الاختلاف الفقهي: الظهور والدلالات

الاختلاف الفقهي: الظهور والدلالات*

رضوان السيد([1])

أولاً: الظهور:

يذكر المؤلّفون الأحنـاف أنّ أبا حنيفة النعمان بـن ثابت ( ـ 150هـ) ألّف في “اختلاف الصحابة”([2]). بيد أنّ ما وصل إلينا مدوَّناً عنه رسالته إلى عثمان البَتّي عالِم البصرة، والتي يعلنُ فيها اختلافه معه في عدة مسائل([3]). وهناك من ميراث أبي حنيفة ما دوَّنه تلميذُهُ أبو يوسف يعقوب بن إبراهيـم ( ـ 182هـ) في “الردّ على سِيَر الأَوزاعي” ( ـ 157هـ) عالِم أهل الشام، وكتاب أبي يوسف الآخر المسمَّى “اختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلى” القاضي بالكوفـة، أيام الأمويين والعباسيين([4]). ولدينا أيضاً رسالة الليث بن سعـد ( ـ 175هـ) عالِم مصر إلى الإمام مالك بن أَنَس يخبرُهُ فيها باختلافه معه في اعتبار ” عمل أهل المدينة” بين الأدلَّة الشرعية أو الأصول([5]).

وقد وصل إلينا من المرحلة التدوينية الأولى للاختلاف كتاب محمَّد بن الحسن الشيباني( ـ 189هـ) المسمَّى: “الحجة على أهل المدينة”، وأهلُ المدينة هم أصحابُ الإمام مالك في نظره، وهو يقارن آراءهم على أبواب الفقه بآراء أستاذه أبي حنيفة، ويردُّ عليهم بذلك([6]). واحتفظ لنا الشافعي( ـ 204هـ) في كتاب الأُمّ ـ الذي تركه مسوّدةً في ما يبدو ـ بعدة رسائل في الاختلاف مثل “اختلاف الشافعي مع مـالك”، و”اختلاف الشافعي مع محمَّد بن الحسن”؛ إلى جانب الرسالتين السالفتي الذكر (اختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلى، والردّ على سِير الأَوزاعي)([7]). ونعرفُ من المصادر أنّ محمَّد بن عبد الحكم ( ـ 264هـ) المالكي الميول، ألَّف في الردّ على الإمام الشافعي ( ـ 204هـ) كتابه العنيف: “الردّ على الشافعي في ما خالف فيه الكتاب والسنة”([8]).

وإذا كانت المؤلَّفاتُ والرسائلُ التي ذكرناها تنتمي إلى مرحلة تكوُّن المذاهب الفقهية (بين 150و250هـ)؛ فإنّ مؤلَّفاتٍ أُخرى كثيرة في الاختلاف ظهرت فيما بين منتصف القرن الثالث، ومنتصف القرن الرابع الهجري. وقد تنوعت أغراضُها ومقاصـدُها ومناهجُها

هنـاك مثـلاً كتاب الفقيه الحنفي محمَّد بن شجـاع الثلجي ( ـ 256هـ) في ذكر المسائل التي اختلف فيها شيخاه: أبو يوسف ( ـ 182هـ)، وزُفر بن الهُذَيل ( ـ 158هـ). أمّا محمَّد بن نصر المروزي ( ـ 294هـ)، فقد أَلّـف “اختلاف الفقهاء” ليوضح أنّ أبا حنيفة الكوفيَّ الذي يردُّ معظمَ فقهه إلى عليّ وابن مسعود؛ قد خالفهما في كثيرٍ من المسائل (على أبواب الفقه).

ويذكر ابن النديم في: “الفهرست” كتاباً لزكريا الساجي يسمّيه: “اختلاف الفقهاء”؛ ولم يصل إلينا. إنما أشهرُ ما وصل من تلك الفترة قطعتان من كتاب محمَّد بن جرير الطبري( ـ 310هـ) الكبير المسمَّى: “اختلاف الفقهاء” أيضاً. ومن الحقبة نفسها وصلت ثلاثة كتبٍ في الاختلاف لأبي بكر محمَّد بن إبراهيم بن المنذر ( ـ 319هـ) هي “الإشراف على مذاهب أهل العلم”، و”الأَوسط في السُنن والإجماع والاختلاف”، و”اختلاف العلماء”. وصنّف الطحاوي الحنفي( ـ 320هـ) كتبه المشهورة في الاختلاف: “شرح معاني الآثار”، و”اختلاف الفقهاء”؛ ويقعُ كلٌ منها في عدة مجلدات([9]).

