعتمدين على تلك الآراء.

سابعاً: تطبيق الأحكام الشرعية الخمسة على المسائل المطروقة في شتى مواضيع الفقه، إذ أن كل واحد منهما يعقد باباً فيما يجوز، وباباً فيما لا يجوز، وباباً فيما يكره في الموضوع المطروق، وباباً فيما يسن، وباباً فيما يندب.

ثامناً: توظيف المعنى اللغوي في تقريبه المعنى الفقهي من القواسم المشتركة بين الموسوعتين نظراًً لملكة الموسوعيين اللغوية والأدبية.

تاسعاً: ومما يحسن الإشارة إليه هو أن الموسوعتين كما هو ملاحظ قد تفاوتت في بعض المزايا، غير أن ذلك راجع إلى قرنين من الزمان هما العمر الزمني الفارق ما بين الموسوعتين.

فإذا كانت موسوعة (الضياء) من نتاج رجل عاش في القرن الخامس الهجري وتوفي فيه أو في أوائل القرن السادس حسب استنتاج العلامة المفتي كما رأينا، فإن موسوعة (الانتصار) من نتاج رجل آخر عاش في القرن السابع وامتدت به الحياة إلى نهاية النصف الأول من القرن الثامن، وبالتالي، فإن حوالي مائتين سنة تقريباً كافية؛ لأنَّ تحدث خلالها أشياء كثيرة تضع في العادة تجارب القديم بين يدي الجديد فيظهر معها المتأخر أوفر حظاً من المتقدم في أمور كثيرة، ومع ذلك يمكن القول إنَّ هذا الفارق الزمني قد أعطى لكل موسوعة ميزتها، فموسوعة العوتبي تبدو ـ بقياس المرحلة ـ في ذروة من التطور الفقهي في القرن الخامس الهجري، بينما موسوعة (الانتصار) للإمام يحيى مثّلت ذروة أخرى في التطور الفقهي في القرن الثامن الهجري، وإذا كان لهذا البحث من توصيات، فإنها:

1 ـ تشجيع الباحثين والمختصين على عمل أبحاث ودراسات عن هاتين الموسوعتين، واستكمال طبع الأجزاء التي لم تطبع.

2 ـ التأكيد على أهمية عقد مثل هذه الندوات، وتسليط الضوء على مختلف جوانب تراثنا الإسلامي في جميع مراحله، ومحاولة بعثه وإحيائه في نفوسنا وواقعنا.

3 ـ التأكيد على أهمية التعدد والتنوع فيما يجوز اختلاف الفهم فيه، وضرورة تنشيط مبدأ الاجتهاد في الوسط الفقهي، بما يكفل إحداث نهضة فقهية مواتية لمستجدات حياتنا، كوننا نعيش وضعاً نحن أحوج ما نكون فيه لإعمال مبدأ الاجتهاد.

4 ـ العمل على تطوير آلية التنسيق والتواصل وتعزيز أوجه التعاون ومستوى العلاقات فيما بين العلماء، وكذلك الأمر بالنسبة لوزارات الأوقاف في الدول الإسلامية، وبما يكفل خدمة تراثنا الإسلامي العريق، باعتباره قيمة حضارية نعتز بها ونفاخر، ونبتغي بالمحافظة عليها وجه الله وإحسانه.

أخيراً: أسأل الله تعالى أن يجعل الأعمال خالصة لوجهه الكريم، وأن يبارك للأخوة القائمين على تنظيم هذه الندوة جهودهم المشكورة، والشكر موصول للأخوة المشاركين جميعاً..

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته..


 

([1]) من علماء اليمن.

([2]) البدر الطالع: ج2/331.

([3]) مصادر التراث في المتحف البريطاني، ص176.

([4]) مصادر الفكر الإسلامي في اليمن، ص564، 570.

([5]) مصادر التراث اليمني في المتحف البريطاني 176/ط1.

([6]) الإمام يحيى بن حمزة وآراؤه الكلامية، د/صبحي، ص11.

