أصول القواعد الفقهية وضوابطها

أصول القواعد الفقهية وضوابطها*

الشيخ بالحاج محمد بن بابه

أستاذ الشريعة بمعهد الحياة، القرارة، غرداية، وعضو المجلس الإسلامي الأعلى بالجمهورية الجزائرية.

 

إنّ أجَلَّ العلوم وأوكدَها على الإطلاق في منظور الشرع وتقييم الله ورسوله؛ معرفةُ ما شرع الله لعباده مما أنزله في كتابه وأكرم به نبيّه من حكمته، وأشرف تلك العلوم الشرعية بعد القرآن وتفسيره ثمّ الحديث النبوي وشروحه؛ علم أو علوم الفقه والتفقه في الدين، الذي يوازن وقد يفوق الجهاد في سبيل الله، كما قال عز وجل: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِـفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمُ, إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾([1])، وقال الرسول e: «من أراد الله به خيرا فقهه في دينه وألهمه رشده».

وقد أصبح مجال التفاضل والتفاخر -إن جاز التفاخر في مجال العلم­- مدى تمكُّنِ العالِم من ناصية تلك القواعد الفقهية، على اختلاف مفهوم تلك القواعد وما صَدَقها، وإن كان التفقّه في الدين يقتضي جمع تلك القواعد على اعتبار كلّ معانيها دون تمييز أحد المعنيين أو الاعتبارين عن الآخر.

قد يكون مفهوم القواعد الفقهيّة قدرا مشتركا بين كلا الاعتبارين، وهذا القدر المشترك من المعنى هو ما يقوم عليه غيره، أو ما ينْبني عليه غيره، أو ما يتفرّع عنه غيره، أو ما يتولّد عنه غيره. فقد استُعملت القواعد في الأسس أو الأصول المادية كما قال U: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّآ إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾([2])، تثبيتا وإقامة لهذا أو ذاك البيت العتيق الذي قضى اللهُ وقدَّر أن يوضع للناس، يؤمّونه ويتّجهون شطره ويحجّونه إلى أن يشاء الله أو يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين.

وقال في عكس المعنى أو المقصد الأوّل في حال التخريب والخراب والدمار والتدمير: ﴿فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُم مِّنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ﴾([3]).

كما أطلق على المعنى لفظ “أسس” إذ قال: ﴿أَفَمَن أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَّن أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنـَّمَ﴾([4])، وقال: ﴿لَّمَسْجِدٌ اُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِن أوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَـقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يـَّتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾([5]).

وبذلك يتبيّن لنا أنّ القواعد والأسس مترادفات للدلالة على معنى واحد، أو بينهما قدر مشترك من المعنى بالنسبة لمن يمنع الترادف في اللغة، فيقال: قاعدة أو قواعد فقهية أو أساس أو أسس فقهية. كما قال الشيخ السالمي ـ رحمه الله ـ بعد أن ذكر جملة من تلك القواعد –كما سنذكره إن شاء الله- قال:

أما اليـقين فهْــوَ             لا يزيـلُهُ        إلا يقينٌ            مثلُه حصـــولُهُ

وإنّمــا الأمور               بالمقاصـــدِ        والضُّرُّ مرفوع           بـلا معانـدِ

ويُجلَبُ التيسيرُ             بالمشـقَّـــةِ        إذ ليس في الدين عذاب    الأمّةِ

وإنّ للعادة            حكما فعلــــى        ما قد   ذكرت أسس الفقه الأُلى

كما استعمل للدلالة على هذا المعنى لفظ “أصول” أو “الأصل”، كما قال الله U عن الكلمة الطيبة أنّها: ﴿كَشَجَرَةٍ طَيـِّبـَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَآءِ تُوتِي أُكْـلَهَا كُلَّ حِينِ بِإِذْنِ رَبـِّهَا﴾([6]).

وفي نفس المعنى للأصل أو الأصول قوله تبارك وتعالى: ﴿مَا قَطَعْتُم مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَآئِمَةً عَلَى أُصُولِهَا َفبِإِذْنِ اللَّهِ﴾([7]).

