علاقة القواعد اللغوية بالقواعد الأصولية

علاقة القواعد اللغوية بالقواعد الأصولية*

أ.د. محمود مصطفى عبود هرموش

 

إنّ المستقرئَ لتاريخِ نشأةِ القواعد الأصولية يجد أنّ هناك علاقةً وثيقةً بين هذه القواعد الأصولية وبين القواعد النحوية أو اللغوية.

وذلك؛ لأنّ القواعد الأصولية إنّما وُضعت لاستنباط الأحكام الشرعية من أدلّتها. وأدلّةُ الأحكام الأصلية التي ترجع إليها سائر الأدلة التبعية الأخرى إنما هي نصوصُ الكتابِ والسنّةِ، وتلك النصوصُ عربيةٌ يتوقّف العلم بها على العلم بقواعد اللغة العربية. فمن لم يكن عربياً فليس له النظر في كتاب الله وسنة رسوله u. يقول الشاطبي ـ رحمه الله ـ: “ولَمَّا كان الكتابُ والسنّةُ عربيَّين؛ لا يَصحُّ أن ينظر فيهما إلا عربيٌّ، أمَّا أعجميُّ الطبع فليس له أن ينظر فيهما”([1]).

ولَمَّا كان أصولُ الفقه هو معرفة “دلائل الفقه الإجمالية وكيفية الاستفادة منها وحال المستفيد “؛ فإنّ ذلك يتوقّف في جزء كبير منه على معرفة اللغة؛ لأنها السبيلُ الوحيدُ لاستثمار هذه الأدلّة وبيانِ كيفية الاستفادةِ منها؛ وذلك لأنّ الأدلّة الشرعيَّة تعتريها عوارضُ كثيرةٌ، فيعتريها العموم والخصوص، والإطلاق والتقييد، والحقيقة والمجاز، والصريح والكناية، والتأصيل والزيادة، والتأسيس والتوكيد، والحذف، والإضمار، والاشتراك، والترادف…، ونحو ذلك؛ لأنّ تلك الأدلةَ الجزئيةَ إنما صِيغتْ من النصوص العربية التي يعتريها كلُّ هذه العوارض، وكلُّ هذه العوارض مباحثُ لغويةٌ أُدخلت في صُلب علم أصول الفقه وهي مباحثُ أصليةٌ وليست عارية كما قال الشاطبي ـ رحمه الله ـ؛ فإنّه قد اعتبر “أنّ كل مسألة مرسومةٍ في أصول الفقه لا يترتّب عليها فروع فقهية فليست منه”([2]). وإنا إذ نوافقه على هذه القاعدة فإنا لا نوافق على أن كثيراً من المباحث اللغوية التي استبعدها الشاطبي من ساحة الأصول كمباحث المشترك، وحروف المعاني، وكون اللغة توقيفية أو إصلاحية، بل هي من لب الأصول بنفس التأصيل الذي سار عليه الشاطبي ـ رحمه الله ـ في أنّ هذه القواعدَ اللغويةَ قد انبثق عنها فروعٌ فقهيةٌ لا تدخل تحت الحصر كما سيأتي بيانُه.

هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، فإنّ القواعد الأصولية إنَّما تُعنى بتصرفات المكلَّفين؛ ونصف تصرفات المكلَّفين إنما هي تصرفاتٌ قولية، والتصرفاتُ القولية فيها العموم والخصوص، والإطلاق والتقييد، والحقيقة والمجاز، والتأسيس والتوكيد، والمشترَك، والإشارة والعبارة، وغيرُ ذلك مما يُعنى به في قواعد أصول الفقه.

ولما كان الخطاب الشرعي قد ورد بلغة العرب وكان فهمه واجباً ومتوقِّفاً على معرفة اللغة؛ كان ذلك دليلاً على وجوب معرفة اللغة من باب: “ما لا يَتمُّ الواجب إلا به فهو واجب”، وهو ما يسمّى في أصول الفقه بـ: مقدمة الواجب.

 

المطلب الأوّل: أوجُه الشبه بين القواعد اللُُّغوية والقواعد الأصوليَّة

إنّ من ينظر في مباحث هذين الفنَّين يُلاحظ أنّ هناك تشابهاً بين القواعد اللغوية والأصولية من أوجه متعددة:

أ- من حيث المصادرُ: فإنّ كتب اللغة ككتاب سيبويه، كان مصدراً لكتاب الرسالة للإمام الشافعي ـ رحمه الله ـ. فكتاب سيبويه هو الأساس في علم النحو، وكتاب الرسالة هو الأساس في علم أصول الفقه؛ وقد صنَّفه الشافعي ـ رحمه الله ـ على أُسُسٍ متينةٍ اعتمد فيها على الأسلوب اللغويِّ الواضح، والفصاحةِ في التعبير، وقد بقي قرابة عشرين سنة في دراسة العربية في معاقلها الأولى، ولما سُئل عن ذلك قال: “ما أردت بهذا إلا الاستعانة على الفقه”([3]).

كما أنّنا نجد كبارَ أئمّة الأصول كالفخر الرازي، والشرازي، والزركشي، والأسنوي، ومن قبله البيضاوي وغيرهم؛ قد أخذوا ونقلوا المباحث اللغوية عن أئمة اللغة كسيبويه، ونفطويه، وأبي علي الفارسي، وابنِ جِنِّي، وثعلب، وقطرب، وابن خالويه، والزَّجَّاج، والأخفش، وابنِ الأنباري، وغيرِ هؤلاء من كبار أئمة اللغة.

ب- من حيث المباحثُ: فقد اشتركت كتب الأصول مع كثير من مباحث اللغة، مثل مباحث الأمر والنهي، ومباحث الحقيقة والمجاز، ومباحث المشترك اللفظي، ومباحث الترادف والتوكيد، ومباحث الاشتقاق والدلالات ومباحث التعارض والترجيح، وغيرِ ذلك من المسائل المرسومَةِ في كتب الأصول، ولِلبحر المحيط القسطُ الأوفى في ذلك.

ج- من حيث المصطلحاتُ: فإنّ هناك تطابقاً تامًّا في المصطلحات العلمية بين هذين العلمين. مثال ذلك: أنّ علماءَ اللغةِ قسّموا الأحكام اللغوية إلى توفيقيّةٍ، واجتهاديةٍ، ونقْليةٍ، وقياسيةٍ؛ وكذلك فَعَلَ الأصوليون. وقسّموا المنقولَ إلى متواترٍ وآحادٍ؛ كذلك قسَّم اللغويّون الحكمَ اللغويَّ إلى واجبٍ، وممنوعٍ، وحَسَنٍ، وقَبِيحٍ، وخِلاَفَ الأولى؛ وكذلك فعل الأصوليون؛ حيث قسّموا الحكمَ الشرعيَّ إلى هذه الأقسام.

د- ومن حيث المصادر: فعلماءُ اللغةِ اعتمدوا القرآنَ مصدراً للُّغة، وكذلك السنَّةَ، والإجماعَ، والاستصحابَ، والاستحسانَ، والاستقراءَ كما فعل السيوطي في الاقتراح، وابنُ جنّي في الخصائص، وابنُ الأنباري وسيبويه في الكتاب وكثيرٌ غيرهم. وسوف أعرض لهذه الأدلّة بشيء من التعريف والتمثيل مع المقارنة بمنهج الأصوليّين في هذه المصادر.

وإليكم بيانَ هذه المصطلحات: ففي مجال الدليل السمعيّ، نصَّ السيوطيُّ في الاقتراحِ أنّ كلَّ ما قُرئَ به؛ جاز الاحتجاجُ به في العربية، سواء كان متواتراً، أو آحاداً، أو شاذاً، قال “وقد أَطْبقَ الناسُ على الاحتجاج بالقراءة الشاذّة في العربية ولو خالفت القياس”. وهذا مذهبُ الأصوليين، فقد نصَّ الشافعي وجمهورُ أصحابه على أنّ القراءةَ الشاذّةَ حجَّةٌ، وهو مذهبُ أبي حنيفةَ وأصحابِه، وهو مذهب الحنابلة. ودليلُهم: أنّ هذا المنقولَ لا يخلو إمّا أن يكون قرآناً أو سنة وعلى التقديرين يجب العمل به([4]).

وأمّا الاحتجاج بالسنة عند علماء اللغة فإنّهم قد نصُّوا على ذلك. قال السيوطي ـ رحمه الله ـ: “وأمّا كلامُه u فيُستدَلُّ بما ثبت أنّه قاله على اللفظ المرويّ وذلك نادر جداً”، ويقصد السيوطي ـ رحمه الله ـ أنّه لا يُحتجُّ بما رُوي في المعنى؛ لأنّ بعض رواتها أعاجم، وهذا ما ذكره الأصوليون؛ فإنّهم اشترطوا لصحّة الرواية بالمعنى أن يكون الراوي فقيهاً بلغة العرب يعرف أساليبَها وأسرارَها، فمن كان أعجميَّ الطبعِ لم يقبلوا منه الرواية بالمعنى.

قال أبو الحسن بن الضائع ([5]): “تجويزُ الرواية بالمعنى هو السبب عندي في ترك الأئمة كسيبويه وغيرِه الاستشهادَ على إثبات اللغات بالحديث، واعتمدوا في ذلك على القرآن. وقد استشهد ابنُ مالك على لغة “أكلوني البراغيث”بحديث الصحيحين: “يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار. ([6])”، وقد أَوَّلَ بعضُ العلماء الحديثَ بلفظٍ يُخْرِجُه عن الاحتجاج بهذه اللغة، إلاَّ أنَّ هذه لغةٌ صحيحةٌ جاء القرآن بها في قوله تعالى: ﴿وَأَسَرُّواْ النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾([7]).

أمّا استدلالهم بالإجماع فقد نصَّ ابن جنّي في الخصائص([8]) على حجيَّة إجماع البصرة والكوفة، قال: “وإنَّما يكون حجّةً إذا لم يخالف المنصوصَ ولا المقيسَ وإلا فلا؛ لأنّه لم يرد في قرآن ولا سنة أنّهم يُجمِعون على الخطأ”([9]). وهذا بخلاف الإجماع في المسائل الشرعية فقد ورد الدليل بعصمة الأمة فيما أجمعت عليه.

وقد مثَّل ابن جني للاستدلال بإجماع أهل اللغة بإنكار أبي العباس جوازَ تقديم خبر “ليس”عليها، فقد يُحتَجُّ عليه بأن يقال: هذا أجازه سيبويه وكافَّة أصحابنا والكوفيُّون أيضاً، فإذا كان هذا مذهب البلدين؛ وجب أن يَنفرَ عن خلافه.

وقال السيوطي: “إجماع العرب أيضاً حجَّةٌ ولكن أنَّى لنا بالوقوف عليه”([10]).

وهذا ما قاله الإمام أحمد في إجماع الأمة على حكم شرعي؛ قال: “ما يدريه أنَّ الأمَّة اجتمعت، ولكن ليقل لا نعلم فيه اختلافاً”([11]) وقال أيضاً: “من ادَّعى الإجماع فهو كاذب، ولكن ليقل: لا نَعْلَمُ الناسَ اختلَفوا”([12]).

والإمام أحمد لا ينكر حجّيةّ الإجماع، ولكن يتشدّد في طريقة نقله؛ لأنه كالنص من حيث الشرفُ، فلا بدَّ من التوقِّي في نقله. وتكلَّم اللغويُّون عن الإجماع السكوتي على طريقة الأصوليين، وتكلَّموا عن جواز إحداث قول ثالث كما فعل الأصوليون تماماً. قال السيوطي في الاقتراح: “إنَّ أهلَ العصر الواحد إذا اختلفوا على قولين؛ جاز لمن بعدهم إحداث قول ثالث، وهذا معلوم من أصول الشريعة؛ وأصول اللغة محمولة على أصول الشريعة”([13]).

وهذا النص من السيوطي يوزن بماء الذهب لكونه يكشف عن علاقة اللغة بأصول الشريعة.

وأما استدلالهم بالقياس فإنهم بحثوا في باب القياس على نفس النمط الذي بحثه علماء الأصول فقد تكلم كل من ابن الأنباري في كتابه اللمع في أصول النحو الذي بدا فيه متأثراً بكتاب اللمع في أصول الفقه للإمام الشرازي وكذلك الإمام السيوطي في كتاب الاقتراح الذي سار فيه على غرار ابن الأنباري وابن جني في الخصائص وغيرهم، تكلموا على القياس فعرّفوه وذكروا أنواعه وأركانه؛ وهي الأصل والفرع والعلة، ثم تكلَّموا على شروط العلة ومسالكها وقوادحها، فذكروا المسالكَ والقوادحَ نفسَها التي ذكرها علماء أصول الفقه، وعرَّفوها بالتعريفات نفسِها التي ذكرها علماء أصول الفقه، حتى إنه ليُخيَّل للقارئ وهو يتصفَّح هذه العناوين أنَّه يقرأ في كتب أصول الفقه.

وإليكم الأمثلة على ذلك:

أولاً: فقد عرّفوا القياس بأنّه حمْل غيرِ المنقول على المنقول إذا كان في معناه. قاله ابن الأنباري؛ قال: “وهو معظم أدلة النحو والمعوَّل عليه في غالب مسائله.”([14]) وهذا تعريف الأصوليين للقياس؛ فإنهم عرَّفوه بأنَّه حمْل غيرِ المنصوص على المنصوص إذا كان مشترِكاً معه في العلَّة.

ثانياً: فإنّهم ذكَروا أركان القياس في اللغة وهي عندهم أربعة أركان: أصلٌ وهو المقيس عليه، فرعٌ وهو المقيس، حكمٌ، وعلَّةٌ جامعةٌ([15]).

ووضعوا شروطاً لهذه الأركان تشبه كثيراً شروط الأصوليين له، كما أنّهم قسّموا القياس في اللغة إلى قياس الأولى والمساوي وقياس الأدون، ومثلوا للأوَّل بإعلال الجمع قياساً على المفرد، من ذلك قولهم قِيَمٌ ودِيَمٌ في قيمة وديمة، ومثَّلوا للثاني بإعلال المصدر لإعلال فعله، وتصحيحُه لصحَّته، كقُمْت قياماً وقاومْت قواماً، ومثَّلوا للثالث بأفعل التفضيل وأفعل التعجب، فإنّهم منعوا أفعل التفضيل أن يرفع الظاهر؛ لشبهه بأفعل التعجب وزناً وأصلاً وإفادة للمبالغة، وأجازوا تصغير أفعل في التعجب؛ لشبهه بأفعل التفضيل في ذلك.

