الفقه المقارن وضوابطه وارتباطه بتطور العلوم الفقهية خلال القرن الخامس الهجري

الفقه المقارن وضوابطه وارتباطه بتطور العلوم الفقهية خلال القرن الخامس الهجري*

«التأليف الموسوعي والفقه المقارن»

أ.د. محمَّد الزحيلي([1])

مقدمة:

الحمد لله الذي هدانا للإيمان والإسلام، وأنزل علينا القرآن، ووضع لنا الشرع القويم، واختار لنا محمَّداً e نبياً ورسولاً، وخاتماً للأنبياء، وهادياًً وبشيراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، ورضي الله عن الصحابة أجمعين، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد:

فإن الفقه أحد العلوم الشرعية الأساسية، ومن أكثر العلوم شهرة واتساعاً، وصلة بحياة الناس، وتطبيقاً عملياً في الحياة.

والفقه الإسلامي هو شريعة السماء للأرض والإنسان، وهو المنهج الإلهي لتنظيم الحياة، وهو التشريع الديني لمن رضي بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبالقرآن إماماً، وبمحمَّد رسولاً، وهو الأحكام العملية التي تغطي جميع تصرفات الإنسان مع تطور الأحوال والأزمان والأماكن، لذلك اتسعت دائرته، وأصبح أوسع تراث حضاري وتشريعي في العالم أجمع، ويزداد اتساعاً مع تجدد الأيام والحياة والأعمال.

وتطور الفقه الإسلامي مع تعاقب الأجيال، وتفرع عنه فروع كثيرة، أهمها الفقه المقارن الذي ظهر قديماً، ونما في القرن الخامس الهجري وما يليه، ونبغ فيه العلماء الأعلام، والكتب الغزيرة، والموسوعات الفقهية، ثم خبا ضوؤه، وقلت ممارسته في العهود اللاحقة، ثم سطع نجمه مجدداً، وتبوأ حديثاً مركز الصدارة في الدراسات الفقهية، وأعطى ثماراً يانعة، وحقق أهدافاً سامية.

ولذلك نعرض ضوابطه ومنهجه في ضوء تطوره في القرن الخامس الهجري، لنصل الماضي بالحاضر، ونضع الأسس والأنوار الكاشفة للمستقبل، لتعميق الدراسات الفقهية من جهة، وتحقيقاً للأهداف المطلوبة والأغراض المبتغاة من جهة ثانية، وذلك من خلال الخطة التالية.

خطة البحث:

عرضت البحث في مقدمة، وخمسة مباحث، وخاتمة.

المبحث الأوَّل: تعريف ضوابط الفقه المقارن.

المبحث الثاني: الفقه المقارن وعلم الخلاف.

المبحث الثالث: الفقه في القرن الخامس الهجري.

المبحث الرابع: شروط المقارنة وضوابطها ومنهجها.

المبحث الخامس: الشيرازي نموذجاً للقرن الخامس الهجري، من الشافعية، والعوتبي من الإباضيّة.

الخاتمة: وفيها خلاصة البحث وأهم النتائج وبعض التوصيات والمقترحات.

منهج البحث:

وسوف يكون منهج البحث ـ إن شاء الله تعالى ـ استقرائياً تاريخياً لتتبع الفقه وتطوره خلال العصور، وتحليلياً لبعض القواعد والنصوص، ومقارناً بشكل عام في عرض وجهات النظر في جوانب البحث.

وأسأل الله التوفيق والسداد، وأستمد منه العون والرشاد، وألجأ إليه للفتوح وطلب الصواب، وعليه الاعتماد والتكلان، والحمد لله رب العالمين.

المبحث الأوَّل: تعريف ضوابط الفقه المقارن

لابد من تعريف مختصر للفقه المقارن، وللضوابط، قبل الشروع بالبحث.

تعريف الفقه:

الفقه لغة: الفهم([2]): وهو إدراك معنى الكلام، ومنه قوله تعالى: ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي، يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾([3])، وقوله e: «من يرد الله به خيراً يفقّهه في الدِّين»([4]).

والفقه في الاصطلاح: هو العلم بالأحكام الشرعية العملية من أدلَّتها التفصيلية([5])، فالعلم هو الإدراك والتصديق والمعرفة، والأحكام: جمع حكم، وهو عند الأصوليين: خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال المكلفين اقتضاء أو تخييراً أو وضعاً. وعرف الفقهاء الحكم: بأنه ما ثبت بالخطاب، أو هو أثر الخطاب، كوجوب الصوم، ويكون العلم بالأحكام بالتصديق بكيفية تعلق الأحكام بأفعال المكلفين، والشرعية: أي الأحكام التي تتوقف على الشرع، وينحصر مصدرها بأدلَّة الشرع الكلية المعروفة في أصول الفقه. والعملية: أي الأحكام التي تقتضي عملاً، ويكون العلم بالأحكام الشرعية من أدلتها التي حددها الشرع، فهو العلم الحاصل عن دليل تفصيلي يتعلق بمسألة معينة، والفقه: هو معرفة الأحكام الشرعية لأفعال المكلفين من تحليل وتحريم، وحظر وإباحة، وهذا من عمل المجتهد.

وأصبح الفقه أخيراً بمعنى: معرفة أحكام الحوادث نصًّا واستنباطاً، أو دراسة وحفظاً على مذهب من المذاهب، وصار الفقيه في العصور الأخيرة من يعرف الأحكام الشرعية ويحفظها من مذهب معين، أو أكثر، ليعلّمها للناس([6]).

تعريف المقارن:

المقارنة لغة: الجمع والوصل والمصاحبة، وقارنه مقارنة وقِرانا: صاحبه واقترن به، وقرن بين الشيئين أو الأشياء وازن بينهما، فهو مقارِن، والأشياء مقارَنة، ويقال الأدب المقارن، أو التشريع المقارن، أو الفقه المقارن أو الفقه الموازي([7]).

والفقه المقارن اصطلاحاً: هو دراسة الآراء الفقهية المختلفة في المسألة الواحدة مع مستنداتها من الأدلَّة الشرعية، وتقويمها، وبيان ما لها وما عليها بالمناقشة، وإقامة الموازنة بينها، توصلاً إلى معرفة الراجح منها، أو الجمع بينها، أو الإتيان برأي جديد أرجح دليلاً منها، وبذلك تتحقق نقاط الاتِّفاق بين الآراء والمذاهب، وتحدد نقاط الاختلاف، ويكشف عما هو خلاف صوري أو شكلي أو اصطلاحي، وما هو اختلاف واقعي، مع بيان الأسس والأصول والقواعد التي انبنى عليه كل قول، وتكون سبباً للخلاف بين الآراء، ويرجع إليها الاختلاف في الأقوال والمذاهب([8]).

ويعرّف الأستاذ الدكتور محمَّد فتحي الدريني الفقه المقارن تعريفاً مطولاً مبيّناً للمنهج والضوابط، فيقول: «هو تقرير آراء المذاهب الفقهية الإسلامية في مسألة معينة، بعد تحرير محلّ النـزاع فيها، مقرونة بأدلتها، ووجوه الاستدلال بها، وما ينهض عليه الاستدلال من مناهج أصولية، وخطط تشريعية، وبيان منشأ الخلاف فيها، ثم مناقشة هذه الأدلَّة أصولياً، والموازنة بينها، وترجيح ما هو أقوى دليلاً، أو أسلم منهجاً، أو الإتيان برأي جديد، مدعم بالدليل الأرجح في نظر الباحث المجتهد”([9]).

تعريف الضوابط:

الضوابط: جمع ضابط، وهو في اللغة: لزوم الشيء وحبسه، والضبط: حفظ الشيء بالحزم، وضَبَطه: أحكمه وأتقنه، وضبط الكتاب ونحوه: أصلح خلله، أو صححه وشكله، وضبط المتهم: قبض عليه([10]).

والضابط اصطلاحاً له عدة تعريفات، فمن العلماء من سوّى بينه وبين القاعدة، وأن الضابط الفقهي هو القاعدة الفقهية، ولا فرق بينهما، ولهذا جاء في “المعجم الوسيط”: “الضابط عند العلماء: حكم كلي ينطبق على جزئياته”([11]).

ولكن أكثر الفقهاء، وخاصة المتأخرين يميزون بين القاعدة والضابط؛ بأن القاعدة: أمر كلي يحيط بالفروع والمسائل في أبواب فقهية مختلفة، مثل قاعدة “الأمور بمقاصدها”، وقاعدة “اليقين لا يزول بالشك”، وقاعدة “المشقة تجلب التيسير”، وقاعدة “لا ضرر ولا ضرار”، وقاعدة “العادة محكّمة”؛ فإنها تطبق على أبواب العبادات، والعقود، والجنايات، والجهاد، والأيمان، وغيرها، والضابط: أمر كلي يجمع الفروع والمسائل من باب واحد من الفقه، مثل “الأصل في الأشياء الطهارة”، “الأصل في الأبضاع التحريم”، “لا تصوم المرأة تطوعاً إلا بإذن الزوج أو إذا كان مسافراً”، “أيما إهاب دُبغ طَهر”، “كل ماء مطلق لم يتغير فهو طهور”([12]).

قال السيوطي رحمه الله تعالى: «لأن القاعدة تجمع فروعاً من أبواب شتى، والضابط يجمع فروع باب واحد”([13]). ويقول أبو البقاء رحمه الله تعالى بعد تعريف القاعدة: “والضابط يجمع فروعاً من باب واحد»([14]).

ولكن المقصود بضوابط الفقه المقارن هنا هو المعنى اللغوي، وهو إحكام الشيء وإتقانه، والالتزام بالقواعد الكلية التي تصحح الكلام، وتمنع الخلل فيه.

المبحث الثاني: الفقه المقارن وعلم الخلاف

ظهر مع مطلع العصر العباسي علم الخلاف، كفرع عن علم الفقه من جهة، واعتمد على المنطق والجدل ومبادئ أصول الفقه من جهة أخرى، وصار له كيانه ووجوده، وشاع وانتشر، وصنفت فيه الكتب الكثيرة، والمدونات الفقهية الواسعة، ثم خبا ذكره، وانطفأ نوره، وزال الاسم من الوجود في العصور الأخيرة، إلى أن ظهر مثيله في العصر الحاضر باسم الفقه المقارن.

وعرف حاجي خليفة علم الخلاف فقال: «وهو علم يعرف به كيفية إيراد الحجج الشرعية ودفع الشبهة، وقوادح الأدلَّة الخلافية، بإيراد البراهين القطعية»، ثم قال: «وهو الجدل الذي هو قسم من المنطق، إلا أنه خصّ بالمقاصد الدينية»([15]).

ويظهر من هذا أن علم الخلاف هو العلم الذي يتعلق ببيان الأقوال والآراء والمذاهب، ثم يورد الأدلَّة والأصول التي يأخذ منها الأئمَّة والفقهاء أحكامهم، ويبحث عن وجوه الاستنباط من الأدلَّة الإجمالية والتفصيلية، ويقيم الأدلَّة والبراهين والحجج الشرعية لاجتهاد الأئمَّة والفقهاء، وهذا هو موضوع الفقه المقارن اليوم، وهذا هو منهجه كما سنفصل ذلك.

ويعتمد علم الخلاف أو الفقه المقارن على علم الجدل ومبادئه، ويستمد أصوله من العلوم العربية والشرعية والمنطقية، وخاصة أصول الفقه وأحكام الفقه، لذلك اعتبره بعض العلماء([16]) ملحقاً بأصول الفقه، أو فرعاً من فروعه، واشترطوا في الباحث في علم الخلاف أو الفقه المقارن معرفته الكاملة بقواعد أصول الفقه ومبادئه([17]).

