مقاصد الشريعة من خلال القواعد الأصولية

مقاصد الشريعة من خلال القواعد الأصولية*

ناصر السيد درويش

 

تتناول هذه الدراسةُ مقاصدَ الشريعة من خلال القواعد الأصولية، وذلك في مبحثين:

الأول: حول أساس الأحكام الشرعية، وعلاقة مقاصد الشريعة بأصول الفقه.

والثاني: حول مقاصد الشريعة والقواعد الأصولية، ثم مقاصد الشريعة والقواعد الفقهية.

القسم الأول:

أ- أساس الأحكام الشرعية:

إن الأحكام الشرعية أساسُها القرآنُ الكريم، وقد بينه رسول الله e بسنّته قولاً وفعلاً يعضّد كلٌّ منها الآخرَ, فصار كلٌّ من الكتاب والسنة أصلاً في الدين تَثْبت به الأحكام الشرعية, وإليها يَرجع المجتهدون في الاستنباط. ولما ثبت عند أئمة المسلمين أنّ الأحكام الشرعية التي قضى بها الشارع معلَّلةٌ بأوصاف ترجع إلى مصالح الأمة؛ تفرَّع عن الكتاب والسنة أصلٌ ثالث هو القياس، فإذا علَّل الشارعُ حكْما بعلَّة، أو استُنبطت تلك العلة بالاجتهاد؛ ألحقوا ما لم يُنَصَّ عليه بما نُصَّ متى وُجدت فيه تلك العلَّة؛ لأنهم اعتبروها مناط الحكم, ثمَّ ثبت عندهم أنّ المجتهدين من الأمَّة معصمون من الخطأ إذا اتّفقت كلمتهم على حكم مستفادٍ من كتاب، أو سنة، أو قياس, فثبت لهم أصل رابع وهو الإجماع، فصارت أدلة الأحكام أربعه: الكتاب, والسنة, والقياس, والإجماع, وهى ترجع عند التحقيق إلى أصلين هما: الكتاب والسنة([1]).

قال صاحب أنوار العقول:

الأصل للفقـه        كتـابُ الباري        إجمــاعٌ               بعدَ سنةِ المختــار

الاجتهاد عِنــد          هذي منعا        وهـالك           من كان فيه مبدعـا

والرأي في غيـر الأصول جوزا وواجب أن يتحرَّى الأجوزا([2]).

في ذلك الوقت بدأت محاولات عملية لبيان هذه المفاهيم الفكرية، فنشأ على أثَر هذا علمُ أصول الفقه، بَيْدَ أنَّه بقي مدّةً طويلة على صورته التي استقرّت بعد نشأته دون النظر إلى مقاصد التشريع. قال العلامة الخضري: “ومن الغريب أنه – على كثرة ما كُتب في أصول الفقه – لم يُعن أحد بالكتابة في الأصول التي اعتبرها الشارع في التشريع, وهى التي تكُون أساساً لدليل القياس؛ لأنَّ هذا الدليلَ روحُه العِلَلُ المعتبَرة شرعاً، وهذه العلل منها ما نصَّ الشارع على اعتباره، ومنها ما ثبت عنه اعتباره في تشريعه، مع أنَّ هذه القواعد ينبغي أن يُبذَلَ الجهد في توضحيها وتقريرها؛ حتى تكون نبراسا للمجتهدين، والاستدلالُ بها خير من قتل الوقت في الخلاف والجدل في كثير من المسائل التي لا يترتَّب عليها ولا على الخلاف فيها حكمٌ شرعيٌّ، ولعلَّهم تركوا ذلك للفقهاء مع أنَّ هذه القواعد بعلم أصول الفقه أليقُ”([3]).

ب- علاقة مقاصد الشريعة بأصول الفقه:

يرى بعض الباحثين أنّ مقاصد الشريعة باعتبار التطوُّرات المختلفة في العصور المتعدِّدة، أصبحتْ عِلما مستقلاًّ، لها أركانٌ مشهورة، ومعالمُ مخصوصةٌ. والحقُّ أنّ العلوم تتمايز بموضوعاتها، فموضوع علمِ أصول الفقه الدليلُ السمعيُّ من حيث يوصلُ العلمُ بأحواله إلى قدرة إثبات الأحكام لأفعال المكلَّفين, وقد أشار إلى هذا العلامة نور الدين السالمى فقال:

وبحثه حيث            الدليل أثبتــــا        حكماً وحيث الحكم منه ثبتا([4])

وهذا هو موضوع مقاصد التشريع، بيْد أنَّ فيها شموليةً للحِكم المختلفة، والعلل المتعددة، ومن ثَمَّ ازدادتْ هذه المقاصدُ قوَّةً في الثبوت، ودلالةً في الاستنباط، وبهذا يتبيَّن أنَّ مقاصدَ التشريع لا تَخرُج عن علم أصول الفقه، بل هي جزءٌ فيه، ومُلحَقة به، وإن كان لها فضل تميُّزٍ. قال العلامة الخضري: “ومِن قواعد هذا الفنِّ – يعنى علم أصول الفقه -؛ ما يرجع إلى التشريع من حيث وضعُ المكلَّف تحت أعباء التكليف، وأنَّ الغايةَ من ذلك؛ المحافظةُ على النفس، والنسل، والعقل، والمال، والدين، وهذه هي الأصول الأولى، ثمَّ ما يرجع إلى أنواع المصالح التي راعها الشارع في التشريع، واعتبرَها مُوصَلاً إلى تلك المحافظة. وهذه استمدادُها من الكتاب، والسنة، واستقراء أوامر الشرع في الموضوعات المختلفة، فيكونُ من هذا الاستقراء قواعدَ يقينيَّةً لا شكَّ فيها. وهذا النوعُ هو الذي قال فيه الإمام الشاطبي: يَلزم أن تكون قواعدُه قطعيةً، وأن قطعيّتَه لا تُستفاد من آحاد الأدلَّة, وإنما تُستفاد من استقراءِ جملةِ أدلَّةٍ تضافرت على معنى واحد، حتى أفادتْ فيه القطعَ، فإن للاجتماع من القوَّة ما ليس للافتراقِ, ومن أجله أفاد التواترُ القطعَ, وهذا نوعٌ منه. فإذا حصل من استقراء أدلَّة المسألة مجموعٌ يفيد العلمَ؛ فهو الدليلُ المطلوب، مثال ذلك قاعدةُ: “لا حرج في الدين”، لم تَثبُت قطعاً بمجرَّد قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾([5]). وإن كان قطعيَّ الورود؛ لأنَّ ذلك قد يتحمَّل المناقشة في دلالته على المعنى المطلوب, ولكنَّهم تتبَّعوا أوامرَ الشارع في جميع الأبواب؛ فوجدوهُ يباعد الإنسان من الحرج، سواءٌ في ذلك الصلاة، والصوم، والزكاة، والحجُّ، وجميعُ المعاملات، فثبت لهم قطعاً أنَّ هذه القاعدةَ صحيحةٌ، وأنها تُعتبَر أساساً من أُسس التشريع الإسلامي من كلٍّ فعل يريد الفقيه معرفة حكمه. وبنى الشاطبي على ما قال أنَّ كلَّ أصل لم يشهد له نصٌّ معيَّنٌ، وكان ملائما لتصرُّفات الشارع، ومأخوذا معناه من أدلَّته؛ فهو صحيحٌ يُبنى عليه ويُرجع إليه، إذا كان ذلك الأصلُ قد صار بمجموعِ أدلَّته مقطوعا به؛ لأنَّه لا يَلْزمُ أنْ يدلَّ على القطع بانفرادها دون انضمام غيرها إليها”([6]).

ج- معنى مقاصد الشريعة:

من تأمَّل كلامَ العلماء في مقاصد الشريعة؛ يجد أنَّ لها معنيين؛ معنى عامًّا، ومعنى خاصًّا:

1- المعنى العام لمقاصد الشريعة: هو الحِكم المختلفة، والمعاني المتعدِّدة التي تتعلَّق بالأحكام التي شرعها الله لعباده، سواءٌ تعلَّقت بالأحكام العلمية وهي العقدية، أم بالأحكام العملية فقهيّةً كانت أم أخلاقيةً. وليس هذا محلَّ بحثنا.

2- المعنى الخاص لمقاصد الشريعة: عرَّف بعض الباحثين المعاصرين مقاصدَ الشريعة تعريفاتٍ مختلفةً، ولا تخلو من إيرادات متعدِّدة ([7])، وتنبيهات متباينة. والذي أميل إليه أن يكون التعريف مميِّزاً لها عن غيرها كمــا تقرَّر عند علماء المعقول([8]). وعليه فأقول: “إن مقاصد الشريعة هي أسرارُ التشريع المنضبطَةُ، أو هي: المعاني المختلفة، والعللُ المتعدِّدَة الملحوظَةُ في استنباط الأحكام، والعملُ بها”. وأردت بالمعاني الحِكم المنضبطَة؛ كالعِلَلِ الظاهرة التي يمكن ردُّ الأحكام إليها بطريقة شموليةٍ، وصورة عامَّةٍ، حتى تستقرَّ الأحكامُ المستنبَطةُ.

