القواعد الفقهية عند الإمام أبي سعيد الكدمي

القواعد الفقهية عند الإمام أبي سعيد الكدمي*

من خلال كتابه “المعتبر”

د. مصطفى صالح باجو

أستاذ بكلية الشريعة والقانون. مسقط.

 

مقدمة:

تتناول الدراسة تعريفاً بالإمام الكدمي وتراثه وخصائص مؤلَّفاته، ومنهجه الأصولي، ثمَّ القواعد الفقهية وتطبيقاتها عند الكدمي، وتتركزَّ على كتاب المعتبر أنموذجاً. وتأخذ القواعد الكبرى المعروفة وما تفرَّع عنها من قواعد جزئية، وتطبيقاتها على المسائل الفقهية.

وذلك وفق العناصر الآتية:

1. قاعدة: الأمور بمقاصدها. وما يتفرَّع عنها:

  • تحوُّل النية في ظروف خاصَّة.
  • التراضي لا بيبح الحرام، وكلُّ شرط يخالفُ أصول الشريعة باطلٌ.
  • الفرق بين العمد والخطإ في الأحكام.

2. قاعدة: اليقين لا يزول بالشكِّ:

  • استصحاب الأصل، والأصلُ بقاء ما كان على ماكان.
  • الطهارة أصلٌ والنجاسة عارضٌ.
  • الحكم في المسائل المشْتبهات.
  • البناءُ على الأحوطِ.
  • اعتماد الأصول أولى من الاحتياط.
  • الاحتياطُ جائزٌ في مواضع السعة.
  • الموازنة بين قاعدتي اليقين والاحتياط.
  • تطبيق مبدإ الاستصحاب في الوَلاية والبراءة.

3. المشقة تجلب التيسير. وما يتفرع عنها:

  • الضرورة تقدَّر بقدرها وتَرتبط بموجِبها.
  • يُغتفر في البقاءِ ما لا يُغتفر في الابتداء.
  • الأصلُ والبدل لا يجتمعان، والبدلُ يقومَ مقام الأصل.

4. قاعدة: لا ضرر ولا ضرار، والضرر يزال:

  • الخطأ والضمان.
  • الموازنة بين الرُّخَص الشرعية عند الضرورة.
  • لا يضيعُ مالٌ في الإسلام.

5. قاعدة: العادة محكّمة:

  • العُرف وأثره على الأحكام.
  • بناء الأحكام على الأسماء.
  • تتغيَّر الأحكام بتغيُّر الأسماء والأحوال.
  • الحكمُ للأغلب من الأحوال.
  • العِبرة للغالب الشائع لا للنادر. والحكم بالنظر إلى الغالب.

6. قواعدُ متفرِّقةٌ:

  • ما لا يتمُّ الواجب إلا به فهو واجبٌ.
  • ما حرُم أخذه حرم إعطاؤه.
  • ما حرُم فعله حرُم طلبه.
  • لا ينبني على الفاسد حكمٌ.
  • التعليل وقياسُ الشَّبه في النجاسات.
  • الشبه لا يستلزم تساويَ الأحكامِ ضرورة.
  • الشهادةُ حجَّةٌ ظاهرةٌ.

الخاتمة.

تعريفٌ بالإمام الكدميّ:

يشكو الدارسون للتراث العماني وتاريخِ أعلامه من نُدرة المعلومات المتوفِّرة حول هؤلاء الرجال، رغمَ ما يُشاع عنهم من إسهامٍ محمود في المسيرة العلمية لهذا البلد المعطاء.

لذلك لا أزعُم الإحاطة بالجوانب التاريخية للإمام الكدمي؛ نظراً لشحِّ المصادر التي كتبت عنه، كعادتها فيما حفظت من شذرات مشتَّتة لا تعطي صورةً وافيةً لهؤلاء العلماء، بيْدَ أنها تُجمِع على أنَّ أبا سعيدٍ الكدمي كان عالماً من مشاهير علماء عُمَانَ.

فهو أبو سعيد محمد بن سعيد بن محمد بن سعيد الناعبيّ الكدميّ. الناعبيّ نسبةً إلى قبيلة النعب من قبائل قُضاعة بن مالك بن حِمْيَرٍ، والكُدميّ نسبةً إلى كُدَم، إحدى قرى منطقة بهلا في عمان، وإن كان موطنه تحديدا بلدة العارض من قرى كُدم([1]). فيها كانت حياته ووفاته.

وتُرجِّح الدراسات أنَّ مولدَه كان أوائلَ القرنِ الرابع الهجريِّ، حوالي سنةَ خمسٍ وثلاثمائة للهجرة([2]). مستشهدة بحادثة تاريخية وهي أنَّ الإمام الكدمي تولّى مهمَّة حراسة السجن للإمام سعيد بن عبد الله بن محمد بن محبوب (تولّى الإمامة سنة 320هـ). وعمرُه آنذاك يناهز الخامسةَ عشرة.

أمَّا دراستُه فكانت بنَـزْوى بيضة الإسلام على شيوخ أجلاءَ، منهم: محمّد بن روح بن عربي الكندي ([3])، ورمشقي بن راشد ([4])، وأبو الحسن محمّد بن الحسن النـزويّ([5]).

وهؤلاء الشيوخُ كانوا كما تصفهم المصادرُ أئمَّةً في الدين، وسادةً للمتَّقين. فهو ينتمي إلى الطبقةِ الخامسة من علماءِ عمانَ.

كان واحداً من كبار علماء عُمَان المحقِّقين، إلى درجة أنَّه إذا أُطلق اسمُ ” أبو سعيد “؛ قُصِد به هو دونَ غيره.

عاصرَ من العلماءِ أبا إبراهيم محمد بن سعيد الإزكوي، وعبد الله بن محمَّد بن أبي المؤثِّر …، وعاصرَ الإمامين العادلين سعيد بن عبد الله القرشيِّ، وراشد بن الوليد الكنديّ السمديّ النزويّ.

وقد ذكر الكدميُّ من عاصَره من الأئمة وهو الإمام سعيد بن عبد الله ([6]) بخيرٍ، وأثنى عليه ثناء حسناً، وحفظ لنا سيرتَه وما جرى في إمامته من أحداث، وذكر حميدَ خصالِه، وأنَّه «كان رحمه الله لرعيَّته هيّنًا رفيقاً، بارًّا بهم شفيقاً، غضيضاً عن عوراتهم، مُقِيلاً لعثراتهم، بعيدَ الغضب عن مُسيئهم، قريبَ الرضى عن محسِنهم، مساوياً في الحقِّ بين شريفهم ودنِيِّهم، وفقيرهم وغنيِّهم، وبعيدِهم وعشيرهِم، مُنـزلاً لهم منازلهم، متفقِّداً لأمورهم وأحوالهم، ومشاوراً لمن هو دونَه…»([7]). إلى آخرِ ما وصف من محامده التي استوجبت رضا الناس بإمامته([8]).

نشأ فقيراً من زخرف الحياة يقتات من نخلة واحدة يأكل تمرها، وكَرمَة واحدةٍ يبيعُ ثمرتَها لما يلزمه من كسوته.

وقد تزوَّج نساءً موسراتٍ رغِبن في علمه وزَهد في مالهنَّ. واغتنى بالقناعة وتفرَّغ للعلم، تحصيلاً، ثم تدريساً وتأليفاً.

وفي هذه المعاني نظم السالميُّ أبياتاً فقال:

أبو سعيـد نخلـة               وكـرمــة     يملك كــان شاكرًا               للنعمــة

منهــا طعامــه ومن             كرمته     ثيابه لا مـن غنـى                زوجتــه

ونظراً لمكانته العلمية فقد تولى الردودَ على الأسئلة التي كانت تردُ إلى الإمام حفص بن راشد في قضايا الإفتاء، وأصبحَ مرجعَ الإمامة في هذا الميدان.([9]).

ولم تحفظ المصادرُ لنا أسماءَ تلامذتِه، إلاَّ ولدَه سعيدَ بنَ محمد([10]). بينما كان معاصرُه ابنُ بركة ميسوراً، ممَّا مكَّنه من إنشاء مدرسة ومسكنٍ آوى إليه طلبةَ العلم وكفاهُم مُؤَنَ الحياة، فتوافدوا إليه من كلِّ البلدان حتى من المغرب الإسلاميِّ([11]).

لقيتْ أقوالُه وكتبُه القَبول والرضى من جمهرة الأئمَّة وجمهورِ الأمَّة. وهو المرجعُ في الفتوى والأحكامِ عند الإباضية، ممَّا جعلَ العلماءَ في عُمَان يطلقون عليه: “إمام المذهب “.

تراث الكدمي وشخصيته العلمية:

أمَّا تراثُ الكدمي الخالدِ فهو ما خطَّته يمينُه من مؤلَّفات تجلَّت فيها مكانتُه العلمية ورئاستُه لأهل الاجتهاد، حتى عُدَّ إمامَ المذهب، واصطلح الإمام السالمي على تسميته “الإمام” في كتابه مشارق أنوار العقول ([12]).

ونشيرُ إلى أبرز مؤلَّفاته التي تُعَدُّ مرآةَ فكره، وشاهداً على منـزلته العلمية ومنهجه في الفتوى والتأليف.

كما تنمُّ هذه المؤلَّفات عن شخصيةٍ موسوعيةٍ كتبتْ في مجالاتٍ العقيدةِ والفقهِ والتاريخِ، بأسلوبٍ متميِّز سِمَتُه الدقَّة والتأصيل، والموضوعيَّة والإنصاف، والتزامُ الحقيقة العلمية والاستنادِ إلى الدليل.

ويصفُ الشيخُ أحمد السيابي فكرَ الكدمي بالشمولية والسعة، «فهو العقديُّ المتكلِّم، والأصوليُّ، والفقيهُ، والمؤرِّخُ، والناظمُ للشعر، تدلُّ لذلك مؤلَّفاته القيِّمة المفيدة»([13]).

وتتجلَّى هذه الحقيقة في كتبه المحفوظة: الاستقامة، والمعتبَر، والجامعُ المفيد، والزيادة على كتاب الإشراف للنيسابوري.

ويقول الشيخ أحمد الخليلي إنه «كمَا كانَ عالما جليلاً وكان شجاعاً مِقداماً، وبذلك كانت آراؤه تتَّفق مع شجاعتِه، ومما يُروى عنه قوله: “من تشجَّع بعلمه كمن تورَّع به”. وهو بعيدٌ كلَّ البعد عن التنطُّع والجبن، وقد قال بنفسه: ليس العالمُ من حمل الناس على ورعه، وإنما العالم من أفتى الناس بما يسعُهم في الدين»([14]).

مؤلَّفات الكدمي:

كتاب الاستقامة:

عاصر الكدميُّ الفتنةَ التي ثارت بعمان بسبب عَزل موسى بن موسى للإمامِ الصلت بن مالك، وتوليته راشد بن النضر ([15])، وما نجم عن هذا السطو والانقلاب من جدَلٍ حادٍّ بين العلماء، بين واقفٍ ومتولٍّ ومتبرئٍّ من موسى وراشد، لخروجهما على إمامٍ شرعي. فذهبت المدرسة الرستاقية بزعامة ابن بركة إلى التشديد والبراءة من موسى وراشد، وتولى الكدميُّ الردَّ على المدرسة الرستاقية، وتبنّى موقف الاعتدال بالوقوف وعدمِ البراءة. وكتبَ في ذلك كتابه الشهير “الاستقامة في الولاية والبراءة والإمامة”، أصّل فيه لقضية الولاية والبراءة وموجباتهما وشرائطهما، وفصَّل أحكامهما وحلَّلها تحليلاً دقيقاً، كما يُعتبر هذا الكتاب فلسفةً لنظام الحكم وشرعيته في الإسلام، بما جعله معتمَد كلِّ الكتابات الإباضية اللاحقة في هذا الميدان.

وقد أشار بنفسه إلى سبب تأليف كتاب الاستقامة، بقوله: «فإنه لما امتُحن الضعفاء من المسلمين لفَقْد علمائهم في الدين، عظُمت عند ذلك المحنَةُ، وانفَتحتْ عليهم أبوابُ الفتنة، وانطلقتْ عليهم ألسنةٌ كانت محجوزةً، وظهرت ضغائنُ كانت مستورةً،… وكثُر المدّعون للعلم بعد أن كان العلم قليلاً،… غير أنَّا نُكَنِّي عن ذكر كثيرٍ من تلك الأسباب التي يكثر بذكرها الخطاب، ويطول بوصفها الكتاب، ويورث بيننا الإحن والأعتاب، ولا يبلغ بنا إلى فائدة ولا شفاء»([16]).

فقد بيّن سبب وضْعِ الكتاب والظروفَ المحيطةِ به، والغايةَ منه، وهو رَأْبُ الصدع وإطفاءُ الفتنة التي عمَّ بها الابتلاء، وتلك هي الفائدة والشفاء.

ويصف الشيخ أحمد الخليلي حال الناس إثر خلع الإمام الصلت بن مالك، إذ تأجَّجت فتنةٌ عمياءُ، «فنتج عن ذلك اختلافُ الآراء وكثرة التعصبات والغلوُّ بإعطاء القضية فوقَ ما تستحقُّ، وقد ضاق ضعفاءُ العلم ذرعاً من ذلك، ولم يدروا أيّ مسلك يسلكونَ، وبمن يقتدون حتى انبرى الإمامُ أبو سعيد فجلّى الموضوع أتمّ تجلية، وشرحه أوسعَ شرحٍ، في كتاب خصَّصه لذلك وهو كتاب “الاستقامة” الذي شرحَ فيه أحكامَ الولاية والبراءة وفصّل ما أَجْمَلَهُ مَنْ قَبلَه من العلماء، فأزاح ستارَ اللُّبس عن الحقيقة، فكان جديراً بأن يكون لمن بعد إماماً»([17]).

وإلى جانب الأهمية العقدية للكتاب؛ فإنه يعدُّ مصدراً تاريخيا هامّاً لتلك الحقبة التي عاشتها عُمان، وما توالى فيها من أحداث تتعلَّق بالجانب السياسي والديني والاجتماعي، وهو منبعٌ ثريٌّ لدراسة لتلك الفترة الحسَّاسة التي تركت بصماتها بارزةً في التراث العلميِّ لعلماء عمان حتى القرنِ العشرين.

كتاب المعتبر:

يُذكَر أنَّ هذا الكتابَ كان شرحاً لجامع ابن جعفر الأزكوي، وهذا الجامعُ من كتب الفقه المعتمَدة في الفتوى والقضاء بعمان، تعقَّبه الإمام الكدمي بالإيضاح فكان حجم “المعتبر” تسعَ مجلَّدات، ولكنها فقدت ولم يَنجُ منها سوى جزأين، طُبعا في أربعة أجزاء، ويشهد لهذا القول مضمونُ الكتاب؛ إذ تناولَ الجزءان الأوَّلان منه قضايا العقيدة كالولاية والبراءة، بإسهاب، نظراً لحضورها القويِّ على الساحة الفكرية في عصر الكدمي، ثم بدء في الجزء الثالث في الطهارات بدءاً بأحكام الحيض، والاستحاضة، والاستنجاء، وأسآر الحيوانات، وحكم طهارتها، وختَمه بالوضوء وأحكامه، وهو ما اتَّصل تناوُلُه في الجزء الرابع مع مسائل الاغتسال من الجنابة، وأحكام الجنب، والحائض، ثمَّ شرَع في موضوع الصلاة في آخر الكتاب وانقطع.

ولو حُفظ الكتاب كاملاً؛ لكان ذخيرةً فقهية ثرية لما تضمَّنه من تخريجات وتفصيل لمسائل عديدة لا يزال كثير منها مما تمَسُّ الحاجةُ إليه اليوم في واقعنا المعاصر من النوازل التي تحدث للمكلفين في شؤون الطهارات والعبادات. ولا ريب أنَّ المنهج نفسه يشمل أبواب المعاملات، والأنكحة، والجنايات، والعقوبات.

كتاب زيادات الإشراف:

لا يزال هذا الكتاب مخطوطاً، وهو زياداتٌ على كتاب الإشراف على مسائل الخلاف لأبي بكر بن المنذر النيسابوري الشافعي. أضاف إليه آراء فقهاء الإباضية في المسائل الفقهية المعروضة([18]).

