الفقه المقارن وضوابطه العوتبي نموذجًا

الفقه المقارن وضوابطه

العوتبي نموذجًا*

د. مصطفى بن صالح باجو([1])

 

سأتناول هذا الموضوع في محورين اثنين، الأول عن الفقه المقارن قواعده وضوابطه، والثاني عن العوتبي وكتابه الضياء، باعتباره نموذجا للفقه المقارن.

وموجز خطة البحث كالآتي:

المحور الأوَّل: الفقه المقارن: القواعد والضوابط:

أولا: المفهوم والتطور.

ثانيا: القواعد والضوابط.

أهمية الفقه المقارن وغايته وقواعده.

إسهام الإباضيّة في الفقه المقارن.

المحور الثاني: العوتبي نموذجا للفقه المقارن.

أولا: شخصية العوتبي وكتابه الضياء، ومعالم هذا الكتاب.

ثانيا: معالم الفقه المقارن في الضياء:

أ= التعامل مع الآراء وفن الاختلاف.

ب= ترتيب العوتبي بين الأدلَّة.

ج= الاستقلال الفكري في آراء العوتبي.

د= أثر اللغة على فقه الضياء.

الخاتمة.

المحور الأوَّل: الفقه المقارن وقواعده

مفهوم الفقه المقارن:

كان مصطلح الفقه في الصدر الأول من الإسلام يعني: العلم بأحكام الدين كله، أو هو «معرفة النفس ما لها وما عليها»([2]). ويندرج تحته العلم بالشريعة والعقيدة والأخلاق. ثُمَّ اقتصر الاصطلاح على معرفة الأحكام المتعلقة بأفعال المكلفين في مجالات العبادات والمعاملات، وتَحَدَّد تعريفه بأنه: «العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من أدلتها التفصيلية بالاستدلال»([3]).

وكان الهدف من حصر مفهوم الفقه في المجال العملي، دون قضايا العقائد والأخلاق تسهيلَ الدراسة لإمكان الإحاطة بتلك الأحكام، دون فصل في التطبيق بين ما كان عمليا وما كان عقديا أو سلوكيا، إذ لا يتصور تطبيق فقه عملي دون أرضية عقدية أو أساس من الأخلاق، وإلا غدت أحكام الشريعة نصوصا جوفاء لا تثمر صلاح الفرد الذي هو جوهر الدين مبتدأً وغاية.

أما مفهوم الفقه المقارن، فلم يُعن الفقهاء الأقدمون بتحديده، رغم ممارستهم له وكتابتهم في موضوعاته بإسهاب واف، تمثل في الموسوعات الفقهية التي دونوها، ثُمَّ ورثناها تركةً نفيسة لا تقدّر بثمن، وألفيناها منظومة متكاملة من التشريعات تميزت بالشمول في التناول والعدالة في التطبيق، بما لا يضاهيها تشريع آخر على وجه الأرض.

من تلك الموسوعات الفقهية: بيان الشرع لمحمَّد بن إبراهيم الكندي الإباضيّ، في اثنين وسبعين مجلدا، وبدائع الصنائع للكاساني الحنفي، والمجموع شرح المهذب للنووي الشافعي، وبداية المجتهد لابن رشد المالكي، والمغني لابن قدامة الحنبلي، والمحلّى لابن حزم الظاهري.

وقد عرّف المُحْدَثون الفقه المقارن بأنه «تقرير آراء المذاهب الفقهية الإسلامية في مسألة معينة، بعد تحرير محل النـزاع فيها، مقرونة بأدلتها، ووجوه الاستدلال بها، وما ينهض عليه الاستدلال من مناهج أصولية وخطط تشريعية، وبيان منشإ الخلاف فيها، ثُمَّ مناقشة هذه الأدلَّة أصوليا، والموازنة بينها، وترجيح ما هو أقوى دليلا، وأسلمَ منهجًا، أو الإتيان برأيٍ جديد، مدعمٍ بالدليل، والأرجح في نظر الباحث المجتهد»([4]).

وبعبارة أوجز، يحدد مفهوم الفقه المقارن بأنه “جمع الآراء الفقهية المختلفة وتقويمها، والموازنة بينها بالتماس أدلتها، وترجيح بعضها على بعض”([5]).

وواضح أن منهج الاستدلال في الفقه يقوم على أصول مشتركة وأدلَّة متفق عليها بين المجتهدين، مِمَّا يوحد السبيل الموصلة إلى الحكم في الغالب، بيد أن ثمة أسبابا تفضي إلى اختلاف الآراء والأحكام المستنبطة من النصوص والأدلَّة الاجتهادية، تتعلق بطريقة تفسير النصوص، والترتيب بين الأدلَّة عند التعارض، أو اعتماد بعض القواعد والأدلَّة التبعية عند بعض الأئمَّة دون بعض، كالخلاف حول مفهوم حجية المخالفة بين الحنفية وغيرهم، والاختلاف في الاحتجاج بالاستحسان أو المصالح المرسلة أو حجية قول الصحابي، وموقف الظاهرية من إنكار القياس، فضلا عن عدم الإحاطة بكل نصوص السنة النبوية أو معرفة ناسخها من منسوخها، كل ذلك وغيره من الأسباب كانت سببا لتعدد آراء المجتهدين.

فاختلاف الفقهاء لا يعني بتاتًا اختلافا جوهريا في أصول الشريعة وقواعدها، بل هو تنوع مسالك وقواعد تفسير لهذه الأصول، وهو ثمرة تفاوت بين المجتهدين في مدى اعتماد هذه الأصول، وبهذا سلمت القواعد والنظريات العامة من التناقض، بل وجدنا اختلاف الفروع نتيجة لوحدة الأصول ومصادر الاستنباط.

ورغم هذا التنوع المتكامل للثروة الفقهية فإنه بات ضروريا دراسة هذه الآراء ومعرفة راجحها من مرجوحها وقويمها من سقيمها، بمنهج علمي رصين؛ قائم على تحري الحق وتحكيم الأصول التي اعتمدها المسلمون ميزانا موثوقا للاستنباط والاجتهاد، والموازنة بين الأدلَّة والترجيح بينها عند التعارض.

هذا هو وظيفة الفقه المقارن مفهومًا، وتلك هي غايته ممارسةً، وهي رسالة سامية ومسؤولية ثقيلة؛ لأنَّها تهدف إلى غاية نبيلة هي التقريب بين الاجتهادات ورصد أقرب الآراء إلى مقصد الشارع الحكيم، وأوفقها بتحقيق مصالح المكلفين.

نشأة الفقه المقارن:

كانت انطلاقة الفقه منذ عهد رسول الله e باعتباره المفتي الأول، فقد بيّن للناس ما نُزّل إليه من آي القرآن، ووضع للصحابة منهج الاجتهاد، ودرّبهم على ذلك في وقائع عديدة، فكان يقرّهم عندما يصيبون، ويسددهم إذا لم يحالفهم الصواب.

وقد أعلمهم بتفاوت مراتبهم في ذلك، بقوله: «نضر الله امرءًا سَمع مقالتي فوعاها فأداها كما سمعها، ورُبَّ مبلِّغ إلى من هو أفقه منه»([6])، ثُمَّ ذكر أسماء لامعة في مجالات متعددة من الفقه فقال: «أعلمكم بالحلال والحرام معاذ، وأفرضكم زيد، وأقضاكم علي»، وصوّب عمار بن ياسر حين تمعك في التراب بدلا عن التيمم للاغتسال، وأقر عمرو بن العاص على إمامته أصحابه في الصلاة وقد تيمم للجنابة، وقال للصحابيين اللذين صليا بتيمم، ثُمَّ وجدا الماء، فأعاد أحدهما الصلاة، ولم يُعِد الآخر، فقال للذي لم يعد: «أصبت السنة»، وقال للذي أعاد: «لك الأجر مرتين». وأمر الصحابة إثر انتهاء غزوة أحد بالتوجه إلى بني قريظة عاجلين، وقال لهم: «لا يصليّن أحد منكم العصر إِلاَّ في بني قريظة»، ولكنه صوّب من صلى في الطريق في الوقت، ومن صلى في بني قريظة بعد مضي الوقت. إذ التزم فريق بحرفية النص، وسلك فريق سبيل التعليل، واعتماد مقاصد الشارع الحكيم.

وامتدت هذه الدورة التدريبية الرشيدة طيلة زمن الرسالة، فلم يجد الصحابة عنتا ولا حرجا بعد رحيل المصطفى إلى الرفيق الأعلى، بل وجدوا أنفسهم مؤهلين لهذه المهمة، فحسموا مسائل طارئة أفرزتها وفاة رسول الله، كتحديد مكان قبره، وتولية خليفة له، ومحاربة مانعي الزكاة، وغير ذلك من جديد النوازل.

ويمكننا القول: إنّ الفقه المقارن نشأ مع نشأة المذاهب الفقهية، وأن أصله يعود إلى المناظرات التي قامت بين أئمَّة المذاهب، مِمَّا حفظت مدوناتهم، أو سجله تلاميذهم، مثل ما دونه الإمام مالك في الموطإ من رسالته لليث بن سعد، وما تضمنه كتاب “الأم” للشافعي في اختلافه مع أبي حنيفة، وابن أبي ليلى، واختلاف أبي حنيفة مع الأوزاعي. وكذا اختلاف الشافعي مع مالك، وغير ذلك.

وتنامت الثروة الفقهية باتساع أرض الإسلام وتهاطل المسائل الجديدة على الفقهاء من الصحابة، فسعوا لإضفاء صبغة الشريعة على كل ما واجههم من مشاكل دينية واجتماعية وسياسية واقتصادية. وعلى سننهم سار تلاميذهم من التابعين، ثُمَّ من بعدهم من الأئمَّة والمجتهدين.

وثمة مدونات كثيرة رصدت هذه الحوارات العلمية بين الأئمَّة، وحفظتها، مثلما سجله النيسابوري في “الإشراف على مذاهب أهل الخلاف”، و”اختلاف الفقهاء” لأبي جعفر الطحاوي، و”تأسيس النظر” للدبوسي، وكذا تفسير الطبري، وتفسير القرطبي، إضافة إلى كتب شروح السنة التي تضم وفرة وفيرة من حوارات الفقهاء، ومناظراتهم، وذلك هو الفقه المقارن في صورته العملية الواقعية.

ولا ينكر منصف ما امتازت به القرون الأولى لمسيرة الفقه الإسلامي من سمة تحررية في التماس الحكم الشرعي، ثُمَّ انضوائها بعد ذلك تحت قيود الالتزام المذهبي الغالي في بعض الأحيان في القرون اللاحقة، وامتدت هذه المرحلة زمنا طويلا عرف بعصر الجمود والانغلاق، وشاع بين الناس الفتوى بحرمة الاجتهاد وإغلاق بابه دون المريدين، ولو بلغ أحدهم منازل الأئمَّة المجتهدين. ثُمَّ رسخ مفهوم الانغلاق على المذاهب المشهورة، وحرمة الخروج عنها، واعتبار ما سواها خارجا عن نهج الحق نائيا عن الهدى والصواب.

كل هذا كان تضييقا لواسع، وحجرا على العقول، ما نزل به كتاب، ولا ارتضاه الله للناس. حين دعاهم للاحتكام إلى كتابه وسنة رسوله u، ولم يجعل الحق ولا الحجة إلا فيهما، وكل الناس محجوجون به، مفتقرون إليه، وكل عالم يؤخذ برأيه ويردّ عليه إِلاَّ صاحب الرسالة المصطفى ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾([7])، وهذا إذا صح عنه الحديث وثبت عنه.

وإنصافا لجهود مباركة تواصلت في عصر النهضة نَذْكُرُ بالخير أعلاما سعوا لإزالة هذه الجفوة بين أبناء المذاهب، فنصحوا لله والرسول، وبنوا جسور التواصل بين المسلمين، ودعوا للاستفادة من نتاج فقهاء الإسلام، باعتبار فقههم وليد نظر مشروع في أدلَّة الأحكام، ولم يكن وليد هوى جامح أو شهوة طاغية، أو مصلحة شخصية آنية.

فكلهم من رسول الله              ملتمس           غرفا من البحر أو رشفا من الديم([8]).

وعرفت الجامعات في العالمين العربي والإسلامي تدريس الفقه المقارن في كليات الشريعة والحقوق، وتوالت الدراسات الجامعية الرصينة تجلي هذا الفقه من منابعه، وتنصف جهود العلماء في إرساء قواعده، وتقدم للعالم منظومة تشريعية تضافرت جهابذة الفكر على نسجها وتقنينها، فشرفت أهلها، وأثبتت سموها وعدالتها، ولا غرو، فمنهلها وحي ربها وسنة نبيها.

أسباب اختلاف الفقهاء:

لماذا كان الاختلاف بين فقهاء الإسلام؟ ما دام المصدر التشريعي وأصول الاستنباط واحدة؟

سؤال مشروع، ينتظر جوابا شافيا، وهذا الجواب خطوة ضرورية لإزالة غشاوة رانت على أفكار فريق من الناس يروم تفسير هذه الظاهرة، وربما أوحى إليه بعض المغرضين أن هذا الاختلاف دليل على عدم صلاحية الفقه الإسلامي لمواكبة العصر، وأنه ليس جديرا بتبوء مكانه شريعة حاكمة، ونظاما مقننا لتسيير شؤون الحياة، وإصلاح أوضاع المجتمعات. إذ يتحير المقنن أي قول يختار، وكيف يميّز بين الصواب والخطإ في هذا الكم الهائل من الأقوال والاجتهادات.

والحقيقة أن الاختلاف طبيعة بشرية فطر الله الناسَ عليها، ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ، إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾([9]).

فقد شاءت إرادة الخالق U أن يبلو الناس بهذا الاختلاف، لحكمة تجلت بعض أسرارها، وخفي على العقول كثير منها.

ولكن الاختلاف لا يستلزم بالضرورة الخطأ ومجانبة الصواب، فقد تحتمل القضية أنظارا، وكلها صواب باعتبارات شتى، ويمكن استثمارها في ظروف ومناسبات متعددة.

وقد أسهب الأصوليون في تحليل قضية الصواب والخطإ في الاجتهاد، وخلصوا إلى أن الأمر واسع في مجال الفروع، ولا يحجر على أحد اختلاف الاجتهادات فيها، بل ربما كان ذلك أوفق بمقصود الشارع من التخفيف على المكلفين واختيار ما يناسب ظروفهم وبيئتهم، وتنوع أعرافهم وتحقق مصالحهم([10]).

وتعود أسباب اختلاف الفقهاء إلى عوامل موضوعية كذلك، أوفاها العلماء والدارسون بحثا، وتتلخص أساسا في العناصر الآتية:

–       الاختلاف في القراءات القرآنية.

–       الاختلاف في العلم بالسنة النبوية.

–       الاختلاف في إثبات السنة وقبول الأخبار.

–       الاختلاف في تفسير النصّ لاحتماله دلالات متعددة، وما يتعلق بذلك من قواعد أصولية لتفسير النصوص.

–       الاختلاف في الناسخ والمنسوخ.

–       الاختلاف بسبب القياس، أو تحديد العلة، وتوفر شرائط القياس.

–       الاختلاف بسبب المصادر الاجتهادية، كالاستحسان والعرف، والمصالح المرسلة([11]).

وقد بذل الفقهاء المجتهدون وسعهم لبيان الأحكام للناس، وإن اختلفت بينهم الآراء والاجتهادات.