وتختصُّ المرحلة الثالثةُ (في ما بين القرنين الرابع والسادس) بانقلاب الاختلاف من فقهٍ مقارن إلى جَدَلٍ عنيفٍ أو هادئ؛ من مثل كتاب أبي الليث نصر بن محمَّد السمرقندي ( ـ 373هـ): “مسائل الخلاف” أو “مختلف الرواية”، وكتاب الفرَّاء ( ـ 450هـ): “الخلاف الكبير”، وكتاب القدوري الحنفي ( ـ 428هـ): “التجريد”، وكتاب البيهقي ( ـ 458هـ): “الخلافيات”. وأشهرُ خلافيات هذه الفترة: “بداية المجتهد” لابن رشد ( ـ 595هـ)، وكتب الغزالي ( ـ 505هـ): “مآخذ الخلاف”، و”لُباب النظر”، و”تحصين المآخذ”، و”المبادئ والغايات”.

والمُلاحظ أنّ أكثر كتب الحقبة الثالثة هذه تركّزُ على الخـلاف بين الحنفية والشافعية في سائر أبواب الفقه ـ في حـين يعمل أبو زيد الدبّوسي الحنفي ( ـ 430هـ) على إيضاح الخلاف داخل المذهب الحنفي من جهـة، وبيـن الأحناف والشافعـية والمالكية، من جهةٍ ثانية. وينـصرف ابن عبد البر ( ـ 464هـ) على دراسة المسائل نفسها في المذهب المالكي (اختلاف مالك وأصحابه)([10]).

ويريد دارسون مُحْدَثون أن يردُّوا هذه الاختلافات الفقهية إلى عهود الصحابة والتابعين. بمعنى أنهم يذهبون إلى أنَّ ما اختلف فيه الصحابةُ في المدينة انعكس في مذهـب مالك، وما اختلف فيه ابن عباس مع غيره من الصحابة والتابعين بمكة، ظهر في فقه عمرو بن دينار وعطـاء بن أبي رباح، وما اختـلف فيه فقـهاء الكوفة ظهر في فقه أبي حنيفة.. الخ([11]).

والذي أراهُ أنّ الأمر جرى على غير هذا النحو. فقد كان الصحابة والتابعون يختلفون في المسألة أو المسألتين الاجتهاديتين، ويحصل اتِّفاق بعد ذلك أو لا؛ دون أن يؤثر ذلك كثيراً فيهم. مثل إصرار عمر بن الخطَّاب على عدم قسمة الأَرَضين المفتوحة عنوةً بين المقاتلين، وجعلها خراجاً للمسلمين. ومن مثل إصرار ابن عباس على إباحة ربا الفضل. ومن مثل اختلافهم في توريث الإخوة مع الجدّ؛ حيث ذهب أبو بكر وجماعةٌ معه إلى توريثهم قياساً على الأب؛ بينما ذهب علي وابن مسعود وزيد بن ثابت إلى عدم توريثهم([12]).

ولا نرى علاقةً قويةً بين اختلاف الصحابة والتابعين من جهة، واختلافات القرنين الثاني والثالث. ففي تلك الفترة التي سميناهـا مرحلةً أولى (150 ـ 250هـ) كانت التوجهات الفقهية في الأمصار، تتحول إلى مذاهب فردية (حنفي ومالكي وأوزاعي وشافعي وحنبلي وزيدي وإباضيّ.. الخ)([13])؛ فكانت وظيفةُ التأكيد على الاختلاف إيضاح حدود المذهب أو تحديد الطابع العامّ له من طريق التمايُز.

أما في المرحلة الثانية فقد بدأ التقعيد الفقـهي والأصولي (الأدلَّة والقواعد)، ولذلك اتجه الفقهاء للإفادة من الفرصة، أي اتجه كل مذهبٍ للإفادة من المذهب الآخر. وعاد الاشتباك في المرحلة الثالثة لإثبات الوجود والاستتباب في الأوقاف وفي المدارس وفي ولاية القضاء.. الخ([14]).