قال العلامة الخضري: “يطلَق لفظُ العلَّة بإزاءِ مفهومين:

الأوَّل: الحكمة الباعثة على تشريع الحكم، وهى مصلحةٌ يُطلب بها جلبها أو تكميلها, ومفسدةٌ يُطلب درؤها أو تقليلها، ولما كان المرادُ بالعلَّة تعريفَ الحِكم، والمعرَّف لا بد أن يكون ظاهرا منضبطا, وكثيرٌ من هذه الحكم قد يكونُ خفيًّا، وقد لا يكون منضبِطاً فلا يصلح أن يكون معرّفا؛ مسَّت الضرورةُ إلى اعتبار شيءٍ آخرَ للتعريف يكون وجودُه مظنَّةً لوجود تلك الحكمة، وهي المفهوم الثاني لكلمة علّة، فتكونُ الوصفُ الظاهرُ المنضبِطُ الذي يكون مظنَّة وجود الحكمة.

وهذه أمثلة توضّحُ ذلك:

1- شُرِعَ قصر الصلاة للمسافر لحكمةٍ هي رَدُّ مفسدة المشقَّة، ولكنَّ المشقَّة أمرٌ اعتباريٌّ يختلف بالإضافات، فلَمْ يُمكن جعلُه مناطا للحكم وهو الترخيص, ولَمَّا كان السفرُ مظنَّة وجودِها؛ اعتُبِرَ أنَّه العلَّة المثبِتة للرخصة.

2- شُرِعت المعاوضات لحكمة هي درءُ مفسدة الحاجة، فجُعل الرضا بالمبادلة علَّةً لها، ولكنَّ الرضا أمرٌ خفيٌّ لا يمكن أن يُجْعَلَ علامةً للحكم. وقولُ العاقدين: بِعْتُ، واشريْتُ؛ مظنَّةٌ لحصول الرضا؛ فجُعل مناطَ الحكم، وهو انتقالُ الملك في البدلين.

3- شُرع القصاص لمصلحةٍ يراد جلبها وهي حفظ الحياة بزجر ذوي النفوس الميَّالة إلى الشرِّ عن العدوان، والقصاصُ مظنَّة لحصول تلك المصلحة؛ فجُعل القتلُ العمدُ العدوانُ مناطاً له.

وهذا الإطلاق هو مراد الأصوليين، فالوصفُ الذي جُعل مناطاً لأنَّه مظنَّةُ تحصيلِ الحكمة؛ هو المعتبَرُ دون سواه، حتى إنَّ تخلُّفَ الحكمة في بعض الأحيان عن مظنَّتها، لا يمنع تأثير المظنّة -كما تَقرَّر- من أجل استقرار الأحكام، وكَوْنَ الوصفِ مظنَّةً لحصول الحكمة، وقد شُرِعَ الحُكْمُ عنده لتحصيل تلك الحكمة.

ومعنى كونه مناسباً وقد عرفه القاضي أبو زيد الدَّبُوسي بأنه لو عُرِض على العقول؛ لتلقَّته بالقَبول، ولكون الشارع قضى بالحكم عنده لأجل الحكمة؛ معنى اعتباره له”([9]).

ومن ثَمَّ قسَّم علماءُ أصولِ الفقه العلَّةَ بحسب المقاصد إلى ثلاثة. قال العلامة خلفان بن جميّل السيابي: “ينقسم الوصف من حيث مشروعيةُ الحكم له إلى: ضروري، وحاجي، وتحسيني”([10]).

وهذا هو أساس الكلام عن مقاصد الشريعة؛ ولذلك اخترنا التعريف المتقدِّم للمقاصد، ورجَّحنا تعلُّقه بعلم الأصول، وسيأتي إن شاء الله تعالى التفصيلُ بعد قليل.

د- إشكال وجوابه:

تَقرَّر عند أهل الحقّ في علم أصول الدين أن أفعال الله وأحكامه غيرُ معلَّلة بعلَّة، بل خلَقَ المخلوقات وأمر المأمورات لا لعلَّة ولا باعثٍ، بل فعل ذلك بمحض المشيئة وصِرْف الإرادة، قال صاحب كتاب النور: “إنَّ العلَّة إنَّما تُتَصوَّرُ فيمن يروم دفع مضرَّة أو استجلاب منفعة، واللهُ عزَّ وجلَّ منـزَّهٌ عن ذلك، فلا ضرر يلحقه ولا نفع يجلِبه، فلا تُتصوَّرُ في أفعاله عِلَلٌ. والواحدُ منا يفعل كلَّ ما يفعل إمَّا يستجلب به منفعة إلى نفسه، أو يرومُ به دفع مضرَّة، بخلاف أوصاف الباري عزّ وجلّ”([11]). استشْكل بعضهم هذا، وزعم أنَّ ثمة تناقضاً بينه وبين ما ثبت عن الفقهاء من التعليل الذي هو أساس المقاصد الشرعية!. قال الإمام السبكي: “لا تناقضَ بين الكلامين؛ لأنَّ المراد أنَّ العلة الباعثة على فعل المكلَّف مثالُه حفظُ النفوس؛ فإنَّه علّة باعثة على القصاص الذي هو فعلُ المكلَّف محكومٌ به من جهة الشرع، فحُكم الشرع لا علَّة له ولا باعثَ عليه؛ لأنَّه قادر أن يحفظ النفوس بدون ذلك”([12]).

القسم الثانى:

أ- مقاصد الشريعة والقواعد الأصولية

إنَّ القواعد الأصولية التشريعية التي تُطبَّق في فهم الأحكام من نصوصها, وفي الاستنباط فيما لا نصَّ فيه؛ هي لبُّ علم أصول الفقه وروحه، وسداه ولحمته، وفيه يتجلَّى مقصد الشارع العامِّ من تشريع الأحكام، وما أنعم الله به على عباده من رعاية مصالحهم، وتدبيرِ شؤونهم، وحفظ أمورهم قال تعالى: ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾([13]). قال العلامة عبد الوهاب خَلاَّف: “وهذه القواعد التشريعية استمدَّها علماء أصول الفقه من استقراء الأحكام التشريعية، ومن النصوص التي قرَّرت مبادئ شرعيةً عامّةً، وأصولاً تشريعيةً كليةً، وكما تجب مراعاتها في استنباط الأحكام من النصوص؛ تجب مراعاتها في استنباط الأحكام فيما لا نصَّ فيه ليكون التشريع محقِّقا ما قَصَدَ به، مُوصِلاً إلى تحقيق مصالح الناس، والعدل بينهم”([14]). وقال العلامة الخضري: “إنَّ وضْعَ الشرائع إنما هو لمصلحة العباد في العاجل والآجل معا، فقد ثبت باستقراء أحكام الشريعة – استقراءً لا نزاع فيه – أنها وُضعت لمصالح العباد، قال تعالى في بعثه الرسل – وهو الأصل-: ﴿رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾([15]). وقال سبحانه في تعليل أصل الخلقة: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾([16]). وإذا دلَّ الاستقراء على هذا، وكان في مثل هذه القضية مفيداً للعلم؛ فنحن نقطع بأنَّ الأمرَ مستمِرٌّ في جميع تفاصيل الشريعة، ومن هذه الجملة ثبت القياس والاجتهاد([17]). فالقاعدة في هذا أنَّ المقصدَ العامَّ للشارع من تشريعه الأحكام هو تحقيقُ مصالح الناس بكفالة ضرورياتهم، وتوفير حاجتهم، وتحسينهم، فكلُّ واحد من هذه الثلاثة التي تتكوَّن منها مصالح الناس مُرَتَّبٌ في درجته، فلا يراعى تحسينيٌّ إذا كان في مراعاته إخلالٌ بحاجي، ولا يراعى حاجيٌّ ولا تحسينيٌّ إذا كان في مراعاة أحدهما إخلالٌ بالآخر، وهذه القاعدة بيَّنت المقصد العام للشارع من تشريع الأحكام، سواء أكانت تكليفية أم وضعية, وبيَّنتْ مراتبَ الأحكام باعتبار مقاصدها, ومعرفةُ المقصد العامِّ للتشريع من أهمِّ ما يُستعان به على فهم نصوصه حقَّ فهمها، وتطبيقها على الوقائع، واستنباط الحكم فيما لا نصَّ فيه, ولأنَّ دلالة اللفظ والعبارات على المعانى قد تحتمل عدَّة وجوه، والذي يرجِّح واحداً من هذه الوجوه؛ هو الوقوفُ على مقصد الشارع, ولأنَّ كثيرا من الوقائع التي تحدث ربما لا تتناولها عبارات النصوص، وتمسُّ الحاجة إلى معرفة أحكامه بأيِّ دليلٍ من الأدلة الشرعية، والهادي في هذا الاستدلال هو معرفةُ مقصد الشارع.

