القواعد الأصولية والفقهية وضوابطها نظرة في التصنيف والتركيب

القواعد الأصولية والفقهية وضوابطها نظرة في التصنيف والتركيب*

أ. رضوان السيد

أستاذ الدراسات الإسلامية بالجامعة اللبنانية.

أولاً: القواعد الأصولية والفقهية

أ‌.    تعريف القاعدة اصطلاحاً: تكثُرُ التعريفاتُ الاصطلاحيةُ للقاعدة بناءً على فهم المعرِّفين لماهيتها ووظائفها. فالشريف الجرجاني يقول: “إنها قضية كلية منطبـقة على جميع جزئياتها“([1]). ويتابعه في هذا التعريف الفيومي والكَفوي والتهانوي([2])؛ بل ويوافقُهُ على استغراقها لكلّ الجزئيات دونما استثناء بعض علماء أصول الفقه مثل التفتازاني([3]).

ب‌.   وأصحابُ هذه التعريفات تغلبُ عليهم الثقافة المنطقية والأصولية؛ ولهذا لا يهتمّون بالتمييز بين القاعدة الأصولية والأخرى الفقهية، كما أنّهم لا يهتمّون بالاستثناءات. وإلى ذلك تنبّه تاج الدين السـبكي فميّز منذ البداية بتعريف القاعدة الفقهية بأنها: “الأمـر الكلي الذي تنطبقُ عليه جزئياتٌ كثـيرةٌ تُفهمُ أحكامُها منـها”([4]). وقال الحمويّ: “إنّ القاعدة حكمٌ أغلبيٌّ ينطبقُ على معظم جزئياته لتُعرفَ أحكامُها منه”([5]).

ولأنّ المقصودَ هنا ليس الاستقصاء؛ بل الوصول إلى تحديدٍ للقاعدة يكونُ فَرَضيةً للعمل؛ فقد آثرتُ الحدَّ الذي توصَّل إليه محمد الروكي عندما عرَّف القاعدة بأنها: “حكمٌ كليٌ مستندٌ إلى دليلٍ شرعي ٍ مصوغٍ صياغةً تجريديةً مُحكمةً، منطبق على جزئياته على سبيل الاطّراد أو الأغلبية”([6]). وبذلك تكون القاعدة الفقهية في منزلةٍ وُسطى بين حدٍّ أعلى هو الأصولُ الشرعية العامة-التي يثبُتُ حكمها بنفسه-، والضوابط الفقهية الخاصّة. والمعنيُّ بالأصول الشـرعية هنا: القرآن والسنة وما دلاَّ عليه من أحكام. أمّا الضوابط، التي هي أدنى من القواعد؛ فالفرقُ بينها وبين القاعدة:

1- أنَّ القاعدة تجمعُ فروعاً من أبوابٍ شتى.

2- والضابط يجمعُها من بابٍ واحد.

بذلك نصلُ إلى تعريف المقَّرِي الدقيق للقاعدة الفقهية (وليس الأصولية) من حيث المنزلةُ والوظائفُ عندما يقول إنها: “كلُّ كليٍّ هو أخصُّ من الأُصول وسائر المعاني العقلية العامة، وأعمّ من العقود وجملة الضوابط الفقهية الخاصة “([7]).

ب. القواعد الأصولية: يقول القرافي في الفروق إنّ أصول الفقه هي: “قواعدُ الأحكام الناشئة عن الألفاظ العربية خاصةً، وما يعرضُ لتلك الالفاظ من النسْخ والترجيح نحو: الأمر للوجوب، والنهي للتـحريم، والصيغة الخاصة للعموم، ونحوذلك”. ثم يضيف: “وما خرج عن هذا النمط إلاّ كون القياس حجة، وخبر الواحد، وصفات المجتهدين”([8]).

والواقع أنّ حجية القياس، وحجية خبر الواحد، وأهلية الذين يمارسون الاجتهاد؛ كلُّ ذلك مختلِفٌ نوعاً عن مباحث الألفاظ التي هي ” قواعد لغوية ” حُكمية مؤسِّسة لقراءة النصوص. ثم إنّ القواعد الأصولية غير اللغوية أو اللفظية لا تقتصر على ما ذكره القرافي. فالقاعدةُ القائلة إنَّ: “النظر في مآلات الأفعال معتبرٌ مقصودٌ شرعاًَ” هي قاعدةٌ أصوليةٌ تؤسِّس للمصالح والذرائع سداً أو فتحاً، كما تؤسِّسُ للمقاصد الشرعية؛ مع أنها ليست لُغويةً ولا تندرجُ تحت ما سبق ذكرُهُ من حجية القياس وخبر الواحد([9]). والأمر نفسُهُ يمكن قوله عن القاعدة الكلية القائلة: “اليقين لا يزول بالشك”. إذ هي قاعدةٌ شاملةٌ دون أن تكون لها علاقةٌ باللغة.

ويبدو أنّ الأصوليين وضعوا قاعدة: “مآلات الأفعال” والقواعد المشابهة إلى جانب القواعد اللغوية، ضمن سياقٍ واحدٍ هو: “القواعدُ الأصولية”، بجامع كليتها أو شمولها، ولاعتبار التشابُه في الوظيفـة، رغم الاختلاف النوعي. فالقاعدة اللغويةُ التي تنصُّ على أنّ الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضدّه، والقاعدة القائلة إنّ العامّ يبقى على عمومه إلى أن يرد دليلٌ يخصِّصُهُ؛ كلتاهما ذات طبيعةٍ كليةٍ، وتدخل تحتهما أحكامٌ كثيرة؛ لكنّ المميزَين الرئيسيَين لهما أنّ كليتهما ثابتةٌ بنفس الأمر؛ إذْ إنهما ناجمتان عن خطابٍ قرآني. وتختلف حجية القياس، وحجية خبر الواحد من وجهٍ مؤدّاه أنّ المسألتين ليستا لُغويّتين. وفي حين يمكن القولُ إنّ حجية خبر الواحد هي من لوازم أو مستتبعات حجية السنة؛ لا يمكن قولُ ذلك أيضاً عن القياس. فهو ليس قاعدةً لغويةً، كما أنّ حجّيته لم تثْبُتْ بالنصّ نفسِه. وهكذا الأمرُ مع قاعدة: “اعتبار مآلات الأفعال”؛ أو: “اليقين لا يزول بالشك”([10]).

والذي أُريدُ التوصُّلَ إليه من وراء ذلك كلِّه؛ أنّ القواعد اللغوية ثبتت بالوضع أو الاصطلاح المتّصل اتصالاً مباشراً بمنطوق النصّ أو لازمه، في حين ثبتـت قاعدتا القياس واعتبار مآلات الأفعـال بالاستقراء لجزئيات الشـريعة، وافتراض جوامـع لها، الأولى: “القياس” لجهة عِلَل الأحكام، والثانية: “اعتبار مآلات الأفعال” لجهة نهاياتها.

وهكذا فإنّ القواعد اللغوية ذات طبيعة منهاجية؛ أي تتّصل بطرائق قراءة النصوص وتفسيرها وتأويلها، ومرتكزات ذلك كلِّه؛ في حين يتّسم القياس، وتتّسم قاعدتا: “اعتبار مآلات الأفعال”، أو: “اليقين لا يزول بالشك”، بطبيعةٍ تأصيلية؛ ولذلك أرى التمييز بينهما بتسمية الأولى قواعد لغوية، وتسمية الثانية قواعد أصولية. وفائدةُ ذلك أنّ القواعد اللغوية تتعلّق بمادة الشرع، بينما تتعلق الثانية بعقل الشرع أو حكمته.