والقاسم المشترك بين هؤلاء الأعلام أنهم كانوا متصدرين مجتمعاتهم، قائمين بمهمة البلاغ، ومتفرغين لرسالة النذارة والبيان، استجابة لتكليف القرآن ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾([12])، ثُمَّ أوجب الله على المكلفين سؤال العارفين فقال: ﴿فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾([13])، وخص الله هؤلاء بمعرفة الفقه والقدرة على الاستنباط ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُم﴾([14]).

وانطلقت مسيرة البناء الفقهي بجهود متضافرة من قِبل أئمَّة مجتهدين نذروا حياتهم لهذا الدين، وتعلق بهم تلامذة مخلصون، خدموا تراثهم تدوينا وتعليما، ونشرا وتأصيلا، فترسخت تلك الفتاوى وتكاملت مناهجها وعرف المجتمع المسلم مدارس فقهية متنوعة، تنهل من معين الكتاب والسنة، وتتعدد وجهات نظرها بناء على اختلاف مسلك كل مجتهد وتلامذته في التعامل مع النصوص والأصول، تفسيرا وبيانا، وترجيحا وميزانا، وقياسا واستحسانا.

ثم جاءت جهود للموازنة بين تلك الآراء والمفاضلة، لغرض التعرف على أقربها للحق وأعدلها في ميزان الشرع، فنشأ مصطلح الفقه المقارن([15]).

الفقه سجل الواقع:

الفقه الإسلامي سجل الواقع وصورة للمجتمع، بما يحويه من متابعة تفصيلية لوقائع الحياة اليومية للفرد المسلم والمجتمع على حد سواء، وتقصٍّ لعلاقاته المختلفة لصبغها بأحكام الشرع الحنيف.

وكتب الفتاوى بالخصوص نموذج حيّ لهذه الصورة، بيد أننا نجد لها نظائر في كتب الفقه العامة، وقد رأينا في كتاب الضياء مثالا دقيقا لذلك، إذ لم يكن مجرد مصنف لأحكام الفقه النظرية، بل وجدنا فيه تسجيلا وافيا لقضايا تاريخية واجتماعية واقتصادية وسياسية عرفها المجتمع العماني حيث عاش المؤلف كل حياته، وفيه تسجيل لمراسلات بين العلماء حول ما يشكل عليهم من تلك القضايا والنوازل.

وأحسب أن تلك اللمحات الوافية تصلح مادة لدراسة تاريخية متأنية تكشف عن أهمية الفقهاء في تدوين التاريخ، وحفظ ذاكرة المجتمع ولو لم يكن ذلك هدفهم ولا منطلقهم في ما كتبوا، بل تلك طبيعة عملهم باعتبارهم روادا للمجتمع وهداة له حتى يتبوأ منـزلته تحت مظلة أحكام الإسلام وشريعته السمحاء([16]).

وبما أن بحثنا سيطرق العوتبي نموذجا للفقه المقارن، فمن المناسب الإشارة إلى أن كتابه “الضياء” يمثل صورة حية لمعالجة الواقع الاجتماعي في عرض أحكام الفقه، من شواهد ذلك فتواه: بأن من خرج لمعاونة القرامطة على جند الإمامة في صحار، فأفطر، فإن عليه قضاء ما أفطر، وليس عليه غير ذلك، وعليه التوبة من بغيه([17]).

وهذا الحكم قائم على رأي الإباضيّة أن سفر المعصية لا يمنع استعمال الرخصة، خلافا لمن قال: إن المعاصي لا تبيح الرخص، فمن سافر في غير طاعة أو مباح لزمه إتمام الصلاة ولم يبح له الفطر في رمضان([18]).

علم الفقه المقارن وعلم الخلاف:

قد يبدو أن ثمةَ تشابها بين الفقه المقارن وعلم الخلاف، بيد أنهما مختلفان وظيفة وإن اشتبها وسيلة.

فعلم الخلاف يعرّف بأنه “علم يُقتدر به على حفظ الأحكام الفرعية المختلَف فيها بين الأئمَّة، أو هدمها بتقرير الحجج الشرعية وقواعد الأدلَّة”([19]).

أما الفقه المقارن فهو كما ذكرنا يعرض آراء الفقهاء ثُمَّ يدرس أدلتها، ويمحصها، ويخلص في النهاية إلى ترجيح ما يعضده الدليل.

فهما يلتقيان في عرض الآراء الفقهية، والموازنة بينها، ويختلفان في صفة الموضوعية التي يتسم بها الفقه المقارن، ويفتقد إليها علم الخلافيات، فكان لزاما أن تختلف النتائج بينهما، وإن أمكن اتِّفاقها أحيانا على سبيل الصدفة ووقع الحافر على الحافر ليس إلاَّ؛ لأنَّ الغاية في الخلافيات نصرة رأي الفقيه أو المذهب وتقريره، والغاية في الفقه المقارن نصرة ما أيده الدليل، مهما كان قائله، سواء احتواه حضن المذهب أم كان خارج دائرته.

أهمية الفقه المقارن وغايته وقواعده:

تتجلى أهمية الفقه المقارن باعتباره منهجا لإعادة صياغة المنظومة الفقهية وفق الأصول المتفق عليها، وإزالة الجفوة المصطنعة بين أتباع المدارس الفقهية، وتثمين جهود أعلام الإسلام في فقه النصّ وفقه الواقع، والتمييز بين آرائهم وفق ما يصلح للعصر، لا بناء على نسبة القول إلى شخص أو جماعة أو مصر.

ومن هنا تتجلى لنا معالم الفقه المقارن، وضوابطه التي ترسم مساره وتحدد اتجاهه، وهي: أن يقوم على أساس الموسوعية في الاطلاع، والموضوعية في الحكم، والشجاعة في الموازنة والترجيح، ولن يتم هذا إلا لمن توافرت لديه آليات الاجتهاد وأدواته الفنية والموضوعية، وفق ما فصله علماء الأصول في شروط المجتهد، وقواعد عملية الاجتهاد.

وتقوم عليه عملية الاجتهاد على أربعة أركان، تتمثل في العناصر الآتية:

ـ الواقعة المعروضة للبحث أمام المجتهد بما يحفّ بِها من ظروف وملابسات، فيبذل جهده لمعرفة حكم الشرع فيها، سواء كانت منصوصا عليها أم غير منصوص.

ـ الدليل الذي يستند إليه المجتهد لبناء الحكم المناسب لتلك الواقعة محل الاجتهاد، وتتنوع الأدلَّة بين نص يثبته ثُمَّ يفسره، أو استدلال بقياس على أصل منصوص، أو مصلحة يراعيها، ويقيمها على معقول جملة نصوص تعتبرها، أو أصلي كلّيّ شهد لها بالاعتبار.

ـ الملكة الاجتهادية الراسخة، وهي: قدرة المجتهد على التعامل مع الواقعة والدليل، والمواءمة بينهما أو الربط بينهما، للوصول إلى الحكم المطلوب، وهو ما يتطلب دربة ومرانا، وخبرة تكون وليدة طول ممارسة ومعايشة لنصوص الشريعة فهما وتأويلا، واستنباطا وتنـزيلا.

ـ تطبيق الحكم تطبيقا سديدا، وهو الثمرة الحقيقية لعملية الاجتهاد، بمراعاة كل ما يحيط بالقضية من ظروف وملابسات، لما لها من أثر هام على الحكم النهائي، ومآل عملي على المستوى التطبيقي، وهذا ما اصطلح عليه بالاجتهاد التطبيقي القائم على مراعاة المآل والنتائج النهائية لهذا التطبيق([20]).

وانطلاقا من هذه الأركان يمكننا أن نحدد أهداف الفقه المقارن في هذه الغايات:

أولا: التعرّف على كيفية تناول كل مجتهد المسألة المعروضة للبحث، وكيفية تصوره لها، أو تكييفه لها، وما هي الأدلَّة التي اتخذها أساسا لحكمه، وطريقة توجيهه لتلك الأدلَّة. وفي هذا التعرف نتوصل إلى تصور واقع الفقه الإسلامي من أيسر طرقها وأسلمها، وتقييم ذلك الواقع تقييما موضوعيا.

ثانيا: إثراء مدارك الباحث نتيجة للتبحر وسعة الاطلاع على ما صدر في المسألة المختلف فيها من آراء اجتهادية.

ثالثا: التمكن من الموازنة الموضوعية الدقيقة بين الأدلَّة التي صدر عنها المجتهدون، موازنة تعتمد النظر الأصولي في دليل كل مجتهد، لتبيّن مدى قوته، كما تعتمد على مدى صحة استدلاله.

رابعا: التعمق في فهم وتحديد “منشأ الخلاف” أو سببه، وتركيز البحث في هذا المنشأ لبيان موطن الضعف أو القوة فيه، ليكون ذلك عونا له كخطوة أولى، أو مقدمة لترجيح الرأي الذي يستند إلى السبب القوي، وبيان وجه هذا الترجيح.

خامسا: القدرة على التوفيق بين الآراء التي تبدو متعارضة ظاهريا، دون تكلف أو اعتساف، لغرض تضييق هوة الخلاف بين المجتهدين بما يفضي إلى تبيُّن وجه الحق في غالب ظن الباحث المجتهد.

سادسا: فسح المجال أمام الباحث المقتدر لإبداء رأي اجتهادي جديد مدعَّم بدليل يراه أقوى سندًا من كل ما عير عليه من أدلَّة للمجتهدين، وبخاصة مع ملاحظة اختلاف الظروف، التي لها أثر بالغ في تشكيل علة الحكم، فتختلف نتائج التطبيق باختلاف ملابساته، والمآل معتبرٌ مقصود شرعًا في تشريع الحكم، وتكييف الفعل مشروعيةً أو بطلانًا. وهذا ما يدفع بالدراسات الفقهية خطوات مباركة في سبيل التأصيل والتطوير، ومواكبة الواقع المعيش.

سابعا: إشاعة روح التسامح بين أتباع المذاهب، بدءًا بالباحثين وانتهاء بالعامة المقلدين، وبذلك يتم القضاء على عوامل التعصب المذهبي والنـزعات العاطفية التي سادت الفقه الإسلامي لأمد بعيد.

ثامنا: تكوين أصالة الفكر الاجتهادي، وصقل الملكة الراسخة، وتحقيق الشخصية العلمية النـزيهة، إظهارا لحقائق الشرع، ومحافظة على قصد الشارع، وتحريا له، باتباع مقتضيات الأدلَّة جملة وتفصيلا.

تاسعا: إحياء التراث الإسلامي الأصيل والثمين، وهو ما أنفس ما أنتجته حضارة الإسلام، وتوظيف هذا التراث ميدانيا في حاضرنا ومستقبلنا([21]).

ودونما إسهاب في طرق قضية تجزؤ الاجتهاد، فإن منطق الواقع يقضي بحسم المسألة وموافقة القول بجواز تجزؤ الاجتهاد، وهو رأي جمهور علماء الأصول، فلا يشترط فيمن يتصدى للمقارنة بين آراء الفقهاء أن يكون ملما بالفقه كله على ضخامة حجمه، وتشعب مسائله، بل يكفي أن يكون على دراية وافية بالموضوع الذي يطرقه حتى يستطيع الموازنة بين الآراء عن علم وبصيرة، ويكون رأيه في النهاية سديدا، أو قريبا من الحق الذي هو مقصود المجتهدين أولا وأخيرا.

إسهام الإباضيّة في الفقه المقارن:

أسهمت المدرسة الإباضيّة مثل نظيراتها من المدارس الفقهية الإسلامية بجهود طيبة في مضمار إثراء الفقه عن طريق عقد المقارنات بين آراء الفقهاء، سواء داخل المدرسة الواحدة، أم بين المذاهب المختلفة، وهو منهج جرى العمل به منذ عهد مبكر لتدوين المؤلفات الفقهية لدى هذه المدرسة.

وبيان ذلك أن إمام المذهب جابر بن زيد كان يعوّد تلاميذه على النظر المستقل، فلم تكن متابعتهم له تقليدا مقدسا، بل اتباعا للحجة والدليل، وكانوا لذلك لا يقفون عند آرائه، بل يخالفونه في عديد منها إذا وجدوا العدل فيما سواها. كما نشأ حوار علمي رصين بين تلاميذه وتلاميذ تلاميذه أيضا، وحفظت لنا المدونات الفقهية الأولى هذا الحوار في مواقف كثيرة.

وفي كتاب “المدونة” التي وضعها أبو غانم بشر بن غانم الخراساني في القرن الثاني الهجري، نماذج وفيرة لحوارات علمية شيقة بين هؤلاء التلاميذ، ومدى التزامهم الحيدة والموضوعية في ترجيح الآراء بعد النقاش، ولو كانت آراء غير أئمَّة المذهب كجابر وأبي عبيدة والربيع وغيرهم.

ثم وجدنا مدونات لاحقة مفعمة بهذه الروح العلمية المتفتحة، وطافحة بسرد آراء أئمَّة فقهاء الإسلام دون تمييز أو تحيّز.

وبعملية تصفح سريعة لتلك المدونات نجد تردد تلك الأسماء كثيرا في كتب الإباضيّة الأوائل، من مثل كتاب “الجامع” لابن بركة البهلوي (القرن الرابع الهجري)، و”المصنف” لأحمد بن عبد الله الكندي، (ق6هـ)، و”بيان الشرع” لمحمَّد بن إبراهيم الكندي (ق6هـ)، و”العدل والإنصاف” و”الدليل والبرهان” لأبي يعقوب الوارجلاني (ق6هـ) و”أجوبة ابن خلفون” لأبي يعقوب يوسف بن خلفون المزاتي (ق6هـ)، وانتهاء بكتب المتأخرين، كـ”التاج” لعبد العزيز الثميني (ت: 1223هـ/1808م)، و”شرح النيل” لقطب الأئمَّة امحمَّد بن يوسف اطفيش (ت 1332هـ/ 1914م)، و”معارج الآمال” و”شرح مسند الربيع” و”جوابات الإمام السالمي” لنور الدين عبد الله بن حميد السالمي، (ت 1332هـ/ 1914م)، وفتاوى المعاصرين، كـ”فتاوى الشيخ إبراهيم بيوض” (ت1401هـ/ 1981م) و”فتاوى البكري” للشيخ عبد الرحمن بكلي (ت 1406هـ/ 1986م)، و”الفتاوى” لسماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي.

وينتظم كتاب “الضياء” للعوتبي في سلسلة هذا الجهد الطيب، ويتصدر نتاج العلماء الأوائل لهذه المدرسة، إذ حوى آراء فقهاء الإسلام منذ عهد الصحابة إلى عصر المؤلف، يوردها ويذكر أدلتها ومستندها، ومبنى استدلالها بتلك الأدلَّة، ثُمَّ يوازن بينها، ويرجح منها ما اعتضد بالدليل، وقد يوافق بعضها، وقد ينقضها، ويختار رأيا غيرها، سواء كان لأئمَّة الإباضيّة أم لغيرهم، دون خوف أن يقال عنه وافق مذهبه أو خالفه، إنما غايته أن يقال وافق الحق، ولم يجانب الصواب.

وقد نص الإمام السالمي على هذا المنهج حين علل عدم نسبة المذهب للإمام جابر بن زيد، والعدول عن ذلك إلى نسبته لابن إباض نظرا لشهرته بين الناس بسبب مواقفه السياسية من بني أمية حين حولوا الخلافة إلى ملك عضود. بينما لم ينسب الإباضيّة أنفسهم لإمام يقلدونه، إذ لا يجوز تقليد أحد يكون حجة عند الله إلا رسول الله e.

