كتب الاختلاف في المذاهب الفقهية ظهورها وتطورها

كتب الاختلاف في المذاهب الفقهية

ظهورها وتطورها*

ناصر السيد درويش

الفقه في عصر النبوة:

لا شك أنَّ الاستنباط للأحكام الشرعية والتأمل في الأدلَّة الفقهية سبق تسجيل فروعها وتدوين نتائجها، بل المقرر في تاريخ التشريع البذور الأولى لنشأة الفقه تعود إلى بعثة النبيّ e وذلك بعد الهجرة حيث بدأ تكوين نواة الدولة الإسلامية وظهرت الحاجة إلى الأحكام الفقهية.

بيد أننا لا نستطيع أن نصف أن هذا العصر بأنه عصرٌ اجتهاديٌ فقهي بالمعنى الدقيق؛ لأنَّ التشريع كان يوصي به الله تعالى إلى رسوله صلعم بقواعد عامة, وأحكام مجملة على أن يتولى e شأن التفصيل والتبيين لها بسنته وهديه وعمله.

ويمكن أن نقول إن رسول الله e لم يكن بحاجة إلى الاجتهاد بالمعنى الخاص, وإن كان يجتهد بالمعنى العام في التطبيق القضائي وشئون الحرب والسياسة، بالإضافة إلى الاجتهاد في بعض الجزئيات، ولو في الصورة كمسألة المرأة التي جاءت تشتكي أمر زوجها وتسأله عن حكم الله فيما صدر منه، حين قال لها: “أنت عليّ كظهر أمِّي”.

إِلاَّ أن هذا النوع لا يعد مصدراً تشريعياً؛ لأنَّه يدور على أمرين:

الأوَّل: أَنَّه يقره الوصي فيكون المصدر من الله سبحانه.

الثاني: ألا يقره عليه بأن ينـزل الوحي بخلافه.

الفقه في عصر الصحابة:

ثُمَّ تولَّى الصحابة الكرام مهام الدعوة الدينية وبدأت الفتوح الإسلامية، وظهرت قضايا عديدة، ودخلت في حكم الأمة الإسلامية أمم ذات حضارات، وامتزجت داخلها عناصر مختلفة الجبلة والعادات من أقوام وأجناس، إضافة إلى تفاوت المدارك والعقول، وتشعبت المعارف والعلوم, فظهرت الحاجة الملحة لدفع العلماء من الصحابة نحو الاجتهاد والتفكير لتعريف أحكام تلك الأمور التي عرضت لهم وبيان مراتبها، فرسموا أسسا ومنهاجا للاجتهاد، واضعين نصب أعينهم مرونة هذا الدين الحنيف، وأن شرع الله شامل كامل وحكمه تام عام يستوعب العصور باختلافها، ويحتوي مستجدات الأحداث ومجرياتها. ألم يقل رسول الله e لمعاذ بن جبل t حينما أرسله قاضيا في اليمن: «بم تقض؟» قال: بكتاب الله. قال رسول الله e: «فإن لم تجد؟» قال: فبسنّة رسول الله، قال: «فإن لم تجد؟» قال: أجتهد رأيي ولا آلو, فقال النبيّ e: «الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله»([1]).

بل أقرَّ رسول الله e صحابته على الاختلاف الفقهي حين دعاهم إلى الخروج إلى بني قريظة، وقال لهم: «لا يصلِّيَنَّ أحد العصر إِلاَّ في بنِي قريظة»، فخرجوا مسرعين فأدرك بعضهم العصر في الطريق، فاختلفوا، فقال بعضهم: لا نصلي حتى نأتيهم. وقال بعضهم: بل نصلي، لم يرد منا ذلك، فذكر ذلك له e فأقرّ كلاًّ منهم([2]).

وقد سلك الصحابة y في الاجتهاد طريقين:

الأوَّل: عليه القياس. والثاني: عليه المصلحة.

فوجد منهم من اشتهر بالاجتهاد ومهّد لمدرسة الرأي على منهاج القياس، مع الأخذ أحياناً بالمصلحة, ومن هؤلاء الذين دوّن عنهم الفقه عبد الله بن مسعود، وعلي بن أبي طالب، فورَّثا فقهاء الكوفة من التابعين ومن جاء بعدهم من الأئمَّة المجتهدين ذلك المنهج من الاجتهاد بالرأي.

ووجد من الصحابة من اشتهر بالاجتهاد عن طريق المصلحة، وفي مقدمتهم عمر بن الخطَّاب، وبخاصة إذا كان موضوع الاجتهاد يتعلق بإدارة الدولة وتسيير أمورها وتنظيم شؤونها.

الفقه في عصر التابعين ومن بعدهم:

وبعد الصحابة الكرام جاء عصر التابعين، الذين وجدوا بين أيديهم ثروتين عظيمتين من الرواية والاجتهاد الفقهي, فعملوا على الجمع بين هاتين الثروتين, يساعدهم في ذلك أن كل تابعي كان تلميذا لصحابي أو أكثر. ولم يقفوا عند هذا القدر بل كانوا يجتهدون فيما ليس فيه نص من قرآن أو سنة أو إجماع، أو لم يكن للصحابة رأي فيه.

