الفروق بين القواعد والضوابط الفقهية

الفروق بين القواعد والضوابط الفقهية*

د. عيسى امحمد البجاحي

مدرِّسٌ بجامعة الفاتح، طرابلس، لبيبا.

توطئة:

إنّ أفضل ما يقضيه الإنسان من وقته، هو ذلك الذي يصرفه في الاشتغال بالعلم النافع، وأشرفُ العلمِ العلمُ بشرع الله تعالى، وثمرةُ علوم الشرع الفقه؛ إذ قال صلعم: «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين»([1]). وثمرةُ الفقه قواعدُه وكلياتُه، ومن هنا كانت قواعدُ الفقه أهمّ ما يجب الاشتغال به في الفقه الإسلامي؛ لأنها الوسيلة التي تكفل لنا ضبطَ فروعه وجزئياته، وتخريجِها على أصولها، وإلحاقِها بكلياتها، وقد أدرك الفقهاء هذه الأهمية، ونوّهوا بفروعها، ونبّهوا عليها في كتبهم منذ أمد بعيد.

فالإمام القرافي اعتبرها أصلا ثابتا من أصول الشريعة، وأنها الأسلوب الوحيد لجمع شتات الفقه، وبدونها لا نستطيع ضبط النوازل والتحكّم فيها لكثرتها وتشعبها وتعقدها. قال ـ رحمه الله ـ: «فإن الشريعة المعظمة المحمدية -زاد الله تعالى منارها شرفا وعلوًّا-، اشتملت على أصول وفروع، وأصولها قسمان: أحدهما يسمَّى بأصول الفقه، والقسم الثاني قواعدُ كليةٌ فقهية جليلة، كثيرةُ العدد عظيمةُ المدد، مشتملةٌ على أسرار الشرع وحِكمه، لكلّ قاعدة من الفروع في الشريعة ما لا يُحصى، ولم يُذكر منها شيء في أصول الفقه، وإن اتّفقت الإشارة إليه هناك على سبيل الإجمال. وهذه القواعد مهمة في الفقه، عظيمة النفع، وبقدر الإحاطة بها يعظم قدر الفقيه ويشرف…، فيها تنافس العلماء، وتفاضل الفضلاء، وبرز القارح على الجَذَع، وحاز قصب السبق مَن فيها برع، ومن جعل يُخَرِّجُ الفروعَ بالمناسبات الجزئية دون القواعد الكلية؛ تناقضت عليه الفروع واختلفت… ومن ضبط الفقه بقواعده استغنى عن حفظ أكثر الجزئيات لاندراجها في الكليات»([2]).

والإمام الزركشي يعتبر القواعد الفقهية هي السبيلُ إلى حفظ فروع الفقه وجمع شتاته، وأنّ القواعد بالنسبة للفروع كإجمال الشيء بالنسبة لتفصيله؛ حيث قال: «… فإنّ ضبطَ الأمور المنتشرة المتعددة في القوانين المتّحِدة هو أدعى لحفظها وأدعى لضبطها، وهي إحدى حِكم العدد التي وُضع لأجلها… ولقد بلغت عن الشيخ قطب الدين السنباطي ـ رحمه الله ـ أنّه يقول: الفقه معرفة النظائر([3]). وهذه قواعد تضبط للفقيه أصول المذهب، وتُطْلعه من مآخذ الفقه على نهاية المطلب»([4]).

والإمام السبكي اعتبر الرجوعَ إلى قواعد الفقه؛ رجوعا إلى رأس الفقه ومقامه الأعلى، واعتبر القواعد الفقهية من ركائز الاجتهاد وأُسسه، ويرى أنّ الاشتغال بها ضرورةٌ فقهيةٌ لا غنى للفقيه عنها؛ حيث يقول: «حقٌّ على طالب التحقيقُ، ومن يتشوَّق إلى المقام الأعلى في التصور والتصديق، أن يُحْكِم قواعد الأحكام؛ ليرجع إليها عند الغموض وينهض بعبء الاجتهاد أتمّ نهوض»([5]).

وقال إمام الحرمين في كتاب المدارك: «إنّ لدى الراهن الصحيح؛ الاقتصار على حفظ القواعد، وفهم المآخذ»([6]).

وعلى هذا فالقواعد الفقهية كانت أسلوبا علميا رائعا لجمع شتات الفقه؛ ومسائله المبثوثة في أبوابه وفصوله، وقد أكّد الفقهاء عليها، واعتبروا الذي لا يعتني بتحصيلها مفرِّطا في الفقه، غيرَ ضابط له، مغلوبًا على أمره فيه.

ولست مبالغا إذا قلت: إنّ القواعد الفقهية تمثل قمة الفقه الإسلامي وزبدته وعصارته، وفي صياغة هذه القواعد وعرضِها وتحليلِها تظهرُ العقلية الفقهية الإسلامية الواسعة العميقة، وتبرُز طاقتها الفلسفية التنظيرية، وقدرتُها على التجميع والتنظير.

إنّ موضوع هذا البحث: “الفروع بين القواعد والضوابط الفقهية” يجمع في عنوانه بين القواعد والضوابط والفروع، وكلُّ مصطلح يحتاج إلى بحث مستقل ولا يفي بحقه، ولكن أخذا بقول القائل: “ما لا يدرك كله لا يترك كله”؛ ننطلق فيه ولا نزعم أنّ هذا الموضوع كان قَفْراً من الاهتمام والبحث العلمي، بل أَعلم أنَ ثمة من الباحثين من تناوله على وجه من الوجوه، وفي جزء من أجزائه، ولكنَّ ذلك كلَّه لا يعدو أن يكون جهودا متفرّقة لا تجمعها وحدة المشروع، ولا يُنظِّمها ويؤلِّف بينها بناءٌ واحدٌ ومنهجٌ واحد، ثمّ هي لم تَصدر عن نفس البواعث العميقة التي أشرت إليها فيما سبق.

ولا يفوتنا أن تناول مثل هذا الموضوع في بحث حُدّد مسبقا في حجمه وعدد صفحاته يقتضي الإيجازَ المقتضبَ. وسوف أتناول في هذا البحث القواعدَ والضوابطَ الفقهية، وما يتبعها من فروع.

ماهية القواعد الفقهية:

إذا كان الفقه هو ثمرة العلوم الشرعية؛ فإنّ القواعد الفقهية هي لبُّ الفقه وزبدتُه، منها تتبلورُ العقلية الفقهية الإسلامية الناضجة، القادرة على التجميع والتأصيل للمسائل الفقهية المتناثرة في مصادره، والمتشعبة هنا وهناك. وهذه القواعد لها ضوابط وتعريفاتٌ لابدَّ من توضيحها.

تعريف القاعدة:

التعريف اللغوي: تحوم القاعدة حول معنى واحد، هو: الأصل والأساس. جاء في لسان العرب: “والقاعدة: أصل الرأس، والقواعد: الأساس، وقواعد البيت: أساسه”([7]). وفي التنـزيل: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْت وَإِسماعِيلُ﴾([8]).

والقواعد من النساء: جمع قاعدة، وهي المرأة الكبيرة المسنة([9]).

وقواعد السحاب: أصولها المعترضة في آفاق السماء، شُبِّهت بقواعد البناء([10]).

وهكذا، فالمعنى العامُّ الذي تدور حوله الاستعمالات اللغوية لكلمة “قاعدة” هو: الأصلُ والأساس، سواء كان ذلك في الحسيات كما مرّ، أو في المعنويات كقواعد الإسلام.

وفي اصطلاح النحاة: هي الضابط بمعنى الحُكم المنطبق على جميع جزئياته، كقولهم: الفاعل مرفوع، والمفعول به منصوب([11]).

التعريف الاصطلاحي للقاعدة:

جُعل للقاعدة في الاصطلاح العام عدّة تعريفات، فهي كما عرّفها الفيومي: “الأمر الكلي المنطبق على جميع جزئياته”([12]).

وعرفها الشريف الجرجاني بأنها: “قضية كلية منطبقة على جميع جزئياتها”([13]).

وعرفها الشيخ مصطفى الزرقاء بأنها: “أصول فقهية كلية في نصوص موجزة دستورية، تتضمّن أحكاما تشريعية عامة في الحوادث التي تدخل ضمن موضوعها”([14]).

وما نجده في تعريف السبكي للقاعدة، وتخلّصه من لفظة “جميع” حيث قال: “القاعدة الأمر الكلي الذي ينطبق عليه جزئيات كثيرة يفهم أحكامها”، كما نلاحظ الحموي في الحاشية التي جعلها على الأشباه والنظائر لابن نجيم، أنّه استغنى عن لفظة “كلي” بلفظة “أغلبي”، وعن لفظة “جميع” بلفظة “معظم”، إذ عرّف القاعدة بأنها: “حكم أغلبي ينطبق على معظم جزئياته لتعرف أحكامها منه”([15]).

وقد عرفها الأستاذ الروكي بتعريف آخر، مما استشفَّه من مقدمة فُروق القرافي عن القاعدة الفقهية، وهو: “الأصل الفقهي أو الكلية الفقهية التي تندرج فيها وتُخَرَّج عليها فروعٌ وجزئياتٌ فقهية كثيرة من جنس تلك الكلية أو ذلك الأصل”([16]).

ويفهم من خلال التعريفات السابقة أن المعنى الاصطلاحي العام للقاعدة هو: اندراج مجموعة من الجزئيات المتجانسة أو المتشابهة في حكم ما، في أصل وأساس واحد يجمعها ويُطلق عليه اسم: “الكلي” أو “الكلية”([17]).

وخلاصة القول في هذا أنّ الفقهاء قد عرّفوها بتعريفات متقاربة وعامة.

وقد نأخذ بتعريف أبي عبد الله المقّري؛ لأنه وكما ذكر الأستاذ الروكي، هو من أدقّ التعريفات وألصقها بموضوع القاعدة الفقهية، حيث عرّف القاعدة بأنها: “كلُّ كلّي هو أخصُّ من الأصول([18])، أو سائر المعاني العقلية العامة، وأعمُّ من العقود وجملة الضوابط الفقهية الخاصة”([19]).

الكلي، أو الكلية هو الحكم العام الذي ينطبق على مجموعة من الأفراد المتجانسة المندرجة فيه والمتأصلة به.

وعليه فالقواعد تمتاز بمزيد من الإيجاز في صياغتها، فتُصاغ القاعدة بكلمتين، أو ببضع كلمات محكَمة من ألفاظ العموم([20]). والذي نعنيه مما سبق أنّ هذه القواعدَ إنّما هي مبادئُ وضوابطُ فقهيةٌ يتضمّن كلٌّ منها حُكما عامًّا، وهذه القواعد الفقهية هي أحكامٌ أغلبية غيرُ مطّردة.

ولذلك كانت تلك القواعد قلّما تخلو إحداها من مستثنيات في فروع الأحكام التطبيقية خارجةٍ عنه، وكونُ هذه القواعدِ أغلبيةً لا يغض من قيمتها العلمية، وعظيم موقعها في الفقه، وقوة أثرها في التفقيه؛ حيث نجد في هذه القواعد تصويرا بارعا، وتنويرا رائعا للمبادئ والمقرّرات الفقهية العامة، وكشفا لآفاقها ومسالكها، وضبطا لفروع الأحكام العملية بضوابط تبيّن في كلّ زمرة من هذه الفروع وحدةَ المناط، وجهةَ الارتباط برابطة تجمعها وإن اختلفت موضوعاتها وأبوابها، ولولا هذه القواعد لبقيت الأحكام الفقهية فروعا مشتّتة، قد تتعارض ظواهرها دون أصول تمسك بها في الأفكار([21]).

ونستخلص مما ذكر في التعريف بالقاعدة الفقهية مع ما أورده الشيخ مصطفى الزرقاء في ذلك، من أنّ القواعد الفقهية عبارة عن مفاهيمَ ومبادئ فقهية كبرى ضابطةٌ لموضوعاتها، قد بدأت حركة تقعيدها وتدوينها أواخر القرن الثالث الهجري، وأنّ معانيها الفقهية كانت مقرَّرة لدى الأئمة المجتهدين، تعتبر أصولا علمية لهم يقيمون بها ويبنون عليها ويعلِّلون بها، وإن كانت لم تُفرَد بالتدوين قبل ذلك، ولم تأخذ الصياغة التي انتهت إليها فيما بعد، إلا الصقل والتحوير. وهي غير “أصول الفقه” التي هي علم يقرر الطريقة العلمية في تفسير النصوص وفهمها والاستنباط منها، ([22]).

