ظهور القواعد الفقهية من منظور مقارن

ظهور القواعد الفقهية من منظور مقارن

أ. د.وهبة مصطفى الزحيلي.

كلية الشريعة _ جامعة دمشق.

مقدّمة:

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على إمامنا رسولِ الهدى، وعلى آله الطيّبين الطاهرين وصحابته الغرّ الميامين، وبعد:

فإن البحث في تاريخ نشوء القواعد الفقهية الشرعية الكلية أو الفرعية دقيق، وممتع، ومفيد جدا في صقل وإغناء الملكات الفقهية، وضبط مجموعة من المسائل التي تندرج تحت ضابط فقهي أو قاعدة كلية.

والضابط الفقهي أضيق نطاقا من القاعدة الفقهية، فهو محصور في موضوع فقهي واحد، ويجمع فروع باب فقهي واحد.

والقاعدة اصطلاحا هي: “قضية كلية منطبقة على جميع جزئياتها”، أو هي: “حكم أغلبي ينطبق على معظم جزئياته”، كما جاء في “كليات أبي البقاء العكبري”، وكتاب “القواعد” لأبي عبد الله محمد المقَّري المالكي، و”كشاف اصطلاحات الفنون” للتهانوي، وعند العلامة سعد الدين التفتازاني في “التلويح على التوضيح”، والجرجاني في كتاب “التعريفات”، وحاشية الحموي “غمز عيون البصائر” على الأشباه والنظائر لابن نجيم، و”تهذيب الفروق” و”الأشباه والنظائر” للسيوطي.

والقواعد تختلف عن النظريات الفقهية، فهي مبادئ وضوابط فقهية يتضمن كل منها حكمًا عامًّا أو أغلبيا في العبادات والمعاملات، أما النظريات فهي نظام موضوعي في الفقه يشمل عدة أبواب فقهية، كأحكام البيوع والمعاملات، أو الجنايات والحدود، أو أحكام الأسرة.

والقواعد برزت في بدايتها في اجتهادات أئمة المذاهب المختلفة السنية والشيعية، وفي التعليلات والأدلة الفقهية، سواء المذاهب الكبرى أو المذاهب التي انقرض أتباعها مثل الطبري والأوزاعي والليث بن سعد وغيرهم. إلا أن تلاميذ أتباع المذاهب الكبرى، الإباضية على نهج جابر بن زيد، والزيدية، والإمامية، والحنفية والمالكية، والشافعية والحنابلة، صقلوا صياغة القواعد وطوّروها في اتّجاه عام أو مقارن، حتى صارت بمثابة قوانين، في عبارات مكثفة جزئية، وأبدعوا في إيراد دراسات مستفيضة، وتصانيفَ كبيرةٍ ومستقلّة مدعومة بالأمثلة والتطبيقات، كما يتجلّى في محاور هذا البحث:

–                   الصبغة المذهبية في بداية نشوء القواعد.

–                   الاتجاه المقارن فيها، أو الجامع لمناهج المذاهب المختلفة.

–                   الأمثلة والتطبيقات.

–                   حصاد التقعيد في آفاقه العامة.

الصبغة المذهبية في بداية نشوء القواعد

تعتزّ الأمة الإسلامية برصيدها الكبير ومنجمها الغنيّ بالثروة الفقهية النادرة والشاملة لكلّ مناحي الحياة الخاصة والعامة، في العبادات والمعاملات والعقوبات والجنايات والعلاقات المحلية والخارجية أو الدولية.

وكانت بداية الفقه الاجتهادي ظاهرةً في مرحلة مبكرة في العهد النبوي، وعصر الصحابة والتابعين، وعلى ألسنة المجتهدين في التعليل والاستنباط، وأثمرت خصوبة الفقه وازدهار الاجتهاد. لا سيما في حركة تقعيد القواعد، ووضع الضوابط الفقهية.

وقد بدأ نموّ ظاهرة القواعد الفقهية في القرن الثاني الهجري، وكان المجتهدون في ذلك القرن يتداولون طائفة من القواعد دون تخصيص مصنّفات خاصّة بها.

وكانت بواكير هذا النموِّ على ألسنة العلماء واضحةَ المعالم أوّلاً في ميدان الاجتهاد المذهبيّ لدى كلّ إمام من الأئمة، ويجد الباحث نماذجَ وأمثلةً واضحة لهذه القواعد في فقه السلف دون تخصيص بمذهب دون سواه؛ لإثبات الذات ومعرفة أصالة الاجتهاد.

