الاختلافات الفقهية بين المدرستين النـزوانية والرستاقية

الاختلافات الفقهية بين المدرستين النـزوانية والرستاقية*

راشد بن علي بن عبد الله الحارثي([1])

مقدمة:

يهدف هذا البحث المتواضع إلى بيان أوجه الاختلافات الفقهية بين المدرستين النـزوانية والرستاقية. وعلى ضعفي وقلة بضاعتي في العلم، ورغبة مني في التعلم؛ قمت باستعراض مؤلفات علماء هاتين المدرستين، ومؤلفات علماء المذهب المتأخرين، كالشيخ السالمي، والشيخ سعيد ين خلفان الخليلي، والشيخ الشقصي، وقد كان الخلاف بين المدرستين ـ كما يبدو ـ لا يتعدى مسألة الولاية والبراءة في الحوادث الناشئة أواخر زمن الإمام الصلت بن مالك، وباقي المسائل خلافات بسيطة لا تعدّ سِمة لمدرسة من المدارس، أو مذهب مستقل، فكلهم يستقون من منبع القرآن والسنة. ولذلك لا غرو أن نجد أن الواحد قد يخالف أستاذه أو شيخه، وقد يخالف زميله وأخاه، وقد يوافق من يخالفه في المذهب؛ لأنَّه أدرك أن هذا هو القول الصائب دون أي اعتبار آخر.

لهذا جاء البحث محاولة لجمع إسهامات المدرستين الفقهية والفكرية، وبيان كيفية اتباعهم للحق أينما كان، وتركهم الباطل مهما كان.

وقد قسمت هذا البحث إلى مقدمة ومبحثين وخاتمة.

المبحث الأَوَّل: التعريف بالمدرستين:

المطلب الأوَّل: توطئة تاريخية.

المطلب الثاني: التعريف بإمام المدرسة النـزوانية.

المطلب الثالث: التعريف بإمام المدرسة الرستاقية.

المطلب الرابع: إسهام المدرستين في الحياة الفكرية في عمان.

المبحث الثاني: الاختلافات الفقهية:

المطلب الأوَّل: منهج الإباضيّة الفقهي.

المطلب الثاني: الولاية والبراءة.

المطلب الثالث: قيام الحجة على الجاهل.

المطلب الرابع: المسائل التي خالف فيها إمام الرستاقية جمهور الإباضيّة.

المطلب الخامس: الخلافات بين إمام الرستاقية وإمام النـزوانية.

الخاتمة والنتائج.

المبحث الأوَّل: التعريف بالمدرستين النـزوانية والرستاقية

قبل أن ندخل في موضوع البحث وهو الاختلافات الفقهية بين المدرستين النـزوانية والرستاقية يجدر بنا أن نعرف بهاتين المدرستين، وأن نستعرض إسهاماتهم الفكرية لخدمة الدين والعلم، فقد تنافستا في ذلك وخرج من كليهما علماء أجلاء، وألفت كتب قيمة، وبقيت آثارهم الفكرية وإسهاماتهم العلمية إلى وقتنا الحاضر، وكان من جاء بعدهم عالة على ما ألّفوه وكتبوه.

المطلب الأوَّل: توطئة تاريخية

ارتبطت عمان بالمذهب الإباضيّ منذ نشأته، فإمامه جابر بن زيد عماني، وأحد أئمته الربيع بن حبيب كذلك. والكثير من علماء المذهب الأوائل كانوا من أهل عمان، ولذلك قاموا بتعليم الناس وتبصيرهم قواعد الدين الأصيلة؛ قبل أن تصل إليهم الأفكار الدخيلة والخلافات المتباينة، ولما ذهبت الدولة الراشدية وجاء بنو أمية؛ رفضوا الانصياع للدولة الأموية التي اعتبروها دولة أخذت الحكم بالقوة، فنشأت الحروب بينهم وبين الحجاج بن يوسف الثقفي الذي حاول إخضاع عمان بالقوة، ولم يأل جهدا في ذلك حتى تم له ما أراد، وذلك عندما أرسل جيشا ضخما بقيادة مجاعة بن شعوة، وخرج سليمان وسعيد أبناء عبد بن الجلندى من عمان([1])، وظلت بعد ذلك عمان يتداولها ولاة بني أمية، حتى اجتمع العمانيون وبايعوا الإمام الجلندى بن مسعود في أوائل الدولة العباسية عام 132 هـ. ولكن العباسيين حاربوه وأرسلوا له جيشا قويا بقيادة خازم بن خزيمة، والحقيقة أن هذا الجيش أرسل لمطاردة شيبان الصفري، فلجأ شيبان هذا إلى عمان، وأراد الاستيلاء عليها فحاربه الإمام وقضى عليه، وجاء بعد ذلك خازم بن خزيمة، وأراد إخضاع الإمام الجلندى للخليفة العباسي أبي العباس السفاح، فرفض الإمام ذلك ووقع القتال، واستشهد الإمام وقاضيه، وخضعت عمان بعد ذلك للخلافة العباسية عام 134 هـ.

وبعد ذلك تقلبت الأوضاع في عمان بين ولاة العباسيين واستقلال عمان وانتشار الفتنة، حتى اجتمع العلماء في عام 179هـ، وكان إمام المذهب في ذلك الوقت الشيخ أبو موسى بن أبي جابر الأزكوي، فبايع الإمام الوارث بن كعب الخروصي، فانتشر العدل واستقرت الأوضاع وخمدت الفتنة، ونهض العلماء بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبقي في الإمامة حتى عام 192هـ، ثُمَّ بويع بعده الإمام غسان بن عبد الله اليحمدي، وقام بسيرة سلفه وانتشر الرخاء والأمن في البلاد، وكان قد بايعه الشيخان سليمان بن عثمان ومسعدة بن تميم حتى توفاه الله، ثُمَّ بويع بعده في عام 207هـالإمام عبد الملك بن حميد، بايعه الشيخ موسى بن علي، وعُمِّر في الإمامة حتى توفاه الله عام 226هـ، ثُمَّ بويع بعده الإمام المهنا بن جيفر؛ ذو المهابة الجليلة، وقد بايعه موسى بن علي أيضا، وتوفى الإمام المهنا عام 237هـ. ثُمَّ بويع بعده الإمام الصلت بن مالك الخروصي، بايعه الشيخان بشير بن المنذر ومحمَّد بن محبوب، وعُمّر طويلا في الإمامة، وتوفي الشيخ محمَّد بن محبوب في إمامته.