وذكروا أنواع العلل، فذكروا العلَّة البسيطة وهي التي يقع التعليل بها من وجه واحد، والمركَّبةَ وهي التي يقع التعليل بها من عدَّة أوجه، وذكروا العلة القاصرة واختلفوا في التعليل بها. وهذه الأنواع من العلة وكذا الخلاف في التعليل بالقاصرة ذكرها الأصوليون على النمط نفسِه ([16]). مثاله: هؤلاء مسلميّ فإن الأصل: مسلمِوي فقلبت الواو ياءً لأمرين كل منهما موجب للقلب: أحدهما اجتماع الواو والياء، وسبق الأولى منهما بالسكون، والآخر أنَّ ياءَ المتكلم أبداً يَكسر الحرف الذي قبلها؛ فوجب قلْبُ الواو ياءً وإدغامُها ليمكن كسر ما تلاه.

وذكروا أن مسالك العلة عندهم الإجماع: أي إجماع أهل العربية على أنّ علّة هذا الحكم كذا.

الثاني- النصُّ: بأنْ يَنُصَّ العربيُّ على العلة. قال أبو عمرو: “سمعت يميناً يقول فلان لغوب جاءته كتابي فاحتقرها، فقال له: أتقول جاءته كتابي؟!، فقال: نعم أليس بصحيفة؟”.

الثالث- الإيماء: كما أنَّ قوماً قالوا للنبيِّ e: نحن بنو غيان، فقال: أنتم بنو رشدان. فقد أشار إلى أنّ الألف والنون زائدتان وإن لم يتفوّهوا بذلك، غير أنّ اشتقاقه إياه من الغيُّ بمنزلة قولنا نحن: إنّ الألف والنون زائدتان([17]).

الرابع- السَّبْرُ والتقسيمُ: بأن يذكر الوجوه المحتملة، ثم يختبر ما يصلح للعلية، وهو نفس تعريف الأصوليين للسبر والتقسيم. مثاله: كما قال ابن جني: إذا سئلت عن وزن مروان فلا يخلو إما أن يكون “فعلان”، أو “فعوالاً”، أو مفعالاً”، ثم يُفْسِدُ كونَهُ مفعالاً أو فعوالاً بأنهما مثالان لم يجيئا فلم يبق إلا فعلان. على نفس طريقة الأصوليين.

الخامس- المناسبة: وهي أن يُحمل الفرع على الأصل بالعلَّة التي علق عليها الحكم في الأصل، كحمل ما لم يسمَّ فاعله على الفاعل في الرفع بعلَّة الإسناد.

السادس- الشبه: قال ابن الأنباري: هو أن يُحمل الفرعُ على الأصل بضرب من الشبه غير العلة التي علق عليها الحكم في الأصل. ومثّل له بتعليل إعراب المضارع بأنه يتخصص بعد شياعه، كما أنّ الإسلام يتخصص بعد شياعه فكان معرباً كالاسم، والعلة الصحيحة هي إزالة اللّبس. قال: “وقياس الشبه قياس صحيح يجوز التمسك به كقياس العلة”.

وهو قريب من تعريف الأصوليين للشبه الذي هو أحد مسالك العلة فهو قريب من المناسِب من وجهٍ ومن الطَّرْد من وجه آخر؛ لذلك سُمّي بالشبه لشبهه بالأمرين.

السابع- الطرد: قال ابن الأنباريُّ: هو الذي يوجد معه الحكم وتتخلّف المناسبة، وهذا قريب جداً من تعريف علماء الأصول. قال ابن السبكي: “الطرد هو مقارنة الحكم للوصف من غير مناسبة”([18]). واختلف علماء اللغة في حجّية الطرد، فقال قوم: ليس بحجة؛ لأنّ مجرد الطرد لا يوجِب غلبة الظنّ. وهذا قول الأصوليين فيه.

قال ابن السبكي في الإبهاج: “قال القاضي أبو بكر والأستاذ الاسفرايني: من مَاَرَسَ قواعدَ الشرع واستجاز الطرد فهو هازيء بالشريعة مستخِفٌّ بضبطها”([19]).

أمّا قوادح العلة عند النحاة فهي نفسها عند الأصوليين، ولا يختلفون بشيء إلا بالأمثلة، فالنحاة يمثِّلون بأمثلة من الإعراب، والأصوليون يمثلون بالفروع الفقهية.

من هذه القوادح: “النَّقْضُ”، وعرّفه ابن الأنباري بأنه: “وجود العلة دون الحكم”.

وهكذا عرَّف الأصوليون “النقض”فقالوا: “والنقضُ هو وجودُ الوصفِ المعلَّل به دون الحكم”([20]).

والنقضُ عند النحاة يُتصوَّر على مذهب من لا يرى تخصيصَ العلَّة، وهذا ما ذهب إليه علماءُ الأصول؛ فإنهم قالوا: “إنما يُتصوَّرُ النقضُ على مذهب من لا يرى تخصيص العلة”([21]).

ومن القوادح “عدم التأثير”، وعرّفه النحاة بأنه: “الوصف الذي لا تأثير فيه”.

قال ابن الأنباري: “الأكثر على أنّه لا يجوز إلحاق الوصف بالعلة مع عدم الإخالة؛ أي المناسبة، بل هو حشوٌ في العلّة”. ومثّلوا له بعد صرف “حبلى”؛ لأن في آخره ألف التأنيث المقصورة، فذكر المقصورة حشوٌ؛ لأنّه لا أثر له في العلة؛ لأن ألف التأنيث لا تستحق أن تكون سبباً مانعاً من الصرف لكونها مقصورة، بل لكونها للتأنيث فقط. ألا ترى أنّ الممدودة سبب مانع أيضاً.

وقد ذكر الأصوليون أنّ من عدم التأثير: أن يكون الوصف طرديًّا لا مناسبةَ فيه، مثاله: قول الحنفي في صلاة الصبح مثلاً صلاةٌ لا تُقْصَر، فلا يقدَّم أذانُها على الوقت كالمغرب، فعدم القصر طرديٌّ في تقديم الأذان لا مناسبة فيه([22]).

ومن القوادح “القول بالموجب”، وقد عرَّفه النحاة بتعريف الأصوليين نفسِه؛ حيث عرّفوه بأنّه: “تسليم الخصم للمستدلّ ما اتّخذه موجباً للعلة مع قيام الخلاف”. وعرّفه الأصوليون بأنه: “تسليم المعترض دليلَ الخصم مع بقاء النـزاع في الحكم”([23]).

ومن المباحث الأصولية التي تعرَّض لها علماء اللغة مسائل في “التعارض والترجيح”، وذكروا من مسائل هذا الباب الترجيح بطريق الإسناد، والترجيح بطريق المتن، والتراجيح بين الأقيسة، وأشهرُ من تكلَّم بهذه المباحث هو ابن الأنباري وابن جني في الخصائص، وكذلك تكلّموا في التعارض والترجيح فيما يعود إلى الدلالة على نفس نمط علماء أصول الفقه.

ومن الأدلّة التي أثبتوا بها اللغة: الاستحسانُ، والاستصحابُ، والاستقراء.

ومثّلوا للاستحسان بترك الأخَفِّ إلى الأثقلِ من غير ضرورة، وفيه إشارة إلى العمل بنقيض القياس الذي هو العدول بالمسألة عن نظائرها، الذي هو بعينه مصطلح الأصوليين. حيث عرّفوا الاستحسان بأنه: “العدول بالمسألة عن نظائرها لداعٍ يقتضي ذلك العدول”، كدخول الحمَّام، فإنَّ القياس ألاَّ يصحُّ ذلك لجهل الوقت الذي يستغرقه الإنسان فيه؛ وللجهل بكمّية الماء الذي ينفقه على نفسه، ولكن جوّزوا ذلك استحساناً.

ومن الأدلة التي أثبتوا بها اللغة “الاستصحاب”، وعرّفه ابن الانباري بأنه: “إبقاء حال اللفظ على ما يستحقّه في الأصل عند عدم دليل النقل عن الأصل، وهو من الأدلة المعتبرة كاستصحاب حال الأصل في الأسماء وهو الإعراب حتى يوجد دليل البناء، وحال الأصل في الأفعال وهو البناء حتى يوجد دليل الإعراب”([24]).

قلتُ: وهذا ما يسمَّى في أصول الفقه باستصحاب البراءة الأصلية حتى يوجد الناقل عن أصل الإباحة، فالأصل في الأشياء الإباحة حتى يرد الدليل الناقل عنها إلى الوجوب أو الحرمة([25]).

قال الأنباري في الإنصاف: “واستصحاب الحال أحد الأدلّة المعتبَرة”([26]).

وقال الرازي في المحصول “المختار عندنا أنّ الاستصحاب حجَّةٌ”.

وقال القرافي: “إنّ الاستصحاب حجَّة عند مالك ـ رحمه الله ـ”([27]).

وبهذا يظهر اتّفاق النحاة والأصوليين على الاحتجاج بالاستصحاب؛ وبالتالي تظهر آصرة القربى بين هذين العِلمين العظيمين.

ومن الأدلّة التي أثبتوا بها اللغةَ دليلُ “الاستقراء”، وأبرز ما استدلُّوا به هو حصر الكلام العربيّ في الاسم والفعل والحرف، ودليلهم الاستقراءُ التامّ؛ فإنّهم تصفّحوا ما أُثِرَ عن العرب من الكلام فوجدو أنّه لا يزيد عن ثلاثة أصول هي: الاسم، والفعل، والحرف.

والاستقراءُ من الأدلّة المعتبَرة عند الأصوليين أيضاً، وقد عرّفوه بأنه: “تتبُّع الحكم في جزئياته على حاله يغلب على الظنّ أنه في صورة النـزاع على تلك الحالة، كاستقراء الفرض في جزئياته بأنّه لا يؤدّى على الراحلة؛ فيغلب على الظن أن الوتر لو كان فرضاً لما أُدّي على الراحلة”. قال القرافي: “وهذا الظنُّ حجَّةٌ عندنا وعند الفقهاء”([28])..

هذه أوجه التشابه بين علم النحو وعلم أصول الفقه من حيث المصادرُ والمصطلحاتُ.

وأخيراً هناك تشابه في بعض أسماء الكتب والعناوين، فهناك كتب الأشباه والنظائر في النحو، وكتب تسمَّتْ بنفس الاسم في شرح القواعد الفقهية التي أُلحقت بعلم الأصول، مثل كتاب الأشباه والنظائر لابن الوكيل الشافعي، والأشباه والنظائر للسيوطي، والأشباه والنظائر لابن نجيم الحنفي.

وهناك عنوان ذكره ابن هشام في مغني اللبيب وقد ترجم له بقوله: “ذكر أمور كلية يتخرّج عليها ما لا ينحصرُ من الصور الجزئية”([29]).

وقال السيوطي في الأشباه: “الكتاب الثاني: في قواعد كلية يتخرّج عليها ما لا ينْحَصِرُ من الصور الجزئية”.

المطلب الثاني: علاقة القواعد اللغوية بالفروع الفقهية

ولما كانت قواعد الأصول إنّما وُجدت لضبط الفروع، وكان من المسلَّم فيه أنّ كلَّ قاعدةٍ مرسومة في أصول الفقه لا ينبني عليها فروع في الفقه فليست من الأصول في شيء، ولما قام الدليل على علاقة النحو بالأصول؛ فإنّ هذا يلزم عنه أن تكون ثَمَّتَ علاقةٌ بين القواعد العربية باعتبارها صارت قواعدَ أصوليةً، وبين الفروع الفقهية. وهذا أمر بدهي وهو من باب علاقة الأصول بالفروع.

وقد تنبّه كثيرٌ من علمائنا إلى صلة القربى الحاصلة بين هذين العِلمين.

يقول الدكتور رضوان بن مختار بن غربية في مقدمته على كتاب زينة العرائس([30]):

“والناظر في كتب الفروع على مستوى المذاهب، يدرك دون معاناة مسائلَ كثيرةً تقوم أحكامها على القواعد النحوية. خاصّة منها كتب النوويّ كالمجموع، والروضة، وكتب ابن قدامة كالمغني، والمقنع، والكافي وغيرها، ومصادر المالكية منها الذخيرة للقرافي، والجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة لابن شاس، وكتابُ الجامع الكبير لمحمد بن الحسن الشيباني، وهو عمدة المصادر على الإطلاق في موضوع تخريج الفروع الفقهية على القواعد النحوية”اهـ.

أبرز من اعتنى ببيان علاقة النحو بالفروع الفقهية:

إنّ أوّلَ من مهّد لهذا العلم هو الإمام اللغويُّ ثم الأصوليُّ الفقيه: محمد بن الحسن الشيباني ـ رحمه الله ـ، صاحبُ أبي حنيفة من خلال كتاب “الأَيمان”من الجامع الكبير؛ حيث أدار مباحثَ فقهيةً كثيرةً على أُسس نحويّة ولغويّة أشاد بها الزمخشري في كتابه المفصّل، قال ـ رحمه الله ـ: “وهل سفّهوا رأيَ محمد بن الحسن الشيباني ـ رحمه الله ـ فيما أودع كتابَ الأيمان”([31]).

ومن الذين نبغوا في هذا الفنّ ما ذكره ياقوت في معجم الأدباء([32]) أنّ الـفرّاء عالِمَ النحو كان يوماً عند محمد بن الحسن فتذاكروا في الفقه والنحو ففضّل الفراء النحو على الفقه، وفضّل محمد بن الحسن الفقه على النحو فقال الفرّاء: “قلَّ رجلٌ أنعم النظر في العربية وأراد علماً آخرَ إلاَّ سهل عليه”، قال محمد بن الحسن: “يا أبا زكريا، قد أنعمتَ النظر في العربية وأسألك من باب الفقه”، فقال: “هاتِ على بركةِ الله”، فقال له: “ما تقول في رَجل صلَّى فسَها في صلاته، وسجد سجدتي السهو فسها فيها؟”، فتفكّر الـفرّاء ساعة ثم قال: “لا شيء عليه”، فقال له محمد: “لِمَ؟”، فقال: “لأنّ التصغير عندنا ليس له تصغير، وإنّما سجدةُ السهوِ تمام الصلاة وليس للتمام تمامٌ”، فقال محمد بن الحسن: “ما ظننتُ أنّ آدمياً يلد مثلَك”.

ويروي الزبيديُّ في طبقات النحويين واللغويين([33]) مناظرةً تَمَّتْ بين إمام النحو الكسائيِّ، وبين الفقيه أبي يوسف ـ رحمه الله ـ. قال: “دخل أبو يوسف على الرشيد والكسائيُّ يمازحه فقال له أبو يوسف: هذا الكوفيُّ قد استفرغك وغلب عليك. فقال: يا أبا يوسف، إنَّه ليأتيني بأشياءَ يشتمل عليها قلبي. فأقبل الكسائيُّ على أبي يوسف فقال: يا أبا يوسف، هل لك في مسألة؟ قال: نحو أو فقه؟ قال: بل فقه. فضحك الرشيد حتى فحص برجله، ثم قال: تلقي على أبي يوسف فقهاً! قال: نعم، قال: يا أبا يوسف، ما تقول في رجل قال لامرأته: أنت طالق أنْ دخلت الدار؟، قال: إن دَخَلَتِ الدارَ طُلِّقَتْ. قال: أخطأت يا أبا يوسف. فضحك الرشيد فقال: كيف الصواب؟ قال: إذا قال: “إنْ”فلم يجب ولم يقع الطلاق، وإن قال: “أنْْ”فقد وجب الفعل ووقع الطلاق، قال: فكان أبو يوسف بعدها لا يدع أن يأتي الكسائيَّ…”.