وبهذه المقارنة أو الموازنة اللفظية ندرك القدر المشترك من المعنى الجامع بين قول القائل العالم الفقيه أو الأصولي: “القواعد الفقهية، أو الأصول الفقهية، أو الأسس الفقهية”، وأنّها العلوم التي تُوَلِّد أو تكوّن في صاحبها قوّةً ودرايةً وملكةً لفهم النصوص الشرعية من القرآن والسنة فهما صحيحا يوصله إلى إدراك الحكم أو الأحكام الشرعية المقصودة من قبل الشارع -الله U أو الرسول e بإذن ربه- وأثر ذلك في أفعال المكلَّفين، فجعْلُ فعلِ العبد أو صفة من صفاته شرطا، أو سببا، أو مانعا، أو مجزئا، مبطلا لحكم شرعي، أو مفسدا له، أو مصححا له، أو أثر خطاب الشارع باقتضاء فعل من المكلفين اقتضاءً مؤكَّدا؛ بحيث يثاب على فعله ويعاقب على تركه، أو اقتضاء فعل غير مؤكَّد بحيث يثاب إذا فعل ولا يعاقب على الترك. وقد يكون أثر خطاب الشارع اقتضاء ترك من المكلف، إمّا اقتضاء ترك مؤكَّد فيثاب على الترك ويعاقب على الفعل، أو اقتضاء ترك غير مؤكَّد بحيث يثاب على الترك ولا يعاقب على الفعل. كما أنَّ أثر خطاب الشارع قد يكون مجرَّدا عن أيّ اقتضاء مفيدا تخيير المكلف بين الفعل أو الترك فلا يثاب على هذا أو ذلك، ولا يعاقب أيضا على الفعل أو الترك إلا بالنية. فالعلم أو العلوم التي تمكّن العالم أو المتعلّم من إدراك هذه الآثار سميت بـ: أصول الفقه، أو أسس الفقه، أو قواعد الفقه، بصفة مبدئية متفَّقٍ على القدر المشترك منها.

غير أنّ الباحثين والدارسين صنّفوا تلك القواعد أو الأسس أو الأصول الفقهية إلى صنفين أو مرتبتين متمايزتين متكاملتين:

أوّلا: الصنف الأول أو المرتبة الأولى: الأصول، أو الأسس، أو القواعد الفقهية القريبة التي تتعلّق غالبا باللفظ أو النصّ الشرعيّ ودلالاته اللفظية إمّا بمنطوقه أو مفهومه، وذلك ما اصطُلح على تسميته غالبا بأصول الفقه أو الأصول القريبة والتي يتعيّن على كلّ طالب علم بعلوم الشريعة أن يلمَّ أو يحيط بها علما، وتلك مباحث دلالة الألفاظ مثل: دلالة الأمر على الوجوب عند تجرّده عن القرينة وصرفِه بالقرينة إلى غير الوجوب. ودلالة النهي على الحرمة إذا تجرّد عن القرينة وصرفِه إلى معاني أخرى بالقرينة. وكذا دلالتهما على الفور أو التراخي، وعلى المرّة أو التَّكرار، وعلى الاجتزاء والبطلان والفساد. وكذلك مباحث العامّ والخاصّ، والمطلق والمقيَّد، والمجمل والمبيَّن، ودلالة المنطوق والمفهوم بقسميه مفهومٌ موافِقٌ أو مخالِفٌ، ومباحث الإجمال والبيان وورودهما مقترنين أو مفترقين، متزامنين أو متباعدين، إلى غير ذلك من المباحث اللفظية لفهم النص الشرعي من الكتاب أو السنة، زيادة على المباحث الخاصة بالسنة من حيث سندُها، وتصنيفُها، ومراتبها، وعللها، وعلاقتها بالقرآن، كلّ ذلك اصطُلح على تسميته عند الجمهور -جمهور المؤلفين والدارسين- “بأصول الفقه القريبة”، وذلك قدر مشترك قد يشترك ويتساوى فيه وقد يتّفق عليه جميع طلبة أو علماء الشريعة لفهم القرآن والسنة، بل قد يتّفق معهم في ذلك علماء اللغة؛ لأنّ معظم تلك القواعد معهودة عند العرب في فهم دلالات ألفاظ لغتهم، مثل إدراك دلالة الحقيقة والمجاز، وفهم الكناية والاستعارات، ودلالة اللفظ بمنطوقه ومفهومه الموافق أو المخالف، ودلالة العام والخاص، والمجمل والمبيّن، وغير ذلك مِمَّا هو معهودٌ ومعروفٌ عند العرب، وقد نزل القرآن بلغتهم: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾([8])، وإن لم يدوّنوها عِلْمًا مستقلاًّ يدرس إلا بمبادرة وسبق من الإمام محمّد بن إدريس الشافعي، كما لم تُدوَّن قواعدُ النحو علما مستقلاًّ إلا بمبادرة من أبي الأسود الدؤلي ومباركة من الإمام علي بن أبي طالب –كما يروى-، فتلك القواعد أو الأصول القريبة مِمَّا نجده عند معظم الذين ألّفوا وصنّفوا كتبا أو رسائل أو دراسات في العلوم الشرعية، إلى جانب دراسات القرآن من تفسير وعلوم القرآن، ودراسات السنة –جمعا وتصنيفا- مثل السنن والصحاح المشهورة، وذلك ما نجده أو احتوى على الشيء الكثير منه جامع الإمام ابن بركة، أو ما عُثر عليه –إن عُثر عليه فعلا- من متروك عمروس بن فتح –رحمهما الله وجميع أئمة العلم وعلماء الإسلام والمسلمين الأوفياء الأبرار الراضين المرضيين-.