وفي تلك الحقبة ظهرت الحاجة إلى تدوين الصحيح الثابت من الأحاديث النبوية وغيرها، وبذلك اتسعت الفرجة في منهاج التابعين حتى ظهر نوعان من الفقه: فقه الرأي، وفقه الأثر؛ فأهل الأثر كانوا لا يأخذون بالرأي إِلاَّ اضطرارا، ولا يفرعون في المسائل، أما أهل الرأي فإنهم كانوا يكثرون من الإفتاء في المسائل بالرأي، ما لم يصح لديهم حديث فيما يجتهدون فيه, وكان بعض لا يكتفي بوضع أحكام الوقائع, بل يفرضون مسائل غير واقعة ويضمون لها أحكاما بآرائهم، مقيّدة بقواعد مقتبسة من الكتاب والسنة.

وبذلك نشأت مدرستان فقهيتان عظيمتان لكل منها خواصها، وهكذا تكونت مذاهب فقهية في كل قطر من الأقطار، حتى صار لكل عالم من علماء التابعين وتلاميذهم من الأئمَّة المجتهدين مذهب، وانتصب في بلد إمام.

وبالرغم من بروز هاتين المدرستين في عهد الصحابة والتابعين, فلم يكن الخلاف كثيرا لقلة ما ينـزل بهم من حوادث في عصر صدر الإسلام وسائر العصر الأموي. فكان الفقه هو نصوص القرآن والسنة المتبعة وما أجمع عليه الصحابة مِمَّا سمعوه من رسول الله e، أو رواه لهم غيرهم, أو ما صدر عن آرائهم من الفتاوى بعد البحث والاجتهاد.

ثم جاء العصر العباسي فظهرت فيه طوائف الفقهاء، وتميزوا بهذا الاسم بعد أن كانوا يعرفون بالقراء، فقام فيهم زعماء مميزون كان لكل منهم خواص ومميزات تميزه عن غيره، كما أن لكل منهم قواعده وأسسه التي بنى عليها فتاويه، وأقام عليها مذهبه.

وكان الفقهاء يتمتعون بحرية الرأي، والاجتهاد في البحث العلمي والاستنباط, فقد كان لكل من استكمل أدوات الاجتهاد أن يجتهد في تعريف الحكم والوصول إليه من مصادره, ويذهب إلى ما يطمئن إليه دون أن تتحكم فيه سلطة أو يجبر عليه في رأيه([3]).

وقد استتبع حرية الاجتهاد تباين مناهج البحث ومسالك الاجتهاد، وطرق استنباط الحكم والنتيجة التي يتوصل إليها المجتهد([4]).

وقد بلغ الاجتهاد الفقهي ذروته في هذا العصر, شجع على ذلك خلفاء بني العباس وأسهم فيه كثرة العلماء ونهوض حركة إعمال الرأي, وقد ترتب على هذا الجدل وتلك المناظرات بين الفقهاء أن اتسعت هوة الخلاف بينهم وبعد مداه، فشمل شيئا من الإجماع وقال بعضهم: إنه لا يتحقق، ومنهم من يقف عند القياس ولا يأخذ به.

وكان لاتساع الدولة الإسلامية في خلافة بني العباس وما ضمت من شعوب مختلفة الحضارات والثقافة، والعادات والنظم الاجتماعية والمعيشية والتعاملية، دور بارز في كثرة الوقائع وتنوعها، وقد دفع الفقهاء المجتهدين إلى تمحيص هذه الوقائع على ضوء أحكام الإسلام، يقرون ما يرونه داخلا في نظام الأحكام وينكرون ما يخالفها، وقد أثرى ذلك الفقه الإسلامي بصنوف من أحكام الحوادث والمعاملات التي لم تكن معهودة من قبل، كما ظهر نتيجة لذلك اختلاف بين الفقهاء في توجيه الحادثة أو الواقعة، كل على حسب ما يرى في ضوء الكتاب والسنة([5]).

ولا يخفى أن الأحكام الشرعية في مصادر الشريعة جاءت مجملة، تحتاج في فهمها واستنباط الأحكام منها إلى شيء من الفكر والتأمل. والعقل البشري يختلف في طاقاته وقوته، تبع ذلك تفاوت الفقهاء في فهم أسرار الشريعة، فاختلف قياسهم لاختلاف فهمهم([6]).

وعلى أثر هذا تعدّدت المذاهب الفقهية، وانتشرت في كل مصر من الأمصار، وكتب لبعضها البقاء والاستمرار، وتزايد أتباعها عبر الزمان، لما توافر لها من بيئة علمية صالحة استطاعت أن تختص هذه المذاهب وتنشرها، وأن يصبح لكل مذهب مريدون وأتباع من مختلف بلدان العالم الإسلامي.

نعم.. لقد واكب نشأة هذه المذاهب الفقهية تصنيف كتب الاختلاف التي تعتبر أساس الدراسات الفقهية المقارنة (الموازنة)، ويمكن تقسيم هذه الكتب من حيث ظهورها وتطورها إلى ثلاث مراحل، كل مرحلة لها فترة زمنية تقربها، ومساحة تاريخية تحصرها، ولها أيضا خصائص فكرية تميزها وسمات علمية تكشفها.