على أنَّ مصالح الناس لا تعدو هذه الأنواعُ الثلاثة الحسَّ والمشاهدةَ؛ لأنَّ كلَّ فرد أو مجتمع تتكوَّن مصلحتهم من أمور ضرورية، وأمور حاجية، وأمور تحسينية (كمالية).

فالضروريُّ كسكنى الإنسان مأوىً يقيه من الشمس وزمهرير البرد، ولو كان مغارةً في جبل.

والحاجيُّ أن يكون المسكن مما يَسْهُل فيه السكن، بأن تكون له نوافذ تفتح وتغلق حسب الحاجة.

والتحسيني أن يُجَمَّل ويؤثَّث، وتوفَّر فيه وسائل الراحة.

فإذا توافر له ذلك فقد تحقَّقت مصلحته في سكناه, وهكذا طعامُ الإنسان، ولباسه، وكلُّ شأن من شؤون حياته تتحقَّق مصلحته بتوفير هذه الأنواع الثلاثة له، ومثل الفردِ المجتمَعُ؛ فإذا توافر لأفراده ما يَكفل إيجادَ وحفظَ ضرورياتهم، وحاجياتهم، وتحسيناتهم؛ فقد تحقَّق ما يكفل لهم مصلحتهم([18]).

ولا يغيبنّ عن الفقيه أنَّ هذه المقاصد فرعٌ عن تقسيم علّةِ القياس مع مراعاة المعاني المختلفة، والحِكَم المتعدِّدة، فإنَّ اعتبارَ ذلك يحفظُ مقاصدَ الشريعة عن المصالح الموهومة والدعاوي المسمومة.

قال العلامة نور الدين السالمى:

وجوَّزوا تعليلنا بالعدمِ
وأنها لحكمة مشتمِلهْ
أو دفع ما يفسد والثاني أهمْ
إلى ضروري كحفـظ العقلِ
والمال أيضا وإلى الحاجيِّ
وما بني منه على استحسانِ
إذ قد يجي موافق القياسِ
والزكوات صلة الأرحامِ
لِعَدَم لا لوجود فاعلمِ
والحكمة المصلحة المحصلَّهْ
من جلب مصلحة والكل انقسمْ
والدين والنفس معا والنسلِ
كالبيع والأجرة للصبيِّ
ثالثها وأصل ذا قسمانِ
مثل النظافات من الأنجاسِ
مكارم الأخلاق في الكرامِ([19])

فمقاصد الشريعة لا تعدو ثلاثةَ أقسام:

أوَّلها: الضرورية.

ثانيها: الحاجية.

ثالثها: التحسينية، أو الكمالية.

فأولى المقاصد الضرورية، وهي ما لا بد منها في قيام مصالح الدين والدنيا؛ بحيث إذا فُقدت لم تَجْر مصالحُ الدنيا على استقامة، بل تَفُوت الحياة بفواتها، ويفوتُ في الآخرة الفوزُ برضى الله سبحانه؛ وهو النعيم السرمَديُّ الذي لا يزول.

وحفظ الضروريات بما يقيم أركانها، وذلك بمراعاتها من جوانبها المتعدِّدة بما يدرأ عنها الاختلال الواقع أو المتوقَّع([20]). وسيأتي تفصيل ذلك إن شاء الله.

وهذه الأمور الضرورية ترجع كما أشار العلامة السالمى إلى خمسة أشياء وهي: الدين، والنفس، والعقل، النسل (أو النسب بتجوُّز)، والمال. وقال العلامة اللقافي في جوهرة التوحيد:

وحفظ دِين ثمَّ نفس ومال ونسب ومثلها عقل وعِرض قد وجب([21]).

وقد شرَعَ الإسلام لكلِّ واحد من هذه الخمسة أحكاما تَكفل إيجاده وتكوينه، وأحكاما تكفل حفظه وصيانته. بهذين النوعين من الأحكام حقَّق الله للناس ضرورياتهم([22]).

أوَّلا: الدين: هو مجموعة العقائد، والعبادات، والأحكام، والقوانين التي شرَعها الله سبحانه لتنظيم علاقة الناس بربهم، وعلاقاتهم بعضِهم ببعض، وقد شُرع الإسلام لإيجاده وإقامته؛ إيجابُ الإيمان وأحكام القواعد الخمس التي بني عليها الإسلام، وهى: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقامُ الصلاة، وإيتاءُ الزكاة، وصومُ رمضان، وحجُّ البيت، وسائر العقائد وأصول العبادات التي قَصد الشارعُ بتشريعها إقامةَ الدين وتثبيته في القلوب باتِّباع الأحكام التي لا يصلُح الناس إلا بها، وأوجب الدعوةَ إليه، وتأمينَ الدعوة إليه من الاعتداء عليها وعلى القائمين بها من وضع عقبات أمامها، وشَرَع لحفظه وكفالة بقائه وحمايته من العدوان عليه الدفاعَ عنه، وعقوبةَ من يشقُّ عصا الجماعة، ويُحدث في الدين ما ليس منه، أو يحرِّف أحكامَه عن مواضعها.

ثانيا: النفس: شرع الإسلام لإيجادها الزواجَ للتوالد والنسل، وكمال النوع على أكمل وجوه البقاء، قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾([23]). وشرع لحفظها وكفالة حياتها إيجابَ تناول ما يقِيمها من ضروريِّ الطعام، والشراب، واللباس، والسكن، وإيجابَ القصاص، والدية، والكفارة، على من يعتدى عليها، وتحريمَ الإلقاء بها إلى التهلكة، وإيجابَ دفع الضرر عنها([24]). بل جعل العلاَّمة ابن عاشور حفظَ النفس أهمّه حفظها عن التلف قبل وقوعه، مثل: مقاومة الأمراض السارية. وقد منع عمر بن الخطاب الجيشَ من دخول الشام؛ لأجل طاعون عمواس.

ثالثا: العقل: شرَع الإسلام ما يحفظ عقولَ الناس من أنْ يدخل عليها خلل؛ لأنَّ دخول الخلل على العقل مُؤَدٍّ إلى فسادٍ عظيمٍ من عدم انضباط التصرُّف, فدخول الخلل على العقل مُفْضٍ إلى فساد جزئيٍّ، ودخولُه على عقول الجماعات وعمومِ الأمَّة أعظم؛ ولذلك يجب منعُ الشخص من السُّكْر، ومنعُ الأمَّة من نشر السُّكْر بين أفرادها، وكذلك نشرِ سائر المفسدات العقلية، مثل: الحشيش، والأفيون، والمورفين، والكوكايين، والهروين، التي عمَّ إثمها العالم، وانتشر تناولها بين الناس؛ ولذا جاء حدُّ السكر.

رابعا: النسل: لأنَّه خِلْفَةُ أفرادِ النوع، فلو تعطَّل يؤول تعطيله إلى اضْمحلال النوع وانتقاصِه، فيجب أن يُحفَظ ذكورُ الأمَّة من الاختصاء، ومن تركِ مباشرة النساء باطِّراد العزوبة ونحوِ ذلك، وأن تُحفَظ إناث الأمَّة من قطع أعضاء الأرحام التي بها الولادة([25]).

قال العلامة السالمي: “وعبَّر عنه بعضهم بحفظ الأنساب، ولأجله حُرِّم الزنا وشُرع حدُّ الزاني، إذْ لو لم يُحرَّم ذلك؛ لما عُرف نسلٌ، فالعلَّة في ذلك الزنا، والحكمُ فيه التحريم ووجوبُ إقامة الحدِّ، والحكمةُ حفظُ النسل”([26]).

خامسا: المال: شَرع الإسلام لتحصيله وكسبه إيجابَ السعي للرزق، وإباحةَ المعاملات، والمبادلاتِ التجارية، والمضاربةِ, وشرعَ لحفظه وحمايته تحريمَ السرقة، وحدَّ السارق والسارقة، وتحريمَ الغشِّ والخيانة، وأكلِ أموال الناس بالباطل، وإتلافِ مال الغير، وتضمينَ من يُتْلِفُ مالَ غيره، والحجرَ على السفيه وذي الغفلة، ودفعَ الضرر، وتحريمَ الربا، وكَفَلَ حفظَ الضرورياتِ كلَّها؛ بأنْ أباح المحظورات للضرورات([27]).

جاء في شرح طلعة الشمس: “وزاد بعضهم نوعا سادساً وهو: حفظ العرض؛ ولأجله شُرِع حدُّ القذف، وحكمُ اللعان، فالوقوعُ في عرض الغير على الوجه المخصوص علّةٌ، ووجوبُ إقامة الحدِّ حكمٌ، وحفظُ العرض هو الحكمةُ، ورميُ الرجل امرأتَه بالزنى حيثُ لا شهودَ معه؛ علَّةُ اللعان، والحُكم الملاعنةُ، والحكمةُ حفظُ عرض المرأة”([28]).