ثانيا: أمّا الصنف الثاني من القواعد الفقهيّة وهو بيت القصيد من هذا التدخّل -إن قبلتموه-؛ فهو ما عُبِّر أو ما يعبَّر عنه بـ: الأصول البعيدة، أو الأصول الكبرى، أو القواعد، أو الكليات، أو الثوابت الشرعية الإسلامية، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون، ويتبارى المتسابقون، ويتباين ويتمايز العارفون بها ويتفاضلون، ويرفع الله به بعضهم فوق بعض درجات، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، ويرفع به بعضهم فوق بعض مقامات عليا. فمثل هذه القواعد لا تُدرك عن طريق المباحث اللغوية اللفظية كما تُدرك القواعد والأصول القريبة آنفة الذكر، وإنّما تُعرف وتُدرك بطول الممارسة والدراسة واستقراء الأحكام الشرعية من مجموع نصوصها المتنوعة أو المتكرّرة تنوّعا وتَكرارا متعدّدا أو متنوّعا في اللفظ، غير أنّه لا يخرج عن القدر المشترك من المعنى؛ بحيث يتكوّن من مجموع ذلك القدر المشترك من المعنى بين تلك النصوص معنى كلّيٌّ عامٌّ يصبح -بعد استقراء تلك النصوص وجمع ما يُجمع بينهما أو ما تتّفق عليه من معنى- قاعدة عامّة شاملة تعمّ تلك الصور والحالات الجزئية الواردة في حقّها نصوص، وتعمّ أو تنطبق على ما لا يتناهى من الأحوال والصور الواقعة أو المتوقعة في معاملات المكلّفين جميعا، حتّى يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين. وذلك ما يعطي الشريعة الإسلامية صفة العموم والشمول، وصفة المرونة والصلوحية لجميع الأزمنة والأمكنة، وإقامة الحجّة على كلّ من يصلح لتوجيه الخطاب إليه من المكلّفين من الثقلين -من الجنّ والإنس- ويتحمّلون مسؤولية التكليف حتى ينقطع عذرهم عند الله U كما قال: ﴿رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةُ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾([9]).

ولعلّ من المفيد لنا أن نضرب مثالا أو مثالين لهذا الصنف من القواعد الفقهية، أو الأصول البعيدة، أو الكليات الكبرى للفقه، كيف توصّل إليها العلماء الربانيّون من خلال جمع النصوص المشيرة إليها أو الدالّة عليها، فاستقرؤوها استقراءً حتى تحصّلوا منها على مثل هذه القواعد ثمّ طبقوها، ويجب أن تُطبَّق تطبيقا تنازليا وتـفريعيًّا على ما لا يتناهى من جزئيات وفروع حياة الناس أبدَ الدهر إلى نهاية التكليف بقيام الساعة، أو برفع القرآن كما قيل وَوَرد في الأثر. فمن ذلك:

1ـ قاعدة أو أصل يسر الدين أو يسر الشريعة السلامية – جملة وتفصيلا-، هذا أصل كبير من أصول الشريعة وفقهها، وكلّيٌّ من كلّياتها، وقاعدة من قواعد الفقه الكبرى وأصولها البعيدة، توصّل إليها العلماء، أو يتوصّل إليها الدارس عندما يستعرض ويستقرئ ويستقصي ويستنطق النصوص التالية بمنطوقها ومفهومها ودلالتها الفرعية أو البعيدة، من مثل قول الله U في مجال الصوم – صوم رمضان – ونحن فيه اليوم قال: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾([10]).

ثم قال: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ، وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّن أَيَّامٍ أُخَرَ، يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾([11]).

وفي باب الطهارة للصلاة بعد آية الوضوء طهارةً صغرى قال: ﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُواْ وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاء أَحَدٌ مَّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ مَا يُرِيدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهَّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾([12]).

وفي سياق محرَّمات الأكل يقول: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيـَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَآ أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُوا بِالأَزْلاَمِ ذَالِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسلام دِينًا فَمَنُ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾([13]).

وفي سورة الانشراح والامتنان على نبيئه e يقول: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾([14])، فقال النبيّ e: «لن يغلب عسر يسرين».

في عموم القرآن حفْظُه والتذكُّر به- فهما وخُلُقا وسلوكا- قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْءَانَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ﴾([15]).

وقال: ﴿وَمَن يَّـتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا﴾([16]). إلى غير ذلك من آيات أخرى كثيرة ورد فيها ذكر اليسر والتيسير أمرا أو وصفا أو إرشادا، دعّمها النبيّ e ببيانه وهديه القوليّ والعمليّ مثل قوله: «إنّما بُعثتم ميسرين ولم تُبعثوا معسّرين». وقال: «يسّروا ولا تعسّروا، وبشّروا ولا تنفّروا». وقال: «إن هذا الدين يسر فأوغلوا فيه برفق». وقال: «لن يشادَّ أحدٌ هذا الدين إلا غلبه». وقالت عائشة t: “ما خُيِّر رسول الله e بين أمرين إلا اختار أيسرَهما ما لم يكن إثما”.