وقد ذكر ابن هشام ـ رحمه الله ـ في كتابه مغني اللبيب([34]) ما يشبه ذلك، وهو: “أنّ الرشيد كتب ليلةً إلى القاضي أبي يوسف يسأله عن قول الشاعر:

فإن ترفقي يا هند فالرفق أيمن
فأنت طلاق، والطلاق عزيمة
وإن تخرقي يا هند فالخرق أشأمُ
ثلاث ومن يخرق أعقُّ وأظلمُ

فقال: ما يلزمه إذا رفع الثلاث، ونصبها؟!.

فقال أبو يوسف: فقلت: هذه مسألة نحوية فقهية، ولا آمن فيها الخطأ إن قلتُ فيها برأيي، فأتيتُ الكسائي وهو في فراشه فقال: إن رفع “ثلاث”طُلّقتْ واحدة؛ لأنّه قال: أنت طالق، ثم أخبر أن الطلاق التام ثلاث، وإن نصبها طلقتْ ثلاثاً؛ لأنّ معناها أنت طالقٌ ثلاثاً وما بينهما جملة معترضة، فكتبتُ بذلك إلى الرشيد، فأرسل بجوائز فوجَّهت بها إلى الكسائي”.

ثم توالى العلماء في تصنيف كتب مستقلّة لبيان الترابط بين القواعد النحوية والفروع الفقهية.

فكان أوّلَ من كتب في هذا الفن الإمامُ جمال الدين عبد الرحيم الأسنوي الشافعي كتابه “الكواكب الدرية في تنـزيل الفروع الفقهية على القواعد النحوية”.

فهو يذكر أولاً المسألة النحوية مهذّبَةً منقَّحةً، ثم يُتبعها بذكر جملة ما يتفرَّع عليها من الفروع الفقهية.

ثم جاء ابن عبد الهادي فوضع كتابه المسمى بـ: “زينة العرائس من الطرف والنفائس”في تخريج الفروع الفقهية على القواعد اللغوية، مع كونها لم تخصَّص لهذا الغرض وإنما صُنِّفَت في تخريج الفروع الفقهية على الأصول، إلاَّ أنها خصَّصتْ مباحثَ خاصَّةً في القواعد اللغوية.

ومن هذه الكتب كتاب: “تخريج الفروع على الأصول”للإمام شهاب الدين محمود بن أحمد الزنجاني المتوفَّى سنة 656هـ.

فقد ضمَّن كتابَه مباحثَ لغويّةً خرَّج عليها فروعاً فقهيةً، كمباحث الأمر والنهي، والمطلق والمقيد، وعموم المقتضى، ومباحث العموم، والمشترك، وجريان القياس في اللغة، ومباحث الحقيقة والمجاز وغير ذلك.

ومنها كتاب: “مفتاح الوصول إلى بناء الفروع على الأصول”([35])، تأليف العلامة الشريف أبي عبد الله محمد بن أحمد التلمساني المالكي المتوفي سنة 771هـ.

وقد ضمَّنه مؤلِّفُه مباحثَ لغويَّةً خرَّج عليها بعضَ الفروعِ الفقهية مثل: مباحث التوكيد والتأسيس، ومباحث الحقيقة والمجاز، وغيرها من المباحث.

ومنها كتاب: “التمهيد في تخريج الفروع على الأصول”للإمام جمال الدين الأسنوي، المتوفَّى سنة 772هـ. حقَّقه وعلَّق عليه د. محمد حسن هيتو.

ذكر المؤلّف في هذا الكتاب باباً مخصَّصاً في اللغات، فذكر مسألة الوضع وكونَ اللغات توقيفية أو اصطلاحية، ثم تكلَّم على الفعل، ثم ذكر المشتقَّات والترادف والمشترك، ومباحث الحقيقة والمجاز، ومسألة التأسيس والتوكيد، وتكلم على حروف المعاني، وأقسام الدلالة، وغير ذلك من مباحث اللغة، وفي كل هذه المباحث كان يبني عليها الكثير من الفروع الفقهية بطريقة رائعة لم يُسبق بمثلها.

ومنها كتاب: “القواعد والفوائد الأصولية وما يتعلق بها من الأحكام الفرعية”([36]) للعلامة الحنبلي علاء الدين علي بن عباس البعلي المعروف بابن اللحام، المتوفَّى سنة 803 هـ. وقد سلك مؤلِّفه على غرار الأسنوي في “التمهيد”؛ حيث ذكر فيه مباحث لغويةً، ثمَّ فرّع عليها فروعاً فقهية. وهناك كتبٌ معاصرة أُلفت مؤخّراً قد تأثّرت بهذه الطريقة؛ حيث ذَكرتْ مباحثَ لغويةً بُني عليها فروع فقهية.

من هذه الكتب -فيما أعلم- كتاب: “أثر الاختلاف في القواعد الأصولية في اختلاف الفقهاء”للأستاذ الجليل مصطفى سعيد الخن، وهو كتاب جليل القدْر، ذكر فيه مؤلِّفه مباحثَ لغويةً، مثل: مباحث الأمر والنهي، والعموم، والدلالات، ثمّ فرّع عليها فروعاً فقهية كثيرة.

ومن هذه الكتب كتاب: “أثر اللغة في اختلاف المجتهدين”للدكتور عبد الوهاب عبد السلام طويلة([37])، ذكر فيه مباحث الحقيقة والمجاز، والمشترك اللفظي، ومباحث العموم والخصوص، وحروف المعاني، ومباحث الدلالات، ثم ذكَر عليها مسائل فقهية، وأمثلة تطبيقية من السنة النبوية بطريقة رائعة.

وللعبد الفقير كتابان كبيران في هذا المجال، فأما الكتاب الأول فهو كتاب: “القاعدة الكلية: إعمال الكلام أولى من إهماله وأثرها في الأصول”، فقد ذكَرتُ فيه مباحث لغويةً مثل: مباحث الحقيقة والمجاز، والمشترِك اللفظي، ومباحث الدلالات، والكتاب مطبوع ومتداول([38]). وأما الكتاب الثاني فهو: “كتاب غاية المأمول في توضيح الفروع للأصول”([39])، وقد ذكرت فيه كثيراً من المباحث اللغوية كمباحث الأمر والنهي، وكون اللغة توقيفية أو اصطلاحية، ومباحث الحقيقة والمجاز، وحروف المعاني، والأمر والنهي، ومباحث العموم، والفعل المضارع المثبت والمنفي، والترادف والتوكيد، ومباحث الدلالات، وذكرت لها فروعاً فقهية كثيرة. والكتاب مقرَّر على طلاب الجامعات الإسلامية في لبنان.

وبعد هذا العرض لبيان علاقة اللغة بالأصول وعلاقة الأصول بالفروع، لا بدّ من الإشارة السريعة إلى بيان أمثلة ونماذج تطبيقية تبرز وشيجة القربي وآصرة الصلة بين القواعد اللغوية من جهة، وبين القواعد الأصولية والفروع الفقهية من جهة أخرى، وهي في الأصول كثيرة جدًّا يضيق عن ذكرها المقام، لكن نقتصر على بعض القواعد التي تؤدّي إلى بيان المقصود من مباحث الفعل المضارع المثبت والمنفي، وفعل الأمر، ومباحث الترادف والاشتراك، ومباحث الحقيقة والمجاز، ومباحث الدلالة، ومباحث الحروف، مكتفياً بشرح بعض القواعد المتعلّقة بكلّ مبحث من هذه المباحث بما يُلقي الضوءَ على هذه العلاقة على سبيل الإيجاز.

المطلب الثالث: في مذاهب اللغويّين في الفعل المضارع

وتحته قاعدتان:

الأولى: في الفعل المضارع المثبت

مثل: زيدٌ يقوم، مشترك بين الحال والاستقبال، وهو ظاهر كلام سيبويه([40]) قال ابن مالك: إلا أنّ الحالَ يترجّح عند التجرّد.

والثاني: حقيقة في الحال مجازٌ في الاستقبال

والثالث: عكسُه.

والرابع: أنّه في الحال حقيقة، ولا يستعمل في الاستقبال أصلاً لا حقيقة ولا مجازاً.

والخامس: عكسُه.

هذه قاعدةٌ لغويةٌ وقد أُدخلت في أصول الفقه باعتبار أنّ التصرفات القولية للمكلَّفين كثيراً ما تقع باستعمال المضارع المثبت، فهل يُحمل كلامه على الحال أو الاستقبال؟، ومتى يكون حقيقة في أحدهما مجازاً في الآخر؟.

وفرّعوا على هذه القاعدة فروعاً فقهية كثيرة.

من هذه الفروع:

–           إذا قال لزوجته: طلِّقي نفسك، فقالت: أطلِّقُ نفسي، فلا يقع في الحال شيء؛ لأن مُطْلَقَةُ للاستقبال. فإن قالت المرأة: أردت الإنشاء؛ وقع في الحال.

–            إذا قال: أُقسم بالله لأفعلنَّ، وأطلّق، فالأصحُّ أنَّه يكون يميناً ولا يُحمَل على الوعد.

–           إذا قيل للكافر: آمنْ بالله، أو أَسْلمْ لله، فأتى الكافرُ بصيغة المضارع فقال: أُومِنُ أو أسلمُ؛ فإنه يكون مؤمناً، ولا نحمله أيضاً على الوعد قياساً على ما سبق في أقسم كذا، نقله الرافعي عن المنهاج للحليمي وأقرّه.

–           إذا قال المدَّعى عليه: أنا أُقِرُّ بما يدّعيه، فإن قلنا: إنّ المضارع حقيقة في الحال فقط؛ كان إقراراً، وإن قلنا: في المستقبل فقط؛ فلا؛ لأنّه وعدٌ، فإن قلنا: إنّه مشترَك وحمَلنا المشترَك على جميع معانيه إذا لم تقمْ قرينة؛ كان إقراراً، وإن قلنا: لا يُحمل، فإنْ جوَّزْنا الاستعمال؛ سئل عن المراد وعُمل به.

وقد ذكر الأسنوي([41]) هذه الوجوه كلَّها تأثُّراً بما ذهب إليه علماء اللغة في أصل القاعدة عندهم.

الثانية: في فعل المضارع المنفي

الفعل المضارع المنفيُّ “بلا”يتخلّص للاستقبال عند سيبويه، وقال الأخفش([42]): إنّه باق على صلاحيته للأمرين، واختاره ابن مالك في التسهيل، فإن دخلت عليه “لامُ”الابتداء، أو حصل النفي “بليس”، أو “ما”؛ ففي تعيينه للحال مذهبان؛ الأكثرون على أنّه يتعيّن، ثم صَحَّحَ ابنُ مالك خلافَه.

هذه قاعدة لغوية نحوية تبيّن دلالة المضارع المنفيِّ “بلا”، ولَمَّا كان ذلك داخلاً في تصرفات المكلَّف القولية، ادخلوها في الأصول وفرَّعوا عليها فروعاً كثيرة.

تفريع العلماء على هذه القاعدة:

منها إذا أَذِن المرتهِن للراهِن في عتق المرهون وردَّ الراهنُ الإِذنَ وقال: لا أعتقه، ثمّ أَعْتَقَهُ؛ احتمل الوجهين.

ومنها إذا قال الوصِيُّ: لا أقبل هذه الوصية؛ فإنه يكون ردًّا لها كما جزم به الرافعي في نظيره من الوكالة.

ومنها إذا قال له: أَقْسِمْ، فقال: لا أُقسمُ؛ فإنّه يكون ناكلاً عن اليمين.

ومنها إذا قال: لا أنكر ما تدَّعيه؛ فإنّه يكون إقراراً. قال الأسنوي: لأنّ الفعل نكرةٌ وقع في سياق النفي فيُفيد العمومَ فيكون إقراراً([43]).

المطلب الرابع في فعل الأمر

وتحته خمس قواعد:

الأولى: “إنّ الأمر وما تصرَّف منه كأَمَرْتُ زيداً بكذا، وقول الصحابي: أَمَرنَا رسول الله e، حقيقةٌ في القول الدَّالِّ بالوضع على طلب الفعل”([44])

فقولهم: “الدال بالوضع” يشير إلى وضع أهل اللغة؛ لأنَّ الواضع ثلاثة: أهل اللغة، وهم الأسبق، وأهلُ الشرع عن طريق نقلِهم الحقائقَ اللغويةَ إلى حقائقَ شرعيةٍ جديدةٍ قد لا يعرفها أهلُ اللغة، وأهلُ العُرْف عن طريق الاستعمالِ وتخصيصِ الحقائقِ اللغوية ببعض أفرادها.

وقد أخذ الأصوليون هذه القاعدةَ باعتبار تعلُّقها بتصرُّفات المكلَّف القولية، وفرَّعوا عليها فروعاً:

–           منها إذا قال لزوجته: أمرُكِ بيدك، أو: فوَّضت إليك أمرَكِ؛ فإنه يكون كنايةً عن الطلاق؛ كما جزم به الرافعي؛ لأنَّنا إذا قلنا: إنه مشترك أو للقدر المشترك؛ فلا بدَّ من نيّةٍ تميِّز المرادَ. وإن قلنا: حقيقة في القول الطالب للفعل خاصّةً؛ فيكون استعماله في غيره مجازاً، والمجاز لا بدَّ فيه من القصد.

–           ومنها بطلان الاستدلال بقوله e: «أُمِرْتُ أن أسجد على سبعة أعظم» على وجوب وضع اليدين، والركبتين والقدمين في السجود([45]).

الثانية: “الأمر المجرَّد عن قرينةٍ؛ يفيدُ الوجوب”، وهو مذهب الجمهور، نصَّ عليه أحمد، وهو مذهب المالكية والشافعية والأشعريِّ.

ثمّ اختَلف العلماء في الأمر: هل يدلُّ على الوجوب بوضع اللغة أم بالشرع؟، فيه مذهبان: الأوَّل وهو كونه بالوضع؛ نقله في البرهان عن الشافعي ثمّ اختار أنّه بالشرع. وهناك قول للقيرواني أنّه يدل بالعقل([46]). وفي هذه المسألة مذاهبُ أَوصلها الأصوليُّون إلى خمسةَ عشرَ مَذهباً([47]).

فهذه قاعدة لغوية وأنَّ دلالتها جاءت من طريق الوضع كما ذهب إليه بعض الأصوليين، ثمّ استعملها الأصوليون لكون الأمر صفةً من صفات الخطاب الشرعيِّ، فإنَّ الخطابَ الشرعيَّ قد يكون أمراً، أو نهياً، فإن كان أمراً وجب امتثاله لقوله تعالى لإبليس: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾([48]). وقول موسى لهارون: ﴿أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾([49]). فأخذوا من هذه الآية مقدِّمة صغرى، فقالوا: تارِك الأمرِ عاصٍ، ثم قالوا: وكلُّ عاصٍ يستحقُّ النارَ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ﴾([50]). فصارت النتيجة: تاركُ الأمر يستحق النار، ولا يستحقُّ النار أحد على ترك الأمر إلا إذا كان الأمر للوجوب.