ويهدف علم الخلاف أو الفقه المقارن إلى تأييد مذهب الأئمَّة بإيراد الحجج والبراهين والأدلَّة لأقوالهم، وبيان القواعد والأصول التي اعتمدوا عليها في الاجتهاد والاستنباط، ودفع الشكوك التي ترد على المذهب، ورد الشبه التي تثار عليه، وإيقاعها في المذهب المخالف، وهذا يؤكد صلته بعلم الفقه، وكتب الفقه.

لذلك اندفع العلماء في كل مذهب يؤيدون أقواله، ويستدلون لأحكامه، ويدعمونه بالأدلَّة والحجج والبراهين، وينافون عن إمام المذهب، واختيارات علمائه، ويدللون على سداد منهجه في الاجتهاد، وقوة قواعده في الاستنباط، وصلابة منطقه في الاستدلال، ويبعدون كل شبهة أو شك أو ريب في أصوله أو قواعده أو اجتهاده أو أحكامه، ويرغبون الناس باتباعه وتقليده، ويدعون إلى الالتزام به والوقوف عنده.

ويلخص ذلك ابن خلدون، ويصوره، فيقول عن علم الخلاف: “فاعلم أن هذا الفقه المستنبط من الأدلَّة الشرعية كثر فيه الخلاف بين المجتهدين… خلافاً لا بدّ من وقوعه، واتسع ذلك في الملة اتساعاً عظيماً، وكان للمقلدين أن يقلدوا من شاؤوا منهم، ثم انتهى ذلك إلى الأئمَّة الأربعة من علماء الأمصار، وكانوا بمكان من حسن الظن بهم، واقتصر الناس على تقليدهم، ومنعوا تقليد سواهم، فأقيمت هذه المذاهب الأربعة مقام أصول الملة، وأجري الخلاف بين المتمسكين والآخذين بأحكامها، فجرى الخلاف في النصوص الشرعية، والأصول الفقهية، وجرت بينهم المناظرات في تصحيح كل مذهب إمامه، تجري على أصول صحيحة، وطرائق قويمة، يحتج بها كلّ على مذهبه الذي قلده، وتمسك به، وأجريت في مسائل الشريعة كلها، وفي كل باب من أبواب الفقه…، وكان في هذه المناظرات بيان مآخذ هؤلاء الأئمَّة، ومثارات اختلافهم، ومواقع اجتهادهم، وكان هذا الصنف من العلم يسمَّى بالخلافيات، ولا بد لصاحبه من معرفة القواعد التي يتوصل بها إلى استنباط الأحكام، كما يحتاج إليها المجتهد، إلا أن المجتهد يحتاج إليها للاستنباط (من الكتاب والسنة)، وصاحب الخلافيات يحتاج إليها لحفظ المسائل المستنبطة من أن يهدمها المخالف بأدلته”([18]).

وكان هذا الهدف هو الأصل في الماضي، ونتج عنه كثير من العصبية المذهبية، والتشدد بالتمسك بالمذهب، وتأييد الإمام، وعدم الخروج عن أقواله، والتشكيك بأقوال المذاهب الأخرى، والطعن بها، والنيل منها، وعقد المناظرات الشفهية لها، وتسجيلها في الكتب، ولذلك كان معظم الباحثين في علم الخلاف يصلون إلى تأييد مذهبهم، وترجيح قولهم مطلقاً، وخرج عن هذا السبيل عدد كبير ممن يلتزم الحق ويرجح بالدليل الأقوى، كالقرطبي، وابن الهمام، والقرافي، وابن تيمية، وابن القيم، وابن رشد الحفيد، والشعراني، والشوكاني، ويحيى بن حمزة الزيدي.

ولكن نتج عن الفقه المقارن في العصر الحاضر عكس ذلك تماماً، وهو زوال العصبية المذهبية، وأن الحق لا يملكه شخص أو طرف أو مذهب، وتم قبول القول الآخر، مع الاطلاع على الأدلَّة القوية أو الراجحة في المذاهب الأخرى، كما تم التعرف على الجوانب الإيجابية، والسعة، والنظريات التي انفرد بها المذهب الآخر، وأدى ذلك إلى اتساع الأفق، ورحابة الصدر، وفتح المجال أمام العلماء ورجال التشريع للاستفادة من سائر المذاهب، واختيار القول الأرجح، أو الأنسب الذي يحقق مصلحة الناس حسب الأحوال والأزمان والأمكنة.

ولهذه النتيجة الأخيرة ارتفع نجم الفقه المقارن، وأصبح مطلباً عاماً، ومقرراً للتدريس في المعاهد والكليات والجامعات، وأصبح وسيلة لدراسة الفقه، وهدفاً في المقررات الدراسية، وخصصت له الساعات الدراسية من جهة، وصار المنهج العام في دراسة المواد الفقهية غالباً.

كما أصبح منهج الفقه المقارن هو الطريقة المثلى المطلوبة في الرسائل العلمية للحصول على الماجستير، أو في الأطروحات للحصول على الدكتوراه في الفقه المقارن، وهو المطلوب المتفق عليه في إعداد البحوث العلمية المحكمة في الفقه الإسلامي، وفي الدراسات والندوات والمؤتمرات المحلية والدولية.

وغابت إلى حد كبير سلطة جلاوزة([19]) الفقه، الذين يسعون لفرض الأحكام الفقهية المذهبية بالقوة المادية أو الأدبية، وحتى في البلاد الإسلامية والأقطار العربية التي يسود فيها المذهب الفقهي الواحد؛ اتجهت في قوانينها وتشريعاتها وأنظمتها وجامعاتها إلى الفقه المقارن، أو ترجيح قول فقهي من المذاهب الأخرى، وتبنيه في التشريع والقانون، واعتماده في العمل والتطبيق، لِما يحقق من مصلحة اجتماعية معاصرة، ويحل المشكلات والمعضلات السائدة.

أهم كتب الخلاف والفقه المقارن:

ظهر في علم الخلاف قديماً، والفقه المقارن حديثاً كتب كثيرة، وهي ثلاثة أصناف:

الصنف الأوَّل: الكتب المذهبية التي عرضت المقارنة بين المذاهب، ولكنها من منطلق مذهبي بحت، وتصل غالباً إلى تأييد إمام المذهب، وترجيح أقواله حصراً، والتشكيك بآراء سائر الأئمَّة، والرد على أدلتهم، وتضعيف أقوالهم وآراءهم، فمن ذلك:

1 ـ الإشراف على نكت مسائل الخلاف، للقاضي عبد الوهاب المالكي البغـدادي (422هـ/1031م)، وفيه تحرير المسائل التي يجري فيها الخلاف بين المذاهب، مع ذكر الرأي المعتمد عند المالكية دون التعرض للأقوال المختلفة في المذهب، ثُمَّ يعقب ذلك بآراء من خالف المالكية من بقية المذاهب الأربعة، ويبين أساس المخالفة، ثُمَّ يعرض أدلَّة المالكية، ويبين من وافق المالكية من المذاهب الأخرى، لينتقل لبيان من خالفهم([20]): وهو من القرن الخامس الهجري.

2 ـ الحاوي الكبير، لقاضي القضاة أبي الحسن علي بن محمَّد بن حبيب الماوردي (450هـ/1058م): وهو في الفقه على المذهب الشافعي، ويقارن مع بقية المذاهب مع الأدلَّة، والمناقشة، وهو من القرن الخامس الهجري([21]).

3 ـ المحلى، لأبي محمَّد علي بن أحمد، المعروف بابن حزم الأندلسي الظاهري (456هـ/1064م): وهو كتاب في الفقه على المذهب الظاهري، والفقه المقارن، ولم يقتصر على أقوال المذاهب الأربعة، بل حوى فقه الصحابة والتابعين وأئمَّة الاجتهاد الآخرين([22]): وهو من علماء القرن الخامس الهجري.

4 ـ بدائع الصنائع، لعلاء الدين أبي بكر بن مسعود الكاساني (587هـ/ 1191م): وهو من أهم كتب فقه المذهب الحنفي، وقارن مع المذهب الشافعي خاصة([23]).

5 ـ المغني، للشيخ موفق الدين عبد الله بن أحمد، المعروف بابن قدامة (620هـ/1223م): وهو شرح للمختصر الموجز الجامع (مختصر الخرقي) الحنبلي، وجاء المغني موسوعة فقهية كبرى وضخمة في المذهب الحنبلي والفقه المقارن، ولم يقتصر بالمقارنة بين المذاهب الأربعة، بل قارن مع أقوال بقية المذاهب المنقرضة، وعرض أقوال الصحابة والتابعين([24]).

6 ـ الخلاف الكبير، لأبي الخطاب محفوظ بن أحمد بن الحسين الكلوذاني (510هـ)، وعنوانه: “الانتصار في المسائل الكبار”، وله الخلاف الصغير، والمؤلف أحد أئمَّة المذهب الحنبلي، ومن أعيانه، وهو فقيه، وأصولي، وأديب، وشاعر.

الصنف الثاني: الكتب المصنفة أصلاً في علم الخلاف، والمقارنة بين المذاهب بشكل أساسي، ومنها:

1 ـ تأسيس النظر، للإمام عبيد الله بن عمر، أبي زيد الدبوسي (430هـ/ 1039م): وهو كتاب في علم الخلاف والفقه المقارن، وهو أول كتاب مستقل ومتميز في هذا الفن، ويهدف إلى عرض أقوال المذاهب، وآراء العلماء، ويبين كيفية إيراد الحجج الشرعية عليها، وكيفية دفع الشبه، ويحدد قواعد الأدلَّة الخلافية، ويذكر البراهين في المسألة، وبدأه في عرض الخلاف بين أئمَّة المذهب الحنفي فيما بينهم، ثُمَّ بين الخلاف بين الحنفية والشافعية، مبيناً الأصل أو القاعدة، ثُمَّ عرض الفروع الفقهية لها مع الاختلاف فيها، ثُمَّ بيان التعليل والدليل بأسلوب موجز([25]): وهو من علماء القرن الخامس الهجري.

2 ـ الإفصاح عن معاني الصحاح، لأبي المظفر الوزير عون الدين يحيى بن محمَّد بن هبيرة الحنبلي (560هـ/1165م): وهو كتاب كبير في شرح صحيح البخاري ومسلم، لكن خصص المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ جزأين منه لأحكام الفقه على ترتيب أبواب الفقه، وحسب المذاهب الأربعة، وهو من أدقّ كتب الفقه المقارن في نقل الأقوال الصحيحة الراجحة المعتمدة عن المذاهب، وبيّن كلّ مسألة باختصار، فعرض الأقوال المتفق عليها بين الأئمَّة الأربعة المشهورين، ثُمَّ بيّن الأقوال المختلف فيها بينهم، ويحدد رأي كلّ مذهب فيها([26]).

3 ـ بداية المجتهد ونهاية المقتصد، لأبي الوليد محمَّد بن أحمد، المعروف بابن رشد الحفيد الفيلسوف المالكي (595هـ/ 1198م): وهو كتاب في الفقه المقارن على أبواب الفقه، بيّن فيه المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ أولاً الأحكام المتفق عليها في المسائل الشرعية، ثُمَّ الأحكام المختلف فيها، مع الأدلَّة باختصار شديد، ثُمَّ التنبيه على سبب الخلاف، ويسميها “مناشئ الخلاف”، ودليل كل رأي، ويلتزم منهجاً مقارناً سديداً بذكر الخطة التي سيسير عليها، ويحدد المسائل التي سيدرسها، ثُمَّ يذكر الأدلَّة الشرعية للباب أو المسألة، ثُمَّ يبين الأمور المتفق عليها مع الأدلَّة، ثُمَّ ينتقل للأمور المختلفة فيها بين الفقهاء، ويذكر رأي كل مذهب ويوجهه بالدليل والتعليل فقهياً وأصولياً، لكنه نقل آراء كثيرة غير صحيحة أو غير معتمدة في بقية المذاهب([27]).