ويضيف الشيخ الزرقاء في حديثه عن القواعد الفقهية قوله: “إن المذهب الحنفي هو أقدم المذاهب الأربعة الكبرى قد كانت الطبقات العليا من فقهائه أسبقَ إلى صياغة تلك المبادئ الفقهية الكلية في صيغ قواعد، والاحتجاج بها… عنهم نقلَ رجال المذاهب الأخرى ما شاؤوا منها”([23]).

وممن أيده في ذلك الأستاذ الروكي في قوله: “فمذهب أبي حنيفة هو أسبق ظهورا وتأسيسا من غيره من المذاهب الفقهية الأخرى”، إلا أن عبارته فيما يخص كتب القواعد الفقهية والأسبقية كانت أدق وألطف مما ذكره الشيخ الزرقاء في ذلك، حيث جاء قوله: “أقدم ما وصلنا من كتب القواعد الفقهية –فيما نعلم- هو كراسة صغيرة للفقيه الحنفي أبي الحسن الكرخي المتوفى سنة 340هـ، وهي تضم مجموعة من القواعد الفقهية العامة على مذهب الإمام أبي حنيفة ـ رحمه الله ـ”، وأضاف قوله: “ولا نستطيع أن نذهب أكثر من هذا؛ لأنّ ذلك يحتاج إلى التوثيق والحُجج العلمية”([24]).

وما ذكره الشيخ الزرقاء في ذلك شبيه بما جاء به الدكتور عجيل جاسم النشمي في مقاله الوارد في مجلة الشريعة والدراسات الإسلامية الصادرة عن جامعة الكويت سنة 1405هـ الموافق 1984م، بـ”مقدمات في علم أصول الفقه”، ومما جاء فيه: “لعلّ أوَّلَ من حرّر القواعد وذكر الفروع هو الإمام: معين الدين أبو حامد محمد بن إبراهيم الجاجرمي الشافعي المتوفى سنة 617هـ، ولقد اهتمّ الأصوليون والفقهاء مع مطلع القرن السابع الهجري بفقه جديد وعلم دقيق يخدم علم الفقه خاصة في جانبه التطبيقي في الفروع، سميت بـالقواعد الفقهية أو الأشباه والنظائر، فأخذ العلماء بتحرير القواعد وجمع الفروع التي تحكمها تلك القواعد، وإدراجها تحتها، وجمع الفروع المتشابهة والمتناظرة أيضا، وإدراجها تحت تلك القواعد، ثم ذكْرِ الفروع المستثناة من تلك القواعد([25]).

وقد قام بالرد عليه الدكتور الروكي بما فيه الكفاية، ومما جاء في رده عليه، “ومع هذا كله فإن ادعاء أن الكتابة في علم القواعد الفقهية لم تكن إلا في مطلع القرن السابع الهجري يحتاج إلى شواهد وتوثيقات”([26]).

ورجوعا إلى ما قاله الشيخ الزرقا من أن المذهب الحنفي له الأسبقية من الناحية التاريخية بالنسبة لظهور المذاهب الفقهية، وكذلك علماؤه كان لهم السبق في ما كتب عن القواعد الفقهية.

فدراستنا هذه تنصب على القواعد الفقهية دون النظر إلى أسبقية المذاهب وتاريخ ظهورها؛ لأن ذلك واضح، وله شأن نحن لسنا بصدده.

أما فيما يخص أن المذهب الحنفي هو أقدم المذاهب الأربعة الكبرى، قد كانت الطبقات العليا من فقهائه أسبق إلى صياغة تلك المبادئ الفقهية الكلية في صيغ قواعد للاحتجاج بها، وعنهم نقل رجال المذاهب الأخرى ما شاؤوا منها، ففيه نظر، وليس من السهل التسليم له فيما ذهب إليه في ذلك؛ لأنه وكما ذكرنا من حيث ما نقلناه عن الأستاذ الروكي في قوله: “إنّ ذلك يحتاج إلى التوثيق والحُجج العلمية”.

ويغلب على الظن أنّ هناك محاولاتٌ سابقة وإن لم تصل إلى أيدي الباحثين؛ لأن تلك الفترة تُعتبر جدُّ دقيقة بسبب شُحّ المصادر، حتى يتمكّن الباحثون من الاطلاع عليها، ثمّ بعد ذلك تتمّ الإشارة إليها أو الإشادة بأصحابها، وبذلك تظهر الحقيقة.

وقد يفيدنا في هذا أيضا ما قاله الأستاذ الروكي في ذلك، بقوله: “وقبل استعراض ما أسفرت عنه حركة التأليف في القواعد الفقهية من كتب ومؤلفات ودواوين فقهية تقنينية، أشيرُ إلى أنّ هناك صنفين كبيرين من هذه الكتب:

الصنف الأول: كتب الخلاف، أو الفقه المقارن؛ ذلك لأنّ التأليف في الخلاف يتطلب التضلع في نماذج الاستدلال، والتمكن من ملكة الاحتجاج والتنظير، وكلّ ذلك يحتاج إلى الإحاطة بقواعد الفقه وأصوله التي تنبثق عنها فروعه وجزئياته؛ لذلك جاء هذا الصنف من الكتب يستدعي مادّة غزيرة من القواعد الفقهية وخاصّة تلك التي ألَّفها أصحابها لتأييد مذهبهم الفقهي وتصديقه والتنظير له، والردّ على مخالفيهم من فقهاء المذاهب الأخرى.

وأبرز هذه الكتب وأغزرها مادّة هي تلك التي تهتمّ بالتخريج والتفريع؛ حيث يبسط الفقهاء بذكر ما ينبني عليها من الفروع والجزئيات، وقد يتّخذون طريقة عكسية فيستعرضون الفروع والجزئيات، ثمّ يُرجعونها إلى أصولها وقواعدها”([27]).

وهو بقوله هذا وكأنّه سبق له الاطلاع على ما كتبه ابن بركة في مقدمة كتابه “الجامع” التي جاء فيها: “وهذا خبر له تأويل وشرح طويل، ولن يخفى على خواصّ أصحابنا إن شاء الله؛ لأن الكتاب لهم جمعناه، وإياهم قصدنا به؛ لأن الرجوع إليهم، والمعوَّل عليهم”([28]).

فذانك مما جاء وكتبه في مقدمة كتابه الجامع، التي منها:

“ثم نبدأ بذكر الأخبار المروية عن النبيّ e التي تتعلق بها أحكام الشريعة، وإن كان الفقهاء قد اختلفوا في تأويلها وتنازعوا في صحة الحكم بها، لأنها قواعد الفقه وأصول دين الشريعة، لحاجة المتفقّه إلى ذلك، وقلّة استغنائه عن النظر فيه والاعتبار في معانيه، فالواجب عليه إذا أراد علم الفقه أن يتعرف أصول الفقه وأمهاته، ليكون بناؤه على أصول صحيحة ليجعل كل حكم في موضعه، ويحرص على سنّته، ويستدلّ على معرفة ذلك بالأدلة الصحيحة، والاحتاجاجات الواضحة، وأن لا يسمي العلة دليلا، ولا الدليل علة، والحجة علّة، وليفرق بين معاني ذلك، ليعلم افتراق حكم المفترق واتفاق المتفق”([29]).

فإذا كان هذا مما جاء في كتاب ابن بركة الذي اهتم بتأصيل الفقه وتقرير قواعده، واهتمّ كذلك بمقارنة الفقه الإباضي بالمذاهب الأخرى، ممّا زاده ذلك سعة في الفكر وقوّة في المناظرة.

وإدراكا منه بأهمية دراسة أصول الفقه والنظر في الروايات، وكيفية الاستنباط من الآيات القرآنية، وإعادة فروع الفقه إلى القواعد التي يسمّيها أحيانا أمهات الفقه، واستطاع في كتابه أن ينص على القواعد الخمس الكبرى إما بألفاظها أو بإشارة إليها، كما نجد الكثير من القواعد الفقهية الأخرى، ومن تلك القواعد التي اعتنى بها وعالجها هي قاعدة: “اليقين لا يزول بالشك“، وقاعدة: “العادة محكمة“. وقد ألف كتابه المسمى “التعارف” لتوضيح العلاقة بين القاعدتين، ومن منهجه في ذلك أنَّه يلمِّح إلى القاعدة مع كثير من الفروع التي يراها تندرج تحتها؛ ليؤكِّد على أصله الذي سار عليه في الحكم على الفرع.

كقوله في قاعدة اليقين لا يزول الشك: “من شكّ في تكبيرة الافتتاح فلم يدر أكبّرها أم لم يكبرها، فالأصل أنه لم يأت بها، فلا يخرج من فرضها إلا بيقين”([30]).

وما جاء في هذا المؤلَّف لن نأتي عليه في صفحات هذا البحث ولكن كان ذلك مثالا وردًّا وتوضيحا بأنّ العلاَّمة ابن بركة كان من السابقين إلى القواعد الفقهية، وإن لم تتمَّ الإشارة إليه عند الشيخ الزرقاء، أمثال: الكرخي الذي أخذ عن أبي طاهر الدباس الذي هو بدوره أخذ عن أبي زيد عبد الله بن عمر بن عيسى الدبوسي المتوفي 430هـ من أئمة الحنفية في كتابه “تأسيس النظر”.

وفي اعتقادي وحسب ما أشرت إليه في السابق فيما ذكره الشيخ الزرقاء، وما حدده الأستاذ الروكي بقوله فيما مضى، فالكتب أو المؤلَّفات التي تعنينا في هذا الصدد وحسب ما تمكَّنا من الوقوف عليه فهي:

كتاب “الجامع” للإمام أبي محمد بن عبد الله بن بركة، المتوفى 342هـ ([31]).

1-            كتاب “القواعد” للإمام أبي الحسن الكرخي، المتوفى 340هـ ([32]).

2-            كتاب “عيون الأدلة في مسائل الخلاف بين فقهاء الأمصار” لأبي الحسن بن القصار المالكي، المتوفى 398هـ.

3-            كتاب “اختلاف العلماء” لأبي جعفر الطحاوي الحنفي، المتوفى 321هـ.

4-            كتاب “تأسيس النظر” لأبي زيد عبد الله بن عمر الدبوسي الحنفي، المتوفى 430هـ.

5-            كتاب “الإشراف على مسائل الخلاف” للقاضي عبد الوهاب المالكي، المتوفي 422هـ.

6-            كتاب “تخريج الفروع على الأصول” للإمام الزنجاني الشافعي، المتوفى 656هـ.

7-            “الدرة المعنية فيما وقع فيه الخلاف بين الشافعية والحنفية” لإمام الحرمين عبد الملك الجويني، المتوفى 478هـ.

8-            كتاب “المغني” لابن قدامة المقدسي، المتوفى 620هـ، وهو في الفقه المقارن.

9-            كتاب “القواعد” في فقه الشيعة الإمامية الجعفرية، للعلامة الحلي، المتوفى 726هـ.

10-      كتاب “الفرائد البهية في الفوائد والقواعد الفقهية” للشيخ محمد حمزة الدمشقي الحنفي، وتمَّ تأليفه بعد مجلة الأحكام العدلية، وهو آخر وأوسع ما جُمع في القواعد والأصول الفقهية على مذهب الأحناف([33]).

بالإضافة للكتب الثلاثة التي أشار إليها الشيخ الزرقاء، وهي:

1- كتاب “قواعد الأحكام في مصالح الأنام” للإمام الشافعي عز الدين عبد العزيز بن عبد السلام، المتوفى 660هـ.

2- وكتاب “الفروق الفقهية” للإمام شهاب الدين أحمد بن إدريس القرافي، المتوفى 684هـ.

3- وكتاب “القواعد” للفقيه الحنبلي عبد الرحمن بن رجب، المتوفى 790هـ.