أما المرحلة الأولى: فقد بدأت بقيام الأئمَّة المجتهدين بوضع القواعد، واستنباط الأحكام، وترجيح الآراء، وتأسيس المذاهب. وهي التي عرفت بعصر الفقه الذهبي، أو عصر ازدهار الفقه، أو بعصر التدوين، أو بعصر الأئمَّة المجتهدين. وذلك في القرن الثاني الهجري، وألحق به القرن الثالث وكذلك الرابع نصفه أو كله. ويمكن أن نطلق على هذه المرحلة أيضا: مرحلة التقعيد والتأسيس.

أَمَّا المرحلة الثانية: فتلك التي بدأ فيها فقهاء المذاهب المختلفة في تحرير اختلافاتها، وتصحيح أقوالها، ثُمَّ الموازنة بين الآراء المتعددة والترجيح بينها، مع بيان الدليل والتعليل، ثُمَّ إلحاق الأشباه بنظائرها من المسائل المستجدة في الواقع أو المفترضة في الذهن.

وهذه المرحلة تبدأ من نهاية المرحلة الأولى وتنتهي في القرن الثالث عشر الهجري. ويمكن أن نطلق على هذه المرحلة: مرحلة التمحيص والتفريع.

وأود أن أشير هنا إلى أن بعض الكاتبين في تاريخ التشريع يطلقون على هذه المرحلة مرحلة الجمود ولا أوافقهم في ذلك لأسباب يطول شرحها.

وأما المرحلة الثالثة: فهي المرحلة التي صاحبت بشائر النهضة في الحضارة الحديثة، نشطت الحركة الفكرية والثقافية، وتساير مظاهر الحياة في مختلف البلاد، وأحس الفقهاء أن الحاجة ماسة إلى النهضة الفكرية، والتجديد في الأحكام الفقهية حتى يستوعبوا مستجدات المدنية الجديدة، ويعرضوا نتاجهم بما يناسب روح العصر وحاجات الناس.

وتبدأ هذه المرحلة من نهاية المرحلة الثانية إلى أيامنا هذه، ويمكن أن نطلق على هذه المرحلة: مرحلة النهوض والتجديد.

المرحلة الأولى:

وهي مرحلة التقعيد والتأسيس كما سبق، وقد شهدت هذه المرحلة بدايات الكتابة في الدراسات الفقهية المقارنة (الموازنة)، حيث تدور المسألة مع ذكر أدلتها، وتفنيد رأي المخالف بالحجة والبرهان.

وهذه هي الطريقة التي شكلها أبو غانم بشر بن غانم الخرساني الإباضيّ في المدونة الكبرى، التي دونها عن سبعة من تلاميذ أبي عبيدة التميمي، وكانت موسوعة جامعة مانعة.

وكذلك كتاب الأم للإمام الشافعي الذي أملاه على تلاميذه بمصر، بعد أن استقرَّ بها وأسّس فيها مذهبه الجديد، بعد أن رجع عن مذهبه القديم الذي كان قد أسسه بالعراق.

وتمتاز هذه الكتب التي دونت في تلك المرحلة بسهولة العبارة ووضوح المعنى، مع حسن العرض وقوة التدليل.

وهذان مثالان من الكتابين المذكورين:

1 ـ إن كتاب المدونة للعلامة ابن غانم فيه جملة نماذج رائدة لهذه المرحلة الراشدة. فقد جاء في فصل “الرجل يسهو فلا يدري كم صلى” «قال المرتب: قال رسول الله e: «إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر أواحدة صلى أم اثنتين، وإن لم يدر ثلاثا صلى أم أربعا فليجعلهن ثلاثا وليبْنِ على ما استيقن، وليسجد سجدتين قبل أن يسلم، فإن كان صلى خمسا شفعتا له صلاته، وإن كان صلى أربعا كانت إرغاما للشيطان». وفي الحديث السجود للسهو قبل السلام إن كان لخوف النقص، وفيه أن يبني على اليقين ولا يعيد. وعن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري عنه e إذا شك أحدكم في صلاته ولا يدري كم صلى؛ ثلاثا أم أربعا فليصل ركعة وليسجد سجدتين قبل التسليم، فإن كانت خامسة شفعها بالسجدتين، وإن كانت رابعة فالسجدتان ترغيم للشيطان.

أبو يوسف عن خصيب عن أبي عبيدة عن عبد الله قال: في ذلك يتحرى. جرير الوزي عن منصور عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله عن رسول الله e: أنه قال حديثا والحديث ليس عندنا، وإنما هو عن عبد الله، إلا أنه رفعه إلى جرير إلى النبيّ e، وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف وأبي معاوية الضرير. عن حارثة بنت محمَّد عن عمرة عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ عن رسول الله e أنه قال: يبني على الأقلّ. وعن عطاء بن يسار عن النبيّ e مثله، وعن عبد الرحمن بن عوف: يبني على الأقل، هو البناء على اليقين؛ لأنَّ الأقل هو المتيقن، وقال علي بن أبي طالب: لا يعذب الله على الزيادة في الشك أحدا. وعن ابن عباس وابن عمر وابن الزبير: يبني على اليقين»([7]).