ج. القواعد الفقهية: يحـتار الفقهاءُ في التمييز بين القواعد الأصولية، والقواعد الفقهية، فيركّزون على أنّ بينهما تشابُهاً من حيث إنّ كلاً منهما قائمٌ على الاستقراء من جانب الفقهاء. لكن -بحسب هؤلاء- هناك عمومٌ وخصوص. فالقواعد الأصولية كليةٌ شاملةٌ تنطبقُ على سائر الجزئيات؛ بينما حكم القواعد الفقهية حكمٌ أغلبيٌّ ينطبقُ على معظم جزئياته. فقواعد التعليل والمآلات والمقاصد والمصالح، كليةٌ وشاملةٌ ولا تتخلَّفُ؛ في حين ترتبط القواعد الفقهية بجزئياتها ارتباطاً مباشراً ولذلك تعرضُ لها الاستثناءاتُ، وتتفـاوتُ تفاوُتاً شديداً من حيـث العموم والخصوص([11]).

ويوردُ الباحثون فروقاً أُخرى بين القواعد الأصولية واللغوية من جهة، والقواعد الفقهية من جهةٍ أُخرى؛ مثل الاختلاف في النشوء والظهور، والاختلاف في الوظيفة، والسبق الزمني، والموضوع، والعلاقة بالأحكام([12]).

والواقعُ أنّ قواعد اللسان والتعليل والغائية هي قضايا كليّة نظريّة تأسيسيّة، وهي وإن قام بعضها كالتعليل على الاستقراء في الأصل؛ لكنّها آلت إلى نوع من الثبات والتجريد. وبذلك صارت مسلَّماتٍ يُحْكَمُ بها على ما دونهـا من قواعد متصلة بالأحكام، وضوابط متعلقةً بالجـزئيات تعلُّقاً تاماً. فالتعليلُ مَثَلاً هو قاعدة كلية ثابتة؛ أمّا الأقيسةُ بأنواعها وتشكُّل عللها واختلافها فهي من القواعد الفقهية. ومسألة أنَّ الأمر للوجوب قاعدةٌ كليةٌ ثابتة؛ أمّا أنواع الوجوب فتدخل مرةً أخرى في القواعد الفقهية. وكذا القولُ بأنَّ للشريعة مآلات ومقاصد هي مصالحُ العباد الضرورية؛ قاعدةٌ كليةٌ، أما بيانُ المقصد أو استنباطه في جزئيات الأحكام؛ فيدخل في باب القواعد الفقهية.

والحقّ أنَّ المؤلفين في القواعد والفروق والمقاصد كانوا على وعيٍ بذلك كلِّه عندما ميَّزوا بين القواعد الأصولية والأخرى الفقهية؛ بجعل الأولى موضوع علم أصول الفقه، وجعل الثانية ضمن مجال عمل الفقهاء في استيعاب الجزئيات ضمن قاعدةٍ وسطى. وأضافوا لذلك ضرورة معرفة المجتهد بالقواعد الأصولية، وضرورة الثانية “القواعد الفقهية” للمفتين والقضاة والمدرِّسين.

د. الضوابط الفقهية: يذكر تاج الدين السبكي أنّ الفرق بين القاعدة الفقهية والضابط الفقهي أنّ:

–     القاعدة لا تختصّ ببابٍ كقولنا: “اليقين لا يزول بالشك”؛ فهي تتّسع لتشمل فروعاً وجزئياتٍ من سائر أبواب الفقه، من العبادات والعادات والمعاملات، مثل: “المشقة تجلب التيسير”، و: “الضرر يُزال”…

–    بينما لا تتّسع دائرة الضابط لأكثر من الجزئيات والفروع التي تندرجُ في بابٍ واحد؛ من مثل: “كلّ كفاّرةٍ سببُها معصيةٌ فهي على الفور”([13]).

ويلاحظ الدارسون أنّ الفقهاء كثيراً ما يسمُّون الضابط قاعدةً أو العكس.

والواقع أنّ ما يُعرف بالضابط حالةٌ خاصةٌ تقتربُ من أن تكونَ حُكماً في نازلةٍ أو نوازل قليلة. أمّا الضوابطُ الحقيقيةُ فهي القواعد الأصولية التي تضبطُ مادة الشريعة وعقلها أو حكمتها؛ في حين تضمُّ القواعدُ الفقهيةُ الشواردَ والمتناثرات جمعاً وتفرقةً وتصنيفاً.

 

ثانياً: في التطور الفقهي

تُعنـى القواعد الأصولية والفقهية إذن وعلى حدٍ سواء بالشريعة، التي هي خِطاب الله عز وجلّ المتعلِّق بأفعال العباد.

أمّا الأولى فتُعنى بمادّته ألفاظاً وأسلـوباً، حقيقةً ومجازاً واصطلاحاً (القواعد اللغوية)، أو عقـلاً (القواعد الأصولية المتعلقة بالتعليل) أو حكمةً (القواعد الأصـولية المتعلقة بالمقاصد).

أمّا القواعدُ الفقهية فتُعنى بنظْم الأحكام الجزئية المتعلِّقة بالفروع في الأبواب المختلفة بحيث تظهرُ قواعدُ وسطى، يمكن الاستناد إليها في توليد المزيد من الأحكام في النوازل والمستجدات. وهكذا فإنّ الاجتهاد والتجديد -إذا صحَّ التعبير- إنّما جرى في الحقبة الثانية من حِقَب تدوين الفقه فيما بين القرنين الثالث والسادس للهجرة؛ من خلال القواعد الفقهية والفروع أو الجزئيات أو الوقائع غير المتناهية، بحسب تعبير الإمام الغزالي (505هـ/ 1111م) المقرّر لتلك العبارة الهائلة أنّ النصوص تتناهى والوقائع لا تتناهي!.

وقد ترتّبت على ذلك التطوّر لدى سائر المدارس الفقهية طرائق في التفكير والعمل يمكن تلخيصُها على النحو التالي:

    1. التركيز على التنظيم في التدوين الفقهي بطرائق غريبة بعض الشيء؛ بمعنى أنّ مؤلَّفات الأجيال الثلاثة الأولى، ما كانت تُشرحُ ويُضافُ إليها؛ بل كان يجري إيجازُها أو اختصارُها ثم شرح ذلك المختصر أو تلك المختصرات. وهذا ينطبقُ على سائر مؤلَّفات المدارس الفقهـية. ففي المدرسة الحنفية التي لم يترك شيـخُها أبو حنيفة كتباً، جرى جمعُ كتب محمد بن الحسن الشيباني الستة (المعروفة بكتب ظاهر الرواية) من جانب الحاكم الشهيد، واختصارُها، ثم قام السَّرَخْسي بشرح المختصر، إلى أن ظهر مختصـر الطحاوي والقدوري فقام آخرون بشرحهما وهكذا. وفي المدرسة المالكية جرى التمسك طويلاً بحفظ موطَّأ مالك؛ لكنّ العملَ والجهدَ انصبّ على مختصر ابن أبي زيد وشرحه مراراً وتكراراً إلى أن ظهرت عبر العصور مختصراتٌ أُخرى. وفي المذهب الشافعي، ما شرح أحدٌ أو أضاف على كتاب الأم للشافعـي؛ بل اختصره المُزني وانصبَّ الجَهدُ على شرح مختصر المُزني. ولدى الحنابلة ظهر مختصر الخِرَقي، ثم توالت الشروحُ على الخِرَقي؛ وأشهرُها كما هو معروف كتاب المُغني لابن قُدامة([14]).