يقول الشيخ السالمي: «كتاب زيادات الإشراف لأبي سعيد أيضا، وذلك أنه تعقّب كتاب الإشراف لأبي بكر محمد بن إبراهيم المشهور بابن المنذر النيسابوري المتوفى في سنة 317هـ، جمع فيه مذاهب الأمَّة، وتعقَّبه أبو سعيد في كلِّ مسألةٍ ذكرها، فصحّح وضعّف، وقرّب وبعَّد»([19]). واستفادَ منه الشيخ محمد بن إبراهيم الكندي في فصولٍ طويلةٍ من كتابه “المصنف”. ويذكر الشيخ أحمد بن سعود السيابي أنَّ صاحبَ المصنف نقل معظم هذا الكتاب([20]). فيكادُ يكون نسخةً ثانية من أصله المخطوط.

الجامع المفيد من أحكام أبي سعيد:

وللكدمي فتاوى عديدة في مختلف أبواب الفقه الإسلامي جُمعت في كتاب كبير بعنوان “الجامع المفيد من أحكام أبي سعيد”، وقد طَبعتْهُ وزارةُ التراث القوميِّ والثقافةِ بعُمان في أربع مجلَّدات. تصور منهجه في الاجتهاد وأسلوبه في حلِّ المشكلات التي تواجه الناس في حياتهم العملية، وفي هذه الفتاوى صورةٌ عن الكدمي الذي عايش همومَ الناس ونزل إلى واقعهم مرشداً وموجهاً، يبصِّر الناسَ بأحكام دينهم حتى يعبدوا الله عن علمٍ وبصيرة، كما أنَّ فيها صورةً عن المجتمع وما كان يشغله من قضايا ومشكلات، وهي مصدرٌ وثيقٌ لمن أراد دراسةَ الحياة الاجتماعية في عصر الإمام الكدميِّ.

التاريخ والشعر:

يُذْكر لأبي سعيد الكدمي كتابٌ في التاريخ يدعى “التاريخيات”، لكن لم تحفظهُ الأيامُ، ولا يمكن الحديثُ عنه لمجرَّد عنوانه.

كما حفِظت لنا المصادرُ من شعر الكدميِّ نونيته التي صاغ فيها أحداثَ عصره، وهي صورةٌ تاريخيةٌ أيضا لتلك الوقائع الهامَّة، ورؤيةٌ شخصية لها بمنظور الإمام أبي سعيد.

كما توجد منظومةٌ كتبها جواباً لوالده سعيد.([21]).

خصائص الكدميِّ في تآليفه:

اعتمادُ الدليل:

يتجلَّى ذلك في بناءِ اجتهاداته على مقتضيات أدلَّة الشريعة، وعدمِ تقديس الرجال رغم تقديرهم والاستئناس بآرائهم. ومن ذلك قوله: «وقولُنا قول المسلمين، وإنما نراعي مذاهبهم ونَرِدُ مشاربهم، وبالله التوفيق. ويُنظَر في هذا ولا يؤخذ من قولنا إلا بما وافق الحقَّ والصواب» ([22]).

وفي معرض الحديث عن نجاسة ميتة الحيوان الذي لا دمَ فيه واستناد بعض الفقهاء في ذلك إلى الذوق والعرف، قال: «وعندي أنَّ ما شابه المحرَّمة من الهوام مثل الحيات والأماحي وما أشبهها؛ لأنَّه تأكُل اللحم وتعدو كالسباع، وما شابه الحلال؛ فهو منه، مثل: الحشرات التي تستخبثها النفوس. وموضع الشبه إنما هو في الأكثرِ في مأكَلِها، والدليلُ على ذلك القول قوله تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾([23]). وعندنا أنَّ الحرام ما حرَّمه الشرع، وليس بالنظر إلى استقذاره» ([24]).

الاستقلال الفكري والتواضع:

يتميَّزُ الكدميُّ باستقلاله الفكريِّ مع التواضع في عرض آرائه، ومن ذلك اعتمادُه عبارة: “ومعي”، وأحياناً يقول: “وعندي”، أو: “وفيما معي”، أو: “وفيما عندي”. وهي عباراتٌ دالَّةٌ على استقلالية في الفكر، وتواضعٍ في الموقف، وإعمالٍ للرأي في فهم الأدلة والنصوص، أو آراءِ الفقهاء السابقين.

الأدبُ مع المخالِف واحتمالُ العذر له:

لقد كانَ الكدميُّ رئيسَ المدرسة النـزوانية المعتدلة في موقفها من موسى بن موسى وراشد بن النضر. عند عزلهم الصلت بن مالك، فلم يتبرأ من موسى وراشد، بل احتملَ لهمَا عذراً، خلافاً لموقف ابن بركة المتشدِّد الذي اعتبر القضية ديناً، وألزمَ الناس فيها باعتقاد البراءة. وهو تضييقٌ لأمرٍ كانت للناس فيه سَعةٌ.

اعتمادُه العدل من الأقوال والآراء:

«ولا يعتمدُ قول قومنا ولا يقبل منه إلا ما وافق العدل، ولا فرق بين قول القائلين من الجميع. فمن وافق قولَه العدل فهو العدل، وإياه نعتمد وبه نأخذ، وإليه نستند، ومن خالف قوله العدل فلا يجوز قبول غير العدل فيه،… ولا نقول إنَّ أحداً من المسلمين من العلماء المهتدين يقول في الدين بغير ما وافقَ العدل، ولا ما يخالف العدل، إلاَّ أنْ يكونَ منه ذلك على وجه الغَلط أو زلَّة يتوبُ منها تحريف([25]) معنى ما قيل عنه ممَّن نقل عنه ذلك. أو في الأثر الذي جاء عنه في ذلك.

وقد يكونُ من علماءِ قومنَا الصحيح من القول، وما يوافقون فيه أصحابنا في معنى الدين والرأي.

ولا يردُّ على أحدٍ من الخليقة شيئا [كذا] من العدل، ولا يجوزُ ذلك ولا يُقبل من أحد من الخليقة ما يخالف العدل، ولا يجوز ذلك من الدين فيما يجوز أحكامه أحكام البدع وبتحليل الحرام وتحريم الحلال، وما يكون حكمه حكمَ الدعاوى. فكلُّ ذلك غيرُ جائزٍ قَبول الباطل منه، ولا ردّ حقّ مما يخالف حكم العدل بعلم بباطل ذلك أو بجهل»([26]).

منهج الكدمي الأصولي:

كما يؤكِّد الشيخ أحمد الخليلي أنَّ الكدميَّ كان في ما دوَّنه من الفقه يدورُ مع الدليل، عميق النظر دقيق الفكر، يرجع إلى الأصول المجمَع عليها، وإلى جانبٍ من الأصول المختلف فيها كالقياس، والاستحسان، والمصالح المرسلة، واستصحاب الأصل ([27]). وإن لم يكن شغوفاً بالمصطلحاتِ التي درَج عليها علماء الأصول.

وكان يَعتمدُ القرآنَ بالدرجة الأولى في اجتهاداته، ثمَّ السنةَ النبويةَ لا يتجاوزُهما إلى آراءِ الرجال ولو كانت آراء جمهور العلماء، ومن ذلك رأيُه في من دخلَ المسجدَ والإمامُ يخطب للجمعة، فقد اعتمد السنة الصحيحة في ذلك وأنّ عليه أنْ يركع ركعتين، وأن لا مَعْدِلَ عن سنَّة النبيِّ إلى قول غيره من الناس.

ويتَّجه إلى القرآن يستنبط منه الحكم ويرجِّح به عند اختلاف الآراء، فقد قال بلزوم الغسل من الجنابة للمرأة، سواء كانت جنابتها في يقظة أو منام؛ لثبوت اسم الجنابة عليها، ولدلالة النص القرآني: ﴿فَلْيَنْظُرِ الإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ () خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ () يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾([28]). وفي آية أخرى قال: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً﴾([29]). وفسَّر الأمشاج بالمختلط، «وهو في معنى اختلاط نطفة الرجل ونطفة المرأة، وهما الأبوان، وقد سمَّاه الله كلَّه خَلْقَهُ، وسمّاه الله كلَّه ماءً دافقاً… ولما أَطلق اسمَ الجنابة بهذا المعنى كان كلاهما جُنباً، بهذا المعنى المتّفَق عليه، وهو متَّفق في الاسم والمعنى من الرجل والمرأة على سواء» ([30]).

كما يرى وجوبَ صلاة الجماعة على الأعيان، وأنها ليست فرضاً كفائيّاً كما يذهبُ إليه جمهور العلماء، واستدلُّ بقوله e: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِحَطَبٍ فَيُحْطَبَ ثُمَّ آمُرَ بِالصَّلاَةِ فَيُؤَذَّنَ لَهَا ثُمَّ آمُرَ رَجُلاً فَيَؤُمَّ النَّاسَ ثُمَّ أُخَالِفَ إِلَى رِجَالٍ فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ» ([31]). وقال بأنَّ هذا التهديد دليلٌ على وجوب الجماعة على الأفراد، وأنَّ إقامة النبي لها مع أصحابه لم يكن رافعاً للوجوب عنهم، رغم قلَّة المتخلِّفين عنها على عهد رسول الله e.

كما عُني بدليل القياس واعتمده في ترجيح بعض الاجتهادات، كقوله بوجوب غسلٍ واحدٍ على المرأة التي اجتمع عليها أكثر من حدثٍ؛ قياساً على وجوب غسلٍ واحدٍ على من تعدَّدت جنابته، وعلى الإجماع أنَّ الوضوءَ يرفعُ كلَّ الأحداث التي سبقته، مهما تعدَّدت وتنوَّعت ([32]).

وفي موضعٍ آخرَ ينصُّ الكدميُّ على التمييز بين الفرائض المختلِفة، فمن وَجب عليه الوضوءُ لا يجزيه عنه الاغتسالُ للجنابة «ولو اعتقد الوضوءَ في الغسل لم يجزِئْه، وعليه أن يتوضَّأ على الانفراد؛ لأنَّ الفريضة لا تدخل في الفريضة، على بعض ما قيل، وذلك على قول من يقول: عن غسل الحيض لا يدخل في غسل الجنابة، وأنَّ عليها غسلين، غسلٌ للجنابة وغسلٌ للحيض» ([33]).

ويذكر الشيخ الخليلي أنَّ الكدميَّ يرى الاستدلالَ بالأصل المختلَف فيه، خلافا لابن بركة الذي يقول: «إنَّ القياس لا يكون إلا على أصل متّفَق عليه».

كما أنَّ له اجتهاداتٍ قامت على القياس الخفيِّ في مسائل عديدة.([34]).

كما كان يُعنى كثيراً بوزن الاستدلالات عندما يستدلُّ بالقواعد الأصولية المتعارَف عليها. من مثل تقديم الآيات ذات الدلالة القطعية على ذات الدلالة الظنية، ويقدِّم الخاصَّ على العامِّ، ودخول النساء في عموم خطابات القرآن الواردة بصيغة الذكور، كخطاب المؤمنين وأشباه ذلك إلاَّ ما قام الدليل على اختصاصه بالرجال، كما قد تختصُّ النساء بخطابٍ لا يَدخل فيه الرجال. ومن توظيف هذه القاعدة لزوم غسل الجنابة للرجال والنساء، لورود الآية مصدَّرةً بلفظ “الذين آمنوا” في قول الحقِّ تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا﴾([35]). «أنَّ الخطاب عامٌّ يشمَل الرجال كما يشمل النساء؛ ولأنَّ خطاب الشارع الذي يُلزِم الرجالَ بأمرٍ من أمور الشريعة يلزمهنَّ أيضا، ما لم يَردْ دليلٌ على خصوصيته للرجال دون النساء» ([36]). وضرب لذلكَ أمثلةً من آي القرآن ([37]).

ويرى أنَّ الأمر بالشيء نهيٌ عن ضدِّه، ففي باب الاستبراء قال: «إذا كان الاستبراء مأموراً به، ولأنَّه من الأمور المطلوبة لاستكمال الطهارة، فيكونُ عدمُ الاستبراء منهيّاً عنه؛ لأنَّ الأمر بالشيء نهيٌ عن ضدِّه»([38]).

وفي باب الأدلَّة الاجتهادية نجد الكدمي يُعنى عنايةً واضحةً بالمصالح المرسلة، وبقاعدة الاستصحاب عنايةً بالغة، وتجلَّت في كثير من آرائه الفقهية، التي تُعدُّ في الحقيقة قاعدةً فقهية أكثر منها قاعدةً أصولية. وسنعرض لبعض نماذجها التطبيقية قريبا.

تخريجات الكدمي:

هذا عن منهجه الأصولي، أمَّا تخريجاته الفقهية فيقول عنها الشيخ أحمد السيابي: «وقد اعتُبرت تخريجاته من حلقات تطوُّر التشريع الإسلامي الإباضي، وتلك التخريجات هي من باب تخريج الفروع على الفروع، فهو بعد أن يذكرَ آراءَ السابقين؛ يظهَر له من ذلك رأيٌ آخر، وذلك معنى التخريج عند أبي سعيد… ويدخل هذا في مسألةُ جوازِ إحداث قول ثالث بعد الاختلافِ فيها على قولين»([39]). وهي مسألةٌ أصوليةٌ خلافيةٌ.

وقد قام جدلٌ طويلٌ بين الأصوليين حولَ هذه القضية، بناءً على أنَّ اختلافَ السابقين على قولين مانعٌ من إحداث قول ثالث، وهو رأيٌ غير سديد؛ لأنَّ حجيَّة الإجماعِ قائمةٌ في حال الاتّفاق، أمَّا الاختلافُ فلا يَحملُ دلالةً ملزِمة تمنع اللاحقين من إحداث قولٍ آخر، بل إنَّ هذا الاختلافَ مسوِّغٌ لإحداث هذا القول لا مانعٌ منه.

ولذا فإنَّ الراجح جوازُ ذلك؛ لأنَّ الخلافَ الأوَّلَ ليس إجماعاً على منع إحداث قولٍ ثالث، ولا يَحمِل مفهومَ الإجماعِ ولا حجيّتَه([40]).

القواعد الفقهية عند الكدمي:

بعد إيضاح منهج الكدمي الأصولي وتخريجاته الفقهية، نعرجُ على القواعد الفقهية وتطبيقاتِها، وهو المجالُ الرئيسُ لهذا البحث. ومن المناسِب أن نمهِّد له ببيان موجَز لمفهوم هذه القواعد وأهميتها، ولمحةٍ عن تطوُّرها؛ حتى يتجلَّى دورُ الإمام الكدميِّ في هذا الميدان، وتكتَمِل صورةُ هذا الإسهام في الأذهان.

القواعد الفقهية، مفهومها، وأهميتها، وتطوُّرها:

القاعدة في الاصطلاح: «قضيَّةٌ كلية منطبِقَةٌ على جميع جزئيَّاتها»([41]). أو هي: «قضيَّةٌ كليةٌ من حيث اشتمالُها بالقوَّة على أحكام جزئيات موضوعها»([42]).

والقواعدُ الفقهيةُ هي قضايا كليةٌ منسوبةٌ إلى الفقه؛ لتناوُلها أحكاماً فقهيةً، بَيْدَ أنَّ هذه القواعدَ الفقهيةَ لم تكُن محلَّ اتِّفاقٍ في تعريفها رُغم وضوح معناها، ونكتفي بتعريفين لها:

أوّلها أنها: «حكم أغلبيٌّ ينطبق على معظم جزئياته»([43]).

وعرّفها الشيخ مصطفى الزرقاء بأنها: «أصولٌ فقهيةٌ كليةٌ في نصوص موجَزة دستوريةٍ، تتضمَّن أحكاماً تشريعية عامَّة في الحوادث التي تدخل تحت موضوعها» ([44]).

فمِيزتها إيجازُ عبارتها وغزارةُ دلالتِها، إذ تشملُ أحكاماً كثيرةً قد تتوزَّعها أبوابٌ فقهية عديدة. وقد تُصاغ في كلمتين أو ثلاث، من مثل قاعدة: “الضرر يُزال”، وقاعدة: “الأمورُ بمقاصدها”.