وأمره وشأنه وسلوكه مع أصحابه – رجالا ونساء- رضي الله عنهم يوم حَجَّة الوداع، وهم يتعلَّمون منه ويأخذون عنه مناسكهم وقد قال لهم: «خذوا عنّي مناسككم»، وكان منهم تقديم أو تأخير بعض شعائر ومناسك اليوم العاشر يوم النحر: بين رمي ونحر وحلق، فكان إذا سئل عن شيء منها قُدِّم أو أُخِّر عمّا قبله أو عمّا بعده -عن غير عمد- إلا قال: «افعل ولا حرج». وجاء في القرآن وصفُ النبيّ e كما هو مكتوب عنه في التوراة والانجيل ﴿وَيَضَعُ عَنْهُم إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ التِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾([17]).

وكذا موقفه e مع أعرابيٍّ جلفٍ دخل المسجد النبويَّ، وبمحضر النبيّ e وأصحابه t، فقام هذا الأعرابي فبال في ناحية من المسجد، فقام إليه الصحابة لِيَزْرِموه – يقطعوا عنه بوله عتابا- فقال لهم النبيّ e: «دعوه لا تزرموه»، حتّى انتهى من بوله فدعا النبيّ e بذَنُوب من ماء أو دلو من ماء فأهريق على البول، ثمّ أقبل على الأعرابيّ يعلمه ويهديه، ويرشده بالتي هي أحسن وبالحكمة والموعظة الحسنة قائلا: «إن هذه المساجد بيوت الله للذكر والصلاة لا يصلح فيها شيء من هذه القذورات». أو كما قال u.

فمن استقرأ وتتبّع كلّ هذه النصوص في هذه الأحوال، من أقوال وأفعال-وغيرها كثير- فإنّه يتجمّع عنده من العلم الثابت، واليقين الراسخ والقناعة والاطمئنان إلى أنّ اليسر أصل كبير من أصول الدين والتشريع الإسلاميّ، وثابت من ثوابته، وكليّ من كلياته، وقاعدة من قواعده الكبرى الثابتة أبد الدهر، وهو من الأصول البعيدة الضاربة في البعد إلى أعماق التاريخ الإنسانيّ، ويجب مراعاتها في كلّ أحوال المكلَّفين من هذه الأمَّة رجالا ونساء، أحرارا وعبيدا، أغنياء وفقراء، حكّاما ومحكومين، فيما لا يتصادم مع النصوص القطعيّة.

فعلى سبيل المثال عندنا في المذهب يُشترط في إفطار الصائم لسفر أو مرض تبييت النية من الليل، وهذا الشرط وضعه العلماء بمحض اجتهادهم سدّا لذريعة التلاعب من بعض الأغرار من الصبيان، أو ضعاف الإيمان، ولم يرد في ذلك نصٌّ صريح كما ورد في الصوم: «لا صوم لمن لم يبيّت النية من الليل». والأخذُ بسدّ الذرائع- جلبا أو دفعا- أصلٌ معتمَد شرعا في كثير من الفروع والمسائل الجزئية. لكن ونحن اليوم نعيش وسط العالم المزدحم بوسائل النقل والمواصلات السريعة وما ينجم عن ذلك من حوادث المرور الفجائية -وما أكثرها بمئات الآلاف- فإذا بصائم امتطى سيارته آمنا مطمئنا غير عازم على الإفطار وأمسك، ولكن أثناء سفره وقع له حادث مرور وكان من ضحاياه فأصابه جرح بليغ أو كسر مبين؛ مِمَّا يقتضي علاجه إفطاره، فهل يُمنع من ذلك الإفطار لمرض بدعوى عدم تبييت النية من الليل، ويُلزم على مواصلة وإتمام الصيام رغم ما يقاسيه من آلام الحادث وجراحه؟، أوَلا يُؤذن ولا يُسمح له إلا بتناول ما يُمسك به رمق الحياة دون الموت وإسلام روحه لباريها، مع إلزامه قضاء يومه بعد ذلك عند البرء والشفاء؟.

كلا إنّ أصلَ وقاعدةَ وكلِّيَّ اليسر في الشريعة المقرَّر في خصوص هذا الموضوع -موضوع الصيام- بقول الله U: ﴿وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّن أَيَّامٍ أُخَرَ، يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾([18]). إنّ هذا يقتضي أن يؤذَن لهذا المسافر المريض مرضا مفاجئا بحادث المرور أن يُفطر -مع عدم تبييت النية من الليل- إذْ كان حادثا غيبيًّا عند الله لا يعلمه إلا الله U؛ مِمَّا لم يمكن ولا يمكن تبييتَ نيّةٍ له من الليل.