قال العلامة الدكتور القرضاوي: “وقد أضاف القرافي وغيره إلى هذه الخمسة عنصراً سادسا وهو حفظ العرض، والعِرض بتعبيرنا هو: الكرامةُ والسمعةُ؛ ولهذا حَرَّمت الشريعة القذفَ، والغيبةَ ونحوها، وشَرعت الحدَّ في القذف بالزنا، والتعزير فيما عداه، وهى إضافة صحيحة”([29]).

قلت: والصحيح عدم الإضافة؛ إذْ لا ملازمةَ بين الضروريِّ وما في تقويته حدٌّ أو تعزيرٌ، اللهمَّ إلاَّ إذا اعتبرنا أنَّ العِرض بدلُ النسل كما يومِىءُ إليه صنيع العلاَّمة الشيخ خلاف([30]).

وثاني مقاصد الشريعة الحاجيةُ، وهي ما يحتاج إليه الناس لليسر والسَّعة، واحتمالِ مشاقِّ التكاليف، وأعباءِ الحياة، وإذا فُقدت لا يَختلُّ نظام حياتهم، ولا تعمُّ فيهم الفوضى، كما إذا فُقدت الضرورية، ولكن ينالهم الحرجُ والضيقُ. والأمورُ الحاجية للناس بهذا المعنى تَرجع إلى رفع الحرج عنهم، والتخفيفِ عليهم؛ ليتحمَّلوا مشاقَّ التكليف، وتُيسَّرَ لهم طرقُ التعامل والتبادل، وسبلُ العيش والسعي.

وقد شَرَع الإسلام في مختلف أبواب العبادات، والمعاملات، والعقوبات، والعادات، جملةَ أحكامٍ المقصودُ منها رفعُ الحرجِ، واليسرُ على الناس.

ففي العبادات: شُرع الرُّخص ترفيها وتخفيفا عن المكلفين، إذا كان في العزيمةِ مشقّةٌ عليهم، فأباح الفطر في رمضان إن كان مريضا أو على سفر، وقصْرَ الصلاة الرباعية للمسافر، والصلاةَ قاعدا لمن عجز عن القيام، وأباحَ التيمُّمَ لمن لم يجد الماءَ، والصلاةَ في الطائرة ولو من قعود إذا لم يُمْكِنه القيام حسًّا أو شرعاً.

وفي المعاملات: شرع كثيراً من أنواع العقود والتصرفات التي تقضيها حاجات الناس؛ كأنواع البيوع، والإجارات، والشركات، والمضاربات، ورخَّص في عقود لا تنطبق على القياس، كالسَّلَم، والاستصناع، والمزارعة، والمساقاة، وبيوعِ المعاطاة، وغيرِ ذلك ممَّا جرى عليه عُرْف الناس ودعت إليه حاجتهم، وتضمين الصناع، وشُرع الطلاقُ والخلعُ؛ للخلاص من الزوجية عند الحاجة، وما أشبهَ ذلك، بل جعل الحاجات مثلَ الضروريات في إباحة المحظورات، وفي العقوبات جعل الدية على العاقِلَةِ تخفيفاً عن القاتل خطأ، وردَّ الحدودَ بالشبهات، وجعلَ لوليِّ المقتول حقَّ العفوِ عن القصاص من القاتل، ومنه حفظُ العرض؛ فهو بهذا أليق وفيه أدخَل ([31]).

وفي العادات: شرع ما يلبِّي حاجات الناس، كإباحة الصيد، والتمتع بالطيبات([32]). وقد بيّن سبحانه ما أراد من رفع الحرج بما قرَنَه ببعضها من العلل والحكمِ التشريعية: ﴿مَا يُرِيدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ﴾([33]).

وثالث مقاصد الشريعة التحسينية (الكمالية)؛ وهي ما تقتضيه المروءةُ، والآداب، وسيرُ الأمور على أقوم منهاجٍ، وإذَا فُقدت لا يختلُّ نظام حياة الناس كما إذا فُقدت الأمور الضرورية، ولا ينالهم حرجٌ كما إذا فُقدت الأمور الحاجية، ولكن تكُونُ حياتُهم مستنكَرةً في تقدير العقول الراجحةِ والفِطَرِ السليمة، والأمورُ التحسينية للناس بهذا ترجِع إلى مكارم الأخلاق، ومحاسنِ العادات، وكلِّ ما يُقصَد به سيرُ الناس في حياتهم على أحسن منهاج.

وقد شرع الإسلام في مختلف أبواب العبادات، والمعاملات، والعقوبات، أحكاماً تَقصد إلى هذا التحسين والتجميل، وتعوِّدُ الناسَ أحسنَ العادات، وتُرْشدهم إلى أحسن المناهج وأقومِها.

ففي العبادات: شَرَعَ الطهارةَ للبدن، والثوب، والمكان، وسترَ العورة، والاحترازَ عن النجاسات، والاستنـزاهَ من البول.

وفي المعاملات: حرَّم الغشَّ، والتدليسَ، والتغريرَ، والإسرافَ، وحرَّم التعاملَ في كلِّ نَجِس وضارٍّ، ونهى عن بيع الإنسانِ على بيع أخيه، وعن تلقِّي الركبان، وغيرِ ذلك مما يجعلُ المعاملاتِ على أحسن منهاج.

وفي العقوبات: يحرِّم في الجهاد قتلَ الرهبان، والصبيان، والنساء، ونهى عن المُثْلَةِ، والغدْرِ، وإحراقِ ميِّت أو حيِّ.

وفي أبواب الأخلاق وأمهات الفضائل: قرَّر الإسلام ما يهذِّب الفردَ والمجتمع، ويَسِيرُ بالناس في أقومِ السبل([34]).

وقد دلَّ سبحانه على إرادة التحسين والتجميل؛ بالعلل والحِكَم التي قرَنها ببعض أحكامــه، كقوله تعالى: ﴿وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهَّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾([35]). وقولِ الرسول e: «بُعثتُ لأُتمِّمَ مكارم الأخلاق»([36]).

قال الإمام الشاطبي: “وكلُّ مرتبة من هذه المراتب ينضمُّ إليها ما هو كالتتمة والتكملة ممَّا لو فرضنا فقدَه لم يُخِلَّ بحكمتها الأصلية، ففي الضروريات لما شرَع إيجابَ الصلاة لحفظ الدين؛ شرعَ أداءَها جماعةً وإعلانها بالأذان لتكون إقامةُ الدين وحفظُه على أتمِّ حال بإظهار شعائره والاجتماع عليها.

ولما أوجبَ القصاصَ لحفظ النفوس، وشرَع التماثل فيه ليؤدِّيَ إلى الغرض منه من غير أن يثير العداوة والبغضاء؛ لأنَّ قتْلَ القاتل بصورة أفظع مما فعل؛ قد تؤدِّي إلى سفك الدماء، وإلى نقيض المقصود من القصاص.

ولما حرّم الزنا لحفظ النسل؛ حرّم الخلوة بالأجنبية سداً للذريعة، ولما حرّم الخمر حفظاً للعقل؛ حرَّم القليل منه ولو لم يُسكر، وجعل كلَّ ما لا يتمُّ الواجب إلا به واجباً، وكلَّ ما يؤدِّي إلى المحظور محظوراً، وحذَّر من كثير من المباحات، وقيّد كثيراً من المطْلَقات، وخصَّص كثيرا من العمومات؛ سدّاً للذرائع، فالأحكام التي شرعَها لحفظ الضروريات كمَّلها بتشريع أحكامٍ تُحقِّق هذا المقصد على أكمل وجوهه.

وفي الحاجيات لمَّا شرَع أنواع المعاملات من بيوع، وإيجارات، وشركات، ومضاربات؛ كمَّلها بالنهي عن الغرر، والجهالة، وبيعِ المعدوم، وبيانِ ما يصحُّ اقتران العقد به من شروط، وما لا يصحُّ، وغيرِ ذلك ممَّا يُقصد به أن تكونَ المعاملات فيها سدُّ حاجة الناس، من غير أن تثير الخصومات.

وفي التحسينات لمَّا شرَط الطهارةَ؛ ندبَ عدَّة أشياء تُكمِّلها، ولمَّا ندب الإنفاقَ؛ ندبَ أن يكونَ الإنفاقُ من طيِّبِ الكسب، فمن حقَّق النظرَ في أحكام الشريعة الإسلامية؛ يتبيَّن أنَّ المقصودَ من كلِّ حكمٍ شرع فيه حفظُ ضروريٍّ للناس، أو حاجيٍّ لهم، أو تحسينيٍّ، أو مكمِّل لما حفظ واحدا منها”([37]). وكُلٌّ من هذه المراتب تُعتبر مكمِّلةً لما هو أقوى منها، فالحاجيات مكمِّلةٌ للضروريات، والتحسينيات مكمِّلةٌ للحاجيات.