4 ـ الميزان الكبرى، لأبي محمَّد عبد الوهاب بن أحمد بن علي الشعراني (973هـ/1565م): وهو كتاب في الفقه المقارن، بيّن فيه المؤلف ـ رحمه الله تعالى ـ مسائل الاتِّفاق بين الأئمَّة الأربعة، ثُمَّ عرض نقاط الاختلاف بينهم، وردّها إلى اتجاهين: تشديد لأهل العزائم، وتخفيف لأهل الأعذار، وذلك في كلّ مسألة فقهية، ورتبه على أبواب الفقه، وكتب مقدمة طويلة عن اختلاف الفقهاء، واعتماد الأقوال على المصادر والأدلَّة وجواز العمل بها كلها، فأزال روح العصبية، ودعا إلى اعتماد جميع المذاهب، وجواز العمل فيها([28]).

الصنف الثالث: كتب الفقه المقارن في العصر الحاضر، وكثير منها كتب منهجية لتغطِّي مفردات الدراسة لمقرر الفقه المقارن في المعاهد والكليات والجامعات، منها:

1 ـ مقارنة المذاهب: للشيخ محمَّد علي السايس، والشيخ محمود شلتوت، وهو متوسط الحجم، ويتنـاول بعض المسائل الفقهية للدراسة المقارنة فيها بين المذاهب بتوسع، مع الأدلَّة والمناقشة والترجيح([29]).

2 ـ الفقه على المذاهب الأربعة: لعبد الرحمن الجزيري، من مصر، وتناول فيه أبواب الفقه كاملة، ليعرض في كلّ منها أهم المسائل مقارنة بين المذاهب الأربعة مع أدلتها، وجاء في أربع مجلدات، وطبع كثيراً، ويقتصر على بيان الأحكام الفقهية في المذاهب الأربعة في مسائل الفقه وجزئياته، حسب أبواب الفقه، مع إيراد الأدلَّة باختصار، دون مناقشة ولا ترجيح.

3 ـ الفقه الإسلامي وأدلته: للأستاذ الدكتور وهبة الزحيلي، وهو الشقيق الأكبر، عرض فيه أحكام المذاهب الأربعة مع الإشارة في الخلافيات الشهيرة إلى مذهب الإمامية والزيدية والإباضيّة والظاهرية، وعرضها باختصار مع الأدلَّة لكلّ منها، والتنسيق أحياناً بين المذاهب المتفقة في حكم واحد، وشمل أبواب الفقه كاملة عدا باب العتق والرقيق، مع بعض النظريات الفقهية وبعض المستجدات المعاصرة، وفهرسة ألفبائية للموضوعات والمصطلحات والمسائل الفقهية([30]).

4 ـ بحوث في الفقه المقارن: للأستاذ الدكتور محمود أبو الليل، وللأستاذ الدكتور ماجد أبو رخية، وفيه مقدمات عن الاجتهاد، والاختلاف، وأسباب الاختلاف ودراسة مقارنة لبعض المسائل الفقهية كالنية في الطهارة، وقصر الصلاة في السفر، والجمع بين الصلاتين، وزكاة أموال الصبي والمجنون، واختلاف المطالع، والقدر المحرم من الرضاع، والطلاق الثلاث بلفظ واحد، والتسعير، والتعزير بأخذ المال، والقضاء بعلم القاضي، وهو مقرر للتدريس في كلية الشريعة والقانون بجامعة الإمارات العربية بالعين([31]).

6 ـ الفقه المقارن: للأستاذ الدكتور محمَّد سعيد رمضان البوطي، عميد كلية الشريعة بجامعة دمشق سابقاً، ويتضمن تعريف الفقه المقارن، وأسباب الاختلاف بشكل مختصر، وعدة مسائل للدراسة المقارنة بين المذاهب بحسب قواعد المنهج العلمي في المقارن وضوابطه، كما ستأتي.

7 ـ الموسوعة الفقهية التي تصدرها وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالكويت، وهي أعظم إنجاز فقهي في العصر الحاضر، وعرضت المسائل الفقهية والمصطلحات الفقهية مرتبة بالترتيب الألفبائي، وفي كل مصطلح يتم عرضه بشكل مقارن بين المذاهب الفقهية الأربعة، بعد بيان الأمور المتفق عليها بين المذاهب، ثُمَّ عرض الأمور المختلف فيها بعد تنسيقها إلى قولين أو ثلاثة، وتحديد أصحاب كلّ قول من المذاهب الأربعة، ثُمَّ بيان الأدلَّة موجزة مختصرة، وتقف المقارنة عند هذا الحدّ، ولا تتجاوزها إلى مناقشة الأدلَّة والترجيح، مع تجنب عرض الآراء المعاصرة بعد القرن الثالث عشر الهجري، والآراء الشخصية للباحثين، لكن مع تخريج الأحاديث، وتقسيم كل مصطلح إلى فقرات متتالية بالأرقام والإحالة في الهوامش إلى المصادر والمراجع الفقهية، وترجمة مختصرة لجميع الأعلام الواردة في كل مجلد، في آخره، مع عناوين أصلية وفرعية، وأعطت الموسوعة الفقهية صورة رائعة ومشرفة وراقية وسامية لفقه المذاهب الأربعة، وتسهل الوصول للأحكام، وقد انتهى العمل بها، وطبع منها حتى آخر عام 1425هـ/ ومطلع عام 2005م، اثنان وأربعون مجلداً في حرف الواو، وبقي منها مجلدان أو ثلاثة تحت المراجعة والطباعة([32]).

8 ـ دراسات في الفقه المقارن: للدكتور محمَّد سمارة، بدأه بعرض طبيعة اختلاف الفقهاء وأسبابه، ثُمَّ تناول عدة مسائل فقهية للدراسة التفصيلية المقارنة مع الأدلَّة والمناقشة والترجيح، مثل وجوب النية في الوضوء، وحكم المزارعة، وانتفاع المرتهن بالمرهون، وحكم التأمين، والقضاء بالنكول، وبالشاهد واليمين، والعقوبة بدفع المال، والطلاق البدعي، والكتاب مطبوع بدار الثقافة، بعمان (الأردن) الطبعة الأولى 2002م.

9 ـ بحوث مقارنة في الفقه الإسلامي وأصوله: للأستاذ الدكتور محمَّد فتحي الدريني، عميد كلية الشريعة بجامعة دمشق سابقاً، بدأه بمقدمة عن الفقه المقارن، ثُمَّ تناول عدة مسائل فقهية، كلية وأصولية ونظريات، درسها بشكل مقارن، مثل مناهج الاجتهاد والتجديد، والجمود الفقهي والتعصب المذهبي، وأسباب اختلاف الفقهاء، ونظرية البطلان والفساد، ونظرية الاستصحاب، ونظرية الاحتكار، والتسعير الجبري وغيره، وأصله كتاب مقرر على طلبة السنة الرابعة في كلية الشريعة بجامعة دمشق، ثُمَّ أضاف إليه بحوثاً أخرى، وطبع في مجلدين كبيرين في مؤسسة الرسالة، بيروت، 1414هـ/ 1994م.

المبحث الثالث: الفقه المقارن في القرن الخامس الهجري

إن الفقه الإسلامي هو الطريق لمعرفة الحلال والحرام عند الله تعالى، للالتزام بذلك وللتقيد به؛ لأنه يرسم المنهج القويم للإنسان في جميع مجالات الحياة، لذلك رغب فيه رسول الله صلعم، وقال: «من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين»([33])، ودعا لابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ بذلك فقال: «اللهم فقهه في الدِّين»([34])، فكان حبر الأمة في الفقه والتفسير.

وبدأ الفقه منذ عصر النبوة والوحي، وبعد وفاة رسول الله e قام الصحابة بواجبهم في الفقه خير قيام، وكان كبار الصحابة وخلفاؤهم يمارسون الفقه، ويعلمون الناس الأحكام من القرآن والسنة أولاً، ثُمَّ بالبحث والنظر والاجتهاد والاستنباط ثانياً، وظهرت اجتهادات الصحابة، وأقوال الصحابة، وانتقل الجميع إلى التابعين الذين حافظوا على الإرث الفقهي والثروة العلمية، وأضافوا اجتهاداتهم الخاصة للقضايا التي ظهرت في زمانهم، وبحسب تغير الأحوال والأزمان والأمكنة، وبرز فيهم فقهاء أعلام، ومجتهدون لامعون، واشتهر خاصة فقهاء المدينة السبعة، والفقهاء في كل مدينة إسلامية، وظهرت فيهم مدرسة الرأي بالعراق، ومدرسة الحديث بالمدينة، ولمع في القرن الثاني الأئمَّة المجتهدون والفقهاء الأعلام الذين أسسوا المذاهب الفقهية حقيقة، وقام تلامذتهم بحفظها ونقلها والإضافة عليها ونشرها في بلاد الإسلام، ونضجت المذاهب الفقهية في القرنين الثالث والرابع، وظهرت فيها المصنفات العديدة.

وجاء القرن الخامس فكان أنصع القرون للحركة الفقهية، وامتاز بالتأليف الموسوعي والفقه المقارن، وبرز فيه أئمَّة وعلماء وفقهاء ومصنفون في مختلف البلاد الإسلامية، وترك لنا علماؤه مصنفاتهم الضخمة، وثروتهم الفقهية الواسعة، فكان هذا القرن بحق قرن الموسوعات عامة، والموسوعات الفقهية وعلم الخلاف والفقه المقارن خاصة، وندلل على هذا بعرض سريع، واستعراض موجز لأمثلة من هذه المصنفات والموسوعات.

1 ـ المبسوط، لشمس الأئمَّة محمَّد بن أحمد بن أبي سهل، أبي بكر، السرخسي (483هـ/1090م) الفقيه الحنفي، الأصولي، القاضي، والمبسوط كتاب في الفقه على المذهب الحنفي، بسط فيه الأحكام والأدلَّة والمناقشة، مع المقارنة مع بقية المذاهب، وخاصة المذهب المالكي والشافعي، وقد يذكر مذهب الإمام أحمد والمذهب الظاهري، والكتاب شرح لكتاب (الكافي) للحاكم الشهيد محمَّد بن محمَّد المروزي (334هـ) إمام الحنفية في وقته، الذي جمع فيه كتب ظاهر الرواية للإمام محمَّد بن الحسن الشيباني (189هـ) عن الإمام أبي حنيفة (150هـ).

والمبسوط مطبوع بالقاهرة سنة 1324هـ في ثلاثين جزءاً، ثُمَّ صور كثيراً([35]).

ولشمس الأئمَّة الحَلْواني الحنفي (448هـ) كتاب بعنوان (المبسوط) في الفقه([36])، وفي هذا القرن ظهر أهم مختصر في الفقه الحنفي (مختصر القدوري) أحمد بن محمَّد، أبو الحسن القدوري الفقيه الحنفي، وله أيضاً (التجريد) في سبعة أسفار يشتمل على الخلاف بين الشافعي وأبي حنيفة، وله (التقريب) في المسائل الخلافية بين أبي حنيفة وأصحابه، وهي في علم الخلاف أو الفقه المقارن([37]).