ثانياً: مشروعية الاختلاف:

يقول الشافعي ( ـ 204هـ) في الرسالة([15]): «قال: فإني أجد أهل العلم قديماً وحديثاً مختلفين في بعض أمورِهم، فهل يسعُهُمْ ذلك؟ قال؛ فقلتُ له: الاختلافُ من وجهين أحدُهما مُحَرَّمٌ، ولا أقولُ ذلك في الآخَر. قال: فما الاختلافُ المحرَّم؟ قلتُ: كلُّ ما أقام الله به الحجة في كتابه أو على لسان نبيّه منصوصاً بيّناً، لم يحلّ الاختلاف فيه لمن علمه. وما كان من ذلك يحتمل التأويل ويُدْرَكُ قياساً فذهب المتأوّل أوالقايسُ إلى معنىً يحتمله الخبر أو القياس، وإنْ خالفه فيه غيره؛ لم أقل إنه يضيقُ عليه ضيق الخلاف في المنصوص. قال: فهل في هذا حجةٌ تبيّن فرقك بين الاختلافين؟ قلتُ، قال الله في ذمِّ التفـرق: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾([16]). وقال جلَّ ثناؤه: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾([17]). فذمّ الاختلاف في ما جاءتْهم به البيّنات. فأمّا ما كُلّفوا فيه الاجتهادَ فقد مثلْتُهُ لك بالقِبلة والشهادة وغيرها…».

وبذلك يكونُ الشافعيُّ قد أقرَّ الاختلافَ الاجتهاديَّ في الفرُوع، وهو ما كان يقومُ به هو نفسُه، وذمّ الاختلاف في الأصول والعقائد. والحَكَمُ عنده بين الأمرين في وجود النصّ أو الدليل أو عدمه. فعندما يكونُ هناك نصٌّ محكم لا يجوزُ الاختلافُ حوله، وعندما لا يكونُ يصبحُ الاجتهادُ ضرورياً، ومع الاجتهاد يحصُلُ الخلاف، الذي لا بُدَّ من التسليم بضرورته أيضاً([18]).

والطريف أنّ ابن حزم ( ـ 456هـ) هو الذي أثار هذا الغبار حول تحريم الاختلاف في كلّ شيء؛ فقال في كتابه: الإحكام في أصول الأحكام: «الاختلافُ لا يَسَعُ ألبتّة، ولا يجوزُ. إنما الفرضُ علينا اتباع ما جاء به القرآن عن الله تعالى الذي شرع لنا دينَ الإسلام، وما صحَّ عن رسول الله e الذي أمره الله تعالى ببيان الدين»([19]).

وأورد ابن حزم حُججاً عقليةً ونقليةً للقائلين بالاختلاف ثُمَّ راح يَرُدُّ عليها. ولذلك فقد التزم كلُّ الذين احتجوا للاختلاف والاجتهاد بالردّ عليه، أو على من لا يقول بجواز الاختلاف. وكان من بين هؤلاء ابن عبد البر في “جامع بيان العلم وفضله”، والخطيـب البغـدادي فـي “الفقيه والمتفقّـه”، والآمـدي في “الإحكام”، وابن قيّم الجوزية في “إعلام الموقّعين”.

والواقعُ أنّ إثارة المشكلة أتت من مكانٍ آخَر هو قولُ عبيد الله بن الحسن العنبري( ـ 168هـ) إنّ كلَّ مجتهدٍ مُصيب، وهذا إقرارٌ من جهةٍ بأنّ الاختلاف جائزٌ مطلقاً، ومن جهةٍ أُخرى أنه لا خطأ أو صواب في الاجتهاد، وإنما تتساوى الآراء صحةً لتساوي العقول، وانفتاح المجال في ما لا نصَّ فيه. ولذلك انصبَّ جهد أُصوليي الفقهاء على الرد عليه، باعتبار أنَّ الحقَّ في واحد، مع حصول الأجر للمجتهد المخطئ كما يردُ في الحديث المعروف([20]).