أرأيت كيف ذكر المسألة ثُمَّ أتبعها بذكر الدليل، ثُمَّ حكى كلام غيره، وأسنده إلى صاحبه، وردّ ما استند عليه، ثُمَّ قوّى رأيه بما ذكر بعد ذلك من الأدلَّة، وشرح ما قد يخفى فهمه أو يغيب حكمه.

2 ـ إن كتاب الأم للإمام الشافعي صورة مشرقة لهذه المرحلة الزاهية، فقد جاء في باب ما يكون بعد الدفن «قال الشافعي: وقد بلغني عن بعض من مضى أنه أمر أن يقعد عند قبره إذا دفن بقدر ما تجذر جذور، قال: وهذا حسن، ولم أر الناس عندنا يصنعونه. أخبرنا مالك عن هشام بن عروة عن أبيه قال: ما أحب أن أدفن بالبقيع؛ لأَن أدفن في غيره أحبّ إليّ، إنما هو واحد رجلين؛ إما ظالم فلا أحب أن أكون إلى جواره وإما صالح فلا أحب أن ينشر في عظامه.

أخبرنا مالك أنه بلغه عن عائشة أنها قالت: «كسر عظم الميت ككسر عظم الحي». قال الشافعي: تعني في الإثم، وإن أخرجت عظام ميت أحببت أن تعاد فتدفن، وأحبّ ألا يزاد في القبر تراب من غيره، وليس بأن يكون فيه تراب من غيره بأس، إذا زيد فيه تراب من غيره ارتفع جدا وإنما أحب أن يشخص على وجه الأرض شبرا أو نحوه، وأحب ألا يبنى ولا يجصص، فإن ذلك يشبه الزينة والخيلاء، وليس الموت موضع واحد منهما، ولم أر قبور المهاجرين والانصار مجصصة. قال الراوي عن طاوس: إن رسول الله e نهى أن تبنى القبور أو تجصص. قال الشافعي وقد رأيت من الولاة من يهدم بمكة ما يبنى فيها، فلم أر الفقهاء يصوّبون ذلك، فإن كانت القبور في الأرض يملكها الموتى في حياتهم، أو ورثتهم بعدهم لم يهدم شيء إن بني منها، وإنما يهدم إن هدم مالا يمكنه أحد هدمه، لئلا يحجر على الناس موضع القبر فلا يدفن فيه أحد فيطبق ذلك بالناس قال…. وطء القبر والجلوس والاتكاء عليه إلا أن لا يجد الرجل السبيل إلى قبر ميته إلا بأن يطأه فذلك موضع ضرورة، فأرجو حيننئذ أن يسعه إن شاء الله تعالى. وقال بعض أصحابنا: لا بأس بالجلوس عليه، وإنما نهى عن الجلوس عليه للتغوط. قال الشافعي: وليس هذا عندنا كما قال»([8]).

فهذه النصوص تمثل النضج الفكري في الاستنباط الفقهي في تلك المرحلة من حيث ذكر المسألة وحكاية الخلاف فيها، وبيان الراجح منها مع الدليل والتعليل. وهي كما أشرنا تعد مرحلة التأسيس والتقعيد من هؤلاء الأئمَّة المتبوعين التي استنار بها ونهل منها من جاء بعدهم، وإن أضافوا إليها وجددوا فيها، فلكل عصر عطاؤه ولكل زمن حاجاته، ولكل مرحلة سماتها، ولكل أمة صفاتها ﴿ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾([9]).

المرحلة الثانية:

وهي مرحلة التحقيق والتفريع، ففي منتصف القرن الخامس الهجري أو نهايته بدأت مرحلة جديدة من مراحل التدوين للفقه الإسلامي، بتحرير خلافاته وموازنة آرائه، واستمرت هذه المراحل إلى نهاية القرن الثالث عشر الهجري كما سبق بيانهـ، بيد أن هذه المرحلة لامتداد مدتها واتساع زمنها يمكن تقسيمها إلى قسمين:

1) الأولى: تنتهي بسقوط بغداد على يد التتار سنة ستمائة وستة وخمسين، وتميزت هذه المرحلة بخصائص من أبرزها ما يلي:

1 ـ القيام بخطوة تعليل الأحكام، حيث قام فقهاء هذه المرحلة بتتبع أقوال الأئمَّة الأوائل وجمعوها، ثُمَّ ردوا الفروع إلى الأصول والجزئيات إلى الكليات، ثُمَّ استخرجوا من ذلك علل الأحكام التي لم ينص عليها الأئمَّة، ثُمَّ قاسوا على الأحكام الصادرة من الأئمَّة بواسطة العلل التي استنبطوها، وبذلك كان لهم الدور الفعال في توسيع نطاق الفقه، ونمو ثروته وازدهاره، وزيادة حيويته في مواجهة القضايا والأحداث المتطورة.