المحور الثاني: العوتبي نموذجا للفقه المقارن

ـ تعريف العوتبي:

هو العلامة الفقيه اللغوي، النسَّابة، أبو المنذر سلمة بن مسلم بن إبراهيم الصحاري العوتبي، نسبةً إلى عَوْتَب بلدة من أعمال صُحار في عُمان.

ويتفق الباحثون على غموض الفترة الزمنية التي عاشها العوتبي، نظرا لندرة المعلومات المتوفرة عنه، وعن كثير من نظرائه من علماء عمان، الذين تشتهر أعمالهم وتُغفل أشخاصهم، بناء على رغبةٍ ملحة في البعد عن الأضواء وتركيز الاهتمام على الأعمال لا الأشخاص، مِمَّا ولد فقرا في مصادر التاريخ العماني، يعجز معه الباحث عن أخذ صورة وافية عن أعلامها وعلمائها.

ونتيجة لهذا اختلفت التقديرات حول زمن العوتبي فنسبه بعضهم إلى القرن الرابع الهجري، بينما اعتبره الشيخ شامس البطاشي من علماء النصف الأول من القرن الخامس الهجري([22]). وقد يُستأنس لهذا بما انتهى إليه في كتابه “الأنساب” عند عرض الأحداث التاريخية، إذ توقف في وقائع تعود إلى بداية القرن الخامس الهجري([23]).

أما الشيخ أحمد السيابي فيرى أنه عاش في أواخر القرن الخامس وبدايات القرن السادس، استنادًا إلى نقول له عن كتاب “جمهرة نسب العرب” لابن حزم الأندلسي الذي توفي سنة 456هـ([24]). وهو رأي الشيخ الخليلي أيضا استدلالا بنقوله نصوصا من مؤلفات أبي حامد الغزالي المتوفى سنة 505هـ([25]).

من أشياخه القاضي الفقيه أبو علي الحسن بن سعيد بن قريش العَقري النـزوي، المتوفى سنة 453هـ.

كما ذكر الشيخ أحمد الخليلي أن من شيوخه ابن بركة البهلوي، ولكنه شيخه بالواسطة، إذ يقول عنه: “قال شيخنا أبو محمَّد”، وقد عاش ابن بركة بالمنطقة الداخلية في بهلا، وانتشر تلاميذه في أرجاء عمان، فتعلم عنهم العوتبي. كما كان الشيخ أبو مالك الصلاّني شيخا لابن بركة، وهو من صلاّن من قرى صحار([26]).

ويعكّر على هذا الاستنتاج ما ورد في كتاب الضياء من نص منسوب لأبي عبد الله عثمان الأصم المتوفى سنة 621هـ([27]). وفي هذه النصوص صيغة الترحم على الأصم، فهل عاصره أم جاء بعده؟ أم إنها نصوص مدرجة في الكتاب؛ على عادة بعض النساخ مِمَّا خلط الأوراق على الدارسين([28]).

والمتفق أنه أشهر علماء زمانه في عمان، ومن المؤلفين المجيدين المكثرين في التأليف([29]). وكان شخصية علمية أدبية وفقهية وموسوعية، نسابةً وعالما ضليعا في اللغة والفقه والعقيدة([30]).

ـ آثار العوتبي:

خلد العوتبي اسمه بما خلف من تراث علمي رصين، في علوم اللغة والفقه والأنساب، وقد وصل إلينا من تلك الكنوز كتبه الآتية:

أولاً: كتاب الإبانة في اللغة: وهو معجم لغوي يؤصل لمعاني الألفاظ مع عنايته بالجانب الصوتي والدلالي، وقد حققه الدكتور عبد الكريم خليفة، مع مجموعة من الباحثين، برعاية وزارة التراث بعمان، وطبع في أربع مجلدات كبيرة.

ثانيا: كتاب الأنساب: ويتضمن الكتاب تفصيلا مهمًّا لأنساب القبائل العمانية، فضلا عن المادة التاريخية للأمم السابقة من مبدإ الخلق إلى عصر الإسلام.

ويعتبر كتاب الأنساب الكتاب الأوحد الذي عُني بأنساب القبائل العمانية، واشتمل على كثير من هذه القبائل وإن لم يستقصها كلها، فهو بحق مصدر هام وأصيل للأنساب العمانية([31]).

وقد نال الكتاب شهرة واسعة وانتشرت مخطوطاته في مكتبات العالم، وصار حجة لمن جاء بعده من المؤرخين العمانيين، «فما من مؤلف في التاريخ العماني إلا وأصل مادته في الأدوار الأولى من التاريخ العماني من كتاب العوتبي، وما من مؤلف في الأنساب العمانية أو مهتم بالأنساب إلا والعوتبي إمام له»([32]).

ثالثا: كتاب الضياء: وهو كتاب فقهي سنفرده بكلمة أوسع، باعتباره مجال بحثنا حول الفقه المقارن.

معالم كتاب الضياء:

يعد كتاب “الضياء” موسوعة فقهية استوعبت أبواب الفقه الإسلامي مقارنة بين آراء الإباضيّة وغيرهم من فقهاء الإسلام. ويمكن اعتباره من أقدم الموسوعات الفقهية المقارنة في التراث الإسلامي.

وعلى اقتدار العوتبي العلمي وسعته المعرفية، وأصالة مؤلفاته وسبقه في ما كتب، فقد ظل طي النسيان لم تنله جهود الدارسين إلى عهد قريب، حين نُشرت هذه الكتب فأدرك الباحثون أيَّ عالم كان العوتبي، وأيَّ نفيس تراث خلّفَ للأجيال.

ومن الجهود المبذولة للتعريف بالعوتبي وبتراثه الندوة العلمية التي أقامها المنتدى الأدبي التابع لوزارة التراث القومي والثقافة بعمان تحت عنوان “قراءات في فكر الصحاري العوتبي”([33]) ألقت ضوءًا حول هذه الجهود، وفتحت أبوابا لمزيد من الدراسات والبحوث لمن أراد.

بيد أنه يلحظ قصور تناول الجانب الفقهي في فكر العوتبي رغم ضخامة الجهد الذي بذله فيه، في حجمه، إذ بلغ مجموع مؤلفه “الضياء” أربعة وعشرين مجلدا، طبع منها ثمانية عشر جزءا حتى الآن، ولعلَّ السبب يعود إلى تأخّر نشر هذا الكتاب، وصدوره بصورة متقطعة مِمَّا حال دون تصور كامل للعوتبي الفقيه المجتهد، وغلبة صورة العوتبي اللغوي الأديب.

وجدير بالتنويه أن كتاب الضياء ليس كتاب فقه فحسب، بل يعدّ مصدرًا للتعرف على آراء العوتبي الأصولية، فقد كشف فيه عن قدرة على الاجتهاد بوأته مقام المقارنة بين آراء الفقهاء، وخصص لقضايا الأصول معظم الأجزاء الثلاثة الأولى، ثُمَّ أفرد للفقه الأجزاء الباقية.

وقد تناولنا آراءه الأصولية ضمن أطروحة الدكتواره “منهج الاجتهاد عند الإباضيّة” وتجلى لنا من خلالها أصالته وشخصيته الأصولية مقارنة بأئمَّة الإباضيّة، ومدى إسهامه في تطور علم الأصول لدى هذه المدرسة([34]).

ـ نسبة كتاب الضياء للعوتبي:

تجمع المصادر الإباضيّة على نسبة كتاب الضياء للعوتبي، ولم يختلف في ذلك القدامى ولا المحدثون، وقد طبع الكتاب في ثمانية عشر مجلدا، ولا ندري هل اكتمل طبعه أم لا تزال بقية منه لم ير نور الطباعة بعدُ؟!([35]).

وقد ذكر الشيخ الخليلي عن البرادي تحديده أجزاء الكتاب وأنها بلغت خمسين جزءا، واحتمل للبرادي عذرا، إذ ربما رأى بعض أجزائه فحزر مجموعها ولم يطلع عليها كاملة([36]).

بيد أن ثمة مشكلة منهجية في داخل الكتاب نفسه، تتمثل في إدراج نصوص من غير الضياء من قِبل النُّسَّاخ، ومن نماذج هذه الإدراجات، عبارة “من غير الضياء”([37])، “ومن كتاب أبي المؤثر”([38]). “ومن غير الضياء وعن زكاة الفطر”، وأحيانا نجد عبارة “رجع إلى كتاب الضياء”([39]).

لهذا أصبح من الضروري التنبه لهذه القضية من قِبل الدارسين حتى يستوثقوا من نسبة الأقوال والآراء لصاحب الكتاب دون غيره.

ـ سبب تأليف الضياء:

ذكر العوتبي سبب وضعه لكتابه قائلا: «أما بعد، فهذا كتاب دعاني إلى تأليفه، وحداني إلى تصنيفه ما وجدته من دروس آثار المسلمين وطموس آثار الدين، وذهاب المذهب ومتحمّليه، وقِلّة طالبيه ومنتحليه، فرأيت الإمساك عن إحيائه، مع القدرة عليه، ووجود السبيل إليه، ذنبًا وشؤما، وذمًّا ولؤما، فألّفته على ضعف معرفتي، ونقص بصيرتي، وكلّة لساني، وقلة بياني، طالبا للأجر لا للفخر، وللتعلم لا للتقدم، وللدراسة لا للرياسة، غير مدّعٍ للعلوم تصنيفا، ولا مبتدع للفنون تأليفًا، لكن لأحيي به نفسا، وأفزع إليه أنسًا، وأرجع إليه فيما أنسى، ولأستصبح بضيائه مهتديا، وأصبح بما فيه مقتديا، إذ التشكك معترض والنسيان ذو عنون، والحفظ خؤون، ولكل شيء آفة، وآفة الحفظ النسيان»([40]).

ـ حجم كتاب الضياء:

نص العوتبي أن حجم كتابه كبير، وأنه كلما كبر حجم الكتاب كثرت فوائده ونفعه([41])، وبيّن هدفه من ذلك قائلا: «فلا غرو إن كبر الكتاب وكثرت فيه الأبواب، ولعمري إن الإكثار والإطالة موجبان للترك والملالة، لكن لا في كل مكان يحسن الاختصار، كما لا في كل مكان يحسن الإكثار، وقيل لأبي عمرو بن العلاء: هل كانت العرب تطيل؟ قال: نعم، ليُسمع منها، قيل: فهل كانت توجز؟ قال: نعم، ليُحفظ عنها»([42]).

وقال: «وقد فسرت جميع ما ذكر في هذا الكتاب من لفظ غريب ومعنى عجيب ليكون مستغنيا بتفسيره عن الرجوع فيه إلى غيره، على أن الغرض المقصود به، والغرض الموضوع له هو الفقه الذي هو أصل العلوم وأولها وأفضلها وأجلها وإمامها وأكملها، ومنه تستنبط كل معرفة وعنه تضبط كل صفة»([43]).

ويود العوتبي لو جعل من كتابه موسوعة شاملة لكل العلوم، ولكن هذا هدف غير مروم، وقد أعجز السابقين، واعتذر بذلك لنفسه، حكاية عن «محمَّد بن إسحاق أنه ألف كتابا في الشروط يزيد على أربعة آلاف ورقة، وهو فن واحد، وكم مثل هذا أو أكثر أو أقل، وأكثر من العلوم المصنفة والكتب المؤلفة، فلو استطعت أن أجمع كل العلوم في هذا الكتاب لفعلت، لكن ذلك ما لم يكن لمتقدم ولا يكون لمتأخر»([44]).

والكتاب بمضمونه ومنهجه وموسوعيته غدا مصدرا للمؤلفات العمانية اللاحقة، بل استفاد منه المغاربة أيضا، إذ ورد ذكره في كتاب شرح النيل للقطب اطفيش في واحد وعشرين موضعًا، ولكن دون ذكر اسم العوتبي، بل يرد بعبارة: “وفي الضياء”، “وقال في الضياء من كتب أصحابنا”، “وهو قول صاحب الضياء”([45]).

ـ محتوى الكتاب:

تناول في أول الكتاب موضوع العلم باعتباره مقدمة منهجية، تعرض فيها لمباحثه تفصيلا، بدءًا بمعناه وفضله وشرف أهله، وذم الجهل وأهله، وخصص بابا للعقل وآخر لمراتب العلماء، ووجوب إكرامهم وتبجيلهم، وبابا للحث على طلب العلم وآداب المعلم والمتعلم لتحصيل ثمرة العلم، ثُمَّ أعقبه بأدب الفتيا والمفتي والمستفتي، ومن يجوز استفتاؤه، وخصص بابا للتقليد وخطره.

ثم انتقل إلى الجانب العملي وهو التكليف انطلاقا من أساسه وهو التوحيد ووجوب قيامه على العلم والبصيرة، إذ لا يصح في توحيد الله جهل ولا تقليد.

ثم خلص إلى أبواب التوحيد بدءًا بصفات الله U وبيان ما فيها من حقيقة ومجاز، وما يجوز منها وما لا يجوز، وفصل القول في مباحث الصفات المختلف فيها بين المسلمين، كقضية رؤية الباري، كما تولى تفسير كلمة التوحيد وما تتضمنه من دلالات وتقتضيه من تبعات.

وعرّج إلى الحديث عن القضاء والقدر وبيان الرزق وطلب المعاش.

ورجع إلى أحكام القرآن، وما تعلق به من قضايا أصول الفقه، من المحكم والمتشابه، والأوامر والنواهي والأخبار عن النبيّ e، وما يسع جهله وما لا يسع جهله.

كما تناول مباحث الأصول والقياس، ثُمَّ خصص فصولا لبيان مصطلحات الدين والإيمان والإسلام، والكفر والشرك والفسوق والردة وأحكامها، وهو ما اصطُلح عليه بالأسماء والأحكام.

ثم دلف إلى موضوعات الفقه بدءًا بالطهارات وأحكامها، ثُمَّ الصلاة وأبوابها الكثيرة، فسائر أركان الإسلام الخمسة من الصوم والزكاة والحج، وما فيها من أقوال وأفعال وبيان أنواعها من مفروضات ومسنونات ومستحبات، ومكروهات ونواقض.

وخصص كتبا وأبوابا مفصلة ومطولة لأحكام العبيد والنكاح، والفرق الزوجية، وما يتبعها من حقوق، وأحكام القضاء والدعاوى وكيفية قضاء الحقوق والخلاص منها، والكفالة والحوالة، وأحكام المضار والضمانات والمنازعات، وأحداث الصبيان، والإقرار بالحقوق والزكاة والحج والصيام والنذور والعتق، وأحكام الوصايا والمواريث بتفاصيل مسائلها.

ثم خلص إلى باب المضاربة وأحكامها والتجارة والشركة والسلف والسلم والرهن والكفالة والحوالة والبيوع وأحكام ذلك تفصيلا، ثُمَّ الخيار في البيوع، والغش فيها والغبن، والعيوب التي يرد بها البيع، وبيع الجبابرة والغصب، وختمها بباب الربا ثُمَّ عيوب الدواب والعبيد والإماء.

وتناول أحكام اليتيم ونفقته وماله، والوصايا فيه وما يجوز للوصي والوكيل والمحتسب في مال اليتيم، وبلوغ اليتيم ورشده وأحكام الصبي وناقصي الأهلية.