2 ـ شرح رسالة ابن أبي زيد القيرواني (386هـ) للقاضي عبد الوهاب بن علي بن نصر البغدادي، الفقيه المالكي، المشهور بالقاضي عبد الوهاب (422هـ) الأصولي، الأديب، وكتابه أول شرح لرسالة ابن أبي زيد القيرواني، وكان سبباً في شهرته وعلو منزلته عند المالكية، وعرض المذهب المالكي باستفاضة وتوسع، ثُمَّ أشبع الكلام في مسائل الخلاف، واختلاف الوجوه والروايات، وسماه “مسلك الجلالة في مسند الرسالة”، أو “المعرفة في شرح الرسالة”، وهو شرح مسهب يقع في نحو ألف ورقة، ولم يطبع بعد، ويوجد منه جزء مخطوط بالخزانة العامة بالرباط برقم 625ف.

وصنف القاضي عبد الوهاب: “الممهد في شرح مختصر أبي محمَّد” (وهو رسالة ابن أبي زيد القيرواني) ووصل فيه إلى نصفه، وأطال فيه النفس، ولم يكمله، ثُمَّ ألف ـ بطلب من تلامذته ـ كتاب “المعونة على مذهب أهل المدينة” ليكون مدخلاً للكتابين السابقين؛ فجاء مجملاً بأحكام المذهب المالكي مع الإشارة للدليل وذكر المخالف والاحتجاج عليه، وهو في الفقه المالكي المقارن مع سائر المذاهب، ثُمَّ صنف “الإشراف على نكت مسائل الخلاف” لتحرير المسائل التي يجري فيها الخلاف بين المذاهب، كما سنبينه لاحقاً([38]).

3 ـ الاستذكار، لأبي عمر، يوسف بن عبد الله بن محمَّد، المعروف بابن عبد البر النمري القرطبي (463هـ/ 1071م) المحدث، الفقيه المالكي، من أئمَّة حفاظ الحديث، المؤرخ، القاضي، الأديب، الذي يقال له: حافظ المغرب، وهو إمام عصره في الحديث، وعنوان الكتاب يغني عن شرح مضمونه، وهو “الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار، وعلماء الأقطار فيما تضمنه الموطأ من معاني الرأي والآثار وشرح ذلك كله بالإيجاز والاختصار”؛ لأنه اختصره من كتابه الموسوعي “التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد” وهو كبير جداً، وضمّن المؤلف التمهيد والاستذكار بيان أقوال الصحابة والتابعين والأئمَّة في المسائل الفقهية المعروضة في الموطأ، وبيان بعض الترجيح في ذلك متبعاً السنة والأثر، مع بيان أدلَّة الخلاف والترجيح في المسائل الفقهية.

وقام الأستاذان حسان عبد المنان والدكتور محمود أحمد القيسية بتحقيق الاستذكار، وطبعته مؤسسة النداء في عشر مجلدات، أبو ظبي، الطبعة الرابعة، 1423هـ/2003م.

ولابن عبد البر كتب كثيرة وعظيمة، منها “الكافي في الفقه” طبع في مجلدين بتحقيق الدكتور محمود أحمد القيسية، وطبعته مؤسسة النداء، أبو ظبي، ط1/ 1424هـ/2004م، وله “الدرر في اختصار المغازي والسير” مطبوع في مجلد، و”الاستيعاب في معرفة الأصحاب” مطبوع في أربع مجلدات، و”جامع بيان العلم وفضله” مطبوع في مجلدين، و”الانتقاء في فضائل الثلاثة الفقهاء” مالك وأبي حنيفة والشافعي، وكتب أخرى([39]).

ومن أعلام القرن الخامس الهجري: أبو الوليد الباجي، سليمان بن خلف بن سعد التجيبي الأندلسـي (474هـ/1081م) الفقيه المالكي الأصولي، المحدث، القاضي، له كتب كثيرة، منها: “المنتقى في شرح الموطأ” في سبع مُجلّدات([40]).

ومن علماء القرن الخامس الهجري الذين صنفوا في علم الخلاف محمَّد بن عبد الله بن أحمد المعروف بابن عمروس (452هـ/1060م)، وله كتاب “تعليق” في الخلاف، كبير ومشهور، ولم يطبع بعد([41]).

4 ـ نهاية المطلب في دراية المذهب، لعبد الملك بن عبد الله بن يوسف الجويني، أبي المعالي، الملقب بضياء الدين، وركن الدين، والمعروف بإمام الحرمين (478هـ/1085م) الفقيه الشافعي، الأصولي، المتكلم. وهذا الكتاب أهمّ كتاب في الفقه على المذهب الشافعي والفقه المقارن، ومن أبرز مصنفات إمام الحرمين وأشهرها وأوسعها، ويتضمن جميع الأبواب الفقهية، وهو شرح لمختصر المزني (264هـ) لكنه شرح موسع على منهج الفقهاء بأن يعرض الحكم مع دليله، ثُمَّ يقارن مع سائر الآراء في المذهب، ثُمَّ يقارن مع أقوال المذاهب الأخرى، ويستدلّ لهم، ثُمَّ يناقش أدلتهم، ويرد على أقوالهم بأسلوب جدلي، معتمداً على مبادئ علم أصول الفقه، لتخريج الفروع على الأصول، وربطها بها، حتى أطلق العلماء على هذا الكتاب “المذهب الكبير”، ولإمام الحرمين كتب أخرى.

وهذا الكتاب لا يزال مَخطوطاً، وتصل بعض نسخه المخطوطة إلى ستّ وعشرين مجلدة، وبقي على الرفوف حتى قيض الله تعالى له الأستاذ الدكتور عبد العظيم الديب، الأستاذ بجامعة قطر، فجمع مخطوطاته، وحققه، واحتفل بإتمام العمل به، ويسعى لتصحيح طباعته ونشره([42]).

ولمع في القرن الخامس الهجري فقهاء أعلام في المذهب الشافعي، منهم والد إمام الحرمين: أبو محمَّد الجويني عبد الله بن يوسف بن عبد الله (438هـ/1047م) الذي صنف في الفقه: “التبصرة” و”التذكرة” و”الفروق” الفقهية، و”السلسلة”([43]).

ومنهم: المـاوردي، أبو الحسن علي بن محمَّد بن حبيب (450هـ/1058م) صاحب التصانيف النافعة المشهورة، ومن أهمها “الحاوي الكبير” في الفقه المقارن، وسبق بيانه، و”الإقناع” في المذهب، “والأحكام السلطانية” في أحكام الراعي والرعية([44]).

ومنهم: أبو الطيب الطبري، طاهر بن عبد الله بن طاهر (450هـ/1058م) الذي صنَّف “شرح مختصر المزني” أحد عشر جزءاً، و”شرح فروع ابن الحداد المصري”، وله كتب في الخلاف والأصول والجدل ليس لأحد مثلها([45]).

ومنهم: الشيخ أبو إسحاق الشيرازي الذي سنفرده فيما بعد.

ومنهم: منصور بن محمَّد بن عبد الجبار السمعاني (489هـ/1096م) الذي صنف “البرهان” في الخلاف([46]).

5 ـ الخلاف الكبير، ويسمَّى التعليق، واسمه الكامل “التعليق الكبير في المسائل الخلافية بين الأئمَّة” لأبي يعلى الفرَّاء، محمَّد بن الحسين بن محمَّد، (458هـ/ 1065م) القاضي، الفقيه الحنبلي، الأصولي، المحدث، المفسر، المفتي. له تصانيف نافعة لم يسبق إلى مثلها، منها “الخلاف الكبير” في الفقه المقارن، ولم يَرَ النور بعد، ويقع في أحد عشر مجلداً، ومرتّب على أبواب الفقه، وتفنّن في هدم كلام الخصم المخالف لمذهبه، وله: “شرح مختصر الخرقي” في الفقه، و”المجرد في المذهب” و”الأحكام السلطانية في الولايات الدينية” و”المعتمد” و”الكفاية” و”العدة” في أصول الفقه، و”أحكام القرآن” و”عيون المسائل”([47]).

ومن علماء القرن الخامس الهجري في المذهب الحنبلي: الحسن بن أحمد بن عبد الله، المعروف: بابن البنّا البغدادي (471هـ/ 1078م)، ومن كتبه: “شرح الخرقي” في الفقه، و”الكامل” في الفقه، وغيرهما([48]).

ومن علماء القرن الخامس الهجري في المذهب الإباضيّ: كتاب الضياء، لسلمة بن مسلم العوتبي الصحاري في 24 جزءاً، طبع منها 18 جزءاً.

وبيان الشرع، لِمحمَّد بن إبراهيم، أبو عبد الله الكندي 508 هـ، وهو في اثنين وسبعين مجلداً، ويأخذ طريقه للطباعة.

ملحق: التأليف الموسوعي في القرن الخامس الهجري:

إنَّ التأليف الموسوعي في القرن الخامس الهجري لم يقتصر على الفقه وعلم الخلاف أو الفقه المقارن، بل كان هذا القرن عصر الموسوعات في مختلف العلوم، ونعدّد بعض هذه الموسوعات:

1 ـ المستدرك على الصحيحين، للحاكم أبي عبد الله محمَّد بن عبد الله النيسأبوري (405هـ/1014م) وهو كتاب في الحديث، ومطبوع بالهند في أربع مجلدات كبيرة([49]).

2 ـ حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، لأبي نعيم الأصبهاني، أحمد بن عبد الله بن أحمد (430هـ/1038م) الحافظ المؤرخ الصوفي، الفقيه الشافعي، وكتابه في عشرة أجزاء، ومطبوع([50]).

3 ـ الهداية إلى بلوغ الغاية، لمكي بن أبي طالب حمّوش بن محمَّد القيرواني القيسي الأندلسي القرطبي (437هـ/1045م) المفسر، المقرئ، الفقيه المالكي، وكتابه في تفسير معاني القرآن الكريم في سبعين جزءاً، ولم يطبع بعد([51]).

4 ـ شرح صحيح البخاري، لعلي بن خلف بن عبد الملك، أبي الحسن البكري، المعروف بابن بطَّال (449هـ/ 1057م) الحافظ المحدث، الفقيه المالكي، وكتابه من أهمّ شروح البخاري الذي اعتمد عليه ابن حجر في كتابه “فتح الباري بشرح صحيح البخاري”([52]).

5 ـ السنـن الكبرى، للحافظ أحمد بن الحسين البيهقـي (458هـ/1066م) وهو: كتاب كبير في السنة والأحاديث، مرتب على أبواب الفقه، وطبع بالهند في عشر مجلدات كبيرة([53]). وله كتاب “معرفة السنن والآثار” وهو موسوعة حديثية، خرّج فيه ما احتجّ به الإمام الشافعي من الأحاديث بأسانيده، وطبع حديثاً في سبع مجلدات.

6 ـ تاريخ بغداد، للخطيب البغدادي أحمد بن علي بن ثابت، أبي بكـر (463هـ/1072م) أحد حفَّاظ الحديث، المؤرّخ، الفقيه الشافعي، والكتاب مطبوع في أربعة عشر مجلداً، وهو أفضل كتبه، وفيه أحاديث كثيرة استخرجها الدكتور خلدون الأحدب وخرّجها في عشر مجلدات ونال بها شهادة الدكتوراه في الحديث([54]).

7 ـ الكامل، والشامل، لعبد السيد بن محمَّد بن عبد الواحد، أبي نصر البغدادي، المعروف بابن الصبَّاغ (477هـ/ 1084م) الفقيه الشافعي، الأصولي، وكتاب “الشامل” في الفقه، أصحّ كتب الشافعية في زمنه، وأجدرها في النقل، وله “الكامل في الفقه أيضاً”([55]).