2 ـ الترجيح بين الأقوال في المذاهب الفقهية المختلفة، والفتاوى المتعددة التي أصدرها الأئمَّة الأوائل، ووجدوا أن هذا الكم الهائل يحتاج إلى عملية تنظيم وترتيب وتمييز، للقيام بعملية التمييز بين أقوال الأئمَّة سلكوا ما يعرف بالترجيح بين هذه الأقوال، وقد كان الترجيح بينها على سبيلين:

الأوَّل: الترجيح بين هذه الأقوال من حيث الرواية؛ بمعنى أنهم سلكوا طريق النقد في الروايات التي نقلوها عن الأئمَّة، ثُمَّ رجحوا بين هذه الروايات من حيث السند والرجال الذين نقلوها.

الثاني: الترجيح بين هذه الأقوال من حيث الدراية، بمعنى أنهم رجحوا بين هذه الأقوال باعتبار ما يكون الأقرب منها إلى الأدلَّة، والأشبه بالأصول، والأليق بالأحوال على حساب الأقوال الأخرى كل ذلك كان يتم باجتهادهم دون قيود.

3 ـ نصرة مذاهب أئمتهم باعتبارها نتيجة مقبولة لترجيحها بعد موازنتها بالآراء الأخرى من أجل الوصول إلى الحق ومعرفة الغث من السمين، ثُمَّ تطورت المناظرات بعد ذلك حتى صارت مجالا للانتصار للمذاهب، وتشجيع قول إمام على آخر.

ومن المؤلفات الموسوعية في هذه المرحلة بيان الشرع حيث يقوم صاحبه بذكر المسألة وحكاية الخلاف فيها، وإسناده إلى قائليه، ثُمَّ الترجيح مع التعليل.

مثال ذلك: ما جاء في الدعاوى حيث يقول: «من ادعى ما يجب عليه به من الحدود، وعَدِمَ البينة على دعواه، لم يلزم المدعى عليه يمين، وليس عند أبي حنيفة تجب اليمين، وأوجب اليمين في ذلك مالك والشافعي، وأما أصحابنا فلم يوجبوا اليمين في ادعاء السرقة؛ لأنَّ بالنكول يجب المال للمدعي»([10]).

وربما يشير إلى الخلاف دون تعيينه كما جاء في الكلام في أحكام الشفعة، عن بعض الفقهاء أن الشفعة في الحيوان، وقال بعضهم: لا شفعة فيه. وعن أبي علي ـ رحمه الله ـ قال: أما السيف والعبد والثوب والحيوان ففيه الشفعة، وقال من قال: في الأبواب والخشب والشجر والرحا، رحا الماء، ورحا اليد، والمصاحف، كل هذا فيه الشفعة إذا كان مشاعا.

وقال من قال: ليست الشفعة إلا في الأصول من الأموال، وليس فيما سوى ذلك شفعة([11]).

وقال العلامة العوتبي الصحاري: أجاز بعض مخالفينا من أهل الحديث أن تغنم أموال من كان على دين النهروان، واحتج بما روي عن النبيّ e أنه قال: «لا يتجاوز إيمانهم حناجرهم»، وبقوله: «لئن أنا أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد وإرم»، وقال بعضهم: وهم الأكثر: إن مالهم لا يحل غنيمة؛ لأنَّه مال مسلم. وبه قال الشافعي. وقال بعضهم: إن القول الذي ذكرناه من قول أهل الحديث، لم يوافقهم عليه أحد.

ومن الحجة على رد هذا القول: أن عليا عرف شيئا فليأخذه وقال: بقيت قدرا قريبا من شهرين ثُمَّ جاء رجل فأخذها، أو قال صاحبها فأخذها([12]).

ومن كتب الخلاف في المذهب الشافعي في هذه المرحلة البيان للعمراني (المتوفى عام 558هـ) وهو من المؤلفات الموسوعية، حيث يذكر المسألة ويسوق الخلاف فيها، ويبين دليله على اعتماده على قواعد إمامه.

مثال ذلك: ما ذكره من نكاح الأمة حيث قال: ولا يجوز للحر المسلم نكاح الأمة المشركة، سواء كانت وثنية أو كتابية، وقال أبو حنيفة: يجوز له نكاح الأمة الكتابية. دليلنا قوله تعالى: ﴿وَمَن لَمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِن مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِن فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾([13]). فدلّ على أَنَّه لا يجوز نكاح الفتيات غير المؤمنات، ويجوز للحر المسلم أن ينكح الأمة بشرطين:

أحدهما: أن يكون عادما للطول وهو مهر الحرة.

والثاني: أن يكون خائفا من العنت، وهو أن يخاف إن لم يتزوج بها أن تحمله شهوته للجماع على الزنا. وبه قال ابن عباس وجابر ـ رضي الله عنهما ـ، ومن التابعين الحسن وعطاء وطاووس وعمرو بن دينار والزهري، ومن الفقهاء مالك والأوزاعي.

وقال أبو حنيفة ـ رحمه الله ـ: إذا لم تكن تحته حرة له نكاح الأمة، وإن لم يخف العنت، سواء كان قادرا على صداق حرة أو غير قادر.