ثمَّ فرَّعوا عليها فروعاً منها:

–           وجوب الإشهاد على الرجعة؛ لقوله تعالى: ﴿وأشهدوا ذَوَيْ عدلٍ منكم﴾([51]).

–           ومنها تكبيرة الإحرام؛ لقوله e للأعرابي: «إذا قمتَ إلى الصلاة فكبِّر»([52])، فهذا أمرٌ، والأمرُ للوجوب.

الثالثة: “الأمر بعد الحظر يفيد الإباحة”، وهو قولُ الجمهور([53])، وقيل: للاستحباب، ذَكَره القاضي حسين من الشافعية. وقيل: يقتضي الوجوبَ كما لو لم يتقدَّمه حَظْرٌ. وهو الأصحُّ عند الإمام فخر الدين وأتباعه، ونقله ابنُ برهان عن الباقلاني والآمديُّ عن المعتزلة.

وقد فرّع الأصوليون على هذه القاعدة فروعاً منها:

– إباحة زيارة القبور لكونها جاء مأموراً بها بعد الحظر، وهو قوله e: «كنت قد نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها»، وقال البعض: إنّه يدلُّ على الندب؛ لقوله e: «فإنّها تذكِّر بالآخرة»([54]).

– الأمر بالنظر إلى المخطوبة، هو أمرٌ بعد حظْر؛ فيقتضي الإباحةَ بناءً على القاعدة، وقال البعض: بل يدلُّ على الاستحباب؛ لقوله e: «فإنّه أحرى أن يُؤْدَم بينكما»([55]).

– الأمرُ بالكتابة جاءت بعد التحريم؛ حيث إنَّ الكتابة بيعُ مالِ الشخص بماله وهو ممتنِع بلا شكٍّ([56]).

الرابعة: “الأمر المطلَق لا يفيد فوراً، ولا تراخياً”([57]).

الأمرُ المطلَق لا يفيد الفور ولا التراخي؛ لأنه تارة يتقيّد بالفور، وتارة بالتراخي.

ومن فروع هذه القاعدة:

–           اختلافهم في وجوب الكفارة هل هي على الفور أو التراخي؟، وكذا الوفاءُ بالنذر. وكذا اختلافُ أبي حنيفة والشافعي رحمهما الله في فريضة الحجّ هل هي على الفور أو التراخي؟، فذهب أبو حنيفة إلى القول: بأنها على الفور، وقال الشافعي: إنها على التراخي، ومنشأ اختلافهم في مُوجِب الأمر هل هو الفور أو التراخي؟.

–           قضاءُ ديون الآدميين عند المطالبة هل هي على الفور أو التراخي؟ في المسألة وجهان عند أصحاب أحمد.

–           اختلافهم في قضاء الصلوات المفروضات، هل هو على الفور أو التراخي؟ بناءً على هذه القاعدة.

الخامسة: “هل الأمر بالشيء نهي عن ضده؟ وبالعكس؟”

هذا مذهب الجمهور وقيل: إن الأمر بالشيء ليس نفس النهي عن الضد، ولكن يستلزمه عقلاً. وقيل: الأمر بالشيء ليس نهياً عن ضدِّه لغة ولا عقلاً؛ لأنّ المأمور قد يكون غافلاً عن الضدِّ حينما يوجَّه إليه الأمر، ولا يكون حين الغفلة عن الشيء مأموراً به.

– فمن فروعها: المكلَّف لما كان مأموراً باستدامة النكاح؛ كان منهياً عن إرسال الطلقات الثلاثة؛ لأنّ ذلك ضدّ الاستدامةِ، فكان منهيًّا عنه.

المطلب الخامس: في مباحث النهي

وتحته قاعدة: “النهي المطلق يفيد التحريم وقيل الكراهة”.

النهي من مباحث اللغة، وقد أخذ الأصوليون منه هذه القاعدة؛ لكون الخطاب الشرعي قد يرد بالنهي، فإذا ورد بالنهي فهل يُفيد التحريمَ أو الكراهةَ؟. فالراجح الذي عليه الجمهور أنّه للتحريم إذا تجرّد عن القرائن. نصّ عليه الشافعي في الرسالة في باب العلل في الأحاديث([58]).

وقد فرَّعوا عليها فروعاً منها:

– تحريم بيع الغرر، وكذلك النجش، وتحريم البيع على بيع أخيه، وكذلك النكاح على نكاحه. وغير ذلك من الفروع التي لا تنحصر.

إلا أن الأصوليين قد زادوا أموراً على أهل اللغة.

فقالوا: إنّ النهي إمّا أن يَرِدَ على ذات المنهيِّ عنه أو على جزئه، وإمّا أن يرد على وَصْفٍ من أوصافه.

فإذا ورد على العقد مثلاً؛ أفاد البطلان وكذلك إذا ورد على جزئه. مثال الأول: النهي عن بيع النجش، ومثال الثاني: النهيُ عن بيع الملاقيحِ وهي الأجنَّة في بطون أمَّهاتها.

وإذا ورد على وصف فقد يكون هذا الوصف مقارَناً للعقد كالنهي عن بيع درهم بدرهمين، أو يكون مُنْفَكًّا عنه كالنهي عن البيع وقتَ النداء، فهذا يفيد الفساد. وهذا تفصيل الحنفية؛ فإنّهم فرقوا بين البطلان والفساد فقالوا الباطل ما لم يشرع بأصله ولا وصفه، والفاسد ما شرع بأصله دون وصفه([59]).

المطلب السادس: في قواعد الحقيقة والمجاز

وتحتها ستُّ قواعد:

ومما يعرض للخطاب الشرعي الحقيقة. والمجاز فقد تكون الدلالة على المعنى حقيقية وقد تكون مجازية.

وقد تعرَّض علماءُ اللغة والبيان وعلماءُ الأصول لتعريف الحقيقة وأتوا بأمور غيرِ مَرْضيَّةٍ في تعريفها([60]).

وأحسن ما قيل فيها هي: “اللفظ المستعمَل فيما وُضع له أوَّلاً في اصطلاح التخاطب”، وقولُه: “في اصطلاح التخاطب” أدخل الحقائق الثلاثة: اللغوية، والعرفية، والشرعية؛ فحيث حصَلَ التخاطبُ حصل نوعٌ من الحقيقة بذلك التخاطب، فإنْ كان باصطلاح أهل اللغة فهي اللغوية، كالأسد للحيوان المفترس، وإن كان باصطلاح أهل العرف فهي العرفية، كالدابَّة للحيوان المخصوص، والشرعية كلفظ الصلاة والحجّ.

وأمّا المجاز فهو مفعل من الجواز بمعنى: العبور، تقول: جُزْتُ من مكان كذا؛ إذا عبرت، وأصله “مجْوَز”، فنُقلت حركة الواو إلى الجيم الساكنة فتحركت الواو وانفتح قبلها فصارت “مجاز”؛ لأن الكلمة إذا استُعملت في غير موضعها الأصلي فقد جاوزت موضعها فصارت مجازاً([61]).

هذا تعريفه لغة.

وأما في الاصطلاح؛ فقد عرّفه عبد القاهر الجرجاني وقال: “هو كلمة أريد بها غيرُ ما وُضعت له في وضْعِ واضِعِها لملاحظةٍ بين الأوّل والثاني”([62]).

وعرّفه ابن الأثير بقوله: “المجاز هو ما أريد به غير المعنى الموضوعِ له في أصل اللغة”.

ومن أهمّ القواعد اللغوية التي أُدخلت إلى علم أصول الفقه:

قاعدة: “الأصل في الكلام الحقيقة”.

وقاعدة: “إذا تعذَّرت الحقيقة يُصار إلى المجاز”.

وقاعدة: “إذا تعذَّر إعمال الكلام يُهمَل”.

وقاعدة: “إذا تعارضت الحقيقة اللغوية مع الحقيقة الشرعية قُدِّمت الشرعية”.

وقاعدة: “إذا تعارضت الحقيقة اللغوية مع الحقيقة العرفية قُدمت العرفية”.

وهناك قواعدُ أخرى كقاعدة: “عموم المجاز”، وقاعدة: “تعارض الحقيقة المرجوجة مع المجاز الراجح”.

وسوف أتناول هذه القواعد بشيء من الشرح وبيان تفريع العلماء عليها على سبيل الإيجاز.

القاعدة الأولى: “الأصل في الكلام الحقيقة”

معنى القاعدة هو: أنّ الراجح من كلام المكلَّف عند الإطلاق أن يُحمَلَ على معناه الحقيقيِّ؛ لأنّه المتبادَر إلى الذهن عند الإطلاق. ولا يُحمل على المجاز؛ لأنّ الحقيقةَ هي الأصلُ في الكلام، والأساسُ الذي ينبغي تنزيل كلامِ المكلَّف عليه. والمجاز خلف عن الحقيقة، فلا يُحمل عليه كلام المكلَّف إلا إذا تعذَّرت الحقيقةُ([63]).

أمّا تفريع العلماء عليها؛ فهذه قاعدة لها من الفروع الشيءُ الكثير، وهي موضع اتِّفاق عند جميع الأئمَّة، ولها فروعٌ في مختلف الأبواب.

فمن فروعها:

– لو وقف على ولده أو أوصى له، فهل يدخل ولدُ ولدِه في الوقف أو الوصية؟.

ذهب جمهور الحنفية والمالكية والشافعية، ومن الحنابلة القاضي وأصحابُه إلى أنّ ولدَ الولدِ لا يدخل في هذا الوقف أو الوصية([64]).

– إذا أوصى لأراملِ بني فلانٍ؛ فالوصية للنساء اللاتي فَقدن أزواجَهنّ، وإلى هذا ذهب الجمهور.

لكن هل يدخل الرجال الذين فقدوا زوجاتهم في المسألة؟، وجهان:

الأوّل: لا يدخلون؛ لأنّ الأرملة حقيقة في المرأة، وإطلاق الأرمل على الرجال مجاز، والأصل في الكلام الحقيقة. والثاني: يدخلون؛ لأنّه قد يُسمَّى من فَقَدَ زوجتَه أرملاً كما في قول جرير.

كلُّ الأرامل قد قضَّيت    حاجتَها           فمن لحاجة هذا الأرملِ الذكرِ

ومن هنا ظهرت علاقة اللغة بالأصول، وكيف أنَّ علماء الفقه والأصول يستندون إلى أقوال أهل اللغة.

وقد أنكر ابنُ الأنباريِّ هذا القولَ وخطّأهم فيه، والشِّعْر الذي استدلُّوا به هو حجّة عليهم لا لهم، فإنّه لو كان لفظ “الأرامل” يشمل الذكر والأنثى لقال: حاجتهم؛ إذ لا خلاف بين أهل اللسان في أنّ اللفظ متى كان للذكر والأنثى ثم رُدَّ عليه ضمير؛ غلب عليه لفظ التذكير وضميرُه، فلمّا رُدَّ الضميرُ على الإناث؛ عُلم أنّه موضوع لهنَّ على الانفراد، وسَمّى “أرملاً” تجوُّزاً؛ تشبيهاً بهنّ؛ ولذلك وصف نفسه بأنَّه ذكر([65]).

وهكذا يَحتكم علماء الفقه والأصول إلى ما هو مقرَّرٌ في قواعد اللغة.

– إذا أوصى لأبكار بني فلان؛ فلا تَدخل المصابة بالفجور، وهل يَدخل الرجال غيرُ المتزوِّجين في الوصية بناءً على صحَّة إطلاق البكر عليهم؟؛ كقوله e: «البكرُ بالبكر جلدُ مئةٍ وتغريبُ سنة»([66]). وإذا دخلوا؛ فهل من باب الحقيقة أو المجاز؟، والراجح أنّهم يدخلون من باب المجاز، والأصل في الكلام الحقيقة.

قال في البدائع: “وإطلاق البكر على الذكر من باب المجاز”([67]).

القاعدة الثانية: “إذا تعذّرت الحقيقة يصار إلى المجاز”

المعنى العام للقاعدة هو: أن الحقيقة إذا تعذّرت أو هُجرت؛ تعيّن المصير إلى المجاز.

والتعذُّر ثلاثةُ أنواعٍ:

أولا: التعذّر العقلي، كأن يقول لمن هو أكبر منه سناً: أنت ولدي، فيحمل مجازاً على العتق إن كان عبداً.

ثانياً: التعذّر العادي أو العرفي وإن صحّ عقلاً، كمن حلف لا يأكل من هذه الشجرة فينعقد على ثمارها.

ثالثاً: التعذّر الشرعي، مثل النكاح فإنّه حقيقة في الوطء مجاز في العقد، فلو قال لأجنبية: إنّي نكحتك بكذا، فينصرف إلى المجاز وهو العقد لتعذّر الحقيقة شرعاً؛ وهو نكاح الأجنبية بمعنى وطئها.

والسبب الثاني من أسباب ترك الحقيقة: أن تكون مهجورةً، وهي التي يُتصوَّر الوصول إليها عقلاً إلاَّ أنَّ الناس هجروها([68])، وهي نوعان.

الأول: أن تكون مهجورة عُرفاً، كمن حلف لا يأكل من هذا الدقيق، فيحنث بأكل خبزه وكعكه وفطيره.

الثاني: أن تكون مهجورة شرعاً، كالتوكيل في الخصومة، والخصومةُ حقيقتها المنازعة، وهي ممنوعة شرعاً لقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَنَازَعُوا﴾، فتنصرف الوكالة مجازاً إلى الجواب مطلقاً إنكاراً أو إقراراً.

وهناك أسبابٌ لترك الحقيقة والمصير إلى المجاز، وهي الدلالة، وهي أربعة أقسام: دلالة في نفس الكلام، ودلالة في سياق الكلام، ودلالة العرف، ودلالة تَعُود إلى قصد المتكلِّم ونيَّته([69]).

تفريع العلماء على هذه القاعدة:

فمن فروعها:

–           إذا أوصى أو وقف على أولاده وليس له إلا أولاد أولاد فإنّه يصحّ وصية أو وقفاً عليهم([70]).

–           لو حلف لا يأكل من هذه الشجرة فأكل من ثمرها أو ثمنها؛ فإنّ يمينَه تنصرف إلى ما يخرج منها إن كان مأكولاً أو إلى ثمنها إن لم يُخرجْ منها ما يؤكل؛ لتعذّر الحقيقة وهي أكلُ عينِ الشجرة([71]).

وقد مرّ كثير من فروع هذه القاعدة أثناء ذكرِ أسبابِ ترك الحقيقة، مثل التعذّر العقلي، كأن يقول لمن هو أكبر منه سناً: أنت ابني.