8 ـ المبسوط، لعلي بن محمَّد بن الحسين، أبي الحسن، فخر الإسلام البزدوي (482هـ/ 1089م) الفقيه الحنفي، المفسر، الأصولي، والمبسوط في الفقه، أحد عشر مجلداً، وله “شرح الجامع الكبير” و”شرح الجامع الصغير” وله “تفسير القرآن” كبير جداً([56]).

المبحث الرابع: شروط المقارنة وضوابطها ومنهجها

أولاً: شروط المقارنة:

إن المقارنة في الفقه: تعني الموازنة بين الأقوال، والموازنة بين أصحاب الآراء من الأئمَّة والعلماء والمجتهدين والفقهاء، وكأن من يقوم بالمقارنة حكم وقاض بين طرفين أو أطراف، ولذلك يشترط فيه شروط أساسية ليقوم بهذه المهمة الخطيرة، ويؤدِّي هذه الوظيفة، ويمارس هذا الجانب العلمي الرفيع.

وأهم هذه الشروط هي:

1 ـ الإخلاص في النية: بأن يكون عمله لله تعالى، وهذا هو المنطلق الأساسي، دون أن يقصد الهوى، أو التشفي، أو التشهير، وبذلك يكون طريقه سديداً، وعمله مباركاً، فإن أصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر، والأصل في ذلك قوله e: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكلّ امرئٍ ما نوى»([57]).

2 ـ العلم: يشترط فيمن يتولى المقارنة بين أمرين، أو رأيين، أو شخصين، أو مذهبين، أن يكون عالماً بموضوع العلم الذي يتناوله، كمقارنة الأديان، أو الفقه المقارن، أو الأدب المقارن، أو أصول الفقه المقارن، وإلا تخبّط خبط عشواء.

وفي الفقه المقارن لا يكفي مجرد العلم بالفقه، بل لا بدَّ أن يكون متخصصاً بهذا العلم أوّلاً، وأن يكون على دراية كافية بأقوال المذاهب، وآراء العلماء الذين يقارن بينهم، وأن يكون ملمّاً إلماماً كافياً بأصول الفقه؛ لأنَّ كثيراً من الاختلافات ترجع إلى مبادئ علم أصول الفقه وقواعده، وهي في معظمها مختلف فيها، مِمَّا يؤدِّي للاختلاف في الاجتهاد للفروع الفقهية([58]).

3 ـ الموضوعية والأمانة: يشترط فيمن يمارس المقارنة بين المذاهب أن يكون متجرداً عن الهوى والعصبية أو التعصّب، وأن يكون حيادياً؛ لأنَّه كالقاضي في ذلك، وبالتالي يعرض الأقوال والآراء بأمانة كاملة، وينقلها عن الإمام أو المجتهد أو المذهب، وأن يتم النقل من المصادر الموثوقة في النقل، أو من الكتب المعتمدة في المذهب، وأن ينقل بدقة وأمانة القول الراجح المعتمد، وإلاّ صرّح بأنه ينقل قولاً له، أو رواية عنه، أو قولاً مرجوجاً، حتى يصحّ نسبة الرأي لصاحبه، أو القول في المذهب.

ثانياً: ضوابط المقارنة ومنهجها:

يجب أن يسير الفقه المقارن وفق منهج محدّد، وضوابط معينة، حتى يجدي نفعاً، ويحقق الهدف المنشود، ولا ينحرف عن المسار الصحيح، وذلك وفق الضوابط والمنهج الآتي:

1 ـ تحرير محلّ النـزاع: مهما كان الخلاف واسعاً، والاختلاف شاسعاً بين الأئمَّة، أو الفقهاء أو المذاهب، وخاصة في الفقه الإسلامي، فإنّ هناك أموراً كثيرة مشتركة ومتفقاً عليها؛ لأنَّ مصادر الفقه الإسلامي الأساسية متفق عليها، وهي المصادر الأصلية من القرآن والسنّة، مع الاعتماد على اللغة العربية في دلالات الألفاظ والمعاني، ثُمَّ يأتي الخلاف والاختلاف تبعاً أو في الفروع والجزئيات، أو في تحقيق المناط، أو في تشخيص الوقائع التي يراد معرفة حكمها.

ومن هنا يجب على الباحث أن يحدّد أوّلاً نقاط الاتِّفاق بين المذاهب، أو نقاط الاتِّفاق بين الآراء، ليخرجها عن محلّ البحث، ومناط النـزاع، ويغرس في نفس القارئ الأحكام المتفق عليها لتستقر في ذهنه، وفكره، وعقله، ولا مانع، بل يحسن أن يدلّل باختصار لهذه النقاط المتفق عليها، فيذكر أدلتها؛ لأنّ الخلاف الآتي قد يعتمد على هذه الأدلَّة المتفق عليها.

وعند بيان النقاط المتفق عليها تظهر بشكل واضح ومحدد المسائل المختلف فيها، ويجب إبرازها وإخراجها وحصرها وتحديدها؛ لأنَّها ستكون موطن الدراسة والبحث، وبيان الأقوال أو الآراء فيها، والاختلاف في أحكامها.

فإن كانت الجوانب المختلف فيها متعددة، فيجب ترتيبها، لعرضها مسألة مسألة، وفرعاً فرعاً.

وفي هذه المرحلة يتم تحييد الأقوال والآراء التي يظهر عليها الاختلاف والتعارض الظاهري، وأنه مجرد اختلاف في الاصطلاح، أو أنه اختلاف شكلي، وهو ما يعبر عنه العلماء، بأنه “لا مشاحة في الاصطلاح” فيكون الحكم متفقاً عليه، مع الاختلاف في اللفظ والعبارة، وهنا كفى الله المؤمنين القتال، وصار الحكم من زمرة الأحكام المتفق عليها.

2 ـ عرض الأقوال أو الآراء المختلف فيها في المسألة الواحدة، أو في الفرع الواحد، ويجب تصنيف الأقوال والآراء في اثنين أو ثلاثة مثلاً: في الجواز، والمنع، والتفصيل، بحيث يكون الرأي واضحاً ومحدداً، وهذا الرأي هو الحكم الشرعي ـ مبدئياً ـ في نظر صاحبه إماماً أو مجتهداً أو مذهباً.

ويتجه فريق من الكتّاب إلى استعراض آراء كل مذهب على حدة، ليعرض خمسة آراء في خمس فقرات، وهذا غير سليم ولا سديد؛ لأنَّه قد تتفق آراء مذهبين أو ثلاثة أو أكثر على حكم واحد، فلا حاجة لهذا التعداد.

وهنا نذكّر مرّة ثانية بشرط الموضوعية المذكور سابقاً، بأن تنقل الأقوال والآراء بحياد، ودقة، وأمانة، ومن المصادر الموثوقة في النقل، ومن الكتب المعتمدة في المذهب؛ لأنّ الموضوعية تقتضي أن تعرض أقوال الأشخاص وأفكارهم كما يرغبون أن تعرض، كما أنّ من حقّ القارئ أن يقف على الواقع قدر المستطاع كما أراده صاحب الرأي.

ولا يقبل أن تنقل آراء مذهب من كتب مذهب آخر، ولا تنقل آراء إمام أو مجتهد أو فقيه من مصادر مخالفيه ومعارضيه، لاحتمال الخطأ في النقل، أو تسرب التعصب، أو عدم الدقة في نقل القول المعتمد والراجح.

3 ـ عرض الأدلَّة لكل قول أو رأي، وهي الأدلَّة التي استند إليها صاحب القول أو علماء المذهب، سواء كانت مصادر نقلية من الكتاب والسنة، أو مصادر أصلية كالإجماع والقياس، أو مصادر عقلية كالاستحسان والاستصلاح، وغير ذلك من مصادر الفقه الإسلامي المتفق عليها أو المختلف فيها.

وهنا يجب توجيه الأدلَّة، أو بيان وجه الاستشهاد، وكيفية الاستدلال منها على محل الخلاف، وكيفية الوصول من الأدلَّة إلى الحكم المختلف فيه.

وفي هذه المرحلة يجب التحرز المطلق والدقة الكاملة في بيان الآيات الكريمة، وتحديد موطنها من السور ورقم الآية، كما يجب تخريج الأحاديث تخريجاً مختصراً وموجزاً يتفق مع الدراسة الفقهية، وليس بالتخريج الواسع والمفصل المذكور في مصطلح الحديث، وخاصة عزو الأحاديث إلى كتب السنة من الصحاح والسنن والمسانيد والمستخرجات والمصنفات، وبيان درجة الحديث باختصار بالصحة والحسن والضعف وغيره، مع الاعتماد في ذلك على أصحاب الاختصاص في التخريج والحديث، من القدماء أو المعاصرين، أو من كتب أحاديث الأحكام العامة.

وتذكر الأدلَّة الكاملة لكلّ قول على حدة، وكأنّ الباحث أو القارئ يعيش مع أصحاب هذا القول، ويطوف في كتبهم، ويلازم تصوراتهم وتفكيرهم، ثُمَّ ينتقل إلى القول الثاني وأدلته ثُمَّ إلى القول الثالث وأدلته، على نفس المنال والطريقة والمنهج.

4 ـ مناقشة الأدلَّة: وهناك منهجان في المقارنة، ويكاد أن يتساويا، الأوَّل: مناقشة كل دليل بعد عرضه مباشرة، ليكون القارئ على صلة بالدليل وتوجيهه، فترد عليه المناقشة القريبة، للوصول إلى مدى صحة الاحتجاج به، ثبوتاً ودلالة، وصحته دلالة على الحكم، أو العكس، أو صحته ثبوتاً، وبعده دلالة.

والمنهج الثاني: عرض الأدلَّة كاملة، ثُمَّ العودة إلى مناقشة كل منها على حدة حسب الطريقة السابقة، وأرى ترجيح المنهج الأول لتجنب التكرار، ولقرب القارئ من الدليل ليعرف صحته وقوته وسلامة الاستدلال به.

وفي كلا المنهجين يجب الوصول للنتيجة في كل دليل بصحته وقبوله، أو رده ورفضه.

5 ـ الترجيح: وذلك بعد عرض الأقوال، وبيان أدلتها، ومناقشة الأدلَّة كاملة، يصل الباحث إلى الترجيح بين الأقوال، أو ردها جميعاً لاقتراح قول جديد، أو للجمع بينها، أو لتوزيعها حسب الحالات والتفاصيل والجزئيات، فيعتمد أحدها في حالة أو جانب، والآخر في حالة ثانية.

وهنا يجب التدليل على الترجيح، والتعليل للاختيار، سواء بعدم ثبوت أدلَّة أحد الأقوال، أو لتعارضها مع الأسس والقواعد المسلم بها شرعاً ولغة، وقوة أدلَّة القول الآخر، بصحتها وثبوتها، وقوة دلالتها على الحكم.

ويحسن بيان أدلَّة جديدة إن وقع الباحث عليها، أو وجدها والتقطها أثناء البحث ولأسس والقواعد المسلم بها شرعاً ولغة، وقوة، أدلة القول الآخر،الدراسة.

ولكن يجب التعليل، ولو عقلياً ووجدانياً، للترجيح الذي وصل إليه الباحث، ليؤكد قناعاته بالترجيح، ويبرهن على اختياره بعيداً عن العصبية المذهبية أو غيرها.