من أمثلة ذلك ما جاء على لسان الهادي يحي بن الحسين، والناصر الكبير الأطروش أبي محمد الحسن بن علي، والمؤيد بالله أحمد بن الحسين: «ومن تحرّى آخر الوقت ففرغ وفيه بقية لم يُعِد، إذ لا يعيد إلا بالتحري، والاجتهاد لا ينقض بمثله»([1]).

وجاء في المدونة الكبرى للإمام مالك: «وسألت عن خرء الطير والدجاج التي ليست بمخلاة تقع في الإناء فيه الماء، ما قول مالك فيه؟ قال: مالا يفسد الثوب فلا يفسد الماء».

وجعل أبو حنيفة الوديعة كبقية الغرماء، وأصحاب الوديعة بالحصص، خلافا لابن أبي ليلى، فقال أبو حنيفة: «وكذلك كل مال أصله أمانة»([2]).

وقال الشافعي: «النوافل أتباع للفرائض، لا لها حكم سوى حكم الفرائض»([3]).

وكان الإمام الشافعي هو واضع قاعدة: «لا يُنسب لساكت قول»، وقاعدة: «تصرّف الإمام على الرعية منوط بالمصلحة»([4]).

وذكر السيوطي أنّ أبا طاهر الدبّاس (ت حوالي 430هـ)، إمام الحنفية فيما وراء النهر؛ ردّ جميع مذهب أبي حنيفة إلى سبع عشرة قاعدة، ورد القاضي حسين (ت462هـ) جميع مذهب الشافعي إلى أربع قواعد([5]).

وذكر الشافعي أن “الرخص لا تنال بالمعاصي”([6]). فمن سافر للمعصية لا يترخص بالفطر والجمع ولا يمسح على الخف مدة المسافر، ولا يأكل الميتة، ولا تسقط عنه الجمعة، ولا يباح له التطوع راكبا وماشيا لغير القبلة.

هذه أمثلة على أن بداية نشوء القواعد الفقهية عرفها أئمة المذاهب، وكانت معبرة عن آرائهم وقواعد اجتهادهم.

الاتجاه المقارن في صياغة القواعد

كان القرن الرابع الهجريّ هو العصر الذهبيّ للاجتهاد، وتقعيد القواعد الفقهية وصياغتها صياغةً مقبولة عند أئمة المذاهب وتلامذتهم وأتباعهم، وكان البدء في التدوين والتقعيد أواخر القرن الثالث الهجري وفي القرن الرابع.

فكان أبو الحسن الكرخي (ت430هـ) قد أخذ القواعد التي جمعها أبو طاهر الدباس، وأضاف إليه، فبلغت مجموعته سبعًا وثلاثين قاعدة، ولكنّ بعضَها لا يُعدّ قاعدةً، وإنّما هو ضابط توجيهي لعلماء المذهب الحنفي. ومن قواعده:

الأصل أن ما ثبت باليقين لا يزول بالشك([7]).

الأصل أنّ أمور المسلمين محمولة على السداد والصلاح حتى يظهر غيره([8]).

الأصل أنّه يثبت الشيء تبعا وحكما، وإن كان قد يبطل قصدا([9]).

ثمّ ظهر محمد بن حارث بن أسد الخُشَني (ت362هـ) في كتابه “أصول الفتيا” وأضاف بعض القواعد الفقهية، ومنها: “الأمناء مصدَّقون على ما في أيديهم”([10]).

وأتى بعدئذ أبو زيد عبيد الله بن عمر الدَّبُوسي الحنفي (ت430هـ) فوضع كتابه “تأسيس النظر” المشتمل على بعض الضوابط المهمة الخاصة بموضوع معين، وعلى بعض القواعد الكلية مع التفريع عليها([11]).

وذكر ابن خلكان أن الدبوسي أول من وضع علم خلاف الفقهاء، أي الفقه المقارن، فكان ـ رحمه الله ـ أول من عُني بتنظيم البحث في الفقه المقارن بين المذاهب، وجعل منه علما مستقلا، وصاغ أغلب القواعد صياغة مقارنة. وكان أوّل من ألحق فروع المسائل الفقهية بالأصل الذي تفرعت عنه.

وذكر ابن نجيم المصري أنّ أبا سعيد الهَرَوي الشافعي رحل إلى أبي طاهر الدباس ونقل عنه بعض القواعد ثم تلاها على أصحابه([12])، ومنها القواعد الخمس المعتبرة أمهات القواعد، ومباني الأحكام الشرعية النصية والاجتهادية في المذاهب المختلفة، وليس في المذهب الشافعي فقط، الذي اشتهر بإيراد هذه القواعد. وهي:

1-  الأمور بمقاصدها.