وقال الثوري وأبو يوسف رحمهما الله: إذا خاف العنت حل له نكاح الأمة وإن لم يعدم الطول.

وقال عثمان ـ رحمه الله ـ: يجوز له أن يتزوج الأمة بكل حال، كالحرة.

دليلنا قول الله تعالى: ﴿وَمَن لَمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ المُحْصَنَاتِ المُؤْمِنَاتِ فَمِن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِن فَتَيَاتِكُمُ المُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِن بَعْضٍ فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنكُمْ﴾([14]). فأباح نكاح الأمة بشرط عدم الطول وخوف العنت، فلم يجز نكاحها إلا مع وجود هذين الشرطين، فإن وجد مهر حرة مسلمة لم يحل له نكاح الأمة للآية، وإن كان لم يحل له نكاح الأمة؛ لأنَّه يخاف الزنا.

وإن كان عادما لطول حرة مسلمة وخائفا للعنت، وأقرضه رجل مهر حرة، أو رضيت الحرة بتأخير الصداق، حل له نكاح الأمة؛ لأنَّ عليه ضررا بتعلق الدين في ذمته، وإن بذل له رجل هبة الصداق حل له نكاح الأمة؛ لأنَّ عليه منة في ذلك»([15]).

وربما يحكي الخلاف في المذهب ويصححه كما قال: «وإن وجد ما يشتري به أمة أو ما يتزوج به حرة كتابية ففيه وجهان: أحدهما: يجوز له نكاح الأمة؛ لأنَّ الله تعالى شرط في نكاح الأمة لا يستطيع نكاح المحصنات المؤمنات والشرط موجود والثاني: لا يجوز له، وهو الأصح؛ لأنَّه لا يخاف العنت»([16]).

ومن الكتب التي ظهرت في هذه الفترة واستمرت شهرتها بداية المجتهد ونهاية المقتصد لابن رشد الأندلسي المتوفى 595 هـ، وهو عمدة الباحثين في دراسات الفقه المقارن (الموازن)، فقد سلك مسلكا رائعا في توضيح المسائل وعرضها، بعد دراسة المقصود، ثُمَّ يتناول هذه الأدلَّة والأفكار بالتمحيص والتحقيق، ويبين سبب الاختلاف مع الترجيح والتدليل.

كما جاء في الكلام عن غسل اليدين في الوضوء حيث قال: اتفق العلماء على أن غسل اليدين والذراعين من فروض الصلاة، لقوله تعالى: ﴿وأيْدِيَكُم إِلَى المرَافِقِ﴾([17]). واختلفوا في إدخال المرافق فيها، فذهب الجمهور ومالك والشافعي وأبو حنيفة إلى وجوب إدخالها، وذهب بعض أهل الظاهر وبعض متأخري أصحاب مالك والطبري إلى أنه لا يجب إدخالها في الغسل. السبب في اختلافهم في ذلك الاشتراك الذي في حرف “إلى” وفي اسم “اليد” في كلام العرب، وذلك أن حرف “إلى” مرة يدل في كلام العرب على الغاية، ومرة يكون بمعنى “مع”، ومن فهم من اليد مجموع الثلاثة الأعضاء أوجب دخولها في الغسل، ومن فهم من “إلى” الغاية، ومن اليد ما دون المرفق ولم يكن الحد عنده داخلا في المحدود لم يدخلهما في الغسل. وخرج مسلم في صحيحه عن أبي هريرة: أنّه غسل يده اليمنى حتى أشرع في العضو، ثُمَّ اليسرى كذلك، ثُمَّ غسل رجله اليمنى حتى أشرع في الساق، ثُمَّ غسل اليسرى كذلك، ثُمَّ قال: «هكذا رأيت رسول الله e يتوضأ».

وهو حجة لقول من أوجب إدخالها في الغسل؛ لأنَّه إذا تردد اللفظ بين المعنيين على السواء وجب الاقتصار على أحد المعنيين إلا بدليل.

وإن كانت “إلى” من كلام العرب أظهر في معنى الغاية منها في معنى “مع”، وكذلك اسم اليد أظهر فيما دون العضد منه فيما فوق العضد.

فقول من لم يدخلها من جهة الدلالة اللفظية أرجح، وقول من أدخلها من جهة هذا الاثر أبين، إلا أن يحمل هذا الأثر على الندب، والمسألة محتملة كما نرى، وقد قال قوم «إن الغاية إذا كانت من جنس ذي الغاية دخلت فيه، وإن لم تكن من جنسه لم تدخل فيه»([18]).

2) أما القسم الثاني: من مرحلة التحقيق والتفريغ في تدوين الفقه؛ فتبدأ بسقوط بغداد على يد التتار عام ستمائة وستة وخمسين للهجرة، وانتهت في القرن الثالث عشر الهجري تقريبا، وتميزت هذه المرحلة بخصائص من أبرزها ما يلي:

1 ـ اختصار التآليف القديمة في عبارات وجيزة، وربما في تراكيب عسيرة يمكن حفظها واستظهارها.. ولكن ربما يصعب فهمها ويتعذر إدراكها.