وهنا نهمس في أذن الباحث في الفقه المقارن أن يلتزم الأدب الجم، والاحترام الكامل للأئمَّة والعلماء، وإن خالفهم في الرأي، أو كان قولهم ضعيفاً، فالعلم رحم بين أهله، وإن الخلاف لا يفسد للود قضية، وبذلك يحفظ لسانه وعلمه عن الطعن بالعلماء، أو النيل منهم، أو التشكيك في دينهم وعقيدتهم؛ لأنَّه في أحسن الأحوال فهو مجتهد، وقد يكون مصيباً، وقد يكون مخطئاً، ومن تتبع عورات الناس تتبع الله عورته، وفضح أمره، وكشف سره، ونسأل الله أن يرزقنا حسن الأخلاق مع الأحياء والأموات؛ لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾([59]).

المبحث الخامس: الشيرازي والعَوْتبي نموذجاً للقرن الخامس الهجري

وردت الإشارة بأن يكون الشيرازي والعَوْتبي نموذجاً للقرن الخامس الهجري في الفقه المقارن وضوابطه.

أولاً: الشيرازي:

هو الشيخ أبو إسحاق إبراهيم بن علي بن يوسف بن عبد الله، الفيروزبادي، (476هـ/1083م): الفقيه الشافعي، الأصولي، النظار، ولد بفيروزأباد بفارس، ونشأ بها، ثُمَّ دخل شيراز، وتفقه بها، ونسب إليها، ثُمَّ رحل إلى البصرة، ودخل بغداد سنة 415هـ، وتفقه على القاضي أبي الطيب الطبري وغيره، وكان يضرب به المثل في الفصاحة والمناظرة.

وصفه النووي فقال: «الإمام المحقّق، المتفقه المدقق، ذو الفنون من العلوم المتكاثرات، والتصانيف النافعة المستجدات، الزاهد العابد الورع، المعرض عن الدنيا، المقبل بقلبه على الآخرة، الباذل نفسه في نصرة دين الله، المجانب للهوى، أحد العلماء الصالحين، وعباد الله العارفين، الجامعين بين العلم والعبادة والورع والزهادة، المواظبين على وظائف الدّين المتبعين هدى سيد المرسلين»([60]).

كانت الطلبة ترحل إليه من المشرق والمغرب، وتحمل إليه الفتاوى من سائر البلاد، واشتهر بقوة الحجة في المناظرة، وبنى له الوزير نظام الملك المدرسة النظامية في بغداد، فدرّس بها، وعاش فقيراً صابراً، وكان حسن المجالسة، طلق الوجه، فصيحاً، ينظم الشعر، وإذا أطلق لفظ “الشيخ” في الفقه الشافعي فهو المراد، مات ببغداد، وصلى عليه الخليفة المقتدي العباسي.

ألف الشيرازي ـ رحمه الله تعالى ـ التصانيف النافعة المفيدة المشهورة، منها “التنبيه” و”المهذب” في الفقه على المذهب الشافعي حصراً، و”التبصرة” و”اللمع” و”شرح اللمع” في أصول الفقه، و”الملخص” و”المعونة” في الجدل، و”طبقات الفقهاء” في التراجم، و”النكت” في الخلاف، و”نصح أهل العلم” وغيرها.

وأهم كتبه على الإطلاق: “المهذب في فقه الإمام الشافعي” تناول فيه نصوص المذهب الشافعي في المسائل الفقهية، وأمهات الأحكام الشرعية، وذكر الأحكام، ثُمَّ بين الاستدلال عليها من القرآن الكريم، والأحاديث الشريفة، بأسلوب سهل، وعبارة أدبية محكمة، بعيداً عن التعقيد والألغاز، واستقصى الفروع بأدلتها، واعتنى به فقهاء الشافعية بكثرة، فكان مقرراً للتدريس في عصره وبعده، وظهرت عليه الشروح الكثيرة ما بين مطول ومختصر، أهمها: “البيان” لأبي الحسين يحيى بن أبي الخير بن سالم العمراني اليمني (558هـ) الذي اعتنى به الأستاذ قاسم محمَّد النوري، وطبعه بدار المنهاج، بيروت سنة 1421هـ/2000م في 13 مجلداً، والمجلد الرابع عشر للفهارس.

ومنها: “المجموع في شرح المهذب” للنووي والسبكي والمطيعي، وطبع في 22 مجلداً، وشرح غريبه محمَّد بن أحمد بن بطال اليمني (630هـ) وشرحت ألفاظ المشكلة، وخرجت أحاديثه([61]).

ولكنّ كتابي الشيرازي “المهذب” و”التنبيه” محصوران بالمذهب الشافعي، وطبع المهذب في مطبعة مصطفى البابي الحلبي في مجلدين بمصر، 1379هـ/1959م، ثُمَّ قام الباحث بتحقيقه لبيان القول الراجح من الأقوال التي يذكرها المصنف أو تحديد القول المعتمد في المذهب الشافعي، وتخريج أحاديثه، وطبع في ستّ مجلدات بدار القلم بدمشق، 1412هـ/ 1992م، وطبع “التنبيه” عدّة مرات، وكان الطلبة يحفظونه غيباً، وله شروح عديدة، وهو من أهم المختصرات، لكنه محصور بالمذهب الشافعي.

والكتاب الوحيد للشيرازي في الخلاف أو الفقه المقارن هو كتابه: “النكت”، وطبع كاملاً محققاً في أربع مجلدات، وطبع مختصره في مجلد، وهذا لا ينقص من مكانة الشيرازي الذي كان عَلماً في عصره، ومرجعاً في زمنه، ومناظراً قوياً في الجدل والخلاف والفقه المقارن.

ثانياً: سَلَمَة بن مُسْلم العَوْتَبي الصُّحاري، العلامة، الفقيه، المؤرخ:

أشرق نور الإسلام في مكة المكرمة والمدينة المنورة، ثُمَّ عمّ وانتشر إلى أنحاء المعمورة، وفتح العقول والقلوب، وأنجبت الأمة الإسلامية العلماء والمفكرين في جميع الأقطار الإسلامية، فتركوا لنا تراثاً زاخراً، وثروة غنية، ونوراً مشعاً، وهذا نموذج لعلماء الخليج العربي في عُمان في القرن الخامس الهجري.

اسمه ونسبه ونشأته:

هو سَلَمة بن مُسْلم بن إبراهيم العوتبي، أبو المنذر، الصُّحاري، نسبة إلى صُحار (بضم الصاد) التاريخية، وهي قصبة أو ناحية عمان مِمَّا يلي البحر، واسمها مشتق من الصحراء كما ذكره ياقوت في “معجم البلدان” وعَوْتب: قرية من قرى صُحار.

ولا يعرف بالضبط والدقة تاريخ ولادته وتاريخ وفاته، وعرف بالاستنتاج أنه من علماء القرن الخامس الهجري، وقيل: امتدت حياته حتى مطلع القرن السادس.

وتتأكد هويَّته ونشأته العمانية من لقبه المنسوب إلى صُحار وعَوْتب، ومن شعوره القوي بالولاء والانتماء إلى وطنه وأهله، ثُمَّ من اهتمامه بذكر فضائل عمان ودورها التاريخي في الجاهلية والإسلام.

كتبه ومؤلفاته:

يعتبر سلمة بن مسلم العوتبي الصُّحاري فقيهاً، ومؤرّخاً، وعلامة في النسب والأدب والبلاغة والحكمة والأمثال([62])، وأهم كتبه:

1 ـ الأنساب (أو موضح الأنساب): وهو جزءان، وهو موسوعي في مادته، إذ يضم إلى جانب علم النسب معلومات تاريخية، وقصصية، ولغوية، وأدبية، ودينية كثيرة.

ويتحدث الكتاب عن أنساب البشر وأخلاقهم منذ بدء الخليقة، فيتحدث عن آدم وأبنائه حتى تفرع البشر إلى شعوب وقبائل، ثُمَّ يركز على أنساب العرب، ويفصل القول في قحطان وهو جد العرب الجنوبيين حتى يصل إلى تاريخ عمان، ومن نزلها من العرب، وبخاصة “الأَزْد”، ويبرز دور عُمان في صدر الإسلام، مِمَّا يدل على تمكنه من علم الأنساب، ويقع الكتاب في مجلدين من 750 صفحة، وقدمت له دراسة في 137 صفحة، وطبعتها وزارة التراث القومي والثقافة بمسقط، عمان، عام 1415هـ/ 1995م، وتكررت طباعة الجزأين عدة مرات، مع التحقيق، الجزء الأول، الطبعة الرابعة 1415هـ/1994م، والجـزء الثاني، ط3/ 1415هـ/ 1994م بتحقيق محمَّد علي الصليبي.

2 ـ الضياء: وهو كتاب كبير جامع بين علوم العقيدة والشريعة، ويقع في 24 جزءاً، طبع منها 18 جزءاً. يبحث في صفات الله، ثُمَّ الأحكام الفقهية، طبعته وزارة التراث القومي والثقافة بسلطنة عُمان، الطبعة الأولى سنة 1411هـ/1990م، وما بعدها، ويجمع في الأحكام الفقهية مختلف أبواب الفقه، وبعض أبواب الحسبة، وسائر أحكام الحياة، وفيه بعض أحكام أصول الفقه، ومصادر التشريع من القرآن والسنة، ويعتمد على الأخبار، وينقل أقوال العلمـاء ويحدد أسماءهم، ويذكر مسائل واقعية من أحوال الناس لبيان الحكم الشرعي فيها، مِمَّا يدل على سعة علمه، وكثرة اطلاعه ومعرفته بالأحكام الفقهية، وجمعه لأقوال العلماء، مِمَّا يقربه من منهج الفقه المقارن الذي شاع سابقاً.

ويسعى العلماء والباحثون لتتبع أخبار العوتبي، وكشف حياته، ونشأته، ومعرفة المزيد عن كتبه ومصنفاته المفقودة، أو التي لا تزال في حيز المخطوطات المحفوظة في المكتبات الخاصة والعامة.

3 ـ كتب أخرى:

أشار العَوتبي ـ رحمه الله ـ في أثناء كتابه الأنساب وغيره، أنه سبق له تأليف كتاب: “الحكمة في الحِكم والأمثـال”، وصنف بعد كتاب الأنساب كتاب: “محكم الخطابة في الخطب والرسائل”، ثُمَّ كتاب: “ممتع البلاغة في الوفود والوافدات”، وكتاب: “أنس الغرائب في النوادر والأخبار والفكاهات والأسمار”.

وهذا يدلّ على غزارة علمه، وفقهه الموسوعي، مع كتاب “الإبانة” في اللغة، وتم تحقيقه، وطباعته الآن في عُمان في أربع مجلدات وهو معجم لغوي.

ولم يتمّ العثور على أكثر هذه الكتب، وهذا مثال على عظمة تراثنا الإسلامي الذي فقدنا جزءاً منه، ولا يزال القسم الثاني مجهولاً، كما أنّ العوتبي نموذج من أعلام الأمة الذين قدموا في حياتهم الكثير، وإن لم يصلنا عنهم إلا القليل، ولكنّ الله لا يضيع عمل عامل من ذكر أو أنثى، وكلّ ذلك مدّخر في صحائف الأعمال ليوم لا ينفع فيه مال ولا بنين إلا من أتى الله بقلب سليم.

ثالثاً: مقارنات وموازنات بين الشيرازي والعوتبي:

أ ـ كل من الشخصين علامة في عصره، وقمة في مذهبه، وعاشا في عصر واحد، وهو القرن الخامس الهجري.

ب ـ الشيرازي شافعي ولد في بلاد فارس، وانتقـل إلى بغداد، وهو أول من تولى مشيخة نظامية بغداد، وبقي فيها حتى توفي. أما العوتبي فهو عربي، ولد في عوتب، ونشأ في صحار، وعشق أرض عُمان، ودوَّن أخبارها، وكرس بعض جهده لبيان فضلها.