وهي كما ذكر أنّ هذه الكتب على عظم قيمتها، لا تتضمّن القواعد بالمعنى الذي حدّدناه لكلمة “القاعدة”([34]). ومن هنا فإن التأليف في القواعد الفقهية والأسبقية فيها أمرٌ جد دقيق وحسّاس، ولا يمكن الفصل فيه بتلك السهولة؛ وعليه يجب أن يُترك ذلك لأصحاب الشأن ودون مشاحّة.

وما ذكرناه عن مؤلّْفي ومؤلَّفات القواعد الفقهية يفرض علينا-وقبل الانتقال من هذه القضية إلى غيرها-أن نأتي ولو بمثال لأحد الكتب المذكورة لتكون دليلا وشاهدا على ما نقول:

وليكن ممّن جعلناه على رأس القائمة في ذلك، وهو أبو محمد بن بركة العماني المولود في النصف الثاني من القرن الثالث الهجري، وهو من العلماء الذين اهتمّوا بتأصيل الفقه وتقرير قواعده، واهتمّ كذلك بمقارنة الفقه الإباضي بالمذاهب الأخرى، وعمل على إعادة فروع الفقه إلى القواعد التي يسمّيها أحيانا أمّهات الفقه.

كما كانت له مؤلَّفات عديدة منها كتاب “الجامع”، وهو في ثلاثة أجزاء، إلاّ أنه عَدَت عليه عوادي الزمن ولم يَصِل منه إلينا إلا الجزءُ الأول والثاني، وقد تمّ تحقيق وطبع الجزأين في 1254 صحيفة، وممّا جاء في مقدّمته: “فالواجب عليه إذا أراد علم الفقه أن يتعرّف أصولَ الفقه وأمّهاته؛ ليكون بناؤه على أصول صحيحة، ليجعل كلّ حكم في موضعه ويجريَه على سننه، ويستدلّ على معرفة ذلك بالأدلّة الصحيحة ليعلم افتراق حكم المفترق واتَّفاقَ المتّفق..”([35]).

وإذا تتبّعنا ما قاله في كتابه الجامع وهو يستدلّ فيه لقاعدة: “اليقين لا يزول بالشك” وذكره للحديث النبوي «لا وضوء إلا من صوت أو ريح»([36])؛ نجده يقول: “وهذا خبرٌ له تأويلٌ وشرحٌ طويل، ولن يخفى على خواصّ أصحابنا إن شاء الله؛ لأنّ الكتاب لهم جمعناه، وإياهم قصدنا”([37]).

كما ألّف رسالة مستقلّة في قاعدة واحدة من القواعد الكبرى المتفق عليها وهي: “العادة محكَّمة”، سماه كتاب: “التعارف”، ومما جاء في هذا الكتاب: “فالواجب على من أنعم الله عليه بالإسلام وخصّه بشريعة الإيمان، أن يبدأ بتعليم الأصول قبل الفروع، وأن يُثبِّت قواعدَ البنيان قبل أن يرفع شواهق الأركان، ومن عرف معانيَ الأصول عرفَ كيف يبني عليه الفروع، ومن لم يعرف حقيقة الأصول كان حريًّا أن تخفى عليه أحكام الفروع”([38]).

وهكذا، وبعد تعريف القواعد الفقهية وتناول ما له علاقة بذلك، وقبل الدخول في طريق استخراج واستنباط القواعد الفقهية نعرج قليلا على الضوابط.

الضوابط الفقهية:

أو الضابط الفقهي، وهو أضيق نطاقا من القاعدة الفقهية؛ لأنّه محصور في موضوع فقهي واحد، يجمع فروع باب فقهي واحد. قال السيوطي: “القاعدة تجمع فروعا من أبواب شتّى، والضابط يجمع فروعا من باب واحد”([39]). وهو ما أكّد عليه الكُدمي في تعريفه للضابط: “والضابط يجمعها فروعا من باب واحد” ([40]).

وذلك بعينه ما ذكره ابن نجيم في قوله: “إن القاعدة تجمع فروعا من أبواب شتى والضابط يجمعها من باب واحد”([41]).

هذا إذا اعتبرنا المعنى الاصطلاحي الخاصّ للضابط، أمّا إذا لم نعتبر ذلك وانصرفنا إلى المعنى الاصطلاحي العام، فلا يكون هناك فرق بين القواعد والضوابط. وهو ما ذكره الفيومي عندما فسّر القاعدة بالضابط، وهو ما فعله كذلك عبد الغني النابلسي حينما اعتبر القاعدة بمعنى الضابط، وعرّفها بتعريف واحد وهو: “الأمر الكلي المنطبق على جميع جزئياته”([42])، وهو ما يُرى عند الإمام النووي في شرحه لجملة من القواعد الفقهية، فقد قدّم لها بتقديم واحد ولم يفرّق فيه بين القواعد والضوابط، بل رادف فيه بين القاعدة والضابط([43]).

وعليه فالقواعد والضوابط اعتَبِرُهما وجهان لعملة واحدة؛ لأنّ المختصّين لم يميّزوا بينها، أو يفرّقوا في شيء، سوى أنّ القواعد أوسعُ من الضوابط من حيث الأبوابُ التي تأويها والفروع التي تتبعها، وهو ما نجده في قول الدكتور وهبة الزحيلي في قوله الذي يفرّق فيه بين القواعد والنظريات الفقهية، حيث يقول: “القواعد تختلف عن النظريات الفقهية، فهي مبادئ وضوابط فقهية يتضمن كل منها حكما عاما أو أغلبيا في العبادات أو المعاملات، أمّا النظريات فهي نظام موضوعي في الفقه يشمل عدة أبواب فقهية”([44]).

وبهذا لم يبق لي ما أقوله في الضوابط، وعليه ننتقل إلى عناصر القاعدة الفقهية وما تحويه من أمور الاستيعاب واطّراد وأغلبية، وتجريد وإحكام، وكذلك العلّة وما يتبعها.

عناصر القاعدة الفقهية:

المقصود بعناصر القاعدة الفقهية هي تلك المقوّمات العلميّة الأساسية التي تتكوّن منها حقيقة القاعدة وتكتسب منها ماهيتَها، وتلك هي الضوابط الذاتية للقاعدة الفقهية التي منها:

أولا: الاستيعاب: وهو كون القاعدة تشتمل على حُكْم جامع لكثير من الفروع، وهو ما عُبِّر عنه في التعاريف السابقة بالانطباق والاندراج والاشتمال، ولا تكتمل حقيقة التقعيد إلا إذا كان هذا الاستيعاب من القوّة وشدّة السريان بحيث تنتظم به فروع كثيرة، ومسائلُ فقهيةٌ من أبواب شتى.

وهكذا فاستيعاب الفروع عنصر من عناصر القاعدة الفقهية([45]).

ثانيا: الاطّراد أو الأغلبية: وَرَدَ الاطّرادُ في اللغة بمعنى التتابع والاستمرار والجريان والاستقامة([46])، وفي الاصطلاح: “هو ما يوجِب الحُكْمَ لوجود العلة، وهو التلازم في الثبوت”([47]).

وبين المعنيين اللغوي والاصطلاحي تناسب ملحوظ؛ لأنه إذا كان وجود الحكم وثيقا بوجود العلة ارتباطَ تلازم؛ أي أنه كلما وُجدت العلة وُجد الحكم؛ فهذا هو عين التتابع والاستمرار والجريان والاستقامة، والأصلُ في حقيقة القاعدة أن تكون مطّردة؛ أي أنها تنطبق على كلِّ جزئياتها دون تخلّف أيّ جزئية منها، فتكون بذلك متتابعة يتبع بعضُ فروعِها بعضا في الحكم الجامع، وهذا هو الأصل في القاعدة، لكنّها قد يَخْتَلِف فيها عنصر الاطِّراد فتنتقلُ إلى مرتبة الأغلبية؛ أي أنّها تنطبق على أغلب جزئياتها لا على كلِّها.

والاطّراد أو الأغلبية مرتبطٌ بالاستيعاب ارتباطَ تكميلٍ وتفسيرٍ، فإذا لم يكن في القاعدة اطّراد ولا حُكْمٌ أغلبيٌّ؛ فإنها لا تستحقّ حينئذ أن تكون قاعدة بالمعنى العلمي([48]).

ثالثا: التجريد: معنى التجريد في القاعدة أن تكون مشتمِلةً على حُكم مجرَّد عن الارتباط بجزئية يصفها من غير أن يكون خاصا ببعضها دون بعض، لأنّه إذا كان خاصا بعين لجزئية لا بموضوعها وعلتها؛ لم تضمَّ له حينئذ قاعدة.

فالتجريد في اللغة معناه التعرية، والتعرية معنى خاص فيما ذكرناه؛ لأن القاعدة الفقهية لا يكون فيها عنصر التجريد إلا إذا كان حكمها وثيقا بموضوع جزئياتها لا بذواتها.

وفقدان القاعدة لعنصر التجريد؛ يجعلها تفتقد عنصر الاستيعاب أيضا، وإذا فقدت القاعدة عنصر الاستيعاب؛ جرّ ذلك إلى فقدان عنصر الاطّراد أو الأغلبية لتلازمها كما تقدّم([49]).

رابعا: إحكام الصياغة: وأعني بهذا الإحكام أن تُصاغ القاعدة الفقهية في أوجز العبارات وأدقِّها، وأقواها دلالةً على الحكم الذي تشتمل عليه القاعدة، وينبغي أن تكون الألفاظ مُمْعِنَةً في الشمول والعموم والاستغراق؛ حتى لا تنـزل القاعدة إلى مرتبة الضوابط والحدود والتعريفات.

وانعدام هذا الإحكام في القاعدة يفقدها حقيقةَ التقعيد وماهيته؛ ذلك أنّ القاعدة الفقهية إذا صيغت في جملٍ أو فقرة أو أكثر من ذلك؛ لم تؤدِّ وظيفتها التي هي جمع الفروع والجزئيات في حكم واحد([50]).

ولم يبق لنا قبلَ الدخول في طرق استخراج واستنباط القواعد إلا توضيحَ المشقَّة والعلّة؛ لاحتياجنا لهما أحيانا في علاقة الأحكام، فنقف عليهما بإيجاز غير مخلّ.

المشقة:

المشقَّة -بالتحريك وتشديد القاف- العُسرُ والعناءُ الخارجين عن حدّ العادة في الاحتمال([51]). والمشقَّة مثلا تختلف في السفر باختلاف وسائل النقل والمواصلات، كما تختلف من مصدر إلى مصدر آخر لما يجده المسافر من تعب وعناء متبايِن ومتفاوِت؛ فإنّ المشقة التي تلحق راكب الحافلات الوثيرة المجهَّزة بالمكيفات الهوائية، ووسائل التبريد أو القطارات السريعة التي تسبق الصوت، أو الطائرات الواسعة المريحة، أخفُّ بكثير من المشقَّة التي تلحق المسافر العادي أو المسافرَ الضاربَ على أكباد الإبل في الصحراء، كما أنّ الأفراد المترفين لا ينالهم من المشقّة ما ينال غيرهم من المسافرين.

العلة:

معنى العلة لغة واصطلاحا: اسم لما يتغيّر الشيءُ بحصوله، أخذًا من العلة التي هي المرض؛ لأنَّ تأثيرها في الحكم كتأثير العلة في ذات المريض([52]).

وأمّا العلة الشرعية فقد اختلف في تعريفها الأصوليون من السنة والمعتزلة، على أقوال كثيرة أهمها:

الأول: قول المعتزلة: إنّ العلة هي الوصف المؤثِّر في الحكم ذاتِه؛ أي الموجب له، وهو مبنيٌّ على قاعدة التحسين والتقبيح العقليين.

الثاني: وهو قول الغزالي: أنّ العلة هي الوصف المؤثِّر في الحكم بجعل الله إياه مؤثرا فيه، أراد الغزالي بتعريفه هذا أنّ الوصفَ يوجب الحكم ويستلزمه عقلا بعد جعل الله له مؤثِّرا فيه، فهو عين تعريف المعتزلة، فيكون باطلا.

الثالث: وهو قول الآمدي وابن الحاجب: أنّ العلة هي الوصف الباعث على الحكم، وقد فسر الباعث بأنّه الوصف المشتمل على حكْمة تصلح أن تكون مقصودةً من الشارع من شرع الحكم، فليس معناه أنّه قد بعث الشارع وحمله على تشريع الحكم.