    2. يقول جوزيف شاخت J.Schacht وغيره([15]) إنّ التدوين الفقهيَّ في مرحلته المبكّرة، والتي أفضت إلى المؤلَّفات الواسعة فيما بعد؛ كان نتيجةَ التنافُس بين القُضاة من جهةٍ والفقهاء من جهةٍ أخرى (والذين عملوا مدرّسين ومُفتين، وبقوا خارج وظائف الدولة إمّا لأسبابٍ زُهديةٍ أو سياسية). وهو يستدلُّ على ذلك بالردود المعروفة لأبي حنيفة على الأَوزاعي وعثمان البَتّي وابن أبي ليلى. وردّ الليث بن سعد على مالك أو رسالته إليه، وجوابات جابر بن زيد. بيد أنّ الأمر يتجاوزُ ذلك ليُطاولَ التقاليد الفقهية المختلفة في الأمصار والمناهج؛ من مثل اختلاف الشافعي مع مالك، ومع الشيباني. ومن مثل كتاب الشيباني المسمَّى: “الحجة على أهل المدينة”. ومن مثل رسالة أبي بكر ابن أبي شيبة في نهاية مصنَّفه في الردّ على أبي حنيفة في مخالفته السُنّة. ثمّ ما لبث الاختلافُ أن صار فناًّ مستقرًّا منذ كتابيْ محمدِ بن نصر المروزي (294هـ/906م) المعروف باسم: اختلاف العلماء، ومحمدِ بن جرير الطبري (310هـ/922م) المعروف باسم: اختلاف الفقهاء. وقد ارتقى هذا الفنُّ كما هو معروفٌ إلى مصافّ الفقه المقارن بين المدارس الفقهية المختلفة، وداخل كلّ مدرسةٍ سعياً لتقرير الرأي الراجح في المذهب.

    3. التركيز على التقعيد؛ وهذا مفهومٌ باعتباره نوعاً من التنظيم لمبادئ العمل في المذهب. لكنْ كان هناك حرصٌ على تقليل تلك القواعد، والتنافُس في ذلك؛ بحيث يقتصر الأمر على أربع قواعد أو خمس، وتعديد المسائل الداخلة تحتها. بدأ ذلك الكرخي الحنفي ومعاصره ابن بركة لدى الإباضية، وتبعهما الآخرون. وقصةُ ابي طاهر الدبّاس الحنفي مشهورة؛ إذ يقال إنه ردَّ جميع مذهب أبي حنيفة إلى سبع عشرة قاعدة؛ لكنّ سبعاً منها عُرفت فقط، وقلّلها الشافعية إلى أربع أو خمس كما هو معروف وهي: “اليقين لا يزول بالشكّ”، و: “المشقة تجلب التيسير”، و: “الضرر يُزال”، و: “العادة محكّمة”، و: “الأمور بمقاصدها”.

    4. الانقطاع بين علم أصول الفقه بقواعده الكبرى السالفة الذكر، والاجتهاد الفقهي المتمركز حول شرح المختصرات، والتفريع على القواعد الفقهية، ونُصرة هذا المذهب أو ذاك في نطاق التنافُس بين المدارس، والتنافس بين كبار الفقهاء. وليس معنى ذلك أنّ مقاصد التشريع وفلسفته الكبرى، كانت واضحةً منذ البداية؛ لكنّ ما قرره الشافعيُّ في الرسالة أواخرَ القرن الثانـي الهجري؛ وبخاصةٍ في اعتباره القياسَ دليلاً، وقصر الاجتهاد على إدراك العلّة أو اكتشافها؛ ما جرت إعادةُ النظر فيه حتى في حقبة الازدهار المعتزلية في القرنين الثالث والرابع للهجرة. وبذلك انفصلت القواعد الأصولية التي اعتُبرت اللغويةُ منها على الخصوص ثابتةً ومطلقة، انفصلت عن القواعد الفقهية التي كان من المفروض أن تعبِّر هي عن فلسفتها من طريق الاجتهاد في استنباط الأحكام على أساسٍ منها.

    ويبدو لي أنّ هذا التطوُّر في طرائق التأليف والتقعيد، الرامي إلى صنع “تقليد” مذهبيٍّ صلب، والذي يحدُّ من إمكانيات التجديد إلاّ بالانشقاق؛ كان وراء تلك الفورة في القرنين السابع والثامن للهجرة في فقه المصالح والمقاصد، وفي كتب الفروق والقواعد([16]). فقد أراد كُتّابُ المقاصد منذ ابن عقيل (513هـ/1119م)في مطلع القرن السادس إعادة وصل الأصول بالفـروع لإطلاق حركةٍ اجتهاديةٍ كبرى، ما تراجعت طبعاً لأسبابٍ تقنيةٍ فقط. كما أراد كُتّابُ القواعد من طريق إيصالها إلى مئاتٍ منذ القرن السابع، الخروجَ من إلزامات وتضييقات مباحث العلّة في القياس، وسط نقدٍ عارمٍ لسيطرة المنطق اليونانيّ على القياس الفقهيّ([17]).

    ثالثاً: في التحليل والتركيب

    قال أبو زيد الدَّبُوسي (430هـ/1038) في ” تقويم الأدلة “: بلغَنا عن أبي حنيفة (150هـ/767م) أنه قال ليوسف بن خالد السمتـي(190هـ/805م): “كلُّ مجتهدٍ مُصيب، والحقُّ عند الله واحد. فبيَّنَ أنّ الذي أخطأَ ما عند الله مُصيبٌ في حقّ عملِه”([18]). والمعروف أنّ هذا القولَ نفسَهُ مرويٌّ عن معاصر أبي حنيفة عبيد الله بن الحسن العنبري (168هـ/784م) قاضي البصرة، وعن المفكّر المعتزلي هشام الفُوَطي (220هـ/835م)، وعن الوليد بن أبان الكرابيسي (226هـ/840م)، وعن عمرو بن بحر الجاحظ (255هـ/868م) ([19]). وفي حين تذكر المصادر أنّ أبا حنيفة والعنبريَّ كانا من المُرجئة؛ فإنّ الكرابيسيَّ كان قريباً من أهل الحديث؛ في حين كان الفُوَطي، كما سبق القول، معتزلياًّ، وكذلك الجاحظ. على أنّ الواضح أنّ الثلاثة (العنبري والفوطي والكرابيسي) كانوا يعتبرون هذه المقولة أصلاً كلامياًّ أو اعتقادياًّ، أرادوا بها الابتعادَ عن التكفير الذي شاع بين الفِرَق الإسلامية في القرن الثاني؛ في حين كان أبو حنيفة يؤيّد إطلاق حريّة الاجتهاد في فقه الفروع، إضافةً -طبعاً- إلى تجنّب آثار الاختلاف في الأصول.

    ومع أنّ الجميع في القرن الثاني ما كانوا يُقِرّون الاختلافَ الاجتهاديَّ في العقائد؛ فقد كان الواقع أنّ التجاذُب كان شديداً حول تكييف أحداث القرن الأول بين الصحابة، كما كان واقعاً فيما لا مدخَلَ مباشراً لتلك الأحداث فيه وهما: قضيتا الإيمان والقَدَر. ويمكنُ القولُ هنا إنّ مقولة: “كل مجتهدٍ مُصيب” كانت بداية الافتراق بين الفقهاء والمتكلّمين باتّجاه إقرار الاختلاف أو الاجتهاد في الفقه، ومنعه أو إنكاره في الاعتقادات. وقد ظهر الاقتناعُ بمقولة الاجتهاد الفقهي من تلك الرسائل المتبادَلة في الاختلاف بين فقهاء التابعين وتابعيهم، والتي سبق ذكرُها. لكنْ في الوقت نفسِه بدأ البحثُ عن ضوابطَ ومقاييس يمكنُ الاحتكامُ إليها في أحوال الاختلافِ في الفروع. لذلك سُرعان ما بدأت الردودُ على “المصوِّبة” هؤلاء باتّجاه الذهاب إلى أنَّ “الحقَّ في واحد” ليس عند الله عزَّ وجلّ فقط؛ بل وعند الناس، والمُضيُّ من أجل تأكيد ذلك لتقرير أصول قراءة خطاب الله تعالى، وأدلّة ذلك الخطاب أو مصادره وحُججها وحجّيتها([20]).

