القواعد الفقهية عند الإمام ابن بركة

القواعد الفقهية عند الإمام ابن بركة*

خلفان بن محمد بن عبد الله الحارثي

قاضي بمحكمة الاستئناف بمسقط، ومستشار بوزارة العدل.

 

تناول هذه الدراسة إسهامَ ابنِ بركة في علم القواعد تأصيلاً وتطبيقاً، وقد ذكرتُ القواعدَ التي وجدتُّها في الجامع، وإذا وجدتُّ استدلالا منه أوردتُه كما هو، مع إضافة شيءٍ من الشرح والتوضيح المختصر، وسُقت الفروع بعبارةِ الإمامِ نفسِه في غالب عملِي.

وجاءتْ هذه الدراسةُ في ثلاثة فصول:

كانَ الأوَّل فصلاً تعريفيّاً بابن بركةَ ومكانته، واهتمامه بالتأصيل والتقعيد، ومنهجه في القواعد.

والفصل الثاني: في القواعد الخمس الكبرى.

أمَّا الفصل الثالث: فذكرتُ فيه القواعدَ الأخرى مع شيء من الضوابط.

الفصل الأوّل: اهتمام ابن بركة بالقواعد الفقهية

1- ابن بركة ومكانته:

هو العلاَّمة أبو محمد عبد الله بن محمد بن بركة، ينتهي نسبُه إلى سلِمة بن مالك بن فهم، وُلد في مدينة بهلا من داخلية عمان في النصف الثاني من القرن الثالث الهجري، ما بين 296 – 300هـ، وعاش في القرن الرابع الهجري، ويقدَّر وقت وفاته ما بين 342 – 355هـ. كما استظهره بعض الباحثين ([1]).

وقد عاصر الإمامَ الرضيَّ سعيدَ بنَ عبد الله بن محمد بن محبوب الرحيلي، واستفاد منه علما، ويمكن أن يُعتبر هذا الإمام واحداً من مشايخه؛ لأنه مع كونه تحمَّل أعباءَ الحكم في أرض عمان بالبيعة له بالإمامة العظمى في سنة 320هـ؛ فقد عُرف عنه بأنَّه أعلم أهل زمانه. يقول عنه الشيخ محمد بن روح: “كان أعلمَ الجماعة الذين معه”([2]).

ومن أشْهَر علمائه الذين يعتزُّ بهم كثيرا، ويذكرهم بصفات الإجلال والإكبار هو العلامة: أبو مالك غسَّان بن محمد بن الخضر الصَّلاَّني، المقيمِ في منطقة صحار، والمنسوب إلى إحدى قراها التي تسمّى صَلاّن([3]).

ومن أشهر تلاميذه الذي سار على نهجه واهتمَّ بتراثه، وكان خليفَته على مدرسته؛ العلاَّمةُ: أبو الحسن علي بن محمد البَسْيَوي، من مدينة بهلا، وغيره كثير من طلاَّب العلم، من أهل عمان وأهل المغرب الإسلامي، الذين وفدوا إليه ابتغاءَ العلم.

وأبو محمَّد من العلماء القلائل الذين جمعوا بين العلم والغنى، فكان ثريًّا يُنفق على المتعلِّمين عنده، وانضمَّ إلى رَكْب التعليم في مدرسته جملةٌ من أهل عمَان وأهل المغرب، وهو لا يناصر أولئك الذين يروّجون للزهد والتقشُّف وذمِّ الدنيا. ففي تعليقه على حديث رهن النبي e درعه لليهودي قال: «الله أعلم بصحَّة الخبر؛ لأنَّ النبي e مات عن سعة، وكان الضيق قبل ذلك، وفي هذا الخبر أنَّه اشترى e من اليهودي المرتهن درعَه بثلاثين صاعاً من طعام، فاقتاته ثلاثين يوما، وفي حبسه الطعام أكثرَ من يومٍ في منـزله ما يدلُّ على ضعف مذهب من ادعَّى التقشُّف والزهد في الدنيا، وزعم أنَّه لا ينبغي للمسلم أن يحبس قوت يومٍ إلى غد، والنبيُّ e هو الغاية في التقشُّف والزهد في الدنيا» ([4]).

ومما يؤسَف له أنَّ آثارَ العلاَّمة أبي محمد ابن بركة قد ضاعت، ولم يبق منها إلاَّ النـزر القليل، وربما يرجع سببُ ذلك إلى أنَّ العلماءَ الذين جاؤوا من بعده مالوا بقوَّةٍ إلى أبي سعيد الكدمي المعاصِر له، وراقتْ لهم آراؤه، خاصَّة مسائل الوَلاية والبراءة فيما يخصُّ الأحداث الواقعة بين موسى بن موسى وراشد بن النضر، زمانَ الإمام الصلت بن مالك، في القرن الثاني الهجري. وكان العلاَّمة أبو محمد بن بركة يقف موقفا مغايرا للعلامة أبي سعيد الكدمي، حتى أنَّ الموقفين تأسَّست عليهما فرقتان، وصارتا مدرستين تعرف لكلاَ العالمين.

يقول الشيخ السالمي: «ثمَّ ظهرت أناسٌ بعد مضيّ ما شاء الله من الزمان، وبعد انقراض تلك العصور، فغلوا في أمر موسى وراشد، وأوجبوا البراءة منهما على الناس، وقالوا: لا يسعُ جَهل الحكم بحدَثِهما؛ لأنهما خرجا على الإمام العادل وهو إمامٌ بالإجماع، والخارجُ على الإمام بإجماع باغٍ بالإجماع، والبراءةُ من الباغي بالإجماع واجبةٌ بالإجماع. ورأس هذه الفرقة وعميدها الذي اشتهر بها أبو محمد عبد الله بن بركة ومن أخذ عنه من أهل عمان، منهم أبو الحسن علي بن محمد البسياني، وتبعهم على ذلك خلقٌ، وسميت فرقتهم بالرُّسْتاقية، ونقض عليهم أهل الحقِّ مقالَتهم وردُّوا عليهم غلوَّهم، وممَّن اشتهر في الردِّ عليهم أبو عبد الله محمد بن روح بن عربي، وأبو سعيد الكدمي، وفي الردِّ عليهم ألّف كتاب الاستقامة بأَسْره، وتبعهم على ذلك ذلك أناس، وقفوا إلى الهدى، وسمِّيت فرقتهم بالنـزوانية»([5]).

هذه عبارة الشيخ السالمي، ويُتبيَّن منها الانصرافُ عن أبي محمّد بسبب مواقفه من تلك الفتنة، ومع ذلك فأقواله الفقهية بقيت محفوظةً تتناقلها الكتب، وتتزيَّن بها المناقشات، وينقلها الخلف عن السلف.

ومنذ سنّ الصبا وأنا أحسّ بجاذبية تجاه ما يُنقل عن العلامة أبي محمد بن بركة من أقوال فقهية ترتاح لها نفسي، وتتجاوب معها مشاعري، ويحلو لي النقاش والحوار الفقهي إذا كان منقولا عن هذا العَلَم اللاَّمع، تبرُز فيه الفصاحةُ ويدعِّمه الدليل، وقد ارتسمت شخصيةٌ مثاليّةٌ في قلبي لهذا الإمام، وتولَّدت لديّ شبهُ قناعة أنَّ من جاء بعده فهو عالةٌ عليه في الفقه وأصوله.

وأتصفَّح كتب الفقهاء فأراهم يزيِّنون أقوالهم بذكر هذا العلاَّمة، ويأنسون كثيرا إذا ما اختاروا رأياً في كفَّته أبو محمّدٍ، وأصبحَ اسمه لامعاً على مستوى سلف الإباضية، وكأنَّه بدرٌ بين النجوم، وجامعُه الذي ألَّفه صارَ يُنعت على لسان الفقهاء، وعلى مرور الزمان باسم “الكتاب”، وكم من علمائنا الأوائل من يكنَّى بأبي محمد، لكنه غلب بلا منازعة، وباعتراف الجميع إذا أُطلقَت هذه الكُنية في كتب الفقه؛ فلا تذهبُ إلا إليه.

ودون المساس بمكانة غيره فإنَّ الحقَّ الذي يجب أن يُقرَّر أنَّ العلاَّمة أبا محمد لم يوجد من العلماء من أصّل للفقه الإباضي مثله، بل وقد امتاز مع الدراية في العلم والضبط في الرواية بالشجاعة والجرأة عند مناقشة الأقوال، ويلتزم بقدر كبير من الإجلال والتقدير لعلماء مذهبه، لكنَّه لا يجد حرجاً في الخروج عن رأيهم إذا ما وجد الحجَّةَ والدليلَ في قولٍ آخر، مع بذل الوُسع في محاولة فهم رأيهم والاحتجاج لهم، وكثيرا ما يختم المسألة بقوله: “ونحن نطلب لهم الحجَّةَ”.

2- اهتمامه بالتقعيد والتأصيل:

كما سبقت الإشارةُ أنَّ العلاَّمة أبا محمّد بنَ بركة عاش في بداية القرن الرابع الهجري، وهناك من يرى أنه عاش في القرن الثالث الهجري.

ولقد اهتمَّ بتأصيل الفقه وتقرير قواعده، واهتمَّ كذلك بمقارنة الفقه الإباضيِّ بالمذاهب الأخرى، ممَّا زاده ذلك سعةً في الفكرة، وقوَّةً في المناظرة.

وإدراكاً منه بأهمية دراسة أصول الفقه، والنظرِ في الروايات، وكيفيةَ الاستنباط من الآيات القرآنية، وإعادةَ فروعِ الفقه إلى القواعد التي يسمِّيها أحيانا أمّهات الفقه؛ وضع كتابه المسمى بـ: “الجامع”، والذي انتشر صِيتُه وأصبحَ يُنعت عند علماء الإباضية بـ: “الكتاب”.

يقول في مقدِّمته: “ثمَّ نبدأ بذكر الأخبار المرويَّة عن النبي e، التي تتعلَّق بها أحكامُ الشريعة، وإنْ كان الفقهاءُ قد اختلفوا في تأويلها، وتنازعوا في صحَّة الحكم بها؛ لأنها قواعدُ الفقه وأصولُ دين الشريعة، لحاجةِ المتفقِّه إلى ذلك، وقلَّة استغنائه عن النظر فيه، والاعتبارِ في معانيه، فالواجبُ عليه إذا أراد علمَ الفقه؛ أن يتعرَّف أصولَ الفقه وأمَّهاته، ليكون بناؤه على أصول صحيحة ليجعلَ كلَّ حُكمٍ في موضعه، ويجريَه على سننه، ويستدلَّ على معرفة ذلك بالأدلَّة الصحيحة، والاحتجاجات الواضحة، وأن لا يسمِّيَ العلَّة دليلاً ولا الدليلَ علّةً، والحجَّةَ علةً، ولِيُفَرِّقَ بين معاني ذلك، ليعلمَ افتراقَ حُكمِ المفترِق، واتَّفاقَ المتفِّق؛ لأني رأيت العوامَّ من متفقِّهي أصحابنا ربما ذهب عليهم الكثيرُ من معرفةِ ما ذَكَرْنا، وتكلَّم عند النظر ومُحَاجَّة الخصوم بما يُنكره الخواصُّ منهم وأهلُ المعرفة بذلك”([6]).

وكان الباعثُ على تأليفه هذا الجامعَ هو وضعُ قواعدَ وأسسٍ لفقه مذهبِه الإباضي. يقول في بعض المواضع حينما كان يستدلُّ لقاعدة “اليقين لا يزول بالشك”، وذكر الحديث: «لا وضوءَ إلا من صوت أو ريح”قال: “وهذا خبرٌ له تأويلٌ وشرحٌ طويلٌ، ولن يخفى على خواصِّ أصحابنا إن شاء الله؛ لأنَّ الكتاب لهم جمعناه، وإياهم قصدنا به؛ لأنَّ المرجوعَ إليهم والمعولَّ عليهم”([7]).

وقد خصَّص البابَ الأوَّل من كتابه لمسائلَ أصولِ الفقه، وشغلت حيِّزا كبيرا بلغت مائتين وأربعين صحيفة تقريباً، وتناولَ الفروعَ الفقهية فيما بقي من أبواب الكتاب؛ مهتَّما بإعادة الفروع إلى قواعدها، وهو ما يَعنيه بأمَّهات الفقه وقواعدِه، ويَظهر ذلك جليّاً عندما يقول في مقدِّمته السابقة: “ليعلَم افتراق حكم المفترِق، واتَّفاق المتَّفِق”.

وهذا المعنى هو الذي عبَّر عنه العلماء بعد ذلك بقولهم: “الأشباه والنظائر”، يقول السيوطي: “الفقه معرفةُ الأشباه والنظائر”([8]).