الرابع: أنّ العلة هي الوصف المعرّف للحكم، وهو قول الإمام الرازي وارتضاه الأرموي واختاره البيضاوي وأبو زيد الدبوسي من الحنفية، وانتقده صدرُ الشريعة في توضيحه بأنّه غير مانع لشموله العلامة، وهي: ما يعرف به وجود الحكم من غير أن يتعلّق به وجوده ولا وجوبه مع أنّ بينهما فرقا، وهو أن الأحكام بالنسبة إلينا مضافةٌ إلى العلل، كالمُلْك إلى الشراء والقصاص إلى القتل([53]).

من شروط العلة:

1-           الوصفية: أن تكون وصفا، فلا يصحُّ أن يكون اسم الجنس علّةً؛ لأن الأحكام تبنى على الأوصاف لا على الذوات.

2-           يُشترط في الوصف الجامع بين الأصل والفرع استطاعةُ العقل إدراكَه.

3-           أن يكون هذا الوصف ظاهرا، فلا يجوز التعليل بالخفي، وهو الذي لا يدرَك بحاسّة من الحواس الظاهرة؛ لأن العلة معرِّفةٌ للحكم الشرعي الذي هو خفيٌّ.

4-           أن يكون هذا الوصف منضبطا؛ أي يستوي بالنسبة له جميع الأفراد، وذلك كالسفر فإنّه علٌّة في قصر الصلاة، والسفر وصفٌ منضبط؛ لأن له حقيقةٌ لا تختلف باختلاف الأفراد والأحوال.

5-           أن يكون هذا الوصف مناسبا للحكم، كالقتل العمد بالنسبة لإيجاب القصاص.

6-           ألا تكون العلة مثبتةً حُكْمًا في نوعٍ يخالف النصَّ أو الإجماع([54]).

وهناك فرق بين العلة والحكمة والسبب.

الفرق بين العلة والحكمة:

فالعلّة هي: الوصف الظاهر المنضبِط الذي بُني الحكم عليه ورُبط به وجودا وعدما، فيوجَد الحكمُ بوجوده وينعدم بعدمه.

أمّا الحكمة فهي: الباعث على تشريع الحكم، والغاية المقصودة منه، وهي المصلحة التي قصد الشارع بتشريع الحكم تحقيقها أو تكميلها، أو المفسدة التي قصد الشارع بتشريع الحكم درأَها أو تقليلَها([55]).

وأما الفرق بين العلة والسبب:

فهو أنّهما عند بعض الأصوليين متباينان، فالسبب يختصُّ بما ليس بينَه وبين الحكم مناسبةٌ، وأمّا العلة فهي الوصف المناسب لتشريع الحكم، فالسفر على هذا الرأي علَّة لجواز القصر، وليس سببًا له، وزوالُ الشمس سببٌ لصلاة الظهر ولا يُسمَّى علّةً لها([56]).

وأمّا عند جمهور الأصوليين فالسبب أعمُّ في مدلوله من العلّة، فكلُّ سبب علّةٌ، وليس كلُّ علةٍ سببًا.

طرق استخراج واستنباط القواعد:

بعد تجوالنا في القواعد الفقهية والتعريف لها وما تمّ ذِكره من الضوابط والفروع؛ يصلُ بنا البحث إلى كيفية استخراج هذه القواعد من منابعها الأساسية وهي: الكتاب، والسنة، وغيرُهما من مكمِّلات أُسس هذا الشرع القويم.

وذلك يعني عملية التواصل التي يتبعها الفقيه إلى تقعيد القاعدة الفقهية والطرق المتّبعة في ذلك، وهذا كلُّه يمكن أن نتلمَّسه من خلال التعريف الاصطلاحي السابق، وهو عبارة عن: “حكم كليٍّ مستنِد إلى دليل شرعي، مصوغٍ صياغة تجريدية محكَمة، منطبقٍ على جزئياته على سبيل الاطِّراد أو الأغلبية”.

وأوّل ما يُلاحظ على هذا التعريف بعد إمعان النظر فيه؛ أن نَفهم أنَّ القاعدةَ الفقهيةَ يُبحث عنها في مظانِّها، وتُستخرج من الأدلّة الشرعية باعتبارها حُكما شرعيا كليا؛ لأنَّ المحلَّ الذي يُنتزع منه الحكمُ الشرعي ويُستقى منه هو الدليلُ الشرعي المتمثِّل في: الكتاب، والسنة، والقياس، وغيرِ ذلك.

ومما يُلاحظ في التعريف السابق؛ أنَّ القاعدةَ الفقهيةَ باعتبارها حُكما شرعيا مُستنبَطا من دليل شرعيٍّ؛ هي موضوعةٌ بالكمالية والانطباق على الجزئيات اطِّرادا أو غالبا، ولا سبيلَ إلى معرفة ذلك إلا بواسطة الاستقراء.

فعن طريق الاستقراء نستطيع العِلْمَ بكلية الحُكْمِ والتحقُّقَ من انطباقه على الجزئيات، وعن طريق الاستقرار نتأكَّدُ من أنَّ انطباقَ الحكمِ الكليِّ على جزئياته هو على جهة الاطّراد أو على جهة الأغلبية؛ لأنَّ الاستقراءَ فيه يكون تامًّا؛ فيكون الانطباق حينئذ مطّرِدا، وقد يكون ناقصا؛ فيكون الانطباقُ حينئذ أغلبيًّا([57]).

وبهذا يتَّضح لنا بأنَّ طُرَقَ التقعيد الفقهي وما له من مسالك؛ يتبعها في الوصول إلى القاعدة الفقهية عن طريق الاستنباط والاستقراء.

لأنّ القاعدة تتكوّن من شيئين أساسيين، هما: الحكمُ الكليُّ، وما يحويه من جزئيات مندرِجة؛ وعليه فالسبيل إلى العلم بالحكم الكليّ هو الاستنباط، وبالاستقراء يتمُّ العلم بما في الحكم من جزئيات مندرجةٍ ومنتظمةٍ فيه، ولكي تتّضح لنا الصورة ويتم الفهم؛ فلا بدّ من توضيح كلٍّ من الاستنباط والاستقراء باعتبارهما مسلكين للتقعيد.

أولا: الاستنباط:

الاستنباط لغة: يعني الاستخراج، وأصله من النَّبَط -بالتحريك-، وهو الماء الذي يخرج من البئر أوّل ما تُحفر([58])، ثم استُعمل في استخراج الشيء من مأخذه، سواءٌ كان ذلك في الحسيات كاستخراج الماء من البئر، أو في المعنويات كاستخراج المعاني من النصوص.

غير أنّ الاستنباط حينما يُستعمل في المعنويات يكونُ مجازا من قِبَلِ الاستعارة، فصار الاستنباطُ بمعنى: التفسير والتبيين([59]).

الاستنباط اصطلاحا: أمّا في الاصطلاح فهو كذلك لا يبعدُ كثيرا عن دائرة المعنى اللغوي، فقد عرّفه الجرجاني بأنه: “استخراج المعاني من النصوص بفرط الذهن وقوّة القريحة”([60]).

ولا بدَّ من التنبيه إلى أنَّ دائرةَ الاستنباط التي تهمُّنا هي محدودةٌ في الاستنباط الفقهيِّ، وعليه فهو عبارة عن استخراجٍ للأحكام الشرعية من مصادرها بواسطة القواعد الأصولية التي تُقَعِّدُ عمليةَ تفسيرِ النصوص الشرعية تفسيرا فقهيا.

وأصلُ الاستنباط في حدود دائرته هذه أنْ يكون من النصّ، فإذا كان الحكم الشرعي قد توصَّل إليه الفقيه عن طريق القياس أو الاستصحاب أو الاستصلاح، أو غير ذلك من الأدلّة؛ سمي ذلك اجتهادا([61]).

فالاستنباط إذن مصدره الأوّل الذي ينتهي إليه الأخذ والاستخراج هو النصُّ، إلا أنّ هذا الاستخراجَ أو الأخذَ قد يكون بطريقة مباشرة، وقد يكون بطريقة غير مباشرة.

وهكذا فالمسلك الأوّل لإيجاد القاعدة الفقهية هو الاستنباط الذي وضع له الفقهاء والأصوليون قواعدَ لغويةً وقواعدَ في الأدلة، كقولنا: “الأمر يفيد الوجوب”، و”النهي يفيد التحريم”، و”مفهوم المخالفة حجَّةٌ” و”النكرة في سياق النفي تفيد العموم”.

فهذه القواعد الأصولية بأنواعها كلِّها، هي عُدَّةُ الفقيه في تقعيد القواعد الفقهية واستنباط أحكامها الكلية.

ثانيا: الاستقراء:

الاستقراء في اللغة: هو التتبُّعُ، من قَرَيْتُ البلادَ واستقْرَيتها إذا تتبَّعتها، وخرجت من أرض إلى أرض([62]).

وفي الاصطلاح: عرفه الغزالي بأنه: “عبارة عن تصفُّح أمورٍ جزئية لتحكُمَ بِحُكْمِها على أمرٍ يشملُ تلك الجزئيات”([63]).

وجاء في تعريف آخر له: “الاستقراء هو أن تتصفَّح جزئياتٍ كثيرةً داخلةً تحت معنى كليٍّ، حتى إذا وجدتَ حُكْما في تلك الجزئيات؛ حكَمتَ على ذلك الكليِّ به”([64]).

والملاحَظ من خلال هذه التعريفات أنَّ الاستقراءَ لا يمكن إجراؤه إلا إذا كان عندنا حكمٌ واحد -سواء كان شرعيًّا، أو عقليا، أو عاديا-، وجملةٌ من الجزئيات نريد اختبارها من جهة اندراجها فيه وانطباقه عليها.

وللاستقراء مرتبتان: مرتبة يكون فيها تامّا، ومرتبة يكون فيها ناقصا.

1- فالاستقراء التام: هو أن يَثْبُتَ الحكمُ في كلّ جزئيٍّ من جزئيات الكليِّ، وهذا النوع لا يكون إلا في العقليات، ويسمّى: الاستقراء المنطقي، ويفيد القطع.

2- الاستقراء الناقص: معناه أن يثبت الحكمُ في الكليّ لثبوته في أكثر جزئياته، وهذا هو المقصود عند الفقهاء([65]).

وهكذا ننتهي إلى أنّ التقعيد الفقهيَّ له مسلكان يعتمدهما الفقيه، وهما: الاستنباط، والاستقراء، الاستنباط أولاً، والاستقراء ثانيًا. فالاستنباط يتمُّ به الكشف عن الحكم والعلمُ به من حيث هو حكمٌ شرعيٌّّ، والاستقراءُ يتمُّ به العلم بكلية ذلك الحكم وقاعديته([66]). وهذا يوصلنا إلى أنواع من التقعيد الفقهي.

أصول التقعيد أو القواعد الفقهية:

التقعيد الفقهيُّ هو عملٌ علمي يقوم به الفقيه قصد تجميع شتات فروع الفقه ومسائله، وهذا العمل لا يأخذ حجّيتَه وشرعيّته إلا إذا استند إلى الأصول والمصادر الشرعية، واستمدَّ منها قوّتَه.

والفقهاءُ المتقدِّمون الذين اهتمّوا بالقواعد الفقهية وألَّفوا فيها بوجه من الوجوه، لم يجرِّدوا الحديثَ عن مصادرها الشرعية، ولم يقرِّروا لها بابا أو فصلا لبسْط الأُسس النظرية التي يُحَلَّلُ في ضوئها استمدادُ القواعد الفقهية شرعيّتَها وحجيتَها من أصولها، وكيفيةُ ذلك، ولكنَّهم كعادتهم في تناول مثل هذه المسائل تناولا مباشرا وبطريقة علمية تطبيقية، كانوا يَعرِضون القاعدةَ قبل تحليلها وذكرِ فروعها الفقهية، وما فيها من شذوذ واستثناء، ويُرجعونها إلى أصلها الشرعي من كتاب وسنة وإجماع وقياس.