من هذا المنظور التشريعي ومن هذا الاستقراء وُضعت إحدى كبريات القواعد الفقهية الكبرى، أو أحد الأصول الفقهية البعيدة، أو إحدى كليات الشريعة الإسلامية وصيغت في جملة واحدة مركّبة من ثلاث كلمات تقول: “المشقّة تجلب التيسير” هكذا يحفظها ويعقلها العالم والمتعلّم، الذكر والأنثى، والحرّ والعبد، والحاكم والمحكوم، ويطبّقها في حدود المشقّة -المعتبَرة شرعا- وهي كلُّ مشقَّة زائدة على المعتاد في تأدية ذلك الحكم الشرعيّ. حتّى إنّه يُحكى عن بعض أئمّة المذاهب وكأنّي به أبو حنيفة أنّه قال: “لو شاكتني شوكة لأفطرت لها”، وإن كنّا نتوخّى الوسطيّة في كلّ شيء فلا إفراط ولا تفريط، فلعلّ قول أبي حنيفة -على فقهه- لا يليق بعامة الناس. كما أنّه ليس من الفقه أو الدين في شيء أن يُضطرَّ ولدٌ في بداية تكليفه صام أوَّل رمضان له في أطول أيام السنة صيفا، وفي منطقة من أحر المناطق الاستوائية أو قريبا منها وقد فاته السحور بغلبة النوم عليه صبحا، فواصل صومه حتّى أدركه الزوال، فزاغ بصره، وتبدّلت في عينيه الأرض غير الأرض والسماء، وشكا أمره إلى أمّه وأشفقت لحاله -فعلا- إذ أصبح في حال غير عادية بالنسبة لجميع الصائمين، فاستفتت مفتِيَ بلدها المرّةَ الأولى، فلم يفت له بجواز الإفطار، وفي المرة الثانية وفي المرة الثالثة من اليوم نفسِه، وتفاقم الخطر على الطفل، وما رجعت الوالدة من عند الشيخ المفتي الرافض لرخصة الإفطار بدعوى أنه لم يبيّت النية من الليل حتّى وجدت كبدها -ولدها- قد أفضى إلى ربّه ميتا، لفظ أنفاسه وصعدت روحه لبارئها، نتيجة الغلوّ في الدين وجهل الشيخ المفتي لهذا المقصد الهامّ، أو هذا الكليّ العام، أو القاعدة الكبرى، أو الأصل البعيد للشريعة الإسلامية: “المشقة تجلب التيسير” أو ﴿يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾([19])، ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾([20]).

2- ولا بأس بزيادة مثلٍ ثان لطريقة استنباط واستفادة واستخلاص هذه القواعد الفقهية أو الكليّات العامّة أو الأصول البعيدة للشريعة الإسلامية، وهي أصل: “رفع الضرر” أو “الضرر يزال” أو “لا ضرر ولا ضرار في الإسلام”: قال الله U في حقّ الأولاد وتربيتهم ورعايتهم -رضاعا وحضانة وكفالة ونفقة -رزقا وكسوة- قال في حقّ كلّ ذلك: ﴿وَالْوَالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُّتِمَّ الرَّضَاعَةَ، وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا، لاَ تُضَآرَّ وَالِدَةُ بِوَلَدِهَا، وَلاَ مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ، وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَالِكَ﴾([21]).

وقال في شأن الأسرة والشِّقاق والنشوز فيها وما قد تؤدّي إليه من فرقة بالطلاق، وفي خصوص حقّ النساء المستضعفات غالبا: ﴿وَلاَ تُضَآرُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ﴾([22]).

وقال في سياق الحديث عن توزيع تركة الميّت على ورثته في آيات الميراث، فبدأ ورتّب الميراث بعد الديون والوصية فقال: ﴿مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَآ أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَآرٍّ﴾([23]).

وآيات الضرورة والاضطرار واردة كلّها في هذا النسق وهذا السياق: ﴿فَمَنُ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾([24])، ﴿فَمَنُ اُضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ رَبـَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾([25])، ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُم إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾([26]).

ومن مثل هذه الآيات -وغيرها كثير- صاغ النبيّ e أو أضاف إليها حديثَه مؤكّدا لها بقوله: «لا ضرر ولا ضرار» وفي رواية: «في الإسلام»، فأصبح قاعدة كبرى في الإسلام، وأصلا من الأصول البعيدة للفقه، وكُلّيا من كلّيات الدين الإسلامي، ومبدَءا من مبادئ الشريعة الإسلامية التي اقتبست مَبْدَءً من مبادئ التقنين، وأنّ: “الضرر مرفوع”، أو أنّ: “الضرر يزال”.