ومثل التعذر العرفي: كمن حلف لا يأكل من هذا القدر، انعقد اليمين لما يحلُّ فيه.

ومثل التعذر الشرعي: مثل لفظ النكاح إذا أطلق على الأجنبية وانصرف مجازاً إلى العقد، ونحو ذلك كثير.

القاعدة الثالثة: “وهي إذا تعذّر إعمال الكلام يُهمَل”

إذا لم يستطع المجتهد أن يَحمل كلامَ المكلَّف على حقيقته ولا على مجازه؛ فإنه يُهمله ويُصبح لغواً لا فائدة منه.

أسباب إهمال اللفظ:

واللفظ قد يُهمل بسببين رئيسين:

الأول: تعذُّرُ إعمالِه في حقيقته وفي مجازه بأحد أنواع التعذُّر السابقة.

والثاني: بأن يكون اللفظ مشترَكاً بين معنيين ولا يوجد ما يرجِّح أحدَهما على الآخر، وهذا عند الحنفية والمختار عند الرازي وأتباعه.

أمَّا عند الشافعي وأبي بكر الباقلاني فلا يُعتبر المشترَك مهمَلاً؛ لجواز حمل اللفظ المشترك على جميع معانيه عندهم.

تفريع العلماء على هذه القاعدة:

فمن فروع هذه القاعدة:

–           لو ادّعى أحدٌ في حقّ من هو أكبرُ منه سناً ومعروفُ النسب من غيره أنَّه ابنه فهو لغوٌ؛ لظهور كذبِه عقلاً وشرعاً، فلا يمكن إعماله حقيقة في إثبات نسبه ولا مجازاً عن إعتاقه، وهذا مذهب جمهور الأئمة المالكية والشافعية والحنابلة، وخالف في ذلك أبو حنيفة ـ رحمه الله ـ؛ فأعملَ كلامَه مجازاً عن الحرية؛ لأنَّ أبا حنيفة يعتبر المجازَ خلفاً عن الحقيقة باعتبار التكلُّم، وغيره يعتبره خلفاً عنها باعتبار الحُكم؛ يعني إذا تعذَّر انعقادُ الكلام للحكم الأصلي؛ تعذَّر انعقاده للحكم الخلفي، وبُنُوَّةُ الأكبر للأصغر متعذِّرةٌ؛ لذلك لا تصلُح مجازاً عن الحرية([72]).

–           لو قال لزوجته وهي معروفة النسب من غيره: هذه ابنتي، لا تقع الفرقة بينهما، وموجب هذا الكلام إثبات النسب وقد صار مكذباً به شرعاً، فيقع كلامه لغواً عند جميع الفقهاء، بمن فيهم أبو حنيفة ـ رحمه الله ـ. فأما إلغاؤه عند الجمهور فظاهرٌ وهو تكذيب الشرع والحسِّ له، وأما عند أبي حنيفة؛ فلأنَّه ليس بكلام موجِب بطريق الإقرار في ملكه، إنما موجِبُه إثباتُ النسب وقد كذَّبه الشرع فيقع لغواً.

–           إذا قال: هذه الوصية لمولاي، وله مولى مِنْ أعلى وهو السيد، ومولى من أسفل وهو العبد، والوصية تصحُّ للاثنين؛ لأنها إذا كانت للسيد فهي بمثابة الشكر على أياديه البيضاء، وإذا كانت للعبد فهي بمثابة الشفقة والرحمة، فتلغو الوصية لتعذّر الحقيقة والمجاز.

القاعدة الرابعة: “إذا تعارضت الحقيقة اللغوية مع الحقيقة الشرعية قُدّمت الشرعية”

من فروع هذه القاعدة:

–           حملُ قول النبي e: «الطواف بالبيت صلاة»([73]) على الشرعية حتى يشترط في الطواف الطهارة، وليس على الصلاة اللغوية التي هي مطلق الدعاء.

–           حملُ كلام الرسول e: «إني إذاً أصوم»([74]) حينما كان يدخل على زوجاته فيقول لهن: هل عندكن طعام؟ فإن قلن له: لا، قال: «إني إذاً أصوم»، يُحمل على الصوم الشرعيّ دون اللغوي وهو مطلق الإمساك.

–           حملُ كلام الرسول e: «الاثنان فما فوق جماعة»([75]) على المعنى الشرعي، وهو حكم الجماعة شرعاً من حيث التأمير في السفر، والصلاة يوم الجمعة؛ حيث تنعقد بهم صلاة الجمعة، وليس على الحقيقة اللغوية، وهي جواز تسمية الثلاثة جماعة من حيث اللغة؛ لكون النبي e قد بُعث لبيان الشرعيات([76]).

فهنا قُدِّمت الحقيقةُ الشرعية على اللغوية؛ لكون النبي e بُعث لبيان الشرعيات وليس لبيان الحقائق اللغوية.

القاعدة الخامسة: “إذا تعارضت الحقيقة اللغوية مع الحقيقة العرفية قُدِّم عرف الاستعمال”

ومن فروعها:

–           إذا قال لزوجته: إن جلست على البساط تحت السقف في ضوء السراج فأنت طالق، فجلست على الأرض تحت السماء في ضوء الشمس، لا تطلق مع أن الله سمى الأرض بساطاً، والسماء سقفاً محفوظاً، والشمس سراجاً وهّاجاً؛ وذلك بسبب تقديم الحقيقة العرفية؛ لأن الناس إنما يتخاطبون بالمشهور من عُرفهم، وليس في العرف أنّ الأرضَ بساطٌ والسماءَ سقفٌ.

–           إذا قال: لا آكل اللحم، فأكل السمك، لا يحنث، وإن سمّاه الله لحماً؛ لأن أهل العرف لا يُسمّونه لحماً([77]).

–           لو قال: والله لا أدخل بيتاً، فدخل حماماً لا يحنث، وإن سماه الرسول بيتاً في قوله e: «بئس البيت الحمام»؛ وذلك لتقديم العرف على اللغة([78]).

المطلب السابع في القواعد المتعلقة بمباحث المشترك اللفظي

عرّف أئمة اللغة وعلماءُ الأصول المشترَك بتعريفات كثيرة، وأحسنُ ما قيل من تعريفه بأنه: “اللفظ الموضوع لحقيقتين، أو أكثر وضعاً أولاً من حيث هما كذلك”.

قوله: “لحقيقتين” احترز به عن الأسماء المفردة.

وقوله: “وضعاً أولاً” أخرج ما دلّ على حقيقتين فأكثر، لكن على بعضها بالحقيقة وعلى البعض الآخر بالمجاز؛ لذلك قال وضعاً أولاً ليخرج المجاز.

ومن القواعد التي لها أثر في الفروع الفقهية قاعدة: “إعمال المشترك في جميع معانيه”.

وقد حدث في هذه القاعدة خلاف بين الأصوليين.

فذهب الحنفية وأبو هاشم وأبو الحسين البصري من المعتزلة والكرخي والإمام في المحصول إلى القول بعدم جواز العمل بالمشترك، بل هو مجمَلٌ يَتوقَّف العمل به على ورود قرينة مبيِّنةٍ من الشارع([79]).

قال العيني من الحنفية “ولا عموم له”؛ أي لا يُستعمل المشترك في أكثرَ من معنى.

وذهب الشافعي ـ رحمه الله ـ والقاضي أبو بكر الباقلاني إلى جواز استعمال المشترَك في جميع معانيه. وهو قول الجبائي وعبد الجبار من المعتزلة.

استدلّ الفريق الأول بأنّ واضع اللغة إذا وضع لفظاً لمفهومين على الانفراد فإمّا أن يكون قد وَضَعه مع ذلك لمجموعهما، أو ما وضعه لهما، فإن قلنا إنّه ما وضعه للمجموع؛ فاستعماله لإفادة المجموع استعمالٌ للَّفظ في غير ما وُضع له وأنّه غير جائز.

وإن قلنا إنّه وُضع للمجموع فلا يخلو إمّا أن يُستعمل لإفادة المجموع وحده، أو لإفادته مع إفادة الأفراد، فإن كان الأول لم يكن اللفظ لأحد مفهوماته.

وإن قلنا إنه يستعمل في إفادة المجموع والأفراد على الجمع فهو محال؛ لأنّ إفادته للمجموع معناه أنّ الاكتفاءَ لا يحصل إلا بهما، وإفادتُه للمفرد معناه أنّ الاكتفاءَ يحصل بكلّ واحد وذلك جمع بين النقيضين، وهو محال([80]) فثبت أنّ المشترك من حيثُ هو مشترك لا يمكن استعماله في إفادة مفهوماته على سبيل الجمع([81]).

حجّة الشافعي ـ رحمه الله ـ:

استدل الشافعي بقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوُابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ﴾([82]). وبقوله أيضاً: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيّ﴾([83]).

فقد أراد اللهُ جميعَ معاني السجود التي هي الخضوع؛ لأنه هو المقصود من الجبال والشجر والنجوم والدوابِّ. وأراد به وضعَ الجبهة على الأرض؛ لأنه هو المقصود من الناس. كما أنّ الصلاةَ من الله الرحمة، ومن الملائكة الاستغفار، ومن المؤمنين الدعاء، وقد أراد اللهُ هذه المعاني جميعاً من لفظ الصلاة.

تفريع العلماء على هذه القاعدة:

–           فمن قال لعبده: إن رأيتَ عيناً؛ فأنت حرٌّ. فرأى الجاريةَ أو الباصرةَ أو الجاسوسَ فقد عُتق؛ وذلك إعمالٌ للمشترَك في جميع معانيه.

–           إذا قال لزوجته: تربّصي بنفسك ثلاثة أقراء- فإنّ لفظ القُرْء مشترَك بين الحيض والطهر-، فمن حمل المشترك على جميع معانيه؛ أجاز لها أن تعتدّ بأحدهما؛ أي بالحيضات أو الأطهار على سبيل البدل، فإن كانت المرأة من أهل الاجتهاد فإن الله تعالى يقبل منها الاعتداد بكلّ منهما بدلاً عن الآخر.

قال سيبويه: “قول الآخر لغيره: الويل لك؛ دعاءٌ وخبرٌ”، فجعله مفيداً لكلا الأمرين، فثبتت بذلك أنّ أصل هذه القاعدة من قواعد اللغة العربية.

المطلب الثامن في مباحث الترادف والتوكيد

ومن المباحث اللغوية التي لها علاقة بعلم أصول الفقه؛ مبحث الترادف والتوكيد. وذلك؛ لأنهما من العوارض التي تعرض للكلام العربي الذي ورد فيه الخطاب الشرعي. وهو من التصرفات القولية عند الأصوليين؛ ولذلك أدخلوه إلى علم أصول الفقه.

معنى الترادف في اللغة:

الترادف في اللغة مأخوذ من الرديف، وهو ركوب اثنين على دابة.

وفي الاصطلاح قال البيضاوي: هو توالي الألفاظ المفردة الدالة على مسمى واحد باعتبار واحد، كالإنسان والبشر. وقد يكون الترادف لغوياً. كالإنسان والبشر، أو شرعياً كالفرض والواجب، أو عرفياً كالأسد والسبع، أو بحسب لغتين كالله/ وخداي/ بالفارسية.

ومن القواعد المقرَّرة في هذه الباب، هل يلزم إمامة كلّ من المترادفين مقام الآخر بحيث إن صحّ النطق بأحدهما في تركيب يلزم أن يصحّ النطق به في تركيب آخر؟.

مذهبُ الكثيرين من أهل اللغة أنه لا يلزم؛ لأنّ التركيب الخاصَّ قد يقع فيه ما يَمنع من استعمال الآخر، وبيانُه من وجوه، منها:

–           يصحُّ أن تقول: مررتُ بصاحب زيدٍ، ولا يصحّ أن تقول: مررت بذي زيد، وإن كانت ذو مرادفة لصاحب.

–           ومنها اسم الفعل للغائب كهيهات: بمعنى بَعُد، لا يقع فاعله ضميراً منفصلاً ولا ظاهراً بعد إلا، فلا تقول: ما هيهات إلا زيد، ولا ما هيهات إلا هو، ويصح ذلك مع (بَعُدَ).

وذهب بعض الأصوليين كابن الحاجب إلى أنّه يلزم ذلك ويصحُّ؛ لأن المقصود من التركيب إنما هو المعنى دون اللفظ.

وذهب البيضاوي إلى صحّة ذلك إذا كان المترادفان من لغةٍ واحدة، أمّا من لغتين فلا يصحّ؛ لأن إحدى اللغتين بالنسبة للأخرى مهمَلة، فاختلاط اللغتين يلزم منه ضمُّ مهمَلٍ إلى مستعمَل، وهذا لا يصحُّ.

تفريع العلماء على هذه القاعدة:

ومن الفروع الفقهية على هذه القاعدة:

–           تكبيرة الإحرام لا تصحُّ بغير العربية لمن يحسن العربية، وتصح لمن لا يحسنها. أما الترجمة في النكاح، والرجعة، والسلام ففيها ثلاثة أوجه، أصحُّها في الأولين الصحة مطلقاً، وفي السلام التفصيل بين من يحسن العربية ومن لا يحسنها.

–           ومنها ما قاله الرافعي في كتاب الدعاوى: إنّه إذا قال القاضي: قُلْ والله، فقال: والرحمن، كان ناكلاً عن اليمين.

–           رواية الحديث بالمعنى فيه مذاهب، يتخرّج بعضها على الخلاف المذكور في القاعدة.

المطلب التاسع في التوكيد

التوكيد في اللغة: تقوية مدلولِ ما ذُكِر بلفظ آخر، وهو إمّا معنويّ، كقولك: جاء القوم كلّهم أجمعون، وإمّا لفظيّ؛ أي بإعادة اللفظ بعينه، كقولك: جاء القوم جاء القوم.

ومن القواعد اللغوية ذات الصلة بعلم الأصول قاعدة: “التأسيس أولى من التوكيد”([84])، ومعنى هذه القاعدة: أن كلامَ الشارِع أو كلامَ المكلّف إذا دار بين حمله على معنى جديدٍ مفيدٍ؛ فهو أولى من حمله على الإعادة، ولذلك قالوا: “الإفادة أولى من الإعادة”.

فروع هذه القاعدة:

فمن فروعها:

– إذا قال لزوجته: أنت طالق أنت طالق أنت طالق، ثلاثَ مرات، حُمل كلامه على التأسيس؛ فيقع الطلاق ثلاثاً بائناً؛ حملاً على التأسيس. فإن قال أردت التوكيد صُدِّق دِيانَةً لا قضاءً؛ لأن القاضي مأمور باتّباع الظاهر عند أبي حنيفة ومالك([85]). وقال الشافعي وأحمد لا يلزمه إلا واحدة([86]).

ومن فروعها:

– إذا حلف على أمرٍ لا يفعله، ثم حلف بعد ذلك المجلس أو في مجلس واحد لا يفعله أبداً، ثم فعله فهل تُحمل يمينه الثانية والثالثة على التأسيس حتى تجب لكل يمين كفارة، أو على التوكيد حتى تجب عليه كفارة واحدة؟. حصل خلاف بين الفقهاء.