وهذه القواعد لم توضع في الفقه الإسلامي هكذا اعتباطا أو بدون دليل، بل لكلِّ قاعدة دليلها ومصدرُ ثبوتها من الكتاب أو السنة أو الإجماع أو المعقول([67]).

ولْنَعرض لكلّ نوع من هذه المصادر وما أُخذ منه من قواعد، وبهذا نقف على ما يُعرف بالقواعد التي استُمِدّت بالنص، أو بالقياس، أو بالاستدلال، أو بالترجيح، وهي:

أولا: القواعد المستمدة بالنص:

والمرادُ بالنص عند الفقهاء والأصوليين هو القرآن والسنة، وهذا النوع من القواعد له صورتان:

1- أن تَرد الآيةُ أو الحديث في تعبير موجَزٍ جامع دستوريٍّ؛ فيكونُ ذلك بالنسبة للفقهاء كليةً تشريعيةً جاهزةً للصياغة، كاملةَ الحبك، ناطقةً بشرعيتها؛ لكوْنها نصًّا شرعيا.

2- أن يردَ النصُّ القرآنيُّ أو الحديثُ حاملا حكما عامًّا صالحا لكثير من الفروع والجزئيات، فيعمد الفقهاء إليه ويستنبطون منه قاعدةً أو قواعدَ كليةً.

فقوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾([68]).

هذه الآية الكريمة على وجازتها وقلَّة كلماتها؛ تتضمن كلية تشريعية كبرى، بل إنَّك تستطيع أن تجعلَ كلَّ كلمة منها كلية قائمة بذاتها.

قال القرطبي في تفسيرها: “هذه الآية من ثلاث كلمات تضمَّنت قواعدَ الشريعة في المأمورات والمنهيات، فدخل في قوله: (خُذِ الْعَفْوَ)؛ صلةُ القاطعين، والعفوُ عن المذنبين، والرفقُ بالمؤمنين، وغيرُ ذلك من أخلاق المطيعين، ودخل في قوله: (وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ)؛ صلةُ الأرحام، وتقوى الله من الحلال والحرام، وغضُّ الأبصار، والاستعدادُ لدار القرار. وفي قوله: (وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ الحضُّ على التعلّق بالعلم، والإعراضُ عن أصل الظلم، والتنـزّهُ عن منازعة السفهاء ومساواةِ الجهلةِ الأغبياءِ، وغيرُ ذلك من الأخلاق الحميدة والأفعال الرشيدة”([69]).

فمثلا قاعدة: “المشقة تجلب التيسير” مصدرها قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾([70]).

أمَّا القواعدُ المستمدَّة من السنة فمنها قوله e: «لا ضرر ولا ضرار»([71]).

وقوله e: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك»([72]).

أمَّا الإجماع فقد مُثّل له بقاعدة: “الاجتهاد لا يُنقَضُ بمثله”([73]).

ثانيا: القواعد المبنية على القياس:

والقياسُ هو أخصب وأوسع مصدرٍ يَرجع إليه الفقيهُ في المصادر العقلية، بل إنَّ عملية التقعيد أو القواعدِ الفقهية هي بذاتها عمليَّةٌ قياسيةٌ، ما دامت قائمةً في أساسها على الجمع بين المتشابِه والمتناظِر من الفروع والمسائل الفقهية؛ ومن ثَمَّ كان الفقهاءُ يرادفون أحيانا بين القواعد والقياس([74]).

ومن أمثلة القواعد الفقهية بالقياس: “ما حَرُمَ استعمالُه حَرُمَ اتِّخاذُه”([75]).

كذلك قاعدة: “ما حَرُمَ أخذه حَرُمَ إعطاؤه”([76]).

ومن فروع هذه القاعدة:

–       لا يجوز للمسلم أن يستأجر النائحة؛ لأنّ أخذ الأجرة على النُّوَاح لا يجوز شرعا، فيقاس عليه إعطاؤه([77]).

–       لا يجوز للمسلم أن يستأجر المغنِّين؛ لأنَّ أُجرة المغنِّي لا تحلُّ له، فكان إعطاؤه له حراما أيضا.

–       ومثله الزامر أيضا([78]).

ووضَّحها الشيخُ الزرقاء بقوله: “المراد بالبرهان؛ الأدلةُ المثبتة التي تسمَّى بالبينات؛ أي أنَّ ما ثبت لدى القاضي في مجلس القضاء بالبيِّنة، من الحوادث أو نتائجها الشرعية؛ يُعتبَر أمرًا واقعًا، كأنَّه محسوسٌ مشاهَدٌ بالعيان، فيُقضى به اعتمادا على هذا الثبوت، وإن كان هناك احتمالٌ أو خلافُه بسبب من الأسباب([79]).

ومن فروع هذه القاعدة: جوازُ الحكم بقرائن الأحوال إذا أفادت علما أو ظنًّا غالبا، ولم تخالف نصًّا([80]). كإثبات حدِّ الشرب بطريقة الرائحة.

والحكم بقرائن الأحوال يمكن أن يكون في الأموال والحدود والأبدان وغيرها من حقوق الله أو حقوق العباد([81]).

وقاعدةُ: “الثابت بالبرهان كالثابت بالعيان”([82]).

القواعد الفقهية المبنيَّةُ على الاستدلال:

الاستدلال في اللغة: هو طلب الدليل. أو: هو الذي يدلُّ على الطريق([83]).

وفي الاصطلاح يطلق على أربعة أنواع:

 

  1. الاستدلالُ بمعنى إيراد الدليل من قرآن وسنَّةٍ وقياسٍ وغيرِ ذلك([84]).
  2. الاستدلالُ بمعنى إيراد الدليل الذي ليس نصًّا ولا إجماعا ولا قياسا([85]).
  3. الاستدلال بمعنى الاستصلاح([86]). وهذا الإطلاق قد وردَ على ألسنة كثير من الفقهاء والأصوليين([87]).
  4. الاستدلال بمعنى الأقيسة التي ليست من قبيل قياس التمثيل. وقياس التمثيل هو القياس الأصولي الذي يسمِّيه علماءُ الأصول بالقياس الشرعيِّ، أو هو: إلحاق فرع بأصل في الحكم الشرعي، بمساواتهما في العِلَّة.

والقياس بالاستدلال له صور عديدة منها: قياس العكس، وقياس الدلالة، والقياس الاقتراني، ويسمى أيضا بالقياس الحملي، والقياس الاستثنائي، ويسمى أيضا بالقياس الشرطي([88]).

والاستدلال بهذا المعنى تتَّسع دائرته وتضيق، وحسب مذاهب الأصوليين في توسيعه وتضييقه، وذهابا مع رأي الموسِّعين؛ فهو يشمَل العديدَ من الأدلَّة العقلية التي منها:

1-      الاستصحاب.

2-      شرع من قبلنا.

3-      قول الصحابي.

4-      الاستصلاح.

5-      الاستقراء.

6-      قياس العكس.

7-      قياس الدلالة.

8-      القياس المنطقي بصورتيه.

والاستدلالُ بجميع صوره هذه -ما عدا قول الصحابي-؛ راجعٌ إلى القياس، إذا نحن وسَّعنا دائرتَه، ونظرنا إليه نظرا بعيدا دون التقيُّد بالمعاني الحقيقية التي يفرضها الفقه التقليدي.

فالاستصحابُ هو الحُكْمُ على الشيء في الزمان الحاضر بنفس الحكم الذي ثبت له في الزمان الماضي، وهذا عملٌ قياسيٌّ([89]).

والقواعدُ الفقهية التي بُنيت على الاستدلال كثيرةٌ، وهي تتفرَّع إلى ما قُعِّدَ منها بالاستصحاب وما قُعِّد منها بباقي أنواع الأقيسة التي سبق ذكرها. وهي كالآتي:

أولا: القواعد الفقهية التي كانت بالاستصحاب([90])

والمرادُ بكون الاستصحابِ مصدرًا للتقعيد الفقهيّ؛ أي أنَّ الفقيهَ قد يعمد في عمليَّة التقعيد أو استخراج القاعدة إلى فكرة الاستصحاب ومنهجِه، فيكونُ بذلك قد حكم على جُمْلَةٍ من الفروع والجزئيات بحكم شرعيٍّ واحدٍ، ومرجعُه في ذلك الاستصحابُ.

ومثالنا في ذلك: لو ادَّعت الزوجةُ على زوجها عدمَ وصول النفقة المقدَّرة إليها، وادّعى الزوج الإيصالَ، فالقول قولُها بيمينها؛ لأنَّ الأصل بقاؤها بعد أن كانت ثابتة بذمَّته، حتَّى يقومَ على خلافه دليلٌ من بيِّنةٍ أو نُكُولٍ([91]).

ومن القواعد التي أصلها الاستصحاب:

“الأصل في الذمَّة البراءةُ”([92]).

ومن فروع هذه القاعدة:

إذا ادَّعى شخصٌ أنَّ له على آخرَ دينًا؛ فإنَّ ذلك لا يثبت في حقِّ المدَّعَى عليه إلا بإقراره أو بيِّنة المدَّعي؛ لأن الأصلَ في ذمَّة المدَّعَى عليه البراءةُ من كلِّ دين، فيَسْتَصْحِبُ هذا الأصلَ إلى أن يَرِدَ دليلٌ بخلافه([93]).

ثانيا: القواعد الفقهية المبنية على الاستصلاح:

الاستصلاحُ عند الأصوليِّين والفقهاءِ هوَ بناءُ الأحكامِ الفقهيةِ على مقتضى المصالح المرسلة، والمرادُ بالمصالح المرسلة: المصالح المطلقة التي لم يَرِدْ في الشرع نصٌّ باعتبارها ولا بإلغائها([94]).

والمراد بالتقعيد بالاستصلاح أن يتوصَّل الفقيه إلى أحكامٍ كليةٍ عن طريق الاستصلاح، تَندرج تحت كلِّ واحدٍ منها فروع كثيرة؛ وذلك لأنَّ الاستصلاحَ كما يتوصَّلُ به الفقيه إلى معرفة الأحكام الجزئية للإفتاء بها في الوقائع والحوادث كالأمثلة السابقة؛ فكذلك يتوصَّل به إلى معرفة كليات الأحكام، وتلك هي القواعد([95]).

ومن القواعد الفقهية التي بناها الفقهاء على الاستصلاح:

– “سدّ الذريعة وفتحها منوط بالمصلحة”:

الذريعة في اللغة: هي الوسيلة.

والمراد بها عند الفقهاء والأصوليين هي: ما تُوُصِّل بها إلى مفسدة فتكون ممنوعة، أو إلى مصلحة فتكون مطلوبة، وبعبارة أخرى: هي ما يُتَوَصَّلُ بها إلى الأحكام الشرعية.

فمن الوسائل ما تُفضي بفاعلها إلى المحرَّم أو المكروه؛ فيكونُ سدُّها واجبا.

ومن الوسائل ما تفضي بفاعلها إلى الواجب أو المندوب؛ فيكونُ فتحُها واجبا أو مندوبا([96]).

وهذه القاعدة تتفرّع عنها قواعد فقهية عديدة، منها:

“ما يفضي إلى الحرام حرام”.

“ما يفضي إلى المكروه مكروه”.

“ما يتوقَّف الواجب على فعله فهو واجب”.

وهذه القاعدة هي بمعنى قولهم: “ما لا يَتِمُّ الواجب إلاَّ به فهو واجب”.

ومن فروع هذه القاعدة:

–            أصل البيع الإباحةُ، لكن إذا تعلَّق بأمر اضطُّر إليه المسلمون؛ فإنه يصير في حقِّ البائع واجبا.

–            النكاح مباحٌ، وقيل مندوبٌ، لكن الذي لا ينفكَّ عن الزنا إلا به وكان قادرا عليه؛ فهو واجبٌ عليه.

–            تحصيل العلوم الشرعية واجبٌ على المسلمين على الكفاية؛ لأنَّها وسيلةٌ إلى الحفاظ على الشريعة([97]).

ثالثا: القواعد المبنية على قياس الاستدلال:

تَمَّت الإشارة إلى أنّ قياسَ الاستدلال يشمل الأقيسةَ التي ليست من قبيل قياس التمثيل، كقياس العكس، وقياس الدلالة وغيرها.