واعْلم أنَّ لاعْتِبَار التكملة في الشريعة شرطاً؛ وهو أن لا تعود مراعاتُها بإبطال ما تكمِّله؛ لأنَّه إذا بطَل بطَلت التَّكْملة معه؛ لأنَّ التكملةَ مع المكمَّل كالصفة مع الموصوف، ولا يمكن اعتبارُ الصفة مع إلغاء الموصوف، إذ أنًَّ اعتبارها يؤدّي إلى عدَم اعتبارها، ولو فُرض أنَّ المصلحة المكمِّلةَ تبقى مع فوات ما تكمِّله؛ لكانت مراعاةُ الأصل أولى. ومثال ذلك أنَّ حفظ النفس مهمٌّ ضروري، وحفظَ المروءات تحسيني، فحرِّمت النجاسات حفظا على الضرورات، فإن دَعت ضرورة حفظِ النفس إلى تناول النجس؛ كان تناولُه أولى. وكذلك أصلُ البيع ضروريٌّ، ومنعُ الغرر والجهالة مكمِّلٌ، فلو اشتُرط نفيُ الغرر جملةً لانحسم باب البيع. وكذلك الإجارةُ ضروريةٌ أو حاجية، واشتراطُ حضور العوضين في المعاوضات مكمِّلٌ، ولما كان ذلك ممكِنا بغير عُسْر في بيع الأعيان، مُنع من بيع المعدوم إلاَّ في السَّلم، وذلك في الإجارات ممتنع، فاشتراطُ وجود المنافع فيها وحضورِها يسُدُّ بابَ المعاملة بها، والإجاراتُ محتاجٌ إليها، فجازت وإن لم يحضر العوضُ أو لم يوجد. ومثله جار في الاطلاَّع على العوْرات للمداواة.

وما جاء من الصلاة خلف أئمة الجور؛ فإن في ترك ذلك تركَ سنّة الجماعة، والجماعةُ من شعائر الدين المطلوبة. والعدالةُ مكمِّلة لذلك المطلوب، ولا يبطُل الأصلُ بالتكمِلة.

ومنه إتمامُ الأركان في الصلاة مكمِّلٌ لضرورياتها، فإذا أدَّى طلبُه إلى أنَّ المكلَّف لا يصلِّي كالمريض غير القادر؛ سقط المكمِّل، أو كان في إتمامها حرجٌ؛ ارتفعَ الحرجُ عمَّن لم يكمِّل وصلى على حسب ما أوسعته الرخصة، إلى غير ذلك ممَّا لا يدرك الحصر من أمثله الشريعة.

والمقاصد الضرورية في الشريعة أصلٌ للحاجية والكمالية، فلو فرض اختلال الضروريِّ بإطلاق؛ لاختلَّ الحاجيُّ والكمالي بإطلاق، ولا يلزم من اختلالها بإطلاق اختلالُ الضروري بإطلاق، نعم.. قد يلزم من اختلال الكماليِّ بإطلاق اختلالُ الحاجيِّ بوجه ما، وقد يلزم من اختلال الحاجيّ بإطلاق اختلالُ الضروريِّ بوجه ما؛ لذلك يلزَم للمحافظة على الضروريِّ المحافظةُ على الحاجي، وللمحافظة على الحاجي المحافظةُ على الكمالي؛ لأنَّ كلاًّ من هذه المراتب يخدُم ما فوقَه.

أمَّا كونُ الضروريِّ هو الأصلُ؛ فلأنَّ مصالح الدين والدنيا مبْنيَّةٌ على المحافظة على الأمور الخمسة، حتى إذا انحرفتْ لم يبقَ للدنيا وجودٌ. والمراد بالدنيا ما هو خاصٌّ بالمكلَّفين والتكليف، وكذلك الأمورُ الأخرويَّةُ لا قيامَ لها إلا بذلك، فلو عُدِمَ الدين؛ عدم ترتُّب الجزاءِ المرتجى، ولو عدم المكلَّف؛ عدم من يتديَّن، ولو عدم العقل؛ لارتفَع التديُّن، ولو عدم النسل؛ لم يكن في العادة بقاءٌ, ولو عدم المال؛ لم يبقَ عينٌ، وهذا كلُّه واضح لا يحتاج إلى إقامة برهان عليه، وإذا كان كذلك؛ فالأمور الحاجية إنما هي حائمةٌ حول هذا الحِمى، إذ هي تتردَّد على الضروريات فتكمِّلها؛ بحيث ترتفع عن القيام بها المشقّات، وتَميلُ بالمكلَّفين فيها إلى التوسِّط والاعتدال، فالأمورُ الحاجية فروعٌ دائرةٌ حول الأمور الضرورية، وكذلك الأمرُ في التحسينية أو الكمالية؛ لأنَّها تحسِّنُ ما هو حاجيٌّ أو ضروريٌّ، ولا يخفى أنَّ اختلال الضروريّ ينشأ عنه اختلالُ ما بعدَه؛ لأنَّ الأصلَ إذا اختلَّ اختلَّ الفرعُ تبعاً له، فلو فرضنا ارتفاعَ البيعِ من الشريعة؛ لم يمكن اعتبارُ الغرر والجهالة، ولو ارتفعَ أصلُ القصاص لم يمكِن اعتبارُ المماثلة فيه؛ فإنَّ ذلك من أوصاف القصاص، ومحالٌ أن يثبُت الوصفُ مع انتفاء الموصوف، ولا يخفى أيضا أنَّ الضروري لا يختلُّ باختلال ما بعده؛ لأنَّه كالموصوف، وبعدَه كالصّفة. ومن المعلوم أنَّ الموصوفَ لا يرتفع بارتفاع بعض أوصافه، فلو فرض ارتفاعُ اعتبار الجهالة والغرر؛ لم يبطُل أصل البيع، ولو فرض ارتفاع المماثلة في القصاص؛ لم يرتفع القصاص، اللهمَّ إلا إن كانت الصفة ذاتية بحيث صارت كالجزء من الموصوف؛ فإنَّها إذ ذاك تكونُ ركناً من أركان الماهية ترتفع بارتفاع أحد أجزائها، والصفة التي هذا شأنها ليست من الحاجيات، ولا الكماليات للشيء، بل هي من مقوِّماته لا يوجد بدونها، على أنَّ كلَّ رتبة ينالها اختلالٌ ما باختلالِ ما دونها؛ لأنَّ هذه المراتب مرتبطةٌ بعضها فوق بعض في التأكّد، فالاجتراء على الإخلالِ بالأخفِّ تمهيدٌ لِتَرْك ما هو أوْكدُ، ومدخلٌ للإخلال به، فصار الأخفُّ كأنه حِمًى للآكد، والراتع حولَ الحمى يوشك أن يقعَ فيه، والمخلُّ بما هو مكمِّلٌ كالمخلِّ بالمكمَّل من هذا الوجه، مثال ذلك الصلاة؛ فإنّ لها مكمِّلات وهى ما سوى أركانها وشروطها، ومعلومٌ أنَّ المخلَّ بهذه المكمِّلات متطرِّقٌ للإخلال بالأركان والشروط، ومما يــدلُّ على ذلك حديث النعمان بن بشير أن رسول الله e قال: «الحلالُ بيّنٌ والحرام بيِّن، وبينهما أمور مشْتبِهات لا يعْلمُها كثير من الناس، فمن اتَّقى الشبهات؛ فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات؛ فقد وقع في الحرام، كراعٍ يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه، ألا وإنَّ لكلّ مِلك حمى، ألا وإنّ حمَى الله في أرضه محارمُه»([38]). والإخلالُ الذي نريده هو الإخلالُ بالمكمِّلات بإطلاق؛ بحيث لا يأتي بشيء منها، وإن أتى بشيء كان نذرا، ولذلك لو اقتصر المصلّي على فرائض الصلاة؛ لم يكُن في صلاته ما يُستحسن، وكانت إلى اللعب أقربُ.

والخلاصة: أنّ الشارعَ راعى في أحكامه حفظَ الضروريات الخمسة، وأضاف إلى ذلك ما يُصْلحها، ثمَّ ما يكمِّلها؛ لتكون أعمال المكلَّفين جاريةً على أحسن المناهج وأعدلها، وليكونوا متمتِّعين بالسعادة التي هي اطمئنان أنفسهم، وراحةُ ضمائرِهم، ولم يرعَ الحاجياتِ والكمالياتِ إلا حيثُ لا تعود على أصل الضرورات بالإبطال، وهذا من أهمِّ ما يجب على المجتهد أن يعرفه؛ ليكون تعليله للأحكام موَجَّها نحو هذا الغرَض، بعد أن يَسْبِرَ ما اعتبرَه الشارع من العلل الموصِلة إلى هذه الغايات([39]).