ومع جواز بل ضرورة الاختلاف في الفروع، يبقى أنّ هناك اختلافاً مذموماً لا ينحصرُ في القول إنه غير جائزٍ في الأصول؛ هو الاختلاف المتأثّر بالأهواء أو بالجهل أو عدم وصول الدليل أو التأويل البعيد أو المخالف لدليلٍ قطعي أو لأحد الأصول المقطوع بها في الشريعة. وقد ركّز الشاطبي في “الموافقات” على هذا النوع من أنواع الاختلاف المردود في الفتاوى؛ فقال: «لا يجوزُ ولا يسوغ ولا يحل لأحـدٍ أن يفتي في دين الله إلاّ بالحقّ الذي يعتقد أنه حقٌّ، رضي بذلك من رضيه، وسخطه من سخطه. وإنما المفتي مُخْبرٌ عن الله تعالى في حكمه، فكيف يخبر عنه إلاّ بما يعتقد أنه حكم به وأوجبه، والله تعالى يقول لنبيه e: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾([21]). فكيف يجوزُ لهذا المفتي أن يفتي بما يشتهي أو يفتي به عمراً لصداقةٍ تكون بينهما أو غير ذلك من الأغراض؟ وإنما يجب للمفتي أن يعلم أنَّ الله أمره أن يحكم بما أنزل الله من الحقّ فيجتهد في طلبه، ونهاهُ أن يخالفه وينحرف عنه. وكيف له الخلاص مع كونه من أهل العلم والاجتهاد إلاّ بتوفيق الله وعونه وعصمته»([22]).

ثالثاً: أسباب الاختلاف:

هناك ثلاثة أسبابٍ رئيسةٍ للاختلاف الفقهي، تتفرع عليها فروعٌ كثيرة.

1) يتصل السبب الأول: بلغة النصّ، والاختلاف في معنى المفرد أو الجملة، كما الاختـلاف في اعتبار المجاز والحقيقة. فقـد اختلف الفقهاء في مُراد الشـارع من لفظ القُرء في قولـه تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾([23])؛ إذ إنّ لفظ القرء مشتركٌ بين الطُهر والحيض، والفقهاء متباينون في عدة المطلَّقة وهل تكونُ بالحيض أم بالطُهر. فالمدنيون قالوا إنّ عدة المطلقة تكون ثلاثة أطهار ـ والعراقيون قالوا إنها ثلاث حيضات([24]).

وقد يكون للفظ أحياناً استعمالان: حقيقي ومجازي. ويختلف الفقهاء في أيِّهما الأَولى بالاعتبار. وأبو إسحاق الإسفراييني وابن تيمية لا يريان جواز وقوع المجاز في لفظ الشارع؛ بينما يرى الأكثرون جواز ذلك، وفي ألفاظ الأحكام بالتحديد. ثُمَّ إنّ هناك اختلافاً في صِيَغ الفعل أو الأمر والنهي. ومطلقُ الأمر يفيدُ الوجوب، ومطلق النهي يفيد التحريم؛ هذا هو الاستعمال الحقيقي لكلٍ من الصيغتين، إنما قد تردُ لكلٍ منهما معانٍ غير المعنى الذي وُضعت له أولاً. إذ قد يأتي الأمر للندب، كما أنّ النهي قد يردُ لغير التحريم كالكراهة والتحقير([25]).

2) والسببُ الثاني للاختلاف الفقهي: يعودُ إلى رواية الأحاديث، وإلى هذا العامل ترجعُ معظمُ الاختلافات الفقهية. فأحياناً لا يصل الحديث إلى أحد المجتهدين فيفتي بمقتضى ظاهر آيةٍ أو حديثٍ آخر، أو بقياسٍ على مسألة سبق لرسول الله e فيها قضاء.

وإذا وصل الحديث فقد يري فيه المجتهد علةً قادحةً لا يراها المجتهد الآخر فيأخذ به. ثُمَّ إنّ آراء العلماء قد تختلف لاختلاف آرائهم في معاني مفردات الحديث ودلالاته([26]).

3) أما السبب الثالث: المهمّ للاختلاف في الفروع فالتَّبايُنُ في القواعد الأصولية أو الفقهية وضوابط الاستنباط. والقواعد والضوابط اختلفت مذاهبُ المجتهدين فيها؛ فهناك من يعتبر فتوى الصحابي حجةً، وبعضهم لا يرى ذلك؛ بل يعتمد فقط على ما يرويه الصحابي عن النبيّ e([27]).

وهناك الاختلافات الناجمة عن حجية مفهوم المخالفة لدى الشافعية والمالكية من جهة، والحنفية من جهةٍ ثانية. ثُمَّ الاختلاف في فهم مقاصد الشريعة وعللها.