والفقهاء قد نشَطوا كثيرا في التقعيد بهذه الأقيسة، حتى أنَّ جزءا مهمًّا من القواعد التي دوَّنوها هو من قبيل القواعد التي بنيت على قياس الاستدلال، وهو يكشف عن مدى عمق وسَعَة العقلية الفقهية الإسلامية، وما وصلَتْ إليه من نضج واكتمال في إطار تعميق البحث الفقهي وتأصيله.

والقواعدُ المبنيةُ على قياس الاستدلال معناه أنَّ الفقهاءَ قد يتوصَّلون إلى أحكام، لكن عن طريق إجراء قياس العكس، أو قياس الدلالة، أو غيرهما من صور قياس الاستدلال.

ومن القواعد المبنية على ذلك:

–            إذا نذر المكلَّف صيامَ نصف يوم لزمه صيام يوم كلِّه؛ لأنَّ صيامَ اليوم لا يتجزَّأ.

–            إذا قال لزوجته: أنت طالق نصف تطليقة لزمه الطلاق؛ لأنَّ الطلاق لا يتجزأ.

وقاعدة: “سقوط المقصد يستلزم سقوط الوسيلة”([98]).

هذه القاعدة واسعة تشمل ما لا يُحصى من فروع الشريعة؛ لأنَّ أحكامَ الشرع متعلِّقة بأفعال المكلَّفين.

ومن فروع هذه القاعدة: أنَّ السعي إلى الجمعة واجب؛ لأنَّه وسيلة إلى الواجب وهو الجمعة، لكن المسافر والمريض تسقط عنهما الجمعة، فلزم سقوط السعي إليها.

ومن فروعها كذلك: أنَّ الكذبَ حرامٌ؛ لإفضائه إلى مفاسد جسيمة، لكن إذا كان فيه إنقاذ نفس من الهلاك، فإنَّ المقصد الأول يسقط اعتبارُه، ويسقط به اعتبار الوسيلة؛ لأنها تنقلب إلى وسيلة تفضي إلى مصلحة([99]).

رابعا: القواعد الفقهية التي يعمل فيها الترجيح:

الترجيح: هو تغليب أحد الدليلين وتقويته، والعمل به دون الآخر، وهو كالآتي:

الترجيح لغة: التمكين والتغليب والتفضيل، يقال: رجَّحت الشيءَ إذا فضَّلْتُه وقوَّيْتُه([100]).

وفي الاصطلاح: هو تقويةُ أحد الدليلين المتعارضين على الآخر للعمل به([101]).

والترجيحُ سبَبُهُ التعارضُ بين دليلين.

حقيقة التعارض:

التعارض في اللغة تفاعل من العُرض -بضم العين- وهو الناحية والجهة، كأنَّ الكلام والتعارض يقف بعضه في عرض بعض، فيمنعه من النفاذ إلى حيث وُجّه([102]).

وفي الاصطلاح: هو اقتضاء أحد الدليلين خلاف ما يقتضيه الآخر([103]).

وبين المعنى الاصطلاحي والمعنى اللغوي علاقة واضحة، فتعارض الدليلين يقتضي اختلافهما في الظاهر، ولا يكون الآخر كذلك إلا إذا اعترض أحدهما طريقَ الآخر بحيث لا يتَّجهان وجهة واحدة، وإضافةُ التعارض الأوَّل إنما هي من باب المجاز؛ لأن الأولى في حدِّ ذاتها غير متعارضة، وإنما ينشأ التعارض بينهما في عقل الفقيه الناطق بها.

والقول بتعارض الأدلَّة ذاتِها يَلزَم منه القولُ بتناقض الشريعة واختلافها، وهذا يفضي إلى القول بتعدُّد مصادرها، وهو محالٌ؛ لأنَّ مصدرَها واحدٌ هو الله تعالى.

وقد اتَّفق الفقهاءُ على أنَّها لا اختلافَ فيها ولا تناقضَ ولا تعارضَ، وإذا وُجِدَ شيءٌ من ذلك في نصوصها، فإنَّما منشؤه يرجع إلى فَهْم الفقهاء وإدراكِ المجتهدين لها، فَهُم في ذلك متفاوتون تفاوتَ مداركهم وقدراتِهم العقلية.

أسباب التعارض:

سبق وأنْ ذكرنا أنَّه لا تعارض في الشريعة، وإن ظهر لأحد فأسبابُه تَرجع إلى أمور ثلاثةٍ:

الأول: ما يرجع إلى جهة النقل:

وذلك أنّ الدليلين المتعارضين قد يكونُ تعارُضُهما بسبب أنَّ في أحدهما اختلالا في سنده وروَّاته مِمَّا يجعلُه أضعفَ، ولا يدرك ذلك الفقيه المجتهد، فيعتقد أنَّهما متعارضان كذلك.

الثاني: ما يَرجع إلى جهة الدلالة:

وذلك أنَّ النصَّ الشرعيَّ قد يكون قطعيَّ الدِّلالة، وهذا لا مجال فيه للتعارض، وقد يكون ظنيَّ الدِّلالة وهذا مَجَالٌ واسعٌ لاختلاف الفقهاء من جهة، ولنشوء تعارضِ الأدلة في عقولهم واهتمامهم من جهة ثانية.

الثالث: ما يرجع إلى النسخ:

وذلك أنَّ الدليلين المتعارضين في الظاهر قد يكون تعارُضهما بسبب أنَّ أحدَهما ناسخٌ للآخر؛ لأنَّه متأخِّرٌ عنه وُرودا، فيكونُ من لم يعلم ذلك من الفقهاء معتقِدا أنّهما متعارضان.

وقد جمع ابن القيم هذه الأسباب الثلاثة في تعقيبه على حديثين متعارضين في الظاهر فقال: “ونحن نقول لا تعارضَ بحمد الله بين أحاديثه الصحيحة، فإذا وقع التعارض؛ فإمَّا أن يكونَ أحدُ الحديثين ليس كلامَه e، وقد غلط فيه بعض الرواة مع كونه ثقة ثَبْتًا، فالثقة يغلط. أو يكونُ التعارض في فهم السامع، لا في كلامه e. أمَّا حديثان صحيحان صريحان متناقضان من كلِّ وجه، وليس أحدهما بناسخ للآخر، فهذا لا يوجد أصلا”([104]).

ذلك ما كان فيما يخصُّ التعارضَ، وبهذا يعود بنا الحديث إلى الترجيح.

فالترجيح كما يكون رجوعا إليه في الأحكام الجزئية؛ فإنَّ الفقهاءَ يهرعون إليه في الأحكام الكلية أيضا، وهذا هو المرادُ بكونه مصدَرا من مصادر القواعد الفقهية.

ولتوضيح ذلك نسوق السؤال الذي سئل به عثمان بن عفان t عن الجمع بين الأختين بملك اليمين فأجاب: “أحلَّتهما آية وحرَّمتهما آية”([105]). ويقصد بذلك قوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾([106]). ويريد بالآية التي حرَّمتهما قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ﴾([107]).

فقد تعارض حكمان هما الحِلُّ والحِرْمة -بتعارض دليليهما- في جزئية واحدة، وهي الجمع بين الأختين بملك اليمين([108]). والفقهاء يرجِّحون هنا آية الحِرمة على آية الحِلِّ؛ لأنَّها الأحوط؛ ولأنَّ الصحابة والسلفَ الصالحَ كانوا على عدم الجمع.

والسؤال الذي قد يطرح نفسه فيما يخص الترجيح هو: أنَّ الترجيح ليس دليلا شرعيا للأحكام الجزئية، ولا للأحكام الكلية، فكيف يكون مصدرا للقواعد الفقهية؟.

والجواب عن ذلك: أنَّ الترجيحَ لم يكن دليلا بذاته على الأحكام الشرعية الجزئية، وكلِّيِّها، فإنَّ العمل به واجب، ووجوبُ العمل به دليل على شرعيته وحجيته.

والدليل على وجوبِ العمل به هو إجماعُ الصحابة والسلف على أنَّهم إذا تعارض عندهم دليلان في مسألة واحدة رجَّحوا أغلبَهما على الظنِّ، وعمِلوا به دون الآخر، ولم يُنقَل عن أحدهم أنَّه خالف هذا، فكان عملهم بالراجح من الدليلين المتعارضين إجماعا منهم([109]).

وممَّا جاء عنهم في الترجيح:

–            ترجيحهم خبرَ عائشة في وجوب الغسل من التقاء الختانين، على خبر أبي هريرة الذي جاء فيه: «إنّما الماء من الماء».

–            ترجيحهم ما روت عائشة من أنَّ النبيّ e كان يصبح جُنبا وهو صائم، على ما رواه أبو هريرة من قوله e: «من أصبح جنبا فلا صومَ له»([110]).

وما نذكره في هذا الترجيح:

هو أنّ ترجيحَهم للرأي الأول؛ وهو يوجِب الغسلَ بالتقاء الختانين، ولا يشترط وجودَ الماء كما ورد بالنصِّ، فهو نِعم الترجيح والرأي؛ لأنَّه أخذَ فيه بالأحوط، وهو ما يريح ضمير المرء المخْلِصِ لربِّه ودينه.

أمَّا الأمر الثاني: وهو التخلِّي عما رواه أبو هريرة من قوله e: «من أصبح جنبا فلا صيام له»، وترجيحُ ما رُوي عن عائشةَ من أنَّ النبيَّ e كان يصبح جنبا وهو صائم. فهذا فيه شيء من اللبس عند البعض، فالشخص ربَّما يشتغل مع زوجته حتى يطلع عليه الفجر وهو لا يدري، فهنا أمرٌ مقبول، ويغتسل في حينه وينظر في أمره.

وهذا يعود في النهاية إلى شيء من اللبس إمَّا في المعنى أو غيره.

إنَّ الصيغة التي وردت في هذا وحسبَ ما جاء في صحيح مسلم بشرح النووي([111])، عن عائشة رضي الله عنها أنَّ رجلاً جاءَ إلى النبيِّ e يستفتيه وهي تسمع من وراء الباب، فقال: يارسول الله، تدركني الصلاة وأنا جنُبٌ، أفأصوم؟ فقال له رسول الله e: وأنا تدركني الصلاة وأنا جنب فأصوم. فقال: لست مثلنا يارسول الله، قد غفر الله لك ما تقدَّم من ذنبك وما تأخَّر. فقال: «والله إني لأرجو أن أكونَ أخشاكم لله وأَعْلَمَكُم بما أتَّقي».

والذي يُفهم من هذا الحديث أنَّ النبي e قد سبق له وأن أصبح جنبا، وقام لحينه واغتسل وصام، ولا يمكن أن نفهم بأنَّ رسول الله e كان تعمَّد الإصباح جنبا وتمضي عليه صلاة الصبح. فهذا حسبَ اعتقادي وحسب الظاهر من النصِّ غيرُ وارد، وهو الخطأ الذي وقع فيه كثير من الناس بأنَّ الرسول e كان يصبح جنبا ولا شيء في ذلك.

وأخذه الكثير حجَّةً فيجامع أهله من أوَّل الليل، ولا يقوم إلا في النهار حيث يغتسل ويصلِّي، ومعظمهم يفعل ذلك إلى قبيل الظهر، فحاشا وكلاَّ أن يكون هذا مبدأ الرسولِ e، وهو الذي جاء في قوله: «والله إني لأرجو أن أكونَ أخشاكم لله وأعلمَكم بما أتَّقي». وهو الذي ينبِّه ويؤكِّد على صلاة الصبح في وقتها وفي الجماعة، ويقول: إنَّها خيرٌ من الدنيا وما فيها، فكيف يفرِّط فيها وهو أسُّ هذه الأمة وخاصَّة أنَّ هذا الحديث وهو على صورته التي ورد عليها يصعب أن نتَّخذه أو نسلِّم به قاعدةً من القواعد الفقهية التي نعتمد عليها في ترجيح كثير من الفروع والجزئيات والأحكام.

ومما يرفض هذا الترجيح والإصباح جنبا، ما جاء في الجامع الصحيح للربيع بن حبيب قوله: وعن أبي عبيدة عن عروة بن الزبير والحسن البصري، وإبراهيم النخعي وجملة من أصحاب رسول الله e يقولون: “من أصبح جنبا أصبح مفطرا، ويدرؤون عنه الكفارة”([112]).