ثم تحدث عن الشركة بين الناس في الأموال والمنازل والأفلاج وحقوق أصحابها، ثُمَّ خلص إلى القسمة وأحكامها.

وفصل في الطرق وأحداثها وأحكامها وحريمها، والأودية والمساجد والقبور وأرض السيل.

وختم بعمل الأرض والعمال في الأموال والفسل والبناء، وأحكام العمال في الأجر والإجارات وأهل الصناعات.

 

معالم الفقه المقارن في الضياء:

ـ منهج العوتبي في تقسيم الضياء:

ترسم العوتبي أثر ابن بركة في صدر الكتاب حين كان يؤسس لقضايا علم الأصول بعد أن أحكم سبك المدخل العقدي وتحديد قضاياه، ثُمَّ انطلق في موسوعته مستوعبا أبواب الفقه الإسلامي كما تبين لنا من العرض السابق كيف استوعب أبوابه من الطهارات فالصلاة فسائر العبادات، ثُمَّ المعاملات من الأنكحة فالبيوع والمعاوضات والشركات، فالتوثيقات، ثُمَّ الدعاوى والأقضية، والحقوق والمنازعات.

أما منهجه في عرض الموضوعات فيمكننا أخذ صورة نموذجية عنه في باب الأذان، إذ بدأ بإيراد معاني اللفظة لغةً واستعمالاتها، مع شواهد ذلك، من آيات القرآن وشعر العرب([46])، ثُمَّ عرض للأحاديث الواردة في لفظ الأذان، وفصّل معانيها([47]) وبيّن بإسهاب تأويل حديث: «المؤذنون أطول الناس أعناقًا يوم القيامة»([48])، ثُمَّ ذكر أسماء المؤذنين على عهد رسول الله e وهم بلال وابن أم مكتوم وأبو محدورة، وأورد شيئا من سيرة بلال t([49])، ثُمَّ كيفية بدء الأذان ورؤيا عبد الله بن زيد([50])، وعرج بعدها لبيان معاني الأذان في الاصطلاح، وصيغ الأذان([51])، وأعقبه بأحكام الأذان والاختلاف في كونه فرضا أم سنة([52])، ثُمَّ فصل شروط المؤذن وما يؤمر به وما يكره له([53])، وتحديد وقت الأذان، وهل يجوز قبل دخول الوقت أم لا([54])، وأوسع مسائله بحثا وتفصيلا، مع ذكر الآراء والأدلَّة وترجيح ما يراه صوابا([55]).

وفي باب الصلاة سار على نفس النسق إذ افتتحه ببيان أهمية الصلاة([56]) ثُمَّ بين فضلها ومقامها، وعقب بعظم جرم من تهاون بها([57])، وفضل من حافظ عليها([58])، ثُمَّ عرّج إلى بيان أحكامها تفصيلا([59]).

ولم يختلف النهج في باب الصيام إذ افتتحه ببيان فضله وما ورد فيه من أحاديث، وسبب نزول آية الصيام وتفسيرها، ثُمَّ انتقل إلى أحكام هذه الفريضة([60])، ولكنه لم ينقطع عن تخليلها بفقرات فيها إرشاد لجوهر هذه العبادة وتجلية لحكمتها التشريعية في ثنايا تفصيله لمسائل الصيام([61]).

فقد كان حريصًا على ربط أحكام التكاليف بأسسها الإيمانية وأهدافها التربوية لتهذيب النفس وإصلاح الإنسان.

ـ الضياء معلمة بأسماء فقهاء الإسلام:

يصرح العوتبي بقصده إلى المقارنة بإيراد أقوال العلماء من الإباضيّة وغيرهم، فيقول: «وقد ذكرت شيئا من أقاويل قومنا الموافقة لنا والمخالفة لأقاويلنا في مواضعها، من الكتاب، إذ العلم بذلك خير من الجهل به»([62]).

ويفهم من هذا أنه لم يرد الاستقصاء، بل قصد العلم بها وتوسيع دائرة الاطلاع، حتى لا يظل القارئ حبيس نظرة واحدة، أو اتجاه محدود.

بناء على هذا ترددت في ثنايا الكتاب أسماء علماء الإسلام من عصر الصحابة فالتابعين إلى أئمَّة المذاهب، دون تخصيص أو حصر، ونجد من تلك الأسماء الصحابي الجليل ابن عباس([63])، وإبراهيم النخعي([64])، والشافعي([65])، وأبا حنيفة النعمان([66])، وأبا يوسف صاحب أبي حنيفة([67]).

كما يورد الأخبار التاريخية ويستند إلى روايات مختلف المصادر، ومن مصادره التاريخية محمَّد بن إسحاق([68]).

ويرجو العوتبي المعذرة من القارئ على ما يورده وعدم التسرع لتخطئته رغم حرصه على الدقة والأمانة: «فمن وقف على هذا الكتاب فلا يعجلنّ بالجهالة عليّ، ولا يرسلنّ هجر المقالة إليّ ليتصحح ما قلته، وليتصفّح ما قدمته، عساه يجد لي سعة وعذرًا، وليتبين صحته أمرا، ثُمَّ لا يستثقله رائيا، ولا يمله قارئا، فإن الكتاب كلما كبر حجمه كثرت فوائده»([69]).

ـ قضايا الوفاق وقضايا الخلاف:

استوعب العوتبي مسائل الفقه الأكبر في كتابه، وخصص للعقيدة أجزاء كاملة من موسوعته، وقرر مواقف الإباضيّة فيها، وأوضح المسائل الخلافية ومبنى الاستدلال لها، من نصوص الكتاب والسنة وشواهد اللغة وكلام المفسرين للقرآن. كما تعرض للأقوال المخالفة من شتى الفرق كالأشعرية والمعتزلة والمشبهة والقدرية وردّ عليها ردًّا مطوّلاً، وخصص الجزء الثاني من الكتاب كاملا لهذه المسائل([70]).

ولئن كان العوتبي متسامحا ليّنا في مسائل الفقه، باعتبارها مسائل رأي مبناها الظن والاجتهاد، فقد كان صارما في قضايا العقيدة؛ لأنَّ مبناها القطع واليقين، وهي: دين لا مجال فيها للاجتهاد. والحق فيها واحد ومع واحد، والمخطئ فيها آثم غير معذور.

وحرص العوتبي على مزج العقيدة بالأخلاق، وصبغ الفقه بهما معًا، باعتبارهما أساسا لا تثمر الأحكام من دونهما، ولا يجدي غيابهما نفعا على الإنسان ولو التزم بكل أحكام الإسلام ([71]).

عرض الآراء بين الترتيب والاختصار:

إن كانت المسألة محل وفاق أو راجحة عند الجمهور بدأ بالرأي المتفق عليه، أو الرأي الراجح، وإن كانت محل خلاف بدأ بذكر الخلاف، ثُمَّ يخلص إلى ما رجح عنده من تلك الآراء([72]).

ومن شواهد هذا الترتيب مسألة استقبال الكعبة، إذ بدأ بإجماع الأمة على فعل النبيّ e حين صلى تجاهها وصفّ الناس خلفه مستديرين حولها، فدل على أن حال أهل الآفاق جميعا مثل حال أهل مكة يصلون تلقاء الكعبة، ثُمَّ ذكر الاختلاف حول وجوب استقبال عين الكعبة أم جهتها([73]). وفي حكم الأذان بدأ بذكر الاختلاف وناقش الأقوال ثُمَّ خلص إلى الرأي الراجح([74]).

كما يجنح العوتبي في عرضه للآراء إلى الاقتصاد وإيراد الأهم البارز في مسائل الخلاف، مع نسبة الرأي لصاحبه، وذكر الرأي بكل أمانة، موضحًا وجهة نظر صاحبه ومبنى دليله، ثُمَّ يناقشه. بيد أنه قد يورد الرأي بصيغة المجهول، أو يُغفل اسم صاحبه، بعبارة: ويرى بعضهم، وقال بعضهم، وقيل، ورُوي…([75]).

وإن كان الخلاف غير مُجْدٍ أعرض عن تفصيل الرد عليه، وقد صرح بهذا المسلك بقوله: “السكوت خير من الكلام العاري من البرهان، والخرس أفضل من قول بغير بيان”([76]).

ـ ترتيب العوتبي بين الأدلَّة:

واضح من منهج العوتبي حرصه البالغ على استقصاء الأدلَّة النقلية الصحيحة من الكتاب والسنة وأقوال السلف. ومن عادة العوتبي إيراد الأدلَّة بالتسلسل من أعلاها إلى أدناها، يبدأ بآيات القرآن الكريم، وما قال فيها المفسرون، ثُمَّ أدلَّة السنة، وينص في المسائل قائلا: والحجة في ذلك قول النبيّ e كذا..([77])، ثُمَّ دليل الإجماع([78]) ثُمَّ أقوال الصحابة([79]). والمجتهدين، وغيرها من الأدلَّة الاجتهادية كالقياس والاستصحاب([80]). ودليل العقل([81]). ويدعمها بشواهد اللغة ما أمكن([82]).

وقد يستأنس بكلام الحكماء ولو من غير أهل ملة الإسلام، إيناسا للقارئ، وترسيخا لمعنى الصواب والحكمة التي هي ضالة المؤمن، حتى يوقن أن أحكام الإسلام تطابق منطق الفطرة والحكمة الرشيدة، وتحقق مصلحة الإنسان في كل زمان ومكان([83]).

وقد برز هذا التوظيف الشامل لشتى الأدلَّة في عدة أبواب من الكتاب، منها أبواب العلم بصورة خاصة؛ لأنَّ العلم محل اتِّفاق بين الناس، وقد أجمعت العقول والرسالات على قيمة العلم وفائدته وضرورته.

ـ قوة الدليل أساس قبول الآراء:

ذكر عن موسى بن علي قوله: “ثلاثة لا يجوز في النكاح: رجل تزوج امرأة وشرط عليها أن لا ميراث لها، أو يعزل عنها في الجماع، أو لا نفقة لها عليه، وشرط الله قبل شرطه”([84]).

وأكَّد ما جاء في الأثر: أنّ من تزوج على أن لا جماع فيه ثُمَّ أراد الجماع فذلك هو له، وإن كان أنقصها من صداقها لذلك فعليه تمامه”([85]).

ومن شرط أن لا نفقة ولا كسوة ولا سكنى، فالنكاح تام، ولها النفقة والكسوة والسكن، إذا أرادت نقض الشرط، وإن طلقها على أن لا كسوة ولا نفقة لها عليه في العدة إذا كانت حاملا، أو طلقها ثلاثا، فهذا أيضا فاسد، إذا أرادت نقضه” ([86])

وإن تزوجها على أن لا صداق لها عليه، فهذا تزويج فاسد، بدليل أن الفروج لا تُستباح بالنكاح إلا بصداق، فلما شرط في النكاح ما يبطله فسد، وشبهه بنكاح الشغار الذي حرمه رسول الله e([87]).

وفي باب الصلاة ذكر قول جابر بن زيد بكراهة الصلاة على كل شيء من الحيوان، واستحبابها على كل ما أنبتت الأرض، وما لم يكن منها فلا يجوز السجود عليه إلا بدليل، لحديث «جعلت لي الأرض مسجدا»([88])، وأما الذهب والفضة والثياب وإن كانت مِمَّا أنبتت الأرض فهو مكروه كراهة تأديب؛ لأنَّه منافٍ للتواضع والتذلل لله تعالى في حال السجود، وهي مدعاة للخيلاء والفخر([89]).

ولا يعني هذا التزام العوتبي بإيراد الأدلَّة لكل الأقوال التي يذكرها، فأحيانا يورد العوتبي أحكاما متسلسلة دون ذكر أدلتها، وقد تكون قأئمَّة على القياس، أو على دلالة نصوص عامة، فلا يشير إلى ذلك، وربما أورد شواهد لبعض المسائل دون البعض الآخر، ومن نماذج هذا ما ذكره من أحكام المساجد والنوم فيها ونزع الأذى منها، وحفر بئر فيها وموضع العريش في فنائها، فدلل على بعض الآراء وترك الآخر غفلا عن الدليل ([90]).

وفي الحديث عن زكاة الفائدة وهل تتبع أصلها، أم يستأنف لها حول جديد، ذكر قول الإباضيّة بأنها تبع لأصلها، وقول الإمام مالك باحتساب حول جديد لها، ورجحه على غيره، ومستنده الحديث النبوي: “لا زكاة على مال حتى يحول عليه الحول” قال: «والفائدة مال مخاطب صاحبها فيها بوجوب الزكاة كخطابه في النصاب، والموجب في الفائدة الزكاة بعد شهره عند دخول الزكاة محتاج إلى دليل»([91]).

كما انتقد ما «يوجد في آثار أصحابنا أن حق المؤلفة قد سقط اليوم إلا أن ينـزل قوم في عصرنا أو في عصر من الأعصار منـزلة المؤلفة. ولا أعرف وجه قولهم في إسقاط حق المؤلفة، وفي قولهم: “إلا أن ينـزل قوم منـزلة المؤلفة” دليل على أن حق المؤلفة باقٍ عندهم، وأظن معنى قولهم: “إنّ حق المؤلفة اليوم ساقط” لعلمهم بأن أحدا في عصرهم لم يكن مستعصيا عليهم فينقاد بمال، فلذلك قالوا ما قالوا، والله أعلم.

والنظر عندي يوجب أنّ حق المؤلفة باق على كل حال في كل عصر وُجِدوا ووُجِد الإمام، واحتاج إلى تأليفهم، لعدم النسخ لذلك من الكتاب والسنة والإجماع»([92]).

وهذا توجيه سليم لمبنى الاجتهاد، ونقد متأدب لاجتهادات العلماء.

ـ الاعتماد على الأحوط عند تشابه الأدلَّة:

تعرض العوتبي في قضية صلاة الوتر إلى خلاف العلماء حول كونها ثلاثا بتسليمة واحدة، أم واحدة بعد ركعتين أي بتسليمتين، ونقل نص ابن بركة إذ قال: «واختلف أصحابنا في صلاة الوتر، فقال بعضهم: يصلّي ثلاثا بإحرام واحد وتسليمة واحدة؛ وقال آخرون: يصلي ثلاثا بإحرام واحد وتسليمتين، وخيَّر صاحب هذا القول فقال: إن شاء وَصَلَ وإن شاء فَصَلَ، وقال آخرون: الوتر واحدة بعد ركعتين. والنظر يوجب عندي إجازة الواحدة والثلاث، والمصلّي مخيَّر بين فعل الواحدة والثلاث، وما فعل من ذلك فقد وافق السنة؛ لأنَّ النبيّ e قد نقل عنه فعل الواحدة والثلاث… وروي عنه e أنه قال: صلاة الليل مثنى مثنى فإذا خفت الصبح فأوتر بواحدة»([93]).

وبعد إيراد نص ابن بركة أضاف العوتبي قائلا: «وروي عنه e من طريق ابن عمر أنه قال u: «صلاة الليل مثنى مثنى، وقيل: الصلاة مثنى، فإذا خفت الصبح فأوتر بواحدة»، وهذا الخبر الذي تعلق به من قال بالركعة الواحدة من أصحابنا وغيرهم، فيحتمل أن تكون هذه الركعة موصولة بغيرها على ما ذهب إليه من قال بالركعة، ويحتمل أن تكون مفردة لأجل الصبح؛ لأنَّ فيه شرطا إذا خاف المصلي أن يفاجأ بالصبح، ومن احتج بجواز الواحدة، ولا حجة له مع وجود الشرط، فاسم الوتر يقع على الواحدة والثلاث، ومن أتى بواحدة فغير خارج من الاختلاف، والذي قلناه أكثر احتياطًا»([94]).