([7]) العوتبي بين الفقه والأصول والأدب، ضمن كتاب (قراءات في فكر العوتبي)، ص66.

([8]) العوتبي نسابة، قراءة في ضمن كتاب (قراءات في فكر العوتبي)، ص78.

([9]) العوتبي بين الفقه والأصول والأدب، ضمن كتاب (قراءات في فكر العوتبي)، ص76.

([10]) الانتصار، ص70.

([11]) الانتصار، ج1/138-139.

([12]) الانتصار، ج1/139.

([13]) الانتصار، ج1/3.

([14]) الانتصار، ج1/207، 212، 217، 224، 227.

([15]) الانتصار، ج1/130.

([16]) الانتصار، ج1/231.

([17]) الانتصار، ج1/ص 3، مقدمة التحقيق.

([18]) الانتصار، ج2/627.

([19]) الانتصار، ج1/231.

([20]) الانتصار، ص86، مقدمة التحقيق.

([21]) الإمام يحيى بن حمزة وآراؤه الكلامية، ص11.

([22]) سورة المائدة: 6.

([23]) سورة المائدة: 6.

([24]) سورة البقرة: 217.

([25]) الانتصار، ج1/88-90.

([26]) الانتصار، ج1/90، مقدمة التحقيق.

([27]) سورة الذاريات: 56.

([28]) انظر: كتابنا (الحقوق المنسية).

([29]) الضياء، 1/19، 20.

([30]) سورة المؤمنون: 1-2.

([31]) الضياء، 5/125.

([32]) الضياء، 5/123.

([33]) قراءات في فكر العوتبي الصحاري، ص68.

([34]) الضياء، 1/15، 16.

([35]) العلامة العوتبي بين الأصول والفقه والأدب، ص62.

([36]) انظر: العلامة العوتبي بين الأصول والفقه والأدب، ضمن كتاب قراءات، ص69.

([37]) الضياء، 1/16.

([38]) قراءات في فكر العوتبي، ص68.

([39]) قراءات في فكر العوتبي، ص68.

([40]) سورة البقرة: 219.

([41]) الضياء، 4/179.

([42]) سورة التوبة: 103.

([43]) سورة التوبة: 99.

([44]) الضياء، 3/7.

([45]) سورة البقرة: 144.

([46]) الضياء، 3/84.

([47]) الإيضاح، للخطيب القزويني، تحقيق: لجنة من علماء الأزهر، ص195.

([48]) الضياء، 3/85.

([49]) انظر: النكت في إعجاز القرآن للروماني (ضمن ثلاث وسائل في إعجاز القرآن) تحقيق: محمد خلف الله، والدكتور محمد زغلول سلام، الطبعة الثالثة. دار المعارف، مصر.

([50]) الضياء، 3/85.

([51]) الضياء، 1/53.

([52]) الضياء، 5/9.

([53]) المرجع السابق، ص136.

([54]) المرجع نفسه، ص64.

([55]) المرجع نفسه، ص65.

([56]) المرجع نفسه، ص36.

([57]) المرجع نفسه، ص42.

([58]) المرجع نفسه، ص9.

([59]) الضياء، 5/63.

([60]) الضياء، 5/57.

([61]) قراءات في فكر العوتبي الصحاري: 126- 130.

([62]) الضياء، 5/ 79-81.

([63]) سورة التوبة: 103.

([64]) سورة التوبة: 99.

([65]) سورة البقرة: 43.

([66]) سورة الكوثر: 2.

([67]) سورة البقرة: 157.

([68]) سورة الأحزاب: 56.

([69]) الانتصار، ج2/476-479.

([70]) سورة التوبة: 103.

([71]) تمامه: “نَوْمًا فَإِنَّ لِجَنْبِ الْمَرْءِ مُضْطَجَعًا”.

([72]) سورة الأحزاب: 56.

([73]) سورة الأحزاب: 56.