ومما جاء في ذلك ما أخرجه البخاري بلفظه: «كان يدركه الفجر وهو جنب من أهله ثم يغتسل ويصوم»([113]). وما أراه في هذا بحسب ما جاء في مسند الربيع، وكذلك ما جاء في هذه القاعدة إذا تعارضت العزيمة والرخصة قُدِّمت العزيمة على الرخصة، فتقديم العزيمة على الرخصة أحوطُ من الرخصة في هذا، عملا بالاحتياط الشرعي.

فكذلك تقديم الغسل على الإصباح جنبا، هو أفضل وأحوط.

وقد يكون هذا ممَّا اختلف فيه الفقهاء، ولكلٍّ رأيه وحجته([114]).

“قاعدة إذا تعارضت العزيمة والرخصة قُدِّمت العزيمة”:

فالعزيمة: ما شُرع ابتداء على وجه يعمّ المكلَّفين في الأحوال العامَّة.

والرخصة: ما شُرع من الأحكام في أحوال خاصَّةٍ كاستباحة فعلِ المحرّمِ عند الضرورة، واستباحةِ ترك الواجب عند المشقَّة والحرَجِ([115]).

ومعنى القاعدة: أنَّ المكلَّف إذا اجتمعت عليه في حالة واحدة عزيمة ورخصة، فإنَّه يرجّح العمل بالعزيمة على الرخصة عند بعض الفقهاء، ويرجّح العمل بالرخصة عند البعض الآخر.

واختلافُهم هذا في أصل القاعدة يثبت عليه اختلافهم فيما يندرج فيها من الفروع([116]).

وهذه القاعدة ترادف قولَ الفقهاء: “إذا اجتمع الحظر والإباحة كان الحكم للحظر”. ومعناها أنَّ الشيءَ إذا كان حلالا باعتبار، وحراما باعتبار آخر، فإنَّه يُغَلَّبُ فيه جانبُ الحرمة على جانب الحلّية، عملا بالاحتياط الشرعي؛ لأنَّ ترك المحرم أولى من فعل المباح الذي يجرُّ إلى فعل المحرم.

ونختتم هذا البحث بذكر القواعد الفقهية الخمس التي سبق وأن أشرنا إليها في بداية هذا الموضوع، والتمثيل لها ببعض الفروع.

أولا: قاعدة “اليقين لا يزول بالشكِّ”

فهذه القاعدة أصلٌ شرعيٌّ عظيم، يندرج تحتها ما لا يُحصى من الفروع الفقهية في أبوابه المختلفة، من عبادات ومعاملات وأحوال شخصية وعقوبات وأقضية.

وما جاء في هذه القاعدة عن السيوطي أنَّها: “تدخل في جميع أبواب الفقه، والمسائل المستخرجة عليها تبلغ ثلاثة أرباع الفقه وأكثر”([117]).

وأساس هذه القاعدة الحديث النبوي: «إنّ الشيطان ليأتي أحدكم وهو في الصلاة فينفخ في إليتيه، فلا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا»([118]).

جاء في كتاب الجامع لابن بركة: “ومن تيقَّن طهارةً ثم شكَّ، فلم يَدْر أَحْدَثَ أو لم يُحدث، فهو على طهارته، والدليلُ على ذلك أنَّ اليقين لا يرتفع بالشك؛ لأنَّه تيقَّن بعلمه”([119]).

ومن الفروع التي أوردها ابن بركة عن القاعدة السابقة:

– “من نام متَّكئا فلا ينتقض وضوؤه ما لم يكن مضطجعا”([120]).

وحجَّته أنَّ الطهارةَ على يقين، والحديثُ الذي يوجب إعادةَ الطهارةِ هو: «إنما الوضوء على من نام مضطجعا»، وقد صحَّ عنه e أنّه اتّكأ على يده نائما حتى نفخ فقام فصلى([121]).

– إذا ولدت المرأة وبقي في بطنها آخرُ، فليست بنفساءَ، ولا تدع الصلاة. قال أبو محمد: “ما لم تضع ما في بطنها فهي حامل، وغير جائز أن تكون نفساء، وهي حامل في ذلك الوقت؛ لأنَّ الحاملَ عليها صلاةٌ، والنفاس اسم لوضع الحمل”([122]).

وواقع الحال في مثل هذه الحالة، وحسب ما أراه في هذا، فالنفاس واقع بسبب وضعها ولدها الأوَّل، ويترتَّب عليها ما يجب على النفساء، أما أنَّها حامل بما تبقَّى في بطنها فهو لا يلغي ما ولدت، وما ترتَّب عليه من نفاس وما يتبعه من أحكام، حيث تقطع الصلاة حسب حكم النفساء، وبعد أن تطهر تعود إلى صلاتها حتى تضع ما تبقَّى في بطنها من حمل، والله أعلم.

ثانيا: قاعدة “العادة محكَّمَةٌ”

المراد بالعادة في هذه القاعدة هو العرف بنوعيه اللفظي والعملي.

فهي تُعَبِّر عن مكانةِ العرف واعتباره في الشريعة الإسلامية([123]).

واستدلُّوا لهذه القاعدة بقول الرسول e: «ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن»

ولو رجعنا إلى كتاب “التعارف” لابن بركة؛ لوجدنا فيه الكثيرَ لمثل هذه الفروع مما جاء فيه عن العرف والعادة، وما يسكن إليه القلب مما يحدُثُ بين الناس من التعامل.

ثالثا: قاعدة “المشقَّة تجلب التيسير”

وهذه القاعدة تُعتبر من أُسس الشريعة في جميع المذاهب([124]). بما تمثِّله من سماحة الإسلام ويُسره.

ومما استُدِلَّ به لهذه القاعدة قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْر﴾([125]) وقولُه: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾([126])، وقول الرسول e: «إن الله تعالى وضع عن أمتي الخطأ والنسيانَ وما استُكْرِهوا عليه»([127]).

والمرادُ بالمشقَّة المنفيَّةِ بالنصوص والداعية إلى التخفيف والترخيص بمقتضى القاعدة؛ إنَّما هي المشقَّةُ المتجاوِزَة للحدود العادية، أمَّا المشقَّة الطبيعيةُ في الحدود العادية التي تستلزمها عادةُ أداء الواجبات، والقيامِ بالمساعي التي تقتضيها الحياة الصالحة؛ فلا مانع فيها([128]).

ومن هنا يجب أنْ يُعلم أنَّ قاعدة: “المشقة تجلب التيسير” ليست مطَّردة ولا تتخلَّف في كلِّ حالات المشقَّة، بل إنَّ التيسير منوطٌ بما نصَّت عليه الأدلَّة الشرعية، الكتابُ والسنة والإجماع والقياس، وغيرُها من الأدلة المعتبَرة شرعا، وما لم يُعتبر في الأدلة الشرعية سببا؛ فلا يصحُّ الترخُّص به، فليس كلُّ مشقَّة تجلبُ التيسير، ولا كلُّ تيسير سببُه المشقَّة، إنَّما القاعدةُ تجري على الغالب.

وحصر بعض الفقهاء أسباب التخفيف في سبعة أسباب، وهو مجمَلة في: السفر، والمرض، والإكراه، والنسيان، والجهل، والعسر، وعموم البلوى، والنقص الطبيعي.

ومما يندرج تحت هذه القاعدة:

“الضرورة تقدر بقدرها”، وهي كالتخصيص للقاعدة الأمِّ؛ لأنَّ الذي يباح من المحظورات يكون بقدر الحاجة، ولا يزيد. كما جاء في قول ابن بركة: “ليس للمضطر أن يأكل من الميتة حتى يشبع؛ لأنَّ الإباحةَ وردت له بسبب الخوف، فإذا زال الخوف ارتفعت الحاجة”([129]). ومن اضطُرَّ إلى مالِ غيره؛ أكل منه قدرَ ما يزولُ عنه الخوف، وعليه ضمان ما أكل([130]).

رابعا: قاعدة “الأمور بمقاصدها”

فقاعدة الأمور بمقاصدها تفيد أصلا من أصول الشريعة، حيث تتوقف عليها قبول الأعمال وردها، وصحتها وفسادها، لأن النية والقصد هما الأساس في عمل الفرد.

ومن الآيات التي يستند إليها في هذه القاعدة قوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾([131]). وقوله: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً، إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ﴾([132]).

وكذلك قوله e: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى»([133]).

قد يعتبر كثير من العلماء أن هذا الحديث هو الأصل في تلك القاعدة، وجعلوه ثلث العلم ومنهم من قال ربعه([134]).

ومن الفروع التي تعبر عن هذه القاعدة حسب ما جاء في جامع ابن بركة “وجوب إحضار النية للطهارة وسائر العبادات بظواهر الأدلة التي ذكرناها”([135]).

خامسا: قاعدة “الضرر يزال”

وهذه القاعدة أساسُها الحديث النبوي: «لا ضرر ولا ضرار في الإسلام»([136]).

الضرر: إلحاقُ مَفسدة بالغير، والضرار: مقابلة الضرر بالضرر.

ومِمَّا يشهد لهذه القاعدةِ قولُه تعالى: ﴿وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً لِتَعْتَدُوا﴾([137])، وقولُه: ﴿وَلا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ﴾([138]). وهي أساسٌ لمنع الفعل الضارِّ، وترتيب نتائجه في التعويض المالي والعقوبة.

نصّها ينفي الضرر نفيا، فيوجب منعَه مطلَقا، ويشمَل الضررَ الخاصَّ والعامَّ.

والمقصودُ بمنع الضرر نفيُ فكرةِ الثأر المحض، الذي يزيد في الضرر ولا يفيد سوى توسيع دائرته([139]).

وإلى هنا نكتفي بهذا القدر من هذا الموضوع الذي كان عن القواعد الفقهية التي تجوب خضمَّ الفقه الإسلاميّ من شرقه إلى غربه، وأنا أعترف بأنَّني لم أعطه حقَّه بسبب ضيق الوعاءين، وهذا لا يَمنع أن نجدِّد شكرنا وامتنانَنا في النهاية إلى من كان السبب في تلك المشاركة.

فلهم منَّا جميعا جزيلُ الشكر ولله الفضل على نعمائه، والحمد لله رب العالمين.

قائمة المصادر والمراجع:

1-       المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي، بيروت.

2-       الفروق لشهاب الدين القرافي، عالم الكتب، بيروت.

3-       نظرية التقعيد الفقهي، د. محمد الروكي، ط1، دار الصفاء، دار ابن حزم، بيروت.

4-       الأشباه والنظائر، لتاج الدين السبكي، ط1، دار الكتب العلمية، بيروت.

5-       لسان العرب لابن منظور، دار صادر، بيروت.

6-       النهاية في غريب الحديث والأثر، لمجد الدين أبي السعادات، المعروف بابن الأثير.

7-        المدخل الفقهي العام، مصطفى أحمد الزرقاء، ط9، دمشق، 1968م.

8-       قواعد الفقه الإسلامي، د. محمد الروكي، ط1، دار العلم، دمشق.

9-       كتاب الجامع، لابن بركة البهلوي العماني، ط وزارة التراث القومي، عمان.

10-    التعريفات للشريف علي الجرجاني، ط1، دار الكتب العلمية، بيروت.

11-  معجم لغة الفقهاء، محمد رواس قلعه جي، ط1، 1996، دار النفائس، بيروت.

12-  أجوبة ابن خلفون، لأبي يعقوب بن خلفون المزاتي، تحقيق د. عمرو خليفة النامي، ط1، دار الفتح، بيروت.

13-  الكليات، لأبي البقاء أيوب بن موسى الكنوي، ط8، 1982، دمشق.

14-  الأدلة الاجتهادية، د. إبراهيم بن أحمد الكندي، ط1، دار البيان، القاهرة، 1999م.

15-  الأشباه والنظائر، لزين الدين بن إبراهيم المعروف بابن نجيم، ط1، دار الفكر.

16-  التحرير والتنوير، لمحمد الطاهر بن عاشور، الدار التونسية للنشر، 1984م.

17-  المستصفى من علم الأصول، لأبي حامد الغزالي، طبعة بولاق.