فبعضهم يحمل اليمين الثانية والثالثة على التأسيس مطلقاً قَصَدَ التوكيد أم لم يقصده، وهم الحنفية([87])، وبعضهم يحملها على التأسيس إلاَّ أن يقصد التأكيد، وهو قولٌ في المذهب الشافعي([88])، والمرجوحُ في المذهب المالكي([89])، وبعضهم يحمله على التوكيد ديانة لا قضاءً وهو مذهب الكرخي من الحنفية، وبعضهم يحمله على التوكيد وهم الحنابلة.

لكن ما ذهب إليه الحنفية والشافعية وبعض المالكية هو الأقرب إلى القاعدة.

وفروعُ القاعدة كثيرة استوعَبْتها في كتاب شرح القاعدة الكلية إعمال الكلام أولى من إهماله ص290.

المطلب العاشر في القواعد التي تختصُّ بالعموم

العموم في اللغة: شمولُ أمرٍ لآخر.

وفي الاصطلاح: هو اللفظ المستغرِقُ جميعَ ما يَصلُح له دفعةً بوضع واحد من غير حصر.

وهناك ألفاظٌ تدلُّ على العموم تسمَّى بصيغ العموم، أو ألفاظ العموم، مثل لفظ: كلّ، وجميع، وسائر، وقاطبة، وعامة، ومعشر ومعاشر، وكافّة.

ومن ألفاظ العموم أيضا أسماء الموصول مثل: من، وما، وأخواتهما، وأسماء الشرط، والمُحَلّى بـ “أل”، سواء كان اسماً مفرداً كقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا﴾([90])، أو اسمَ جنسٍ مثل: “الإنسان” في قوله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ إِنَّ الأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾([91])، وكذلك النكرة في سياق النفي، والنكرةُ في سياق الشرط. وكلُّ صيغة من هذه الصيغ هي قاعدة، ولها من الفروع الشيءُ الكثير بيَّنتُها في كتابي “غاية المأمول في توضيح الفروع للأصول”، وكثيرٌ منها مذكورٌ في كتب تخريج الفروع على الأصول.

وهذه الصيغ وضعها علماء اللغة لإفادة العموم والشمول، وقد أخذها الأصوليون عن أهل اللغة. وقرَّروا أثناء كلامهم عن دلالة العامّ أنّ دلالته من طريق اللغة، وأنّ أهلَ اللغة إنَّما وضعوا هذه الألفاظ للدلالة على العموم الاستغراقي اليقيني، حتى قرَّر الحنفيةُ أنّ دلالةَ العامّ على أفراده دلالةٌ قطعية، وهو ما نريد توضيحه في القاعدة التالية.

من قواعد العموم أنّ العام دلالته على أفراده قطعية عند الحنفية، وعند الجمهور ظنيةٌ.

استدلَّ الجمهور بأنَّه ما من عامّ إلا دخلَه التخصيص، أمّا الحنفية فقد استدلّوا بالحقيقة اللغوية، فإنّ أهلَ اللغة لما وضعوا هذه الألفاظَ إنَّما وضعوها للعموم الاستغراقي الذي يفيد القطعَ، فلو كان مفيداً للظنِّ لكان مستعمَلاً في غير ما وُضع له([92]).

وهكذا نرى أثر اللغة على القواعد الأصولية وصِلَةَ القربى بين النوعين من القواعد.

وقد تفرَّع عن هذه القاعدة مسائلُ أصوليةٌ منها:

–           المسألة الأولى: “إذا تعارض العامّ مع الخاصّ قُدِّمَ الخاصُّ”؛ لعدم المكافأة بين العام والخاص، فلا تعارض بينهما، بل يُقدَّم الخاصُّ على العام، هذا عند الجمهور، وعند الحنفية يقدم العامُّ على الخاص؛ لأنّ دلالةَ العام عندهم قطعيةٌ.

–           المسألة الثانية: “العام إذا كان قطعي الدلالة فلا يصح تخصيصه بالقياس ولا بخبر الواحد، وأما إذا كانت دلالته ظنية فيجوز تخصيصه بالقياس وبخبر الواحد”.

ولهذه القاعدة من الفروع ما لا يُحصى.

 

المطلب الحادي عشر: في القواعد التي تختص بالدلالة اللفظية على طريقة المتكلمين

الدلالة اللفظية تنقسم إلى منطوق، ومفهوم.

فالمنطوق: ما دلّ عليه اللفظُ في محلّ النطق، مثل قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا﴾([93]).

والمفهوم: ما دلّ عليه اللفظ لا في محلّ النطق، كدلالة قوله تعالى: (وَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ(([94]) على تحريم الضرب من باب أولى.

ثم قَسَّموا المنطوقَ إلى: منطوقٍ صريح، ومنطوق غير صريح.

فالصريح: ما دلّ عليه اللفظ مطابقةً، أو تضمُّناً.

وعرّفوا دلالة المطابقة: بأنّها دلالةُ اللفظ على تمام المعنى، كدلالة الإنسان على الحيوان الناطق.

وأمّا دلالة التضمن: فهي دلالة اللفظ على جزءِ معناه، كدلالة الإنسان على الحيوان فقط، أو الناطق فقط.

وأمّا المنطوقُ غيرُ الصريح: فهو دلالة اللفظ على المعنى بطريق الالتزام.

وقسّموه إلى ثلاثة أقسام:

1-     دلالة إشارة: وهي دلالةُ اللفظ على لازمٍ غير مقصودٍ للمتكلِّم، كدلالة قوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرا﴾([95])، مع قوله تعالى: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾([96])؛ على أنَّ أقل مدّة الحمْل ستّة أشهر، وذلك بطرح أربعة وعشرين شهراً للرضاع فيبقى ستّةُ أشهرٍ لأقلِّ مدَّةِ الحمْل.

2-     دلالة اقتضاء: وهي دلالة اللفظ على لازمٍ مقصودٍ للمتكلِّم لولاه لما صحَّ الكلام عقلاً ولا شرعاً. ومثلوا لها بقوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ القَرْيَةَ﴾([97])، ولتصحيحه عقلاً قدَّروا كلمةَ “أهل”. وبقوله e: «رُفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استُكرهوا عليه»([98]). ولتصحيحه شرعاً قدّروا “رفع الإثم”، أي إثم الخطأ والنسيان، وذلك لوقوعه في الأمة.

3-     دلالة تنبيه وإيماء: وهي دلالة اللفظ على لازم مقصود للمتكلِّم لا يتوقَّف عليه صدق الكلام أو صحته عقلاً أو شرعاً، وإنّما تتوقَّف عليه بلاغةُ الكلام.

وأكثر ما يكون بسبب اقتران حكمٍ بوصفٍ أو شرطٍ، لو لم يكن الوصفُ والشرطُ علةً للحكم؛ لكان اقترانه مُخِلاًّ في عرف أهل اللغة.

وقسّموا المفهومَ إلى: مفهوم موافَقة، ومفهوم مخالَفة.

وعرفوا مفهوم الموافقة بأنه: “دلالة اللفظ على ثبوت حكم المنطوق للمسكوت عنه وموافقتِة له نفياً وإثباتاً”([99]).

وقسّموه إلى: مفهوم مساوٍ، ومفهوم أولى.

فإن كان الحكم في المسكوت عنه مساوياً للمنطوق به؛ فهو مفهوم المساوي.

وإن كان الحكم في المسكوت عنه أولى من الحكم في المنطوق؛ فهو مفهوم أولى.

مثال الأوَّل: تحريمُ حرقِ مالِ اليتيم، فإنّه مساوٍ لتحريم أكله.

ومثال الثاني: تحريم ضرب الوالدين، فإنّه أولى من تحريم التأفيف؛ لأن الإيذاءَ فيه أشدُّ.

وأمّا مفهوم المخالفة فقد عرفوه بأنه: دلالة اللفظ على حكم في المسكوت مخالِفٍ للمنطوق، وهو أنواع: مفهوم الصفة، ومفهوم الشرط، ومفهوم الغاية، ومفهوم الزمان، ومفهوم المكان، ومفهوم اللقب عند البعض([100]).

وقالوا إنّ تعليقَ الحكم بأحَد هذه القيود؛ يدُلُُّ على انتفاءِ الحكم عند انتفاء قيدٍ منها.

ومن القواعد المقرَّرة في هذا الموضوع: “أنّ تقيد الحكم بإحدى صفتي الذات يدلُّ على انتفاء الحكم عند انتفاء الصفة”.

ومآل هذه القاعدة هي إثباتُ حجيةِ مفهوم المخالفة، وهو مذهب الجمهور: المالكية والشافعية والحنابلة.

وذهب الحنفية إلى اعتبار مفهوم المخالفة من الأدلّة الفاسدة.

احتجَّ الجمهور بأنَّ أئمَّة اللغة قد عملوا بالمفهوم واعتبروه حجّةً، منهم الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام، والإمام الشافعي، وهما من كبار أئمة اللغة من غير منازع.

واحتجّ الحنفية بأنّ الاحتجاجَ بالمفهوم أدّى إلى لازم باطل، من ذلك قوله تعالى: ﴿وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً﴾([101]). فمفهوم الآية أنّ الفتيات إن لم يردن التحصنَ، يجوز إكراههن، وهو لازمٌ باطل، فما أدّى إليه -وهو العمل بالمفهوم- يكون باطلاً.

وأيضاً قوله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُم﴾([102])، قالوا: لو كانت الربيبة خارج الحِجْر؛ فإنَّه يَلْزَمُ جواز نكاحها، وهو باطلٌ.

وأوردوا عليهم أمثلة كثيرة لا يقول الجمهور بالمفهوم فيها؛ لكون المفهوم موضع ضرورة، فإذا لاح للمجتهد أيُّ معنى؛ غير المفهوم من كوْنِ القيدِ خرَج مخرَج الغالِب، أو بيانَ الواقع، أو خرج مخرج تهويل الحُكم، أو تفخيم أمره، أو عارَضه منطوقٌ، فإنَّ المفهوم عند الجمهور يتعطّلُ العمل به، كما هو مقرَّر في كتب الأصول.

وهكذا ظهر لنا كيف احتكم جمهور الأصوليين إلى ما قرَّره أئمَّة اللغةِ؛ فإنهم لما سمعوا قول الرسول e: «مطْلُ الغني ظلم»([103])؛ قالوا إنّ هذا يدل على أنَّ مطلَ المقتِر ليس بظلم، وهم أئمة اللغة، فلو كان ذِكْرُ القيد لغواً؛ لكان ذلك مُخِلاًّ بالبيان والفصاحة؛ لأن كلام الله وكلامّ رسول الله e يُصانُ عن اللغو والعبث.

تفريع العلماء على هذه القاعدة:

من أهمّ الفروع على هذه القاعدة:

1-              اختلاف العلماء في زواجِ الأمَة الكتابية عند فقدان طَوْل الحرّة.

فقد ذهب الجمهور إلى عدم جواز ذلك أخذاً من قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْالً أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾([104])، فمفهوم الآية يشير إلى تحريم الأمة الكتابية لواجدِ طوْل الحرّة.

وذهب الحنفية إلى جواز نكاح الأمة الكتابية عملاً بالعموم الوارد في قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾([105]).

2-              اختلافهم في زواج الأمَة مع طَوْلِ الحرّة.

وقد اختلف فيها الجمهور مع الحنفية على غرار الخلاف السابق.

3-              إثبات البدعة الحسنة لمفهوم قول الرسول e: «من أحدث في ديننا ما ليس منه فهو ردٌّ»([106]). فلو أُحدث في الدين ما هو منه ومندرجٌ تحت أصلٍ من أصوله أو كليٍّ من كلّياته؛ فليس بردٍّ؛ لأن للمفهوم اعتبارُه في الشرع؛ لأنه دليل من الأدلة المعتبرة.

وهناك فروع كثيرة تُثبت حجيّة المفهوم المخالِف، وقد اضطُرَّ الحنفية لإثباته في كلام الفقهاء، لكن ليس من طريق اللغة كالجمهور، بل من طريق العُرف.

المطلب الثاني عشر: في مباحث الحروف وتحته قواعد

إنّ من أهم ما يَرسم علاقة اللغة بعلم أصول الفقه؛ حروفُ المعاني التي ذكرها أئمة اللغة مثل: ابن السراج في الأصول، والزمخشري في الأنموذج، وأبو حيان في البحر المحيط، والغزني في البديع، وابن مالك في البرهان وغيره، والفارسي في الحروف، والمالقي في رصف المباني، والحسن بن قاسم المرادي في الجنى الداني، وغيرهِم من أئمة النحو واللغة.

وحروف المعاني كثيرة، نكتفي بإيراد بعض الأمثلة التي يتّضح بها المقصود ويَظهر من خلالها علاقة اللغة بأصول الفقه.

وأبدأ بحرف “الفاء”:

قال المرادي في الجنى الداني: “وأصول أقسام الفاء ثلاثة: عاطفة، وجوابية، وزائدة. أما العاطفة فهي من الحروف التي تشرِك في الإعراب والحكم، ومعناها التعقيب، فإذا قلت: قام زيد فعمرو؛ دلّت على أنّ قيام عمرو بعد زيد بلا مهلة، فتشارك “ثم” في إفادة الترتيب، وتفارقها في أنها تفيد الاتصال، و “ثم” تفيد الانفصال، وهذا مذهب البصريين”([107]).

وذهب قومٌ منهم ابن مالك إلى أنّ “الفاء” قد تكون للمهلة بمعنى “ثم” وجعل من ذلك قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾([108])، وردّ بأنها للتعقيب وتعقيبُ كلّ شيء بحسبه.

وذهب الفَرّاء إلى أنّ ما بعد “الفاء” قد يكون سابقاً إذا كان في الكلام ما يدل عليه كقوله تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ﴾([109]). والبأسُ في الوجود واقعٌ قبل الإهلاك. وأجيب بأن معنى الآية: وكم من قرية أردنا إهلاكها، كقولهم: “إذا أكلت فسمّ الله ” وقيل غيرُ ذلك.

وذهب بعضهم إلى أن “الفاء” قد تأتي لمطلق الجمع كـ “الواو”، وقال به الجرمي في الأماكن والمطر خاصّة، تقول نزلتُ نجداً فتِهامَة، ونزل المطرُ نجداً فتهامة، وإن كان ابتداءُ النـزول بتهامة أولاً.

قال المرادي([110]): “وقد اتّضح بما ذكرته من هذه الأقوال أنَّ ما نقله بعضهم من الإجماع على أنّ الفاءَ للتعقيب غير صحيح”، وللفاء العاطفة أحكام يضيق عن ذكرها المقامُ.

أمّا “الفاء” الجوابية فمعناها الربط وتلازمها السببية، وقال بعضهم والترتيب أيضاً كما في العاطفة ثمَّ إنّ هذه الفاءَ قد تكون جواباً لأمرين: أحدهما الشرط “بإن” وأخواتها، والثاني ما فيه معنى الشرط نحو “أمّا”.