وفي عام 273هـسار موسى بن موسى إلى نزوى ينوي عزل الإمام الصلت، واجتمع معه عبد الله بن سعيد بن مالك الفجحي، والحارث بن عبد الله الحراني السلوني، وفهم بن وارث الكلبي، والوليد بن مخلد الكندي، حتى اجتمع في فَرْق، فلما وصلوا فرق، خرج الإمام الصلت من بيت الإمامة، فلما بلغ المجتمعين في فرق هذا الخروج؛ بايع موسى بن موسى راشد بن النظر على الإمامة، فتفرق رأي المسلمين وفسدت أمورهم، واختلفوا اختلافا شاسعا، ووقعت الفتنة، فرفض بعض العلماء بيعة الإمام راشد بن النظر، منهم عمر بن محمَّد الغبي، وموسى بن محمَّد بن علي، وعزان بن الهزبر، وزاهر بن محمَّد بن سليمان، وعزان بن تميم، وشاذان بن الصلت، ومحمَّد بن عمر بن الأخنش، وغدانة بن محمَّد، وأبو المؤثر، وغيرهم.

ولم يزالوا متمسكين بإمامة الإمام الصلت إلى أن مات في عام 275هـ.

والبعض عذر موسى بن موسى وراشد بن النظر، وذكر أسبابا تسوغ لهم ذلك، ووقف بعض العلماء عنهم جميعا، منهم الحواري، وأبو إبراهيم محمَّد بن سعيد، وأبو عبد الله محمَّد بن روح بن عربي، وأبو عبد الله محمَّد بن الحسن، وأبو عثمان رمشقي بن راشد، وأبو محمَّد عبد الله بن محمَّد بن صالح، وأبو المنذر بشير بن محمَّد، وأبو سعيد محمَّد بن سعيد.

والذين تبرؤوا من موسى وراشد هم: أبو المؤثر الصلت بن خميس، وأبو المنذر بشير، على قول. وروي عنه الوقوف، وأبو محمَّد عبد الله بن محمَّد بن محبوب، وأبو قحطان، وأبو محمَّد عبد الله بن محمَّد بن أبي المؤثر، وأبو محمَّد الحواري بن عثمان، وأبو مالك غسان بن محمَّد بن الخضر، وأبو سعود النعمان بن عبد الحميد، وأبو محمَّد عبد الله بن محمَّد بن أبي شيخة، وأبو محمَّد ابن بركة، وأبو الحسن البسياني.

والذين تولوا موسى وراشد منهم: الفضل بن الحواري، ومحمَّد بن جعفر، وابنه الأزهر، وقيل: إنه وقف بعد ذلك.

وعلى ذلك نشأت الطائفتان النـزوانية والرستاقية، فالقائلون بالوقوف وإمامهم أبو سعيد الكدمي أطلق عليهم بعد ذلك بالنـزوانية، والقائلون بوجوب البراءة وإمامهم ابن بركة أطلق عليهم بالرستاقية.. وظهر من كلا المدرستين أئمَّة علماء أثْروا المدرسة الإباضيّة بتآليفهم وفتاواهم، وتحقيقاتهم العلمية التي صارت بعد ذلك مصادرا للإباضيّة دون تفرقة بين مدرسة وأخرى.

وما يذكر بعد ذلك من حدوث الحروب بين المدرستين، وعزل الأئمَّة وتنصيبهم من قبل مدرسة، أو أخرى يحتاج إلى إعادة نظر وتحقيق، فالتاريخ به الكثير من المغالطات، ولا نستطيع أن ننسب هذه الأفعال إلى أئمَّة عدول علماء أفاضل، دون أن نتأكد من ذلك. ولذا فإني أدعو الباحثين إلى تحقيق التاريخ العماني، وتفنيد هذه المغالطات حتى تظهر الحقيقة علَى وجهها، ويتميز الحق من الباطل، وحاشا لعلماء أفاضل اتصفوا بالورع والتقوى وخشية الله؛ أن يكونوا تبعا لأهوائهم، وأن يقوموا بسفك دماء بعضهم، بسبب مسألة تحتمل الصواب والخطأ.

وعموما ليس هدفنا من هذا البحث هو التاريخ لهذه القضية وإنما الهدف من ذلك بيان مدى إثراء المدرستين النـزوانية والرستاقية للمكتبة الإسلامية عموما، والإباضيّة خصوصا، من الناحية الفقهية، فقد عرف منهم علماء محققون وألفت كتبا يشهد بفضلها وسعة علم أصحابها، وصارت مرجعا بغضّ النظر هل ألفها نزواني أو رستاقي، وقبل أن نذكر الخلافات الفقهية بين المدرستين نذكر تعريفا بسيطا عن الإمامين أبي سعيد الكدمي وابن بركة اللذين عرفا أنهما إمامان لهاتين المدرستين، ونذكر إسهامات المدرستين العلمية.

المطلب الثاني التعريف بإمام المدرسة النـزوانية:

بعد أن تعرفنا على الجانب التاريخي لنشأة المدرستين النـزوانية والرستاقية نذكر في هذا المبحث تعريفا بسيطا عن إمام المدرسة النـزوانية، وهو:

أبو سعيد محمَّد بن سعيد بن محمَّد بن سعيد الناعبي الكُدَمِي نسبةً إلى بلدة كُدَم وهي قرية من قرى ولاية الحمراء.