والملاحَظ أنَّ هذه القواعدَ ليست مطلَقةً، بل تَرِدُ عليها الاستثناءات؛ ولذلك اعتُبرت قواعدَ أغلبيةً، إذ يُعدَل عنها حين تقتضي المصلحة وتحقيقُ العدالة هذا العُدولَ، ونظيرُ ذلك ما يقتضيه الاستحسانُ الذي يخالِف الأصولَ أوالقياسَ.

وأهميَّة القواعدِ تتجلَّى في كونها تُصوِّر المبادئ الفقهيةَ وتَكشف عن مسالكها، وتَضبِط فروعَ الفقهِ الكثيرةِ بضوابطَ وتجعلُها صالحةً للحفظ، وميسورةً للتطبيق، وهي بعدَ ذلك موجِّهٌ لعمل الفقيه والقاضي في معالجة النوازل المتعدِّدة في حياة الناس.

يقول الشيخ مصطفى الزرقاء: «ولولاَ هذه القواعدُ لبقيت الأحكامُ الفقهية فروعاً مشتَّتةً، قد تتعارضُ ظواهرُها دون أصولٍ تمسك بها في الأفكار، وتُبرز فيها العللُ الجامعة، وتُعين اتجاهاتها التشريعية، وتمهِّد بينها طرقَ المقايَسة والمجانَسة» ([45]).

ولكن لا يمكن الاعتمادُ على هذه القواعدِ مجرَّدةً دون مراعاةِ ما يردُ عليها من استثناءات، فإنها أحكامٌ أغلبيةٌ كما سَلَفَت الإشارةُ؛ ولذلك تقرّر أنه: «لا يجوزُ الفتوى بما تقتضيه القواعد والضوابط؛ لأنها ليست كليَّةً بل أغلبيّةً» ([46]).

وجاء في شرح مجلَّة الأحكام العدلية: «فحكَّام الشرع ما لم يقفوا على نقل صريح؛ لا يحكُمون بمجرَّد الاستنادِ إلى قاعدةٍ واحدةٍ من هذه القواعد» ([47]).

وباستثناء بعض القواعد التي أساسُها نصوصُ الوحي وأصولُ التشريع؛ فإنَّه لا يصحُّ الاستنادُ إلى هذه القواعد دونَ النظرِ إلى ما يتناولُ القضيةَ أو المسألةَ من نصوصٍ أو أدلَّة أخرى. ولذلك كانت هذه القواعدُ دساتيرَ للفقهاء لا نصوصاً للقضاء ([48]).

ولم تُوضَع هذه القواعدُ جملةً واحدةً، بل تنامتْ الكتاباتُ فيها عَبْرَ مسيرةِ الفقهِ الإسلاميِّ، وبخاصَّةٍ في عصور الازدهار، ونهضتْ على أيدي كبار فقهاء المذاهب من أهل التخريج والترجيح، استنباطاً من دلالات النصوص التشريعية العامَّة، ومبادئِ أصول الفقه، وعَلَلِ الأحكام، والمقرَّرات العقلية ([49]).

ولا يُعرف بالتحديد تاريخُ كلُّ قاعدةٍ بعينها ومَنْ وَضعها، سوى ما كان منها نصُّ حديثٍ نبويٍّ، كقوله e: «لاَ ضَرَرَ وَلاَ ضِرَارَ »([50]). وأغلبُ القواعد يجري استحسانُ عباراتها من قِبَل الفقهاء، بعد أن تمرَّ عبرَ مراحلِ التداول والصقلِ والتحوير، ثمَّ تُعتمَد قاعدةً وتدوّن، وقد شُرع في جمع هذه القواعد في مؤلَّفات مستقلَّةٍ في مرحلَة لاحقةٍ، بعد أن كانت متناثرةً في مدوَّنات فقه المذاهب المختلِفة. وإن حازَ الفقهُ الحنفيُّ قَصَبَ السبق في تدوينها وتحريرها، وتبادلَ الفقهاءُ الاستفادة منها بعد ذلك ([51]). وإن كان أقدمَ ما وصل من تلك المدوَّنات رسالةُ أبي الحسن الكرخيِّ الحنفيِّ، (المتوفى سنة 340هـ). وتطوَّرت مؤلَّفات القواعد، وبخاصَّة في القرن السابع، فكان كتاب: “قواعد الأحكام في مصالح الأنام” للعزّ بن عبد السلام (المتوفى سنة 660هـ) و: “الفروق” لشهاب الدين القرافي (المتوفى سنة 684هـ).

ثمَّ بلغت حركةُ التأليف ذروتها في القرنين الثامن والتاسع الهجريين. فرأينا كتب: “الأشباه والنظائر” لتاج الدين السبكي (توفي سنة 771هـ)، وجلال الدين السيوطي (توفي سنة 911هـ)([52]).

ولقد أسهم علماءُ الإسلام من مختلف المدارس الفقهية في إثراء القواعد الفقهية تدويناً، وتحريراً، وشرحاً، وتنقيحاً. بيْدَ أنَّ نصيبَ الإباضية منه كان شيئاً يسيراً، وإسهامهم فيه كان مغموراً، مقارنةً بالموسوعات الفقهية العديدة التي دوَّنوها، إذ لم نعثُر – حسبَ اطِّلاعنا – على مؤلَّف مستقِلٍّ في القواعد عندهم.

وإنْ أولى ابنُ بركةَ الموضوعَ عنايةً من خلال تأصيله للمسائل الفقهية في كتابه الرائع: “الجامع”، ولم يدرِك شأوَه اللاحقون في المشرق، كما وجدنا الاهتمامَ نفسَه لدى علاَّمة جبل نفوسةَ الشيخ عامر الشماخي في كتابه: “الإيضاح”، وبلغ توظيفُ هذه القواعدِ درجةً عاليةً لدى الشيخ عبد العزيز الثميني في كتابه: “النيل”، وواصلَ المسيرةَ قطبُ الأئمَّة امحمَّد اطفيش في موسوعته: “شرح النيل”، كما أوردَ الإمامُ السالمي القواعدَ الفقهيةَ الخمسَ الكبرى في: “شرح طلعة الشمس”، وذكَر بأنها أساسُ الفقه لدى المدرسة الإباضية؛ حيثَُ قال:

أمَّـا اليقينُ فــهْوَ            لا يُزيـلُهُ               إلاَّ يـقينٌ مثــلُه                 حصولُــهُ

وإنمـا الأمـور              بالمقاصـــدِ               والضرُّ مـرفـوعٌ               بلا معـانِـدِ

ويُجلَب التيسيـرُ            بالمشـــقَّةِ               إذ ليس في الدين        عـذاب الأمّـةِ

وإنَّ للعادة حكمــاً           فعلَـى               ما قد ذكرتُ أسَّس    الفقهَ الأُلى([53])

أمَّا تقسيماتُ هذه القواعد؛ فقد تنوَّعت فيها مناهجُ المؤلِّفين، واشتهرَ منها تقسيمُها إلى القواعدِ الخمسِ الكبرى المذكورة، وتتفرَّع عنها قواعدُ جزئيةٌ عديدةٌ. كما قسَّمها الشاطبيُّ إلى محورين رئيسين، أوَّلهما قواعدُ فقهيةٌ، والثاني يتناولُ قواعدَ المقاصد.

وتندرِج هذه القواعدُ تحتَ أقسامٍ أساسيةٍ هي:

1-  قواعدُ تتعلَّق بالمصلحة والمفسدة بدرجاتها الثلاث: الضروريَّة، والحاجيَّة، والتحسينيَّة.

2-  وقواعدُ تتعلَّق برفع الحرج.

3-  وقواعدُ تتعلَّق بمآلات الأفعال، ومقاصدِ المكلَّفين.

4-  وقواعدُ تتعلَّق بمنع الضرَر وإزالتِه عند وقوعه.

وسوفَ نحاول استجماعَ الأمثلة التطبيقيَّة التي تضمَّنها كتابُ المعتبر حسب التصنيف الأوَّل قدْرَ الإمكان، وهو إيرادُ القاعدةِ الكبرى، ثمَّ ما ينضوي تحتها أو يقرُب منها. وهذا التصنيفُ اجتهادٌ شخصي قابلٌ للإثراء والتصويب.

تطبيقات القواعد عند الكدميّ:

لئن ثَبت ورودُ بعض القواعد على لسان رسول الله e لِمَا آتاهُ الله من جوامع الكلم، من مثل قوله: «لا ضرر ولا ضرار»([54]). وقوله: «البيِّنَة على المدَّعي واليمينُ على المنكر»([55])؛ فإنَّ من المقرَّر تاريخيّاً تأخُّرَ تدوينِ القواعد الفقهية باعتبارِها صياغةً فنيَّةً دقيقةً لأحكامٍ أو مبادئَ فقهيةٍ جامعةٍ؛ ولذلك وجدنا الكدميَّ يتناولُ مفهومَ هذه القواعدِ في تطبيقاته الفقهيَّة من كتابه المعتبر بصفةٍ أساسيةٍ؛ لأنَّه المجالُ الفقهيُّ الوحيدُ الذي يُعتبر تأليفاً مستقلاًّ له، أمَّا زياداته على كتاب الأشراف فهو عملٌ متمِّمٌ، وإن كان ذلك لا يقلِّل من أهميته العلمية.

وتَرِدُ نصوصُ بعضِ هذه القواعد عرضاً أثناءَ تحليلِ الكدميِّ للمسائل الفقهية التي تناولها في: “المعتبر”؛ ولذلك كان استقراءُ مؤلَّفاته خُطوةً ضرورية لرصْد هذه القواعد في خبايا تلك المؤلَّفات.

ولا يخفى على القارئ الحسُّ الفقهيُّ التقعيديُّ عند الكدميِّ في كتابه: “المعتبر”؛ لما تضمَّنته تحليلاتُه من مَسْحَةٍ تأصيليَّةٍ للأحكام، إمّا بالرجوع إلى أدلَّتها النصيَّة، أو إلى قواعِدها الفقهية يوردُها بنصِّها أحياناً، وبمعناها غالباً.

وقد استطعتُ على عجلٍ رصدَ بعضِ هذه القواعد في جانبها التطبيقيّ، أَعْرِض معالمها في الفقرات الآتية:

القاعدة الأولى: الأمور بمقاصدها ([56]).

وهذه تتصدَّر القواعدَ الخمسَ الكبرى، وتُعتبر أصلاً لكثير من القواعد الفرعية المتَّصلة بخاصَّةٍ بالمقاصد، بل هي أمُّ قواعِد المقاصد في الشريعة الإسلامية، وأساسُها الحديث النبوي الشريف: «إنما الأعمال بالنيات»([57]). وهو حديثٌ جليلُ القدر، عظيمُ الأثر في كلِّ أفعال المكلَّفين([58])؛ لأنَّ النية تميِّزُ العبادةَ عن العادة، وتميُّز بين درجاتِ العبادة من فرضٍ، وسُنَّة، ونافلة، فتختلف أحكامُ التصرفات بناءً على المقاصد والنيَّات، وإن اتَّفقتْ في المظاهر والتجلِّيات.

وقد تجلَّى توظيفُ الكدميِّ لهذه القاعدة في مسائل عديدةٍ، نقتصر على نماذج لهذه المسائل:

تحديد نيَّة الاغتسال للجنابة:

وتحديدُ نيةِ الاغتسال أمرٌ ضرويٌّ لإجزائه وصحَّة صلاةِ صاحبه، فمنْ أصابته جنابةٌ بالليل ولم يَعلم بها حتى أصبحَ، فقام فاغتسل من حرٍّ أراد أن به أن يتبرّد، أو غيرِ ذلك من أسبابٍ أخرى، ولم ينوِ بذلك الغُسلَ من الجنابة، ولم يَعلم بها حتى اغتسلَ، ثمَّ صلَّى صلاةَ الفجرِ، فلمَّا كان النهارُ علمَ بها. فهذَا لا يجزِئُه غسلُه الأوَّل، وعليه إعادةُ الغسل بالنية للجنابة، وإعادةُ الصلاة؛ لأنَّه لا يصلح ذلك إلا النية ([59]). وقد ذكر قولاً لابن محبوبٍ بإجزاء الغسل الأوَّل. ثم فرَّق الكدميُّ بين عِلم هذا الرجل بالجنابة قبل الاغتسال ولكنَّه نسيها، فهذا معذورٌ يترخَّص معه، فيجزيه الاغتسالُ الأوَّل، أمَّا إذا لم يعلم بها حتى اغتسل؛ فلا يجزئه، وعليه غسلٌ جديدٌ([60]).

وفي باب الزكاة، «لو أنَّ رجلاً تصدَّق بخمسة دراهم على الفقراء، ثمَّ نظرَ فإذا له مائتَا درهمٍ قد حالت حولاً، لم يكن ذلك يجزئه عن الزكاة»([61])؛ لعدَم توفُّر القصدِ إلى أداء هذه الفريضة، رُغم حصول مؤدَّاها ظاهراً من إخراج قيمةِ الزكاة المفروضة.

تحوّلُ النية في ظروف خاصةٍ:

إذا استحالَ تحقُّق النية التي قصدها المكلَّف؛ تحوَّلت إلى ما يمكن في نظر الشرع، وذلك مثل نيَّة الصيام، كمن أصبح صائماً يوماً من رمضان يعتقدُ ذلك نافلةً، وهو عالمٌ بأنَّه من شهر رمضان؛ فإنَّ رأيَ الكدميِّ أنَّ نيته تستحيلُ من النافلة إلى الفريضة، ولا بَدَلَ عليه؛ لأنَّه صام ذلك اليومَ على أتمِّ الوجوه. ولن تحوِّله نيَّةٌ عارضةٌ ما دامَ قد أتى بواجبِ الصيامِ. وثمَّة من يرى عليه البدلَ لاختلاف النية، وهي لا تتحوَّلُ تلقائيّاً، بل باعتقادِ الإنسان([62]).

التراضي لا يُبيح الحرام:

وهذا يندرج تحت قواعد مقاصد المكلَّفين. ومفادُها أن يكون قصدُ المكلَّف موافقاً لقصد الشارع، وإلاَّ كان عملُه باطلاً لبطلان قصده، سواءٌ كان ذلك فعلاً منفرداً، أو اتِّفاقاً أو شرطاً بين اثنين في عقدٍ أو معاملةٍ من المعاملات.

ولذلك نصَّ الكدمي أنَّ: “كلّ شرط يخالف أصول الشريعة باطلٌ”. وهو معنى الحديث الشريف: «كلُّ شرط ليس في كتاب الله فهو باطل» ([63]).

وهذا من القواعد التي اقترحَ الشيخ مصطفى الزرقاء إضافتَها إلى مجموع ما نصَّت عليه مجلَّة الأحكام العدلية.

وفي هذا المعنى يُقرِّر الإمامُ الكدميُّ أنه لا يجوزُ الانتفاعُ بالنجاسات بوجهٍ من وجوه الحلال، كما لايجوزُ بيعُها بحال، «ولو تراضيا على ذلك [البائع والمشتري] وعَلِما به؛ لأنَّ في ذلك إدخالَ الضَّرر من المشتري على نفسه، وكلُّ شيء من الضرر فهو غرر، وكلُّ غررٍ فهو باطلٌ، ولا يجوز بيعه، وهو من السُّحت»([64]).

الفرق بين العمد والخطإ في الأحكام:

«ومعي أنَّه لو ترك في موضع وضوئِه في الوضوء قليلاً أو كثيراً على العمد لتركه، ولو لم يترك الجارحة كلَّها، ولو كان قد تركَ أقلَّ من مقدار ظُفر؛ فإنَّه يكونُ بمنـزلة من ترك جارحةً من جوارح الوضوء، في معنى ما يختلف فيه. والتاركُ لشيء من جارحةٍ من جوارح الوضوء عندي كالتارك لجارحة، ولو ترك على النسيان جارحةً من جوارح الوضوء أقلَّ من مقدار الظفر ناسيا حتى صلَّى، فمعي أنَّه قيل: لا إعادةَ عليه فيما مضى من الصلاة، وقيل عليه الإعادةُ للصلاة لتركه قليلاً أو كثيراً… وأما إذا ذُكر ذلك قبلَ الصلاة فمعي أنَّه يخرج في معنى الاتِّفاق أنَّ عليه غسلَ ذلك الذي تركه كائناً ما كان هذا الذي تركه… وإنْ صلَّى على ذلك قبل أن يغسل الذي كان عليه قد تركه فعليه إعادةُ الصلاة»([65]).