2 ـ الشروح والحواشي للمختصرات أقرب إلى الألغاز منها إلى الإفهام فضلا عن خلوها من الأدلَّة وعلل الأحكام، مِمَّا جعلها تحتاج إلى الشروح، ثُمَّ تحتاج إلى حواش لشرح الشرح والاستدراك عليه، وتحتاج الحواشي إلى تقريرات، وتحتاج التقريرات إلى تعليقات، حتى صار الكتاب الواحد عبارة عن متن وشرح وحاشية وتقريرات وتعليقات.

3 ـ القيام بعملية نظم المتون، بمعنى نظم المتون المختصرة من كلام ذي وزن وقافية ليسهل حفظه على الطلاب.

4 ـ تدوين الفتاوى: وهي فتاوى من علماء هذه المرحلة في بيان بعض المسائل التي حدثت في عهدهم، ووردت إليهم في أحوال مختلفة، وأوقات متعددة، ثُمَّ جمعت ورتبت على الأبواب الفقهية المعروفة.

المرحلة الثالثة:

في منعطف القرن الثالث عشر الهجري أو نهايته، ومع دخول القرن الرابع عشر أحس العلماء بأن الحاجة إلى التجديد في الفقه الإسلامي بثروته العظيمة، من أصوله الثابتة وفروعها المتعددة.

وهذه هي المرحلة التي أطلقنا عليها: مرحلة النهضة والتجديد.

وقد تميزت بخصائص من أهمها ما يلي:

1 ـ التدوين الرسمي للتشريع: فقد انتشرت حركة تدوين القوانين الأوربية الحديثة من مطلع القرن التاسع عشر الميلادي، ورأت عندئذ الدولة العثمانية وجوب إصدار القوانين الموافقة لها، تبعا لمقتضيات الحاجة من ذلك العصر فقامت بتكوين لجنة اسمها جمعية المجلة “مجلة جمعيتي”، مؤلفة من سبعة علماء برئاسة أحمد جودت باشا، ناظر ديوان الأحكام العدلية، وكان أعضاؤها في البدء السادة: أحمد خلوص، أحمد حلمي، من أعضاء ديوان الأحكام العدلية، ومحمَّد أمين الجندي، وسيف الدين من أعضاء شورى الدولة، والسيد خليل مفتش الأوقاف، والشيخ محمَّد علاء الدين بن عابدين. ولكن تشكيل هذه اللجنة تغير أثناء مدة عملها فاستبدل بعض أعضائها وزيد عليها أعضاء آخرون.

وكانت غاية اللجنة تأليف كتاب في المعاملات الفقهية، يكون مضبوطا سهل المأخذ، عاريا من الاختلافات، حاويا للأقوال المختارة، سهل المطالعة على كل أحد.

وسبب التدوين كما أوضحته اللجنة في تقريرها الذي رفعته إلى الصدر الأعظم غالي باشا بتاريخ المحرم 1286هـ1859م هو أن علم الفقه بحر لا ساحل له، واستنباط دور المسائل اللازمة منه لحل المشكلات يتوقف على مهارة علمية وملكة كلية، وعلى الخصوص مذهب الحنفية؛ لأنَّه قام فيه مجتهدون كثيرون متفاوتون في الطبقة، ووقع فيه اختلافات كثيرة، ومع ذلك فلم يحصل فيه تنقيح كما حصل في فقه الشافعية، بل لم تزل مسائله أشتاتا متشعبة، فتميز الصحيح من بين تلك المسائل والأقوال المختلفة، وتطبيق الحوادث عليها عسير جدا، وعدا ذلك فإنَّه بتبدّل الأعصار تتبدل المسائل التي يلزم بناؤها على العرف والعادة.

وقد باشرت اللجنة عملها في عام 1285هـ (1869)، وعرضت المقدمة والكتاب الأول من المجلة على شيخ الإسلام وغيره من المقامات، وأدخل عليها ما لزم من التهذيب والتعديل، ثُمَّ تقاسم أعضاء العمل فاشترك في بعض كتابتها فريق منهم دون الآخرين، إلا رئيسها، فإنه اشترك في أبوابها جميعا، وقد تم ترتيبها 1293هـ (1876).

ويجد المتصفح لمجلة الأحكام العدلية أنها تحتوي على ألف وثمانمائة وإحدى وخمسين مادة (1851)، وتقسم إلى مقدمة وستة عشر كتابا، فالمقدمة مؤلفة من مائة مادة، الأولى في تعريف علم الفقه وتقسيمه، والباقية في القواعد الكلية العامة.

والناظر إلى المذهب الفقهي الذي التزمته هذه المجلة يجد أنها بوجه عام تأخذ من كتب ظاهر الرواية عند الأحناف، وفي حالة اختلاف الأقوال وتعددها عند أبي حنيفة وأصحابه كانت المجلة تختار القول الموافق لحاجات العصر وروح ومقتضيات المصلحة.

وقد بقي الأمر كذلك حتى 1917م، حتى سنت الدولة قانونا للزواج والفرقة صدر باسم قانون العائلة في 8 محرم 1336هـ، وهذا القانون وإن كان في الأصل على مذهب الدولة الحنفي، إلا أن كثيرا من المسائل أخذت عن باقي المذاهب الإسلامية، كما في فساد زواج المكره، وبطلان طلاق السكران أو المكره، وتفريق الزوجين عند الشقاق والنـزاع، وغير ذلك من المسائل.