قال العلاَّمة خلاف: “وأمّا الأحكام الضرورية فتجب مراعاتها، ولا يجوزُ الإخلالُ بحكمٍ منها، إلا إذا كانت مراعاةُ ضروريٍّ تؤدِّي إلى الإخلال بضروريٍّ أهمَّ منه؛ ولهذا وجب الجهادُ حفاظا للدين وإن كان فيه تضحية بالنفس؛ لأنَّ حفظَ الدين أهمُّ من حفظ النفس، وأبيحَ شُرب الخمر إذا أُكره على شربها بإتلاف نفسه أو عضو منه، أو اضطُّر إليها في ظمأ شديد؛ لأنّ حفظ النفس أهمُّ من حفظ العقل، وإذا أُكره على إتلاف مال غيره؛ أبيحَ له أن يقيَ نفسه من الهلاك بإتلافِ مال غيره. فهذه الأحكام فيها إهمال ضروريٍّ مراعاةً لحكم ضروريٍّ أهمّ منه”([40]).

تتمة: تقسيم العلة بحسب اقتران المفسدة بالمصلحة:

ثبت أنَّ جميع الأحكام التي وضعها الشارع بإزاء الأفعال معلَّلة بمصالح العباد الضرورية، والحاجية، والتحسينية (الكمالية)، بَيْدَ أنَّ من هذه العلل ما أمكن الوصولُ إليه فظهرت مصلحتها، ومنها لم نصل إليه بعد، وسمَّى العلماء أحكامَه تعبُّديَّةً، وقد وضعها الله لمصلحةٍ لم يأذَنْ بمعرفتها، وكلاهما في غاية الحكمة.

واعلم أنَّه إذا ورد على المجتهد حكم شرعيٌّ في فعل من الأفعال، فإمَّا أن يكون الشارع بيَّن علَّته صراحةً أو كنايةً، ولا عملَ للمجتهد في هذا النوع إلاَّ أن يُعَمِّم الحكم في جميع محالِّ العلة، ويسمَّى هذا القياس قياساً في معنى الأصل، وقد قال به كثيرٌ من نُفاة القياس.

وإمَّا أن يجد المجتهد الحكمَ بإزاء الفعل، فيجتهدُ في بيان علَّته ليُلحِق به ما يماثله في ذلك الوصف الذي ظنَّه مناطاً للحكم، ولا يكفيه في ذلك مجرَّدُ مناسبةِ الوصف لشرعية الحكم، بل لا بدَّ أن تقوم البينة من النصوص الأخرى على أنَّ الشارع اعتبر هذا الوصفَ اعتباراً ما، وهو ما سمَّاه المتكلِّمون من الأصوليين: الوصفَ المناسِبَ الملائمَ؛ لأنَّه ملائمٌ لتصرُّفات الشارع، وأمثلتُه في مكانها لا يحتملها هذا المختصر([41]).

وقد لا يجد إلا الحكمَ مقروناً بالوصف، ولا يجد في تصرُّفات الشارع ما يدلُّ على اعتباره، مثال ذلك أن يَرِد عن الشارع: “ولا يرث القاتل”، فيرى بالاجتهاد أنَّ الوصفَ هو فعلٌ محرٌّم لغرض فاسد، والحكمُ المترتِّب عليه المعاملةُ بنقيض القصد، ثم يقيسَ عليه من طلَّق زوجتَه في مرض موته فرارا من إرثها، فيعامَلُ بنقيض مقصوده فيحكم بإرثها. فهذا الوصف مناسب لشرعيّة الحكم، ولكن لم يرد في تصرُّفات الشارع ما يدلُّ على اعتباره بأيِّ نوع من الاعتبارات المقرّرة، ويسمّى عندهم: بالمناسب الغريب. وهذا القسمُ من أقسامِ العللِ التي اختُلف في قَبولها.

وقد يجد المجتهد فعلاً من الأفعال ورد عن الشارع فيه حُكمٌ، ويرى فيه وصفا يناسب حكماً آخر من حَظْرٍ، أو طلب، أو إباحة، أو لم يرد عنه حكمٌ في ذلك الفعل، والوصفُ يناسب حكماً، وهذا الوصفُ قام الدليلُ على اعتباره بأنْ وردَ عن الشارع ما يؤذن باعتبار عَيْنِهِ في جنس الحُكْم المرادِ إعطاؤُه له، أو اعتبار جنسه في عين ذلك الحكم أو جنسه كما هو معروف، وهذا النوع يسمّيه متكلّموا الأصوليِّين: “المناسِب المرسَل الملائم”، ويسمِّيه المالكية: “المصالح المرسلة”، ويسمّيه الغزالي: “الاستصلاح”، هذا الوصف إمَّا أنْ يكونَ مناسِباً لضروريٍّ؛ فلا نزاع في جواز التعامل به وترتيب الحكم من المجتهد على وفقه، وإنْ خالف نصّاً معيَّنا، مثاله: تَتَرُّسُ الكفَّار بجماعة من أُسارى المسلمين، فلو كففنا عنهم؛ لصدَمونا وغلبونا على ديارنا وقتلوا جميعَ المسلمين، ولو رمينا الترس؛ لقتلنا مسلِما معصوما لم يُذنب ذنباً، وهذا لا عهدَ به في الشرع، ولو كففنا لسلَّطنا الكفَّارَ على جميع المسلمين فيقتلونَهم، ثمَّ يقتلون الأسارى أيضا، فيجوزُ أنْ نرميَ هذا الترس؛ حفظاً لسائر المسلمين، وتحصيلُ هذا المقصود بهذا الطريق – وهو قتل من لم يذنِب – لم يشهد له أصلٌ معيَّنٌ، وهذه مصلحةٌ غيرُ مأخوذة بطريق القياس على طريق مبين، وانقدح اعتبارُها باعتبار ثلاثة أوصاف: ضرورية, قطعية, كلية. فإنْ فُقد وصفٌ من هذه الأوصاف بأنْ كان الوصف مناسباً حاجيّاً، أو ضروريّاً ظنيّاً، أو ضروريّاً قطعيا جزئيّاً؛ لم يَجُزِ الإقدامُ على ما عُرف عن الشارع تحريمُه في الجملة. ومثال ذلك: إذا تترَّس الكفَّار في قلعة بمسلم، لا يحلُّ رميُ الترس؛ إذ لا ضرورةَ إلى فتح القلعة.

والخلاصة أنَّ القول بالمصالح المرسلة عند معارضتها لحكم شرعيٍّ مستفادٍ من نصٍّ أو إجماعٍ؛ محلُّ نظرٍ وتردُّدٍ، وتكون صالحةً للاعتبار متى كانت ضروريةً، قطعيةً، كليةً، وفيما عدا ذلك لا تُعتبَر، فلا يمكن بها تخصيصُ النصوص العامَّة فضلاً على إلغائها، والمرادُ بالقطعيَّة – كما بيَّن الإمام الغزالى – ما يشمَل الظنيةَ القريبةَ من القطع إذا صارت كليَّة، وعظم الخطر فيها؛ فتحتقر الأشخاص الجزئية بالإضافة إليها([42]).

ويمكن بهذا الاعتبار أن تلحق هذه المصالح بمقاصد التشريع، ولعلَّ هذه وجهة من قسَّم المقاصدَ إلى: قطعية، وظنية واللهُ اعلم.

ولا يخفى أن جمهور الأصوليين وإن كانوا ينفون القولَ بالمصالح المرسلة؛ فإنّ معظم الفقهاء في استنباطهم كثيراً ما يعوِّلون عليها، وسلفهم في ذلك عمرُ بن الخطاب رضى الله عنه، فإنّه اعتبر هذه المصالحَ في كثير من اجتهاداته، فهو الذي أسقطَ سهمَ المؤلَّفة قلوبهم، مع أنَّ القرآن عدَّهم من المستحقِّين، وأسقط الحدَّ عن السارق عامَّ المجاعة، وتركَ التغريبَ في الزنا بعد أن لحق أحدَ المغرَّبين بالروم وتنصَّر، وجعل الطلاق ثلاثا بعد أن كان واحداً على عهد رسول الله e وعهد أبي بكر، وصدر من إمارته كما جاء في صحيح مسلم([43]). وقد وافقه في بعض هذه الاجتهادات جميعُ الفقهاء، ووافقه بعضهم في شيءٍ منها.

بيْد أنَّ الاسترسال في هذا الباب ربما أوقعَ في الحرج، فالمصالحُ المرسلة تُعتبر ما دامت لا تعود على نصٍّ بالإبطال، وإن أبطلت وخصَّصت؛ فلا تُعتبر إلا عند الضرورات الكلية المتيقَّنة، أمَّا إذا كان الوصف لا يشهد له أصلٌ معين بأيَّ اعتبار ولا إلغاء؛ فلا يُعتبر قولاً واحدا، وهو الذي يسمونه: “المناسِب المرسَل الغريب”([44]).