2-  الضرر يزال.

3-  العادة محكَّمة.

4-  اليقين لا يزول بالشك.

5-  المشقة تجلب التيسير.

ويحسن بيان معنى كل قاعدة وإيضاحها ببعض الأمثلة.

أما القاعدة الأولى: وهي “الأمور بمقاصدها”، التي هي إحدى القواعد الأساسية في الفقه، فمعناها: أنّ التصرفات الصادرة من الإنسان من قول أو فعل تختلف أحكامها الشرعية باختلاف مقصود فاعلها.

–            فالقتل إن كان عمدًا ففيه القصاص، وإن كان خطأ ففيه الدية.

–            ومن قال لغيره “خذ هذه الدراهم” فإن نوى التبرع كان هبة، وإلا كان قرضا واجب الوفاء.

–            ولغو اليمين لا كفارة فيه، واليمين المنعقدة المؤكدة القائمة على قصد اليمين فيها الكفارة.

ولهذه القاعدة أهمية كبيرة في الفقه، لدوران كثير من الأحكام الشرعية عليها، ولأن مصدرها الحديث الصحيح الذي أخرجه الشيخان عن عمر t: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى».

وسبب أهميتها أنها تقرر مبدءا أساسيا في الشريعة وهو إخلاص العمل لله عز وجل، والإخلاص دليل صدق الإيمان واليقين، لقوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء﴾([13]).

ويتفرع عنها قاعدة مهمة في المعاملات وهي معتمدة عند جمهور الفقهاء غير الشافعية، وهي: “العبرة في العقود للمقاصد والمعاني لا للألفاظ والمباني”.

ومع ذلك فالقاعدة الأصلية مرعيّة في كثير من الأحكام الشرعية، وذات نسق أساسيّ في الفقه المقارن بين المذاهب.

وأما القاعدة الثانية: وهي “الضرر يزال”، فهي أساس راسخ في المذاهب الإسلامية المختلفة، وتطبيقاتها كثيرة لا سيما في مجال الضمانات أو التعويضات عن الضرر، والعلاقةِ بين الجيران، فهي توجب رفع الضرر وترميم آثاره بعد الوقوع في ميدان الحقوق الخاصة، كضمان المتلفات، ومنع الضرر أو الأذى عن الجار، ومشروعية كثير من الخيارات كخيار العيب، وخيار الغبن الفاحش، مع التغرير عند الحنفية، ولو من غير تغرير عند الحنابلة، وخيار تَفَرُّق الصفقة.

وكذلك في ميدان الحقوق العامة كالتعدي على الطريق ببناء أو غيره من ألوان الأذى.

وسبب أهميتها كونها مأخوذة من نص حديث ثابت: «لا ضرر ولا ضرار»([14]). والضرر إلحاق الأذى بالغير، والضرار مقابلة الضرر بالضرر([15]).

وجاء منع الضرر في آيات كثيرة من القرآن الكريم، منها معاملة المرأة في الطلاق، والإمساك والنفقة، ومنها الوصية.

وأما القاعدة الثالثة: “العادة محَكَّمَة”، فهي تقرر أحد مصادر التشريع، وهو العرف بنوعيه اللفظي والعملي، وتقتضي الحاجة إليه في توزيع الحقوق والالتزامات في التعامل بين الناس. وهذا أساس في المقارنة ومعرفة أصول الاجتهاد والتقاضي والمعاملات.

ونجد كثيرا من المسائل الفقهية في مختلف المذاهب مبنيّةً على هذه القاعدة التي ألمح إليها القرآن الكريم في آيات، منها:

﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾([16])، ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾([17])، ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾([18]).

والمقصود بالعرف: العرف الصحيح، وهو الذي لا يصادم نصًّا أو أصلا شرعيًّا.

قال القرطبي: «العرف والمعروف والعارفة: كلُّ خصلة حسنة ترتضيها العقول وتطمئن إليها النفوس»([19]).

وقال الأسنوي الشافعي: «إنّ ما ليس له ضابط في الشرع ولا في اللغة يُرجع فيه إلى العرف»([20]).

ومن تطبيقاتها: الاعتماد على العرف في نفقة الزوجة.

ويتفرّع عن هذه القاعدة ما يأتي:

–     استعمال الناس حجّةٌ يجب العمل بها؛ أي في العرف اللفظي والعملي.

–     الحقيقة تُترك بدلالة العادة.

–     الكتاب كالخطاب.

–     الإشارة المعهودة للأخرس كالبيان باللسان. وهي تقرّر أسس اعتبار العرف اللفظي.