18-  الجامع لأحكام القرآن لأبي عبد الله محمد القرطبي، دار الكتب المصرية.

19-  مجلة الأحكام العدلية، ط5، 1968م.

20-  مختار الصحاح، لمحمد بن أبي بكر الرازي، مطبعة البابي الحلبي.

21-  الأشباه والنظائر في النحو لجلال الدين السيوطي، دار الكتب العلمية، 1984م.

22-  الإمام أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة وفقهه، مبارك الراشدي، ط1، عمان.

23-   الحاصل من المحصول في أصول الفقه، لتاج الدين أبي عبد الله الأرموي، منشورات جامعة قاريونس.

24-  معيار العلم، لأبي حامد الغزالي، دار المعارف، 1961.

25-  نهاية السول في شرح منهاج الوصول، للأسنوي، مطبعة التوثيق، مصر.

26-  الإحكام في أصول الأحكام، لسيف الدين أبي الحسن الآمدي، مطبعة صبيح، 1968.

27-  زاد المعاد في هدي خير العباد، لابن قيم الجوزية، ط1، 1996.

28-  مسند الربيع بن حبيب الأزدي، مسقط، عمان، 1994.

29-  الأصول والضوابط، لأبي زكرياء يحي النووي، 1988، بيروت.

30-  المنهاج الواضح في أصول الفقه، لعبد المجيد الديباني، ط1، جامعة قاريونس، بنغازي.

31-  أحكام الإكراه في الفقه الإسلامي والقانون الوضعي، عيسى البجاحي، أطروحة دكتوراه دولة، جامعة محمد الخامس، المغرب.


[1]) حديث شريف.

[2]) الفروق للقرافي، 1/312.

[3]) كلمة “النظائر” وكذا “الأشباه” هما من أسماء القواعد الفقهية.

[4]) نظرية التقعيد الفقهي، للروكي، 16,

[5]) الأشباه والنظائر، للسيوطي، 2/10.

[6]) المصدر السابق.

[7]) لسان العرب لابن منظور، مادة: قعد.

[8]) -البقرة، آية127.

[9]) النهاية في غريب الحديث والأثر، لابن الأثير، 4/36.

[10]) لسان العرب، مادة: قعد.

[11]) المدخل الفقهي العام، مصطفى الزرقاء، 2/946.

[12]) المصباح المنير، 2/72.

[13]) التعريفات للجرجاني، 2/72.

[14]) المدخل الفقهي العام، 2/947.

[15]) حاشية الحموي، 1/51، قواعد الفقه الإسلامي للروكي، 108.

[16]) قواعد الفقه الإسلامي للروكي، 109.

[17]) الكلي، أو الكلية سمي بذلك نسبة إلى لفظة “كل”؛ لأن القاعدة غالبا ما تُصَدَّرُ بهذه اللفظة، كقول المَناطِقة: “كل متغير حادث”، وقول النحاة: “كلّ ما لا يعقل لا يُذَكَّر ولا يؤنَّث”، وقول الأصوليين: “كلُّ صيغة أمرٍ عريت عن القرائن فهي للوجوب”، وقول الفقهاء: “كل سلف جر نفعا فهو حرام” وهكذا… وحتى إذا لم تتصدر القاعدة بلفظة “كل”، فإنّ معناها يتضمنها.

قواعد الفقه الإسلامي للروكي، 108.

[18]) المراد بالأصول أصول الشرع وقواعده العامة التي يُتوصَّل إليها بواسطة استقراء النصوص، أو بواسطة تتبع مقاصد الشريعة. فالأصل أعم من النص، وقد يكون أقوى منه، ومن ثم كانت الأصول أوسع نطاقا وأقوى مدلولا من القواعد الفقهية.

قواعد الفقه الإسلامي للروكي، 108.

[19]) قواعد الفقه الإسلامي للروكي، 108.

[20]) ألفاظ العموم في اصطلاح علم أصول الفقه هي الألفاظ الموضوعة لغة للدلالة بصيغتها أو بمعناها على أفراد كثيرة غير محصورة على سبيل الاستغراق. المدخل الفقهي العام، 2/947

[21]) المدخل الفقهي العام، 2/948-948.

[22]) المدخل الفقهي العام، 2/955.

[23]) المدخل الفقهي العام، 2/952.

[24]) قواعد الفقه الإسلامي، 140.

[25]) قواعد الفقه الإسلامي، 136-137.

[26]) قواعد الفقه الإسلامي، 136-137.

[27]) قواعد الفقه الإسلامي، 140-141.

[28]) كتاب الجامع لابن بركة، 1/258.

[29]) كتاب الجامع لابن بركة، 1/14.

[30]) كتاب الجامع لابن بركة، 2/432.

[31]) أجوبة ابن خلفون، 113.

[32]) المدخل الفقهي العام، 2/954.

[33]) المدخل الفقهي العام، 2/958.

[34]) المدخل الفقهي العام، 2/959.

[35]) كتاب الجامع لابن بركة، 1/14.

[36]) حديث مشهور.

[37]) كتاب الجامع لابن بركة، 1/258. ولنا عودة لهذا المصدر عند التمثيل للقواعد الفقهية.

[38]) التعارف، لابن بركة، 4.

[39]) الأشباه والنظائر في النحو، 1/9.

[40]) كليات أبي البقاء 4/48.

[41]) الأشباه والنظائر في النحو، 1/9.

[42]) نظرية التقعيد، 58.

[43]) الأصول والضوابط للنووي، 22؛ نظرية التقعيد، 58.

[44]) المصدر السابق، 174.

[45]) نظرية التقعيد، 68-70.

[46]) لسان العرب، مادة: طرد.

[47]) التعريفات للجرجاني، 141.

[48]) نظرية التقعيد، 71.

[49]) نظرية التقعيد، 71.

[50]) نظرية التقعيد، 76-77.

[51]) معجم لغة الفقهاء، محمد رواس قلعجي، 401.

[52]) الحاصل من المحصول للأرموي، 2/863؛ الأدلة الاجتهادية، لإبراهيم الكندي، 118.

[53]) الحاصل من المحصول للأرموي، 2/863.

[54]) الأدلة الاجتهادية، لإبراهيم الكندي، 110-115.

[55]) الأدلة الاجتهادية، لإبراهيم الكندي، 110-115.

[56]) الأدلة الاجتهادية، لإبراهيم الكندي، 118.

[57]) قواعد الفقه الإسلامي، 78.

[58]) لسان العرب مادة: نبط.

[59]) التحرير والتنوير لابن عاشور، 5/141.

[60]) التعريفات للجرجاني، 22.

[61]) نظرية التقعيد الفقهي، 80.

[62]) لسان العرب، مادة: قرأ.

[63]) المستصفى، 1/51.

[64]) معيار العلم، 160.

[65]) نهاية السول للأسنوي، 3/114.

[66]) نظرية التقعيد الفقهي، 86.

[67]) نظرية التقعيد الفقهي، 89.

[68]) الأعراف، آية 99.

[69]) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي، 7/344.

[70]) الحج، آية 78.

[71]) رواه ابن ماجة في الأحكام.

[72]) رواه النسائي.

[73]) الأشباه والنظائر، للسيوطي، 71.

[74]) الأشباه والنظائر، للسيوطي، 102.

[75]) الأشباه والنظائر، للسيوطي، 102

[76]) الأشباه والنظائر، للسيوطي، 102.

[77]) الأشباه والنظائر، للسيوطي، 102.

[78]) الأشباه والنظائر، للسيوطي، 102.

[79]) المدخل الفقهي العام، 2/1055.

[80]) مثال ذلك أن يوجد رجل مع امرأة أجنبية في لحاف واحد، وهما يتحركان ويضطربان، فهذه القرينة لا يثبت بها الزنا، رغم قوتها لإفادة العلم، إلا أن يقرَّ الفاعل أو يشهد عليه أربعة عدول بأنّهم رأوا ذلك منه في ذلك فيها.

نظرية التقعيد الفقهي، ص141.

[81]) نظرية التقعيد الفقهي، ص141.

[82]) ورد في مجلة الأحكام العدلية، في المادة 75.

[83]) مختار الصحاح، ص229.

[84]) الإحكام للآمدي، 3/175.

[85]) الإحكام للآمدي، 3/175.

[86]) سيتم توضيحه فيما بعد.

[87]) نظرية التقعيد الفقهي، 150.

[88]) من أراد التوسع فلينظر المصدر السابق، صفحات 151 وما بعدها.

[89]) نظرية التقعيد الفقهي، 153. ليس المقصود هنا بالقياس قياس التمثيل.

[90]) نظرية التقعيد الفقهي، 157.

[91]) الأشباه والنظائر للسيوطي، 39؛ الأشباه والنظائر لابن نجيم، 64؛ مجلة الأحكام العدلية، المادة 8.

[92]) نظرية التقعيد الفقهي، 150.

[93]) نظرية التقعيد الفقهي، 167.

[94]) نظرية التقعيد الفقهي، 168.

[95]) نظرية التقعيد الفقهي، 169.

[96]) نظرية التقعيد الفقهي، 174

[97]) الفروق للقرافي، 2/33.

[98]) نظرية التقعيد، ص183.

[99]) نظرية التقعيد، ص183.

[100]) مختار الصحاح، 254.

[101]) نظرية التقعيد، ص572.

[102]) نظرية التقعيد، ص572.

[103]) نظرية التقعيد، ص572.

[104]) زاد المعاد، 3/112.

[105]) الإحكام لابن حزم، 5/845.

[106]) المؤمنون، آية 6.

[107]) الأحزاب، آية 23.

[108]) المقصود بذلك الجمع بينهما للوطء.

[109]) نظرية التقعيد، ص193.

[110]) نظرية التقعيد، ص194.

[111]) ج4، ص224.

[112]) مسند الربيع بن حبيب، 83.

[113]) مبارك الراشدي، أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي وفقهه، 483.

[114]) وهذه القضية يطول الحديث فيها، وقد نأتي بها في حديث مستقلّ عن هذا البحث إن شاء الله.

[115]) نظرية التقعيد الفقهي، 625.

[116]) نظرية التقعيد الفقهي، 625.

[117]) الأشباه والنظائر للسيوطي، 108.

[118]) الجامع الصحيح، للربيع بن حبيب، 106.

[119]) كتاب الجامع لابن بركة، 1/322.

[120]) كتاب الجامع لابن بركة، 1/326.

[121]) كتاب الجامع لابن بركة، 1/326.

[122]) كتاب الجامع لابن بركة، 2/219.

[123]) المدخل الفقهي العام، 2/999.

[124]) المدخل الفقهي العام، 2/991.

[125]) البقرة، آية 185.

[126]) الحج، آية 78.

[127]) حديث مشهور؛ ولأهمية هذا الحديث في نظرية الإكراه وأحكامه، تمت دراسته من حيث قبوله ورده ودلالته وترجيحه، في موضوع رسالتنا في الدكتوراه، والتي كانت بعنوان “أحكام الإكراه في الفقه الإسلامي والقانون الوضعي” جامعة محمد الخامس، في المغرب. ولمن أراد الوقف على ذلك الرجوع إلى الجزء الثاني ما بين ص53-64.

[128]) المدخل الفقهي العام، 2/992.

[129]) كتاب الجامع لابن بركة، 2/77.

[130]) كتاب الجامع لابن بركة، 2/84.

[131]) البينة، آية 5.

[132]) الإنسان، آية 8-9.

[133]) الجامع الصحيح للربيع بن حبيب.

[134]) الأشباه والنظائر للسيوطي.

[135]) كتاب الجامع لابن بركة، 1/266.

[136]) رواه الحاكم والدارقطني.

[137]) البقرة، آية 231.

[138]) البقرة، آية 282.

[139]) المدخل الفقهي العام، 2/978.

 

* ندوة تطور العلوم الفقهية في عمان خلال القرن الرابع الهجري “القواعد الشرعية نموذجا”.

وزارة الأوقاف والشؤون الدينية _ سلطنة عُمان

 

هذه المقالة تحتوي على لا تعليق

أكتب تعليقك هنا

نرجو أن تضع المادة أسفله
الإسم
إيميل
موقع
تعليقك