فلا ضرر ولا ضرار بين أفراد أسرة واحدة، ولا ضرر ولا ضرار بين الزوج وزوجته، ، ولا بين والد وولده، ولا بين أخ وأخيه، ولا بين جار وجاره، ولا بين شريك وشريكه، ولا بين مستأجِر وأجيره، ولا بين حاكم ورعيّته، ولا بين جندي وقائده، ولا بين دولة وأخرى مهما عظُمت أو صغُرت، وكلّ ضرر حادث وجب رفعه سواء في الأموال أو الأبدان أو الأعراض، بالضرب على أيدى الظالم المُضارِّ مهما كان وأيًّا كان، حتى قال النبيّ e: «والذي نفس محمّد بيده لو أنّ فاطمة بنتَ محمّد سرقت لقطع محمّد يدها» تطبيقا لقاعدة “لا ضرر ولا ضرار” أو “الضرر يزال” وما تفرّع عنها من قواعد فرعيّة نابعة منها أو تابعة لها ممّا هو معلوم في محالِّه ومَظانِّه.

بهذه القواعد التي حصرها البعض في خمسِ أو ستِّ قواعدَ بضميمة قولهم: “الأمور بمقاصدها” أو “الأعمال بالنيات” وهي الأولى في الترتيب المعهود، وقولهم: “الشكّ لا يرفعُ اليقينَ” أو: “اليقينُ لا يرتفع-أوْ لا يزول- بالشكّ” أو: “اليقينُ لا يرفعه إلا يقينٌ مثلُه”، و: “العرف- أو العادة- مُحكَّمةٌ”، وذلك ما أجمله الإمام الشيخ السالمي – ـ رحمه الله ـ- في شمس الأصول في قسم أو كتاب الاستدلال فيه عند ذكره القواعد الفقهية إذ قال في الخاتمة، في قواعد الفقه كما سبقت الإشارة إليه:

أمّا اليـقين فهْــو             لا يزيـلهُ        إلا يقينٌ مثلُه            حصــولُهُ

وإنّمــا الأمور               بالمقاصــدِ        والضرُّ مرفوعٌ بـلا           معانـدِ

ويُجلَب التيسيرُ             بالمشـقَّــةِ        إذ ليس في الدين عذاب    الأمَّةِ

وإنّ للعادة حكما            فعلـــى        ما قد ذكرت أَسَّسَ الفقهَ   الأُلى

غير أنّ تفريع تلك القواعد أوصَلَها إلى عشرات كادت تناهز المائة قاعدة، كما هي مبيَّنةٌ في الكتاب القيّم “شرح القواعد الفقهية” للشيخ أحمد محمّد الزرقاء، إخراج وتصحيح وتصفيف ابنه مصطفى الزرقاء، وتلميذه عبد الفتاح أبو غدّة، وقد أنهوها إلى تسع وتسعين (99) قاعدة، فما أجدرنا -معشر المشتغلين أو المولعين بالدراسات الشرعية، والتفقه في الدين ابتغاء ما عند الله من خير وفضل- أن نحرص على تحصيل مجموعِ هذه القواعد استيعابا ووعيا وفهما، حتّى تتكوّن فينا ملكة الفقه أو التفقّه في الدين حقًّا، تؤهّلنا لإنذار قومنا، كما قال الله U: ﴿وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُم إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾([27]).

على أن لا نقف عند حدّ الإنذار، بل نفتح لأقوامنا أبوابا واسعة من البشارات، والتبشير بصلوحية هذه القواعد لهذا الدين الخاتم الذي ارتضاه الله لعباده جميعا دينا، ورحمة للعالمين، وأتمّ به نعمته على مخلوقاته ولم يرض ولن يرضى ببديل عنه؛ لأنه الوحيد الصالح والشامل لكلّ متطلبات الثقلين والعالمين جميعا، عبْر كلِّ مراحل وأطوار وأنماط حياتنا دنيا وأخرى، حتى يغدوَ الإسلام بكتاب الله وسنة رسوله إمامَ العلم وإمامَ العلماء المعاصرين جميعا تبعا له مستنيرين به، واثقين بصدق معلوماته وحقائقه، حتى يتحقّق قول الله U: ﴿سَنُرِيهِمْ ءَايَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُم أَنـَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبـِّكَ أَنـَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ أَلآَ إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَآءِ رَبـِّهِم أَلآَ إِنـَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطٌ﴾([28]).