ج ـ   الشيرازي صنف في الفقه الشافعي، وله أهم الكتب في عصره، وهي: “المهذب” و”التنبيه”، ثُمَّ صنف في أصول الفقه “التبصرة” و”اللمع” و”شرح اللمع”، كما صنف في الجدل “الملخص” و”المعونة”، وصنف في التراجم “طبقـات الفقهاء”، وصنف في المواعظ “نصح أهـل العلم”، ثُمَّ صنف في علم الخلاف كتابه القيم “النكت”.

أما العوتبي فصنف في اللغة “الإبانة” وفي التاريخ “الأنساب” وفي المواعظ والحِكم والغرائب والأسماء، وكانت أعظم كتبه وأشملها في الفقه “الضياء” الذي برزت فيه شخصيته، وظهرت فيه مواهبه وعلومه اللغوية والتاريخية، وجمع بين العقيدة وأصول الفقه، ثُمَّ الأحكام على أبواب الفقه كاملة، وعرض آراء المذاهب والفقهاء والعلماء، واستدل عليها، وبيّن آراء المذهب الإباضيّ فيها.

د ـ    يلتقي العالمان في علم الخلاف الذي خصص له الشيرازي كتاباً مستقلاً، دون أن يشير أو يذكر آراء المذهب الإباضيّ، بينما لم يفرد العوتبي كتاباً خاصاً في الخلاف، وإنما عرض الفقه المقارن خلال كتابه المطول “الضياء”، وذكر أقوال المذاهب الفقهية، ومنها المذهب الشافعي، والمقارنة بين الكتابين تحتاج إلى دراسة مستقلة.

الخاتمة

أولاً: النتائج:

1 ـ الفقه أهم العلوم الشرعية؛ لأنَّه يبيّن منهج الله في الحياة، في بيان أحكام الله تعالى في تصرفات الإنسان، وهو صالح لكل زمان ومكان، وتطور مع الأيام ليغطّي جميع التصرفات والأعمال.

2 ـ الفقه: هو العلم بالأحكام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية، والضابط للبحث المقارن: هو إحكام الشيء وإتقانه، مع الالتزام بالقواعد الكلية التي تصحح الكلام، وتمنع الخلل فيه، وتحدد مجاله. والمقارنة: هي دراسة الآراء الفقهية مع أدلتها والموازنة بينها.

3 ـ ظهر قديماً علم الخلاف، ثُمَّ احتضر([63])، وتجدَّد في العصر الحاضر بعنوان الفقه المقارن، مع اختلاف الأهداف والأغراض، فكانت لتأييد المذهب، وأصبحت لبيان الأرجح والأنفع لما يحقق المصالح العملية للمجتمع والأمة.

4 ـ برز نجم الفقه المقارن في العصر الحديث في جميع الدراسات([64])، وحقَّق التخلّص من العصبية المذهبية، أو انفراد مذهب واحد على الساحة التشريعية.

5 ـ أهمّ كتب علم الخلاف والفقه المقارن: الإشراف، والحاوي الكبير، والمحلى، والبدائع، والمغني، وتأسيس النظر، والإفصاح، وبداية المجتهد، والميزان الكبرى، ومقارنة المذاهب، والفقه على المذاهب، وبحوث في الفقه المقارن، والفقه المقارن، والفقه الإسلامي وأدلته، ودراسات في الفقه المقارن، والموسوعة الفقهية، وبحوث مقارنة.

6 ـ تميز القرن الخامس الهجري بالتأليف الموسوعي في الفقه المقارن، فمن ذلك: المبسوط، وشرح رسالة ابن أبي زيد القيرواني، والممهد، والاستذكار، ونهاية المطلب، والخلاف الكبير، والتأليف الموسوعي في هذا القرن في العلوم الأخرى.

7 ـ يشترط في المقارنة: الإخلاص، والعلم، والموضوعية، وضوابطها: تحرير محل النزاع، وعرض الأقوال أو الآراء، وإيراد الأدلَّة كاملة، ثُمَّ المناقشة، ثُمَّ الترجيح مع التعليل.

8 ـ الشيخ أبو إسحاق الشيرازي من ألمع علماء القرن الخامس الهجري فقهاً وعلماً وأدباً وجدلاً مناظرة وورعاً وزهداً، وتصنيفاً، وأهم كتبه: “المهذب في الفقه الشافعي” و”النكت” في الخلاف.

ثانياً: التوصيات:

1 ـ وجوب العناية والرعاية لكتب الخلاف، والفقه المقارن، والعمل على تحقيق التراث الفقهي، ونشر الموسوعات الفقهية التي خلدها لنا السلف الصالح، والأجداد العظماء، ومشاعل النور من العلماء الأعلام في التاريخ الإسلامي.

2 ـ وجوب الاهتمام بالدراسة المقارنة على جميع المستويات، وخاصة في الدراسات الجامعية والدراسات العليا، وفي الرسائل، والأطروحات، والبحوث العلمية، وفي مجال التشريع والتنظيم وإصدار القوانين والأنظمة.

3 ـ وجوب الاستفادة من تراث المذاهب الفقهية المختلفة، ونبذ التعصب والعصبية المذهبية، لاقتناص الجواهر واللآلئ من هذه المذاهب التي تمثل أوسع تراث فقهي وتشريعي في العالم، وتمثل أكبر وأعظم صيدلية لأخذ الأدوية المناسبة منها بحسب الأحوال والأزمنة والأمكنة، والاعتماد عليها في معرفـة المستجدات والحوادث التي يفرزها العلم والتطور الاجتماعي والاقتصادي والتشريعي والسياسي والدولي.

4 ـ الدعوة لتفعيل الاجتهاد الجماعي، وإقامة الجمعيات، والمؤسسات، والمنظمات على جميع المستويات لإعطاء الحكم الشرعي المناسب، سواء تم اختياره من التراث الفقهي الإسلامي، أو تم استنباطه والاجتهاد فيه فيما لم يسبق بيانه.

5 ـ تشجيع الدراسات العليا في الشريعة والفقه المقارن، ودعم طلبة الدراسات العليا مادياً ومعنوياً، وتوفير المصادر والمراجع المجانية لهم.

6 ـ الدعوة لإصدار موسوعات فقهية في جوانب من الحياة: كأحكام الأسرة، ونظام الحكم، والعقود المالية، والاقتصاد الإسلامي، والتربية والتعليم، والإعلام.

ونسأل الله العون والتوفيق والسداد، وندعوه أن يرد المسلمين إلى دينهم رداً جميلاً، وأن تعود الشريعة والأخلاق والعزة للمسلمين، والحمد لله رب العالمين.


أهم المصادر والمراجع

1 ـ الإتحاف بتخريج أحاديث الإشراف على مسائل الخلاف، للقاضي عبد الوهاب بن علي بن نصر البغدادي، المالكي (422هـ): تحقيق: الدكتور بدوي عبد الصمد الطاهر صالح، نشر دار البحوث للدراسات الإسلامية وإحياء التراث، دبي، 1420هـ/1999م.

2 ـ الاستذكار، يوسف بن عبد الله، المعروف بابن عبد البر القرطبـي (463هـ): تحقيق: حسان عبد المنان، والدكتور محمود أحمد القيسية، مؤسسة النداء، أبو ظبي، ط4/ 1423هـ/2003م.

3 ـ الإمام الجويني، إمام الحرمين، الدكتور محمَّد الزحيلي، من سلسلة أعلام المسلمين، رقم 26، دار القلم، دمشق، ط2/ 1412هـ/1992م.

4 ـ الأنساب، سلمة بن مسلم العوتبي (ق 5 هـ) طبع وزارة التراث والثقافة، عُمان، ط2/ 1415هـ/ 1995م.

5 ـ بحوث في الفقه المقارن، الدكتور محمود أبو ليل والدكتور ماجد أبو رخية، نشر جامعة الإمارات العربية المتحدة، العين، 1996/1997م.

6 ـ بحوث مقارنة في الفقه الإسلامي، الدكتور محمَّد فتحي الدريني، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1414هـ/ 1994م.

7 ـ دراسات في الفقه المقارن، الدكتور محمَّد سمارة، دار الثقافة، عمان، الأردن، 2002م.

8 ـ دراسات في الفقه المقارن، الدكتور محمَّد عقلة، مكتبة الرسالة الحديثة، عمان، الأردن، 1983م.

9 ـ صحيح البخاري، محمَّد بن إسماعيل البخاري (256هـ) دار القلم، دمشق، 1400هـ/1980م.

10 ـ صحيح مسلم، مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري (261هـ) مع شرح النووي (676هـ)، المطبعة المصرية، القاهرة، 1349هـ/1930م.

11 ـ الضياء، سلمة بن مسلم العوتبي (ق 5هـ) طبع وزارة التراث القومي والثقافة، عُمان، ط1 خلال سنوات 1411 هـ ـ 1416هـ/ 1990 ـ 1996م.

12 ـ القاضي عبد الوهاب المالكي، سيرته الشخصية العلمية، الدكتور محمَّد الزحيلي، بحث في مجلة الشريعة والقانون، جامعة قطر، 2004م.

13 ـ القواعد الفقهية على المذهب الحنفي والشافعي، الدكتور محمَّد الزحيلي، مجلس النشر العلمي، جامعة الكويت، الكويت، ط2/2004م.

14 ـ القواعد والضوابط الفقهية للمعاملات المالية عند ابن تيمية، عبد السلام إبراهيم محمَّد الحصين، دار التأصيل ـ، القاهرة، 1422هـ/2002م.

15 ـ الكافي في الفقه على مذهب أهل المدينة، أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمَّد بن عبد البر الأندلسي (463هـ): مؤسسة النداء، أبو ظبي، 1424هـ/2004م.

16 ـ كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون، محمَّد علي التهانـوي (1158هـ): تصوير مكتبة كلكتا، الهند ـ، 1862م.

17 ـ مرجع العلوم الإسلامية، الدكتور محمَّد الزحيلي، درا المعرفة، دمشق، 1410هـ/1990م.

18 ـ مسند أحمد، الإمام أحمد بن حنبل (241هـ): تصوير المكتب الإسلامي، دمشق، 1398هـ/1978م.

19 ـ المصباح المنير، أحمد بن علي المقري الفيومي (770هـ) المطبعة الأميرية، القاهرة، ط6/1926م.

20 ـ المعجم الوسيط، إبراهيم أنيس، عبد الحليم منتصر، عطية الصوالحي، محمَّد خلف الله أحمد، دار الأمواج، بيروت، ط2/ 1410هـ/1992م.

21 ـ مفتـاح السعادة ومصباح السيادة في موضوعات العلوم، أحمد بن مصطفى، طـاش كـبرى زاده (968هـ) دار الكتب الحديثة، القاهرة، 1968م.

22 ـ مقدمة ابن خلدون، عبد الرحمن بن محمَّد بن خلدون (808هـ): المكتبة التجارية الكبرى، القاهرة، دون تاريخ.

23 ـ المهذب في الفقه الشافعي، الشيخ أبو إسحاق إبراهيم بن علي بن يوسف، الشيرازي (476هـ): تحقيق: الدكتور محمَّد الزحيلي، دار القلم، دمشق، 1412هـ/1992م.

24 ـ الموسوعة الفقهية، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، الكويت، 1966 ـ 2005م.

25 ـ الوجيز في أصول الفقه الإسلامي، الدكتور محمَّد الزحيلي، دار الخير، دمشق، 1423هـ/2003م.