ـ مولده:

لا يوجد تاريخ محدد لمولده ولكن رجح البطاشي([2]) أن يكون عام 305هـ؛ وذلك لأنه ذكر أَنَّه كان يعمل منذ بلوغه الحلُم أمينا على المحبوسين في سجن الإمام سعيد بن عبد الله. وقد رجح الشيخ السالمي في التحفة على أن بيعة الإمام سعيد كانت عام 320 ووفاته عام 328([3]).

عرف عنه الزهد والورع فقد قيل: إن له نخلة وخمرة (وهي شجرة العنب)، وكان يأكل ثمر النخلة بلا خبز، وله ثلاث نساء موسرات ولا يأكل من مالهن شيئا.

عاصر الإمام أبو سعيد إمامين من أئمَّة عمان الأَوَّل: سعيد بن عبد الله بن محمَّد بن محبوب، وكان أمينا على المحبوسين في زمنه كما ذكرنا، والثاني الإمام راشد بن الوليد، وشاهد انتهاء إمامة الإمام راشد بن الوليد، وخذلان الرعية له.

توفي ما بين عام 353هـ و356هـ

ـ شيوخه:

1) محمَّد بن روح بن عربي الكندي السمدي النـزوي: من علماء النصف الأول من القرن الرابع الهجري، له سيرة في الحدث الواقع زمن الإمام الصلت.

2) الشيخ أبو الحسن محمَّد بن الحسن.

3) الشيخ رمشقي بن راشد.

عاصر كثيرا من العلماء منهم:

1 ـ أبو إبراهيم محمَّد بن سعيد أبي بكر الأزكوي.

2 ـ عبد الله بن محمَّد بن أبي المؤثر.

3 ـ أبو محمَّد الحواري بن عثمان.

4 ـ حمد بن زائدة السمايلي.

5 ـ أبو محمَّد بن بركة.

ـ مؤلفاته:

1) كتاب الاستقامة، وهو في الرد على من خالف سيرة السلف في الحكم على بعض الخارجين فِي زمان الإمام الصلت، وتوسع فيه كثيرا حَتَّى صار كتابا مستقلا في أصول الدين.

2) كتاب المعتبر وهو في الفقه.

3) كتاب الجامع المفيد من جوابات أبي سعيد.

4 ـ له زيادات وتعليقات على كتاب “الإشراف” لأبي المنذر.

5 ـ كتاب في التاريخ اسمه التاريخيات([4]).

المطلب الثالث التعريف بإمام المدرسة الرستاقية:

بعد أن ذكرنا تعريفا مختصرا بإمام المدرسة النـزوانية يجدر بنا أن نعرف هنا بإمام المدرسة الرستاقية.

ـ اسمه ونسبه:

هو: أبو محمَّد عبد الله بن محمَّد بن بركة السليمي الأزدي البهلوي، نسبة إلى مسكنه من ولاية بهلاء، ولا زال مسجده وبيته وآثار مدرسته باقية معروفة إلى الآن.

ولادته: لا نعرف بالتحديد سنة ولادته ولكن ذكر جابر السعدي أنه ولد في أواخر النصف الثاني في القرن الثالث الهجري([5])، هو ما أيده زهران المسعودي وحدد أن تكون الولادة بين عام 296هـ، و300 هـ([6]).

وفاته:

اختلفوا في وفاته، فقال بعضهم: كانت قبل 355 هـ([7]). وقيل: بين عامي 361 ـ 363هـ([8]).

ـ شيوخه:

درس على يد جملة من العلماء منهم:

1 ـ الإمام سعيد بن عبد الله بن محمَّد بن محبوب، الذي بويع بالإمامة من 320هـ إلى 328 هـ.

2 ـ أبو مالك غسان بن الخضر بن محمَّد الصَّلاَّني، من علماء النصف الأخير من القرن الثالث الهجري.

3 ـ أبو مروان سليمان بن محمَّد بن حبيب، من علماء النصف الأخير من القرن الثالث الهجري.

4 ـ أبو يحيى عبد العزيز بن خالد.

5 ـ أبو الحسن محمَّد بن الحسن السعالي النـزوي.

ـ آثاره العملية:

1 ـ كتاب الجامع وهو في الفقه والأصول.

2 ـ كتاب التقييد وهو كتاب جمع فيه ما قيده من مسائل عن أشياخه.

3 ـ كتاب المبتدأ وهو في التوحيد.

4 ـ رسالة التعارف، وهي رسالة يتناول فيها العرف ومدى جواز التعامل به.

5 ـ الموازنة وهو في الرد على المدرسة النـزوانية.

6 ـ كتاب مدح العلم وأهله.

7 ـ كتاب الشرح لجامع ابن جعفر.

8 ـ المفسدات.

9 ـ الإقليد.

ـ تلامذته:

1 ـ أبو الحسن علي بن محمَّد البسيوي، صاحب كتاب البسيوي ومختصر البسيوي.

2 ـ أبو عبد الله محمَّد بن زاهر.

3 ـ أحمد بن محمَّد بن خالد.

4 ـ كثير من الطلبة المغاربة ويقال: إن عددهم كان سبعين طالبا([9]).

المطلب الرابع: إسهام المدرستين في الحياة الفكرية بعمان:

كان للمدرستين النـزوانية والرستاقية إسهامات في الحياة الفكرية والعلمية في عمان، فقد أقاموا مدارس وألفوا كتبا، وخرجوا علماء، وكان لكل مدرسة مناهج اتّخدتها في نشر العلم والمعرفة، ولكل مدرسة طريقة في التفكير وعرض الأدلَّة وتصنيف المصنفات، ولا أدل على ذلك من كثرة المؤلفات لدى المدرستين، وكذلك الأخذ والرد والاحتجاج في قضية الإمام الصلت، والفتنة التي نشبت في أواخر عصره، وهي دليل على ثراء الجانب الفكري والعلمي لدى المدرستين جميعا، فكانت كل مدرسة تذكر آراءها وآراء المدرسة الأخرى، وتناقش هذه الآراء بالدليل العلمي، وهذا وحده يثري المدرسة الفكرية التي عرف عنها المذهب الإباضيّ.