«وإذا لم يفسد الوضوء بمماسَّة النجاسة من وجهٍ لم يفسد من وجهين، وهكذا، وبثبوت هذا في موضع واحد من البدن ثبت أيضا في أكثر من موضع، وإذا لم يثبت الكلُّ لم يثبُت الجزءُ، وإذا لم يثبت في جارحةٍ وضوءٌ لم يثبُت في غيرها، وإذا لم يثبت في شيءٍ من ذلك، سواء غسلَه بنفسه أو غيره، فهذه الأشياء كلُّها بعضُها من بعض»([66]).

وفي فسادِ الصومِ بالغيبةِ والكذب عامداً، وبالأكل والشرب والجماع ناسياً، وكذلك تفسُد الصلاة إذا عمل فيها عملاً عمداً خارجاً عنها، وكذلك الحجُّ والعمرة والوضوء، «فإنَّ الفساد لا يتجزَّأ في شيء من ذلك دون شيء، إذا كان فريضةً وكان كلُّه فاسداً بفساد بعضه، أوّله وآخره. وكلّ ما وقع عليه الفساد فهو فاسدٌ، ولا يتجزَّأ فيه، وهو شيءٌ واحدٌ»([67]).

القاعدة الثانية: اليقين لا يزول بالشك ([68]).

هذه من القواعد الفقهية الكبرى، وقد تجلى تطبيقها مع قواعدها الفرعية لدى الكدمي في مسائل عديدة جدا من كتاب المعتبر. واعتمدها في باب الطهارات وما يعرض للمرء فيها من شكوك ووساوس. ومن هذه المسائل:

«من وجد بللاً في ذكره أو انتشارا فظنّ أنه قد أفسد ثوبه، وكان إذا عناه ذلك فنظر وجد شيئا قد خرج، وربما نظر فلم ير شيئا، فعناه ذلك فلم يعلم أخرج منه شيء هذه المرة أو لم يخرج منه، فلا بأس حتى يعلم أنه خرج عليه هذه المرة ما قد أفسد عليه. ذلك لأننا نبني في هذه الأمور على اليقين، فإذا نظر ولم ير شيئا، أو لم يخرج منه شيء فلا يعتد بالشك في ذلك»([69]).

وعرض المسألة نفسها في موضع آخر وعقب عليها أنه «ليس عليه النظر ولا اللمس حتى يستيقن أنه خرج منه شيء، لأن الأصل أن الطهارة قائمة حتى يثبت لديه بالنظر أنه قد خرج منه شيء»([70]).

وفي باب الطهارات دائما ذكر عروض النجاسة على الطهارة، فتظلُّ كذلك حتى يغيِّرها سببٌ إلى مخرج الطهارة، ولو كان ضعيفاً أو محتمَلاً، «فإذا احتمل ذلك فالطهارة أوْلى به في معنى الحكم، جرياً على اتِّباع الحكم أنَّ الأصلَ الطهارةُ ما لم يدخل عليه من الإشكال في معنى ذلك ما يُخرجُه من معنى الاطمئنان أنَّ ذلك من الرطوبة التي تأتي بطبيعتها من الطهارات؛ لأنها الأصل، والنجاساتُ عارضةٌ»([71]).

وفي مسائل الجنابة، إذا كان الرجلُ جُنُباً ثمَّ قام فصلَّى صلاةً واحدةً أو عدَّة صلواتٍ ثمَّ هو لم يتيقَّن من غسله للجنابة، فالحُكم أنَّه مغتسل حتى يعلم يقيناً أنه لم يغتسل. إذا كان قد تعوَّد الصلوات ويدينُ بوجوب غسل الجنابة، ولا يُعرف عنه عادةً تركُه. ويخرج هذا على معنى الاطمئنان، فالوضوء أمرٌ معتادٌ لا يغفله الإنسانُ في أكثر الحالات، وليس غُسل الجنابة كذلك عند الكدمي. فعلمه بالجنابة يقينٌ، وهو على يقينه حتى يعلم أنَّه قد اغتسل؛ لأنَّ اليقين لا يزول بالشكِّ ([72]).

وذكر الاختلافَ في أكل لحم الدجاج الذي يقتات على الأقذار والنجاسات، وقضى بأنَّ الحكم قائمٌ على الاسم، فإذا اعتبرناها جلاَّلةً كانت نجسةً وحرُم أكلُ لحمها، وإن لم تكن جلاّلةً بقيت على أصلها من حِلِّ أكل لحمها كسائرِ الطيور الجائز أكلُ لحمها. «وإن كان من جهة الاسترابة فالاسترابةُ لا توجب تحويل الأحكام» ([73]).

وفي باب الحقوق؛ إذا علم أنَّه قد وجب عليه شيءٌ من حقوقِ العبادِ وأشباهِها، ثمَّ لم يعلم بعد ذلك هل هو قام بأدائها أو لم يقم بذلك، فحكمُه وجوبُ أدائها لثُبوت هذا الحكم في حقِّه، ولم يكن قد خرج منه بيقين واطمئنان. وكذلك الحجُّ والزكاةُ من حقوق الله([74]).

وإن كان ثمَّة تفصيلٌ دقيقٌ وتفريقٌ بين أنواع الواجبات والحقوق، ما يتكرَّر منها في اليوم أو السنة، وما لايتكرَّر، وما يُعذَر في تأخيره وما لا يعذَر، وأثرُ ذلك على الشكِّ واليقين في أدائه. والضابطُ فيها إجمالا: «أنَّ كلَّ شيءٍ من الأِشياء وأمرٍ من الأمور في دين الله تبارك وتعالى، وكلَّ حكم في حلال ما أحلَّ الله وحِرمة ما حرَّم، وكلَّ حق من الحقوق المبيَّنة في شرع الله سبحانه، وكلَّ حكم من أحكام الشريعة، جميع هذا كلّه جارٍ على أصوله المبيَّنة عليه الموضَّحة له من الكتاب والسنة وإجماع الأمَّة. فإذا ثبتت هذه الأحكامُ فهي ثابتةٌ حتى يزيلها أصلٌ مثلُها، فكلُّ حكم منها ثبت فيظَلُّ ثابتاً على أصوله ولا يزول إلا بحكم ثابت مثلِه يزيلُه. وإذا زال حكمٌ من أحكام هذه الحقوق فأصوله زائلةٌ حتى يُثبتها أصلٌ مثلها» ([75]).

قاعدة الاستصحاب:

هذه القاعدة حاضرةٌ في كتاب: “المعتبر” بصورة بارزةٍ لا يكادُ يخلو منها مبحثٌ من مباحث الكتاب، وهي جلُّها في بابِ الطهارات.

ومستنَدُ هذه القاعدة حديثُ النبيِّ e فيمن شكَّ في خروج الريح أنَّه لا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً([76]).

ومن نماذجها:

قوله في الطهارات: «ومعى أنَّه يخرج أنَّه لو علم صاحبُ النجاسة بنجاسةٍ في ثوبه أو بدنه كان على هذا يَخرُج معناه، وإنْ لم يعلَمْ فالنجاسة بحالها في الحكم، حتى يعلمَ طهارتها بحكمٍ أو طمأنينة. ولا يلحقُ ذلك في الصبيِّ بحالٍ؛ لأنَّ الصبيَّ غيرُ متعبَّد بالطهارة من النجاسة، فلا طهارةَ عليه. وما ثبت فيه من النجاسة فهو في الحكم نجسٌ حتى يعلم طهارتها»([77]).

وقال: «كلَّ ما صحَّ أنَّه نجسٌ فاسدٌ؛ فهو فاسدٌ نجسٌ في الحكم حتى تصحَّ طهارته بحكم أو بما لا شكَّ فيه بحكم الاطمئنان، إذا غلب حُكم الاطمئنان على معاني الحكم من طهارة ذلك. وكلُّ شيء صحَّت طهارته وثبتت فيه؛ فهو في الحكم طاهرٌ حتى تصحَّ نجاسته بما لا يشكُّ فيه من حكمٍ أو اطمئنانٍ»([78]).

وقال مؤكِّداً هذا المعنى: «وعلى الأصل المحكوم به على أنَّ النجاسةَ بحالها من حيثُ ما كانت، فمتى مسَّ موضعَها شيءُ من الطهارة ما لم يعلم طهارتها فهو نجسٌ حتى يعلمَ طهارة ذلك بالحكم. فهذان هما الأصلان اللذان عليهما العمل»([79]).

وفي معرض الخلاف حول طهارة الدجاجة التي ترعى الأقذار والنجاسات، أوردَ قول البعض: إنها مسترابة؛ لرعيها الأقذار، ولكن «لا يتحوَّل بذلك حكمه في روثه ولا سؤره حتى يكون جلاّلاً لا يخلط مع النجاسة غيرَها من الطهارات. وكلُّ شيءٍ على أصله من الطهارة حتى تصحَّ نجاسته، ومن النجاسة حتى تصحَّ طهارتُه، وما كان أصلُه نجساً فهو نجسٌ إلى الأبد»([80]). وضربَ لذلك مثلاً بالسبع والخنـزير، فلو حُبسا عن النجس وأُطعِما الطاهرَ فقط «لم يكن ذلك محوّلاً لحكمه عن التحريم إلى التحليل، ولا إلى طهارةِ خَبَثِهِ» ([81]).

أمَّا الدجاجُ فأصلُه طاهرٌ بإجماع، وجائزٌ أكلُ لحمه، «فلا نحبُّ أن نعدلَ حكمه عن سائر الطير الطاهر إلا بشاهد ودليل، وإن لحقَه فسادُ خزقِه من طريق الاسترابة على غير ما يشبه معانيَ الأصول في حكمه معنَا، وما يشبِهُه من معاني الأصولِ إثباتُه في جملة الطير الطاهر لحمُه من الرواعي، لا من النواشر ولا من النواهش، ويَلحق كلاًّ اسمَه وحكَمه» ([82]).

الأصلُ بقاءُ ما كان على ماكان:

«وكلُّ شيءٍ يكونُ على أصله فهو ثابتٌ فيه حكمه، سواءٌ كان على أيِّ وجهٍ من الوجوه من طاهر أو من حلالٍ، حتى يصحَّ فسادُه أو يصبح ليس حلالا بحالٍ من الحال» ([83]).

«فالحائض حُكمها في جميعِ الأشياء نفسُ حكمِ الحائض طوال فترة بقاء الحيض، حتى تغتسلَ الغسلَ الذي يُبيحُ لها الصلاةَ، وحتى تكون طاهرةً بما يبيحُ وطءَ زوجِها لها» ([84]).

«فقد ثبت أنَّ المشركين وغيرَهم ممن وردَ النصُّ بمنعهم، وهم الحائضُ حتى تزولَ حالة هذا الوصف، والتطهرّ منه. وكذلك النفساء حتى تطهُر من النفاس، والجنُب حتى يزيلَ الجنابةَ بالغسل، والأقلفَ من البالغين من الرجال حتى تزولَ عنه تلك الصفةُ، كلُّ أولئك لا يدخُل أحدُهم مسجداً من المساجد إلا بعدَ الطهارة، وكذلك لا يدخُل المصلَّى المتَّخَذ للصلاة؛ لأنَّه في حكم المسجد» ([85]).

الطهارةُ أصلٌ والنجاسةُ عارضٌ:

«فمعى، أنَّه يخرج في عامَّة معاني قولِ أصحابنا أنَّ قولَ الواحدِ الثقةِ المأمون حجَّةٌ في قوله في طهارة نجاسةٍ قد تنجَّست ويمكن طهارتها، ونجاسةُ طهارةٍ يمكن نجاستُها.

ومعى، أنَّه يخرج أن يكون حجًّة في طهارة نجاسةٍ ولا يكون حجَّةً في نجاسة الطهارة؛ لأنَّ الطهارةَ أولى من النجاسة؛ ولأنَّ الإسلامَ أولى من الكفر؛ ولأنَّ أصلَ الأشياء طاهرةٌ حتى تصحَّ نجاستُها؛ ولأنَّ النجاسةَ من الطهارات حادثَةٌ والطهارةَ أصليةٌ»([86]).

ثمَّ بيَّن أنَّ حجيَّة خبرِ الواحدِ في نجاسة الطاهر أو طهارةِ النجس يتعلَّق بأحكام الطمأنينة لا بأحكام القضاء التي لا يسعُ اختلافُها ([87]).

الحُكْمُ في المسائل المشْتبهات:

ذَكر حِرمة السباعِ من الدوابِّ والنواشرِ من الطير، وأنَّ علَّته أكلُها النجاساتِ في الغالب، إذ «يكادُ على أكثر الحالِ أن يكونَ أكلُها النجاسات. فلمَّا لزِمتْها الريبةُ من هذا الوجه، ولو صحَّ عليها معنى أكلُ النجاسة لا يخلط معها غيرُها للزمها حكمُ الجلاّلة والتحريمُ للحمها، والرجس لجميع ما فيها من معانيها من رطوباتها وجميعِ ما مسَّت أو مسَّها من رطوبات. وكلّ مستراب يلزمه حكم الإشكال. وكلُّ مشكولٍ موقوف حتى يُعلَم ما يخرجه عن حالِ الإشكال إلى طهارة لا شكَّ فيها، أو نجاسةٍ لا شكَّ فيها، فيثبُت له حكمُ ما يصحُّ فيه، فلزمَ هذه الدوابَّ وهذا الطيرَ من الصنفين… حُكمُ الإشكال والوقوف والكراهية لأكْلِ لحومها، … من غير أن يُحكَم عليه بنجاسةٍ ولا تحريمٍ. فإذَا لم يوجد الطاهرُ الحلالُ بعيْنه ووُجد هذا المشكل في هذه الحال والمحرَّمات النجسات بعينها؛ كان هذا الموقوف أولى من المحرّمات وأطيب وأولى أن تستعمل في معانيه دون المحرمات والنجاسات»([88]).

البناء على الأحوط:

سئل عن امرأةٍ طلَّقها زوجُها فحاضت الحيضةَ الثالثة، وكان حيضُها عشرةَ أيام، فرأت الطهر بعد خمسة أيَّام، هل لزوجها أن يراجعها؟ قال: لا، ولا أحبُّ أن تتزوَّج حتى تنقضيَ أيام حيضها العشرة.

وكذا إن طهُرت من حيضتها الثالثة ولم تجد الماءَ فتيمَّمت بعد دخول وقت الصلاة، فلا يراجعها زوجها وهي أملك بنفسها. وإن أخَّرت الغسل أو التيمُّم لكي يراجعها زوجُها فلا أرى أن يُراجعها.([89]).

اعتماد الأصول أولى من الاحتياط:

«فمن نالَ الحكمَ فقد أدركَ حكم الأصول، ومن أخذَ بحكم الأصول واستقام عليها كادَ أن يقدرَ به على أداء كثيرٍ من أموره إن شاء الله تعالى. ولأنَّ الدين يُسرٌ يعطيه الحقَّ في إدراك حكم الأصول، توسعةً ومساعدةً على أداء ما افترضه الله عليه»([90]).

الاحتياط جائز في مواضع السعة:

«فإن استعمل مستعمِلٌ معانيِ الاحتياطِ في مواضع ما تُرجى فيه الفُسحة في مواضع الاختيار؛ فليس ذلك بضارٍّ، أن يستعملَ الاحتياطَ عند الاختيار، ما لم يخف تولُّد المضارِّ التي من أكثرها ضرراً تركُ الفرائض أو تأخيرُها عن وقتها، وتركُ حضور الجماعات. والحكم عند الاضطرار وخوفِ تولُّد الأضرار»([91]).

الموازنة بين قاعدتي اليقين والاحتياط:

في مسائل الشكِّ في النجاسة والأحداث يقول: «ويعجبُني معنى الحكم في هذا ما لم يقع هنالك ما يشبهُ اليقينَ بذلك ويصير المبتلى بذلك إلى معنى وحكم مدافعة اليقين.