ولابدَّ أن نقرِّر هنا أنَّ العلاَّمة أبا محمّد بن بركة من أوائل علماء الإسلام الذين وجَّهوا الاهتمام إلى قواعد الفقه، ونظَروا في افتراق حكم المفترِق واتِّفاق حكم المتَّفِق، أو كما عُرفت أخيرا بـ: “الأشباه والنظائر”، إن لم نقُلْ إنَّ هذا الشيخَ قد سبق الجميع حتى من علماءَ المذاهب الأخرى؛ لأنَّ الدلائل تشير إلى أنَّ الإمام أبا طاهر الدباس قد جمع أهمَّ قواعد مذهب أبي حنيفة في سبعَ عشرةَ قاعدةً، وكان ذلك في مطلع القرن الرابع الهجريِّ، بينما يُنسب أوَّلُ تأليفٍ في القواعد إلى القرن الخامس الهجري، حين كتب القاضي أبو زيد عبد الله بن عمر بن عيسى الدبوسي المتوفَّى سنة 430هـ من أئمة الحنفية، أوَّل تأليفٍ في علم الاختلاف وفقه التخريج في كتاب: “تأسيس النظر”([9]).

ومن هنا يتبيَّن أنَّ تأليفَ العلاَّمة ابنِ بركة سابقٌ على غيره لصياغة القواعد الفقهية، وإلحاقِ الفروع الملائمة لها، واستثناءِ الفروع الخارجة عنها.

بل إنَّه ألَّف رسالةً مستقلَّةً في قاعدة واحدة من القواعد الكبرى المتَّفق عليها وهي: “العادة محكّمة”، سمَّاه: “كتاب التعارف”، يقول في هذا الكتاب: “فالواجبُ على من أنعم الله عليه بالإسلام، وخصَّه بشريعة الإيمان؛ أن يبدأَ بتعليم الأصولُ قبل الفروع، وأن يثبِّت قواعدَ البنيان قبل أن يرْفع شواهق الأركان، ومن عرف معانيَ الأصولَ؛ عرف كيف يبني عليها الفروع، ومن لم يَعْرف حقيقةَ الأصول؛ كان حريّاً أن تخفى عليه أحكام الفروع”([10]).

وقد تحصَّل هذا العلاَّمة على مَلَكة علم الفقه بفضل ما منّ الله عليه من علم الأصول والقواعد الفقهية، فصارَ يتعاملُ مع المسائل الفقهية ببصيرةٍ جامعةٍ، ومبادئَ ثابتةٍ، ونظرةٍ واسعةٍ، وفكرةٍ ناضجةٍ، فانطلقَ انطلاقةَ القائد الهمام، والشجاعِ المقدام، يناقشُ كلَّ مسألة تُنقَل إليه، ويَستعمل قدرتَه في ترجيح الرَّاجح، وتفنيدِ المرجوح، وقلَّما يتجاوزُ مسألةً إلاَّ ويقولُ فيها: “وهذا القول أشيقُ إلى قلبي”([11])، أو: “هذا عندي أنظرُ القولين”([12])، أو: “هذا عندي هو القول”([13]). وأمثالُ ذلك مع بيان الأدلَّة في الغالب.

3- منهجه مع القواعد:

القواعدُ الفقهيّةُ هي التي يستنبطها الفقهاءُ من النصوص التي تحتمل التأويلَ، ويندرجُ تحتَ القاعدة الواحدة جملةٌ كبيرةٌ من الفروع من مختلَف أبواب الفقه، وهي أغلبيَّةٌ، يكونُ الحكمُ فيها على أغلب جزئيَّاتها، وتكونُ لها مستثنياتٌ.

وقد اهتمَّ العلماءُ المجيدُون بهذه القواعد؛ لأنها خيرُ عونٍ على ضبط المسائل الكثيرة المختلِفة في أبوابها، المتناظرةِ في أحكامها؛ بحيث تكون القاعدةُ وسيلةً لاستحضار الأحكام، وحاجةُ القضاءِ والإفتاءِ إليها ملحّةٌ.

والتزمَ أبو محمّدٍ في كتابه الجامع بالعملِ على تبْيِينِ هذه القواعد الفقهية مع القواعد الأصولية، وقد سبقت الإشارةُ إلى الوقت المبكِّر الذي عاش فيه أبو محمّدٍ، والذي شهِد وِلادةَ هذا الفنِّ الجليل فنِّ القواعد الفقهية، فقد وُفِّق أبو محمّدٍ في تلك الآونة إلى صياغة القواعد الفقهية صياغةً تتَّفق في غالبها وما تعارَف عليه أهلُ الفنِّ بعد ذلك.

ووجدنا القواعدَ الخمسَ الكبرى وقد نصَّ عليها بألفاظها، أو بإشارة واضحة إليها، وكذلك الكثيرَ من القواعد الأخرى، ومن بين تلك القواعد التي اعتنى بها وعالجها، قاعدة: “اليقين لا يزول بالشكِّ”، وقاعدة: “العادة محكَّمةٌ”، وقد ألَّف كتابه المسمى كتاب: “التعارف”؛ لتوضيح العلاقة بين القاعدتين؛ حيث إنَّه أثبت أنَّ شرع الله تعالى قد اعتبر قاعدة: “اليقين لا يزول إلا بيقين مثله”، وصلحت هذه القاعدة أن تكون أصلاً يَرجع إليها كثيرٌ من أحكام الإسلام.

ولكن بيَّن بالاستدلال والتمثيلِ على أنَّه من الخطإ أن يُعتبر هذا اليقينُ الذي لا يُخرجِ المكلَّفَ من الواجب إلا به، ولا يُقدِم على الأمور إلا به، أنَّه هو اليقين الذي عند الله، والحقيقةُ التي يعلَمُها اللهُ، بل الواجبُ الاعتبارُ باليقين الذي هو عندنا.

ومن عباراته في هذا المعنى قوله: “وأنَّ اليقين الذي تُعُبِّدْنَا به هو ما عندنا؛ لأنَّ ما عند اللهِ من اليقين لا يبلُغه علمُنا، الدليلُ على أنَّ الله تعبَّدنا بما هو يقينٌ عندنا ممَّا نعلمُ والظاهرَ من الأمور، ونستدلّ على معرفتها، ونخرج من العبادة دون أن نعلمَ حقيقتَه عند الله؛ ما تعبَّدنا بإباحة الفروج، والدماء، والأموال، التي عظم حرمتها وتوعَّد عليها بأليمِ العقاب؛ بالعدول من البيِّنة دونَ غيرهم من الفسَّاق، فعلينا طلبُ العدالة بظاهر أمورِهم، وما هو يقينٌ عندنا بما تسكُن إليهم نفوسنا، وتطمئنُّ به قلوبنا، لأنَّ الله جلَّ ذِكره لا يجوزُ أن يفترضَ علينا الحُكْمَ بالبينة العادلةِ عنده؛ لأنَّ ذلك عالمٌ بسرّهم وباطنهم، إلاَّ أن يَنْصِبَ لنا علماءَ يعرفون به كالسماء بين أعينهم، ولعلَّ جميعَ ما تعبَّد اللهُ به عباده من طريق الشريعة؛ أن ما أخذ عليهم أن يخرجوا منه بما هو يقينٌ عندهم، بما يستدلُّون على معرفته بالعادة الجارية والأحوال الظاهرة”([14]).

فبهذا الشرح الوافي يكونُ استعمالُ العادة والأخذُ بها أمراً مشروعاً، وتكونُ محكمة في الخروج من الأحكام التي ثبتتْ باليقين.

ومن منهجه أنَّه يلَمِّح إلى القاعدة مع كثير من الفروع التي يراهَا تندرجُ تحت قاعدته؛ ليؤكِّدَ على أصله الذي سارَ عليه في الحُكْم على الفرع، كقوله في قاعدة اليقين لا يزول بالشك: “من شكَّ في تكبيرةِ الافتتاحِ فلم يدْرِ أكَبَّرها أم لم يكبّرها؛ فالأصلُ أنَّه لم يأت بها، فلا يخرج من فرضها إلا بيقين”([15]).

ويقول في الحائض ترى الكُدْرَةَ عقِب حيضها: “فهو من حيضها؛ لأنها دخلتْ بيقين ولا تخرُج إلا بيقين وترى النقاءَ البيِّنَ”([16]).

وفي قاعدة العادة محكَّمة، في مسألة من حَلف لا يأكل البيض وأكلَ بيض السمك؛ أنّه لا يحنث، يقول: “لأنَّ عُرْفَ الناس وعاداتِهم ومقاصدِهم على بيْضِ الدجاج”([17]).

وفي قاعدة المشقّة تجلب التيسير يقول: “إنَّ المبْطُونَ يجمع الصلاتين للمشقَّة، وقالوا بجوازِ الجَمع في اليوم المطير للمشقَّة”([18]).

ومن منهجه أنَّه التزم في كثيرٍ من القواعد بالاستدلال لها من دلائلِ النقل والعقل، وقد أوضحْنا ذلك مع نماذجِ القواعدِ التي ذكَرناها في هذا البحث، وكثيراً ما نراهُ يخالفُ أصحاب مذهبه التزاماً مع القاعدة التي قرَّرها.

وفي كثيرٍ من الأحيان يَعيب على من يخالفُه الرأيَ في المسألة الواحدة من أصحابه وغيرِهم عدمَ السير على أصلهم الذي بنوا عليه آراءهم، فهو يَنظُر إلى فروع أصحابه ويجمعها في أصلٍ واحد، ويُبدي العَجَب عندما يراهُم خرَجوا في شيء من الفروع عن أصلِهم، فمثلاً يرى القاعدةَ أنَّ من أوصى بشيء غيرِ محدَّدٍ ومتردِّدٍ بين أمرين؛ أن يعطيَ الوسطَ منهما. يقول: “قال بعضُ أصحابنا: إذا أوصَى رجلٌ لرجلٍ بنصيبِ أحدِ ورثته؛ كان له مِثْلُ نصيبِ إحدى بناته، أو نصيب أقلِّهم، بهذا يقول محمّد بن محبوب رحمه الله، والنظرُ يوجب عندي أن يُعطى -على ما أصّلوا- كنصيب الخنثى، وقولهم فيمن أوصى له بنخلةٍ أنَّ له الوسطَ من النخل، وكذلك قالوا فيمن أوصى له بسيفٍ من سيوفه أو ثوبٍ من ثيابه، أنْ يدفعَ إليه الوسطَ من ذلك للإشكال، ولم أعلمْ ما وجهُ الفرق لهم بيْنَ ذلك، والنظرُ يوجب أن يدفعَ إليه الوسط من ذلك لمحاسبتِه الورثةَ؛ لأنَّه أشبهُ بأصولهم، والله أعلم”([19]).

ويقول: “إذا جرح رجل رجلاً فعفَا المجروحُ عن الجارح؛ جاز العفوُ عند أصحابنا، والنظرُ يوجب عندي أنَّ العفو باطلٌ؛ لأنَّ الحق لأولياء المقتول، وهذا أشبه بأصولهم؛ لأنهم أبطلوا هبةَ المريض، وإبراءَ الغريم وحلَّه له، ولم يجيزوا في مرضه إزالةَ شيء من ماله، إلا فيما لا بدَّ له منه لتعلِّق حقِّ الورثة في ماله حالَ مرضه، وهو عندهم كالمحجور عليه، فهذا حقٌّ واجبٌ عليه، فإبراؤه له منه في مرضه لا يصحُّ، والله أعلم”([20]).

وفي بعض المواضع يقول: “ويُنظَر في هذا الجواب؛ فإني لم أحفظ لأصحابنا فيه قولاً، بل تحرَّيتُه على أصولهم”([21]).

ويتتبَّع الإمامَ الشافعي في مخالفته أصلَه، يقول: “وقد وافقَنا الشافعيُّ في هذا، وقال: من ثبتَ له حكم يقين بشيء؛ لم يَزُلِ الحكمُ عنه إلا بيقين ثانٍ. ثمَّ لم يمض على قوله واستقامَته في هذا الباب حتى قال في رَجُلٍ وجدَ رجلاً ملفوفاً في ثوبٍ فضربه بالسيف فقطعه على نصفين، أنَّه لا شيء على القاطع، حتى يعلم أنَّ الملفوف كان حيّاً، والحياةُ قد تقدَّمت بيقين؛ فلا يجب أن يزيلَ ما تيقَّنه من حُكم الحياةِ للشكِّ المعترض”([22]).

الفصل الثاني: القواعد الخمس الكبرى

القاعدة الأولى: اليقين لا يزول بالشك.

بيانُ القاعدة:

هذه القاعدة أصلٌ شرعيٌّ عظيمٌ، يندرج تحتها ما لا يُحصى من الفروع الفقهية في أبوابه المختلفة من عبادات، ومعاملات، وأحوال شخصية، وعقوبات، وأقضية، حتى قال العلاَّمة السيوطي: “هذه القاعدة تدخُل في جميع أبواب الفقه، والمسائلُ المستخرجةُ عليها تبلغ ثلاثةَ أرباع الفقه وأكثرَ”([23]).