ونودّ في هذا المطلب أن نذكر أمثلة بسيطة لهذا التأثير الفكري التي قامت به المدرستان، ولنأخذ جانب التأليف.

فقد ألفت الكثير من الكتب من قبل أعلام المدرستين، سواء أكانت هذه الكتب في قضية الإمام الصلت أو غيرها ولنضرب أمثلة على ذلك:

أولا: مؤلفات المدرسة النـزوانية:

تقدم الحديث عند ترجمة إمام المدرسة النـزوانية وعن مؤلفاته، وذكرنا أن منها: الجامع المفيد، والمعتبر، والاستقامة، وتعليقاته على كتاب الأشراف.

ويذكر من ضمن كتب المدرسة النـزوانية: بيان الشرع لمؤلفه محمَّد بن إبراهيم الكندي، ويتألَّف هذا الكتاب من 72 جزءا، وهو موسوعة تشمل كافة علوم الشريعة.

وله كذلك مؤلفات أخرى منها: القصيدة العبيريَّة في وصف الجنَّة، التي شرحها الشيخ محمَّد بن يوسف اطفيش، وله أرجوزته المسماة بالنعمة في أصول الشرع وفروعه.

ثانيا: مؤلفات المدرسة الرستاقية:

اعتنى أهل المدرسة الرستاقية بالتأليف أكثر من اعتناء أهل المدرسة النـزوانية، وقد ذكرنا مؤلفات ابن بركة إمام المدرسة الرستاقية، وهي: كتاب الجامع والتقييد والمبتدأ، رسالة في التعارف أو العرف، والموازنة في مدح العلم وأهله، شرح جامع أبي جعفر، الإقليد.

ومؤلفات أبي الحسن البسيوي، منها: جامع أبي الحسن، مختصر البسيوي، سيرة أبي الحسن البسيوي.

مؤلفات أبي بكر أحمد بن عبد الله الكندي: المصنف، التخصيص في الولاية والبراءة، الاهتداء، التسهيل في الفرائض، التيسير في النحو، سيرة البررة، الجوهر المقتصر، الذخيرة، التقريب في النحو.

هذه أشهر مؤلفات المدرستين، وفي الحقيقة قد اعتنى علماء المدرستين كذلك بنشر التعليم والعلم، فقد أنشأ الإمام ابن بركة مدرسة في بهلا وأوقف عليها أموالا طائلة، ووفد إليه سبعون تلميذا من أهل المغرب، وقام بتدريسهم، حتى انتهوا وكان ينفق عليهم بنفسه.

وقد تقدم عند ذكر التوطئة التاريخية لظهور المدرستين النـزوانية والرستاقية أهم علماء المدرستين.

وجود هذا الكم الهائل والعلماء دليل على إبراز المباني الفكرية في عمان، وكلا المدرستين قد ألفت كتبا في ذلك، منها:

1 ـ كتاب الاستقامة لأبي سعيد الكدمي ذكر فيه رأي المدرسة النـزوانية وأدلَّة هذا الرأي، وردّ على أصحاب المدرسة الرستاقية.

2 ـ كتاب الموازنة لأبي محمَّد ابن بركة، وهو رد للسؤال عن الفتنة الناشئة في أواخر عهد الإمام الصلت.

3 ـ سيرة أبي الحسن البسيوي.

4 ـ كتاب الاهتداء، لأبي بكر احمد بن عبد الله الكندي.

هذا ما تيسر لي تدوينه في إنتاج هاتين المدرستين الفكرية، ودورهما في الحياة الفكرية في عمان. وهناك الكثير في هذا المجال، ولعل المتخصص في الكتابة في هذا الموضوع يجد مادة علمية لا بأس بها.

المبحث الثاني: الاختلافات الفقهية بين المدرستين:

بعد تلك المقدمة في نشوء المدرستين النـزوانية والرستاقية والترجمة البسيطة لإمامي تلك المدرستين، مع بيان إسهامات المدرستين الفكرية، نأتي في هذا المبحث للتعرض إلى الاختلافات الفقهية بين المدرستين:

المطلب الأَوَّل: منهج الإباضيّة الفقهي:

أقام الإباضيّة منهجهم الفقهي على مصادر التشريع المعروفة، وهي: القرآن والسنة والإجماع والقياس، ولديهم مصادر تبعية مثل الاستصحاب والاستحسان والمصالح المرسلة وشرع من قبلنا([10]).

ولم يعتمدوا على تقليد الآخر، بل جعلوا باب الاجتهاد مفتوحا كلما جاء عالم رأى ما ذكره من سبقه واجتهد رأيه.

وكانوا يتبعون الدليل، كما قال الشيخ السالمي في قصيدته كشف الحقيقة:

فنأخـذ الــحق مـتى                 تـراه        لو كـان مبغضا                   لنـا أتـــاه

والباطــل المـردود             عندنـا ولو        جـاء به الخل الذي            له اصطفـوا

فهَمُّهُم الحق لا تقليد الرجال، وهم أبعد ما يكونون من الباطل، ولو جاء به أقرب الناس إليهم، لذا لم يعرفوا التقليد الأعمى، بل عرفوا اتباع الدليل، وتناثرت الكثير من الكلمات المؤيدة لذلك مثل: “الحق أحق أن يتبع”، “والرسول هو القدوة”، وغيرها من خلال فتاواهم وتحقيقاتهم العلمية. وليس أدلّ على ذلك من أن المذهب ينسب إلى عبد الله بن إباض، ولا نجد مسائل فقهية تنسب إليه من خلال التحقيقات الفقهية لعلماء المذهب، بل كان إمامهم جابر بن زيد، وربما خالفه أقرب تلامذته إليه مثل أبي عبيدة والربيع ونحوهم.