وكذلك عندي يخرجُ في مثل هذا إذا وجَد شِبْه طعمِ الدم في فيه أو عرفه في أنفه، وأشبه هذا أيضا خروجَ الريح من دبره، أو بمعنى سواكٍ كان يستاك به أو غيره، ولم يستيقن.

وكذلك عندي أنَّ هذا يشبِه ما خرجَ من الدبر أو من قُبل الرجل أو المرأة، فكلُّ ذلك معي سواءٌ. وهو عندي يخرجُ في معنى القولين، والأخذُ بمعنى الحكم أقوى في معارضة الشيطان، والأخذُ بالأحوط ما لم يخف في ذلك دخولَ الشكِّ والوسواس عليه…

ولكنَّه ربما كانَ مَنْ ترك الحكمَ وطلبَ المبالغةَ في الخروج من مثل هذا تولَّد عنده في نفسه الشكُّ والوسواس الذي يُخرِجُ صاحبَ ذلك إلى معاني مفارقة الحكم والاحتياط من ترك الفرائض في وقتها، وتركِ حضور الجماعات، فضلاً عن المشقَّة والحرجِ فيما لو تتبَّع ذلك في كلَّ مرة، حتى تكوَّنت عنده عادةٌ عُرف بها. وعندي أنَّه في هذه الحالة وحتى يقطعَ الشكَّ عن نفسه فإنه يتَّبع الحكمَ الذي يبني على أساسِ اليقين واستبعادِ معارضة الشيطان؛ لأنَّه لو أطاعَ هذه الوساوس لضاعَ عليه حضورُ الجماعات مع أهلها، وفاته مع ذلك لذَّة ما أدركَ غيرَه ممن التزمَ الحكمَ وأَخَذَ بالأحكام واستقامَ عليه…

فيخرجُ عندي كلُّ ذلك على معنى الحكمِ في جميع ذلك أنَّه على طهارته؛ لأنَّ الأصلَ في الأحكام أنَّ الأشياءَ على طهارتها، ما لم يثبُت بالنظر غيرُ ذلك. وعلى ذلك فإنَّه على معنى حُكم الطهارة من وضوءٍ أو غيره حتى يصحَّ معه من ذلك ما لا يشكُّ فيه. وليس عليه إذا أحسَّ من ذلك معارضةَ الشيطان بمثل ذلك ولم يستيقن على شيء أن يشغلَ نفسَه في ذلك بنظرٍ ولا مسٍّ، وأُحِبُّ أن يمضي على ما هو عليه حتى يستيقن»([92]).

تطبيق مبدإ الاستصحابِ في الوَلاية والبراءة:

لم يكتف الكدميُّ بتطبيقِ هذه القواعد على المجال الفقهيِّ، بل توسَّع إلى موضوع العقيدة وقضايا الوَلاية والبراءة. وذلك أمرٌ منطقيٌّ، فإنَّ هذه القواعدَ تُعتبَرُ مبدءً عامًّا في الاستدلال، ومنها قاعدةُ الاستصحاب: أيْ بقاءُ ما كان على ما كان حتى يَرِدَ سببٌ يغيِّرُه، إذ هي قائمةٌ على أسسٍ عقليَّة مشترَكة بين الناس، يستندون إليها في حِجاجهم ومناظراتهم، ويبْنون عليها أحكامهم واستنتاجاتهم.

«فإذا ثبت معه أو عليه وَلاية أحد بالرفيعة من جميع من قد ذكرنا، فلن يتحوَّل عن ذلك، ولا يجوزُ له تركُ ما لزمَه من ذلك، حتى يصحَّ معه ضدَّ ما رفعا إليه من وَلاية هذا الولي من حكم الحقيقة فيمن صحَّت فيه أحكام الحقيقة، أو في أحكام الظاهر بما لا يشكّ فيه. وما لم يصحَّ معه صدق ما يثبت له وعليه من ولاية وليّه. فكلّ هذا من برئ من وليّه هذا الذي قد صحَّت معه ولايته بحقّ الحكم، فإنَّه مباحٌ له البراءة، ممن برئ من وليّه هذا من بعد أن يعلمَ المبترّئُ من وليّه أنه يتولاَّه، ولا يعلم أنّه تولاَّه بغير الحقّ، واحتمل وَلايته بوجه من وجوه الحق»([93]).

القاعدة الثالثة: المشقَّة تجلب التيسير ([94]).

تحدَّث عن وجوب التبوُّل بعد نزول المنيّ من جماع أو احتلام، لإراقة ما في مجرى البول من بقية المني، وإذا ترك البولَ لعذر، ثمَّ خرج منه المني بعد ذلك؛ فيرى عدمَ وجوبِ الغسل عليه؛ «لأنه لم يفرّط في استبراء المنيّ كما يستبرئُ صاحبُ البول في بوله؛ ولأنَّه قد كان له العُذر في أنَّه لم يجد البولَ عند الغسل، والمعذورُ مقبولٌ عذرُه ولا يلزَمه حكم التفريط على أيّ وجهٍ من الوجوه، ولا في أيِّ معنى من المعاني؛ لأنَّ غسله من الجنابة تمَّ على قدر احتياطه دون تفريطٍ منه»([95]).

الضرورة تقدَّر بقدرها وترتَبط بموجبها:

«ومعى أنَّ الحلالَ الطاهرَ في الأصل بكلِّ حال ما بقي له اسم غير مستهلك في النجاسة؛ ذلك لأنه أولى من المحرّمات في الأصل، ويحيي المضطر من ذلك نفسَه دون المحرّمات في الأصل عندي. ما لم يغلب المحرّم على المحلّل فيستهلكه. فيصير حكمه حكمه، وينتقل إليه معناه واسمه، فهنالك يكون عندي مثله، فإذا صارَ مثله فبأيِّهما شاء أحيى نفسه إن كان مما يحيي ويعصم، وهو من النجاسات، وأمَّا إذا كان مما لا يحيي ولا يعصم وهو من النجاسات التي أجمعوا عليها ولا يوجد عندهم اختلاف في نجاستها؛ فلا يجوزُ في حال اضطرارٍ ولا غيره؛ لأنَّه إنما جاز الانتفاعُ بالمحرَّم لإحياء النفس به، فإذا كان هذا النجس لا يعصم ولا يحيي فهو على حاله من التحريم، ولا يجزيه أيَّة رخصة»([96]).

وفي أحكام الجنب والحائض وأنهما ممنوعان من دخول المساجد، ذكر رخصة دخولهما إلا لعذرٍ، ومن ذلك أن يكونَ ماءُ الاغتسال في المسجد، أو يمرّا بالمسجد للحصول على الماء؛ «لأنَّ ذلك شيء يلزمها فيه الضرورة، ولكن ذلك لا يجوز إلا بالتيمُّم بالصعيد لتصل إلى غايتها من الحصول على الماء الموجود في داخل المسجد ليتمَّ لها الغسل»([97]).

وكذا الرجل تصيبه الجنابة وهو في المسجد فيجب عليه الخروج حالَ عِلمِه بها، إلاَّ أن يكونَ له عذرٌ من خوف على نفسه، أو توقُّع وقوعِ ضررٍ على ماله، أو دينه، أو ضررٍ من بردٍ أو حرٍّ أو مطرٍ، أو أيِّ وجهٍ من وجوهِ الضرورة([98]).

من أوجه الضرورة كذلك التيمُّم عند توفّر أسبابه، وهي عدمُ الماء أو عدمُ القدرة على استعماله، «وإذا لم تكن الحاجة إلى استعماله من خوف أو ضرر، ولكن يقوم عذرٌ آخر يبيح استعماله، كصلاة العيد وصلاة الجنازة، إذا خيفَ فواتهما، أو خوفُ ضررٍ على الميت، بحيث لا يَستدرك من فاتته صلاة العيد، أو رَغب في صلاتها مع أهلِ الفضل من المسلمين مع إمام عادل، وما أشبه ذلك» ([99]).

يُغتفَر في البقاء ما لا يُغتفَر في الابتداء ([100]).

أوردَ مسألة حدوث النجاسة على المتوضئ، وهل يلزمه غُسلها قبل الوضوء أو مع الوضوء، أو غسلها ولا وضوء عليه؟، وذكر اتِّفاق الإباضية على انتقاض الوضوء بها، سواءٌ خرجت من المتوضِّئ أم لامستهُ من غيره.

ثم تحدَّث عن مقدارها، وأنَّ ثمة من يرى عدم نقضها إذا لم يكن الدم مسفوحاً، وكان أقلَّ من ظفر، فلا يَفسد به الوضوء عند بعض الإباضية، والعلَّة «أنَّ معارضةَ النجاسة للوضوء المتقدم يدرك فيه معاني الترخيص أكثرَ من تقدُّم النجاسة قبل الوضوء الجديد. وذلك شيءٌ مفهومٌ؛ لأنَّ معاني النقض في عامّة الأشياء أقربُ من بناءِ الأصول على الفاسد، وبناء الأصل على الفاسد يلحق معاني الإجماع بفساده أكثر من المعارضات الفاسدة له بعد ثبوته والعمل به على المستقبل من أموره… وليس الماضي كالمستقبَل في كثير من أحكام الإسلام مما يجري فيه الاختلاف»([101]).

الأصل والبدل لا يجتمعان؛ لأن البدل يقومَ مقام الأصل:

أورد آية الوضوء التي شرعت التيمُّم كذلك، وجعلته للمريض والمسافر، وذكر أنَّ «المريض بمنـزلة المسافر الذي لم يجد الماءَ، فالمريضُ الواجدُ للماء ولكنَّه غير قادر على استعماله بسببِ مرضه فإنَّه يكون بذلك بمنـزلة المسافر في ثبوت التيمم، وعليه في ذلك ما هو في معنى العذر، فإذا استحال عن حُكم الغسل، ففي معنى الاتِّفاق أنَّه يجب عليه التيمُّم، فإذا ثبت عليه معنى الغسل على قول من يقول بذلك، وقدر على شيء منه كان الغسل قائماً بحكمه في معنى الاتفاق، فإذا ثبت في البدن شيءٌ لا يمكن غسلُه كان في معنى الاعتبار والنظر أنَّ ذلك عندي يخرجُ في معاني أحكامه على معنين:

أحدهما إذا ثبت عليه الغسل بأيِّ وجهٍ من الوجوه زالَ عنه حكم التيمُّم، إذ لا يجتمع عليه في مقام التكليف بالأمر الشرعيِّ حكمان، وإنما هو مخاطَب بواحدٍ… »([102]).

ثمَّ ذكر أنَّ العذرَ إذا ثبتَ في غالب جسدِه، لحقه الأقلُّ، فينتقل حكمُه من الغسل إلى التيمُّم ولا يجتمع عليه غسلٌ وتيمُّمٌ معًا.([103]).

وقضى بجواز وطء الحائض إذا طهرت وتيمَّمت لعدم الماء؛ لأنَّ التيمم يقوم مقام الغسل عند عدم الماء ([104]).

القاعدة الرابعة: لا ضرر ولا ضِرار، والضرر يزال ([105]).

ذكر الاختلافَ في الأكل من الرجس المحرَّم أو من الحلال المملوك للغير عند الضرورة لتنجية النفس من الهلاك، ورجَّح الأوَّل؛ لأنه لا ضمان فيه، والإثمُ مرفوع عن صاحبه، بخلاف أكل أموال الناس ففيه الضمان. ثمَّ زاد توضيحَ القول الثاني الذي قضى أن ليس لهذا المضطرِّ أن يأكلَ الرجس المحرَّم عندما يجد الطاهر الحلال؛ لأنَّه لو وجد أربابَ الأموال فباعوا له من أموالهم ما يحيي به نفسَه ويتعوَّض به من الضرورة بعدل السعر، أو بأكثر من عدل السعر؛ لم يكن له أن يأكلَ من المحرَّمات الرجس، وكان عليه أن يشتريَ بقدْر ما يحيي به نفسَه، ولا يثبُت عليه في حال الضرورة إلا عَدْلُ السعر، ولو اشتطَّ عليه البائع فباعه بأكثر من عدْل السعر؛ كان ذلك مردودا إلى عدْل السعر؛ لأنَّ الاحتكارَ حرامٌ، والمحتكرَ ملعونٌ، والاحتكار داخلٌ في الضرر، والقاعدة: أن لا ضرر ولا ضرار([106]).

الموازنةُ بين الرخص الشرعيَّة عند الضرورة:

«ومعي أنَّه قد قيل: إنَّه إذا وجد المضطرُّ شيئاً من المحرَّمات مما يعصمُ ويحيي، وشيئاً من أموال الناس الحرام الذي لا يحلُّ له بوجهٍ من الوجوه الحلال من بيع ولا هبة، ولا دليلَ على أنَّه يحيي نفسَه من المحرَّم المباح من الميتة، والدم، ولحم الخنـزير، وما أشبهه، ولا يأكل من أموال الناس؛ لأنَّ هذا مباحٌ ولا يلزمُه الضمان، وهذا يَلزمُه فيه الضمان. وجميعهُما محجوران إلا عندَ الضرورة، فهذَا عند الضرورة مباحٌ، لا يتعلَّق عليه فيه حكمٌ، وهذا يتعلَّق فيه الحكمُ والضمانُ.

ومعي أنَّه قد قيل: إن شاء أحيى نفسَه من هذا، ولا تبعةَ عليه. وإن شاء أحيى نفسَه من هذا كلِّه، ودانَ بما يلزمه من الضمان. والأفضلُ له أن يختار ما يتعلَّق عليه فيه حكم، حتى لا يقعَ عليه الحكم والضمان معًا»([107]).

فإنَّ الكدميَّ يوازن هنا بين الخيارين، موضِّحًا أنَّ الأفضل اجتنابُ ما فيه ضمان المالِ؛ لأنَّه أقلُّ كلفةً على الإنسان. بيْدَ أنَّه في المقام السابق مالَ إلى ترجيح تنجية الإنسان نفسَه من الهلاكِ بمال الغير قبل اللجوء إلى أكل الميتة والنجاسات. ثمَّ قال غير ذلك هنا. والمسألةُ بحاجة إلى تحقيق لمعرفة رأيه الأخير في القضيَّة.

الخطأ والضمان:

الخطأ يرفع الإثمَ والعقوبةَ لا الضمانَ وشرطه:

ذكر أنَّ الوطءَ يوجِب الغسل عمداً كان أم خطأً، ويوجب إحلالَ المطلَّقة ثلاثاً، ولكنَّه لا يوجِبُ الحدَّ في الزنا إذَا كان خطأً؛ «لأنَّ الخطأ لا يوجب معاني العقوبة، وإن كان يوجب معاني ما يثبُت به من الأحكام في غير معاني العقوبة»([108]).

وتحدَّث عن الضمان في ثنايا بيان أحكام الفتوى، وأنَّ العالِم إن أصابَ أُجِرَ، وإنْ أخطأ لم يَأثم، وأمَّا إن كان جاهلاً فخطؤه غيرُ مرفوع، وهو ضامنٌ لما أحدثه خطؤُه من ضررٍ في الأبدان والأموال.

والحاكمُ والعالمُ في هذا سيان، فلا هلكةَ عليهما ولا ضمان. ولكن إذا أحلّ حراماً مجمَعاً عليه، أو حرّم حلالاً مجمَعاً عليه؛ فهو ضامنٌ. ([109]).

لا يَضِيعُ مالٌ في الإسلام:

إذا خالف الحاكمُ الحقَّ المجمَع عليه فهو ضامنٌ، وللمحكومِ عليه الرجوعُ على الحاكم أو المحكوم له لاقتضاء حقِّه ومالِه.

ولكن إذا كان خطأ الحاكم مرفوعاً، بأنْ حكَم حسب علمه، ولم يُفرِّط، وأَتلف بذلك مالاً؛ فإنَّه لا يضمنه، ولكن لا يضيع المالُ في أحكام الإسلام، ويكونُ خطأ ذلك الحاكمِ في بيت مال الله، وعلى الإمام إن صدَّقه في ذلك وائتمنه على ذلك أن يؤدِّي عنه من بيت مال الله، فإن لم يكن بيت المال، كان بمنـزلةِ قتل الخطإ ولكن لا تتحمَّله العاقلة، بل له أن يأخذَ من الزكاة في ذلك ويغرم ولو كان غنيّاً([110]).