وقد استمرت المحاولات بعد ذلك في تدوين الشريعة من كثير من البلاد الإسلامية على أساس اختيار الأيسر للناس والأصلح للجناة من الأمور الخلافية في المذاهب الفقهية، وبذلك اتسمت هذه التدوينات بسمة الفقه الإسلامي من حيث شموله لجميع المواد المعروفة في القوانين الوضعية، وسمة الفقه المقارن (الموازن) من حيث الآراء المختارة.

2 ـ طبع ونشر المخطوطات الفقهية مع تحقيقها والتعليق عليها، وربما شرحها وتنظيمها وتبويبها وكذلك فهرستها.

3 ـ إنشاء المجامع العلمية وإصدار الموسوعات الفقهية، وبيان الفتاوى المعاصرة والقضايا المستجدة.

ففي مؤتمر رابطة العالم الإسلامي المنعقد في مكة المكرمة 1384هـارتفع صوت الداعية مصطفى السباعي عند إنشاء المجمع الفقهي، بأن تكون الموسوعة الفقهية التي تصدر متضمنة لجميع المذاهب الإسلامية، وتصبح دليلا للأحكام الشرعية، وأن تعرض موادها عرضا علميا صحيحا، وباللغة العربية وتترجم إلى اللغات الأخرى، وبدأت اللجان المكلفة بهذا العمل، بالاستناد إلى المذاهب الفقهية الثمانية مرتبة على حروف المعجم.

واستمرت المحاولات بعد ذلك في بعض الدول الإسلامية إلا أنها تنشط أحيانا وتضعف أخرى تبعا للأحوال المتغيرة.

4 ـ إقامة المؤتمرات والندوات الفقهية بصورة دورية، مثل مؤتمر الفقه الإسلامي الذي يعقد كل سنة في دولة من الدول الإسلامية، ومثل ندوتكم هذه “تطور العلوم الفقهية في عمان” التي تعقد كل سنة من قبل وزارة الأوقاف والشؤون الدينية، وتقوم باستضافة كريمة لكوكبة من رجال الفقه والفكر للنظر في القضايا الفقهية المختلفة، والأحكام الشرعية المتعددة، وبخاصة ما يتعلق منها بالتجديد الفقهي، الذي يناسب متطلبات الواقع، وحاجات العصر، ومصالح الناس.

وآخر دعوانا أن الحمد الله رب العالمين.



([1]) أخرجه أبو داود، في الأقضية، عن معاذ، حديث 3592-3597. والترمذي في الأحكام، حديث 1327-1328؛ وقال: هذا الحديث لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وليس إسناده عندي بمتصل، وفيه أبو عون الثقفي، اسمه محمد بن عبيد الله، وذكره ابن القيم في إعلام الموقعين، ج1، ص202، وصححه.

([2]) أخرجه البخاري عن ابن عمر، في المغازي، حديث 4199.

([3]) تطبيق الشريعة الإسلامية في البلاد العربية، صوفي أبو طالب، ص30.

([4]) الفقه الإسلامي، سلام مدكور، ص91.

([5]) الفقه الإسلامي وتطوره، جاد الحق علي جاد الحق، ص80-81.

([6]) الفقه الإسلامي، سلام مدكور، ص91.

([7]) انظر: المدونة الكبرى، لأبي غانم الخراساني، ج1، ص100-101. وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان، 1404هـ 1984م.

([8]) انظر: الأم، للإمام الشافعي، ج1، ص277-278، باختصار، دار المعرفة، بيروت، لبنان.

([9]) المطففين، آية 26.

([10]) انظر: بيان الشرع، للعلامة الكندي، ج33، ص311-312. وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان، 1412هـ -1991م.

([11]) المرجع السابق باختصار.

([12]) الضياء، للعوتبي الصحاري، ج3، ص405، بتصرف واختصار، (ط) وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان، 1411هـ/ 1990م.

([13])سورة النساء: 25.

([14]) سورة النساء: 25.

([15]) البيان، أبو الحسن حي بن أبي الخير الشافعي اليماني، ج9، ص264-265، ط1، دار المناهج للطباعة والنشر.

([16]) المرجع السابق، ص266.

([17]) سورة المائدة: 6.

([18]) انظر: بداية المجتهد ونهاية المقتصد لابن رشد، ج1، ص366-368، ط1، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، عباس أحمد الباز، مكة المكرمة، 1416هـ -1996م.

 

*ندوة تطور العلوم الفقهية في عمان خلال القرن الخامس الهجري “التأليف الموسوعي والفقه المقارن”

أقامتها وزارة الأوقاف والشؤون الدينية بمسقط

يومي 25- 27 محرّم 1426هـ/ 6- 8 مارس 2005م

هذه المقالة تحتوي على لا تعليق

أكتب تعليقك هنا

نرجو أن تضع المادة أسفله
الإسم
إيميل
موقع
تعليقك