والمتابع لمنهج الإباضيّة الفقهي والأصولي يدرك هذا. ولسنا بصدد هذه المسألة في هذا البحث المتواضع، ولكن نريد من هذه المقدمة التأكيد على أن المدرستين النـزوانية والرستاقية عرفتا في مسألة واحدة فقط، وهي: مسألة الولاية والبراءة، للقضية الناشئة في زمن الإمام الصلت بن مالك.

لذا فإن تشكّل هاتين المدرستين ليس بسبب الاختلافات في المنهج الفقهي والأصولي للمدرستين، من ثُمَّ نجد أن الإمام أبا الحسن البسيوي، وهو أقرب الناس إلى ابن بركة وتلميذه المباشر، خالف شيخه ابن بركة في الكثير من الآراء الفقهية، بل وأنه وافق أبا سعيد الكدمي فيها، كما سنراه من خلال المطالب القادمة، بالرغم أن أبا سعيد الكدمي هو إمام المدرسة النـزوانية المخالفة للمدرسة الرستاقية. وكذلك باقي العلماء، فكل عالم له آراؤه ومنهجه واستدلالاته، لا يتقيد برأي شيخه وإمامه وَإِنَّمَا يتقيد بالأخذ بالحق.

وبما أن هذا البحث يعنى ببيان هذه الاختلافات؛ فسنذكر خلال المطالب القادمة المسألتين التي عرف أن هناك خلافا وقع فيهما بين المدرستين النـزوانية والرستاقية، وهما: مسألة الولاية والبراءة في الأحداث الواقعة في آخر زمن الإمام الصلت، ومسألة قيام الحجة على المكلف، هل هي بالعقل أم بالنقل؟ وسنذكر بعد ذلك المسائل التي انفرد بها ابن بركة، والمسائل التي اختلف فيها إمام المدرسة النـزوانية وإمام المدرسة الرستاقية.

المطلب الثاني: الولاية والبراءة:

تقدّم في المطلب الأول من المبحث الأول ذكر الفتنة التي حدثت زمن الإمام الصلت، وكيف أن العلماء اختلفوا في الحكم على هذا الحدث، ولعل هذا هو أهم ما يميز المدرستين النـزوانية والرستاقية، فكل مدرسة اتخذت منهجا في الحكم على تلك الأحداث، ولنعرض الآن رأي المدرستين بشيء من التفصيل:

أوَّلاً: رأي المدرسة النـزوانية:

بيّن الإمام أبو سعيد الكدمي إمام هذه المدرسة رأيه في الفتنة الدائرة بصراحة من خلال كتابه الذي ألّفه في هذا، وهو أن هذه المسائل كلها من باب الدعاوى، وأخذ يضرب أمثلة على ذلك بقوله: إن من العلماء من تولى موسى بن موسى وراشد بن النظر، ومنهم من وقف عنهما، ومنهم من تبرأ منهما، ولم يتبرأ المتولّي لهما من المتبريء منهما، ولم يتبرأ المتبرئ منهما من المتولي لهما، وذلك دليل على هذا ولو كان من الدين بحيث يجب أن يتبرأ منهما ويتبرأ منها لم يتبرأ منهما؛ لما فعله العلماء السابقون؛ أمثال الفضل بن الحواري، والحواري بن عبد الله، ومحمَّد بن الحواري، ومحمَّد بن جعفر، والأزهر بن محمَّد بن جعفر، وبشير وعبد الله أبناء محمَّد بن محبوب، والكثير من العلماء. وإنما ظهر القول بوجوب البراءة منهما على يد ابن بركة، في الخلف الثالث لمن عاصر الفتنة، ولذلك يأخذ أصحاب هذه المدرسة بالقول القائل: إنه لا يجب البراءة منهم، وإن هذه المسائل من مسائل الأحكام قد يصيب فيها المرء وقد يخطئ([11]).

ثانيا: رأي المدرسة الرستاقية:

يتلخص رأي الإمام ابن بركة في أن إمامة الصلت بن مالك ثابتة شرعا، ولا يجوز الخروج عليها، وتجب طاعة الإمام. وأن موسى بن موسى وراشد بن النظر ومن معهم بغاة؛ خرجوا على الإمامة المجمع عليها، وتجب البراءة من موسى بن موسى وراشد بن النظر، وتجب براءة من لم يتبرأ منهما.

وبسبب هذه القضية أصبح الجدل واسعا بين المدرستين، وألفت الكتب والرسائل كما تقدم ذكره، ونتج عن ذلك تأصيل علمي، وبحث دقيق لأحكام الولاية والبراءة والوقوف، وأحكام الإمامة، وموجبات عزل الإمام، مِمَّا أثرى المدرسة الفكرية في عُمان، وكانت مع مرور الأيام موردا لتلقي العلوم في المجال السياسي، وفي مباحث الولاية والبراءة من الأشخاص.

وقارن علماء المدرستين بين حوادث الإمام الصلت وفتنة عثمان وعلي وخصومه، وصنفت البحوث المطولة في ذلك، وقد طبع بعضها ضمن كتاب السير والجوابات.

وبذلك نشأ الخلاف الذي عرف فيما بعد باسم النـزوانية والرستاقية، وفي الحقيقة كان عدد الفرق أكثر من هاتين المدرستين، فقد روي عن الفضل بن الحواري أنه دخل نزوى أيام راشد بن النظر فإذا هم على سبع فرق([12]).

ولكن أشهر الخلاف كان بين المتولين لراشد وموسى والمتبرئين منهم، فالمتولون يقولون إن الصلت ضعف، وطلب منه الثائرون الاعتزال فأجابهم لذلك، وبايعوا إماما بدلا عنه، وشهد بذلك الشهود.

وأما المتبرئون من راشد وموسى فقالوا: إن موسى كان يتكلم في الإمام ويطعن فيه، ويظهر أنه ناصر الدولة وهو يسعى إلى فسادها وهدمها، حين جمع الأعراب والطعام من الناس وأسرع إلى الفتنة. فلمّا وصلوا فَرْق اعتزل الصلت بيت الإمام إلى بيت ابنه شاذان، وإنما اعتزل خوفا من أن يقع سفك دم بلا حجة؛ ولم يكن للصلت ذنب.