وقد استدلَّ العلاَّمة أبو محمد لهذه القاعدة بحديث رسول الله e: «إنَّ الشيطان ليأتي أحدَكم وهو في الصلاة فينفُخ في إليتيه، فلا ينصرفُ حتى يسمع صوتاً أو يَشَمَّ ريحاً»([24]). قال: “إنَّ الخبرَ الصحيحَ قد صحَّ عن النبيء e بالثبات على اليقين المتقدِّم من الطهارة ([25])؛ لأنَّ اليقين لا يرتفع بالشكِّ؛ ولأنَّه تيقَّن بعلمٍ وشكَّ فيه بغير معلومٍ، والمعلومُ لا يرتفع بغير معلومٍ. ووجهٌ آخرَ هو أنَّ الله U قد أوجب علينا إتيانَ الطهارة، ولا يجوزُ أن يرفع ما تَيقَّنا وجوبَه بالتجويز، والواجبُ عليه أنْ يأتيَ ما يكونُ به على اليقين من أداء ما افتَرض اللهُ عليه، فإذا كان هذا هكذا؛ فشكُّه فيما أُمر به – أَوْقَعه أو لم يُوقِعه – لا يزيلُ عنه ما تيقنَّ وجوبه”([26]).

وقد نصَّ العلاَّمة أبو محمد على هذه القاعدة بعدَّة صيغ، منها: “اليقينُ لا يَرْتَفِعُ بالشكِّ”([27]). وربما أوردها بصيغةِ: “اليقينُ لا يُزيلُ حكمَه إلا يقينٌ مثلُه”([28]). و: “الإجماع لا يزولُ بالشكِّ”([29]).

وقد استقرَّت هذه القاعدةُ عند أهل هذا الفنِّ بعد ذلك بعبارة: “اليقينُ لا يزولُ بالشكِّ”([30]).

الفروع الفقهية:

قال أبو محمَّد: “من تيقَّن حدثًا ثمَّ شكَّ، هل تطهَّر أم لم يتطهَّر؛ كان على حدَثه، ومن تيقَّن طهارتَه ثمَّ شكَّ فلم يدْرِ هلْ أحدثَ أم لم يُحدِث؛ فهو على طهارتِه”([31]).

–           من نام متَّكئاً فلا ينتقِضُ وضوؤُه ما لم يكن مضطجعاً([32]). هذا هو رأيُ أبي محمّد، وحجَّته أنّ الطهارة على يقينٍ، والحديثُ الذي يوجب إعادة الطهارة هو: «إنما الوضوء على من نام مضطجعا»، وقد صحَّ عنده أنَّه e اتَّكأَ على يده نائماً حتى نفخَ فقام فصلَّى([33]).

–           إذا رأت المرأةُ دماً أشكلَ عليها؛ فلا تدَعُ فرضَ الصلاة له ([34]). قال أبو محمد: “لأنَّا أوجبنا عليهَا الصلاةَ المفروضةَ في حال الطُّهر، ولا يسقُط عنها ذلك إلا في حالة الحيض، فإذَا لم تعلَمْ حيضَها؛ كانَ الواجبُ عليها أن لا تدعَ الفرضَ إلا بيقينٍ”([35]). وقال: “لا تَدَعُ الصلاةَ؛ لِعِلْمِها بفرضِ الصلاة عليها لشكّ على غير اليقين”. وهو يرى أنَّ الواجبَ أن تعتبرَ المرأةُ حيضَها بالعلاماتِ والأوصاف دون التقيُّد بالأيَّام([36]).

–           إذا وَلدتْ ولداً وبقيَ في بطنها آخرُ؛ فليستْ بنفساءَ ولا تدَعُ الصلاة، قال أبو محمد: “ما لم تضعْ ما في بطنها فهي حاملٌ، وغيرُ جائزٍ أن تكونَ نفساءَ وهي حاملٌ في ذلكَ الوقت؛ لأنَّ الحاملَ عليها صلاةٌ، والنفاسُ اسمٌ لوضعِ الحمل”([37]).

–           الصفرةُ والكدرةُ ليست بحيض إلاَّ إذا اتَّصلت بالدَّم، قال: “الصُّفرةُ والكدرةُ ليست من ألوان دمِ الحيض، فإذا حاضتْ فاتَّصلت بدمِ حيضها صفرةٌ أو كُدرةٌ فهو من حيضها؛ لأنها دخلتْ بيقينٍ ولا تخرُج منه إلا بيقينٍ، وترَى النقاءَ البيِّن”([38]).

–           يُمتنَعُ الوطءُ بعد الحيض وقبل الغسل، قال: “أجمعَ أصحابُنا مع مخالفيهم على تحريم وطئها لأجل الحيض، ثمَّ اختلفوا في إباحة وطئها بعد انقطاع دمها، واتَّفقوا على إباحتها بعد التطهُّر بالماءِ، فهم على الحظر حتى يجمِعوا على ارتفاعه وإباحته”([39]).

–           من وجد رجلاً ملفوفاً في ثوب فقطَّعه؛ فحكمُه أنَّه قاتلٌ، قالَ: “لأنَّ الأصلَ في ذلك الحياةُ، والحياةُ تقدَّمت بيقينٍ فلا يجب أن يُزيل ما تيقَّنه من حُكم الحياة للشكِّ المعترِض”. وذكَر أنَّ الشافعيَّ خالفَ أصلَه وتقعيدَه في هذه المسألة؛ فحكَم بأنَّ الأصلَ في ذلك الملفوفِ الموتُ([40]).

–           للزوجين أن يغسل كلٌّ منهما الآخرَ غُسل الموت؛ لأنَّ العصمةَ باقيةٌ بعد الموت، والمدَّعي قطعَ العصمة بينهما محتاجٌ إلى دليل، وأكدّ ما ذهب إليه بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً﴾([41])، وقوله تعالى: ﴿ولَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْواجُكُم﴾([42])([43]).

–           إذا وجد الماء متغيِّراً ولم يعلمْ سببَه؛ فهو محكومٌ له بالطهارة، قال: “كلُّ ماءٍ وُجد متغيِّراً ولم يُعلم أنَّ تغيُّرَه من نجاسةٍ؛ فهو محكومٌ له بحكم الطهارة؛ لأنَّا على يقين من أنَّه كان طاهراً، ولسنا على يقين أنَّه صارَ نجساً، وليس شكُّنا في زوال الطهارةِ عنه بموجِبٍ ثبوتَ النجاسة فيه”([44]).

–           “الشهادةُ على خروجِ شهرِ الصيامِ لا تقلُّ عن عدلين؛ لأنَّه إذا قُبل العدلُ الواحدُ في دخول الشهر، وذلك من طريق التعبُّد؛ لأنَّ خبرَ العدل واجبٌ قَبوله، أمَّا إذا وجب فرضُ الصيام؛ فلا يجوزُ الخروجُ من الفرض المتيقَّن إلا بيقين، فلا بدَّ من عدلين فيه”([45]).

القاعدة الثانية: العادة محكّمة:

بيان القاعدة:

لقد راعى الشارعُ الشريفُ عاداتِ الناس وأعرافهم فاعتبرها في كثير من الأحكام، والرسولُ e في فترة التشريع أبقَى على كثيرٍ من العادات، ومن أهمِّها الأخلاقياتُ السائدةُ والمحمودةُ، فقد قال عليه السلام: «جئتُ متمِّماً لمكارمِ الأخلاقِ».

ومنها المعاملاتُ، ومنها الأنكحةُ، وأصبحت هذه القاعدة معتمَدةً عند الفقهاء، ويُرجع إليها في كثيرٍ من أبواب الفقه.

وقد أطلقَ القرآنُ الكريمُ الأحكامَ في بعض المواضع، وتركَها للعادِة والعرفِ كتقدير طعامِ المساكينِ في الكفارة. قال أبو محمد في ذلك: “فإنْ قالَ قائلٌ ممَّن خالَفنا، لِـمَ أوجبتم الأُكلتين وليس في الآية تَكْراَر الطعامِ، والأمرُ إذا وَرَدَ مطلقاً وجبَ استعمالُه مرَّةً واحدةً، إلاَّ أن تقومَ دلالةٌ توجبُ التكرارَ؟ قيل له: قامتْ الدلالةُ من الكتاب والسنة، فأمَّا من الكتاب فيقول الله: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُم﴾([46]). والمعتادُ من طعامِ الناس لأهليهِم كلَّ يوم أُكْلتان؛ لأنَّ النادرَ من فعلهم إطعامُ أكلةٍ وثلاثِ أُكلاتٍ، وأمَّا ما فعله الناس من عاداتهم من إطعام لأهليهم أكلتين [كذا]([47]). واستدلُّوا أيضا لهذه القاعدة بقول الرسول e: «ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسنٌ».

وقد جعل العلاَّمة ابن بركة هذه القاعدة تخصيصاً للقاعدة السابقة: “اليقين لا يزول بالشكِّ”؛ فإنَّ المكلَّف إذا توجَّه إليه الحكْم بيقينٍ فإنَّه يرتَفِعُ بمثله من اليقين، أو بعلمٍ يسكنُ إليه القلب والعادةُ الجارية؛ ليقومَ مقامَ اليقينِ([48]).

واحتجَّ بمثل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾([49]).

وقد سمّى الله ما يُحكَم به علماً، وليس ثمَّة يقينٌ، بدليل قوله: (اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ).

واستدلَّ على ذلك من السنة في أمر اللُّقطة أنها تُدفع بعلاَمة يأتي بها المدّعِي لها، وليس هناك يقينٌ([50]).

ونقل الإجماعَ على قَبول الهديَّة وانتقالها إلى مِلك من أُهديت إليه بواسطةِ رسولٍ، وربما كان صبيّاً، فزوالُ مُلكها من صاحبها المتيقَّن حصلَ بما يسكُن إليِه القلب، وجرَت عليه العادةُ ([51]).

وكذلك الرجل يتزوَّج المرأةَ من وليِّها وهو غيرُ عارفٍ بها، ثمَّ تسلَّم إليه المرأةُ على أنها زوجتُه، وليس إلاَّ سكونُ القلبِ والعادةُ الجارية.

ويُحكَمُ على الغائب بالموتِ بعد مُضِيِّ مائة وعشرين سنة؛ بموجب العُرف والعادة الجارية أنَّه لا يعيشُ أكثرَ من هذا القدر، وليس مُرورها يوجب موتَه بيقينٍ([52]).

يقول: “ولعلَّ جميعَ ما تعبَّدَ اللهُ به عباده من طريق الشريعة ما أُخذ عليهم أن يخرجوا منه بما هو يقينٌ عندهم، بما يستدلُّون على معرفته بالعادة الجارية والأحوال الظاهرة، لا بما يُعلم حقيقتُه”([53]).

وقد ألَّف رسالةً كاملةً في العُرف والعادة وما يسكن إليه القلب مما يجري بين الناس من التعامل، سمَّاها: “كتاب التعارف”.

الفروع الفقهية:

–           الأيمانُ تُرَدُّ إلى العادات إذا عُدِم القصدُ من الحالف، قال: “فلو حلف إنسانٌ لا يأكل البيض ولا نيَّة له؛ أنَّه لا يحنثُ إن أكل بيضَ السمك؛ لأنَّ عُرف الناس وعاداتُهم ومقاصدُهم على بيض الدجاج”([54]).

–           ولو حلف لا يسكُن بيتاً؛ فكلُّ بيتٍ من حجر أو مدرٍ يسكن فيه حنثَ، وإنْ سكنَ بيتاً من شَعر أو نحوِ ذلك لم يحنث؛ لأنَّ البيتَ المعروف والمقصود إليه هو ما ذكرنا([55]).

–           يُحكَم على المرأة بترك الصلاة بسبب الدَّم الذي يأتيها في أيام عادتها؛ أنَّه حيضٌ بالعادة وغلَبة الظنِّ([56]).

–           إذا أرادت المرأةُ الكبيرة أن تعتدَّ من الطلاق وقد انقطَع حيضُها وبلغت ستين سنة؛ حكم عليها بالإياس، واعتبرت عدتَّها بالأشهر([57]). وإنما حُكم عليها في هذا العمر بالإياس بموجب العادة والعرف.

–           يلزم المطعمَ للمساكين في كفارة اليمين وغيرها بأُكلتين مأدومتين على حسب المتوسّط من عادة الناس في إطعام أهاليهم ([58]).

–           لو أعتق الإنسان عبدَه وله عبدٌ وأمَةٌ؛ انصرف إلى الذكر. قال: “فإن حضرتْ رجلاً الوفاةُ وله عبدان ذكر وأنثى، وقال: أَعْتِقوا عني عبدِي، أو قال: عبدي حرٌّ بعد وفاتي، بأيّهما تقع الحرية؟، قيل له: إن الإنسان يُخاطب بعادته وعرفه، والعبد في ظاهر اللغة وغالبِها هو الذكر دون الأنثى، وعلى هذا عُرْف العامَّةِ”([59]).