ـ عدم الترجيح عند فقدان الدليل المرجح:

إذا أشكل على المجتهد ترجيح أحد الأقوال لتساوي الأدلَّة في المسألة كان مخيرا بينها، وذلك ما عمد إليه العوتبي في بعض المسائل، مثلما فعل في قضية تحديد المقصود بالصلاة الوسطى في قوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾([95])، فقد أورد الأقوال ممن يرى أنها العصر، ومن يرى أنها الصبح، ومن يرى أنها الظهر، والأحاديث المستدل بها لكل قول، ثُمَّ ختمها بقوله: والله أعلم([96]).

وفعل مثل ذلك في مسألة الصلاة في الأرض المغصوبة والصلاة بالثوب المغصوب، بين من قال ببطلانها لكونها أفعالا كائنة في مكان لا تصح فيه، ومن قال: إنها صحيحة، ويتوب من غصبه، ولا يقضي صلاته. ولم يرجح بين هذه الأقوال([97]).

ـ بين الموضوعية والمذهبية:

تعتبر المذهبية سمة لازمت المذاهب الإسلامية طويلا، ولا تزال آثارها طاغية على مستوى التفكير والفعل في معظم المجتمعات الإسلامية، ولها أسبابها التاريخية والاجتماعية، وتعزيزها من قِبل بعض الفقهاء، رغم حيادية بعضهم، وسعيهم للتقليل من آثارها، وقد ذكر الدكتور الدريني عن بداية المجتهد بأنه «من أنفس ما كُتِب في الفقه الإسلامي المقارن، دقةً علمية وموضوعية، ونزاهةً، وتبدو عنايته واضحة في تحرير “مناشئ الخلاف”، والموازنة بين الأدلَّة أصوليًا، وكثيرا ما يرجّح الرأي الأقوم، وقد يأتي برأي جديد، في حين أننا نجد في كتب الحنفية مثلا نقلاً للآراء الضعيفة لفقهاء المذاهب الأخرى، ثُمَّ يشرعون في الرد عليها، متجاهلين الآراء القوية لمخالفيهم، مِمَّا يشعر بتجافي “الحق العلمي” بدافع نزعة حب الانتصار على المذهب المخالف، وهو لون من التعصب المذهبي الذي ينبغي أن يكون القضاء عليه غاية من غايات الفقه المقارن»([98]).

ومن أهم ضوابط الفقه المقارن وشروطه الموسوعية والموضوعية، ليتسنى للناظر الاطلاع الكافي على الآراء وأدلتها، والشجاعة الكافية لترجيح ما يعضده الدليل. وقد حظي العوتبي بنصيب موفور من هاتين الصفتين، بما نجده واضحا في كتبه بعامة، وفي الضياء بصفة خاصة.

ومن حرص العوتبي على الموضوعية قدر المستطاع ذكر الأقوال وأدلتها، كما فعل في قضية ما يقطع الصلاة مِمَّا يمر بين يدي المصلّي، إذ قال: «قالت طائفة من قومنا: لا يقطع الصلاة شيء، وهو قول الشعبي والزبير ومالك وسفيان الثوري والشافعي، وأبو ثور، وأصحاب الرأي وغيرهم. واحتج أصحاب الشافعي بما روي عنه e أنه قال: «لا يقطع صلاة المسلم شيء»، وعن عليّ أنه قال على المنبر: يا أيها الناس إني سمعت رسول الله e أنه قال: “لا يقطع الصلاة إلا الحدث”، وإني لا أستحيي مِمَّا لم يستحي منه رسول الله e، قال: الحدث أن يفسُوَ الإنسان أو يضرط.

وقال أبو حنيفة فيما حُكي عنه: «لا تقطع الصلاة إلا الحائض»([99]).

وفي رأي وجيه يظل العوتبي وفيا للواقع في تقرير الأحكام إذ يقول: «وإذا مرت امرأة بين يدي المصلّي فليس عليه أن يسألها طاهر هي أم لا، ولا نقض عليه حتى يعلم ذلك؛ لأنَّ من شأن المرأة وأكثر عادتها الطهارة، والحيض حادث، فحتى يعلم حدوث ولا يعلمه أحد غيرها، وليس لها أن تمرّ أمام المصلّي، فإن مرّت فلا قطع عليه، حتى يعلم ذلك، والله أعلم»([100]).

كما يؤيد رأي الحنفية في نقض الصلاة والوضوء بالقهقهة في الصلاة، واعتبارها حدثا ناقضا. بينما لا يعتبره الإمام مالكا ناقضا للصلاة ولا للطهارة. والرعاف عند مالك كالقهقهة؛ لأنَّه لا يعتبر الحدث إلا ما كان متفقًا عليه، ولكنه قال: من دخل الصلاة بتيمم، ثُمَّ رأى الماء وهو في الصلاة انتقضت طهارته، وهذا حدث عنده.

وانتقده بأن هذا ليس حدثا متفقا عليه، فلِم اعتبره ناقضا، وكان عليه أن يسويه بالقهقهة والرعاف([101]). ثُمَّ ناقش رأي أبي حنيفة ورأي الشافعي في المسألة([102]). واحتج لقول الإباضيّة والحنفية بأحاديث تقضي بنقض القهقهة للوضوء والصلاة([103]).

ومن نماذج موضوعية العوتبي ما ذكره في مسألة «السجود على كور العمامة([104])، فجوّزه بعضهم، وهو قول أبي حنيفة، وكرهه آخرون، ولم يُقْدِم بالأمر بإعادتها، وأفسدها بعضهم وبه قال الشافعي، واحتج بحديث أبي رفاعة عن النبيّ e أنه قال: «ثم يسجد ويمكن جبهته بالأرض حتى تطمئن مفاصله».

والذي يروى عنه e أنه سجد على كور العمامة خبر ضعيف، ولا يجوز قياس الجبهة على الركبتين؛ لأنَّ الركبة تستر في العادة، والجبهة تكشف في العادة، فوجب كشفها في حال السجود..»([105])، واستشهد بما يعضد هذا القول كقوله تعالى: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُود﴾([106]) وهو مدح لهم، ومن لم يسجد على جبهته وأدام السجود على كور العمامة لم يكن في وجهه أثر السجود، ولكن لا يجوز أن يقصد إظهار هذه العلامة فيكون رياء وضربا من النفاق([107]).

الاستقلال الفكري في آراء العوتبي:

آراء انفرد بها العوتبي:

طفح كتاب العوتبي بأسماء أعلام الإباضيّة منذ نشأة المذهب إلى عصره، بين من يكثر وروده ومن يقل، حسب ثقله العلمي ومدى ما أورثه من تراث وآراء، فمنهم: جابر بن زيد([108])، وأبو عبيدة مسلم ([109])، والربيع بن حبيب([110])، وابن محبوب([111])، وموسى بن أبي جابر([112])، وموسى بن عليّ([113])، وأبو الحواري ([114])، وأبو المنذر بشير([115])، وأبو زياد ([116])، وأبو المؤثر([117]) وأبو سعيد ([118])، وأبو الحسن([119])، ومحمَّد بن موسى، وأبوه موسى بن محمَّد ([120])، وأبو مالك الصلاّني([121])، وأبو عبد الله محمَّد بن عثمان([122]). كما أورد رأيا للشيخ أبي العباس أحمد بن محمَّد بن بكر النفوسي المغربي ([123]) مِمَّا يزكي قوة التواصل العلمي بين المشرق والمغرب.

ويذكر الشيخ الخليلي أن العوتبي لم يميز في إيراد آراء المذهب بين علماء المدرسة النـزوانية المتساهلة في أمر موسى بن موسى وراشد بن النضر، وقد تزعمها الإمام أبو سعيد الكدمي، وبين علماء المدرسة الرستاقية المتشددة في القضية، وكان زعيمها الإمام ابن بركة البهلوي، فإن الاختلاف السياسي بين المدرستين لم يؤثر على الاستفادة المتبأدلَّة بينهما، وإن كان باع المدرسة الرستاقية أوفر وأفضل في علوم اللغة وعلم أصول الفقه([124]).

والذي نال نصيب الأسد من الأثر على الضياء هو أبو محمَّد عبد الله بن بركة، ينقل عنه بقوله: قال أبو محمَّد، في مواضع عديدة من الضياء([125]). وقد حاز ابن بركة هذه المكانة بفضل كتابه “الجامع” الذي غدا موئلا لكل من كتب في الفقه من الإباضيّة منذ القرن الرابع حتى عصرنا الحاضر. حتى اصطلح عليه لدى العمانيين باسم “الكتاب”، فهو مثل كتاب سيبويه عند النحويين.

ولم يكتف العوتبي بالاقتباس المتكرر من جامع ابن بركة، بل جاراه حتى في طريقة التصنيف وتقسيم الموضوعات، وبخاصة في أجزائه الأولى حيث تناول القضايا الأصولية على نسق وأسلوب ابن بركة حذو النعل بالنعل، كما نقل كلامه حرفيا في مسائل فرعية عديدة([126]).

وقد يتحرى العوتبي الدقة أكثر في نقل الخبر، مثل ذكر اسم الراوي في حديث استشهد به ابن بركة ولم يذكر روايه([127]).

ولئن اهتم العوتبي أساسًا بآراء أئمَّة الإباضيّة فلم يكن حبيسها أو مقدسًا لها، بل ربما رجح غيرها، مِمَّا يراه أفضل وأولى بالاعتبار، كما قد يستقل بآراء خاصة كقوله بحصول الإجماع على أن أقل الحيض يوم وليلة، والحال وقوع الخلاف في ذلك، ومشهور الشافعية أن أقله دفعة واحدة، بينما يرى الإباضيّة والحنفية أن أقله ثلاثة أيام([128])، ولذلك انتقد الشيخ أبو نبهان جاعد بن خميس الخروصي على العوتبي ادعاء هذا الإجماع([129]).

ومما انتقد عليه أيضا رأيه في مسألة: هل تلزم العدة المرأة إن طلقت بعد أن أرخى عليها زوجها الستر، وادعت أنه لم يطأها، وصدّقها الزوج؟

فقد نقل العوتبي الإجماع على وجوب العدة، وأنهما لا يصدقان في عدم المسيس، ولكن الخلاف واقع فيها بناء على الخلاف في اعتبار العدة حقًّا لله لا يجوز التنازل عنه، أم هي حق للزوج يجوز إسقاطه. والمسألة مبسوطة بأدلتها، وقد انتقد الشيخ أبو نبهان على العوتبي حكايته الإجماع في هذا المقام([130]).

وفي عدة المرأة المفقودة يرى العوتبي أن على زوجها أن ينتظر حولا كاملا حتى يستطيع أن يتزوج أختها أو عمتها أو خالتها، خروجا من محذور الجمع بين الأختين، أو بين المرأة وعمتها، أو بين المرأة وخالتها.

وانتقد الشيخ جاعد الخروصي هذا الرأي لتفريقه بين الرجل والمرأة بلا دليل، فإما أن ينتظر الرجل أربع سنين ثُمَّ يحكم بوفاة زوجته، وإما أن يطلقها فيحسب عدة الطلاق، ثُمَّ يتزوج بعد انتهائها، وإن احتملنا كون زوجته حاملا انتظر حتى يتيقن وضع حملها، على خلاف بين الفقهاء في أقصى مدة الحمل([131]).

كما انفرد برأي متشدد في بيع الأرقّاء، ومنع صحة هذا البيع إلا بعد اعتراف الرقيق بنفسه أنه مملوك لبائعه([132]).

وهو قول وجيه تسنده مقاصد الشريعة وحرصها على تضييق أسباب الرق وتشوفها إلى الحرية، إذ ربما يقع إنسان تحت الرق دون موجب شرعي، فيضطر إلى الرضا بمصيبته استسلامًا للأمر الواقع، ويكون سكوته بعد ذلك غير كاف لإثبات عبوديته؛ لأنَّه سكوت غير معبّر عن رضى حقيقي، فلزم البيان باللسان والاعتراف بصريح اللفظ، بما يدفع الشكوك، ويقيم الحق على أساس من الحجة والبرهان.

ـ الاستدلال بالسنة ونقد الرواية:

اعتمد العوتبي على السنة كثيرا في الاستدلال على الآراء الفقهية، ونقد الروايات متى دعت الضرورة إلى ذلك.

وكان يحكم بفساد العمل إن كان مخالفا للسنة، فقد ذكر عن ابن بركة قوله: «أكره لمن يصلّي وحده فريضة أن يسبّح في ركوعه وسجوده ثلاثين تسبيحة أو خمسين تسبيحة، ولو أراد بذلك الفضل، وإن فعل لم تفسد صلاته، إلا أنّا نكره ذلك، ولا يخالف السنة؛ لأنَّ السنة جاءت بأنه يسبّح ثلاثًا»([133]).

ثم ذكر أخطاء المصلين في أقوال التسبيح والتكبير في الركوع والسجود انتقاصا أو زيادة في العبارة أو العدد، وأنه لا نقض فيها عند الخطإ، أما إن كان عامدا فصلاته منتقضة؛ لأنَّه تقدم على خلاف السنة، وأشار إلى قول بعض علماء الإباضيّة بعدم النقض ولو مع العمد([134]).

بيد أن العوتبي لم يلتزم ذكر سند الرواية دائما بل كثيرا ما يورد الحديث عاريا عن راويه.

ومن نماذج رواياته للسنة الأحاديث الآتية:

عن النبيّ e أَنَّه قال: «ما أنفق منفق ولا تصدق متصدق بأفضل من كلام الحكمة، إذا تكلم بها الحكيم والعالم ينال كل مستمع عنه منفعته»([135]).

عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبيّ e رأى امرأة عليها سوارين من ذهب فقال: «أتحبين أن تُسوَّري بسوارين من نار يوم القيامة؟» قالت: لا، قال: «أدّي زكاة هذين السوارين»، قالت: هما لك يا رسول الله، فضعهما حيث شئت([136]).

وعن عائشة أنها قالت: «دخل عليّ رسول الله e وفي يدي فتخات من ورِقٍ، أو قالت: من ذهب، فقال رسول الله e: ما هذا؟ فقلت: أتزين لك بهن. فقال: أتؤدين زكاته؟ قلت: لا، فقال: حسبك من النار، اعلمي أن الزكاة تلزمه»([137]).

وعنه من طريق ابن مسعود: «لا حسد إلا في اثنتين رجل آتاه الله مالا وسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها»([138]).

وعن النبيّ e من طريق أنس بن مالك أنه قال: «الحكمة تزيد الشريف شرفا وتضع العبد المملوك حتى تجلسه مجالس الملوك»([139]).

أبو هريرة عنه e قال: «للأنبياء على العلماء فضل درجتين، وللعلماء على الشهداء فضل درجة»([140]).

عن النبيّ e قال: «أهلك أمتي رجلان عالم فاجر وجاهل متعبد»([141]).

فلا يلتزم إيراد سند الحديث أو درجته من الصحة اكتفاء بقبول الفقهاء له، وربما كان الحديث ضعيفا أو موضوعا فلا ينبه عليه، مثلما روى أنه e قال: «بسم الله الرحمن الرحيم تيجان الكتب»([142]).