    ومن هنا انصبَّ جَهدُ الإمام الشافعي (204هـ/819م) في الرسالة والأُمّ على تقرير الأصول أو الأدلّة الشـرعية في الأولى، وعلى تطبيق ذلك المنهج (الاختلاف المنضبط) في الكتاب الثاني([21]).

    وما كانت مهمةُ الشافعيّ وأقرانه ميسَّرةً حتى لجهة تقرير الأصول الشرعية أو الأدلة. فقد سادت وقتَها مقولة واصل بن عطاء (131هـ/748م) الذي يُنسَبُ إليه تأسيس الاعتزال، والقائلة: “الحقُّ يُعرف من وجوهٍ أربعة: كتاب ناطق، وخبر مجتمع عليه، وحجة عقل، وإجماع”([22]). لذلك تركّز جَهدُ صاحب الرسالة على نقد مفهوم الخبر المجتمع عليه، الذي كان يُقارنُ السنة لدى فقهاء التابعـين وتابعيهم (بما في ذلك أبو حنيفة ومالك). فقد رأى الشافعيٌّ وأصحابُ الحديث أنّ السنة تملكُ الحجيةَ، لا لاجتماع الناسِ عليها؛ بل للوثوق بصدورها عن النبي u الذي لا ينطق عن الهوى، بنصّ القرآن. وهكذا ينحصرُ الأمر بضبط طرائق ورود الحديث (أو أخبار الآحاد عن قول النبي عليه السلام وفعله وتقريره)، الذي يصير سنةً متّبعةً عند غَلَبة الظنّ حول صحّة نسبته إلى الرسول عليه السلام. أما الدليلُ الثالثُ أو الأصلُ الثالث: الإجماع؛ فقد قال الشافعيُّ بحجيته بضمان القرآن أيضاً “اتّباع سبيل المؤمنين”([23]).

    وإذا كان سائرُ فقهاء النصف الثاني من القرن الثاني الهجري قد واجهوا مشكلتي إثبات حجية خبر الواحد، وحجية الإجماع، باعتبارهما مصدراً تشريعياً؛ فإنّ المشكلة الأعقَد كانت الاحتجاجَ للاجتهاد، أو لحجّة العقل، بحسب تعبير واصل ابن عطاء. وقد اختصر الشافعيُّ الطريق أو قطعه على المتكلّمين أو أنّه سار على المنهج نفسِـه كما في حالتـي الأخبار والإجمـاع؛ عندما ذهـب إلى أنّ الاجتهاد (العقليَّ) دليلٌ أيضاً هو الرابع؛ لكنه شكلٌ محدَّدٌ من أشكال التأمُّل العقليّ أو الاستنتاجيّ هو القياس (على الأصل الثابت: القرآن والسنة). وهذا سرُّ انزعاج الشافعي وأصحاب الحديث من مقولة: “كلُّ مجتهدٍ مُصيب”؛ إذ معنى ذلك أنّ المتكلِّم يستطيع إنشاءَ الأحكام؛ أي أنّه يمكن أن يكونَ شارعاً، والحقُّ أنه لا شارعَ إلاّ الله عزَّ وجلّ. والقرآن في نظر الشافعيّ، وبحسب فهمه لبعض آياته، جامعٌ وشاملٌ ومتضمّنٌ كلَّ شيء أو أنّه متضمّنٌ لكلّ الأحكام ولكلّ علِلها. ولهذا يقتصر عمل الفقيه على اكتشاف الحكم من طريق اكتشاف العلّةِ الجامعة بين الوقائع المستجدَّة، وما انطوى عليه واحتضنه النصُّ والخبر النبوي الصحيح([24]). وإذا كان الحادث ينضبطُ بعلّته؛ فإنّ حكمه ينكشفُ للفقيه المتمرّس (المجتهد) بالقراءة المتفهّمة للنصّ من بيانه المتعقَّل من أُصوله اللغوية التي تدورُ بين حقيقةٍ ومجاز، وعامٍّ وخاصّ، وناسخٍ ومنسوخ، ومجمَلٍ ومقيَّد… الخ([25]).

    تحت وطأة الصراع مع المعتزلة والفلاسفة إذن، والتنافُس مع السلطة السياسية وعليها، ساد منهج الشافعي التأصيلي والتعليلي. فصارت الأصول الشرعية أصولاً لغوية، أمّا ما يُعرفُ بالقواعد الأصولية فاقتصر على “اكتشاف” العِلَل، وهو العملُ الرئيسيّ المطلوب من الفقيه بحسب الشافعي. أمّا “مقاصدُ الشريعة” فقد جرى إهمالُها أو إيكالُ أمرِها إلى المتكلِّمين باعتبارها من مباحث العقيدة، وليس من مباحث الفقه. واضطرَّ الأحنافُ لإنقاذ مذهبهم إلى اكتساب المعرفة بالحديث، وضبط آراء جِيلَيْهِم الأوّل والثاني بمرويّات المحدِّثين. أمّا الاستحسان عندهم، والذي لا يخضعُ لضوابط الشافعي في القياس، فقد ذهبوا إلى أنه قياسٌ خفيٌّ. واحتار المالكية في “عمل أهل المدينة” وفي “المصالح المرسَلة”، وهي من موروثات ما قبل مرحلة الشافعي وأصحاب الحديث؛ فضبطوا الأصل الأوّل بالسنة عموماً، وجعلوا الثاني بدايةً من لواحق تحقيق المناط في مباحث العلة في القياس.

    أمّا الذين رفضوا الإذعانَ للفقه الجديد فقد تضاءلت مذاهبهم وزالت أو تحوّلت إلى مدارس قلّة.

    والواقع أنّ القواعدَ الفقهية هي ثمرةٌ مُباشرةٌ غير مقصودة لأمرين قامَ بهما صاحبُ الرسالة وجِماع العلم وجيله.

    الأمر الأول: الفصل بين الأصول المقاصدية والفقه.

    الأمر الثاني: بناء الأصول الشرعية بناءً شكلياًّ مُحْكَماً.

    يذكر مؤرّخـو الفقـه أنَّ أوّلَ مـن دوَّن القواعدَ الفقهية لمذهـبٍ معيَّن هو أبو الحسن الكرخي (340هـ/951م) الذي كتـب رسالـةً خاصةً في الأصول التي عليهـا مدارُ فروع الحنفية. وقد عُني بها فيما بعد أبو حفص عمر بن أحمد النَسَفي (537هـ/1142م) فذكر أمثلتها ونظائرها توضيحاً لما حوتْهُ من الأصول والقواعد. ويقال إنّ الكرخيَّ أخذ قواعدَ أبي طاهر الدبّاس، كما سبق ذكره، وأضاف عليها فجاءت مجموعةً في تسعٍ وثلاثين قاعدة (وهي مطبوعةٌ مع تأسيس النظر للدبوسي كما هو معروف)([26]). وطريقتُه في العمل أنّه يعمدُ إلى جمع النظائر والأشباه في جزئيات الفقه في أبوابه المختلفة ويوجزها أو يجرّدها تجريداً نسبياً في قاعدة. ومن الأمثلة على ذلك القاعدة القائلة عنده أن: “أمور المسلمين محمولةٌ على الصلاح والسداد حتى يظهر غيره”. والقاعدة المقرِّرة أنّ: “للحالة من الدلالة كما للمقالة”. والقاعدة المقرِّرة أنّ: “السؤال والخطابَ يمضي على ما عمَّ وغلـب لا على ما شذَّ ونَدَر”. والقاعدة القائلة أنّ: “الاحتياطَ في حقوق الله جائز، وفي حقوق العباد لا يجوز”. والقاعدة القائلة أنه: “إذا مضى (الحكم) بالاجتهاد لا يُفسخ باجتهاد مثله، ويُفسخ بالنص”([27]).