أيها السادة، إنّ القواعد الفقهية، أو الأصول الكبرى، أو الأصول البعيدة، أو الكليات العامة للشريعة الإسلامية بهذا التصوّر أو ذلك المفهوم هو قمّة الهرم للعلوم الشرعية، لا يصل إليها إلاّ الفحول من أمثال ابن بركة أو عمروس بن فتح –إن وصلا إلى ذلك- كما وصل إليها كبار الصحابة y أمثال أبي بكر t في مواقفه يوم وبُعيْد وفاة النبيّ e من الوقائع المستجدة بذلك، ومثل عمر بن الخطاب t أيام خلافته واتّساع رقعة الدولة الإسلامية وتنوّعها جغرافيا واقتصاديا وبشريا، وما يقتضي ذلك من إدماج كلّ ذلك في بوتقة الإسلام الصحيح، دون غلوّ أو إفراط، وكذا الإمام عثمان والإمام عليّ اللذان لم يكونا أقلّ من صاحبيهما أو سلفيهما حتّى أصبح عليٌّ مضرب المثل في حلّ معضلات المشاكل، إذ يقال عند أو بعد غيابه: “قضيّةٌ ولا أبا حسن لها”. وعلى مِنوالِهم نسج كبار الأئمة المبرزين، وكبار تلاميذهم الوارثين، فكانوا خير خلف لخير سلف، تسلّموا الأمانات كاملة، وأدَّوْها كاملة كما أُمروا وفق قول الله U: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعا بَصِيرًا﴾([29])، وَوِفق قول النبيّ e: «نضّر الله امرؤا سمع منّي مقالةً فوعاها وبلّغها كما سمعها فربّ مبلّغ أوعى من سامع، وربّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه، وربّ حامل فقه ليس بفقيه». ولعلّ هذا الصنف يتمثّل في معظمنا معشر الحاضرين أن حفظنا بعض مسائل فقهية فرعية، أو أحاديث نبوية، حفظناها ولمّا نتمكن من ناصية الملكة الفقهية وقواعدها، فأصبح بعض المتأخِّرين يهرفون بما لا يعرفون، يجترّون أو يردّدون قول فلان أو فلان دون فقه أو وعي لما يَرْوُون أو يحفظون. وقد ضرب الله مثلا ولبئس مثل السوء: ﴿مَثَلُ الذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الذِينَ كَذَّبُوا بِئَايَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِين﴾([30])، وهم يحسبون أنّهم يُحسنون صنعا، فضلُّوا من قَبْل وأضلُّوا كثيرا وضلُّوا عن سواء السبيل، أنْ يأخذوا بطرف من ظاهر اللفظ الوارد عن الشارع – وقد يكون منقولا عنه – اعتبارا لجواز رواية الحديث بالمعنى – دون اللفظ – للعارفين بحقائق ومدلولات الألفاظ – وهم دون ذلك- فيحمّلون اللفظَ ما لا يحتمله دون نظر إلى مقاصده وأبعاده الشرعية، فيوقعه ذلك في الطامّة الكبرى – هلاكا وإهلاكا- إذ لم ير إلاّ من سَمِّ الخياط الذي ينظر منه هذا الناظر؛ حيث لم يتحصّل على المرآة المكبّرة الجامعة التي يعلو بها صاحبها على رَبوة أو على طائرة يشرف بها على أوسع رقعة أو نطاق تمكن رؤيته بذلك المنظار المكبِّر، فيرى جبال الأرض، وسهولهَا، وأنهارَها، وبحارَها، ومحيطاتِها، أو شوارعَ المدينة الكبرى مدينةِ الشريعة، وأنْهُجَها، وأزقّتها، وممرّاتِها النافذة، والممرات غير النافذة؛ حتى تتعيّن له وتتحدّد أمامَه القصور، والُدور، والساحات، والبيوت، بل حتّى البيوتات الصغيرة، والأكواخ القزديريّة، والخيام في الحواضر والأرياف.

ذلك هو المثل الذي ضربه العارفون لمن يصدر -في علمه وفقهه- عن معرفة واسعة راسخة بتلك القواعد الفقهية، أوالأصول البعيدة للفقه والشريعة؛ حتّى يغدو ذلك ملكةً أصيلة متمكِّنة، ملازمة له أينما حلّ أو ارتحل، يعبر معه البحر، والنهر، والسهل، والصعب، ويعمرَ به المسجدَ والناديَ، والسوق، والملعب، وتعلوَ أو تعرجَ معه إلى السماء والفضاء الخارجيّ، وينـزل معه ويغوص به أعماق البحار والمحيطات.

فأين نحن؟ أو أين بعض المتفيقهين فينا من ذلك؟.

فلنتقّ الله عباد الله في دين الله، فالدين النصيحة لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمّة المسلمين، وعامّتهم، فلا نقوّل الله ورسوله ما لم يقولا، ولا نضيّق على المسلمين ما وسّع الله لهم فيه، ولا نفتح عليهم أبواب التهلكة ممّا لم يأذن به الله ولا رسوله فرحا بما عندنا من علمٍ ما أنزل الله به من سلطان، لا يسمن ولا يغني من جوع، اعتبره الله U في حكم العدم إذ قال: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾([31])، وقال: ﴿وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً﴾([32])، ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾([33]).