وروى حديثا عن النبيّ e قال: «إن أول ما كتب الله تعالى في اللوح المحفوظ نقطة، فنظرت إلى نفسها فتصاغرت فتواضعت لله تعالى فصارت همزة، فلما رأى تواضعها طوّلها فصارت ألفا…»([143]). ثُمَّ تستمر الحكاية في مسلسل طريف لتشكل الحروف بصورة لافتة، ولكن لا يعضدها توثيق السند بطريق صحيح.

وفي حديث آخر عن علي بن أبي طالب: «ما من كتاب فيه بسم الله الرحمن الرحيم ملقًى في بقعة من الأرض إلا بعث الله من يرفعه، وإذا رفعه أدخله الله الجنة وخفف عن والديه العذاب وإن كانا مشركين»([144]). فهذا الحديث تناقضه الأصول وقطعيات الدين، وليس بحاجة إلى نقد الناقدين.

وأحيانا يتعرض للخلاف حول ثبوت الخبر ونقد الرواية، ويستثمره في الموازنة بين الآراء.

ومن شواهد ذلك: مسألة نقض الصوم بالكذب، وهي مسألة خلافية بين الإباضيّة أنفسهم، مع اتِّفاقهم على أن الكذب ينقض الوضوء دون طهارة الاغتسال من الجنابة، واستندوا إلى حديث رواه أنس بن مالك قال: قال رسول الله e: «النميمة الكاذبة والكذب ينقض الصيام وينقض الوضوء»، ثُمَّ أورد انتقاد المخالفين في المسألة لعدم ثبوت الحديث عند بعضهم، وتأوله من أثبته منهم بالحرمان من ثواب الصوم دون نقضه، واعتبره العوتبي تأويلا فاسدا، واستدل لصحة مذهبه بأحاديث أخرى، كقوله e: «من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة أن يدع له طعامه وشرابه»، وقال: «رب صائم حظه من صيامه الجوع والعطش»، وأورد روايات عن عمر وعلي وأنس بن مالك قالوا: فيمن كذب أو اغتاب أنه قد فسد صومه([145]).

ويؤكد هذا التوجه أيضا ما أورده من روايات عديدة في حكم الخمر، بلفظ «ما أسكر كثيره فقليله حرام»، وردّ بها على من أجاز النبيذ ([146]).

وفي مسألة زكاة الخيل قال: «وقال الشافعي لا زكاة في الخيل، وقال أبو حنيفة: تجب في الخيل السائمة إذا كانت إناثا أو إناثا وذكرانا، في كل فرس دينار أو ربع عشر قيمته. الحجة عليه قوله u: «ليس على المسلم في عبيده ولا فرسه صدقة»، ولأنه حيوان لا تجب الزكاة في ذكورها إذا انفردت، فلم تجب في ذكورها وإناثها، كالبغال والحمير، وعكسه المواشي. فأما قوله u «في الخيل السائمة في كلّ فرس دينار» فهو خبر ضعيف رواه غورك السعدي، وهو مجهول لا يحتجّ بخبره، على أنه محمول على الخيل السائمة إذا كانت للتجارة»([147]).

وفي قضية الصيام عن الميت، ذكر الأقوال فيها، وهي آراء الأئمَّة مالك وأبي حنيفة والشافعي وداود الظاهري، وأدلتها وناقشها، وأورد سند أحاديثها، وتضعيف بعض رواياتها، وتأويل معانيها، ثُمَّ رجح في النهاية ما رآه منها صوابا([148]).

ولم يكن يألو جهدًا لتوجيه الأحاديث واستثمارها أصوليا لاستنباط الأحكام منها وجوبا أو ندبا أو حرمة أو كراهة أو إباحة. ومن شواهد هذا الاستثمار توجيهه لأحاديث النهي عن اتخاذ المساجد طريقا وعن نشدان الضالة فيها، وعن البيع فيها، فبعضها قال: إنها تفيد الكراهة والتأديب، وبعضها يفيد التحريم، ويرخص لأصحاب الضرورات عند الحاجة([149]).

وإذا عجز عن نقد الحديث احتمل له وجوها من التأويل، كما فعل في حديث «لا توَطّن المساجد للصلاة والذكر لرجل إلا يبشبش الله به حين يخرج من منـزله كما يُبشبش أهل البيت بغائبهم إذا قدم عليهم».

قال: «ومعنى ذلك المسرّة به، ويقال: قد تبشبش فلان بفلان إذا أسرّه وانبسط إليه. فإن كان الحديث صحيحا فتأويله على المجاز لا على الحقيقة؛ لأنَّ السرور والبشاشة ليس من صفات الله U»([150]).

ـ القياس بين الإفراط والاقتصاد:

كان القياس أساسا اعتمده جمهور المجتهدين لاستنباط الأحكام، وضمان شمول الشريعة لتجدد الحياة وتدفق القضايا التي يعيشها الإنسان، ولم يفرط العوتبي في هذا الدليل، بل استند إليه في كثير من آرائه أسوة بسائر المجتهدين.

ولكنه كان يلتزم شرائط القياس حتى يثمر اجتهادا صحيحا، ويرفض ما خالف قواعده، أو لم يستوف شرائطه.

فقد وافق إجماع الإباضيّة أن الظهر والعصر تصلى بالفاتحة وحدها دون السورة، استنادا إلى الإجماع أن كل الركعات السرية تصلى بالفاتحة وحدها، بينما يُقرَأ في الركعات الجهرية بالفاتحة والسورة. وأورد الحوار مع المخالف في هذه المسألة، واحتج بالقياس وانتصر للقول بعدم السورة في الظهر والعصر([151]).

ومن ذلك مسألة تحريم الموطوءة في الحيض على زوجها، وهو قول مأثور عند الإباضيّة، وألحقوا بها الموطوءة في النفاس. وكان رأي العوتبي رفض هذا القياس لاختلاف الصورتين، إذ إن القرآن ورد بتحريم الوطء في الحيض نصًّا، فناسب تشديد الحكم على منتهكه، ووردت أحاديث تشنع على فاعل ذلك، وتلزمه دينار الفراش، وهي وإن كانت أحاديث مضطربة عند نقدة الروايات، فقد عمل بها كثير من الصحابة والأئمَّة. ولم يرد مثل ذلك في باب النفاس، فرأى العوتبي عدم حرمة الموطوءة في النفاس لهذا الاعتبار([152]).

وينكر العوتبي على من قاس الزكاة على الصلاة في كل شيء؛ لأنَّ الصلاة عمل بدني يتعلق بالمكلف، فيختص بشروطه، والزكاة عبادة مالية تتعلق بالمال، فاختلفت حقائقهما، وإن كانتا جميعا عبادات وأركانا للدين.

ويرى العوتبي مع الإباضيّة والجمهور أن الزكاة تجب في مال الصبي والمجنون، ولا ترفع عنهما، وهو قول عدد من الصحابة أيضا، استنادا إلى عموم أدلَّة وجوب الزكاة، بينما ذهب أبو حنيفة إلى اشتراط العقل والبلوغ لوجوبها، قياسا على الصلاة. وأكد العوتبي هذا التمييز بأن الصلاة تخص المكلف، والزكاة يتعلق بها حق الغير، فلا تقاس الزكاة على الصلاة ([153]).

كما ناقش أبا حنيفة إجازته أن يعطي الدائن غريمه زكاته، ثُمَّ يطالبه بدينه، ولم يجز أن تعطي المرأة زوجها من زكاتها، ورأى العوتبي جواز ذلك لتساوي الصورتين، وطالب أبا حنيفة بدليله، وناقش القضية باستفاضة([154]).

ـ المقاصد والضرورة:

لم يغفل العوتبي في عملية الاجتهاد والموازنة بين الآراء الاحتكام إلى مقاصد الشريعة للتعرف على أهدى الآراء سبيلا، وأقربها لتحقيق مقاصد الشارع الحكيم، إذن إن الدين كله جاء لمصلحة المكلفين، كما استقر باستقراء تام لأحكام الشريعة الغراء([155]).

وقد ذكر حكم بناء المساجد وما يعتريها من أحوال، كأن يريد أحد بناء مسجد فيخرب بسببه مسجد آخر مجاور، فهل يباح له ذلك؟ قال: إن لم ينو الضرار فلا بأس. رغم وجود قول بوجوب تباعد المساجد بقدر قضاء حاجة الإنسان والتوضؤ بعد سماع الأذان ولحوقه الجماعة بعد ذلك. وأما ما دون هذه المسافة فيحق للسلطان منع بناء المساجد. وعقب قائلا: «وما أحب أن يبني أحد مسجدا بقرب مسجد إلا أن يكون لا يقدر أن يصل إلى ذلك المسجد، فله أن يبني»، وذكر أن المسلمين عرفوا تجاور المساجد فلم ينكروا على أهلها، وهو أمر مشهور في عمان في زمن العوتبي([156]).

وذكر أن من وطئ امرأته وهو يرى أنه غير امرأته بقصد الزنا، أو صلى في ثوب طاهر وهو يرى أنه نجس، أو شرب شرابا حلالا يظنه خمرا، أو قتل رجلا عمدًا عدونا، وهو ممن يحل قتله، وما أشبه هذه الصور أنه آثم بالقصد، ولكن لا ضمان عليه، وتلزمه التوبة والاستغفار، وإن مات كان في البراءة لقصده ارتكاب الكبيرة([157]).

واتساقا مع واقعية الفقه ومراعاته لظروف المكلفين كان اعتبار الضرورة حاضرا في منهج العوتبي، فنجده يرعاها ويبني عليها عددا من الأحكام.

وتقوم قاعدة الضرورة على أساس تعلق الخطاب الشرعي بالاستطاعة، وقدرة العبد على الامتثال، وحين تقصر قدرته عن الوفاء بكامل الطاعة لزمه أن يأتي منها بما يستطيع، لقوله U: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾([158]). وقوله e: «إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم»([159])، وبناء على هذه القاعدة قال العوتبي في الذي له ثوب نجس لا يقدر على طهارته: إنه يصلي به ولا يصلي عريانا، وهذا قول الإباضيّة، خلافا للشافعي وأصحابه من أهل الحجاز. واستدل للقول الأول ورجحه([160]). أما من افتقد ثوبا للصلاة فإنه يصلي عاريا ولا يترك الصلاة، ولكنه يصلي قاعدا؛ لأنَّه أستر له، وفصّل أحكام صلاة العراة جماعة عند الضرورة ([161]).

وأورد أحكام أصناف من المكلفين، أمثال:

من صلى للقبلة ثُمَّ تبين خطؤه بعد صلاته.

إذا وجد العاري الثوب وهو في الصلاة.

إذا وجد المتيمم الماء وهو في الصلاة.

إذا أعتقت الأمة وهي تصلي حاسرة الرأس.

إذا قدر العاجز عن القيام في الصلاة وهو يصلي قاعدا.

فهؤلاء جميعا يبنون ولا يجددون ولا يستأنفون صلاتهم؛ لأنَّ ما وقع منها أولاً كان وفق استطاعتهم، ثُمَّ تجددت لهم استطاعة أخرى فلزمهم العمل بما تقتضيه والانتقال إلى ما توجبه([162]).

ومن تطبيقات ذلك واجب استقبال القبلة للمصلي حين يتعذر امتثاله، قال: «وإذا خفيت عليه الدلالة سقط عنه فرض التوجه، وكان عليه فرض التحري نحوها، فإذا صلى بعض الصلاة ثُمَّ انكشفت الدلالة على الكعبة توجه إليها، وبنى على ما مضى من صلاته؛ لأنَّ فرض التوجه لزمه عند علمه بالجهة»، واستشهد بخبر تحويل القبلة الذي بلغ الصحابة وهم في الصلاة فاستداروا من بيت المقدس نحو الكعبة، وأقرّهم النبيّ e علَى ذلك([163]).

وفي مقام آخر يقول: «وللإنسان أن يصلي إلى غير القبلة إذا خشي من التوجه إليها من تلف على نفسه من خوف أو مرض أو غيره، ويصلي كما أمكن له، وكذلك يجوز له أن يصلي راكبا وراجلا من طريق الإيماء قال الله U: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَانا﴾([164])، وكذلك الخائف المطلوب دمه الهارب يصلي خمس تكبيرات، ويصلّي حيث كان وجهه، قال الله تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾([165])»([166]).

ـ أثر اللغة على فقه الضياء:

مكّنت ثقافة العوتبي الأدبية ووفرة زاده من علوم اللغة فجعل من الأدب وعاءً للفقه([167])، وجاء كتابه الضياء فريدًا في نسجه، تعلوه مسحة لغوية أدبية ظاهرة، تضفي عليه نضارة تنأى به عن روح الفقه الجافة، بحكم طبيعة الأحكام وما توحي به من صرامة والتزام، ونجد في الضياء عناية فائقة بالتعاريف انطلاقا من استعمالات اللفظة عند أهل اللسان، واستحضارا بارعا وغزيرا لشواهد اللغة وأهلها، ولا غرو فإن القرآن مصدر علوم اللغة، وقاموس اللغة ووعاؤها الخالد، منه نَهل اللغويون والفقهاء على حد سواء.

ولئن تميّز العوتبي باتجاه واضح إلى التأصيل اللغوي فإنه كان مع الاقتصاد في استعمال هذا المنهج حتى لا يخرج عن مجال الاختصاص وهو بيان الأحكام.

ومن شواهد توظيف العوتبي للغة ما ذكره من قول أهل اللغة في سبب تسمية المعرفة والنكرة، وعلة ذلك، بناء على أن المعرفة لا تحتاج إلى علامة؛ خلافا للنكرة([168]). ودلل لذلك بقول النابعة:

أبى الله إلا عدله               ووفاءه           فلا النكرُ معروف ولا العرفُ ضائع([169]).

وقال في شرح حديث النبيّ e: «إن المسجد لينـزوي من النخامة»، أي يجتمع وينقبض من كراهيته لها. قال الأعشى:

يزيد بِغضِّ الطرف         دوني كأنما           زُوِي بين عينيه على المحاجم([170])([171]).

ونَجد أشعارا للخنساء وعنترة([172])، كما يستدل بأقوال أهل اللغة مثل: قطرب([173])، والفراء([174])، وابن الأنباري([175])، والمبرد([176]).

ولا يكاد يطرق مسألة فقهية لها علاقة بالمصطلح قبل أن يفتتحها ببيان المعنى اللغوي مدعما بشواهد من كلام العرب([177]).

ففي تعريف المدبَّر قال: «التدبير مأخوذ من الدبر؛ لأنَّ السيد أعتقه بعد مماته، والممات دبُر الحياة، فقيل: مُدبَّر، ويقال أيضا أعتقه عن دُبر، ولا يقال ذلك في غير العبيد، ولو جعل فرسا في سبيل الله أو نخلا أو دارًا بعد وفاته لم يَجُز في اللغة أن يقع على هذا اسم تدبير، ولا يقال فرس مدبَّر ولا نخل مدبَّر. وليس اللغة بقياس»([178]).

وفي حديثه عن حكم الأرض المغصوبة نص على عدم صحة الصلاة فيها، كما لا تصح بالثوب المغصوب، «ولا يجوز أن يغتصب المسجد، وليس لمغتصبه أن يصلّي فيه، ومن اغتصب أرضًا وبنى فيها مسجدا فلا ثواب له، ولا تجوز صلاته فيه، وفي صلاة غيره اختلاف. واختُلف أيضا في حكم الأرض، فقال قوم: الأرض لصاحبها ويُهدَم المسجد، ويستعمل أرضه، ومنهم من قال: يرجع على المعتدي في أرضه فيؤخذ منه قيمتها فقد استهلكها، والله أعلم.