    والأمرُ نفسُهُ الذي يفعلُهُ الكرخي والنَسَفي من جمع الأشباه والنظائر الجزئية تحت قاعدة، يقومُ به ابن بركة (362هـ/972م) في “الجامع“. ونستطيع مراقبة هذه العملية الجارية من طريق الاستقراء عند ابن بركة، أفضل مما نستطيع ذلك لدى الكرخي؛ لأنّ كتاب ابن بركة “الجامع” وصلنا كاملاً([28]). فقد ذكر مَثَلاً أنه استنبط قاعدة: “الضرورات تُبيحُ المحظورات ” من الجزئيات التالية:

    –     أنّ للمجاهد، وكذلك المطلوب من قِبل عدوٍ يخافُهُ أن يصلّيَ كلٌّ منهما بحسب قدرته.

    –     وأنَّ المريض الذي لا يجد السبيل إلى الانتقال والتحوّل إلى جهة القبلة يصلّي حسب وجهته التي هو عليها.

    –     وجواز صلاة الفريضة على ظهور الدواب عند الاضطرار.

    –     وجواز تغطية المحرم رأسه إذا اضطُرّ إلى ذلك.

    –     وجواز الأكل من أموال الناس لمن اضطُـرَّ إلى ذلك.

    وفعل ابن بركة الشيئَ نفسَهُ مع قواعد فقهية أُخرى من مثل:

    –     “المشقة تجلب التيسير”.

    –     “كل تصرفٍ صدر من غير أهله فنفاذه متوقفٌ على إجازة من له حق الإذن به”.

    –     “المعصيـة لا تكون إلا من قاصدٍ إليها”.

    –     “الأموال لا تُدفع إلاّ بالبيِّنـة”

    –     “وإذا وقع الإذن زال المنـع”.

    –     “إذا كان الفرض وجب بوصـفٍ سقط بزواله”.. الخ([29]).

    ويعتذر هؤلاء المؤرّخون لمستنبطي القواعد من الجزئيات؛ بأنّ فقهاءَ المذاهب الأوائل، باستثناء الشافعي، ما دوَّنوا الأصول الشرعية التي اعتمدوا عليها وضبطوها؛ ولذلك جاءت الأجيالُ التاليةُ لتعتمد على منهج الاستناد إلى نهج استقراء الجزئيات لوضع قواعد تمكّنُهُم من استعمالها اطّراداً في الوقائع المستجَدّة!؛ ولذلك زعموا أنّ هناك طريقتين أو نهجين فقهيين:

    –   نهج الشافعي والمتكلِّمين.

    –   ونهج الفقهاء الآخرين.

    أما نهجُ الشافعي فيبدأ من الكليات إلى الجزئيات، وأمّا نهجُ الفقهاء الأحناف وغيرهم فيبدأُ من الجزئيات إلى الكليات([30])؛ لافتقارهم في البداية إلى تقعيد الأصول، كما فعل الشافعي!.

    والحقُّ أنّ هذا كلَّه لا يصحّ. فالشافعيُّ الذي كان مهجوساً باختراق منهج المعتزلة العقلي للقضايا التشريعية، أقام بناءً شكلياًّ مُناقضاً بقصد الفصل والضبط، من طريقي التأصيل والتعليل، فجرَّد الأصول؛ لإخراجها من عقلانية المعتزلة المُسرفة، وبذلك قلَّدهُم دون أن يقصد بمحاولة بناء منظومة نصيّة، فأضعف تأثير الأصول في استنباط الفروع أو متابعة الوقائع من طريق الاجتهاد. والدليلُ على ذلك أمران اثنان:

    أ‌-    أنّ الفقهاء الشافعية هم أكثر المدارس الفقهية استعمالاً للقيـاس الأرسطي؛ لأنّ منهجهم تجريدي وتعليلي؛ فنتائجه متضمّنة في مقدماته. وهاتان هما السِمتان الرئيسيتان لمنطق أرسطو، أَلَمْ يقل الغزالي الشافعي: “إنّ مَنْ لم يعرف المنطق لا يوثَقُ بعلمه”؟!.

    ب‌-    أما الأمر الثاني فهو أنّ الفقهاء الشافعية أنفسَهُم عندما اضطُرُّوا للتقعيد الفقهي، لجأوا للاستقراء، ولاعتبار الجزئيات. وبعد أن مضوا بعيداً في ذلك، عادوا للتأليف في تخريج الفروع على الأصول، ليعيدوا ربط قواعدهم المستنبطة بالاستقراء بالنهج التعليلي والتأصيلي. والغزاليُّ الذي يرى ما سبق ذكره في عصمة المنطق أو علميته وضرورته للاجتهاد الفقهي، يعودُ للقول مُناقضاً نفسَه: “إنّ النصوصَ تتناهى، والوقائع والنوازل لا تتناهى”!.

    بيد أنّ المشكلة أنَّ أحداً ما صرَّح وكتب باستقلال التدبُّر العقلي في الاشتراع، ربما باستثناء الظاهرية وابن حزم (456هـ/1063م) وبطريقةٍ مواربة، ومن منطلقٍ مدخول يقول باستحالة الاختلاف. فقد نفى ابنُ حزمٍ أن يكونَ القياسُ دليلاً، ولجأ للاستنباط المباشر من الكتاب والسنة. أمّا ما لم يستطع أن يجد له حكماً في القرآن أو السنة صراحةً أو تأويلاً؛ حقيقةً أو مجازاً، فقد قال بإطلاق النظر فيه، غير متأثرٍ بتفسير الشافعي لقوله تعالى: ﴿ما فرّطْنا في الكتاب من شيء﴾([31]).

    رابعاً: خاتمةٌ ونتائج

    حاول الشافعية الدخول إلى “فقه القواعد” من باب إعادة صياغة بعض الآيات والأحاديث أو دلالاتها في قواعد، مثلما فعلوا في القواعد الأربع أو الخمس المعروفة:

    “اليقين لا يزول بالشك”، و: “المشقة تجلبُ التيسير”، و: “الضرر يُزال”، و: “العادة محكَّمة”، و: “الأمور بمقاصدها”.

    لكنهم ما استطاعوا متابعة هذه العملية لتعذّرها فلجأوا مثل الاحناف والإباضيّة والمالكية إلى الاستقراء([32]).

    وهكذا كانت القواعد الفقهية وكتب الفروق بدايةً في الخروج على مسألة فصل الأصول الشرعية (باستثناء اللغوي منها) عن فروع الفقه وجزئياته.