–           إذا قال: أنت طالق إن لم أضرب فلاناً، فضربه وهو ميِّتٌ حنث، قال: “والنظر يوجب أنَّ ضرب الأموات من بني آدم وغيرهم ليس بضرب، وأنَّ حكم البشرية قد زال عنه بالموت؛ لأنَّ أيمانَ الناس على عُرفهم وعاداتهم”([60]). وقد ذكر الرأيَ عن أصحابه أنَّه لا يحنَثُ.

–           البيعُ يجوزُ في الغبن القليل المتعارَف عليه، ولا يجوزُ إذا تفاحش الغبنُ، وخرجَ عن مقدار ما يتغابن الناس في مثله ([61]).

–           إذا باع أرضاً بما فيها؛ دخلَ في البيع الخشب، والشجر، والنبات، وما يعرف بها؛ لأنَّه تَبَعٌ للبيع ([62]).

–           إذا وكَّل رجلٌ رجلاً في شراء عبدٍ، فوافق عبداً في يد وكيل الأمر له، فاشتراه ولم يعلم أنَّه لمن وكَّله؛ فإنَّ الشراءَ باطلٌ؛ لأنَّ عرفَ الناس وعاداتهم ألاَّ يَأْمروا بشراء ما دخل في ملكهم ([63]).

–           جوازُ الدخول بلا استئذان في البيوت التي جرت العادةُ دخولها كبيتِ المأتمِ، والعرس، ومجالس الحكام، والبيت الذي فيه حريق، وما كان في هذا المعنى ([64]).

–           يُحكَم بموت المفقود إذا مضى أجلُ الفقد وهو أربعُ سنين استدلالا بالعادة ([65]). والغائبُ يحكم بموته إذا مضى له مائة وعشرون سنة اعتباراً بالحال الذي عليه الناس ([66]).

–           إذا كانت سنة البلد بمبايعة الصبيان والعجم جائزةً بينهم؛ فالتعارف يوجب الإجازة لذلك ([67]).

القاعدة الثالثة: المشقَّةُ تجلب التيسير.

بيان القاعدة:

هذه القاعدةُ تعني سماحةَ الشريعةِ ويُسْرَها، فقد جعلَ الله تعالى الأحكامَ التي كلَّف بها الأمَّةَ المحمديَّةَ سهلةً ميسورةً، ومهما بدت أسبابُ المشقَّة يأتي التخفيفُ والتيسيرُ، ويُلاحَظ في أحكام الشريعة واضحاً التخفيفُ في الأحكام، منها رفعُ الإثمُ عن الناسي، والنائم، والمكرَه، والمجنونِ، ومنها تخفيفُ الصلاةِ في حال الخوفِ، واستعمالِ التراب بدل الماء، عند خوف الضرر وعند فقده، ومنها مشروعية الفطر للمريض والمسافر في رمضان، ومنها عدمُ تكليفِ الحائضِ بدَل صلاتها؛ لتكرُّر ذلك كلَّ شهر بخلاف بدل الصوم، وأمثالُ هذا كثير لا يحصى.

يقول الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِن حَرجٍ﴾([68])، ويعلِّمنا اللهُ جلَّ وعلاَ دعاءً نتوجَّه به إليه: ﴿رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾([69]).

يقول أبو محمَّد مستدلاًّ لهذه القاعدة: “إن الله جلَّ ذِكره يسّر هذا الدينَ، وخفَّف المحنةَ عليهم، كذلكَ قال الله في محكم كتابه: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾([70])([71]). وقال الله U: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإِنْسَانُ ضَعِيفاً﴾([72])([73]). وقال: “والجمعُ للمسافر وجبَ باتِّفاقٍ لمشقَّة السفر”([74]).

ويجب أن يُعلم أنَّ قاعدة المشقَّة تجلب التيسيرَ ليست مطَّردةً لا تتخلَّف في كلّ حالات المشقة، بل إنَّ التيسير منوطٌ بما نصَّت عليه الأدلَّة الشرعية، الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس، وغيرها من الأدلة المعتبَرة شرعاً، وما لم يعتبر في الأدلة الشرعية سبباً؛ فلا يصحُّ الترخيصُ به، وقد ينصّ على حُكم مخفَّف في الشريعة ولو لم تتحقَّق المشقَّة في الواقع([75]). فليس كلُّ مشقَّة تجلب التيسير، ولا كلُّ تيسير سببه المشقَّة، وإنما القاعدة تجري على الغالب.

وحصر بعض الفقهاء أسبابَ التخفيف في سبعة أسباب رئيسية وهي مجمَلة في: السفر، والمرض، والإكراه، والنسيان، والجهل، والعسر، وعموم البلوى، والنقص الطبيعي([76]).

الفروع الفقهية:

–           صلاةُ المستحاضة وطهارتها: قال أبو محمد: “أجمعَ أصحابنا أنَّ المستحاضةَ تغتسل لكلِّ صلاتين غسلاً واحداً، وتصلِّي به صلاتين في مقامٍ واحدٍ، وللصبح غسلاً…، وقال بعضُ مخالفينا على المستحاضة أنْ تغتسلَ لكلِّ صلاة غسلاً ولا تجمع، وهذا فيه ضربٌ من الاحتياط، والذي ذهب إليه أصحابنا أنظر من قول مخالفينا، لأنَّه بالسنة أشبه، على أنَّا إذا سلَّمنا الطعنَ في خبر عائشة من طريق النظر، فإنَّ الجمع للمسافر وجب باتّفاق لمشقّة السفر، والمستحاضة أولى بذلك؛ لأنَّ المشقَّة عليها في حالِ استحاضتها أعظمُ”([77]).

–           المرعوفُ ومن لا يرقأ دمه: قال أبو محمد: “النظرُ يوجبُ عندي أنّ المرعوفَ ومن لم يرقأ دمه، أنَّ الجمع للصلاتين يجزيه قياساً على المستحاضة، وهذا أشبهُ بأصول أصحابنا؛ لأنَّ المستحاضَة جازَ لها الجمع للمشقَّة، وكان الجمع من ا لله لها تخفيفاً عليها ورخصة”([78]).

–           جمع الصلاتين للمبطون: يقول أبو محمد: “قال أصحابنا إنَّ المبطونَ يجمعُ الصلاتين للمشقَّة عليه في الطهارة عند كلِّ صلاةٍ، والتعب الذي يلحقه، وقالوا بجواز الجمع في اليوم المطير للمشقَّة”([79]).

–           طهارةُ سؤْر السنَّور لعموم البلوى: قال: “كلُّ ما حرم لحمه ولبنه من السباع؛ سُؤْرُه نجسٌ، بخلاف السنور؛ لأنَّ السباعَ لا بلوى علينا بها، ولا نكادُ نبتلى بها كالسنور الذي خفّفت المحنة عنَّا به لأجل البلوى”([80]).

–           طهارة البئر من النجاسة: قال: “اختلفَ السلف في الفأرة ونحوها إذا ماتت في البئر كم يُنـزح منها؟، ومع اختلافهم في ذلك أجمعوا أن تنـزح بعضها ويطهّر الباقي منها، والقياس أنّ الماء قد فسد كلُّه كما لو كان في الأواني، ولكن رأوا أنَّ ذلك يؤول إلى مشقَّة في باب العبادة”([81]).

ويندرج تحتَ هذه القاعدة قاعدةٌ أخرى، هي:

“الضرورات تبيح المحجورات”: فالله تعالى قد يبيح ما هو حرامٌ في الأصل بسبب الضرورة التي هي عينُ المشقَّة والحرج، يذكُرُ من ذلك أبو محمَّد بقوله: “قد أباح الله أكلَ الميتة للمضطرِّ، وكذلك شُرْب الخمر حرامٌ، وجائزٌ للمضطرِّ شُربه ليُحييَ به نفسَه، وكذلك حَرُمَ على الناس أموالُ الأيتام والبالغين، ويجوزُ أكلُه في حال الاضطرار، وكذلك يجوز أن يكون الرسولُ e أجاز لوفد عبد القيس النبيذَ لاضطرارهم إليه، وليحيوا أنفسهم من سوء الحال التي بهم”([82]).

“الضرورة تقدر بقدرها”: وهي كالتخصيص للقاعدة الأمِّ؛ لأنَّ الذي يباحُ من المحجورات يكون بقدر الحاجة ولا يزيد. قال أبو محمد: “ليس للمضطر أن يأكلَ من الميتة حتى يشبع؛ لأن الإباحة وردت له بسبب الخوف، فإذا زال الخوف ارتفعت الحاجة”([83]). قال: “ومن اضطُرَّ إلى مال غيره؛ أكل منه قدرَ ما يزول عنه الخوف به، وعليه ضمان ما أكل”([84]).

القاعدة الرابعة: الأمور بمقاصدها.

بيان القاعدة:

هذه القاعدة أصلٌ من أصول الشريعة يتوقَّف عليها قَبول الأعمال وردّها، وصحّتها، وفسادها، فكلّ أعمال العباد من قولية أو فعلية تؤثِّر عليها النية والقصد، والعلاَّمة أبو محمد احتج لهذه القاعدة بأدلة منها:

–           قال الله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾([85])([86]). فالآية تدلُّ على إخلاص العبادة بالقصد والنية لله وحده، ذلك ما أمر الله به عباده.

–           قال الله تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً () إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ﴾([87]). وقال: ﴿وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ﴾([88]). قال أبو محمد عن الآية الأولى: “مدحهم الله تعالى بإنفاقهم لأموالهم إذا كانت المقاصدُ لله U، وفي الثانية ذمّهم بالإنفاق؛ لأنهم لم يقصدوا الله جلَّ ذكرُه بها، وقد استوى الإنفاقان في الظاهر، وهذا مُنفقٌ وذاك منفِقٌ، جعل أحدهما طائعاً بالإخلاص والقصدِ إلى الله جلّ وعلاَ، والآخرَ عاصياً لتعرّيه من هذه الحال، مع تساويهما في الإنفاق”([89]).

–           واحتجَّ أيضا بقول الرسول e: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكلّ امرئٍ ما نوى»([90]). والحديث يعتبره كثيرٌ من العلماء أصلاً لهذه القاعدة، وجعلوهُ ثُلث العلم، ومنهم من قال: رُبعه ([91]).

وقد أطلق عدَّة صيغ على هذه القاعدة:

–           الله عز وجل لا يقبل الطاعةَ ممن أطاعه إلا على النية([92]).

–           إذا لم يعمل ما أُمر به بقصد واختيار؛ لم يسمَّ مطيعاً([93]).

–           كلُّ فعلٍ أوجبه الله على أحد من عباده، فليس بمؤدٍّ له من لم يقصده إلى أداء فرضه([94]).

–           يصيرُ الفعل طاعة أو معصية إذا أضيفت إليه النية([95]).

–           الفريضة لا تؤدّى إلا بالإرادات([96]).

الفروع الفقهية:

– قال: “وجب إحضارُ النية للطهارة وسائر العبادات بظواهر الأدلّة التي ذكرناها”([97]). من ذلك: الغسل للجنابة، والوضوءُ، والتيممُ، وكذلك الصلاة، والصوم، والزكاة، والحجُّ، وغيرُها.

يقول في الطهارات: “والذي نختاره نحن أنّه لا يكون متطهِّراً لوضوءِ الصلاة أو لغسلِ الجنابة إلا بنيّةٍ وقصدٍ؛ لأنَّ الوضوء فريضةٌ لا تؤدَّى إلا بالإرادات وصحَّة العزائم”([98]).

وقال في الصيام: “إنَّ الإنسان إذا أصبح غير ناوٍ للصوم، واشتغل عن الأكل، والشرب، والمنكح، حتى غروب الشمس، لم يستحقَّ اسم صائم، ولا يسمَّى مطيعاً؛ لأنه معرًّى عن الإمساك مع النية، وما أتاه فهو صورة الصوم، ولو تقدَّم هذا الإمساكُ بنية من الليل؛ لسمّي مطيعا، واستحقَّ اسم الصوم”.

قال: “الواجب على الإنسان استصحاب النية للعبادات إذا أراد فعلها، واستصحابُه لها هو أن لا ينقلها من عملٍ هو فيه إلى غيرِها”([99]).

–           قال: “المرأة يأتيها خبر وفاة زوجها أو طلاقها بعد انقضاء العدة التي تعتدُّ في مثلها، فقد اختُلف فيها، والذي يذهب إليه خلافاً لأصحابه أنها لا تَعتبر بما مضى من وقت، بل تأتي بفعلِ ما تُعُبِّدَت به؛ لأنَّ العدَّة عبادةٌ لا تؤدَّى إلاَّ بقصدٍ وإرادةٍ ونيةٍ”([100]).

–           طلاق السكران الفاقدِ للقصد لا يقع. يقول: “والذي يوجب عندي أنَّ السكران الذي عنده تمييز أنَّ الأحكام تلزَمه في كلّ شيء؛ لأنَّه يفعلُ ما يفعله بقصدٍ لما عنده من التمييز، وأمَّا السكران الذي لا تمييز معه كالمجنون الملقى في قارعة الطريق، والساقط على المزبلة، فسبيلُه عندي سبيلُ المجنون الذي تقع أفعاله معرَّاةً من المقاصد”([101]).