ب – مقاصد الشريعة والقواعد الفقهية:

إنَّ مراعاةَ مقاصدِ الشريعة عند استنباط الأحكام الشرعية؛ أنتج مجموعةً من الفروع الفقهية، انتشرتْ في مختلف الأبواب، وشتى الفصول، نظَمها المحقِّقون من العلماء في قواعدَ كليةٍ عرفت باسم: “القواعد الفقهية”، فالمقاصد الشرعية أصلٌ للفروع الفقهية، والفروعُ الفقهية أساس للقواعد الفقهية، والقواعدُ الفقهية ضوابطُ عامَّة للفروع الفقهية, ومن ثمَّ إذا وقع تعارضٌ بين قاعدة أصولية وقاعدة فقهية؛ قُدِّم مقتضى القاعدة الأصولية على القاعدة الفقهية، كما قرَّره شيخنا العلامة جاد الربّ رمضان رحمة الله في درسه للأشباه والنظائر([45]).

قال العلامة خلاف: “وعلى هذه القاعدة الأصولية التشريعية – وهي مقاصد الشريعة –؛ وُضعت المبادئُ الشرعية الخاصّة بدفع الضرر، والمبادئُ الشرعية الخاصَّة برفع الحرج، وعلى كلّ مبدإ من هذه المبادئ تفرَّعت عدَّة فروعٍ، واستُنبطت عدَّة أحكامٍ ذاتِ صلة واضحة بمقاصد الشريعة الثابتة”([46]).

أوَّلاً: المبادئُ الخاصَّة بدفع الضرر: “الضرر يزال”:

من فروعه:

–       ثبوت حقّ الشُّفعة للشريك أو الجار.

–       وثبوت الخيار للمشتري في ردِّ المبيع بالعيب، وسائر أنواع الخيارات.

–       والجبر على القِسمة إذا امتنع الشريك.

–       ووجوب الوقاية والتداوي من الأمراض.

–       وقتل الضارِّ من الحيوان.

–       وتشريع العقوبات على الجرائم من حدود، وتعازيرَ، وكفَّاراتٍ.

“الضرر لا يزال بالضرر”:

–       فلا يجوز أن يدفع الإنسانُ الغرقَ عن نفسه بإغراق أرض غيره.

–       ولا أنْ يَحفظَ ماله بإتلافِ مالِ غيره.

–        ولا يجوز للمضطرِّ أن يتناول طعامَ مضطرِّ آخر.

–       ولو التقت دابَّتان على شاهق ولم يكن تخليص واحدةٍ إلا بإتلاف الأخرى فمن ألقى دابَّة صاحبه وخلَّص دابّتَه؛ ضَمن.

“يُتَحمَّل الضررُ الخاصُّ لدفع الضرر العامِّ”:

من فروعه:

–       يُقتَل القاتل لتأمين الناس على نفوسهم.

–       وتُقطع اليدُ لتأمين الناس على أموالهم.

–       ويُحجر على الطبيب الجاهل، والمَكَاريِّ المفلس.

–       ويُمنع اتِّخاذ حانوتِ حدَّاد بين تجَّار الأقمشة.

“يرتكب أخفُّ الضررين لاتِّقاء أشدِّهما”:

من فروعه:

–       تطلَّق الزوجة للضرر وللإعسار.

–       وإذا عجز مُريدُ الصلاة عن ستر العورة أو استقبال القبلة صلَّى كما قدر؛ لأنَّ ترك هذه الشروط أخفُّ من ترك الصلاة.

“دفع المفسدة مقدَّم على جلب المنفعة”:

ولذا جاء في الحديث: «ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتمم»، ومن فروعه:

–       يُمنع أن يتصرَّف المالكُ في ملكه إذا كان تصرُّفه يضر بغيره.

–       ويُكره للصائم أن يبالغ في المضمضة أو الاستنشاق.

الضرورات تبيح المحظورات”:

–       فمن اضطُرَّ في مخمصة إلى ميتة، أو دمٍ، أو أيِّ محرَّم؛ فلا إثم عليه في تناوله.

–       ومن لم يستطع الدفاع عن نفسه إلا بالإضرار بغيره؛ فلا إثم عليه في الدفاع به.

–       ومن امتنع من أداء دَينه؛ يُؤخذ الدَّين من ماله بغير إذنه.

“الضرورات تقدر بقدرها”:

من فروعها:

–       ليس للمضطَرِّ أن يتناول من المحرَّم إلا قدر ما يسدُّ الرمق.

–       ولا يعفى من النجاسة إلا القدْرُ الذي لا يمكنُ الاحتراز عنه.

–       وأحكام الرخص تبطل إذا زالت أسبابها، فالتيمم يبطل إذا تيسَّر التطهُّر بالماء، والفطرُ يحرم في رمضان إذا أقام المسافرُ الصحيحُ، وكلُّ ما جاز لعذر يبطل بزواله.

ثانيا: المبادئ الخاصة برفع الحرج: “المشقة تجلب التيسير”

يتخرَّج على هذه القاعدة جميعُ رُخَص الشرع وتخفيفاته.

واعلم أنَّ أسباب التخفيف في العبادات وغيرها سبعةٌ:

–       السفر: ومن أجله أبيح الفطر في رمضان، وقصْرُ الصلاة الرباعية، وسقوط الجمعة، وإسقاط الفرض بالتميم، وصلاة النفل على الراحلة.

–       المرض: ومن أجله أبيح الفطر في رمضان، والتيمم، والصلاة قاعداً، والتخلُّف عن الجماعة والجمعة مع حصول الفضيلة، والتداوي بالنجاسات.

–       الإكراه: ومن أجله أبيح للمكرَه التلفُّظ بكلمة الكفر، وتركُ الواجب، وأكلُ الميتة، وشربُ الخمر.

–       النسيان: ومن أجله رُفع الإثم عمّن ارتكبَ معصيةً ناسياً، ولم يبطل صوم من أكل في نهار رمضان أو شرب ناسياً.

–       الجهل: ومن أجله ساغَ ردُّ المبيع لمن اشتراه جاهلاً بعيبه، وساغ فسخ الزواج بالعيب لمن تزوَّج جاهلاً به.

–       عموم البلوى: كالصلاة مع النجاسة المعفوِّ عنها، ورشَّاش ونجاسات طين الشوراع وغيره ممَّا يشقّ الاحترازُ عنه، وأثر نجاسة عَسُرَ زوالُه.

–       النقص: ومن فروعه: رفعُ التكليف عن فاقد الأهلية؛ كالطفل والمجنون، ورفعُ بعض الواجبات عن النساء كالجمعة والجهاد، وإباحةُ بعض المحرَّمات على الرجال مثل لبس الحليِّ والحرير.

“الحرج شرعا مرفوع“:

–       مثل قبول شهادة النساء وحدهنَّ فيما لا يطَّلع عليه الرجال من عيوب النساء وشؤونهن.

–       والاكتفاءُ بغلبة الظنِّ دون القطع في استقبال القبلة.

–       وطهارةُ المكان، والماء، والقضاء، والشهادة

–       ومن فروعه ما قرّروه من أنّه: “إذا ضاق الأمر اتَّسع”.

“الحاجات تنزَّل منزلة الضرورات في إباحة المحظورات“:

– كالترخُّص في السَّلم، والاستصناع، وغيرِ ذلك مما فيه العقدُ أو التصرُّف على مجهول أو معدوم، ولكن قضَت به حاجة الناس.

وفرَّع العلامة الشيخ خلاَّف على هذا المبدإ حُكمَ كثيرٍ من عقود المعاملات، وضروب الشركات التي تحدُثُ بين الناس، وتقضيها تجاراتهم، فإنَّه إذا قام البرهان الصحيح، ودلَّ الاستقراء التامُّ على أنَّ نوعاً من هذه العقود أو التصرُّفات صارَ حاجيًا للناس؛ بحيث ينالهم الحرجُ والضيق إذا حُرِّم عليهم هذا النوع من التعامل؛ أبيح لهم قدر ما يُرفع الحرجُ منه، ولو كان محظورا بناءً على ذلك.

أجل.. إنَّنا في العصر – الذي كثُرت مسائله، وتعدَّدت قضاياه – أحوج ما نكون لفهم أسرار الشريعة وقواعدها؛ حتَّى تحقَّق مقاصدها وغاياتها. والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنَّا لتهدي لولا أن هدانا الله.


ثبتٌ بأهمِّ المراجع:

    1.   القرآن الكريم

    2.  صحيح البخاري مع فتح الباري، دار المعرفة، بيروت، لبنان.

    3.  صحيح مسلم بشرح النوري، دار إحياء التراث العربي.

    4.   مسند الربيع شرح السالمي، الثالثة دار الاستقامة.

    5.  إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين، للزبيدي، دار إحياء التراث العربي، 1414هـ/ 1994م.

    6.  أصول الفقه، محمد أبو زهرة، دار الفكر العربي.

    7.  أصول الفقه، محمد الخضري، الطبعة الثالثة، 1358هـ/ 1938م

    8.   الأشباه والنظائر السيوطي، تحقيق: محمد حسن الشافعي، ط الأولى، الباز، 1419هـ/ 1998م.