    لكنّ المنطومة تفجَّرت تماماً مع ظهور فقه المصالح الذي تجلّتْ طرافتُهُ في أنَّ بداياته كانت على يد الفقيه الحنبلي ابن عقيل (513هـ/1119م) الذي قال: “قال الشافعي: لا سياسة إلاّ ما وافق الشرع. والحق أنَّ السياسة ما كان فعلاً يكونُ معه الناسُ أقرب إلى الصلاح، وأبعد عن الفساد، وإن لم يضعْهُ الرسول، ولا نزل به وحي… وإن ظهرت أماراتُ العدل، وأسفر وجْهُهُ بأي طريقٍ كان، فَثَمَّ شرعُ الله ودينُه”([33]).

    وكان الكرخيُّ الحنفيُّ ما يزال يرى أنه “يُفرقُ بين علة الحكم وحكمته فإنّ علته موجبة وحكمته غير موجبة”([34])، فجاء الفقيه الشافعيُّ عز الدين ابن عبد السلام (660هـ/1261م) ليكتب كتاباً ضخماً هو “قواعد الأحكام في إصلاح الأنام”، يذهب فيه إلى أنّ الشريعة كلَّها مبنيةٌ على جلب المصالح للعباد ودرء المفاسد عنهم([35]). وفي الوقت الذي كان فيه ابن تيمية (728هـ/1327م) يكتب في نقد المنطق الأرسطي وبناء القياس الفقهي عليه، ويرى أنّ مشكلةَ المشاكل فيه قيامُهُ على الكليات، بينما يقوم فقه الفروع على الجزئي([36])؛ كان تلميذه ابن القيم (751هـ/1350م) يضعُ رسالته “الطُرُق الحكمية” في بناء الأحكام على المصـالح. وبلغ الأمر الذروة مع القرافي (684هـ/1285م) في الفروق، والشاطبي (-790هـ/1388م)

    في “الموافقات”؛ حيث أصبحت حكمة الشريعة أو عقلُها أو مقاصدُها (يعني مصالح العباد الضرورية) هي الحاضنةُ لكلّ ما عداها، وليس في شريعتنا فقط؛ بل كما قال الشاطبي: “وقد قيل إنها (أي مصالح العباد) مُراعاةٌ في كل مِلّة”([37]).

    كانت للقواعد الفقهية وظيفتان رئيسيتان (بالإضافة إلى تبسيط فقه المذاهب وتنظيمه):

    الأولى: إعادة الربط بين الواقع والأصول الشرعية لتجديد حركية الاجتهاد والتجديد، وتمكين الفقيه من ممارسة مهمته في متابعة “الوقائع التي لا تتناهى”.

    الثانية: خدمة القضاة والمفتين في عملية تعقُّل الشريعة، وتطبيقها في حياة الناس، وفي حلّ مُشكلاتهم.

    أذكر أنّ طالباً أميركياً من أصلٍ عربي كتب قبل سنواتٍ أُطروحةً عنوانها التقريبي: “هل كان يمكن للمتخاصمين والشهود العدول توقُّعُ الحكم الذي سيُصدرُهُ القاضي المالكي في خصومةٍ معينةٍ أمامه في فاس في القرن الثامن الهجري؟؟”، حاول الطالب الإجابة على هذا السؤال الكبير من خلال كتب الفتاوى والنوازل، ثم مختصرات المذهب. ثمّ أفضى به البحث إلى كتب القواعد الفقهية، وكان جوابُهُ بالإيجاب. والمعروف أنّ واضعي مجلة الأحكام العدلية العثمانية، استخرجوا حوالي المائة قاعدة من كتب المذهب الحنفي (اعتمدوا في الأكثر على الأشباه والنظائِر لابن نُجيم الذي ينقل كثيراً عن السيوطي الشافعي!) ووضعوها في مقدمة المجلة باعتبارها مواد قانونيةً جاهزة([38]).

    ونعرفُ جميعاً أنّ الفقه الإسلامي من طبيعةٍ مختلفةٍ عن أصول وتكوينات القوانين المدنية الحديثة. بيد أنّ بعض قواعده وضوابطه وتقريراته دخلت في عددٍ من القوانين، وفي الدرس الأكاديمي العامّ. ونحن محتاجون إلى قراءة هذا الفقه ليس لجهة فائدته في الحاضر وحسْب؛ بل ولأنه تاريخٌ لم يُكتبْ بعد. ولا شكّ أنّ أصول الفقه محتاجةٌ أكثر من علومه الأخرى لقراءاتٍ نقدية. ولله الأمر من قبل ومن بعد.



     

    [1]) الجرجاني: التعريفات، دار الكتب العلمية، بيروت، ط. ثالثة، 1994، ص171.

    [2]) أبـو البقاء الكفوي: الكليات، تحقيق ونشر عدنان درويش ومحمد المصري، ط. دمشق. م4، ص48، والفيـومي: المصباح المنير، ص510 (مادة: قعد)، والتهانوي: كشاف اصطلاحات الفنون، م2، ص1176. وقارن بعلي أحمد الندوي: القواعد الفقهيـة، دار القلم بدمشق، الطبعة الخامسـة عـام 2000، ص39-61، ويعقوب عبد الوهاب باحسين: القواعد الفقهية، مكتبة الرشد بالرياض، ط. الثانية 1999، ص15-39.

    [3]) التفتازاني: التلويح على التوضيح 1/104. وقارن بالقرافي: الفروق، نشر دار إحياء الكتب العربية بمصر، 1344هـ، م1، صص2-5.

    [4]) تاج الدين السبكي: الأشباه والنظائر. تحقيق عادل عبد الموجود وعلي معوض. دار الكتب العلمية ببيروت، 1421هـ، م10، ص11-12. وانظر للشيخ أحمد الزرقا: شرح القواعد الفقهية. تقديم مصطفى الزرقا وعبد الفتاح أبو غدة. مراجعة عبد الستار أبو غدة. دار الغرب الإسلامي ببيروت، 1983، ص26-28.

    [5]) الحموي: غمز عيون البصائر شرح كتاب الأشباه والنظائر، نشر دار الكتب العلمية، بيروت 1985، م1،

    ص 15. وقارن بالشيخ مصطفى الزرقا: المدخل الفقهي العام. نشر دار الفكر، 2/947

    [6]) محمد الروكي: نظرية التقعيد الفقهي وأثرها في اختلاف الفقهاء. منشورات كلية الآداب بجامعة محمد الخامس، سلسلة رسائل وأطروحات رقم 25، 1994، ص57-68. وقارن له الآن؛ محمد الروقي: القواعد الفقهية من خلال كتاب الإشراف للقاضي عبد الوهاب البغدادي. نشر دار البحوث للدراسات. دُبي، 2003، ص157-171. وقارن بالدكتور محمد الزحيلي: القواعد الفقهية على المذهب الحنفي والشافعي، جامعة الكويت، 1999، ص18-20.

    [7]) المقّري: القواعد. تحقيق أحمد بن عبد الله بن حميد. جامعة أم القرى بمكة، م1 / 212-213. وقارن بالباحسين: القواعد الفقهية، مصدر سابق، ص40-41. وانظر نشرة محمد بن محمد الدردابي لكتاب المقَّري بعنوان: قواعد الفقه م1/53-54.

    [8]) قارن ببرهاني: سـد الذرائع في الشريعة الإسلامية، بيروت 1985، ص156-159 حيث شرح بالتفصيل تفرقة القرافي في الفروق. وانظر تقديم ابن حُميد على قواعد المقّري، مصدر سابق، ص1/107-108. وقارن بمحمد الأمين ولد محمد سالم بن الشيخ: مراعاة الخلاف في المذهب المالكي وعلاقتها ببعض أصول المذهب وقواعده، دار البحوث والدراسات بدبي، 2002، ص125-131.