الاستثناء:

–           ما أوجبَ الوضوء فهو على العمد والسهوِ سواء([102]).

–           إذا مسَّ المتوضئُ الفرجَ ناسياً اختُلفَ فيه، قال أبو محمد: “والنظرُ يوجبُ عندي إعادةَ الطهر على من مسّ متعمّدا أو ناسياً؛ لأنه ليس من قِبل المعصية، ولكن لأنّ الدليل أوجب نقض الطهارة فاستوى الخطأ والعمد، لاتّفاقنا على أنَّ خروج الريح من الدبر تنقض الطهارة بالعمد والقصد، وكذلك خروج الجنابة”([103]).

القاعدة الخامسة: الضرر يزال.

بيان القاعدة:

هذه القاعدة جاءت مبنيّةً على الحديث: «لا ضرر ولا ضِرار في الإسلام»([104]). وتقرَّر دفعُ الضرر عن الناس سواء كان ضررا خاصًّا أو عامًّا، وقد جاءت الشريعة الإسلامية تنهى عن الإضرار. يقول الله تعالى: ﴿وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً لِتَعْتَدُوا﴾([105]). وقال: ﴿وَلا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ﴾([106]). وقال: ﴿وَلا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ﴾([107]).

بل جاءت الشريعة الغرَّاءُ في أحكامها بأمور تدفع الضررَ فيها ابتداءً، كمشروعية القصاص لرفع الضرر عن أولياء المقتول، ومشروعية الحدود لرفع الضرر عن المجتمع، ومشروعيّة الشفعة لرفع الضَّرر عن الشريك القديم من الشريك الحادث، وتحريمِ الربا لرفع الضرر الذي يقع على المحتاجين، وضمانِ المتلف لرفع الضرر اللاحق بمن أُتلِفَ مالُه، وغيرِ ذلك([108]).

الفروع الفقهية:

– رفعُ الضرر الناتج عن الغرر في البيوع. يرى أبو محمّد الخيارَ للمشتري في البيوع المنهيِّ عنها، والتي يلحَق بمشتريها ضررٌ، مثل: بيع الحاضر للبادي، وتلقِّي الأجلاب، وبيع اللبن في أخلاف الناقة وضرع الشاة، وأمثالِ ذلك، فقد قال: “ذهبَ أصحابنا إلى أنَّ البيع ثابتٌ والبائع عاص. ويعجبني أن يكون الخيار للمشتري إن شاء قبل البيع وإن شاء نَقَضَ”([109]). قال: “ويعجبني أن يكون كلُّ غرر يذهب له مال هذا طريقتُه؛ لأنَّ النبي صلعم نهى عن الغرر وقال: «خديعة المسلم محرَّمة».

ويروى أنَّ رجلاً قال للنبيء صلعم: يا رسول الله، إنني رجل أُخدَع في البيع، فقال النبي e: «إذا بايعت فقل لا خِلاَبَةَ…»”([110]).

– ردُّ المبيعِ بسبب العيب الموجود فيه للضرر، فعندما يشتري الإنسانُ سلعةً ويكونُ بها عيبٌ يعلمه البائع ولم يبيّنه للمشتري، ويقع للمشتري الضرر منه؛ فإنَّ البيعَ يرد. قال أبو محمد: “إن اشترى رجلٌ عبداً بثمنٍ معلوم، واستعمَله واستغلَّه ثم وجد به عيبا ردَّه بالعيب الذي كان فيه، إذا كتمه إياه ولم يعلم المشتري به”([111]).

– ردُّ المبيع بالغبن في الثمن رفعاً للضرر، فإذا تمَّ البيعُ وتبيَّن بعد ذلك حصول غبن وكان ذلك الغبن فاحشاً؛ فإنَّ هذا الضررَ لا بدَّ من رفعه إذا طلب المغبون ذلك([112]).

– الإمامُ يسعِّر البضائعَ في حال الضرورة، قال أبو محمد: “وليس للإمامِ أن يسعِّر على الناس أموالهم، ولكن إذا بلغَ الناسُ حالَ الضرورة من الحاجة إلى الطعام، وغرم الطعام ما في أيديهم مع سوء حال الناس والشدَّة؛ جازَ للإمام أن يأخذَ أصحابَ الطعام ببيع ما في أيديهم بالثمن الذي يكون عدلا من قيمته، ويجبرهم على ذلك”([113]).

ويندرج تحت هذه القاعدة قاعدة أخرى، هي: “الضرر لا يزال بالضرر”، وتفهم هذه القاعدة من قوله e في الحديث السابق: «ولا ضرار»، ففي الأمثلة التي تقدَّمت يُلاحظ أنَّ ردَّ العيب يجب أن يكون ذلك العيب موجوداً غير حادثٍ، يعلم البائع به، كما قرَّر أبو محمد، وأن لا يكونَ المشتري عالماً به؛ لأنَّ مجرد علم المشتري به قبل البيع أو علمه بعد البيع وسكت، ولو في وقت قصير؛ بَطَلَ حقُّه، لئلاَّ يلزم إضرار آخر بالبائع.

وكذلك يراعى في الغبن أن يكون خارجاً عن الحدِّ الذي جرت العادة من التغابن بين الناس، يقول أبو محمد: “إذا تفاحش الغبن وخرج عن مقدار ما يتغابن الناس فيه”، ومثل ذلك يراعى في التسعير الحاجةُ القصوى الشديدةُ؛ حتى لا يُزالَ الضررُ بضرر مثله.

وهذا المثال الأخير يدخل تحت قاعدة أخرى هي: “يُتحمَّل الضررُ الخاصُّ لدفع الضرر العامِّ”.

الفصل الثالث: القواعد والضوابط الفقهية

قاعدة: الميسور لا يَسقُط بالمعسور

تعني هذه القاعدة أنَّ الله تعالى إذا كلف العبد عملا فعجز عن بعضه كان عليه القيام بالبعض الباقي, كذلك إذا كلف في العبادة بأمرين واستطاع على أحدهما كان عليه فعله, فما لا يدرك كله لا يترك كله.

ويدل على هذه القاعدة قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا﴾([114])، ويقول تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا﴾([115])، وفي الحديث عن الرسول e: «إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم»([116]).

وقد عبَّر العلاَّمة أبو محمد عن القاعدة بقوله: “من أُمر بفعل شيئين فعجز عن فعل أحدهما؛ لم يسقط عنه فعل ما قدر عليه”, واحتَجَّ لها بالحديث المتقدِّم. ([117])

الفروع الفقهية:

–           قال أبو محمد: “إذا خوطب الإنسانُ بفعل الصلاة وقد حضر وقتها فلم يجد الماء ولا الصعيدَ؛ فإنَّ عليه الصلاة, وليس عجزُه عن وجودِ ما يتطهَّر به لها يُسقط عنه فرضها”([118]).

–           قال: “وإذا كان محدِثا ولا نجاسةَ في بدنه وعنده من الماء مالا يكفيه لغسل أعضائه المأمور بغسلها إذا أراد الصلاة؛ كان المأمور به استعمال الماء على ما يكفيه من أعضائه، ويتيمَّم لما بقي. واحتجَّ على هذا بقوله: “ذلك أنَّ الله جلَّ ذكره أوجبَ الغسلَ على كلِّ عضوٍ على انفرادٍ, ولم يقل: إذا عجزتم عن غسل بعض أعضائكم فلا تستعملوا الماء, فالواجب أن يستعمل ما قدر على استعماله, والدليل قول النبي e: «إذا نهيتكم عن شيء فانتهوا، وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم»، ودليل آخر: أنه لا يجوزُ له العدولُ إلى الترابِ وهو واجدٌ للماء قول الله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾([119])([120]).

–           قال: “وإذا قطعت يد المتعبّد من المرفق؛ وجب عليه أن يغسل موضعَ القطع؛ لأنّه ظاهرٌ موضع الوضوء”([121]). وقال في موضع آخر: “ومن كان أقطعَ اليدِ أو ممتنعة لعذر؛ كان الفرض عليه فيما بقي, وسقط فرض ما عدم إذا امتنع لعذر, فلا يجبُ عليه التيمَّم مع ذلك”([122]).

–           قال: “من كانت به جراحات لا ترقأ ولا ينقطع منها الدم؛ أنَّ فرض السترة على هؤلاء ولو امتلأت بالدم والنجاسة, ولم يسقط الله تعالى فرض السترة من أجل النجاسة إن كانوا لا يجدون إلى غيرها سبيلاً”([123]).

–           قال”ومن رعف فلم يرقأ دمه ولم ينقطع؛ فإنَّه يصلّي قاعداً ويتوقَّى ثيابه أن يصيبها الدم ولتكن صلاتُه جلوساً في رملٍ، أو رماد، وحيث لا يسري به الدم فيحفر بين يديه خبة [حفرة] يقطرُ الدم فيها ويصلّي كما أمكنه بطهارة الماء، إلا موضع الحدث إذا لم يمكنه سدّه. وجاز لـه أن يجمع بين الصلاتين قياساً على المستحاضة”([124]).

–           قال: “والمريض يصلِّي على حسب طاقته, والعريان يصلِّي قائماً لقوله تعالى:﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾([125])؛ لأنَّ فرضَ الصلاة على من قدر على القيام بإجماع الأمَّة, فالفرضُ إذا وجب على وجه لا يسقُط إلا بالعجز عنه. قال أصحابنا:يصلِّي العراة قعودا”([126]).

–           “وللإنسان أن يصلّيَ إلى غير القبلة إن خشي التوجَّه إليها”([127]).

الاستثناء:

–           “من لزمه عتقُ رقبة ولم يجد إلا نصفاً؛ سقط عنه وكان عليه الصوم, وعلَّل ذلك بأنّ العتق لا يتجزَّأ بخلاف أعضاء الوضوء فإذا قطع بعضهَا كان الفرضُ باقياً في الباقي منها”([128]).

–           “إذا بلغَ في بعضِ النهارِ لم يلزمه صومُ ذلكَ اليوم من رمضان ولا يجب عليه القضاء، وإن قال بالقضاء كثيرٌ من أصحابنا..؛ لأنَّ صومَ بعضِ اليوم لا يجوزُ”([129]).

قاعدة: من استعجل شيئا قبل أوانه عوقب بحرمانه.

معنى القاعدة:

إذا لجأَ المكلَّف إلى عملِ شيءٍ من الأمور التي ربط الشارع بها حكماً، فاستعجلَ لينالَ ذلك الحكم قبل حضور وقت ذلك الحكم، أو قبلَ تحقُّق الشروطِ المشروعة فإنَّه يعامَل بنقيض مقصوده؛ بحيث يُحرَمُ ممَّا يَطمع في نيله.

يقول أبو محمَّد: “ألا ترَى أنَّ القاتلَ حُرِمَ بتعدِّيه الإرثَ عمَّن يرثُه؛ لطمَعه بتعجيل ما كان يستحقُّ بغير معصية, فكانتْ المعصيةُ عقوبةً لـه وحرماناً لما كان يستحقُّه، لركوبه نهيَ الله تبارك وتعالى”([130]).

ومن أدلَّة هذه القاعدة قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾([131]), وقد ذكَر الإمامُ البخاريُّ في سبب نزول هذه الآية الكريمة أنها نزلت في قوم ذبحوا أضحيتهم قبل أن يصلّيَ رسولُ الله e، فأمرَهم أن يعيدوا الذبحَ حيث أنهم استعجلوا الذبحَ قبلَ وقته المحدَّد شرعاً؛ فكان لغواً ([132]).

واستدلَّ أبو محمَّد بما نقلَ عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه في رجل خطب معتدَّةً توفي عنها زوجها وتزوَّجها؛ فحكم بالتفريق بينهما, قال: “ولعلَّه جعله عقوبةً لهما لئلاَّ ينتهكَ الناسُ مثلَ هذا الفعلِ ويركبون نهي الله تعالى” ([133]).

الفروع الفقهية:

– قال: “ولا يجوزُ أن يخطبَ الى المميتة نفسها وهي في العدَّة فمن فعل ذلك كان عاصياً لنهيِ الله تعالى له عن ذلك لقوله جلَّ وعلا: ﴿وَلَكِنْ لا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرّاً﴾([134])، فإن توافقا على ذلك فتزوَّجها وهي في العدَّة؛ أو بعدَ انقضاء العدَّة للمواعدة التي كانت بينهما؛ لم يجز لهما الإقامة على نكاحهما، وفُرّق بينهما، وحرمت عليه أبداً في قول أصحابنا، ولم أعلم بينهم في ذلك اختلافاً”([135]).