هذه بداية القضية، ولذلك توقف الكثير من العلماء في هذه القضية، ولم يتبرؤوا من المتولين؛ لأنَّ المتبرئين اعتبروهما دعاوى تحتمل الصحة والخطأ.

ثم صار الخلاف بين الواقفين والمتبرئين، فرأى الواقفون أن هذه دعاوى لا توجب الولاية والبراءة، والأمر يحتمل الكل، ولا يجب على الناس أن يتبرؤوا من موسى وراشد، وأن المتولين والمتبرئين والواقفين منهم كلهم في الولاية. وذهبت طائفة من العلماء إلى أن الصلت إمام بالاجماع، وموسى وراشد باغيان فيجب أن يتبرأ الناس منهما، إذ البراءة من الباغي واجبة.

واشتهر من هذه الطائفة ابن بركة، وأبو الحسن البسيوي.

والذين قالوا بالقول الأول، وهو القول بالوقوف، منهم محمَّد بن روح، وأبو سعيد الكدمي.

وألّف الكدمي كتاب الاستقامة في الردّ على القائلين بالبراءة منهم، وقال: إن دعوى الخروج على الإمام لا يعترض عليها الفريق الثاني، إذ يقولون: إنما خرجوا للمناظرة والمشاورة في أمر الدولة، وطلبوا منه أن يعتزل فاعتزل غير مجبور ولا مقهور، وأن للإمام أن يعتزل إذا طلب منه المسلمون ذلك، ولم يقدم عليه إماما إلا بعد أن اعتزل. وهذه الدعوى محتملة، ولذلك لا توجب البراءة من أصحابها. ثُمَّ إن القضية مرّ عليها زمان، والأَوْلى للناس عدم الخوض فيما لا يعنى، بل البحث عنها تجسس في أحوال المسلمين.

المطلب الثالث: قيام الحجة على الجاهل:

من المسائل التي بحثها علماء المدرستين النـزوانية والرستاقية: مسألة قيام الحجة على الجاهل، ولنعرض رأي هاتين المدرستين:

أولا: رأي الإمام أبي سعيد الكدمي: ويتلخص في أنه ذهب إلى أن على من قامت عليه حجة فرض العمل المؤقت، ولم يجد من يعبّر له عن كيفية الأداء، أن يؤدِّيه كما أدركه عقله، فوجب عليه الفعل حسب ما عقل، وقد يؤدِّي به عقله إلى فعله وهو في الحقيقة حرام، أو إلى تركه وهو عند الله واجب، ولا يسأل عما في علم الله.

ثانيا: رأي الإمام ابن بركة:

أوجب الإمام ابن بركة على صاحب الجزيرة الذي لم يبلغه حلال ولا حرام أن يترك ما في عقله كذبح الحيوانات، وهذا الأمر يشمل أمرين: إما أن يكون المقصود به العقل السليم، وعلى هذا لن تختلف الأحكام باختلاف الأشخاص، وإمّا أن يقصد عقل كلّ إنسان على حدة، وعلى هذا فقد يحسن هذا ما يقبح غيره، والأول هو الأصح([13]).

هذا هو رأي الإمامين، وهناك فرق بسيط فالإمام أبو سعيد يرى وجوب تحكيم العقل عندما تقوم الحجة بسبب ما، فيأتي دور العقل لبيان كيف يؤدِّي هذا الفعل، ورأي ابن بركة فيرى حتى قبل قيام الحجة وجوب فعل ما يجب عليه أن يفعل، بحسب ما يحسن في عقله، ويترك ما يقبح، بشرط أن يكون من رأي العقل السليم، وهذان الرأيان يختلفان بلا شك عن رأي المعتزلة، إذ إن الإمامين قالا بتحكيم العقل عند عدم الشرع، فإذا وجد الشرع بطل حكم العقل، وعدل إلى حكم الشرع، وأما المعتزلة فقالوا بتحكيم العقل ورد الشرع أم لم يرد([14]).

وكذلك اختلفا في قيام الحجة بالعالم الواحد فيما يسع جهله من الأحكام، فاختار الإمام أبو سعيد أنه حجة، واختار أبو محمَّد انه غير حجة بنفسه حتى يكون معه غيره، وكان رأي العلماء السابقين الوقوف. وقال الشيخ السالمي: هو الأسلم([15]).

وهناك مسألة أخرى شبيهة بهذه، وهي هل تقوم الحجة بجميع من عبر ذلك في معرفة الفعل المؤقت؟ فذهب النـزوانية إلى أن جميع من عبر يعتبر حجة، سواء أكان هذا المعبِّر مسلما أم مشركا أم صبيا أم سمعه من طائر بنفس، بشرط أن يفهم تلك العبارة في وقت الأداء، أو يفهمها قبل الوقت فلم ينسها حتى دخل الوقت.

وذهب الرستاقية الى أن غير العدل لا يكون حجة في ذلك وإن دخل الوقت.

واستدل النـزوانية بقوله e: «اقبل الحق ممن جاءك به؛ بعيدا كان أو قريبا، وردّ الباطل على من جاء به مبغضا كان أو حبيبا».

واستدل الرستاقيون بقوله تعالى: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾([16]). فهذا أمر بالتبيّن عن خبر الفاسق دليل على عدم حجيته.

واستدلوا كذلك بقوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾([17]).

وأجاب النـزوانية على هذين الاستدلالين بما يلي: أَمَّا الأول: فإن التبين من خبر الفاسق مقيّد بمحذور؛ وهو إصابة قوم بجهالة، ولا محذور هنا.

وأجابوا عن الاستدلال الثاني: بأن السبيل الذي نفى الله كونه للكافرين على المؤمنين، إنما هو الاستيلاء عليهم والقهر حتى يكونوا لهم خدما.