    [9]) قارن عن الفروق بين القواعـد الأصولية والقواعد الفقهيـة: باحسين، ص137-142، والندوي، ص67-71، ومحمد الزحيلي، ص2-22، والشنتوف: القواعد الأصولية، مرجع سابق، ص46-54. ويقسّم الدكتور جمال الدين عطية، في كتابه: التنظير الفقهي، 1987، ص77-80 القواعدَ إلى أربعة أقسام: القواعد الأصولية، والقواعد الكلامية، والقواعد اللغوية، والقواعد الفقهية. وفيما يتصل بالشمول والتركيز على الفقه هناك بحسب وجهة نظره ثلاثة أنواع من القواعد: القواعد الكلية الأصلية، والقواعد المشتركة بين أبوابٍ فقهيةٍ من أقسامٍ مختلفة، والقواعد المشتركة بين أبواب الفقه من قسمٍ واحدٍ كالعبادات أو المعاملات.

    [10]) القرافي: الفروق، م1/ص2. وقارن بمحمد بن المدني الشنتوف: القواعد الأصولية عند القاضي عبد الوهاب البغدادي، نشر دار البحوث والدراسات بدُبي، 2003م، ص46.

    [11]) قارن بنقد محمد الروكي للتداخل في المصطلحات والتعاريف؛ في: نظرية التقعيد الفقهي، مرجع سابق، ص57-59، ونقد الباحسين: القواعد الفقهية، مرجع سابق، ص100-106.

    [12]) قارن بالفروق للقرافي 1/2 لجهة التفريق الواضح بين القواعد الأصولية والقواعد الفقهـية. وانظـر الندوي: القواعـد الفقهية، مرجع سابق، ص68. وانظر القواعد الفقهية للباحسين، مرجع سابق، ص118-123.

    [13]) قارن عن الفروق التي يذكرها الفقهاء بين القاعدة الفقهية والضابط؛ بمحمد الروكـي: قواعد الفقـه الإسلامي من خـلال كتاب الإشراف للقاضي عبد الوهاب المالكي، دار القلم بدمشق ومجمع الفقه الإسلامي بجدة، 1998، ص112 – 113 (وهو شبيهٌ بكتابه السالف الذكر عن القاضي عبد الوهاب والمطبوع بدبي)، ومحمد الزحيلي: القواعد الفقهية، مرجع سابق، ص19-20، والندوي: القواعد الفقهـية، مرجع سابق، ص46-52. والواقع أنّ الفرق واحد، ينحصر في أنّ القاعدة تضمّ مسائل شتى من أبوابٍ شتّى؛ في حين يضمّ الضابط مسائل محدودة من بابٍ فقهيٍ واحد.

    [14]) هناك ثلاثة أنواع من الدراسات لتاريخ الفقه الإسلامي: العروض الوصفية لكتب كل مذهب في مختلف العصور، والعروض المقارنة للموضوعات والأبواب والكتب في المذاهب المختلفة، والتتبع الأكاديمي لموضوعٍ واحد (مثل القواعد الفقهية) في سائر الفقه الكلاسيكي. وفي العقود الاخيرة ازداد الاهتمام بأمرين: بعض الشخصيات الكبرى في الفقه، والسياقات السياسية والثقافية لظهور المذاهب وتطورها. بيد أنّ الدراسات حول طرائق عمل الفقيه ما تزال نادرة. قارن على سبيل المثال بالدراسة الوصفية الممتازة لمحمد إبراهيم علي: اصطلاح المذهب عند المالكية، دار البحوث والدراسات بدبي، 2002. وقارن بكتابٍ قديم نسبياً هو التنظير الفقهي لجمال الدين عطية (1987).

    [15]) قارن: – Joseph Schacht, An introduction to Islamic Law (Oxford, 1964).

    Norman Calder: Studies in early Muslim Jurisprudence (Oxford 1993).

    وانظر رأياً مختلفاً حول ظهور الفقه وتطوراته الأولى: Harald Motzki: The Origins of Islamic Jurisprudence. Leiden 2002.

    وقارن عن هذه المرحلة المبكِّرة دراستيَّ؛ رضوان السيد: التدوين والفقه والدولة، نظرات في نشوء الفقه الإسلامي؛ بمجلة الاجتهاد عدد 2، شتاء العام 1989، ص5-38، ورضوان السيد: كتب السِيَر، وظهور مسألة الدارَين؛ في أعمال مؤتمر: تراث العرب والمسلمين في العلاقات الخارجية. إصدار معهد المخطوطات العربية. القاهرة 2003، ص415-435.

    يعتبر مؤرّخو الفقه الإسلامي أنّ تأخر ظهور القواعد الفقهية عن أصول الفقه أمر عادي. ولذلك يكتفون بتعديد أسماء وعناوين كتب القواعد والفروق والضوابط منذ الكرخي (-340هـ) وما بعد. مع أنّ بعضهم لاحظ وجودَ انفصامٍ بين القواعد الأصولية، والقواعد الفقهية المتعلقة بالمسائل العملية؛ قارن بجمـال الدين عطية: التنظير الفقهي، مرجع سابق، ص68-72، والشنتوف: القواعد الأصولية عند القاضي عبد الوهاب، مرجع سابق، ص32-36، ومحمد الروقي: القواعد الفقهية من خلال كتاب الإشراف، مرجع سابق، ص193-209، والباحسين: القواعد الفقهية، مرجع سابق، ص297-390، والندوي: القواعد الفقهية، مرجع سابق، ص57-157. والمعروف أنّ المجدّدين الكبار في القواعد والمصالح، اعتُبروا منشقّين لمخالفتهم أصول المذهب؛ من مثل الحنابلة: ابن عقيل والطوفي وابن تيمية.

    [16]) كان أستاذنا علي سامي النشار قد نشر أواخر الاربعينات أطروحتَهُ عن مناهج البحث عند المسلمين ونقد المنطق الأرسطي. ثم ظهرت رسائل السيوطي وابن الوزير في نقض المنطق الأرسطي، وهي تتضمن نقولاً واقتباساتٍ قديمة. بيد أنّ كتاب ابن تيمية: الرد على المنطقيين، يبقى أهمَّ ما صدر لهذه الناحية

    [17]) أبو زيد الدبوسي: تقويم الأدلة في أصول الفقه. قدم له وحققه الشيخ خليل المـيس. منشورات محمد علي بيضون، دار الكتب العلمية، 2001، ص406

    [18]) قارن عن ذلك الآمدي في الإحكام، م4/154-157، والحاصل من المحصول للأرموي. دراسة وتحقيق عبد السلام محمود أبو ناجي. دار المدار الإسلامي، 2002، 3/272-284. وانظر يوسف فان اس: بدايات الفكر الإسلامي، الأنساق والأبعاد. نشر الفنك. الدار البيضاء 2000، ص104-107. ولفان أس دراسةٌ مستقلةٌ عن العنبري، وهو فيما يبدو مُرجئٌ وليس معتزلياً كما يقول كُتّاب أُصول الفقه. وما ذكر فان أس الجاحظ في هذا السياق.

    [19]) قارن بابن الشيخ: مراعاة الخلاف في المذهب المالكي، مرجع سابق، ص217-219.