– قال: “ومن طلَّق زوجتَه طلقةً أو طلقتين ثمَّ وطئها قبل أن يراجعها بالإشهاد بالبينة فإنها تحرُم عليه في قولِ أصحابنا، ولم نعلم بينهم في ذلك اختلافاً، وهو ما رُويَ عن ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما”([136]).

– إذا قتل أحد قرابته الذين يرثهم فإنّه يُحرم من الميراث, وكان يستحقُّ الميراثَ لو لم يلجأ إلى القتل، فحصولُ القتلِ منه استعجالاً للميراثِ قبل أوانه([137]).

– إذا زنا الرجلُ بامرأةٍ؛ فلاَ يجوزُ لـه أن يتزوَّج بها بعدَ ذلك؛ لأنَّه استعجلَ على وطئِها بدون عقد شرعيٍّ يبيحُها لـه, فيعاقَب بتحريمها عليه.([138])

قاعدة: الشبهة تُسقطُ الحدَّ.

معنى القاعدة:

الحدودُ عقوبةٌ فرضتها الشريعة الإسلامية على بعض المخالفات الكبيرة التي تقع من المكلَّفين في المجتمعِ المسلم الذي يحكمه نظام الشريعة؛ لأجل قطع دابر الفساد, وحماية المجتمع من الرذيلة والظلم. ولكن هذه العقوبات سرعانَ ما تسقطُ مع وجودِ الشبهة حمايةً لحقِّ الإنسان؛ فإنَّ العفوَ والسماحةَ هو الأصلُ والمبدأُ في الإسلام.

واستدلَّ أبو محمَّد لهذه القاعدة بقوله e: «ادرأوا الحدودَ بالشبهاتِ ما استطعتم», وعبَّر عن القاعدة بقوله: “والحدُّ متى اعترضت فيه الشبهة سقطَ”([139]).

وليست كلُّ شبهةٍ تسقطُ الحدُّ. يقول أبو محمد في مسألة من وطىءَ أمَّةً ولدهُ التي تسرَّاها: “والشبهةُ التي يُدرأ الحدُّ بها هي التي تقع بالواطئ في محظورٍ لا يعلَمُه فيوافقه من طريق الجهل, فأمَّا من أقدمَ على محظورٍ مع العلمِ بحظرهِ فلاَ شبهةَ هناك ([140]).

الفروع الفقهية:

قال: “في الأمَة تكونُ بين الرجلين فيطآنها جميعا فتأتي بولد, أنَّه يلحقهما نسبُ الولد ويكون ولدَهما؛ لأنَّ الولد يلحق من النكاح الفاسد كما يلحق من النكاح الصحيح, والحدُّ يسقط عنهما بشبهة الملك التي حصلت لهما في الأمَة, قال: وإلى هذا ذهب أصحابنا وأبو حنيفة”([141]).

قال “وإن قال رجلٌ لرجلٍ يا لوطيّ لم يكن قاذفا له؛ لأنَّه أضافه إلى لوط عليه السلام, وهو بالمدح أشبهُ عندي, ولا يجب الحدُّ بذلك؛ لأنَّ نسبه ذلك احتمل أن يكون نسباً إلى الفعل، واحتمل أن يكون نسباً إلى لوط عليه السلام, فإذا اعترضت الشبهة؛ سقطَ الحدُّ عندها, وإلى هذا ذهب أصحابنا”([142]).

قال: “ومن وجدَ منهُ رائحةَ الخمر لم يلزمه الحدُّ؛ لأنَّه يمكن أن يكون مكروهاً ويمكن أن يكون قد وضعه في فيه ثمَّ تركه, والموجبُ عليه الحدُّ من أصحابنا محتاجٌ إلى دليل مع احتمال الشبهة”([143]).

قاعدة: إذا اجتمع فرضان؛ فإنّ فرض كلّ واحد منهما غير الآخر.

معنى القاعدة:

إن الأمر إذا توجَّه إلى العبد بأداء فريضة من الفرائض وتوجَّه إليه أمرٌ آخر بأداء فرضٍ غير الفرض الأوَّل؛ فإنَّ العبدَ يكون مخاطباً بأداء الأمرين ولا يغني أداء فرض عن فرض, ولا تبرأ ذمَّته منه, ولا يكونُ خارجاً من واجبِ ما أُمر به إلا بفعل كلِّ أمرٍ بحالهِ.

ويقرِّر أبو محمد هذه القاعدة ناصّاً عليها بنفس الصياغة: “إذا اجتمع فرضان فإنَّ فرضَ كلَّ واحدٍ منهما غير الآخر”([144]). وكما سيلاحَظ من الفروع الفقهية أنَّه يخالف في غالبها أصحابُه لهذا الأصلَ الذي سار عليه.

الفروع الفقهية:

– قال: “واختلفَ أصحابُنا في المرأة تجامِع ثم تحيضَ قبلَ الاغتسالِ فقالَ بعضهم: إذا طهُرت اغتسلت غسلاً واحداً للجميع, وهو قول أكثرهم, وقال بعضهم: عليها غُسلان, وهو الذي نختارهُ؛ لأنَّ الله تعالى أوجبَ على الجنب التطهَّر بقوله جلَّ ذكره: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا﴾([145]). فهذه لفظةٌ مشتملةٌ على الذكور والإناث فعليها الاغتسال من الجنابة بأمر الله تعالى لها بذلك, وقد أمرها الرسول e عند إدبار حيضها بالاغتسال؛ لقوله e: «إذا أدبرت الحيضة فاغتسلي وصلي»، فعليها أن تغتسل بالسنة والكتاب غسلين” ([146]).

– قال: “واختلف أصحابنا في الجنب يغتسل للجمعة فقال بعضهم: يجزيه ذلك للجنابة ويكون متطهِّرا, وقال بعضهم: لا يجزيه ذلك عن طهارته للصلاة من الجنابة, وهذا هو القول عندي، والنظرُ يوجبه، والسنة تؤيّده”([147]).

– قال: “والواجبُ على الجنب أن يتطهَّر للصلاةِ قبل الاغتسال ثمَّ يغتسل؛ لأنَّه مخاطَبٌ عند قيامه للصلاة بالطهارتين جميعا إذا كان جنبا بظاهر الآية والله أعلم، وقد قال بعض أصحابنا أنَّ عليه إحدى الطهارتين: غسلَ الأعضاء إذا كان محدِثا من غير جنابة, وغسلَ سائر البدن إذا كان جُنبا”([148]).

– قال: “واختلَف أصحابُنا في الحدود إذا اجتمعت على رجل وكانت مختلفة، قال بعضهم: يبدأ بالأخفّ ثم الأشدّ، حتى يأتيَ الإمام عليها كلَّها. وقال محمد بن محبوب: يبدأ بالقتل فإنه يأتي على الجميع, والنظرُ يوجب عندي أن تُقام على من استحقَّ منه إقامة الحدّ عليها، يبدأ بالأوَّل ثم الثاني والله أعلم”([149]).

الاستثناء:

– “إن توضأ لنافلة أو لقراءة مصحف أو لجنازة أو سجود قراءة قرآن أجزأه أن يصلي به الفرائض؛ لأن الفرض رفع الحدث”([150]).

– قال: “إذا ماتت المرأة وقد طهرت من الحيض أو من الجنب؛ أجزأها غسل واحد؛ لأنّ غسل الميت فرضٌ على الأحياء، وغسل الحائض والجنب هو المتعبَّد به في حال حياته فلا ينتقل إلى غيره”([151]).

قاعدة: الإقرار متى تضمَّن حكما على الغير لم يُقبل.

معنى القاعدة:

الإقرارُ هو من أقوى طرُق الإثبات، فعندما يقرُّ الإنسانُ وهو صاحب أهليةٍ بشيء؛ يؤخذ بإقراره فينتقلُ المالُ الذي أقرَّ به للغير, ويقام عليه الحدُّ بموجب إقراره, حتى إنه يخرج من الملَّة إذا أقرَّ بالشرك, فالإقرارُ طريقٌ من الطرق التي يثبت بها الحكم عليه بما أقرَّ به. أمَّا إذا أقرَّ بإقرارٍ يتضمَّن حُكْما على الغير فهو من قبيل الشهادة ليس إلاَّ, ولا يحكمُ بمجرَّد إقرارِه بشيء من الأحكام على الغير, وإن كان في إقراره ما يلزمه في خاصَّة نفسه وما يلزم الغير أخذ عليه ما يلزمه بنفسه ولم يقبل ما يلزم الغير.

وقد نصَّ العلاَّمة أبو محمد في أكثر من موضع على القاعدة بهذا التعبير أنَّ: “الإقرار متى تضمن حُكما على الغير؛ لم يُقبل”([152]). ويقول: “واتَّفق أصحابنا فيما تناهى إلينا عنهم أنَّ إقرارَ العبيد فيما يخصّهم في أنفسهم, أو في مال في أيديهم, أو فيما يوجِب حكما على ساداتهم؛ غيرُ مقبولٍ منهم”([153]).

الفروع الفقهية:

قال: “إذا أقرَّ العبدُ بالزنا لم يُقبل قوله؛ لأنَّه حكمٌ على الغير: “وذلكَ أنَّه ملك لسيده، فإقراره لا يؤثِّر على ملك السيد”([154]) قال: “وفي إقرارِ العبد على نفسه إتلافُ مال سيِّده، فالإقرار بالسرقة وغيرها غيرُ مقبول منه, فإن ثبت عند الإمام سرقته بشاهدي عدْلٍ؛ وجبَ قطعُه لقوله جلَّ ذكره: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾”([155])([156]).

“وإذا وجد صبيّ منبوذ فأقر له رجل بنسب منه أنَّه ولد له وعند المنبوذ مالٌ فطلب الرجل أخذ المال؛ لم يُدفع إليه”([157]).

قال: “وإذا أقرَّ وارثٌ بوارث معه, فإنَّ إقرارَه يثبُت عليه فيما يخصُّه من ميراثه, ولا يُقبل فيما يُثبِت النسب، ووافق أصحابَنا على هذه المقالة أبو حنيفة ومالكٌ فألزموه ما يلزمه في نفسه، وأسقطوا من إقراره ما يكونُ فيه حكمٌ على الغير”([158]).

قال: “وإذا أقرَّ أحدُ الورثة بديْنٍ على الميت يحيطُ بحصَّته, قال بعض أصحابنا: عليه فيما يخصُّه من الميراث ممَّا أقرَّ به على الميت. وقال بعضهم: عليه إخراجُ ما أقرَّ به على الميِّت من دَيْن في حصَّته وإن استفرغ الدَّيْن حصَّته من الميراث فهذا القولُ عندي؛ لأنَّه أقرَّ بأنَّه لا ميراثَ لهُ بعد الدين والله أعلم”([159]).

قال: “وإن أقرَّت الأمَة بولد لغير سيِّدها لم يُقبل منها؛ لأنَّ النسبَ حقٌّ للولد، فإقرارُها لا يزيلُ ما يثبت للولد من حقِّه”([160]).

قال: “وإذا باعَ الرجل الأمَةُ ولم يقرّ بوطئها ولا يُعلم ذلك منه، فلمَّا وضعت عند المشتري ادَّعى أنَّ الحملَ منه؛ لم يُقبل إقرارُه, ولو قبل وجبَ الحكم بردِّ الجارية والولد, والإقرارُ متى تضمَّن حُكْماً على الغير لم يُقبل”([161]).

قاعدة: الأبدال يرتفع حكمها بوجودِ المبدَل منها.

معنى القاعدة:

إنَّ الشريعةَ الإسلاميةَ قد قرَّرت في بعض الأحكامِ استعمالَ البدلِ المعيّن للفعل الواجب عند عدمِ القُدرة على فعل المبدَل منه، أو عند عدم وجودِه, فإذا تمكَّن المكلَّف من فعل المبدلِ منه لا يحقُّ له الأخذُ بالبدل، وكذلك إذا كانَ المبدَل منه معدوماً ثمَّ وجد. وقد يُباح اللجوءُ إلى البدل تخفيفاً للمشقَّة، أو بسببِ الخوف، فإذا زالت الأسباب المبيحة لاستعمال البدلِ وجبَ الرجوع إلى الأصلِ.

وقد قرَّر أبو محمَّد هذه القاعدة وصاغها بقوله: “جميعُ الأبدالِ كلّها المتّفق عليها يرتفع حكمها بوجود المبدَل منها”([162]).

الفروع الفقهية:

–           قال: “المعتدَّة الآيسةُ من الحيض بالأيام ثمَّ ترى الحيض؛ فإنها تَرجع بعد أن دخلت في البدل إلى الحيض فتعتدُّ به”([163]). وكذلك حُكْم الصغيرة المعتدَّة بالأيام ترجعُ إلى الحيض إذا رأت الدم في أثناء عدَّتها.

–           قال: “كذلك يجبُ أن يكون المكفر بالصيام إذا وجد الرقبة قبل أن يتمَّ الفرض الذي دخل فيه من الكفارة بالصيام الذي هو بدل من الرقبة؛ أن يرجع إلى الرقبة”([164]).