وليس للغاصب ثواب فيما يتقرب به ويفعله معصية. وقال الشاعر في هذا المعنى:

بنَى مسجدا لله في غيـر          حلّـهِ           وكان بحمد الله غيـر             موفَّـق

كمُطعمةِ الزَّمْناء   من كسب فرجها           لك الويل، لا تزني، ولا تتصدّقي»([179])

وللعوتبي مناطق كثيرة يتحرك فيها من حيث التقديم والتأخير، والذكر والحذف، والإيجاز والإطناب، والإيضاح والإبهام، ومن حيث التصريح والتضمين، وغير ذلك مِمَّا يكون له أثر في الدلالة.([180])

وهو في أسلوبه محكم السبك سلس العبارة، تلتحم فيه الألفاظ التحاما قويا حتى لا يوجد بين أجزاء الكلام تنافر أو اضطراب.

ونجده أحيانا يعنى بتصوير المعنوي في ثوب المحسوس، ويقدمه في كيان حي ماثل للعيان.

وتتعدد لغته في تقرير المسائل وكثيرا ما يستعمل لغة الحوار: فإن قال قائل كذا.. قيل كذا..([181]).

كما نجد مثالا لهذا التلوين في أساليب الحديث؛ في بيانه لآداب المسجد وما يلزم الداخل إلى المسجد من آداب([182]).

وقد يتخذ من دليل اللغة مرجحا لرأي يختاره بين آراء الفقهاء، مثل اعتماده على معنى المال لغةً لترجيح الرأي بعدم الرغبة في المال شرعًا([183])، وكقوله بوجوب السترة والدنو منها في الصلاة لحديث «من صَلَّى إلى سترة فليَدْنُ منها»، وفي رواية «إذا صلى أحدكم إلى شيء فليُرهقه»، وفسر الإرهاق بالغشيان في استعمال أهل اللغة([184])، وتحريم الخمر بناء على أن من أسمائها في اللغة “الإثم” وقد حكم القرآن أن فيها إثمًا كبيرا, ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾([185]) وحرّم الإثم بقوله ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالأِثْمَ﴾([186])([187]).

كما رجح وجوب الخُمُس في الركاز بدلالة اللغة، وذكر أنه قد «جاءت السُّنّة عن النبيّ e أنه قال: «في الركاز الخُمُس». قال أصحابنا: الركاز كنوز الجاهلية، ووافقهم على ذلك أهل الحجاز، وأما أهل العراق فعندهم أنه المعادن. والقول عندي ما قال أصحابنا؛ لأنَّ اسم الركاز مأخوذ من ركز الرمح فأثبت أصله، فإذا استخرج المال ذهب أصله، وكذلك الرمح إذا خرج ذهب أصله»([188]).

وعلى نفس النسق رجح قول جمهور الفقهاء من أن الواجب على المصلي استقبال جهة الكعبة، ولا يعنّت عليه بالاتجاه إلى عينها إذا لم تكن أمام بصره، وكان من بين استدلالاته معنى الشطر في اللغة، وقد أمر الله بالتوجه إليه ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾([189])؛ لأنَّ من معاني الشطر في اللغة الجهة([190]).

وقد كان العوتبي وفيًّا لنهجه الذي اختطه في صدر كتابه بالعناية باللغة حين قال: «وقد فسّرت جميع ما ذكرت في هذا الكتاب من لفظ غريب، ومعنى عصيب، ليكون مستغنيا بتفسيره عن الرجوع فيه إلى غيره، على أن الغرض المقصود به والغرض الموضوع له هو الفقه»([191]).

ووفى بما وعد فاتخذ اللغة خادما للفقه، ولم يطغ جانب على آخر، فقامت اللغة بدورها الوظيفي على أحسن الوجوه، ولم يكن الضياء نسخا للإبانة؛ لأنَّ لكل من الكتابين دوره ورسالته([192]).

ومن هنا ترتسم من قراءة الضياء صورة طيبة في ذهن القارئ عن أسلوب العوتبي في تناول المسائل الفقهية بقدرة الفقيه المتمكن واللغوي الضليع والأديب المرهف، يصوغ المسائل في أسلوب سلس واضح العبارة، ويورد الأقوال وينسبها لأهلها، ويحاورهم بأدب جمٍّ، ويوازن بين آرائهم بإنصاف واعتدال، ينتقل من الخطاب إلى التقرير، ومن الإخبار إلى الحوار، في انسيابية لا تشعر القارئ بالملل أو الضجر، وفي نفَس أدبي طليّ كأنه نسمات السحر.

الخاتمة:

بعد هذه الومضات عن الفقه المقارن ومسيرته في تاريخ الإسلام، تجلى لنا كيف كانت نشأته من مناظرات الفقهاء، للتعرف على الرأي الأهدى، وتقليص شقة الخلاف بينهم، ثُمَّ تنامت الكتابة فيه فدونت الموسوعات الفقهية المقارنة، وأسهم في بنائها مختلف الفقهاء من كل المذاهب الإسلامية، وسعوا لإقامة دعائم الفقه المقارن على أساس الحجة والدليل، وابتغاء الوصول إلى الحق فيما اختُلف فيه، وسيلتهم في ذلك الموسوعية والموضوعية.

وتبين لنا كيف كان العوتبي نموذجا للعالم الضليع، والموسوعي المقتدر، وأن تراثه العلمي شاهد على خصاله، ويعتبر كتابه “الضياء” نموذجا طيبا للفقه المقارن المتسم بالموضوعية إلى حد كبير، مع ما اصطبغ به من مسحة أدبية طلية، جعلت قراءته لونا من المتعة تنعش القارئ، فتنسيه أنه في ميدان الفقه والأصول حيث ترهق الاختلافاتُ والاستدلالاتُ العقولَ، ويصيب رأسَ الإنسان الدوارُ، بل يشعر في رحاب “الضياء” أنه في روضة تأسر الأنظار، وتعبق بأريج الأزهار.


مصادر البحث:

1)     أحمد بن حمد الخليلي: العوتبي بين الفقه والأصول والأدب، ضمن بحوث ندوة “قراءات في فكر العوتبي الصحاري، أقامها المنتدى الأدبي، بسلطنة عمان، من 16 ـ 17 رجب 1416هـ الموافق 9 ـ 10 ديسمبر 1995م. نشر وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان، ط 1، 1418هـ ـ 1998م، صفحات 64 ـ 76

2)     أحمد بن سعود السيابي: العوتبي نسابة، ضمن بحوث ندوة “قراءات في فكر العوتبي الصحاري، أقامها المنتدى الأدبي، بسلطنة عمان، من 16 ـ 17 رجب 1416هـ الموافق 9 ـ 10 ديسمبر 1995م. نشر وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان، ط 1، 1418هـ ـ 1998م، صفحات 77 ـ 86.

3)     أحمد بن موسى الكندي النـزوي (ت557هـ/1162م): المصنّف. المجلد الأول (ج1 ـ 2) تحقيق: عبد المنعم عامر. طبع مطبعة عيسى البابي الحلبي، نشر وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان. د.ت.

4)           امحمَّد بن يوسف اطفيش، شرح النيل وشفاء العليل، ط2، دار الفتح، بيروت لبنان، 1393هـ/1973م.

5)     جاد محمَّد طه (دكتور): العوتبي مؤرخا، ضمن بحوث ندوة “قراءات في فكر العوتبي الصحاري، أقامها المنتدى الأدبي، بسلطنة عمان، من 16 ـ 17 رجب 1416هـ الموافق 9 ـ 10 ديسمبر 1995م. نشر وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان، ط 1، 1418هـ ـ 1998م، صفحات 87 ـ 102.

6)     سلمة بن مسلم بن إبراهيم العوتبي (ق4هـ): كتاب الضياء، (18مجلدا) ط1، طبعت خلال سنوات 1411هـ ـ 1496/ 1990 ـ 1996م. نشر وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان.

7)     سيف بن حمود البطاشي: إتحاف الأعيان في تاريخ بعض علماء عمان، نشر مكتبة المستشار الخاص لجلالة السلطان قابوس للشؤون الدينية والتاريخية، ط2، 1425هـ ـ 2004م.

8)     عبد الحفيظ محمَّد حسن (دكتور): كتاب الضياء منهجا وأسلوبا ولغةً، ضمن بحوث ندوة “قراءات في فكر العوتبي الصحاري، أقامها المنتدى الأدبي، بسلطنة عمان، من 16 ـ 17 رجب 1416هـ الموافق 9 ـ 10 ديسمبر 1995م. نشر وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان، ط 1، 1418هـ ـ 1998م، صفحات 103 ـ 145.

9)           عبد الله بن محمَّد، ابن بركة: كتاب الجامع، تحقيق: عيسى يحي الباروني، دار الفتح لبنان، 1974م.

10)         فتحي الدريني (دكتور): بحوث مقارنة في الفقه الإسلامي وأصوله، ط1، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1414هـ ـ 1994م.

11)         محمَّد بن أبي بكر الرازي، مختار الصحاح، المطبعة الحديثة للنشر والتوزيع، ط1، 2002.

12)         محمَّد رأفت عثمان (دكتور)، وآخرون: بحوث في الفقه المقارن، ط1، مكتبة الفلاح للنشر والتوزيع، الكويت، 1409هـ ـ 1989م.

13)         مصطفى صالح باجو: منهج الاجتهاد عند الإباضيّة، نشر مكتبة الجيل الواعد، مسقط، 1426هـ ـ 2005م.


 

([1]) مدرّس بكلية الشريعة والقانون، مسقط.

([2]) هذا تعريف مشهور للإمام أبي حنيفة، ينظر: التلويح على التوضيح، 1/5.

([3]) هذا تعريف ابن الحاجب، وثمة تعاريف أخرى متقاربة. انظر: مختصر المنتهى، لابن الحاجب، 1/18.

([4]) د. الدريني: بحوث مقارنة في الفقه الإسلامي وأصوله، مؤسسة الرسالة، ط1، 1414هـ -1994م، ص17.

([5]) أ.د. محمد رأفت عثمان، وآخرون: بحوث في الفقه المقارن، ص21.

([6]) سنن الترمذي، كتاب العلم عن رسول الله، باب ما جاء في الحث على تبيلغ السماع، حديث، رقم: 2582، (ترقيم العالمية).

([7]) سورة النجم، آية 3.

([8]) البيت للبوصيري في قصيدة البردة في مدح النبيء e.

([9]) سورة هود، الآيتان 118- 119.

([10]) وقد بحث الأصوليون هذه القضية في مبحث الصواب والخطإ في الاجتهاد ضمن مباحث الاجتهاد.

([11]) ينظر: مؤلفات أصول الفقه، كما وضعت مؤلفات مستقلة في أسباب اختلاف الفقهاء، منها: اختلاف الفقهاء، للطبري، وغيره. وعلى سبيل المثال: د. فتحي الدريني: بحوث مقارنة في الفقه الإسلامي وأصوله، بيروت، ص23-25؛ أ.د. محمد رأفت عثمان، وآخرون: بحوث في الفقه المقارن، ص33-66.

([12]) سورة التوبة، آية122.

([13]) سورة النحل، آية43.

([14]) سورة النساء، آية83.

([15]) يراجع حول نشأة الفقه المقارن، مقدمة ابن خلدون، ص256.

([16]) ينظر في الضياء على سبيل المثال، بعض أبواب الزكاة، منها “ما يؤخذ من أموال الحرب من المشركين إذا قدموا بها إلى بلاد المسلمين” ج6، ص191-193.

([17]) انظر: العوتبي: الضياء، 6/353.

([18]) من قواعد الفقه “أن الرخص لا تناط بالمعاصي”.

([19]) أ.د. محمد رأفت عثمان، وآخرون: بحوث في الفقه المقارن، ص21.

([20]) ينظر حول هذه الأركان: د. فتحي الدريني: بحوث مقارنة في الفقه الإسلامي وأصوله، بيروت، ص22.

([21]) ينظر حول هذه الأهداف: د. فتحي الدريني: بحوث مقارنة في الفقه الإسلامي وأصوله، بيروت، ص23-25؛ أ.د. محمد رأفت عثمان، وآخرون: بحوث في الفقه المقارن، ص22.

([22]) البطاشي، سيف بن حمود، إتحاف الأعيان في تاريخ بعض علماء عمان، 1/350.

([23]) انظر: عن تسلسل الأحداث التاريخية ومحتوى كتاب الأنساب للعوتبي، د. محمد قرقش: المنهج التاريخي عند العوتبي، ص162.

([24]) أحمد السيابي: العوتبي نسّابةً، ص83.

([25]) أحمد الخليلي: العوتبي بين الفقه والأصول والأدب، ص66.

([26]) أحمد الخليلي: العوتبي بين الفقه والأصول والأدب، ص66؛ د. إبراهيم الدسوقي، معجم الإبانة للعوتبي، المنهج؛ اللغة؛ المادة المعجمية، طبيعتها؛ مصادرها، ص15.

([27]) انظر: ترجمة الأصم في: البطاشي: إتحاف الأعيان، 1/439. وذكر أنه ختم تأليف كتابه “التاج” سنة 601 وعقب قائلا: أي قبل وفاته بعشرين سنة.

([28]) جاء في الضياء، 5/15 « مسألة: قال الشيخ الفقيه عثمان بن أبي عبد الله الأصم رحمه الله “أجمع المسلمون أن المساجد لله كلها، أرضها ومالها، وما أوقف عليها من المال لصلاحها في ذلك، وما استُغلتّ المساجد من جميع هذه الأمور المتقدم ذكرها لا يجوز التصرف فيها، ولا في شيء من علمها إلا بحق وعلم؛ كما يوجبه الحق من ذلك في صلاح تلك المساجد، والله أعلم”.

وفي 5/38 جاء «قال الشيخ الفقيه عثمان بن عبد الله الأصم رحمه الله: إن من زاد في المسجد زيادة من ماله لا من مال المسجد فجائز له ذلك…»

وفي نفس الصحيفة جاء: «ومن كتاب التبصرة: وعن المسجد إذا كانت له صرحة مهجورة لا جدار عليها ولا حصن يمنع عنها الدواب، وللمسجد دراهم في يد رجل، هل له أن يبني على هذه الصرحة جدار من مال المسجد؟…»

([29]) البطاشي، سيف بن حمود، إتحاف الأعيان في تاريخ بعض علماء عمان، 1/350.

([30]) أحمد الخليلي: العوتبي بين الفقه والأصول والأدب، ص66.

([31]) أحمد السيابي: العوتبي نسّابة، 86.

([32]) أحمد السيابي: العوتبي نسّابة، ص84.

([33]) نظمت هذه الندوة أيام من 16-17 رجب 1416هـ الموافق 9-10 ديسمبر 1995م. ونشرت أعمالها وزارة التراث القومي والثقافة، في كتاب خاص، بالعنوان نفسه سلطنة عمان، ط1، 1418هـ -1998م، وتضمن البحوث الآتية:

معجم الإبانة للعوتبي، د. إبراهيم الدسوقي.

العوتبي بين الفقه والأصول والأدب، سماحة الشيخ أحمد الخليلي.