وأما “الفاء” الزائدة فضربان: أحدهما الفاء الداخلية على خبر المتبدأ إذا تضمن معنى الشرط، نحو: الذي يأتي فله درهم، فهذه “الفاء” شبيهة بـ “فاء” جواب الشرط، وإنما جعلوها زائدة مع كونها تتضمن معنى الشرط؛ أنّ الخبر مستغنٍ عن رابط يربطه بالمبتدأ، ولكن المبتدأ لما شابه اسم الشرط؛ دخلت الفاء في خبره تشبيهاً له بالجواب، وإفادتُها هذا المعنى لا يمنع من تسميتها زائدة.

الثانية الفاء الداخلة على الفعل المقدَّم معمولُه في الأمر والنهي، مثل: زيداً فاضربه وعمرواً لا تُهِنْ، فذهب قومٌ
-منهم الفارسي- إلى زيادتها، وذهب قوم إلى أنّها عاطفةٌ، وقالوا الأصل في زيداً فاضرب؛ تنبّه فاضرب زيداً، فالفاء عاطفة على تنبّه، ثمّ حذف الفعل المعطوف عليه فلزم تأخير الفاء لئلا تقع صدراً؛ فلذلك قُدّم المعمول عليها.

وذكر النحاة معانيَ أخرى للفاء، أحدها الناصبة للفعل في جواب الطلب، نحو: لا تختلفوا فتختلفَ قلوبكم.

ومذهب البصريين أنّ هذه الفاء عاطفة، والفعل منصوب بأنْ مضمرة بعد الفاء، ويسمّونها “فاء السببية” نحو قوله e: «لا تشدّدوا فيُشدَّدَ عليكم».

وتأتي جارَّةً وهي فاء رُبَّ، ولكنّ النحاةَ ضعّفوا كونَها جارَّةً، وإنما الذي جرّ هو رُبَّ، حتى حكى ابن عصفور وابن مالك إجماعَ النحويين على أنّ الجرَّ في ذلك برُبَّ المحذوفة لا بالفاء.

وتأتي للاستئناف نحو قوله تعالى: ﴿أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾([111])، وهي عند التحقيق فاءُ العطف.

وتأتي بمعنى حتى كقوله تعالى: ﴿فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ﴾([112]). والتحقيق أنها فاءُ العطف.

وتأتي بمعنى إلى، ذكره بعض الكوفيين ومثّلوا له بقول القائل: هو أحسنُ الناس ما بين قرن فقدم، أي إلى قدمٍ وقد ضُعِّف ذلك.

الفاء عند الأصوليين:

أما عند الأصوليين فأكثر ما تأتي أولاً للترتيب مع التعقيب، وممن ذهب إلى هذا المذهب: ابن النجار في شرح الكوكب المنير([113])؛ لأن الأصل في الفاء أن تكون للترتيب مع التعقيب، واستدل على ذلك بإجماع أهل اللغة. قال الإمام الرازي: “وإنما قلنا إنّها للتعقيب؛ لا جماع أهل اللغة”([114]).

(قلت) نقلُ الإجماع غير مسلّم، فقد نفى المراديّ في الجنى الداني نقل الإجماع عن أهل اللغة حيث قال: “وقد اتّضح بما ذكرته من هذه الأقوال أنّ ما نقله بعضهم من الإجماع على أنّ الفاء للتعقيب غيرُ صحيح”([115]).

وتأتي عندهم للجزاء، وقد حدث خلاف بين الأصوليين في أنّ “فاء” الجزاء هل تفيد التعقيب أوْ لاً، فذهب أبو إسحاق الإسفراييني إلى القول بأنها تفيد التعقيب، أما الباجي فقال: إنها لا تفيد التعقيب.

ثم اختلفوا في الفاء إذا وقعت في جواب الأمر والنهي هل تفيد التعقيب؟، فذهب الرازي إلى أنّها لا تفيد التعقيب([116])، وأما المعتزلة فقالوا إنها تفيد التعقيب واستدلّوا عليه بقوله تعالى: ﴿كُن فَيَكُونُ﴾([117]).

وتأتي عندهم للسببية كقوله تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَاأُولِي الأَلْبَابِ﴾([118]).

وبعد عرْض الأقوال بهذا الإيجاز؛ يمكن أن نلاحظ أنّه لا خلافَ بين النحاة واللغويين في استعمالات الفاء، إلا أنّ استعمالَ اللغويين لها أوسعُ من استعمال الأصوليين، وأنّ الأصوليين لم يستعملوها زائدةً بسبب قاعدة مقرَّرةٍ في علم الفقه والأصول وهي أن: “إعمال الكلام أولى من إهماله”، والحرف إذا كان زائداً فمعنى ذلك أنَّه مُهْمَلٌ لا معنى له ولا فائدة فيه، وهذا ما يُصان عنه كلام الشارع الحكيم، كما يُصان عنه كلام العاقل اعتباراً لعقله. كما نُلاحظ سلطانَ الإجماع واشتراكَ اللغويِّين مع الأصوليين في الاحتجاج به والنظر في طريقة نقله. وهذا يكشف عن صلة القربى بين هذين النوعين من القواعد.

أهم الفروع الفقهية التي تفرعت على هذه القاعدة:

فمن هذه الفروع:

–           إذا قال لزوجته: إن دَخَلْتِ الدار فكلَّمْتِ زيداً؛ فأنت طالق، فيشترط في الوقوع حصول الدخول أولاً ثم تكليم زيد، كما جزم به الرافعي في باب الطلاق([119]).

–           إذا قال لزوجته قبل الدخول: أنت طالق فطالق؛ فإنها تطلق بالأولى ولا يلحقها ما بعدها سواء في ذلك التعليق والتنجيز([120]).

الكلام على “ثُمَّ”:

المشهور أنّ “ثمّ” تفيد الترتيب عند أكثر اللغويين، وهي عندهم من العواطف التي تفيد الترتيب مع التراخي.

وذهب الأخفش، وأبو عاصم العبادي من الشافعية إلى أنها لا تفيد الترتيب؛ تَمَسُّكاً بقوله تعالى: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾([121])، وبقوله تعالى: ﴿وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنْسَانِ مِن طِينٍ، ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِن مَاءٍ مَهِينٍ، ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَا تَشْكُرُونَ﴾([122]).

وقد أجيب عن الآيات بأجوبة لا مجال لذكرها هنا([123]).

وقالوا إنها تأتي زائدةً؛ لذا قال ابن هشام في المغني ([124]): “وأجرى الكوفيون “ثم” مجرى الفاء والواو في جواز نصب المضارع المقرون بها بعد فعل الشرط”([125]).

وذهب الأصوليون إلى أنّ “ثم” تفيد العطفَ مع الترتيب والتراخي، قال إمام الحرمين: “فأما “ثم” فمن العواطف ولكنه للترتيب مع التراخي”([126])، وقال الإمام فخر الدين الرازي: “والترتيب على سبيل التراخي وضعوا له “ثم” “، وقال ابن اللحام الحنبلي: “ثم من حروف العطف وهي تفيد الترتيب لكن بمهلة”([127])، وذكر الطوفي الحنبلي أنّ هذا مذهب أكثر أصحاب الإمام أحمد رضي الله عنه([128]).

وهنا نلاحظ أنّ الأصوليين قد حصروا استعمال “ثم” في كونها عاطفة، وأنها تفيد الترتيب مع التراخي، وهي ليست عندهم زائدةً؛ لأن الزيادة تفضي إلى الإهمال، وإعمال الكلام أولى من إهماله.

تفريع العلماء على هذه القاعدة:

من فروع هذه القاعدة:

–           لو قال لوكيله: خذ مالي من زوجتي، ثم خالِعها، كان أخذُ المال قبل الخلع بخلاف ما لو كان بالواو؛ فإنه لا يُشترط تقديم أخذ المال على الخلع.

–           إذا وقف على أولاده، ثم أولاد أولاده ثم على المساكين، فينتقل الموقوف إلى الموقوف عليهم على هذا الترتيب.

الكلام على “الباء”:

الباء للإلصاق سواءٌ دخلت على فعل لازم أو متعدٍّ عند جمهور أهل اللغة، وذهب الأصوليون إلى أنّ الباء إذا اتّصل بالكلام مع الاستغناء عنه أفاد تبعيضاً ومنه قوله تعالى: ﴿وامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُم﴾([129])، وأنكره ابنُ جني كما في البرهان للجويني([130]). وقال الشافعي ـ رحمه الله ـ تأتي الباءُ بمعنى علا، كما في قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾([131])؛ أي: على دينار([132]).

وتأتي الباء للاستعانة، نحو: كتبتُ بالقلم وضربتُ بالسيف.

وتأتي بمعنى المصاحبة، نحو: قولهم اشتريتُ الفرسَ بسِرْجه؛ أي مع سِرْجه.

وبمعنى الظرف، نحو: جلستُ بالسوق.

وللتعدية، مثل: مررتُ بزيد.

الباء عند الأصوليين:

أمّا الأصوليون فأكثر ما يستعملون الباءَ للتبعيض والتعدية، وهو اختيار الرازي في المحصول، والبيضاوي، ونُسب إلى الشافعي.

واختار بعضهم أن تكون للسببية والطرفية، وهو اختيار ابن عبد الهادي من الحنابلة، وأنكرَ ابن جني من اللغويين مجيئها للتبعيض، وقال: لم يذكره أحدٌ، قال في البحر المحيط: قلتُ أثبته جماعة منهم ابن مالك وقال ذكره الفارسي في التذكرة.

إلا أنّ عامَّة الأصوليين قد أثبتوا كونَها للتبعيض، منهم: ابن السمعاني والماوردي والغزالي كما في البحر المحيط للزركشي، واستدلّوا على ذلك بقوله تعالى: ﴿وامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُم﴾.

قلتُ: وما ذهب إليه الأصولين هو الأقربُ إلى ظاهر الكتاب لقوله تعالى: ﴿عَيْنا يَّشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَهِ﴾؛ أي: يشرب منها، فلما حلّت محل “من” التبعيضية دلّت على التبعيض.

تفريع العلماء على القاعدة:

–           إذا قال لزوجته: إن عصيتِ بسفرِك؛ فأنت طالقٌ، فإن قصد بالباء السببية؛ طُلِّقت بسب السفر، وإن لم يقصد السفر بل قصد معصيتها؛ لم تُطلَّق بسبب السفر بل بالمعصية إن حصلت، وإن قصد الظرفية؛ لا تُطلَّق إلا إذا عَصَتْ وهي في السفر لا قبله ولا بعده([133]).

–           لو قال: اعتقتُ هذا بهذا، أو طلَّقتُ هذه بهذه، فإن أراد السببية لم يُعتق الثاني ولم تطلَّق الثانية، وإن أراد الطرفية بمعنى “في” عُتِقَ وطُلِّقَتْ.

–           لو قال لزوجته: أنت طالق طلقة بطلقتين، فإن أراد الظرفية؛ طُلّقت ثلاثاً، وإن أراد تعدل طلقتين طُلّقت طلقتين، وإن أراد الاستصحاب؛ أي مع طلقتين؛ طلقت ثلاثاً والله أعلم


مراجع البحث

1- الإبهاج شرح المنهاج، ط 1401، الفجالة الجديدة، محمد عبد الرحمن السنوسي.

2- أثر الاختلاف في القواعد الأصولية في خلاف الفقهاء، د.مصطفى الخن، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط 2.

3- أسرار البلاغة للجرجاني، ط1.

4- أسهل المدارك للدردير، ط2، النشرة التجارية المتحدة.

5- الأشباه والنظائر للسيوطي، دار الكتب العلمية لبنان، الطبعة الأخيرة، 1959.

6- الأشباه والنظائر لابن نجيم الحنفي، دار الكتب العلمية، 1980، ومؤسسة الحلبي.

7- أصول السرخسي، طبع ونشر: دار المعرفة، 1973.

8- أصول الشاشي، طبع ونشر: دار الكتاب العربي، بيروت، 1402 هـ.

9- الاقتراح للسيوطي، دار الكتب العلمية، ط1.

10- الأم للشافعي، ط3، نشرة دار المعرفة.

11- الإنصاف للمرداوي، تحقيق: الفقي، ط1، 1374 هـ.

12- الإنصاف للأنباري.

13- البحر المحيط للزركشي، دار الكتب العلمية، ط1.

14- بدائع الصنائع، مطبعة الإمام في القاهرة، والطبعة الأولى في الفجالة.

15- البدخشي على المنهاج، طبع: محمد علي صبيح، مصر.

16- البرهان في أصول الفقه، الطبعة الأولى، قطر، 1399هـ، تحقيق: د.عبد العظيم ديب.

17- البهجة شرح التحفة، فقه مالكي، ط2.

18- تاج العروس للزبيدي.

19- التبصرة لأبي إسحاق الشيرازي، دار الفكر.

20- تبيين الحقائق للزيلعي، ط1، ببولاق.

21- تخريج الفروع على الأصول، للزنجاني، ط3.

22- التلويح على التوضيح لصدر الشريعة، مكتبة ومطبعة محمد علي صبيح.

23- التمهيد في تخريج الفروع على الأصول للأسنوي، ت: د.محمد حسن هيتو، مؤسسة الرسالة، 1404هـ.

24- حاشية الدسوقي على الشرح الكبير، دار إحياء الكتب العربية، وعيسى البابي الحلبي.

25- حاشية الرهاوي على المنار، نشر دار سعادت، المطبعة العثمانية، 1315هـ.

26- الخصائص لابن جني، دار الكتب المصرية، ط، 1052هـ.

27- درر الحكام شرح مجلة الأحكام، للأستاذ علي حيدر أفندي، منشورات: دار النهضة.

28- رد المحتار لابن عابدين، ط2.

29- الرسالة للشافعي، تحقيق أحمد شاكر، ط1، 1940م.

30- روضة الطالبين للشيخ يحيى بن شرف الدين النووي، المكتب الإسلامي للطباعة والنشر.

31- سنن ابن ماجه، تصوير: اسطنبول وعيسى البابي الحلبي، ترتيب: محمد فؤاد عبد الباقي.

32- سنن أبي داود، تصوير: اسطنبول.

33- سنن الدارقطني، دار المحاسن للطباعة.

34- سنن النسائي، تصوير: اسطنبول والمكتبة التجارية والحلبي.

35- شرح الأسنوي على منهاج العقول للبيضاوي.

36- شرح التلويح على التوضيح، نشر: مطبعة محمد علي صبيح.

37- شرح تنقيح الفصول للقرافي، دار الفكر، ط1.

38- الشرح الكبير للدردير، المطبوع على هامش حاشية الدسوقي، المطبعة الأميرية ببولاق، وطبعة البابي الحلبي.

39- شرح الجمل على المنهج، المطبوع بهامش حاشية الجمل، دار إحياء التراث العربي.