وعلى العموم فإن الشيخ السالمي يؤيد ما قاله النـزوانية، وذلك لميله للإمام أبي سعيد في أكثر من موضع، وقد سماه إمام المذهب، وذكر هذه المسألة في المشارق([18]).

المطلب الرابع: المسائل التي خالف فيها الإمام ابن بركة جمهور الإباضيّة:

ذكر هذه المسائل بالتفصيل الباحث زهران المسعودي في كتابه “الإمام ابن بركة السليمي البهلوي ودوره الفقهي”، وسنتعرض لها هنا بنوع من الإجمال.

المسألة الأولى: الحج واجب على الفور أم على التراخي؟

ذهب الإمام ابن بركة إلى القول بأن الحج واجب على الفور على المستطيع، خلافا لمن تقدمه من علماء المذهب([19])، ولكن هناك من علماء المذهب الإباضيّ المتأخرين من قال بهذا القول، وهم الجيطالي([20])، وصالح بن علي الحارثي([21]).

وذهب جمهور الإباضيّة إلى أن الحج واجب على التراخي([22]).

ويلاحظ حتى البسيوي تلميذ ابن بركة قال بالقول الثاني، موافقا جمهور الإباضيّة وابا سعيد الكدمي ومخالفا شيخه ابن بركة.

المسألة الثانية: حكم اشتراط الولي في النكاح:

يرى ابن بركة أن الولي شرط في نكاح البكر دون الثيب. خلافا لمن تقدم من علماء المذهب، ولذا يرى أنه يجوز نكاح المرأة الثيب نفسها بغير إذن وليها إذا تزوجت كفوا.

ويرى جمهور الإباضيّة أن الولي شرط في الزواج، سواء كانت المرأة بكراً أم ثيباً، ومنهم أيضا البسيوي، فقد خالف أستاذه ابن بركة.

المسألة الثالثة: وقوع طلاق السكران:

يرى ابن بركة وقوع طلاق السكران إذا كان يعني ما يقول فيقع الطلاق، وإن كان سكره مطبقا لا يعي ما يقول فلا يقع الطلاق.

وذهب جمهور الإباضيّة إلى أن طلاق السكران واقع مطلقا.

هذه هي المسائل التي خالف فيها الإمام ابن بركة من تقدمه من العلماء، وهذا يدل على اجتهاد هذا العالم ولم يكتف بالتقليد. فعندما ترجحت الأدلَّة لديه على قول اتبعه وإن خالف علماء مذهبه. وقد جاء بعده علماء المذهب فأيدوا رأيه عندما ظهر لهم ما ظهر لابن بركة، من رجحان القول الذي قال به.

المطلب الخامس الاختلافات بين إمام النـزوانية وإمام الرستاقية

في هذا المطلب نذكر بعض المسائل المتفرقة التي اختلف فيها قطبا هاتين المدرستين، وليس بالضرورة أن يكون أتباع كل مدرسة اتبعوا إمامهم، ونحاول أن تكون هذه المسائل متنوعة من عدة أبواب من أبواب الفقه.

المسألة الأولى: اختلفا في حكم مسح الأذنين:

قال أبو سعيد: لا يجوز ترك مسح الأذنين على التعمد؛ لثبوت التأسي بالنبي e.

وقال أبو محمَّد: والنظر يوجب عندي أن مسحهما غير واجب.

ولذا فظاهر كلام أبي سعيد الوجوب، كما قاله الشيخ السالمي في المعارج([23]).

المسألة الثانية: اختلفا هل النية شرط في صحة الاغتسال أم لا؟

قال أبو سعيد: لا تشترط النية في صحة الاغتسال؛ واحتج بأن الغسل جنس واحد، وأنه مضاد للجنابة؛ إن كان الشخص جنبا فهو غير مغتسل، وإن كان مغتسلا فهو غير جنب.

وقال أبو محمَّد: بأن النية شرط، واحتج بأن الجنب طاهر، وليس بنجس وأن الأمر للجنب بالاغتسال عبادة، والعبادات لا تؤدي إلا بالنية ([24]).

المسألة الثالثة: اختلفا هل الغسل من الجنابة يجزئ عن الغسل من الجمعة؟

فاختار أبو سعيد أنه يجزئ، وذكر أن هذا القول متفق عليه بين أصحابنا. وقال أبو محمَّد: إنه لا يجزئ([25]).

المسألة الرابعة: اختلفا في المرأة التي في بطنها ولدان، فوضعت الأول وبقي الثاني:

فقال أبو سعيد: تترك الصلاة وتعدّ نفساء، وقال أبو محمَّد: لا تعد نفساء حتى تضع كل حملها([26]).

المسألة الخامسة: اختلفا في وجوب الزكاة في العوامل من البقر والإبل:

قال أبو سعيد بوجوبها، وبه قال جمهور الإباضيّة. وقال أبو محمَّد وبعض الإباضيّة: لا زكاة فيها([27]).

هذه أمثلة بسيطة لوقوع الخلاف بينهما في المسائل الفرعية العملية، وقد وقع خلاف في مسائل أكثر من هذه، ولكني أحببت أن أذكر نموذجا فقط، ولكن ليس بالضرورة أن يكون كلام أبي سعيد ورأيه رأيا للمدرسة النـزوانية، فقد وافق بعض الرستاقية، وكذلك أقوال وآراء أبي محمَّد؛ ليست حصرا على المدرسة الرستاقية. فقد يوافق بعض النـزوانية وتخالفه بعض الرستاقية، فقد خالف أبو الحسن البسيوي شيخه أبا محمَّد في كثير من المسائل ووافق بها رأي أبي سعيد.

وهذا هو شأن علماء المذهب الإباضيّ كما يبينه المطلب الأول من هذا المبحث، فهم يقارنون بين الأدلَّة ويستعرضونها، فما رأوه صوابا اتبعوه، وما رأوه أبعد عن الصواب ابتعدوا عنه([28]).