وهذا نظرٌ سديدٌ في رعاية حقوق الناس والحفاظ على أموالهم أن تهدَر، ولو كان ذلك بمسوّغ شرعيّ؛ فإنَّ المالَ مصونٌ لا يبيحه إلا رضا صاحبه كما نصَّ عليه القرآن: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً﴾([111]).

القاعدة الخامسة: العادة محكَّمةٌ ([112]).

«وقد يخرج في معنى الاطمئنان والتعارف وما تجري به العادات ما يُشبه معنى الحكم الثابت في الأصول، فتصبح بذلك العاداتُ والتعارفُ في معنى ما يُثبت الأحكام الثابتة»([113]). ومثل ذلك رجلٌ وامرأتان ثبت بينهما معاشرةٌ ومساكنة، وكان بينهما ما يشبه التزويج والصلة القائمة بين الزوجين، وكلاهما موقِنٌ أنَّه لا يقيم مثل تلك العلاقة إلاَّ مع زوج شرعيٍّ. فعارض الزوجَ شكٌّ في حُكم هذه الزوجية، ولم يعلم كيف كان التزويج، ولا من أيِّ وجهٍ تمَّ ذلك، ولا من زوَّجه، وربما قام له عارضٌ وشكٌّ بأنَّ تلك المرأةَ أختُه من الرضاع أو أمُّه من الرضاع، أو من سائر ذوات محارمه، بسببِ رحمٍ، أو نسبٍ، أو صهرٍ. فهذا الشكُّ لا يلتفت إليه ويجري التعارف المعهودُ في معنى الأصلِ من كوْنها زوجتُه ولا يستريب في ذلك. «فكان حُكم الأغلبِ والتعارُف والاطمئنان فيما تجري به أمورُ عامَّة الناس؛ ذلك لأنَّ هذا هو الأغلب والجائز والمعمول به، دون ثبوت الأحكامِ عليهم في مثل هذا. وكذلك ما أشبهه ونُزِّل بمنـزلته من جميع الأحكام والحقوق من الأموال التي في يده إذا نصَّ [كذا] نفسه إلى معرفتها من أين اكتسبها وأصابها بعد أن لم تكن في يده…»([114]).

ثمَّ ضرب أمثلةً عديدةً، وشرَحها، وختم ذلك بأنَّ «كلّ ذلك معناه واحدٌ؛ وهو أنَّه بمنـزلة الزوجة والجارية التي يطؤُها، والعبيد الذين ملكهم، فيستخدمهم، فكلُّ ذلك سواءٌ على معنى ما وصفتُ لك، فانظر في معاني هذه الأحكام كيف تثبت في معنى القضاء والاطمئنان بتحليل الحلال، أو في معنى حكم الاسترابة والإشكال في معنى الحرام كيف حلَّ الحرام في مواضع، وحرم الحلال في مواضع، على غير معنى ارتكاب الحرام، ولا في معنى تحريم الحلال. وجواز ذلك في معنى أحكام الإسلام، إذا أتى ذلك كلَّه من وجه معناه، وليس كلُّ الأمور محمولةٌ على هذا، فبعضها يعطى معنى أحكامه على معانٍ أخرى، وجهْلُ علم الأصول ونسيانها أهونُ وأوسعُ من جهل أحكامها إذا كان ذاكراً أو عالماً بأصولها؛ لأنَّ جهلَ الحكْم أشدُّ من جهل الأصل الذي يوجب الحكم، فافهم معاني ذلك إن شاء الله» ([115]).

وهذه قاعدة مهمَّة في مجال الفقه، إذ يلزم المكلَّف معرفةُ الحكم والعملُ به، وأنَّ هذا حكْم الله وشرْعه، وأمَّا معرفةُ أصولِ الأحكام وأدلّتِها فليس ذلك في مقدور كلِّ المكلَّفين. وهو أمرٌ موْكولٌ إلى العلماء والمختصِّين؛ ولذلك شُرع سؤالُ أهل الذكر لمعرفة الحكم دونَ الإلزام بمعرفة أساسه ودليله.

العرف وأثره على الأحكام:

تحدَّث عن بيع العذرة والخلاف في ذلك، فمن أجازها نظرَ إلى منفعتها لتسميد الأرض، واشترط لذلك اختلاطها بتراب الأرض وما أشبه ذلك، ومن حرَّمها نظرَ إلى نجاستِها. ثمَّ حكَّم العرف في أنَّ الناس يتملَّكونها وينتفعون بها، «وهذا لم يزل عليه الناس أن يتَّخذوا ذلك من البواليع والكنف، وينتفعون بها، ولا يخرج ذلك على معاني الإباحة لغير متَّخذِه ومالِكه، في معاني التعارف بينهم، حتى يخرج منه مخرج الإباحة والترك»([116]).

وميّز في المسألة بين الشيء الذي عرضت له النجاسة، فيقع فيه الخلاف المذكور في العَذِرة، وبين الشيء المتنجِّس أصلاً كالخنـزير والميتة التي لا يجوز تملُّكها ولا الانتفاعُ بها إلاَّ على سبيل الضرورة للتنجية، فهذه لا يجوز بيعها اتّفاقاً([117]).

بناءُ الأحكام على الأسماء:

في موضوع الطهارات ذكرَ الاختلافَ في الطاهرات التي خالَطها نَجَسٌ، «فكلُّه يجري فيه معاني الاختلاف من جميع ما تدركه طهارته بحيلة، أو لا تدرك طهارته ما لم يثبت نقلها عن الاسم والحكم عن معنى الطهارة، إلى أن تستوليَ عليه أحكامُ النجاسة فينتقل اسمُه وحكمُه»([118]).

وفي لزوم الغسل من الجماع، قال: «معي أنَّ ثبوتَ الغُسل بمعنى الجماع إذا غابت الحشفة في جميع ذوات الأرواح، حلالاً كان أو حراماً، لا معَ بني آدمَ ولا مع الدوابِّ؛ لأنَّ ما يوجِب الحدَّ أولى أن يوجبَ الغسلَ، وكذلك يجبُ الغسلُ بمباشرة إيلاج الحشفة في أيِّ نوعٍ من البشر، أنثى أو ذكر، في قُبل أو دُبر، أو الأطفال أو البالغين»([119]).

«والزوجيَّة لا تنعقِدُ إلاَّ لذَكَرٍ على أُنثى، فما لم يصحَّ أنَّ الزوجَ ذكرٌ والزوجةُ أنثى؛ لم ينعقد حُكْمُ الزوجية في الميراث؛ لأنَّ ذلك عندي نقلُ الأموال عن مواضعها من ثبوت المواريث لأهلها على حكم الشبهة والإشكال، ولا يجوزُ نقْلُ الأحكام عن مواضعها عندي إلاَّ على ثبوت حكم مثله، وليس فيه شبهةٌ ولا إشكالٌ»([120]).

وأوضحَ عدمَ صحّةِ زواجِ الخنثى، سواء بذكر، أو بأثنى، أو بخنثى مثلِه؛ «لأنَّ في ذلك إطلاقَ الموقوف من الأحكام؛ لأنَّه كلُّ مشكوكٍ موقوفٌ، وما كان حكمُه موقوفاً فلا ينبغي إطلاقُه في فتيا ولا حُكْم»([121]).

وفي موضع آخر بيَّن حُكم ميراث الزوجين إن كان أحدهما خنثى، بناءً على مَنْعه هذا الزواج، فإنَّه لا ميراثَ بينهما، والميِّتُ منهما «ليس له ميراثٌ على حال، وعلى ميراث الإشكال يكون له رُبْعُ ميراث الزوجة وربعُ ميراث الزوج»([122]).

وقال: «يمكن تلخيص القول فيها أنَّ الخنثى يمكن أن نحتاطَ في حكم تصرُّفاته؛ لأنَّه يشتبه فيه بين الذكورة والأنوثة، فحكمه الوقوف عن إجراء التصرُّفات التي قد تضرُّ في حالة ما إذا كانا ذكرين أو أنثيين. أمَّا إذا ظهرت من علامات الذكورة ما يجزم بأنَّ الخنثى يقرب من أن يشبه الذكر؛ فيُعامَل معاملةَ الذكر، وإن ظهر من علامات الأنوثة كالحيض ما يجزم بأن يقرب من أن يشبه الأنثى؛ فيعامَل معاملة الأنثى»([123]).

تتغيَّر الأحكام بتغيُّر الأسماء والأحوال:

ذكرَ عدَم جوازِ الانتفاع بالنجاسات وحِرمة بيعِها وهبتها، ولكن إذا تبدَّل وصفُها تغيَّر حُكمها، «وأمَّا إذا كان يخرج في معانيه أنَّه يصحُّ منه الانتفاعُ بما يجوزُ في الأصل ويدرك في بعض القول تطهيره، أو ينتفع به لإطعام دوابٍّ أو أطفالٍ، ويلحق الانتفاعُ به في أكلٍ أو شربٍ في بعض ما يجوزُ من قولِ أهل العلم، فالبيعُ له جائزٌ، والشراءُ له جائزٌ، والبائعُ والمشتري فيه سواءٌ»([124]).

الحكم للأغلب من الأحوال:

وفرّق بين الحكم وبين الاحتياط في أمر النجاسات، فإذا شكَّ المرء في نجاسة ثوبه احتاطَ بغسله لرفع الإشكال؛ لأنَّه مطلوبٌ منه شرعاً التحرُّز والتوقِّي من النجس، ولكن ليس الأمرُ على إطلاقِه، فإنَّ «هذا القول مبنيٌّ على أن يُقدِّمَ الأغلبَ من أمره، فإن كان في أغلب أحواله يجد شيئا، فوجبَ عليه النظرُ للتأكُّد، وإن لم يكن غالبُ أحواله كذلك؛ أي أنَّه لا يجدُ شيئاً؛ فلاَ عليه. وما صحّ على الأصول فهو عندي أقوى وأولى، والاحتياطُ يكونُ عند الاختيار»([125]).

وفي الحديث عن ذكاة الحيوانات البرمائية، قال: «فما كان الأغلبُ من أموره وعيشته البَرُّ كان حُكْمه حكمَ صيد البرِّ، وكان دمُه دمَ صيد البرّ مسفوحاً، فإن صحَّ له أنَّه يعيشُ في البَرِّ والبحر أو الماء، كان على الاحتياط أنَّ دمَه فاسدٌ»([126]).

العبرةُ للغالب الشائع لا للنادر: ([127])

والحكم بالنظر إلى الغالب:

«وأمَّا ما كان أصلُها طاهراً فعارضته النجاسة، فلم يخرج مخرجه مستهلَكًا فيها، وتغلب عليه أحكامها حتى لا يكون له حكمٌ فيها، فيخرج عندي معناه معنى الاختلاف في بيع ذلك والانتفاعِ به، من إطعام الدوابِّ والأطفال والانتفاعِ به فيما يجوز من جميع ذلك، ولا يجوز عندي أن يكون مثل ذلك من الاختلاف في مثل الخمر والميتة ولحم الخنـزير، وما أشبهه أن يطعم شيئاً من الدوابِّ ولا شيئاً من الأطفال. ولا يُباع ولا يُنتفَع به بحالٍ، إلا في حال ما خصَّه من الضرورات

»([128]).

قواعدُ متفرِّقةٌ:

ما لا يتمُّ الواجب إلا به فهو واجب:

ذكرَ الخلافَ حول جوازِ الوضوء عارياً، ورجَّح جوازه حيث يكون المرءُ مستوراً عن أعين الناس، ويطمئنُّ إلى أنه يأخذ ثيابه ولا يراه أحدٌ، فمع مراعاة هذه الشروط ينعقدُ وضوءُه، ولكن إذا رآه أحدٌ كان آثماً وانتقض وضوؤه.

بينما يرى البعض أنَّ وضوءَه لا ينعقد حتى يتمَّه ويأخذ ثيابه ويَسْلَم من انكشافه لأحد. كالمجامع في رمضان، يجوزُ له ذلك حتى يضيقَ الوقتُ للاغتسال، فيحرمُ الوطء حينئذ، بناءً على قاعدة ما لا يتمُّ الواجب إلا به فهو واجبٌ. فكان النـزع بمدَّة كافية للاغتسال قبل الفجر واجباً، حتى يتمَّ به أداءُ الصيام الواجب بطهارة، وعدمُ الدخول في الصيام بحدث الجنابة.

ثم رجَّح عدم تشابه هذه الحالة مع الوضوء، فإنَّه ينعقد دون اشتراط إتمامِ لبس الثياب، ولكن إذا حدث انكشافُ المتوضِّئُ لغيره؛ انتقضَ وضوؤه المنعقِد، كما ينتقِض بسائر الأحداث. ولزمه وضوءٌ جديدٌ([129]).

ما حَرُم أخذُه حَرُم إعطاؤُه. ([130])

ما حرُم فِعلُه حَرُمَ طلبُه. ([131]).

ورد في كلام الكدميِّ ما يدلُّ على اعتماد هاتين القاعدتين في باب الطهارات – وهو غالب ما نجا من كتاب المعتبر- إذ يقول: عن الأشياء إذا تنجَّسَت ولم يوجَد وجهٌ لتطهيرها؛ فإنَّها تُدفن «ولا يُطعم شيءٌ منها الدوابَّ، ولا أحداً من الناس صغيراً ولا كبيراً، ولا يُباع، ولعلَّه يخرجُ في معاني ذلك أنَّه لا يوهَب، إلا أنَّه إذا ثبت أنَّه لا ينتفع بها بوجه بطَل بيعها وَهِبَتُها. وكانت لا تقع عليها الأملاك، وهي باطلٌ متروكةٌ»([132]).

ثمَّ ذكرَ قولاً بجواز إطعامها الدوابَّ، وردَّ عليه قائلاً: «إنَّ ذلك إثمٌ محرَّمٌ، ولا يُطعَم المحرَّمُ أحدًا من الخلق، وأنَّه وإن كانت الدابَّة ليست آثمةً، ولا النجاسة عليها محرَّمة؛ فإنَّ الإنسانَ محجورٌ عليه الإثمُ والحرامُ، أن ينتفع به أو أن يُعِينَ على الانتفاع به»([133]).

وذكر ثانيةً القولَ بجواز إطعامها الحيوان، أو الأطفالَ الصغار، «ومن لا إثم عليه؛ لأنَّ ذلك يقع لهم موقعَ النفع، وليسَ معي عليهم فيه مضرَّةٌ، ولا إثمٌ عليه، ولا يبيعُه البالغ ولا ينتفع بثمنه… وإذا ثبت أنَّه لا يبيعه فلا يبيعه لأهل الذمَّة ولا لأهل الإسلام؛ لأنَّ ذلك مخالطٌ للحرام، ولا يجوزُ بيع الحرام والحلال بصفقة واحدة؛ ولأنَّ بيعَ الحلال والحرام في صفقة واحدة كلُّه حرامٌ»([134]).

لا ينبني على الفاسد حُكْمٌ:

ذكر اختلافَ الأقوال في حكم الوضوء إذا بقي على جسد المتوضِّئ نجاسةٌ، ولم يمسَّها بيده، فيغسلها بواسطة أو يغسلها عنه غيره. فهل ينتقض وضوؤه في هذه الحال؟، فمن قال بصحَّته قال بعدَم نقضِ وضوءِ من تنجَّسَ في غير مواضع وضوئه، وقال من قال إنَّ تجديد الوضوء على النجاسة المتقدّمة أشدُّ، ولا يجوز الوضوء إلا بعد طهارتها؛ «لأنَّ الترخيصَ في بقاء الوضوء إذا عرض له النّجس أكثرُ من بناء الوضوء على نجاسة، وذلك حملاً على أنَّ الأصول لا تنبني على فاسدٍ»([135]).

التعليلُ وقياسُ الشَّبَهِ في النجاسات:

ذكر أنَّ حجَّةَ من قال بنجاسة فَرْثِ الحيوان قولُه تعالى: ﴿مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَناً خَالِصاً سَائِغاً لِلشَّارِبِينَ) ([136]). فكان الفرث والدم مشتبهين في هذا المعنى وهو النجاسةُ.