–           قال: “وكذلك المتيمِّم إذاَ وجدَ الماءَ قبل أن يتمَّ الفرض الذي دخل فيه أن يرجعَ إلى الماء”([165]).

وعلى قاعدته هذه يرى أنَّ من صلَّى بالتيمّم ناسياً للماءِ في رحله, أو كفّر بالصيام وهو ناسٍ أنّه يملك الرقبة, وقد فرغ من العمل أنَّ الإعادة تلزمه؛ لأنَّه جاءَ بالبدَل مع وجودِ المبدل منه.([166])

الاستثناء:

–           يرى جوازُ نكاحِ الأمَة ولو أمن العنت وتمكّن من زواج الحرة, ويُحمَل قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً﴾([167]) على التأديب لا على الإيجاب, وقد احتجَّ على العلامة موسى بن علي الذي يرى أنَّ الأمَة بدلٌ من الحرَّة وأطالَ النقاش.([168])

–           المسافرُ إذا صلَّى بالتيمُّم وهو ناسٍ للماءِ في رحله وقد فرغَ من الصلاة؛ أنَّه لا بدلَ عليه بسبب عدمِ القدرة على استعمالِ الماء بالنسيان، ولوجودِ عذرٍ آخرَ وهو السفر المبيح للتيمُّم ([169]).

قاعدة: مالا يَقبل التبعيضَ فاختيار بعضه كاختيار كلِّه.

معنى القاعدة:

إنَّ الشيءَ إذا كان لا يقبل التجزئة من الأحكام, فأمَّا أن يستعمل كلّه أو يتركه كلّه، فلو اختار المكلَّف البعضَ منه ثبتَ الحكم عليه كلّه كان هذا الاختيار استعمالاً أو إسقاطاً, فإنَّ بعضَ الفقهاء يجعلُ القاعدةَ ذات شقّين فيقولون: مالا يقبل التبعيضَ فاختيارُ بعضِه كاختيار كلِّه، وإسقاطُ بعضه كإسقاط كلِّه.

وعبَّر أبو محمد عن القاعدة في معرض احتجاجه على مسائل الطلاق قائلا: “من قبيل أنَّ الطلاق لا يتبعَّض فذكر البعض مع الإضافة إلى عدد يوجب ذلك العدد الصحيح”([170]). وقريبٌ من هذا ما ذكره ابن نُجيْم الحنفيِّ في صيغة القاعدة بقوله: “ذكر بعض مالا يتجزَّأ كذكر كلّه”([171]).

الفروع الفقهية:

–           قال: “وإن قال: أنت طالق نصفي تطليقة؛ فإنها تُطلَّق واحدةً، وإن قال أنت طالقٌ نصفي تطليقتين؛ فإنها تطلَّق اثنتين”([172]).

–           قال: “وعدَّة الأمَة على النصف من عدَّة الحرَّة إلا الحامل, فإنها تستوي معها المدَّةُ, فطلاقُها اثنتان وعدَّتها بالحيض حيضتان؛ لعدم معرفة النصف من ذلك”([173]).

–           قال: “واتَّفق أصحابُنا في أنَّ الرجل يعتق شِقْصاً له في عبد أنَّ العِتق يسري فيه، والحريةُ بذلك قد حصلت للمعتَق”([174]).

قاعدة: العقود موقوفةٌ على إجازة من يملكها إذا وقعت بغير أمر مالكها.

معنى القاعدة:

الأصلُ أن تقع العقود من مالكها في عقود المعاملات وعقود النكاح، فيكونُ الإيجاب من المالك للأمر، أو وكيله والقائم مقامه بتفويض شرعيٍّ، ومع هذا فقد تقع مثلُ هذه العقود من الأجنبيِّ أو الفضولي الذي لا ملك له ولا تفويضَ، فلا تكونُ باطلةً بل هي موقوفةٌ على رضا مالكها، فإن أمضاها مضتْ صحيحةً نافذةً، وإنْ أبطلها بطَلَتْ.

واستدلَّ أبو محمد بأنَّ النبي صلعم دفع إلى حكيم بن حزام أو عُروة البارقي ديناراً وأمره أن يشتري له به أضحية، فاشترى به شاة فباعها بدينارين، ثمَّ اشترى شاةً بدينار، وأتى النبي e بشاة ودينار؛ فدعا لـه بالبركة، وأمرَه أن يتصدَّق بالدينار, دلَّ على رضاه عليه السلام ببيع حكيم الشاةَ الأولى, وقد باعها بغير أمره ولم نجد عن النبي e أنه أنكر بيع الشاة التي كان اشتراها له، ولو لم يكن ذلك جائرا؛ لقال له: رُدّ الدينارين على مشتري الشاة الأولى واسترجعها منه؛ لأنَّ هذا سبيل البيع الفاسد، فثبوت هذا الخبر واستفاضته في أهل النقل يدلُّ على ما قلنا([175]).

الفروع الفقهية:

–           قال: “عقدُ زواجِ الصبية في حال لا رأيَ لها أنها إذا ملكت أمرها وصارَ لها رأي؛ أنَّ الخياَر لها”([176]).

–           قال: “إنَّ الأمة إذا زوَّجها سيِّدها وهي لا تملك أمرها ثمُ أُعتقت فملَكتْ أمرها؛ أنَّ لها الخيار إذا أُعتقت, والنكاحُ موقوفٌ على رضاها بعد العتق إلى أن تختار الإقامةَ أو الفسخ”([177]).

–           قال: “الرجل يأكل من مال غيره بغير أمره ثمَّ يبيحه له المالك فيبرأُ بإجازته”([178]).

–           قال: “لو باع مالاً لغيره بغيرِ أمرِ مالكه فأجاز المالك؛ جاز بيعه. قال: فهذا يدلُّ على أنَّ البيع كان واقعاً, وهو موقوفٌ على إجازة المالك”([179]).

–           قال: “المرأةُ إذا عُقد عليها بغير أمرها صغيرةً كانت أو كبيرةً؛ كان موقوفا على إجازتها، فإن أجازت جازَ، وإن أنكرت انْفسَخَ”([180]).

قاعدة: إذا اجتمع الحلال والحرام غلب الحرام.

معنى القاعدة:

إذا كان هناك أمرٌ حلالٌ وخالطَه ما يقتضي الحِرمة؛ فإنَّ الابتعاد عن الحرام مرجَّحٌ، فقد جاء النهيُ من السنة عن الدخول في المشتبه به خشية الوقوع في الحرام, قال e: «الحلالُ بيِّن والحرام بيِّنٌ وبينهما أمورٌ مشْتَبهات لا يعلمها كثير من الناس، فمن وقع في الشبهات فقد وقع في الحرام». ويروى حديث: «ما اجتمع الحلال والحرام إلا غلب الحرامُ الحلالَ». لكنَّ أهل العلم بالحديث قالوا: لا أصلَ له([181]).

وقد عبَّر أبو محمد عن هذه القاعدة بقوله: “أنَّ الحرام من الطعام وغيره إذا خلط بحلال استُهلك به, حرامٌ أكله واستعمالُه في غير الأكل”([182]).

الفروع الفقهية:

–            قال: “اللبن إذا اختلط بغيره واستُهلك فيه فإن كانت أمارته ظاهرةً فيما خالطه؛ فالتحريمُ به واقع، وحُكْمُه حكمُ الرضاعِ إذا تناول الصبيُّ منه في حال الرضاع, هذا على أصول أصحابنا”([183]).

الماءُ يختلطُ بالبول فتذهبُ عين البول فيه أنَّه يكون نجساً.

النصرانية واليهودية إذا ماتت وفي بطنها حملٌ من مسلم، دُفنت مع أهل ملَّتها؛ لأنَّ الحمل الذي في بطنها لا تُعلم حقيقته أحيٌّ أو ميتٌ ([184]).

لو حلف رجل بطلاق زوجته ثلاثاً إنْ وطئها, فوطِئها وطئاً جاوز بوطئه التقاء الختانين أنَّها تحرُم عليه أبداً، ويلزمه لها مهر ثانٍ، قال: وإنما الحدُّ ساقطٌ بالشبهة البينة؛ لاشتراك الحلال بالحرام ([185]).

لو أنَّ رجلاً وطئ امرأتَه في شهر رمضان في الليل فطلَع الصبحُ عليه فلم ينـزع حين علم بطلوع الصبح، وتشاغل فلم ينـزع من وقته، وبقي ماكثاً وإنْ كان أقلَّ القليل؛ أنه عاصٍ لربِّه في فعله، وعليه ما على من وطئ في نهار رمضان متعمِّداً ([186]).

ومن هذا القبيل إذا اجتمعت الطاعة والمعصية غلبت المعصية, فالمغتصِب للماء لا يحلُّ لـه استعماله للطهارة, فان استعمله كان عاصياً لربه؛ لأن الطهارة عبادةٌ ويستحقُّ على فعلها الثواب, واستعمالُ الماء المغتصَب معصيةٌ, فلا يكون فعلُ الطاعة أولى من ترك المعصية ([187]).

الاستثناء:

ويستثنى من المسألتين الأوَّليين إذا استهلك اللبن في الماء ولم تكن للبن أمارةٌ فلا يعطى حكمَ التحريم في الرضاع, وكذلك إذا استهلكت النجاسة في الماء ولم يظهرْ لها لونٌ ولا طعمٌ ولا ريحٌ فإنَّه طاهرٌ. هذا هو رأيُ أبي محمَّد.([188])

ضابـط: الهبة لا تثبُت إلا بالقبض ([189]).

اختلفَ الناس في الهبة هل هي متوقِّفة على القَبول والقبض أو تصحُّ بدونهما، واحتجَّ العلامة أبو محمَّد للقول الأول بأنَّ أبا بكر الصديق وهبَ لعائشةَ ابنته رضي الله عنها نخلاً كانت له بالمدينة، فلمَّا حضرته الوفاة جعله ميراثاً، فتكلَّمت عائشة في ذلك, فقال لها أبوها: يا بنيَّتي إنَّكِ لم تقبضيه، وإنَّه الآن مالُ الوارث. فلم ينقل أنَّ أحداً عابه بذلك ولا أنكرَ عليه ([190]).

من فروعها:

– لا تجوز هبة الدين؛ لأن ما في الذمة معدوم غير موجود فلا يصح فيه القبض ([191]).

– اختلفَ أصحابُنا في هبة المشاع فلم يجزها أكثرهم لعدم صحَّة القبض لها، ولتعذُّر قبض الحصَّة من المشاع ([192]).

– اختلفَ أصحابُنا في الهبة يقبضها الموهوب له ثمَّ يردُّها بعد ذلك إلى من كان وهبها لـه، فقال أكثرهم: ليسَ على الأوَّل قبضٌ فيها؛ لأنَّ الأصلَ من عنده، وقال بعضهم منهم سعيد بن محرز: لا يصحُّ له إلا بالقبض، وهذا القول أشيقُ إلى النفس والحجَّة توجبه؛ لأنَّ الملك قد انتقل إلى الحال الثانية كما انتقل في الحال الأول ([193]).

ضابط: التيمُّم لا يصحُّ إلا لصلاة واحدة:

قال: لا يجوزُ أن يصليَّ المصلي صلاتين فريضتين بتيمُّم واحدٍ إلا في حالة جمعِهما، فإنَّهما في الحكمِ في الصلاة كصلاة واحدة. وإنما جازت صلاةُ التطوُّع المتعدَّدة بتيمُّم واحدٍ؛ لأنَّ التيمَّم لا يجوزُ للفريضتين إلا بعدَ دخولِ وقتهما، والتيمُّم للتطوّع جائزٌ في كلِّ وقت إذا أراد المصلِّي التطوع، وليس للمتطوع وقت معلوم، والفرضُ له وقت معلوم. ووجه آخر هو ما اجتمعوا عليه من أنَّ تكبيرة الإحرام لا يجوزُ للمصلِّي بها فريضتان، ويجوزُ أن يصلِّي بها للتطوّع ما شاء المصلي في مقامه ([194]).

ضابط: إذا وجد الماء للاستنجاء لم يكن له الاستعاضةُ بغيره ([195]).

أي أنَّ الإنسانَ يمكنُ أن يستنجي بالأحجار وما شابهها مع عدم الماء ويكتفي بذلك، أمَّا إذا وجد الماءَ فلا بدَّ من استعماله والتطهُّر به. ولا مانع من الجمع بينه وبين الحجر. واستدلَّ أبُو محمّد على ذلك بأنَّ العلماءَ اتَّفقوا أنَّ المراد بالاستنجاء التنظيفُ, لذلك ذهب بعضهم إلى الاجتزاء بحجرٍ واحدٍ له ثلاثة وجوهٍ، وبعضهم أطلَق الاجتزاءَ بما يُنقيه، وقد أجمع الكلُّ على تصويبنا باستعمال الماء، ولا شكَّ أنَّ التنظيفَ بالماء هو الأصلُ؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُوراً﴾([196])([197]).