وأخيراً: عملية بناء الحكم وهل يُبنى على قاعدة درء المفاسد وجلب المصالح أم لا([28])؟

ثم إنّ بعض الفقهاء يأخذ بالمصالح المرسلة أو ببعض الأدلَّة المختلف عليها، ولا يأخذ بها البعض الآخر فتختلف اجتهاداتهم. وذلك؛ لأنَّ الفقه هو معرفة الأدلَّة على سبيل الإجمال، وكيفية الاستفادة منها، وحال المستفيد. وهكذا فهو إذن مجموع الضوابط والقواعد التي وضعها المجتهدون لضبط عملية الاجتهاد في استنباط الأحكام الشرعية الفرعـية من الأدلَّة التفصيلية. وبقدر ما تختلف الآراءُ في الضوابط والقواعد، تختلف الاجتهادات وتتعدد([29]).

ويتفرع على ذلك من ضمن ما يتفرع مسألة التعارُض والترجيح، والتعارُض تَقَابُلُ الدليلين على سبيل الممانعة، كأن يكونَ أحدُهُما مُجيزاً والآخَر محرِّماً. والتعارض بين الأدلَّة الشرعية ليس في نفس الأمر والواقع، إذ أدلَّة الشرع لا تتناقضُ في ما بينها؛ فيجري اللجوءُ إلى التغليب والترجيح، وتختلف التقديراتُ تبعاً لذلك بين المنطوق والمفهوم([30]).

رابعاً: النتائج:

ظهر الفقه أولاً، ثُمَّ ظهرت علوم الأدلَّة والضوابط والقواعد، وكان الهدفُ منها التقنين والتقعيد من أجل ضبط عمليات الاجتهاد، واستنباط الأحكام. وطبيعيّ ما دام الأمر كذلك أن لا تنضبط كلُّ الجزئيات التي لا تتناهى تحت الأدلَّة والقواعد التي تتناهى نصاً وأثراً.

ولذلك فقد ظهرت اختلافاتٌ كبيرةٌ لهذا السبب، كما لسببين آخرين غير قصور الضوابط والقواعد؛ وهما الأعراف السائدة في بيئة الفقيه الخاصة، وطرائق إدراكه للمشكلات.

وهكذا كانت هناك أسبابٌ تقنيةٌ ومنهجية، وأخرى ثقافية وفكرية، سوَّغت الاختلاف ونصرتْهُ إلى أن صار مرتكزاً للاجتهاد من جهة، وللتمييز بين الأصول والفروع من جهةٍ أخرى.


([1]) أستاذ الدراسات الإسلامية بالجامعة اللبنانية.

([2]) ابن النديـم: الفهرسـت، ط، رضا تجدد، ص165. وقارن بمقدمة أبي الوفا الأفغاني على اختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلى، 1357هـ. وانظر جمال الدين عطية: التنظير الفقهي، الطبعة الأولى، القاهرة، 1987، ص136.

([3]) رسالة أبي حنيفة إلى عثمان البتي؛ عن: العالم والمتعلم رواية أبي مقاتل عن أبي حنيفة، ويليه رسالة أبي حنيفة إلى عثمان البتي ثم الفقه الأبسط رواية أبي مطيع عن أبي حنيفة. بتحقيق: محمد زاهد الكوثري. القاهرة، 1368هـ، صص33-38.

([4]) الرد على سير الأوزاعي لأبي يوسف يعقوب بن إبراهيم، نشر أبوالوفا الأفغاني، 1357هـ، القاهرة، واختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلى لأبي يوسف، مطبعة الوفاء، 1357هـ.

([5]) نشرها الترمذي في “السُنن”. وقارن بترجمة الليث بن سعد لابن حجر العسقلاني، بيروت، دار الكتب العلمية 1421هـ.

([6]) محمد بن الحسن الشيباني: الحجة على أهل المدينة، 4 مجلدات. دار الكتب العلمية 1418هـ.

([7]) الأم، 2/116، 148، 3/211، 222، 4/218-222، 232-241.

([8]) الفهرست لابن النديم، مصدر سابق، 171. وقارن بمحمد الأمين ولد محمد سالم بن الشيخ: مراعاة الخلاف في المذهب المالكي، دار البحوث والدراسات، دولة الإمارات العربية، ص30.