العوتبي نسَّابـةً، للشيخ أحمد السيابي.

العوتبي مؤرخا، أ.د. جاد محمد طه.

الضياء منهجًا وأسلوبا ولغة، د. عبد الحفيظ محمد حسن.

المنهج التاريخي عند العوتبي، د. محمد قرقش.

([34]) ينظر كتابنا: منهج الاجتهاد عند الإباضية، نشر مكتبة الجيل الواعد، مسقط 1425هـ 2005م.

([35]) نحن في صدد تحقيق هذا الكتاب والتأكد من جميع الإشكالات التي اعترته، والملابسات التي أحاطت به في، عدد: الأجزاء والمنهج والمضمون وغير ذَلِك مِمَّا حيَّر الباحثين. (المراجع)

([36]) الخليلي: العوتبي بين الفقه والأصول والأدب، ص76. وما ذكره الشيخ الخليلي توجيه معقول يشبه ما فعله البرادي نفسه مع تفسير الوارجلاني إذ حزره بسبعين جزءا حين اطلع على تفسيره لسورتي البقرة وآل عمران، الذي بلغ سبعمائة ورقة.

([37]) انظر: العوتبي: الضياء، 16/138.

([38]) انظر: العوتبي: الضياء، 16/248.

([39]) يعدّ الإدراج في المخطوطات العمانية ظاهرة بارزة أرهقت المحققين. إذ نجد في صلب الكتاب زيادة من النساخ مبدوءة بعبارة: ومن غيره، ومن الكتاب (أي جامع ابن بركة). ومن الضياء، ومن المصنف. الخ… ولهم في ذلك فتوى متداولة بجواز الإضافة مع شرط التنبيه إلى أنها زيادة على النص الأصلي، بشرط الضبط وعدم الإيهام. وتنسب هذه الفتوى إلى الشيخ أحمد بن عبد الله الكندي صاحب “المصنف”. إذ أفتى بجواز الزيادة في الكتاب من غيره دون تغيير المعنى أو تلبيس الأمور، مع الإشارة إلى أنها من غير الكتاب (انظر الكندي، المصنف 1/31). ولكن الذي عقّد المسألة عدم الالتزام بالشرط الذي وضعه من قال بجواز هذا الإدراج، أو عدم الوفاء به كاملا، إذ يشيرون إلى بداية النص المدرج دون نهايته، أو إلى النهاية دون البداية، فوقع اللاحقون بعدهم في عنت وإحراج.

([40]) العوتبي: الضياء، 1/15-16. وذكر النص أيضا: البطاشي: إتحاف الأعيان، 1/351.

([41]) انظر: العوتبي: الضياء، 1/19.

([42]) انظر: العوتبي: الضياء، 1/17.

([43]) انظر: العوتبي: الضياء، 1/17.

([44]) انظر: العوتبي: الضياء، 1/19.

([45]) ينظر: امحمد اطفيش، شرح النيل، في القرص المدمج “جامع الفقه الإسلامي” إصدار شركة حرف، وإشراف وزارة الأوقاف بالكويت.

([46]) انظر: العوتبي: الضياء، 5/53-54.

([47]) انظر: العوتبي: الضياء، 5/54-56.

([48]) انظر: العوتبي: الضياء، 5/57-85.

([49]) انظر: العوتبي: الضياء، 5/58-59.

([50]) انظر: العوتبي: الضياء، 5/59-60.

([51]) انظر: العوتبي: الضياء، 5/62.

([52]) انظر: العوتبي: الضياء، 5/63.

([53]) انظر: العوتبي: الضياء، 5/64-65.

([54]) انظر: العوتبي: الضياء، 5/67.

([55]) انظر: العوتبي: الضياء، 5/ 67-78.

([56]) انظر: العوتبي: الضياء، 5/81-82.

([57]) انظر: العوتبي: الضياء، 5/85.

([58]) انظر: العوتبي: الضياء، 5/86.

([59]) انظر: العوتبي: الضياء، 5/88.

([60]) انظر: العوتبي: الضياء، 6/268-271.

([61]) انظر: العوتبي: الضياء، 6/276، 6/278، 6/280

([62]) انظر: العوتبي: الضياء، 1/18.

([63]) يرد اسم ابن عباس كثيرا في الكتاب، وعلى سبيل المثال؛ العوتبي: الضياء، 2/74، 2/75، 2/77، 2/80-83.

([64]) انظر: العوتبي: الضياء، 1/37.

([65]) انظر: العوتبي: الضياء، 1/195؛ 5/50.

([66]) انظر: العوتبي: الضياء، 1/37؛ 5/50، 5/195.

([67]) انظر: العوتبي: الضياء، 5/195.

([68]) انظر: العوتبي: الضياء، 1/36.

([69]) انظر: العوتبي: الضياء، 1/18.

([70]) انظر: العوتبي: الضياء، 2/133 فما بعد.

([71]) انظر: العوتبي: الضياء، 5/24.

([72]) د. محمد قرقش: المنهج التاريخي عن العوتبي، ص129-130.

([73]) انظر: العوتبي: الضياء، 5/9-10.

([74]) انظر: العوتبي: الضياء، 5/63.

([75]) انظر: العوتبي: الضياء، 5/15 في قضية خبر الواحد في التعرف على القبلة، لم ينسب الأقوال لأصحابها.

([76]) انظر: العوتبي: الضياء، 1/20.

([77]) انظر: العوتبي: الضياء، 5/111-112.

([78]) انظر: العوتبي: الضياء، 5/9، 5/12، 5/203.

([79]) انظر: العوتبي: الضياء، 5/15.

([80]) انظر: العوتبي: الضياء، 5/203.

([81]) انظر: العوتبي: الضياء، 4/188. حيث وظف دليل العقل للرد على من قال بجواز شرب قليل المسكر الذي يسكر كثيره.

([82]) انظر: نموذجا لهذا المنهج في الاستدلال: العوتبي: الضياء، 1/59-64.

([83]) انظر: نموذجا لهذا المنهج في الاستدلال: العوتبي: الضياء، 1/59-64.

([84]) انظر: العوتبي: الضياء، 8/378.

([85]) انظر: العوتبي: الضياء، 8/378.

([86]) انظر: العوتبي: الضياء، 8/378.

([87]) انظر: العوتبي: الضياء، 8/379.

([88]) صحيح البخاري، كتاب التيمم، باب قول الله تعالى “ولم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا”، حديث، رقم: 323 (ترقيم العالمية).

([89]) انظر: العوتبي: الضياء، 5/207.

([90]) انظر: العوتبي: الضياء، 5/41-42.

([91]) انظر: العوتبي: الضياء، 6/158-159.

([92]) انظر: العوتبي: الضياء، 6/102.

([93]) ابن بركة، الجامع، 1/581. وانظر العوتبي: الضياء، 5/119.

([94]) العوتبي: الضياء، 5/119.

([95]) سورة البقرة، آية 238.

([96]) انظر: العوتبي: الضياء، 5/101-103

([97]) انظر: العوتبي: الضياء، 5/292.

([98]) د. فتحي الدريني: بحوث مقارنة في الفقه الإسلامي وأصوله، بيروت، ص17.

([99]) انظر: العوتبي: الضياء، 5/310.

([100]) انظر: العوتبي: الضياء، 5/310

([101]) انظر: العوتبي: الضياء، 5/290.

([102]) انظر: العوتبي: الضياء، 5/291.

([103]) انظر: العوتبي: الضياء، 5/281-282.

([104]) يقال: كَارَ العمامة على رأسه أ ي لاثَها، وكلّ دَوْر كَوْرٌ. انظر: الرازي، مختار الصحاح، مادة: كور.

([105]) انظر: العوتبي: الضياء، 5/208-209.

([106]) سورة الفتح، آية 29.

([107]) انظر: العوتبي: الضياء، 5/208-209.

([108]) انظر: العوتبي: الضياء، 1/33، 1/36، 5/207.

([109]) انظر: العوتبي: الضياء، 5/112، 5/193.

([110]) انظر: العوتبي: الضياء، 5/112.

([111]) انظر: العوتبي: الضياء، 5/192، 5/195، 5/207.

([112]) انظر: العوتبي: الضياء، 5/112، 5/205، 13/141.

([113]) انظر: العوتبي: الضياء، 5/205.

([114]) انظر: العوتبي: الضياء، 13/141.

([115]) انظر: العوتبي: الضياء، 5/192، 5/204، 5/205.

([116]) انظر: العوتبي: الضياء، 13/143.

([117]) انظر: العوتبي: الضياء، 5/195، 5/202.

([118]) انظر: العوتبي: الضياء، 13/143. الصواب أَنَّه لم يذكر شيئا عن أبي سعيد، وهذه الأجزاء التي ذكر فيها كانت من غير الضياء ونسبت خطأ إِلَيه، وسيتبين ذَلِك في النسخة المحققة إن شاء الله. (المراجع)

([119]) انظر: العوتبي: الضياء، 5/24؛ 5/25؛ 5/50؛ 5/201؛ 5/207

([120]) انظر: العوتبي: الضياء، 13/149.

([121]) انظر: العوتبي: الضياء، 5/204.

([122]) انظر: العوتبي: الضياء، 13/42؛ 13/102.

([123]) انظر: العوتبي: الضياء، 13/147.

([124]) أحمد الخليلي: العوتبي بين الفقه والأصول والأدب، ص68.

([125]) انظر: للتمثيل: العوتبي: الضياء، 5/191-192-193-194-195-205-207.

([126]) انظر: على سبيل المثال: العوتبي: الضياء، 5/70؛ وابن بركة، الجامع؛ 1/442.

([127]) انظر: العوتبي: الضياء، 5/119؛ وابن بركة، الجامع؛ 1/581.

([128]) أحمد الخليلي: العوتبي بين الفقه والأصول والأدب، ص69.

([129]) انظر: أحمد الخليلي: العوتبي بين الفقه والأصول والأدب، ص69.

([130]) أحمد الخليلي: العوتبي بين الفقه والأصول والأدب، ص69.

([131]) انظر: أحمد الخليلي: العوتبي بين الفقه والأصول والأدب، ص72.

([132]) ذكر هذا الرأي الشيخ أحمد الخليلي: العوتبي بين الفقه والأصول والأدب، ص74. وقال بأنه موجود في الجزء الرابع من كتاب الضياء. ولم أتمكن من مراجعته بعدُ.

([133]) انظر: العوتبي: الضياء، 5/194.

([134]) انظر: العوتبي: الضياء، 5/194.

([135]) انظر: العوتبي: الضياء، 1/56.

([136]) انظر: العوتبي: الضياء، 6/153.

([137]) انظر: العوتبي: الضياء، 6/153.

([138]) انظر: العوتبي: الضياء، 1/56.

([139]) انظر: العوتبي: الضياء، 1/56.

([140]) انظر: العوتبي: الضياء، 1/106.

([141]) انظر: العوتبي: الضياء، 1/107

([142]) انظر: العوتبي: الضياء، 1/28.

([143]) انظر: العوتبي: الضياء، 1/32.

([144]) انظر: العوتبي: الضياء، 1/28.

([145]) انظر: العوتبي: الضياء، 6/320.

([146]) انظر: قرقش: المنهج التاريخي، 113 نقلا عن العوتبي: الضياء، 4/188. يراجع؟

([147]) انظر: العوتبي: الضياء، 6/60، ثم ذكر في مسألة لاحقة أنه لا زكاة في الخيل ولا البغال ولا الوحوش كلها: الضياء، 6/60.

([148]) انظر: العوتبي: الضياء، 6/361-362.

([149]) انظر: العوتبي: الضياء، 5/25.

([150]) انظر: العوتبي: الضياء، 5/48.

([151]) انظر: العوتبي: الضياء، 5/172.

([152]) أحمد الخليلي: العوتبي بين الفقه والأصول والأدب، ص73.

([153]) انظر: العوتبي: الضياء، 6/82.

([154]) انظر: العوتبي: الضياء، 6/101.

([155]) انظر: العوتبي: الضياء، 5/12.

([156]) انظر: العوتبي: الضياء، 5/32-33.

([157]) انظر: العوتبي: الضياء، امحمد اطفيش، شرح النيل، 16/528.

([158]) سورة التغابن، آية 16.

([159]) صحيح مسلم، كتاب الحج، باب فرض الحج مرة في العمر، حديث رقم. 2380 (ترقيم العالمية).

([160]) انظر: العوتبي: الضياء، 5/322-323.

([161]) انظر: العوتبي: الضياء، 5/339-340.

([162]) انظر: العوتبي: الضياء، 5/353-354.

([163]) انظر: العوتبي: الضياء، 5/12.

([164]) سورة البقرة، آية 239.

([165]) سورة البقرة، آية 115.

([166]) انظر: العوتبي: الضياء، 5/12

([167]) الخليلي: العوتبي بين الفقه والأصول والأدب، ص67.

([168]) انظر: العوتبي: الضياء، 1/48.

([169]) انظر: العوتبي: الضياء، 1/49.

([170]) جاء في هامش الضياء، ديوان الأعشى، في قصيدة “نفضة ومظالم”. قيلت في هجاء يزيد بن مهر الشيباني، ص198.

([171]) انظر: العوتبي: الضياء5/29؛.

([172]) انظر: العوتبي: الضياء، 1/51.

([173]) انظر: العوتبي: الضياء، 2/75؛ 2/81؛ 2/85.

([174]) انظر: العوتبي: الضياء، 2/67.

([175]) انظر: العوتبي: الضياء، 5/191.

([176]) انظر: العوتبي: الضياء، 5/191.

([177]) انظر: العوتبي: الضياء، 5/275.

([178]) انظر: العوتبي: الضياء، 8/77.

([179]) انظر: العوتبي: الضياء، 5/36.

([180]) د. محمد قرقش: المنهج التاريخي عند العوتبي، ص126.

([181]) انظر: العوتبي: الضياء، الجزء الثاني في مواضع عدة حيث قرر قضايا العقيدة.

([182]) انظر: العوتبي: الضياء، 5/24.

([183]) انظر: العوتبي: الضياء، 1/165.

([184]) انظر: العوتبي: الضياء، 5/17.

([185]) سورة البقرة، آية 219.

([186]) سورة الأعراف، آية33.

([187]) انظر: العوتبي: الضياء، 4/179.

([188]) انظر: العوتبي: الضياء، 6/76.

([189]) سورة البقرة، آية144.

([190]) انظر: العوتبي: الضياء، 5/5-6. وانظر أيضا إسهابه في شرح كلمة الاستعاذة واستعمالاتها في اللغة: الضياء، 5/160.

([191]) انظر: العوتبي: الضياء، 1/17.

([192]) قام الدكتور محمد قرقش بإجراء مقارنات دقيقة لإثبات هذه الحقيقة، وهي أن كتاب الضياء فقهي خدمته اللغة، وليس كتاب لغة مثل كتاب “الإبانة”. ينظر: محمد قرقش: المنهج التاريخي عند العوتبي، صفحات 137-143.

 

*ندوة تطور العلوم الفقهية في عمان خلال القرن الخامس الهجري “التأليف الموسوعي والفقه المقارن”

أقامتها وزارة الأوقاف والشؤون الدينية بمسقط

25- 27 محرّم 1426هـ/ 6- 8 مارس 2005م

هذه المقالة تحتوي على لا تعليق

أكتب تعليقك هنا

نرجو أن تضع المادة أسفله
الإسم
إيميل
موقع
تعليقك