ومن قال بطهارته فسَّر الآيةَ بأنَّ اللبن يخرجُ من بين شيئين مختلفين، لكلّ واحدٍ منهما لون، واللبن خاصٌّ مخالف لهما في اللون والطعم([137]).

وفي موضع آخر ذكر نجاسة بولِ الإنسانِ وسائرِ الحيوان، واستشهد بقوله تعالى: ﴿وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾([138]) معقِّباً بقوله: «ولا تكونُ المنافع مضارًّا، ولولا ما قد سبق من قول أصحابنا في اتّفاق معاني قولهم على فساد بول الأنعام؛ لأشبه أن تكون كلُّها في حياتها وبعد ذكاتها منافعُ. وطاهرة في معاني ثبوت طهارتها، في معاني الإجماع إلا بكتاب الله في جميعها وهو الدم. ويشبه ما اتَّفقوا عليه بالطهارة منها بإذنهما جميعا من غيرها، ولم يجد من قولهم ما يشبه هذا في غيرها. وإنما وجدناهم يفسدون الرَّوْثَ في موضع ما يفسدون البول من جميع الدوابِّ البريَّة من ذوات الدماء الأصلية، إلاَّ في هذه الدوابِّ التي تكون في الرياح، والبحر ذكية. فوجدناهم قد اتَّفقوا على التفريق بين أبوالها وأرواثها وأبعارها، فطهَّروا أبعارها وأرواثها، وأفسدوا أبوالها من الأنعام وما أشبهها، والخيلَ والبغالَ وما أشبهَها.

وأمَّا في القياس فقد يلزم أن يكون مثلاً غيرها من الدوابِّ من ذوات الأرواح البريَّة والدماء الأصلية من جميع ما يكون بالذبح تذكية، ما عدا المحرَّمات الأصلية، كانت ذكيةً أو غير ذكيةٍ في شبه ما لحقها في اتِّفاقهم من فساد أبوالها وأرواثها سواء، كما لا فرْقَ بينها وبين غيرها من الدوابِّ بالاتِّفاق في فساد أبوالها وأرواثها، فتكونُ هذه كلها طاهرة.

ولكنَّا ندع القياس ونتَّبع معانيَ اتِّفاقهم على الانقياد في إثبات الدِّين رأيا ولا الدين رأيا، بوجه من الوجوه جهل ذلك؛ لأنَّ ذلك ما لم يأذن به الله»([139]).

كما نجد مثالاً آخرَ لقياس الشَّبه: وهو قرد البحر وخنـزيره، إذ يقول فيهما: «ومعي أنَّه قد قيل على معنى الاشتباه: إنَّ قِرْدَ البحر وخنـزيره وما أشبه منه المحرَّمات من ذوات البرِّ، لحقه التحريمُ بالشَّبه والاسم، وإن كان ذلك ليس بصيد.

وكذلك ما أشبه المكروهات من ذوات البرية لحقَه معنى الكراهية، وما أشبه المحلَّلات من ذوات البرِّ كان محلَّلاً.

وإذا ثبت هذا القول في هذه المعاني أنَّه إنما يلحقُه معاني الشبه في التحريم والكراهية والتحليل؛ لحقه عند ذلك من معاني الشَّبه في الذكاة وفساد الدم ومعاني الميتة؛ لأنَّ ما تشابَه بمعنى هذا تشابَه في الأحكام فيما سواه»([140]).

الشَّبه لا يستلزم تساويَ الأحكام ضرورة:

ثمَّ ذكر في مقام آخرَ أنَّ الشَّبه الصوريَّ لا يقتضي القياسَ بالضرورة، لاختلافِ موجب الحكم بين الصور المتشابهة، ومثّل لذلك بالنطفة الميتة، فإنها لا تستلزِم الغسل مثل النطفة الحيَّة الدافقة، وكذلك دمُ الاستحاضة لا يستلزم أحكامَ دم الحيض، رُغْم التشابه بينهما؛ إذ «ليس كلُّ ما أشبه الشيء بمعنى أنَّه أَشبَهه في جميع المعاني، والنطفة الميِّتة أشبهتْ المنية في ثبوت الاستنجاء ونقضِ الوضوء، ولكنَّها لا تشبهه في ثبوت الغسل، ولا في معاني لزومِ الأحكام في البلوغ. كما أنَّ دمَ الاستحاضة يُشْبِهُ دمَ الحيض في نَقض الوضوء، ويشبِهُه أيضاً في الاستنجاء منه. وكذلك يُشْبِهُه في الاغتسال عند قولِ بعض من قال بذلك، وبَعد ذلك لا يشبه دمُ الاستحاضة دمَ الحيض في جميع الأحكام»([141]).

الشهادة حُجَّةٌ ظاهرةٌ:

يقول: «وإنَّ ردَّ الحاكمِ شهادةَ الحجَّة من العدول بعد قيامها لموضع ما قد غاب عنه من صدقها وكذبها، واحتمل عنده من ذلك بالحقِّ؛ كان بذلك للحقِّ من المعطِّلين، وكان بذلك عند الله في دينه من المبْطِلين، ولو كان الشاهدان عند الله في سريرتهما قد شهدا باطلاً وكذباً؛ فلا يجوز للحاكم أن يترك الحجَّة بعد قيامها عليه، ولا يشهد بمثل ما شهدت به الحجَّة على المشهود عليه، ولا يعتقد صدق الشهود ولا حقيقة ذلك، وإنما تُقبَل الحجَّة إذ هي في دين الله حجَّةٌ»([142]).

الخاتمة:

تجلِّي لنا هذه الصفحات صورةً من منهج الإمام الكدميِّ في اجتهاده القائم على الأصول الشرعية وتوظيف القواعد الفقهية في شتى المسائل التي تناولها، وهي وإنْ لم تكن شاملةً لأبواب الفقه، نظراً لفقدان معظم أجزاء الكتاب؛ فإنَّ الجزء الناجي من عَوادي الزمان يُعبِّر بوضوحٍ عن حضور القواعد وطريقة توظيفها عند هذا الإمام الجليل.

ولئن لم يُعن بتحرير القواعد بصورتها الدقيقة؛ فقد نصَّ على كثير منها، كما وظَّفها بمفهومها بطريقة دقيقة، فضلاً عن كونِه في فترة متقدِّمة بالنسبة لتطوُّر تدوين القواعد عند فقهاء المسلمين.

ولعلَّ الأيامَ تكشف عن ما ضاعَ من هذا التراث لتَتِمَّ الاستفادةُ منه وإنارةُ السبيل أمامَ الأجيال لتقدير جهودِ العلماء السالفين، والاسترشادِ باجتهاداتهم لحلِّ كثير من مشكلات المعاصرين، فقد كان لهم استشرافٌ وحدْسٌ دقيقٌ للوقائع الممكنة، فسعَوا لإيجاد الحلول المناسبة لها بما يجعلها تستظلُّ بظلِّ الشريعة، ولا تندُّ عن أحكام الله. وتلك خلاصةُ دورِ المجتهدين، ورسالتُهم في صياغة المجتمع وفق دستور الإسلام وما شرَعه الله للناس من أحكامٍ.

 

أهمُّ مصادر البحث:
  1. المعتبر، أبو سعيد محمد بن سعيد الكدمي، 4 أجزاء، طبع بمطابع دار جريدة عمان للصحافة والنشر، نشر وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان، 1405هـ/ 1985م.
  2. الاستقامة، أبو سعيد محمد بن سعيد الكدمي، 3 أجزاء، نشر وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان، 1405هـ/ 1985م.
  3. كتاب الجامع، أبو محمد عبد الله بن بركة البهلوي، دار الفتح، بيروت، لبنان، 1974.
  4. الجامع المفيد من أحكام أبي سعيد، أبو سعيد محمد بن سعيد الكدمي، 5 أجزاء، طبع بمطابع سجل العرب، نشر وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان، 1405هـ/ 1985م.
  5. القواعد الكلية والضوابط الفقهية في الشريعة الإسلامية. د. محمد عثمان شبير، طبعة أولى، دار الفرقان، عمّـان، الأردن، 1420هـ/2000م.
  6. القواعد الفقهية، مفهومها، نشأتها، تطورها، دراسة مؤلفاتها، علي أحمد الندوي، الطبعة الثالثة، دار القلم، دمشق، 1414هـ/1994م
  7. القواعد الفقهية الكبرى وما تفرع عنها، د. صالح بن غانم السدلان، الطبعة الأولى، دار بلنسية الرياض، المملكة العربية السعودية، 1420هـ /1999م.
  8. قراءات في فكر أبي سعيد الكدمي، حصاد الندوة التي أقيمت حول الكدمي من قبل المنتدى الأدبي، وزارة التراث القومي والثقافة، في 11-12 صفر 1421هـ الموافق لـ 15-16 مايو 2001م، الطبعة الأولى، 1422هـ/ 2001م.
  9. معجم أعلام الإباضية، قسم المشارقة. أنجزه فريق من الباحثين بإشراف الدكتور محمد ناصر، نسخة إلكترونية، بحوزة الباحث.
  10. المدخل الفقهي العام (إخراج جديد)، مصطفى الزرقاء، الطبعة الأولى، دار القلم، دمشق، 1418هـ/1998م.

[1]) البطاشي، سيف بن حمود، إتحاف الأعيان بسيرة أهل عمان، ج1، ص282.

[2]) المصدر نفسه.

[3]) محمد بن روح بن عربي (أبو عبد الله) (ق: 3 و 4هـ).

هو الشيخ أبو عبد الله محمد بن روح بن عربي الكندي النزوي، هو من أهل سمد نزوى وعلمائها الكبار، وزعيم النزوانية.

عاش زمن استيلاء العباسيين لعمان أوّل مرة، وشهد أحداث القرامطة بها. من شيوخه: أبو الحواري محمد بن الحواري، والشيخ مالك بن غسان بن خليد، وغيرهما من مشايخ نزوى ونواحيها. ومن تلاميذه: الشيخ أبو سعيد الكدمي.

من معاصريه محمد بن سعيد بن أبي بكر، وأبو الحسن محمد بن الحسن، وعمر بن محمد بن عمر الذي كان يكاتبه في قضايا العصر وشؤونه. وقف عن موسى بن موسى وراشد بن النظر، في خروجهما على الإمام الصلت بن مالك.

من آثاره رسالة في ذكر الأئمة المنصوبين في عمان بعد خلع الإمام الصلت. و له أقوال فقهية كثيرة أثبتها من جاء بعده من العلماء.

ينظر ترجمته في: معجم أعلام الإباضية، (قسم المشرق) ترجمة رقم:1163. (نسخة إلكترونية). واعتمد هذه المصادر: -بيان الشرع، 4/363. 21/144. 37/114. – الإهداء، مقدمة، 10. – سيرة ابن مداد، 15. -الشعاع الشائع، 62. – إتحاف الأعيان، 1/210-213. – أصدق المناهج، 55. – الجامع، 1/402. – دليل أعلام عمان، 145،146. – فواكه العلوم، 1/246.

[4]) رمشقي بن راشد (أبو عثمان)، من علماء القرن الرابع الهجري، ذكره الشيخ السيابي في الطبقة الخامسة.

كان واحدا من أهل الحلّ والعقد في زمانه. شارك في تنصيب الإمام راشد بن الوليد على الدفاع.

كان معاصرا لأبي عبد الله محمد بن روح، وأبي الحسن محمد بن الحسن وأبي محمد عبد الله بن بركة.

ينظر ترجمته في: معجم أعلام الإباضية، (قسم المشرق) ترجمة رقم:369. (نسخة إلكترونية). واعتمد هذه المصادر: – بيان الشرع، 2/295؛ 4/212. – منهج الطالبين، 1/625. – أصدق المناهج، 55. – دليل أعلام عمان، 67.

[5]) محمد بن أبي الحسن النزواني (ق: 4هـ) من علماء القرن الرابع الهجري: عاصر ابن بركة و أبا سعيد الكدمي، وأبا عبد الله محمد بن روح، و غيرهم من المشايخ. يبدو أنه كان رستاقي الاتجاه في مسألة الصلت و راشد. تتلمذ على يديه أبو الحسن علي بن محمد البسيوي. يقول الشيخ أحمد السيابي: إنه المحشي على جامع أبي جعفر… ينظر ترجمته في: معجم أعلام الإباضية، (قسم المشرق) ترجمة رقم:1089. (نسخة إلكترونية). واعتمد هذه المصادر: -سيرة ابن مداد، 24. -كشف الغمة، 475.

[6]) سعيد بن عبد الله الرحيلي أبو القاسم (ت: 328هـ): هو الإمام سعيد بن عبد الله بن محمد بن محبوب بن الرحيل القرشي، عالم من عائلة العلم والفقه فقد كان جدّه محبوب من حملة العلم من البصرة إلى عمان، وكان أبوه وجده من أشهر العلماء في القرن الثالث الهجري، وكان منزلهم بصحار من باطنة عمان. بويع الإمام سعيد على الدفاع سنة 320هـ، بعد سنين طويلة من الحكم العباسي، وقد بايعه الشيخ الحواري بن عثمان، وعبد الله محمد بن أبي المؤثر وغيرهما. وسار في الرعية سيرة الحقّ والعدل حتى قال عنه الشيخ أبو محمد بن أبي المؤثر إنّه لا يعلم أحدٌ أفضل وأعدل في عمان من سعيد بن عبد الله إلا أن يكون الجلندى بن مسعود. توفي قتيلا بمعركة مناتي سنة 328هـ. ينظر ترجمته في: معجم أعلام الإباضية، (قسم المشرق) ترجمة رقم: 513. (نسخة إلكترونية). واعتمد هذه المصادر: -كشف الغمة، 477-478. – الفتح المبين، 211. -تحفة الأعيان، 1/192-195. اللمعة المرضية، 19. – منهج الطالبين، 1/631. -دليل أعلام عمان، 80.

[7]) الاستقامة، ج2، ص98.

[8]) المصدر نفسه.

[9]) الشيخ أحمد السيابي، المرجع السابق، ص18.

[10]) لعل من تلامذته: عبد الله بن محمد أبو محمود (ق: 4هـ): هو أبو محمد عبد الله بن محمد بن زنباع، من علماء القرن الرابع الهجري. يبدو أنه تعلم على يد الشيخ أبي سعيد الكدمي، إذ كان يقيّد عنه العلم و يسأله في شؤون الفقه و المعرفة. ينظر ترجمته في: معجم أعلام الإباضية، (قسم المشرق) ترجمة رقم:815. (نسخة إلكترونية). واعتمد هذه المصادر: بيان الشرع، 36/223، 37/95، 40/430، 444. – سيرة ابن مداد، 14. -إتحاف الأعيان، 1/435.

[11]) ينظر ترجمة الكدمي مفصّلة في البحوث المقدمة لندوة: قراءة في فكر الإمام الكدمي، المنتدى الأدبي، وزارة التراث القومي والثقافة، أيام 11-12 صفر 1421هـ 15-16 مايو2000م. الطبعة الأولى، 1422هـ/2001م. وبخاصة بحث: الشيخ أحمد بن سعود السيابي، الإمام أبو سعيد الكدمي، حياته وفكره. – وبحث الشيخ ناصر بن سليمان السابعي، كتاب الاستقامة للإمام أبي سعيد الكدمي، تحليل ودراسة. – وبحث الدكتور الطاهر محمد الدردير، كتاب الزيادة على كتاب الإشراف للعلامة أبي سعيد الكدمي. دراسة مقارنة. كما وردت ترجمته وافية في: معجم أعلام الإباضية، (قسم المشرق) ترجمة رقم: 1178. (نسخة إلكترونية). واعتمد هذه المصادر: الجامع، 1/71،156،194. – المنهج، 1/224. – اللمعة المرضية، 21. – أصدق المناهج، 54. – المصنف، 3/189،268،411. – الإباضية في مصر، 69،55،172. – تحفة الأعيان، 1/194. – إتحاف الأعيان، 1/219. – دليل أعلام عمان، 146.

[12]) السالمي، نورالدين عبد الله بن حميد، مشارق أنوار العقول، ج1، ص15.

[13]) الشيخ أحمد السيابي، مرجع سابق، ص19.