ضابط: النوم الذي ينقض الطهارةَ هو مخصوصٌ بالاضطجاع ([198]).

واستدلَّ أبو محمَّد بالحديث: «إن الوضوء على من نام مضطجعاً»، ومن طريق ابن عباس أنَّ النبي الله e سجد فنام حتى غط فنفخ فقام فصلّى، فقلت: يا رسول الله نمت، فقال: «إنما الوضوء على من نام مضطجعاً» ([199]).

قال: “وذهب أكثر أصحابنا على أنَّ من نام متكئاً وزالت مقعدته عن موضع استواء جلوسه انتقضتْ طهارتُه، وقال بعض منهم: إنَّ طهارته لا تنتقض حتى يضع جنبه نائماً, وهذا القولُ مع قلَّة استعمالهم لـه عندي أنظرُ؛ لأنَّ السنة تشهد لصحته ([200]).

ضابط: من أصبح جنباً أصبح مفطرا.

قال وأجمعَ أصحابنا على ما تناهى إلينا منهم أنَّ من تعمَّد لتأخير الغسل وهو جنب في شهر رمضان؛ أنَّه يُصبح مفطراً، لما روى أبو هريرة عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه قال: «من أصبح جنباً أصبح مفطرا»([201]).

ضابط: كلُّ قرض جرّ منفعة لم يجز.

والأصلُ في هذا أنَّ النبي e نهى عن قرض جرَّ منفعة ([202]).

قال: “فمن أقرضَ قرضاً لنفع صارَ إليه, كان عليه ردُّه, وهو أن يسكنَ الرجل رجلاً بيتا له شهراً على أن يقرضه دينارا أو درهما؛ فهذا لا يجوز, وعلى الساكن كراءُ البيت لصاحبه وله استرجاع ديناره، وكذلك لو أقرض دراهم مكسرة ليدفع إليه بدلها دراهم صحاحاً؛ كان على المقترض ردُّ ما أخذَ أو مثلَه مع التوبة”([203]).

ضابط: الماءُ طاهرٌ إذا لم تكن فيه شيءٌ من إمارة النجاسة ([204]).

لم يختلف المسلمون في هذا الضابط إذا كان الماء كثيراً، وأمَّا إذا كان الماءُ قليلاً ووقعت فيه النجاسة فالخلاف واقع بين العلماء، والذي يذهب إليه أبو محمَّد أنَّ هذا الضابط يسري في قليل الماء وكثيره، واستدلَّ بقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُوراً﴾([205]).

وفي مسألة مخالَطة الماءِ لقليل من البول قال: قد وردَ في القرآن أنَّ الماء طهورٌ، فهذا الظاهر يوجبُ أن يكونَ البولُ قد طهر بغلبة الماء عليه، مع ارتفاع أعلام النجاسة وهي اللون والطعم والريح، فإنَّ الله عزَّ وجل قلب عينه؛ لأنَّه جل وعلا يجعل الماء بولاً والبولَ ماءً. قال: وأجمع المسلمون أنَّ الماءَ قد يحكم له بالطهارة، وإن حلّت النجاسة ما لم يتغيَّر لـه لون أو طعم أو ريح، وإنَّما اختلفوا في الحدود والنهايات. والحدود لله تعالى وليس لأحد من الأمَّة أن يضع حدّاً يوجب بوضعه في الشريعة حكما إلاَّ أن يتولى وضعُ ذلك كتابٌ ناطقٌ، أو سنَّةٌ ينقلها صادقٌ عن صادقٌ، أو يتّفق على ذلك علماء الأمَّة. واستدلَّ بقول النبي e: «الماءُ لا ينجِّسه شيءٌ إلا ما غيَّر لونه أو طعمه أو ريحه»، وليس للعقول مجالٌ عند ورود الشرع([206]).


[1]) زهران المسعودي: ابن بركة، 39-42.

[2]) السالمي: تحفة الأعيان، 1/190.

[3]) المسعودي: ابن بركة، ص47، البطاشي، إتحاف الأعيان، 2/432.

[4]) الجامع: لابن بركة، 2/335-336.

[5]) السالمي: تحفة الأعيان، 1-145.

[6]) الجامع، 1/14.

[7]) الجامع، 1/258.

[8]) السيوطي: الأشباه والنظائر، ص31.

[9]) مقدمة الأشباه والنظائر، محمد المعتصم بالله، 21، وانظر: أبو عبد الرحمن الجزائري: القواعد الفقهية المستخرجة من كتاب “أعلام الموقعين”، ص179.

[10]) التعارف، ص4.

[11]) الجامع، 2/231.

[12]) الجامع، 2/262.

[13]) الجامع، 2/507.

[14]) التعارف، ص7.

[15]) الجامع، 1/452.

[16]) الجامع، 2/231.

[17]) الجامع، 2/89.

[18]) الجامع، 1/418.

[19]) الجامع، 2/571.

[20]) الجامع، 2/499.

[21]) الجامع، 2/532.

[22]) الجامع، 1/157. وانظر: مسألة الأخ والجد، 2/595.

[23]) السيوطي: الأشباه والنظائر، 119.

[24]) رواه الربيع، ما يجب منه الوضوء، 106.

[25]) الجامع، 1/257.

[26]) الجامع، 1/322.

[27]) الجامع، 1/223.

[28]) التعارف، 3، 33.

[29]) الجامع، 2/215-216، وانظر: 2/231.

[30]) ابن نجيم، الأشباه والنظائر، 56، السيوطي: الأشباه والنظائر، 118؛ الجزائري: القواعد الفقهية، ص179.

[31]) الجامع، 1/321.

[32]) الجامع، 1/326.

[33]) الجامع، 1/326.

[34]) الجامع، 2/218.

[35]) الجامع، 2/218.

[36]) الجامع، 2/223-224.

[37]) الجامع، 2/219.

[38]) الجامع، 2/231.

[39]) الجامع، 1/374.

[40]) الجامع، 1/356.

[41]) البقرة، آية 240.

[42]) النساء، آية 12.

[43]) الجامع، 1/363.

[44]) الجامع، 1/257-258.

[45]) الجامع، 2/21.

[46]) المائدة، آية 89.

[47]) التعارف، 13؛ الجامع، 2/98.

[48]) التعارف، 9.

[49]) الممتحنة، آية 10.

[50]) التعارف، 14.

[51]) التعارف، 16.

[52]) التعارف، ص39، 19.

[53]) التعارف، 7.

[54]) الجامع، 2/89.

[55]) الجامع، 2/89.

[56]) التعارف، ص38.

[57]) التعارف، ص38.

[58]) التعارف، 13.

[59]) الجامع، 2/242-243.

[60]) الجامع، 2/169.

[61]) الجامع، 2/250-350.

[62]) الجامع، 2/350.

[63]) الجامع، 2/292.

[64]) التعارف، ص34

[65]) التعارف، ص36.

[66]) التعارف، ص39.

[67]) التعارف، ص46.

[68]) الحج، آية 78.

[69]) البقرة، آية 286.

[70]) البقرة، آية 185.

[71]) التعارف، ص37.

[72]) النساء، آية 28.

[73]) التعارف، ص40.

[74]) الجامع، 2/237.

[75]) صالح السدلان، القواعد الفقهية الكبرى، ص237.

([76]) السدلان، القواعد الفقهية، 237.

([77]) الجامع، 2/237.

[78]) الجامع، 2/418.

[79]) الجامع، 2/418.

[80]) الجامع، 2/401.

[81]) الجامع، 1/410.

[82]) الجامع، 2/543.

[83]) الجامع، 2/77.

[84]) الجامع، 2/84.

[85]) البينة، آية 5.

[86]) الجامع، 1/251، 264.

[87]) الإنسان، آية 8-9.

[88]) النساء، آية 38.

[89]) الجامع، 1/265.

[90]) رواه الربيع في النية 1، انظر: الجامع: 1/264.

[91]) السيوطي: الأشباه والنظائر، 40.

[92]) الجامع، 1/256.

[93]) الجامع، 1/266.

[94]) الجامع، 1/256.

[95]) الجامع، 1/164.

[96]) الجامع، 1/255.

[97]) الجامع، 1/266.

[98]) الجامع، 1/255.

[99]) الجامع، 1/167.

[100]) الجامع، 2/192.

[101]) الجامع، 2/179.

[102]) الجامع، 1/356.

[103]) الجامع، 1/355.

[104]) رواه البخاري، والدارقطني وابن ماجة.

[105]) البقرة، آية 231.

[106]) الطلاق، آية 6.

[107]) البقرة، آية 282.

[108]) أبو عبد الرحمن الجزائري، القواعد الفقهية المستخرجة من كتاب أعلام الموقعين، ص503.

[109]) الجامع، 2/324.

[110]) الجامع، 2/323.

[111]) الجامع، 2/324.

[112]) الجامع، 2/250.

[113]) الجامع، 2/604.

[114]) التغابن، آية 16.

[115]) البقرة، آية 286.

[116]) رواه ابن حبان وابن ماجة.

[117]) الجامع، 1/347.

[118]) الجامع، 1/346.

[119]) النساء، آية 43.

[120]) الجامع، 1/ 281 ـ 282.

[121]) الجامع، 1/349.

[122]) الجامع، 1/263.

[123]) الجامع، 1/480 , التعارف 41.

[124]) الجامع، 1/417.

[125]) البقرة، آية 238.

[126]) الجامع، 1/503.

[127]) الجامع، 1/578.

[128]) الجامع، 1/351.

[129]) الجامع، 1/354.

[130]) الجامع، 2/139-140.

[131]) الحجرات، آية 1.

[132]) انظر: عبد العزيز عزام: القواعد الفقهية، ص316.

[133]) الجامع، 2/139.

[134]) البقرة، آية 235.

[135]) الجامع، 2/139.

[136]) الجامع، 2/181.

[137]) الجامع، 2/139.

[138]) الجامع، 2/133.

[139]) الجامع، 2/531.

[140]) الجامع، 2/362-364.

[141]) الجامع، 2/165.

[142]) الجامع، 2/ 476.

[143]) الجامع، 2/550.

[144]) الجامع، 1/374.

[145]) المائدة، آية 6.

[146]) الجامع، 1/331 و375.

[147]) الجامع، 1/318.

[148]) الجامع، 1/312.

[149]) الجامع، 2/529.

[150]) الجامع، 2/318.

[151]) الجامع، 2/363.

[152]) الجامع، 2/374-276.

[153]) الجامع، 276.

[154]) الجامع، 2/527.

[155]) المائدة، آية 38.

[156]) الجامع، 2/276.

[157]) الجامع، 2/447.

[158]) الجامع، 2/602.

[159]) الجامع، 2/603.

[160]) الجامع، 2/373.

[161]) الجامع، 2/374.

[162]) الجامع، 2/115.

[163]) الجامع، 2/115.

[164]) الجامع، 2/115.

[165]) الجامع، 2/115.

[166]) الجامع، 1/346-350.

[167]) النساء، آية 25.

[168]) الجامع، 2/112.

[169]) الجامع، 1/350.

[170]) الجامع، 2/170.

[171]) انظر: عبد العزيز عزام: القواعد الفقهية، ص377.

[172]) الجامع، 2/170.

[173]) الجامع، 2/154.

[174]) الجامع، 2/241.

[175]) الجامع، 2/125.

[176]) الجامع، 2/124.

[177]) الجامع، 2/124.

[178]) الجامع، 2/125.

[179]) الجامع، 2/ 125.

[180]) الجامع، 2/125.

[181]) عبد العزيز عزام: القواعد الفقهية، ص240.

[182]) الجامع، 2/ 454 –455.

[183])- الجامع، 2/ 454.

[184]) الجامع، 1/ 427.

[185]) الجامع، 2 / 183.

[186]) الجامع، 2 / 184.

[187]) الجامع، 1 / 276.

[188]) انظر: الجامع، 1/292- 294.

[189]) الجامع، 2/417.

[190]) الجامع، 2 /415.

[191]) الجامع، 2/418.

[192]) الجامع، 2/ 419.

[193]) الجامع، 2/ 418.

[194]) الجامع، 1/ 334.

[195]) الجامع، 1/ 284.

[196]) الفرقان، آية 48.

[197]) الجامع، 1/ 285.

[198]) الجامع، 1/ 286.

[199]) الجامع، 1/ 286.

[200]) الجامع، 1/ 326.

[201]) الجامع، 1/ 314.

[202]) الجامع، 2/ 413.

[203]) الجامع، 2/ 413.

[204]) الجامع، 1/ 292.

[205]) الفرقان، آية 48.

[206]) الجامع، 1/ 292- 294.

* ندوة تطور العلوم الفقهية في عمان خلال القرن الرابع الهجري “القواعد الشرعية نموذجا”.

وزارة الأوقاف والشؤون الدينية _ سلطنة عُمان

 

هذه المقالة تحتوي على لا تعليق

أكتب تعليقك هنا

نرجو أن تضع المادة أسفله
الإسم
إيميل
موقع
تعليقك