الخاتمة:

بعد هذه الجولة السريعة في هذا البحث المتواضع عن مدرستين من المدارس التي عملت على نشر العلم والفكر، وساهمت إسهامات جليلة في إثراء المكتبة العلمية الإسلامية بشكل عام، والإباضيّة بشكل خاص، نصل إلَى النتائج التي استفدناها من خلال هذا البحث:

1 ـ كان نشوء المدرستين النـزوانية والرستاقية بسبب الخلاف الناشئ في إمامة الإمام الصلت والإمام راشد بن النظر.

2 ـ لكلا المدرستين إسهامات في التأليف وإثراء المكتبة الإباضيّة.

3 ـ اشتهر علماء المذهب الإباضيّ بالاجتهاد واستقلالية الفكر، وابتعدوا كل الابتعاد عن التقليد الأعمى.

4 ـ الخلاف بين المدرستين منحصر في قضية الولاية والبراءة من الأحداث الناشئة أواخر إمامة الإمام الصلت، وفي مسألة قيام الحجة على الجاهل.

5 ـ هناك خلافات فقهية بين إمامي المدرستين في بعض المسائل الفقهية، كل يرجح رأيا ويستدل عليه بأدلَّة لا تعدو أن تكون خلافات رأي لا بأس بها.

6 ـ قد يوجد من علماء المدرسة النـزوانية من يؤيد رأي إمام الرستاقية، وقد يوجد من علماء الرستاقية من يؤيد رأي إمام النـزوانية.

7 ـ لابن بركة آراء انفرد بها، ولم يقل بها أحد من علماء المذهب ممن تقدمه، ولكن يوجد من قال بها ممن جاء بعده من أئمَّة وعلماء المذهب الإباضيّ.

8 ـ اتفق إمام النـزوانية وإمام الرستاقية في جانب من مسألة قيام الحجة على الجاهل واختلفا في جانب آخر، ولكل واحد منهما أدلته.

9 ـ الخلاف في الرأي لا يفسد للود قضية.

10 ـ الخلاف في الرأي فطرة بشرية، وضرورة شرعية، وهذا مِمَّا يؤدِّي إلى التيسير على الناس.

والحمد لله رب العالمين.


([1]) انظر السالمي: تحفة الأعيان، ج1، ص71، الناشر مكتبة الإمام نور الدين السالمي، عمان، عام 2000م؛ -وابن رزيق: الفتح المبين في سيرة السادة البوسعيديين، وزارة التراث، سلطنة عمان، 1404-1984م، ص21.

([2]) البطاشي: إتحاف الأعيان، ط1، 1413 هـ/ 1992، ج1، ص215.

([3]) انظر: السالمي: تحفة الأعيان، نشر مكتبة نور الدين السالمي، مجلد ج1.

([4]) انظر: ترجمة الشيخ أبي سعيد في: سيف بن حمود البطاشي: إتحاف الأعيان، صفحات215 –220.

([5]) جابر السعدي: ابن بركة وآراؤه الأصولية، رسالة ماجستير في الجامعة الأردنية، ص24.

([6]) زهران المسعودي: الإمام ابن بركة ودوره الفقهي، الطبعة الأولى، 1421 هـ/2000 م، ص39.

([7]) السعدي: ابن بركة وآراؤه الأصولية، ص27.

([8]) المسعودي: الإمام ابن بركة ودوره الفقهي، ص45.

([9]) لمزيد من ترجمة ابن بركة انظر: السعدي: ابن بركة وآراؤه الأصولية. والمسعودي: ابن بركة ودوره الفقهي.

([10]) انظر: مهني التواجني: أشعة الفقه الإسلامي، منشورات معهد العلوم الشرعية، 1422هـ/ 2001 م، ص95.

([11]) انظر: الكدمي: الاستقامة، (ط) وزارة التراث، سلطنة عمان، ج1، ص218 وما بعدهما.

([12]) السالمي، التحفة، ص193.

([13]) انظر: السالمي: مشارق الأنوار، الطبعة الثانية، 1398/ 1978، ص102.

([14]) في نسبة هذا القول إِلَى المعتزلة هكذا بإطلاق فيه نظر، رغم شهرته عنهم، فلا بد من التحقق فيه من كتبهم ومؤلفاتهم، والله أعلم. (المراجع).

([15]) انظر: السالمي، العقد الثمين؛ السالمي، جوابات نور الدين السالمي ج1 ص204 مكتبة الضامري للنشر، (ط) الأولى، 1413/1993.

([16]) سورة الحجرات: 6.

([17]) سورة النساء: 141.

([18]) انظر: تفصيل هذه المسألة: السالمي: مشارق الأنوار، ص98-100.

([19]) انظر: ابن بركة، الجامع، ج2، ص64.

([20]) انظر: القطب، شرح النيل، ج4، ص17.

([21]) انظر: السالمي: المشارق، ج1، ص229.

([22]) انظر: البسيوي: الجامع، ج2، ص256؛ والكندي: بيان الشرع، ج22، ص40؛ والشقصي: منهج الطالبين، ج7، ص17.

([23]) السالمي: المعارج، ج2، ص23-24.

([24]) انظر: السالمي: المعارج، ج، 3، ص19-20.

([25]) انظر: السالمي: المعارج، ج3، ص83.

([26]) انظر: السالمي: المعارج، ج4، ص121.

([27]) انظر: السالمي: المعارج، ج15، ص140.

([28]) دون تعصّب لرأي إمام أو قول عالم مهما كانت درجته أو علمه. (المراجع)

 

*ندوة تطور العلوم الفقهية في عمان خلال القرن الخامس الهجري “التأليف الموسوعي والفقه المقارن”

أقامتها وزارة الأوقاف والشؤون الدينية بمسقط

يومي 25- 27 محرّم 1426هـ/ 6- 8 مارس 2005م

هذه المقالة تحتوي على التعليقات على الاختلافات الفقهية بين المدرستين النـزوانية والرستاقية مغلقة

التعليقات مغلقة مع الأسف