([74]) الضياء، 5/ 293-295.

([75]) الانتصار، ج3/467-471.

([76]) أخرجه البخاري1/261، ومسلم، والنسائي في المجتبى3/8، وعبد الرزاق في مصنفه2/258، وهي في السنن الكبرى1/190، 191، 1/357.

([77]) رواه البزار عن جابر وعبد الرزاق عن أبي هريرة2/257، وهو في مصنف ابن أبي شيبة1/395 وفي مجمع الزوائد2/80.

([78]) أخرجه أبو داود والنسائي عن أبي ذر، وهو في سنن البيهقي الكبرى2/281، وسنن الترمذي 5/148، وصحيح ابن خزيمة3/195.

([79]) أخرجه الترمذي والنسائي وابن حبان في صحيحه: 6/66.

([80]) أخرجه البخاري1/261 وأبو داود1/240 والنسائي3/7، عن أنس بن مالك، وأخرجه عبد الرزاق الصنعاني في مصنفه2/253.

([81]) أخرجه أبو داود عن سهل بن الحنظلية من حديث طويل، والبيهقي في الكبرى9/149، والطبراني في الكبير6/96.

([82]) أخرجه الستة إلا الترمذي، عن عائشة، واللفظ للصحيحين، وأخرجه غيرهم.

والخميصة: ثوب أنيق لـه أعلام يكون من خز أو صوف، والإنبجانية: كساء من صوف لـه خمل ولا علم فيه، قيل: وهي نسبة إلى موضع اسمه: أنبجان، وقيل: غير ذلك، انتهى من (جواهر الأخبار)1/294.

([83]) أخرجه الترمذي2/219، وأبو داود1/249، والنسائي3/6، وعبد الرزاق2/38.

([84]) معيقيب بن أبي فاطمة الدوسي، حليف لبني عبد شمس، بدري، مات سنة40هـ، وكان ممن هاجر إلى الحبشة، وكان على خاتم النبي، واستعمله أبو بكر وعمر على بيت المال، روى عن النبي e وعنه ابنه محمد وابن ابنه إياس، وأبو سلمة بن عبد الرحمن. قال ابن حجر: قال ابن عبد البر: كان قد نزل به داء الجذام فعولج منه بأمر عمر بن الخطاب بالحنظل فتوقف، اهـ. (تهذيب التهذيب)10/227.

([85]) رواه الجماعة عن معيقيب بلفظ: سألت رسول الله e عن مسح الحصا في الصلاة؟ فقال: «إن كنت لابد فاعله فمرة واحدة». وهذا اللفظ للترمذي.

([86]) أخرجه أبو داود والترمذي عن أبي رافع مولى رسول الله e وصححه الترمذي بلفظ: «ذلك كفل الشيطان».

([87]) أخرجه الترمذي، وقد تقدم، وهو في صحيح ابن حبان، 5/241. ومسند أحمد، 6/301. وسنن البيهقي الكبرى، 2/252.

([88]) كعب بن عجرة السالمي الأنصاري، المدني، صحابي، روى عن النبي e وعن عمر وبلال، وروى عنه: بنوه إسحاق والربيع ومحمد وعبد الملك، وابن عمر وابن عباس وجابر، وغيرهم. قال في (مشاهير علماء الأمصار) كنيته: أبو محمد، مات سنة52 بالمدينة، وله خمس وسبعون سنة اهـ، 1/20.

([89]) أخرجه أبو داود، 1/154، وأخرجه الترمذي، 2/228.

 

*ندوة تطور العلوم الفقهية في عمان خلال القرن الخامس الهجري “التأليف الموسوعي والفقه المقارن”

أقامتها وزارة الأوقاف والشؤون الدينية بمسقط

25- 27 محرّم 1426هـ/ 6- 8 مارس 2005م

هذه المقالة تحتوي على لا تعليق

أكتب تعليقك هنا

نرجو أن تضع المادة أسفله
الإسم
إيميل
موقع
تعليقك