    [20]) جاء في الرسالة للشافعي (560 وما بعدها): “قال: فإني أجد أهل العلم قديماً وحديثاً مختلفين في بعض أمورهم فهل يسعُهُم ذلك؟ قال؛ فقلتُ له: الاختلاف من وجهين، أحدهما محرَّم ولا أقولُ ذلك في الآخَر. قال: ما الاختلاف المحرَّم؟ قلت: كل ما أقام الله به الحجة في كتابه أو على لسان نبيه منصوصاً بيننا، لم يحلّ الاختلاف فيه عن علمه… وأمّا ماكُلّفوا فيه من الاجتهاد فقد مثلْتُهُ لك بالقبلة والشهادة وغيرها..”. وقارن عن مسألة الاختلاف؛ الروكي: نظرية التقعيد الفقهي وأثرها في اختلاف الفقهاء، مرجع سابق، ص207-251.

    [21]) أبو هلال العسكري: الأوائل، تحقيق محمد المصري. دمشق، 2/124. وقارن بتحليلٍ واسعٍ للمسألة في كتابي: الأمة والجماعة والسلطة، بيروت 1985، ص147-150.

    [22]) هناك تقويماتٌ مخلتفةٌ لدى غير المتخصصين في الفقه لتجربة الشافعي، أشهرها في السنوات الأخيرة كتابات حسن حنفي ومحمد عابد الجابري ونصر حامد أبو زيد. بيد أنَّ كتاب أستاذنا الشيخ محمد أبو زهرة عن الشافعي ما يزال الأفضل لقراءة نظام الشافعي الفقهي من الناحية التقنية.

    [23]) انظر تقويم الأدلة للدبوسي، مصدر سابق، ص407-416. انظر: الاجتهاد للجويني (مستلّ من كتاب: البرهان في أصول الفقه) ط. دار الفكر، 1414هـ، ص36-45، وابن قيم الجوزية: إعلام الموقعين. نشرة مصر، 1/78-89. وانظر عن هذه المشكلة؛ ابن الشيخ: مراعاة الخلاف، مرجع سابق، ص221-242.

    [24]) قارن بالرسالة للإمام الشافعي. تحقيق أحمد شاكر، 1940 ص486-512.

    [25]) “الأصول التي عليها مدار كتب أصحابنا من جهة الإمام العالم العلامة أبي الحسن الكرخـي وذكر أمثلـتها ونظائرهـا وشواهدها للإمام نجم الدين أبو حفص عمر بن أحمد النسفي”؛ والرسالة على ص80-87 من الكتاب الذي بُدئ فيه بتأسيس النظر للدبوسي. نشر مكتبة الخانجي؛ وهي نشرة مصوَّرة عن الطبعة القديمة. وعلى النشرة أنها تمت عام 1994. وانظر: التنظير الفقهي لجمال الدين عطية، مرجع سابق، ص81.

    [26]) أصول الكرخي، مصدر سابق، ص85-86.

    [27]) قارن عن ابن بركة وفقهه وقواعده؛ زهران بن خميس بن محمد المسعودي: الإمام ابن بركة السُليمي البهلوي ودوره الفقهي في المدرسة الإباضية من خلال كتابه الجامع. ط1، 2000م؛ ص66-130.

    [28]) كتاب الجامع 1/578، 498، 2/75، 421-422، 543. وانظر كتاب المسعودي: ابن بركة، مرجع سابق، ص144-145.

    [29]) يتحدث كتّاب أصول الفقه عن طريقتين في كتابة الأصول: طريقة الشافعية والمتكلمين، وطريقة الفقهاء بعامّة بدءًا بالأحناف. قارن بمحمد أبو زهرة: أصول الفقه، ص10-15، وعبد الوهاب أبو سليمان: الفكر الأصولي، نشر مكة المكرمة، ص60-72، وجمال الدين عطية، التنظير الفقهي، مرجع سابق، ص25-40.

    [30]) قارن بأنور خالد الزعبي: ظاهرية ابن حزم الأندلسي، نظرية المعرفة ومناهج البحث، دار البشير بعمّان، 1996، ص120-126، 140-152.

    [31]) يقول القرافي في”الفروق”: 2/115:: القواعد الفقهية قواعد كلية جليلة القدر… مشتملة على أسرار الشرع وحكمه؛ لكل قاعدةٍ من الفروع في الشريعة ما لا يُحصى، ولم يُذكر منها شيءٌ في أصول الفقه أصلاً”.

    [32]) بدأ التأليف في الفروق الفقهية مبكراً أيضاً؛ قارن بكتاب الفروق للقاضي عبد الوهاب البغدادي المالكي (-422هـ/ 1030م)؛ وآخر لمعاصره الأصغر منه مسلم الدمشقي؛ انظر: الفروق الفقهية للقاضي عبد الوهاب وعلاقتها بفروق الدمشقي لمحمود سلامة الغرياني. دبي، 2003.

    [33]) يبدو أنّ ابن عقيل ذكر ذلك في كتابه: الفنون، الذي ضاع أكثره. والنقلُ هنا اقتباسٌ منه أورده ابن قيم الجوزية في الطرق الحكمية في السياسة الشرعية. دار الكتب العلمية. بيروت 1995، ص10-11. وكان الفقهاء قد اعتبروا المصلحة بأشكالٍ مختلفةٍ، كما سبق ذكره، ومن ضمن ذلك القاعدة الفقهية القائلة: “تصرف الإمام علـى الرعية منوطٌ بالمصلحة”؛ قارن بمحمـد الروكي: التقعـيد الفقهي، مرجع سابق، ص61 (نقلاً عن الأشباه والنظائر للسيوطي).

    [34]) أصول الكرخي، مصدر سابق، ص85(من تحت)(المراجع: عبارة غامضة).

    [35]) عز الدين ابن عبد السلام: القواعد الكبرى الموسوم بقواعد الاحكام في مصالح الأنام. تحقيق نزيه حمّاد وعثمان ضميرية. دار القلم بدمشق، 2000، م1، ص39: “الشريعة كلّها مشتملةٌ على جلب المصالح كلّها، دقّها وجلّها، وعلى درء المفاسد بأسْرها دقّها وجلّها. فلا تجد حكماً لله إلاّ وهو جلبٌ لمصلحةٍ عاجلةٍ أو آجلةٍ، أو درء مفسدةٍ عاجلةٍ أو آجلة”.

    [36]) ذكر ابن تيمية ذلك في الرد على المنطقيين، وفي المقالات المجموعـة في”نقض المنطق”. وقارن بعلاء الدين حسين رحّال: معالم وضوابط الاجتهاد عند شيخ الإسلام ابن تيمـية. دار النفائس بالأردن. 2002. ص132-147، 189-193.

    [37]) الشاطبي: الموافقات، مطبعة المنار بمصر، 1914، 1/38، 2/10. وعن علاقة القواعد الفقهية بالمقاصد؛ انظر جمال الدين عطية: نحو تفعيل مقاصد الشريعة. نشر المعهد العالمي للفكر الإسلامي. ط. دار الفكر بدمشق. 2001. ص206-209.

    [38]) جمال الدين عطية: التنظير الفقهي، مرجع سابق، ص74، ومحمد صدقي بن أحمد البورنو: موسوعة القواعد الفقهية، نشرة خاصة 1416هـ، م1، ص44-49.

     

    * ندوة تطور العلوم الفقهية في عمان خلال القرن الرابع الهجري “القواعد الشرعية نموذجا”.

    وزارة الأوقاف والشؤون الدينية _ سلطنة عُمان

    هذه المقالة تحتوي على تعليق (1)

    تعليق واحد ل “القواعد الأصولية والفقهية وضوابطها نظرة في التصنيف والتركيب”

    1. السكراتي مولاي عبد العزيز says:

      شكرا جزيلا ويبقى لي تعريف القاعدة الشرعية وجزاكم الله عنا خيرا

    أكتب تعليقك هنا

    نرجو أن تضع المادة أسفله
    الإسم
    إيميل
    موقع
    تعليقك