[14]) الشيخ أحمد الخليلي، التأصيل الفقهي عند أبي سعيد الكدمي، ضمن بحوث ندوة “قراءة في فكر الإمام الكدمي”، ص51.

[15]) راشد بن النضر الفجحي اليحمدي (ت: 285هـ).

سار مع موسى بن موسى في عزل الصلت بن مالك بعدما كبر وضعف، فعزله موسى بن موسى وولى راشد بن النضر إماما سنة 273هـ. مما أثار افتراق أهل عمان إلى فرقتين رستاقية بقيادة ابن بركة ونزوانية بقيادة أبي سعيد الكدمي. إلى أن جاء الإمام ناصر بن مرشد فوضع حدا لهذه التفرقة ووحد القلوب. وعرفت عمان في عهده كثيرا من الفتن والقلاقل.

وردت ترجمته مفصلة في: معجم أعلام الإباضية، (قسم المشرق) ترجمة رقم: 335. (نسخة إلكترونية). واعتمد هذه المصادر: -تحفة الأعيان، 1/204، فما بعدها. – الشعاع الشائع، 36، 52. – غرس الصواب. عمان عبر التاريخ، 2/199، 210، 213. – كشف الغمة، 264. الفتح المبين، 232. – دليل أعلام عمان، 68.

[16]) الكدمي، الاستقامة، ج1، ص12.

[17]) الكدمي، المعتبر، مقدمة الشيخ أحمد الخليلي، ج1، ص5.

[18]) ولم نتمكن من الاطلاع على أصل المخطوط، وقد أخبرني الدكتور سليم آل ثاني أنه سيتناوله ضمن بحثه “مقاصد الشريعة عند الكدمي من خلال كتابه زيادات الإشراف”. كما قدم الدكتور محمد الطاهر الدرديري بحثا إلى ندوة” قراءة في فكر الإمام أبي سعيد الكدمي”، بعنوان كتاب الزيادة على كتاب الإشراف للعلامة أبي سعيد الكدمي. دراسة مقارنة. تناول مضمون الكتاب بإيجاز.

[19]) السالمي، اللمعة المرضية من أشعة الإباضية، ص21.

[20]) الشيخ أحمد السيابي، مرجع سابق، ص31.

[21]) الشيخ أحمد السيابي، مرجع سابق، 31-32.

[22]) الكدمي، المعتبر، ج3، ص155.

[23]) الأعراف، آية 157.

[24]) الكدمي، المعتبر، ج3، ص181.

[25]) ورد في الأصل: تخوف، والصواب: تحريف.

[26]) الكدمي، المعتبر، ج3، ص210.

[27]) الشيخ أحمد الخليلي، مرجع سابق، ص51-52.

[28]) الطارق، آية 5-7.

[29]) الإنسان، آية 2.

[30]) الكدمي، المعتبر، ج4، ص46.

[31]) أخرجه البخاري من طريق أبي هريرة، كتاب الأذان، باب وجوب صلاة الجماعة، حديث 618.

[32]) ينظر تفصيل المسألة والأقوال: الكدمي، المعتبر، ج4، ص66-67

[33]) الكدمي، المعتبر، ج4، ص31.

[34]) الشيخ أحمد الخليلي، مرجع سابق، ص65.

[35]) المائدة، آية 6.

[36]) الكدمي، المعتبر، ج4، ص48.

[37]) الكدمي، المعتبر، ج4، ص48.

[38]) الكدمي، المعتبر، ج4، ص6.

[39]) الشيخ أحمد السيابي، مرجع سابق، ص20.

[40]) ينظر تفصيل المسألة في كتب الأصول في مباحث الإجماع.

[41]) الجرجاني، التعريفات، ص219.

[42]) د. محمد عثمان شبير، القواعد الكلية والضوابط الفقهية في الشريعة الإسلامية، ص12. نقلا عن: الكليات للكفوي، 4/48.

[43]) هو تعريف الحموي على كتاب الأشباه والنظائر. ينظر: مصطفى الزرقاء، المدخل الفقهي العام، ج2، ص965.

[44]) مصطفى الزرقاء، المدخل الفقهي العام، ج2، ص965.

[45]) مصطفى الزرقاء، المدخل الفقهي العام، ج2، ص967.

[46]) د. صالح بن غانم السدلان، القواعد الفقهية الكبرى وما تفرع عنها، ص37.

[47]) د. صالح بن غانم السدلان، القواعد الفقهية الكبرى وما تفرع عنها، ص38.

[48]) د. صالح بن غانم السدلان، القواعد الفقهية الكبرى وما تفرع عنها، ص38.

[49]) مصطفى الزرقاء، المدخل الفقهي العام، ج2، ص969.

[50]) رواه أبو داود، كتاب الأحكام، باب من بنى في حقّه ما يضر بجاره، حديث 2341. عن طريق ابن عباس.

[51]) مصطفى الزرقاء، المدخل الفقهي العام، ج2، ص965. وينظر فيه تفصيل الحديث عن نشأة القواعد الفقهية وأقدم الروايات الواردة في ذلك.

[52]) مصطفى الزرقاء، المدخل الفقهي العام، ج2، ص971. وهذه أهم كتب القواعد الفقهية حسب تسلسلها التاريخي:

أصول الكرخي، (340هـ) حنفي.

أصول الفتيا لمحمد بن الحارث الخشني، (361هـ) مالكي.

تأسيس النظر للدبوسي، (430هـ) حنفي.

قواعد الأحكام في مصالح الأنام للعز بن عبد السلام، (660هـ) شافعي.

الفروق للقرافي، (684هـ) مالكي.

الأشباه والنظائر لابن الوكيل، (716هـ) شافعي.

القواعد النورانية الفقهية، لابن تيمية، (728هـ) حنبلي.

القواعد للمقّري التلمساني (758هـ) مالكي.

الأشباه والنظائر لابن السبكي، (771هـ) شافعي.

المنثور في القواعد للزركشي، (794هـ) شافعي.

القواعد لابن رجب (795هـ) حنبلي.

القواعد الكلية والضوابط الفقهية، لابن عبد الهادي، (909هـ) حنبلي.

الأشباه والنظائر للسيوطي، (911هـ) شافعي.

إيضاح المسالك للونشريسي، (914هـ) مالكي.

الأشباه والنظائر لابن نجيم، (970هـ) حنفي.

قواعد مجلة الأحكام العدلية (1292هـ) حنفي.

قواعد مجلة الأحكام الشرعية على مذهب الإمام أحمد، لأحمد القاري (1359هـ) حنبلي.

شرح القواعد الفقهية، أحمد الزرقاء. حنفي.

ينظر تفصيل الموضوع: القواعد الفقهية، مفهومها، نشأتها، تطورها، دراسة مؤلفاتها، علي أحمد الندوي.

[53]) ينظر: السالمي، شرح طلعة الشمس.

ومن الباحثين من جمع القواعد الفقهية من كتاب الإيضاح، وتصلح موضوعا لرسالة جامعية. نظرا لحجمها المعتبر.

كما يقوم الأستاذ مصطفى حمو رشوم بإعداد أطروحة دكتوراه في جامعة الأمير عبد القادر بقسنطينة في الجزائر، بعنوان “القواعد الفقهية عند الإباضية”.

[54]) سبق تخريجه.

[55]) الصواب أن النبي r قضى بأن البينة على المدّعي واليمين على المدّعَى عليه. أما رواية قولية عنه بذلك ففيها مقال. ينظر: البخاري، كتاب الرهن، باب إذا اختلف الراهن والمرتهن وغيره. – سنن الترمذي، كتاب الأحكام عن رسول الله، باب ما جاء في أن البينة على المدعي واليمين على المدعَى عليه. حديث رقم1341.

[56]) وردت هذه القاعدة في المادة 2 من مجلة الأحكام العدلية.

[57]) رواه الربيع بن حبيب في مسنده عن ابن عباس، باب في النية، حديث رقم 1.. وروته كتب السنة كلها عن عمر بن الخطاب، – ينظر: صحيح البخاري، كتاب بدء الوحي، باب بدء الوحي، حديث رقم1.

[58]) يقول ابن حجر في فتح الباري في شرح حديث «إنما الأعمال بالنيات»: « وقد تواتر النقل عن الأئمة في تعظيم قدر هذا الحديث: قال أبو عبد الله: ليس في أخبار النبي e شيء أجمع وأغنى وأكثر فائدة من هذا الحديث. واتّفق عبد الرحمن بن مهدي والشافعي… على أنه ثلث الإسلام, ومنهم من قال ربعه, واختلفوا في تعيين الباقي. وقال ابن مهدي أيضا: يدخل في ثلاثين بابا من العلم, وقال الشافعي: يدخل في سبعين بابا, ويحتمل أن يريد بهذا العدد المبالغة. وقال عبد الرحمن بن مهدي أيضا: ينبغي أن يجعل هذا الحديث رأسَ كل باب. ووجه البيهقي كونه ثلث العلم بأن كسب العبد يقع بقلبه ولسانه وجوارحه, فالنية أحد أقسامها الثلاثة وأرجحها؛ لأنها قد تكون عبادة مستقلة وغيرها يحتاج إليها, ومن ثم ورد: نية المؤمن خير من عمله».

[59]) الكدمي، المعتبر، ج4، ص55.

[60]) الكدمي، المعتبر، ج4، ص56.

[61]) الكدمي، المعتبر، ج4، ص56.

[62]) الكدمي، المعتبر، ج4، ص72.

[63]) أخرجه بهذا اللفظ النسائي وابن ماجة والترمذي وأحمد. وأخرجه البخاري ومسلم بلفظ: «ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل» وألفاظ متقاربة أخرى. ينظر: صحيح البخاري، كتاب الشروط، باب الشروط في الولاء، حديث رقم2579. – سنن الترمذي، كتاب الطلاق، باب خيار الأَمَة تعتق وزوجها مملوك، حديث رقم 3451. -ابن ماجة، كتاب الأحكام، باب المكاتب، حديث رقم 2521.

[64]) الكدمي، المعتبر، ج3، ص101.

[65]) الكدمي، المعتبر، ج4، ص23.

[66]) الكدمي، المعتبر، ج4، ص144.

[67]) الكدمي، المعتبر، ج4، ص180.

[68]) وردت هذه القاعدة في المادة 4 من مجلة الأحكام العدلية.

[69]) الكدمي، المعتبر، ج3، ص113.

[70]) الكدمي، المعتبر، ج3، ص115.

[71]) الكدمي، المعتبر، ج3، ص119.

[72]) الكدمي، المعتبر، ج4، ص77.

[73]) الكدمي، المعتبر، ج3، ص154.

[74]) الكدمي، المعتبر، ج4، ص79. وضرب أمثلة واقعية وتفصيلا دقيقا لها من حيث الشكُّ واليقين والاطمئنان، والفرق بين أنواع الفرائض في هذه القضية العملية الهامة.

[75]) الكدمي، المعتبر، ج4، ص82-83.

[76]) لفظ الحديث عند البخاري: «عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ عَنْ عَمِّهِ أَنَّهُ شَكَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ e الرَّجُلُ الَّذِي يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ يَجِدُ الشَّيْءَ فِي الصَّلاةِ فَقَالَ لا يَنْفَتِلْ أَوْ لا يَنْصَرِفْ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا» كتاب الوضوء، باب من لا يتوضأ من الشك حتى يستيقن، حديث رقم137.

[77]) الكدمي، المعتبر، ج3، ص87.

[78]) الكدمي، المعتبر، ج3، ص88.

[79]) الكدمي، المعتبر، ج3، ص88.

[80]) الكدمي، المعتبر، ج3، ص154.

[81]) الكدمي، المعتبر، ج3، ص154.

[82]) الكدمي، المعتبر، ج3، ص154-155.

[83]) الكدمي، المعتبر، ج4، ص118.

[84]) الكدمي، المعتبر، ج4، ص119-120.

[85]) الكدمي، المعتبر، ج4، ص121.

[86]) الكدمي، المعتبر، ج3، ص91.

[87]) الكدمي، المعتبر، ج3، ص91.

[88]) الكدمي، المعتبر، ج3، ص159.

[89]) الكدمي، المعتبر، ج3، ص14

[90]) الكدمي، المعتبر، ج3، ص118.

[91]) الكدمي، المعتبر، ج3، ص118.

[92]) الكدمي، المعتبر، ج3، ص117-118.

[93]) الكدمي، الاستقامة، ج3، ص26-27.

[94]) وردت هذه القاعدة في المادة 17 من مجلة الأحكام العدلية.

[95]) الكدمي، المعتبر، ج4، ص8.

[96]) الكدمي، المعتبر، ج3، ص103.

[97]) الكدمي، المعتبر، ج4، ص122. و 125.

[98]) الكدمي، المعتبر، ج4، ص123.

[99]) الكدمي، المعتبر، ج4، ص173.

[100]) وردت هذه القاعدة في المادة 55 من مجلة الأحكام العدلية.

[101]) الكدمي، المعتبر، ج3، ص219-220.

[102]) الكدمي، المعتبر، ج4، ص139-140.

[103]) الكدمي، المعتبر، ج4، ص140.

[104]) الكدمي، المعتبر، ج3، ص14.

[105]) وردت هذه القاعدة في المادة 20 من مجلة الأحكام العدلية.

[106]) الكدمي، المعتبر، ج3، ص104.

[107]) الكدمي، المعتبر، ج3، ص103-104.

[108]) الكدمي، المعتبر، ج4، ص17.

[109]) الكدمي، الاستقامة، ج3، ص6 فما بعد.

[110]) الكدمي، الاستقامة، ج3، ص9.

[111]) النساء، آية 29.

[112]) وردت هذه القاعدة في المادة 36من مجلة الأحكام العدلية.

[113]) الكدمي، المعتبر، ج4، ص83.

[114]) الكدمي، المعتبر، ج4، ص83-84.

[115]) الكدمي، المعتبر، ج4، ص86.

[116]) الكدمي، المعتبر، ج3، ص102.

[117]) الكدمي، المعتبر، ج3، ص102.

[118]) الكدمي، المعتبر، ج3، ص107.

[119]) الكدمي، المعتبر، ج4، ص12.

[120]) الكدمي، المعتبر، ج3، ص79.

[121]) الكدمي، المعتبر، ج3، ص79.

[122]) الكدمي، المعتبر، ج3، ص84-85.

[123]) الكدمي، المعتبر، ج3، ص85.

[124]) الكدمي، المعتبر، ج3، ص101.

[125]) الكدمي، المعتبر، ج3، ص116.

[126]) الكدمي، المعتبر، ج3، ص198.

[127]) وردت هذه القاعدة في المادة42 من مجلة الأحكام العدلية.

[128]) الكدمي، المعتبر، ج3، ص102-103.

[129]) الكدمي، المعتبر، ج3، ص212

[130]) وردت هذه القاعدة في المادة 34 من مجلة الأحكام العدلية.

[131]) وردت هذه القاعدة في المادة 35 من مجلة الأحكام العدلية.

[132]) الكدمي، المعتبر، ج3، ص100.

[133]) الكدمي، المعتبر، ج3، ص100.

[134]) الكدمي، المعتبر، ج3، ص100.

[135]) الكدمي، المعتبر، ج4، ص142.

[136]) النحل، آية 66.

[137]) الكدمي، المعتبر، ج3، ص135.

[138]) الأنعام، آية 5.

[139]) الكدمي، المعتبر، ج3، ص137.

[140]) الكدمي، المعتبر، ج3، ص200.

[141]) الكدمي، المعتبر، ج4، ص90.

[142]) الكدمي، الاستقامة، ج3، ص20.

 

* ندوة تطور العلوم الفقهية في عمان خلال القرن الرابع الهجري “القواعد الشرعية نموذجا”.

وزارة الأوقاف والشؤون الدينية _ سلطنة عُمان

 

هذه المقالة تحتوي على تعليق (1)

تعليق واحد ل “القواعد الفقهية عند الإمام أبي سعيد الكدمي”

  1. سندس says:

    كيف تكون الخطوة الأولي لستخراج القواعد الفقهية ؟أمابنسبة لدراسة فكانت رائعة

أكتب تعليقك هنا

نرجو أن تضع المادة أسفله
الإسم
إيميل
موقع
تعليقك