40- شرح الكوكب المنير للفتوحي، ط1، طبعة دار الفكر، ت: د.محمد الزحيلي، ود.نزيه حماد، 1980م.

41- شرح مجلة الأحكام العدلية، للأتاسي، مطبعة حمص، 1349 هـ / 1930 م.

42- شرح المنار، لابن العيني المطبوع على هامش شرح المنار لابن الملك، 1385هـ.

43- شرح المنهاج، للبدخشي، مطبعة محمد علي صبيح.

44- شرح المهذب، تكملة المطيعي، مطبعة عاطف.

45- صحيح البخاري، تصوير: اسطنبول، ودار إحياء التراث العربي، ترتيب: محمد فؤاد عبد الباقي.

46- صحيح مسلم، تصوير: اسطنبول، وطبعة محمد فؤاد عبد الباقي.

47- الطراز للعلوي، يحيى بن حمزة العلوي اليمني، طبعة المقتضب، 1332هـ.

48- العدة في أصول الفقه، للقاضي أبي يعلى الحنبلي، ت: د.أحمد سير المباركي، مؤسسة الرسالة، ط1، 1980م.

49- العضد على مختصر ابن الحاجب، مكتبة الكليات الأزهرية.

50- غاية المأمول في توضيح الفروع للأصول، د.محمود عبود، ط1، 1994م، مكتبة البحوث الثقافية طرابلس.

51- الفتح الكبير للنبهاني، مطبعة مصطفى البابي الحلبي، 1350هـ.

52- فواتح الرحموت شرح مسلم الثبوت للأنصاري، المطبوع مع المستصفى، دار إحياء التراث العربي.

53- القاعدة الكلية إعمال الكلام أولى من إهماله وأثرها في الأصول، د.محمود عبود، دار مجد، ط1، 1406هـ.

54- القاموس المحيط للفيروزأبادي (على المادة).

55- قواعد ابن رجب الحنبلي، دار الباز للنشر والتوزيع، ومكتبة الكليات الأزهرية.

56- قواعد ابن اللحام، ط1، دار المعرفة.

57- الكتاب لسيبويه، تحقيق: عبد السلام هارون، ط2.

58- كشف الأسرار على أصول البزدوي لعبد العزيز البخاري، طبعة بلاق.

59- لسان العرب لابن منظور (على المادة).

60- اللمع، في أصول الفقه لأبي إسحاق الشرازي، ط1.

61- المبسوط، للسرخسي، ط2، نشر دار المعرفة.

62- المحصول في علم أصول الفقه للرازي، دراسة وتحقيق: د.طه العلواني، ط1، مطبوعات جامعة محمد بن سعود بالرياض.

63- المحلَّى لابن حزم، مكتبة الجمهورية العربية.

64- مختصر الروضة للطوفي، ميكروفيلم في قسم المخطوطات التابع لجامعة الملك ابن سعود في الرياض.

65- المدونة الكبرى لسحنون، الطبعة الأولى ببلاق، وطبعة صادر بيروت، ودار المعرفة.

66- المستصفى للغزالي، بلاق.

67- مسلم الثبوت لابن عبد الشكور، المطبوع مع المستصفى، طبعة بلاق.

68- المسودة لآل تيمية، مطبعة مدني العباسية.

69- المغني لابن قدامة المقدسي، نشر مكتبة الرياض الحديثة.

70- مفتاح الوصول إلى بناء الفروع على الأصول للتلمساني، ت: عبد الوهاب عبد اللطيف، دار الكتب العلمية.

71- المناهج الأصولية للدريني، ط1، نشر دار الكتاب: دمشق.

 


[1]) الموافقات للشاطبي، ج3 /22، دار الكتب العلمية، ط1، 1991م.

[2]) المرجع السابق، ج1/29.

[3]) انظر: مقدمة غرر المقالة في شرح غريب الرسالة، ص60، ومقدمة زينة العرائس من الطرف والنفائس، د.رضوان مختار، ص46.

[4]) انظر: الاقتراح، للسيوطي، ص24 وأثر الاختلاف للخن، ص389.

[5]) هو علي بن محمد المعروف بابن الضائع، توفي سنة 680 هـ.

[6]) أخرجه البخاري في مواقيت الصلاة 2/41 حديث (210) 632، وانظر الاقتراح.

[7]) الأنبياء، آية 3.

[8]) 1/189-190.

[9]) المرجع السابق.

[10]) الاقتراح، ص56.

[11]) مسودة آل تيمية، ص316 والعدة لأبي يعلى (مخطوط).

[12]) أصول الإمام أحمد، د.عبد الله التركي، ص320.

[13]) الاقتراح، ص58.

[14]) الخصائص، لابن جني 1/122.

[15]) الاقتراح، ص60.

([16]) انظر: الخصائص، 1/173 والاقتراح، ص70-75.

17) انظر: الخصائص، لابن جني 1/248 والاقتراح، ص83.

[18])- الاقتراح، ص87 والإيهاج شرح المنهاج 3/56.

[19])- المراجع السابقة.

[20])- غاية المأمول، ص379.

[21])- المرجع السابق، ص379.

[22])- غاية المأمول، ص382.

[23])- الاقتراح، 91، وغاية المأمول، ص383.

[24])- الاقتراح، ص101.

[25])- غاية المأمول، ص442.

[26])- انظر: الإنصاف 1/ 300.

[27])- شرح تنقيح الفصول، ص444.

[28])- المرجع السابق، ص494.

29)- انظر: الأشباه للسيوطي، ص101، دار الكتب العليا في لبنان.

30) ص49.

31)- المرجع السابق، ص50.

32)- 1/ 15.

33)- ص127 بواسطة كتاب زينة العرائس، ص52.

[34])- كتاب مغني اللبيب، تأليف: ابن هشام، تحقيق: مازن المبارك ومحمد على حمد الله، دار الفكر، ط2، سنة 1969م.

35)- حققه، د. محمد علي فركوس، ونال به درجة الدكتوراه في كلية أصول الدين جامعة الجزائر.

36)- مطبوع بتحقيق الشيخ محمد حامد الفقي دار الكتب العلمية: بيروت، سنة 1403هـ.

37)- هذا الكتاب مطبوع طبعته دار السلام في القاهرة، سنة 2000م.

38)- طبعته مؤسسة محد المؤسسة العلمية للدراسات والنشر والتوزيع، سنة 1987.

39)- وهو سفر كبير طبعته مؤسسة البحوث الثقافية في طرابلس سنة، 1994م.

[40])- هو عمر بن قنبر، أعلم الناس بالنحو بعد الخليل، توفي سنة 161هـ، له كتاب في النحو اسمه “الكتاب” سماه العلماء: قرآن النحو.

41)- انظر: التمهيد للأسنوي، ص145 مؤسسة الرسالة، 1980، ط4.

42)- التمهيد، ص149.

43)- التمهيد، ص149.

44)- التمهيد، ص264، ونهاية السول، 2/ 4. والإبهاج، 2/ 2.

45)- التمهيد، ص265.

46)- قواعد ابن اللحام، ص159.

47)- المراجع السابقة والنظر المستصفى 1/164 والإبهاج 2/15.

48) الأعراف، آية 12.

49) طه، آية 93.

[50]) الجن، آية 23.

[51]) الطلاق، آية 2.

[52]) رواه مسلم.

[53]) انظر: المحصول 2/129 والكاشف 1/ 292 والإبهاج 2/26 والتبصرة، ص38 ومختصر ابن الحاجب 2/ 91.

[54]) أخرجه مسلم في صحيحه 1517 كتبا الجنائز باب الرخصة في زيارة القبور.

[55]) رواه مسلم في باب النكاح 74 و 75 وابن ماجه في النكاح 9.

[56]) قواعد ابن اللحام، ص165، والتمهيد للأسنوي، ص272.

[57]) المراجع السابقة.

[58]) انظر: التمهيد للأسنوي، ص290 والرسالة للشافعي، ص211، بتحقيق: أحمد شاكر.

[59]) ينظر كتاب غاية المأمول في توضيح الفروع للأصول، ص210.

[60]) انظر: الخصائص، لابن جني حيث قال في تعريفها: “إن الحقيقة ما أُقر في الاستعمال على أصل وضعه في اللغة”. الخصائص، 2/ 442 دار الكتب المصرية، وعرفها الجرجاني فقال: “هي كل كلمة أريدَ بها نفس ما وقعت له في وضع واضع وقوعاً لا يستند فيه إلى غيره كالأسد للبهيمة المخصوصة”. انظر: أسرار البلاغة 1/398، ط1.

[61]) انظر: القاموس للفيروزر أبادي ولسان العرب لابن منطور وتاج العروس للزبيدي مادة (جَوَز).

[62]) أسرار البلاغة ص398، ط1، والطراز للعلوي 1/67.

[63]) ينظر شرح هذه القاعدة في كتاب القاعدة الكلية إعمال الكلام أولى من إهماله وأثرها في الأصول، ص105.

[64]) انظر: أشباه ابن نجيم، ص7 والمدونة 4/344 وشرح المهذب للمطيعي 14/222 مطيعة عاطف والمغني لابن قدامة 5/618.

[65]) المغني 6/54 / 55، والمجموع 14/ 376.

[66]) رواه مسلم.

[67]) بدائع الصنائع للكاساني 10/4877. والتي بعدها.

[68]) فواتح الرحموت 1/221 وأصول الثاني 34، والنسفي على المنار مع هاشية الرهاوي، ص410.

[69]) انظر: كتاب القاعدة الكلية إعمال الكلام أولى من إهماله للعبد الفقير، ص211 و 201.

[70]) انظر: شرح المجلة لعلي حيدر1/ 45 والأشباه لابن نجيم، ص136 والتمهيد للأسنوي/ 230 والبهجة شرح التحفة 2/ 312 والمعنى 5/608 وشرح المهذب للمطيعي 19/ 342 والبدائع للكاساني 4/1708.

[71]) انظر: حاشية الرهاوي على شرح المنار، ص410 وشرح المجلة للاتاسي 1/ 73 وأصول الشاشي 1/ 185 والمدونة الكبرى 2/ 127 والأشباه للسيوطي، ص70 وقواعد ابن رجب الحنبلي، ص277.

[72]) انظر: أصول الرخمسي(المراجع: لعله: السرخسي) 1/ 162 والشرح الكبير للدردير على هامش حاشية الدسوقي 3/ 412. وشرح الجمل على المنهج 3/ 447 وشرح المهذب للمطيعي 2/306 والمغني 9/332.

[73]) أخرجه النسائي عن طاووس عن رجل أدرك النبي، في كتاب: المناسك، باب: إباحة الكلام في الطواف، ص136 تصوير: اسطانبول.

[74]) أخرجه النسائي من طرق متعددة وكلها عن عائشة في كتاب: الصوم، باب، 67، ج4/193، تصوير: اسطانبول.

[75]) رواه البخاري عن أبي هريرة في كتاب الأذان باب /35/جـ1/160 تصوير استانبول.

[76]) بدائع الصنائع 4/1695 وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير 2/128 دار الفكر.

[77]) المحصول جـ، 1 ق1 ص479 والفتوحي في شرح الكوكب 1/153 والبدائع 4/1650 وحاشية الدسوقي 2/129.

[78]) الحديث أخرجه ذكره النبهاني في الفتح الكبير وعزاه للبيهقي في شعب الإيمان الفتح الكبير 2/9.

[79]) المحصول للرازي جـ1، ق1، ص372.

[80]) المحصول للرازي جـ1، ق1، ص373.

[81]) المرجع السابق.

[82]) الحج، آية 18.

[83]) الأحزاب، آية 56.

[84]) الأشباه للسيوطي، ص135 وابن نجيم، ص149 والتمهيد للأسنوي، ص287 ومجلة الاحكام لعلي حيدر افندي 1/53.

[85]) تبيين الحقائق للزيلعي 2/ 218 والشرح الصغير للدردير 3/ 386.

[86]) الأشباه للسيوطي 135- والمهذب للشيرازي 2/ 58 والإنصاف للمرداوي 9/ 22.

[87]) انظر: بدائع الصنائع 3/ 10.

[88]) الروضة للنووي 11/ 16.

[89]) أسهل المدارك 2/ 30 و/31.

[90]) البقرة، آية 275.

[91]) العصر، الآيتان1-2.

[92]) راجع التلويح على التوضيح 1/ 38 وفواتح الرحموت 1/ 266 والمناهج الأصولية للدريني، ص303.

[93]) البقرة، آية 275.

[94]) الإسراء، آية 32.

[95]) الأحقاف، آية 15.

[96]) لقمان، آية 14.

[97]) يوسف، آية 182.

[98]) شرح العضد 2/ 172.

[99]) شرح العضد على ابن الحاجب 1/ 172.

[100]) كابن الدقاق من الشافعية.

[101]) النور، آية 33.

[102]) النساء، آية 101.

[103]) الحديث جزء من حديث طويل رواه البخاري عن أبي بكر الصديق، كتاب: وجوب الزكاة، باب: زكاة الغنم م1، ج2، ص146، تصوير: اسطانبول.

[104]) النساء، آية 25.

[105]) النساء، آية 24.

[106]) الحديث رواه البخاري برقم (2697)، ومسلم برقم (1718).

[107]) الجنى الداني، ص61 وما بعدها.

[108]) الحج، آية 63.

[109]) الأعراف، آية 04.

[110]) الجنى الداني، ص63.

[111]) الأنبياء، آية 108.

[112]) الأنعام، آية 139.

[113]) شرح الكوكب 1/34.

[114]) المرجع السابق.

[115]) الجنى الداني، ص63.

[116]) شرح الكوكب المنير 1/ 234.

[117]) مريم، آية 35.

[118]) البقرة، آية 197.

[119]) التمهيد للأسنوي، ص214.

[120]) قواعد ابن اللحام، ص138.

[121]) الزمر، آية 6.

[122]) السجدة، آية 7-9.

[123]) قواعد ابن اللحام، ص140.

[124]) 1/ 199.

[125]) زينة العرائس لابن عبد الهادي، ص293.

[126]) البرهان 1/ 184.

[127]) قواعد ابن اللحام، ص138.

[128]) انظر: قواعد ابن اللحام/ 138 وشرح الكوكب المنير 1/237.

[129]) المائدة، آية 6.

[130]) البرهان 1/81.

[131]) آل عمران، آية 75.

[132]) نفس المرجع.

[133]) من زينة العرائس لابن عبد الهادي (بتصرف)، ص243.

 

* ندوة تطور العلوم الفقهية في عمان خلال القرن الرابع الهجري “القواعد الشرعية نموذجا”.

وزارة الأوقاف والشؤون الدينية _ سلطنة عُمان

 

هذه المقالة تحتوي على تعليق (1)

تعليق واحد ل “علاقة القواعد اللغوية بالقواعد الأصولية”

  1. جزاكم الله خيرا عن هدا العمل

أكتب تعليقك هنا

نرجو أن تضع المادة أسفله
الإسم
إيميل
موقع
تعليقك