    9.  تحفة المسؤول في شرح مختصر منتهى السول، الرهوني، تحقيق: الهادي شبيلي، ط الأولى، دار البحوث، دبي، 1422هـ 2002م.

    10. التحقيق التام في علم الكلام، الظواهري، بدون.

    11.  جوهرة التوحيد، اللقاني، مخطوطة باليد.

    12.   رسالة الآداب في علم البحث والمناظرة، محمد محي الدين عبد الحميد، ط السابعة، التجارية الكبرى، 1378هـ/ 1958م.

    13.  شرح طلعة الشمس، السالمي، سلطنة عمان، وزارة التراث القومي، 1405هـ/ 1985م.

    14.  شرح المحلي على حاشية العطار، دار الكتب العلمية، بيروت.

    15.   شرح مشارق العقول، السالمي، تحقيق: د. عبد الرحمن عميرة، ط الأولى، الاستقامة مسقط، دار الجيل بيروت، 1409هـ/ 1989م.

    16.   علم أصول الفقه، عبد الوهاب خلاف، دار الفكر العربي القاهرة، 1416هـ/ 1995م.

    17.  فصول الأصول، خلفان بن جميل السيابي، سلطنة عمان، وزارة التراث القومي

    18.  قواعد الأحكام، العز بن عبدالسلام، تحقيق: زيد كمال وعثمان جمعه، ط الأولى، دار القلم دمشق، 1421هـ/ 2000م.

    19.   كتاب النور، لعثمان أبي عبد الله الأصم.

    20.   لباب المحصول في علم الأصول، لحسين ابن رشيق، تحقيق: محمد عزالي وعمر جابي، ط الأولى، دار البحوث بدبي، 1422هـ/ 2001م.

    21 .   مقاصد الشريعة الإسلامية، محمد الطاهر بن عاشور، تحقيق ودراسة: محمد الطاهر الميساوي، ط الأولى، البصائر للإنتاج العلمي، 1418هـ/ 1998م.

    22.   مقاصد الشريعة عند ابن تيمية، يوسف أحمد محمد البدوي، ط الأولى، دار النفائس الأردن، 1421هـ/ 2000م.

    23.  مقاصد الشريعة عند الإمام العز بن عبدالسلام، د. عمر بن صالح بن عمر، ط الأولى، دار النفائس الأردن، 1423هـ/ 2003م.

    24.  مقاصد الشريعة الإسلامية وعلاقتها بالأدلة الشرعية، د. محمد سعد بن أحمد بن مسعود اليوبي، ط الثالثة، دار الهجرة الرياض، 1423هـ/ 2002م.

    25.   المقاصد في المذهب المالكي، د. نور الدين مختار الخادمي، ط الأولى، الرشد الرياض، 1423هـ/ 2002م.

    26.  مقاصد الشريعة الإسلامية ومكارمها، علال الفاسي، ط الخامسة، دار الغرب الإسلامي، 1993م.

    27.   مدخل لدارسة الشريعة الإسلامية، د. يوسف القرضاوي، ط الثانية، مؤسسة الرسالة، 1417هـ/ 1997م.

    28.  الموافقات في أصول الشريعة، لأبي إسحاق الشاطبي، تحقيق: عبد الله دراز ومحمد عبد الله عبد السلام عبد الشافي، ط الأولى، دار الكتب العلمية، بيروت لبنان، 1411هـ/ 1991م.

    29.   نفائس العقول في التفسير والفقه واللغة والأصول، لشيخنا المرحوم محمد عبد الرحمن مندور، اعتنى بإخراجه: مكتب الشيخان القاهرة، علي معوض وعادل عبد الموجود.


      [1]) أصول الفقه للخضري بتصرف، ص3.

      [2]) انظر: شرح مشارق أنوار العقول، ج1، ص178-181.

      [3]) أصول الفقه للخضري، ص10.

      [4]) شرح طلعة الشمس على الألفية، للسالمي، ج1، 23.

      [5]) الحج، آية 78.

      [6]) أصول الفقه، للخضري، ص15-16.، وانظر الموافقات، للشاطبي، ج1، ص23-27.

      [7]) انظر: مقاصد الشريعة الإسلامية، لابن عاشور، ص171؛ و مقاصد الشريعة الإسلامية ومكارمها، للفاسي، ص7؛ ومقاصد الشريعة الإسلامية، لليعربي، ص37؛ ومقاصد الشريعة عند العز بن عبد السلام، عمر بن صالح بن عمر، ص79-88؛ والمقاصد في المذهب المالكي، الزادمي، ص29-32؛ ومقاصد الشريعة عند ابن تيمية، البدوي، ص46-51.

      [8]) انظر: تحفة المسؤول، ج1، ص203.، رسالة الآداب، ص54.

      [9]) أصول الفقه، للخضري، ص290-291.

      [10]) فصول الأصول، للسيابي، ص314.

      [11]) كتاب النور، لأبي عبد الله عثمان الأصم، ص26.

      [12]) انظر: شرح المحلى على حاشية العطار، ج2، ص274.

      [13]) النساء، آية: 82-83.

      [14]) أصول الفقه، خلاف، ص185.

      [15]) النساء، آية: 165.

      [16]) الملك، آية: 2.

      [17]) أصول الفقه للخضري، ص292.

      [18]) أصول الفقه، خلاف، ص186-187 بتصرف.

      [19]) انظر: شرح طلعة الشمس، ج1، ص112-120.

      [20]) أصول الفقه للخضري، ص292-293.

      [21]) جوهرة التوحيد، البيت رقم: 127.

      [22]) أصول الفقه، خلاف، ص188.

      [23]) الروم، آية: 21.

      [24]) أصول الفقه، خلاف، ص189.

      [25]) مقاصد الشريعة عند ابن عاشور، ص212-213.

      [26]) شرح طلعة الشمس، ج2، ص120.

      [27]) أصول الفقه، خلاف، ص189.

      [28]) طلعة الشمس، ج2، ص120.

      [29]) مدخل لدراسة الشريعة الإسلامية، ص55.

      [30]) أصول الفقه، خلاف، ص188-189.

      [31]) مقاصد الشريعة، ابن عاشور، ص214.

      [32]) أصول الفقه، الخضري، ص293.

      [33]) المائدة، آية: 6.

      [34]) أصول الفقه، خلاف، ص91.

      [35]) المائدة، آية: 6.

      [36]) قال العراقي: رواه أحمد والحاكم والبيهقي من حديث أبي هريرة، وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم. قال الزبيدي: رواه مالك في الموطأ بلاغا بلفظ: «إنما بُعثتُ». وقال ابن عبد البر: هو متصل من وجوه عن أبي هريرة مرفوعا، منها ما أخرجه أحمد في مسنده والخرائطي في أول مكارم الأخلاق بلفظ: «صالح الأخلاق»، ورجاله رجال الصحيح. انظر: إتحاف السادة المتقين، ج7، ص93.

      [37]) انظر: الموافقات، للشاطبي، ج2، ص10-11؛ أصول الفقه، خلاف، ص192-193؛ وأصول الفقه، أبو زهرة، ص370-373؛ وانظر لباب المحصول، ج2، ص456.

      [38]) انظر: فتح الباري، ج1، ص126.

      [39]) أصول الفقه، الخضري، ص296-297.

      [40]) أصول الفقه، ص194.

      [41]) أصول الفقه، للخضري.

      [42]) قال العلامة الخضري: “لا يريد الغزالي بالقطع ما يفيده في ظاهر اللفظ من أنه لا يتصوَّر خلافه، بل ما غلب على الظنّ بدليل أمثلته”. أصول الفقه، ص307.

      [43]) صحيح مسلم بشرح النووري، ج10، ص69-72.

      [44]) انظر: أصول الفقه، للخضري، ص299-308، بتصرف واختصار. وانظر: المستصفى للغزالي، فقد أفاد وأجاد.

      [45]) انظر: مقدمة الأشباه والنظائر، ص4، وانظر: ضرورة لتعرف الفرق بين الأشباه والنظائر، “نفائس العقول”، ص300-302. لشيخنا العلامة النظارة محمد عبد الرحمن مندور رحمه الله.

      [46]) علم أصول الفقه، ص194. وانظر: قواعد الأحكام، للعز بن عبد السلام في مظانه المختلفة؛ فإنه أبدع وأمتع. وكذلك: الأشباه والنظائر؛ فإنه جمع فأوعى.

       

      * ندوة تطور العلوم الفقهية في عمان خلال القرن الرابع الهجري “القواعد الشرعية نموذجا”.

      وزارة الأوقاف والشؤون الدينية _ سلطنة عُمان

       

      هذه المقالة تحتوي على لا تعليق

      أكتب تعليقك هنا

      نرجو أن تضع المادة أسفله
      الإسم
      إيميل
      موقع
      تعليقك