ولنأخذ إذن هذا العلم المتميّز بالقواعد الفقهية -باصطلاحها الخاص-، أو هذه الأصول الفقهية البعيدة، أو الأصول الكبرى، أو العلم بالكليات والمقاصد الشرعية من مظانّها ومواقعها، بقطع النظر عن المصدر، أو المرجع، أو المؤلّف، إذْ إنّها قدر مشترك متّفَق أو مجمَع عليه بين علماء المذاهب في الأمّة الإسلامية قديما وحديثا ومستقبلا، إذْ هو روح الدين الإسلامي وقوام الشريعة الإسلامية، لا يتنازع فيها اثنان ولا يتناطح عليها عنـزان -كما يقال-، وهي ضالّة كلّ مسلم مؤمنٍ بأنّ الشرع قائم على حِكَم لا يعقلها إلا العالمون، والحكمة فضل من الله يؤتيه من يشاء: ﴿يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَّشَآءُ، وَمَنْ يُّؤتَ الْحِكْمَةَ فَقَد أوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إلآَّ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ﴾([34])، “والحكمة ضالّة المؤمن أنّى وجدها التقطها فهو أحقّ بها”، فكما نتصيّدها من بحر أو محيط ابن بركة أو عمروس فنحن أولى بذلك ما وجدناها عندهم، فلا يمنعنا ذلك أن نتصيّدها أيضا من بحر أو محيط الشاطبي من موافقاته، أو بحر أو محيط ابن نُجَيم والسيوطيّ من أشباههما ونظائرهما القيّمين، أو من بحر أو محيط الزُّرقا -والدا وولدا وتلميذا- من قواعدهم وشرحها -نقلا لها وتوسّعا فيها-، وعسانا نجد منّا أو فينا، أو من غيرنا، أو عند غيرنا، مثل ذلك، أو ما يقرب من ذلك، أو يفوق ذلك، ممّن سبقونا أو سبقوهم، أو مِمّن جاءوا، أو سيأتون من بعدهم، أو من بعدنا، فلا يمنعنا تقدُّم الزمان أو تأخُّره الاستفادةَ من الجميع، كما هو الشأن في سائر العلوم الكونية البشرية التي قيل عنها: “نهاية الأوائل بداية الأواخر”، شَرْطَ الالتزام بالإطار الحاجز الحصين المانع من الضلال، والاهتداء بالنور المبين الهادي في ظلمات البر والبحر -نور السماوات والأرض- إنّه نور الله الذي أنزله على قلب محمد e ﴿كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فيِ زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ، نُّورٌ عَلىَ نُورٍ يَهْدِي اللهُ لِنُورِهِ مَنْ يَّشَآءُ وَيَضْرِبُ اللهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾([35]). فلا بدّ من التقيّد بهذا الإطار، ومن الاستنارة بهذا النور في مسيرتنا العلمية، فنتقبّل كلّ ما يأتينا به العلم الدينيُّ التشريعيُّ، أو العلم الدنيويُّ -أيًّا كان مجاله-، ما لم يتصادم تصادما صريحا مع النصوص القطعية القرآنية الصريحة، أو النصوص السنية الصحيحة، وقد أُمِرنا بالاعتصام بهما: ﴿وَمَنْ يَّعْتَصِم بِاللهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلىَ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾([36]).

هدانا الله وإياكم إلى صراطٍ مستقيمٍ ﴿صِرَاطِ اللَّهِ الذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ أَلآَ إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأمُورُ﴾([37]).


[1]) التوبة، آية 122.

[2]) البقرة، آية 127.

[3]) النحل، آية 26.

[4]) التوبة، آية 109.

[5]) التوبة، آية 108.

[6]) إبراهيم، آية 25.

[7]) الحشر، آية 5.

[8]) إبراهيم، آية 4.

[9]) النساء، آية 165.

[10]) البقرة، آية 184.

[11]) البقرة، آية 185.

[12]) المائدة، آية 6.

[13]) المائدة، آية 3.

[14]) الشرح، آية 5-6.

[15]) القمر، آية 17.

[16]) الطلاق، آية 2.

[17]) الأعراف، آية 159.

[18]) البقرة، آية 185.

[19]) البقرة، آية 185.

[20]) الشرح، آية 5-6.

[21]) البقرة، آية 233.

[22]) الطلاق، آية 6.

[23]) النساء، آية 12.

[24]) المائدة، آية 3.

[25]) الأنعام، آية 145.

[26]) الأنعام، آية 119.

[27]) التوبة، آية 122.

[28]) فصلت، الآيتان 53-54.

[29]) النساء، آية 58.

[30]) الجمعة، آية 5.

[31]) الروم، آية 6-7.

[32]) الإسراء، آية 85.

[33]) يوسف، آية 76.

[34]) البقرة، آية 269.

[35]) النور، آية 35.

[36]) آل عمران، آية 101.

[37]) الشورى، آية 53.

 

*ندوة تطور العلوم الفقهية في عمان خلال القرن الرابع الهجري “القواعد الشرعية نموذجا”.

وزارة الأوقاف والشؤون الدينية _ سلطنة عُمان.

هذه المقالة تحتوي على لا تعليق

أكتب تعليقك هنا

نرجو أن تضع المادة أسفله
الإسم
إيميل
موقع
تعليقك