([9]) مقدمة الدرة المضيئة لإمام الحرمين الجويني (تحقيق: عبد العظيم الديب) وقد استقصى فيها ثمانين كتاباً في الاختلاف (قطر 1397هـ). وقارن بجمال الدين عطية: التنظير الفقهي، مرجع سابق، ص138- 141. وكان Kern قد حاول تتبع كتب الاختلاف الفقهي أيضاً في مقدمته على قطعةٍ من ” اختلاف الفقهاء” للطبري.

([10]) لدينا أيضاً من القرنين الخامس والسادس: الإشراف لعبد الوهاب المالكي، وهو كتاب ممتازٌ في الفقه المقارن، والإفصاح والإشراف للوزير ابن هبيرة. ولدينا أيضاً كتاب المُغني المشهور لابن قُدامة الحنبلي.

([11]) هذا هو تصور ابن الشيخ في: مراعاة الخلاف، مرجع سابق، صص22-25، ومحمد الروكي: نظرية التقعيد الفقهي وأثرها في اختلاف الفقهاء، 1994، صص187-212.

([12]) اختلاف الفقهاء للطـبري، ص124، والقوانين الفقهية لابن جـزي، ص211، ونيل الأوطار للشوكاني 5/191، والموافقات 4/112.

([13]) وائل حلاّق: النظريات الفقهية الإسلامية (بالإنجليزية)، 1997، صص223-246.

([14]) مصطفى سعيد الخن: أثر الاختلاف في القواعد الأصولية في اختلاف الفقهاء، 1985، ص314-316.

([15]) الشافعي: الرسالة، تحقيق: أحمد شاكر، 1940، ص560-561.

([16]) سورة البينة: 4.

([17]) سورة آل عمران: 105.

([18]) محمد الروكي: نظرية التقعيد الفقهي، مرجع سابق، صص215- 219.

([19]) ابن حزم: الإحكام في أصول الأحكام، 5/840-846.

([20]) محمد بن الحسن الحجوي: الفكر السامي في الفقه الإسلامي. اعتنى به أيمن صالح شعبان، دار الكتب العلمية، بيروت 1995، 4/504.

([21]) سورة المائدة: 49

([22]) الشاطبي: الموافقات 4/90.

([23]) سورة البقرة: 228.

([24]) ولي الله الدهلوي: الإنصاف في بيان أسباب الاختلاف، راجعه وعلّق عليه: عبد الفتاح أبوغدة. دار النفائس، 1978، ص21-23. وابن السيد البطليوسي: التنبيه على أسباب الاختلاف، صص32-33. وقارن بطه جابر العلواني: أدب الاختلاف في الإسلام، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، 1987، صص105-110. ويريد الدكتور جمال الدين عطية (في التنظير الفقهي، صص146-150) أن يُلحق بكتب الاختلاف كُتب تخريج الفروع على الأصول (وأشهرها مؤلَّفات الزنجاني والدبوسي والإسنوي) وأنا أرى أنها تتنوع. فمنها ما يدخل في كتب الاختلاف العادية (الدبوسي مثلاً)، ومنها ما يتعلق بالآليات، والعلاقة في الحقيقة بين الأدلة والقواعد، وهي لا تدخل في مسائل الاختلاف التي نعالجها هنا.

([25]) عبد الله بن عبـد المحسن التركي: أسباب اختلاف الفقهاء، مؤسسة الرسالة، بيروت 1998، صص108-115.

([26]) التركي: أسباب اختلاف الفقهاء، مرجع سابق، ص109-116، والعلواني: أدب الاختلاف، ص110- 114.

([27]) العلواني، مرجع سابق، ص110-112، والتركي، مرجع سابق، ص116-119.

([28]) محمد كمال الدين إمام: نظرية الفقه في الإسلام (مدخل منهجي)، المؤسسة الجامعية، بيروت 1998، ص258-259.

([29]) الدهلوي، ص215.

([30]) التركي: أسباب اختلاف الفقهاء، مرجع سابق، ص265-266.

 

*ندوة تطور العلوم الفقهية في عمان خلال القرن الخامس الهجري “التأليف الموسوعي والفقه المقارن”

أقامتها وزارة الأوقاف والشؤون الدينية بمسقط

يومي 25- 27 محرّم 1426هـ/ 6- 8 مارس 2005م

هذه المقالة تحتوي على لا تعليق

أكتب تعليقك هنا

نرجو أن تضع المادة أسفله
الإسم
إيميل
موقع
تعليقك