([1]) عميد كلية الشريعة والدراسات الإسلامية، جامعة الشارقة.

([2]) المصباح المنير، 1/656، القاموس المحيط، 4/289، مادة: فقه.

([3]) سورة طه: 27-28.

([4]) أخرجه البخاري (1/39، رقم: 71) ومسلم (7/128، رقم: 1037).

([5]) هذا تعريف الشافعية للفقه. انظر: نهاية السؤل، 1/23. المستصفى، 1/4، وانظر: فواتح الرحموت، 1/10. التعريفات للجرجاني، ص147. شرح الكوكب المنير، 1/41، 63.

([6]) الوجيز في أصول الفقه، للباحث، 1/18. مرجع العلوم الإسلامية، للباحث، ص362. بحوث مقارنةK 1/15.

([7]) المعجم الوسيط، 2/730، مادة: قرن.

([8]) بحوث في الفقه المقارن، ص13.

([9]) بحوث مقارنة، 1/17-18.

([10]) المعجم الوسيط، 1/533، مادة: ضبط.

([11]) المعجم الوسيط، (1/533)، وعرف كثير من الفقهاء القاعدة بأنها: “الأمر الكلي الذي ينطبق عليه جزئيات كثيرة”، أو “قضية كلية منطبقة على جميع جزئياتها”، أو “حكم كلّي ينطبق على جزئياته ليتعرف أحكامها منها”، أو “القاعدة: هي الضابط الذي تندرج تحته جزئيات المسائل”. انظر: القواعد الفقهية على المذهب الحنفي والشافعي، للباحث، ص18. القواعد والضوابط الفقهية، عبد السلام بن إبراهيم الحصين، (1/58).

([12]) القواعد الفقهية على المذهب الحنفي والشافعي، ص19.

([13]) الأشباه والنظائر في النحو، للسيوطي، 1/7.

([14]) الكليات، لأبي البقاء، 4/48.

([15]) كشف الظنون، 1/472، وانظر: المدخل إلى مذهب أحمد، ص231.

([16]) منهم الإمام فخر الدين الرازي في كتابه “المعالم” وغيره. انظر: مفتاح السعادة، 1/308، 2/599. تأسيس النظر للدبوسي، ص5. كشف الظنون، 1/72. مقدمة ابن خلدون، ص456.

([17])، عدد: طاش كبرى زاده فروع علم أصول الفقه، وهي علم النظر، وعلم المناظرة، وعلم الجدل، وعلم الخلاف (مفتاح السعادة، له 2/598-599).

([18]) مقدمة ابن خلدون، ص456، وانظر: مفتاح السعادة، 1/306، 2/299، تأسيس النظر، ص3، المنخول للغزالي، ص489، وفيات الأعيان لابن خلكان، 2/251.

([19]) الجلاوزة: جمع جلواز، وهو الشرطي الذي يحفظ النظام بالقوة والسطوة، والجلواز أيضاً: الضخم الشجاع، المعجم الوسيط، 1/129.

([20]) هذا الكتاب مطبوع في جزأين كبيرين، مطبعة الإرادة بتونس، ثم طبع حديثاً مع تخريج أحاديثه في أربع مجلدات، ونشرته دار البحوث للدراسات الإسلامية وإحياء التراث بدبي، 1420هـ/ 1999م. بعنوان “الإتحاف بتخريج أحاديث الإشراف على مسائل الخلاف”.

([21]) حقق هذا الكتاب في مطلع القرن الخامس عشر الهجري مرتين، وطبع في أكثر من عشرين جزءاً، منها طبعة دار الفكر بدمشق، 1414هـ/ 1994م في 22 جزءاً.

([22]) طبع المحلى عدَّة طبعات، منها الطبعة المنيرية بالقاهرة 1347هـ في أحد عشر مجلداً، وعملت له الموسوعة الفقهية بدمشق فهرسة بعنوان معجم فقه ابن حزم في مجلدين لترتيب مسائله.

([23]) طبع هذا الكتاب بالمطبعة الجمالية بالقاهرة سنة 1328هـ/1910م في سبع مجلدات، ثم طبع في عشرة مجلدات.

([24]) طبع هذا الكتاب عدة مرات، وكانت طباعته أمنية العلماء والمصلحين والفقهاء، منها طبعة دار المنار بمصر، (ط) 3 سنة 1367هـ في 9 أجزاء، ثم طبعة أمام بمصر في عشرة أجزاء، ثم طبعة مكتبة الجمهورية بمصر في عشرة أجزاء، ثم الطبعة المحققة في الرياض في 15 جزءاً، وانظر: مرجع العلوم الإسلامية، ص557، 749.

([25]) طبع الكتاب أكثر من مرة، منها الطبعة الثانية بدار الفكر، لبنان سنة 1399هـ/1979م.

([26]) أفرد العلماء هذا القسم من الكتاب من القديم وجعلوه في مجلدة مفردة، وعرفت بعنوان “الإفصاح” ثم طبع مرتين في حلب (السورية) الطبعة الثانية 1366هـ/1947م في جزأين متوسطين، ثم نشرته مؤسسة السعيدية بالرياض سنة 1398هـ في جزأين كبيرين مع التحقيق.

([27]) اعتمدت كثير من الكليات والمعاهد والجامعات هذا الكتاب للتدريس في الفقه المقارن، وطبع عدة طبعات في مجلدين، منها الطبعة الثالثة بمطبعة مصطفى البابي الحلبي بمصر سنة 1379هـ/ 1960م، ثم حققه الأستاذ ماجد الحموي، وطبعه في أربعة مجلدات بدار ابن حزم، بيروت، ط1/ 1416هـ-1995م.

([28]) طبع الكتاب بالمطبعة البهية بمصر سنة 1302هـ، في جزأين كبيرين، وعلى هامشها كتاب “رحمة الأمة في اختلاف الأئمة” للشيخ محمد بن عبد الرحمن الدمشقي العثماني، وهذا الكتاب الأخير طبع مستقلاً بالمطبعة الجديدة بدمشق-الطبعة الثانية سنة 1406هـ/ 1986م، ثم حققه أحد المعاصرين لنيل درجة الدكتوراه في الفقه المقارن.

([29]) هذا الكتاب مقرر للتدريس منذ أكثر من خمسين سنة بكلية الشريعة بجامعة الأزهر، ثم قرر للتدريس في، عدد: من كليات الشريعة.

([30]) طبع الكتاب في ثمانية مجلدات كبيرة بدار الفكر بدمشق سنة 1404هـ/ 1984م، ثم أعيد تصويره عدة مرات، ثم ألحق به مجلد في المستجدات الفقهية، ثم طبع أخيراً في 12 مجلداً، وانظر: مرجع العلوم الإسلامية ص560.

([31]) نشرته جامعة الإمارات العربية المتحدة، رقم: 32، سنة 1996/1997م.

([32]) مرجع العلوم الإسلامية، ص556.

([33]) هذا الحديث سبق بيانه.

([34]) هذا الحديث أخرجه البخاري (1/66، رقم: 143) ومسلم (16/37، رقم: 2477) وأحمد (1/266، 314، 328، 335) وروى البخاري حديثاً آخر (اللهم علّمه الكتاب) (صحيح البخاري 1/41، رقم: 75) أي حفظ ألفاظه وفهم معانيه وأحكامه.

([35]) مرجع العلوم الإسلامية ص390، 484.

([36]) مرجع العلوم الإسلامية، ص388.

([37]) مرجع العلوم الإسلامية، ص386 وما بعدها.

([38]) انظر بحث: القاضي عبد الوهاب المالكي البغدادي، للباحث، ص25-27، الاتحاف بتخريج أحاديث الإشراف، مقدمة المحقق 1/5، 97.

([39]) الاستذكار، مقدمة التحقيق 1/10، مرجع العلوم الإسلامية ص263، الكافي، مقدمة المحقق 1/3، 7، 9.

([40]) مرجع العلوم الإسلامية ص584.

([41]) المرجع السابق، ص408.

([42]) مرجع العلوم الإسلامية ص345، 516، الإمام الجويني، للباحث، ص125-128.

([43]) مرجع العلوم الإسلامية ص427.

([44]) مرجع العلوم الإسلامية ص428.

([45]) مرجع العلوم الإسلامية ص429.

([46]) المرجع السابق ص264.

([47]) مرجع العلوم الإسلامية ص583.

([48]) المرجع السابق ص445.

([49]) مرجع العلوم الإسلامية، ص289.

([50]) المرجع السابق ص665.

([51]) مرجع العلوم الإسلامية ص293.

([52]) المرجع السابق ص261.

([53]) مرجع العلوم الإسلامية ص262.

([54]) المرجع السابق ص173.

([55]) المرجع السابق ص665.

([56]) المرجع السابق ص585.

([57]) هذا الحديث أخرجه البخاري (1/3، رقم: 1) ومسلم (13/53، رقم: 1907).

([58]) انظر أسباب اختلاف الفقهاء، وصلتها بعلم أصول الفقه في: دراسة في الفقه المقارن ص16، 27، الوجيز فيه أصول الفقه الإسلامي 1/77 وما بعدها.

([59]) سورة الحشر: 10.

([60]) تهذيب الأسماء، له 2/172، وانظر ترجمته في طبقات الشافعية الكبرى 4/215، وفيات الأعيان 1/9، تبيين كذب المفتري، ص276، البداية والنهاية 12/124، شذرات الذهب 3/349، الأعلام 1/44.

([61]) انظر: مرجع العلوم الإسلامية ص429، 514، 515، المهذب، مقدمة التحقيق 1/13.

([62])كما صرح بذلك في كتاب الأنساب، 1/103.

([63]) هذا الكلام غير دقيق وغير صحيح عند الإباضية وغيرهم من بعض المذاهب الإسلامية الذين لم يغلقوا باب الاجتهاد، وانفتحوا على آراء مخالفيهم على مدى تاريخهم، وكتبهم شاهدة على ذَلِك، وقد يصح هذا الكلام عند بعض المذاهب التي دبّ فيها التعصب والتشدد لآراء أصحابها فانغلقوا على أنفسهم في قرون التحجر والانغلاق، فليتأمل. (المراجع).

([64]) لا يزال هذا الفقه المقارن في جميع الدراسات محصورا – وللأسف إِلَى عهد قريب – بين المذاهب الأربعة فقط دون غيرها من المذاهب الإسلامية الأخرى، إِلاَّ ما نلحظه مؤخرا من اهتمام بعض الجامعات بهذا الانفتاح، وانظر إِلَى ما يؤكّد ذَلِك – مثلا – ما ذكر في الفقرة الآتية. (المراجع).

 

*ندوة تطور العلوم الفقهية في عمان خلال القرن الخامس الهجري “التأليف الموسوعي والفقه المقارن”

أقامتها وزارة الأوقاف والشؤون الدينية بمسقط

يومي 25- 27 محرّم 1426هـ/ 6- 8 مارس 2005م

هذه المقالة تحتوي على تعليقات (3)

3 تعليقات ل “الفقه المقارن وضوابطه وارتباطه بتطور العلوم الفقهية خلال القرن الخامس الهجري”

  1. سيف الريامي says:

    لدي سوال حول القول المعتمد في الفقه الحنبلي لشروط صحة قرأة القران الكريم
    اجركم الله

  2. يونس says:

    نشكركم على هذه الإفادة الجميلة ونتمنى لكم التوفيق والسداد. والله ولي التوفيق

  3. عثمان says:

    جزاكم الله خير الجزاء على هذه الابانة

أكتب تعليقك هنا

نرجو أن تضع المادة أسفله
الإسم
إيميل
موقع
تعليقك