–     المعروف عرفا كالمشروط شرطا؛ لبيان حجية العرف العملي.

–     إنما تُعتبر العادة إذا اطَّرَدَتْ أو غَلَبَتْ.

–     العبرة للغالب الشائع لا للنادر؛ لمعرفة بعض شروط اعتبار العرف وهي الاطّراد أو الغلبة، أي العرف العامّ.

–     لا يُنكَرُ تَّغَيُّر الأحكام بتغيّر الأزمان؛ أي الأحكام المصلحية أو القياسية. وهي قاعدة مهمّة جدّا تبيّن حدود وآفاق تطوّر الأحكام الشرعية التي لا يوجد نصٌّ شرعيٌّ فيها.

وأما القاعدة الرابعة: “اليقين لا يزول بالشك”: فهي تقرر أصلا شرعيا مهمّا تُبنَى عليه أحكام فقهية كثيرة، تعبِّر عن مدى سماحة الشريعة ويُسْرها، ورفعِ الحرج فيها عن الناس، وتركِ الشكوك والوساوس، والاعتماد على الثابت يقينا أي قطعا، ولا سيما في حالات الطهارة والصلاة وغيرها من العبادات والمعاملات والعقوبات والأقضية.

ومصدرها الحديث النبويّ الذي أخرجه البخاري عن عبّاد بن تميم عن عمّه في ترك الالتفات للشكّ في الصلاة: «لا ينصرف أحد حتّى يسمع صوتا أو يجد ريحا». قال النووي عند شرح هذا الحديث: «وهذا أصلٌ من أصول الإسلام، وقاعدة عظيمة من قواعد الفقه، وهي أنّ الأشياء يُحكم ببقائها على أصولها حتى يُتيقّن خلاف ذلك، ولا يضرّ الشك الطارئ عليها»([21]).

ومن أمثلتها:

–     ثبوت الدين على المدين حتى يثبت وفاؤه.

–     ونفاذ الإبراء الثابت حتى يثبت ردّ المدين إياه.

–     وبقاء العقد بين المتعاقدين حتى يثبت فسخه.

–     وبقاء صفة الأمانة في عقود الأمانات كالإيداع والإعارة حتى يثبت التعدي أو التقصير.

ويتفرع عنها:

–     الأصل براءة الذمة.

–     الأصل بقاء ما كان على ما كان([22]).

–     ما ثَبت بزمان يُحكم ببقائه ما لم يوجد دليل على خلافه.

–     الأصل في الصفات أو الأمور العارضة العَدَمُ.

–     الأصل إضافة الحادث إلى أقرب أوقاته.

–     لا عبرة للدلالة في مقابلة التصريح.

–   لا يُنسب لساكت قول، ولكن السكوت في معرض الحاجة إلى البيان بيان.

–     لا عبرة للتوهّم.

–     لا حجّةَ مع الاحتمال الناشئ عن دليل.

–     لا عبرة بالظن البيِّن خطؤه.

–     الممتنِع عادةً كالممتنِع حقيقة.

وكلّ هذه القواعد لها تطبيقاتٌ يُحتكَم إليها في مجال الفقه المقارن، وترجيح حكم على غيره، وفي هذا فائدة كبيرة، وحسم لباب الخلاف.

وأما القاعدة الخامسة: والأخيرة من القواعد الأساسية، فهي “المشقّة تجلب التيسير”.

هذه قاعدة تُعَبِّرُ عن أهمّ خصائص التشريع الإسلامي، وهي رفع الحرج من التكاليف الشرعية، وهي أصلٌ أساسيٌّ من أصول الشرع، سواء في الفقه أم في الأصول. قال الشاطبي ـ رحمه الله ـ: «إنّ الأدلة على رفع الحرج في هذه الأمة بلغت مبلغ القطع»([23])؛ أي اليقين.

والمراد بها: أنّ المشقة الزائدة أو غيرَ المعتادة تكون سببا في التخفيف والتيسير والسماحة؛ لأن في تلك المشقّة إعناتًا أو إحراجا للمكلَّفين.

ومصدرها القرآن والسنة:

فمن القرآن الكريم قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾([24])، ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾([25])، ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا﴾([26])، ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾([27])، ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإِنْسَانُ ضَعِيفاً﴾([28]).

ومن الأحاديث قوله e: «إنّ الدين يسر، ولن يشادَّ الدين أحدٌ إلا غلبه..»([29]).

وقوله: «يسّروا ولا تعسّروا، وبشّروا ولا تنفّروا»([30]).

ومن أمثلتها وتطبيقاتها: مشروعية الرخص، كالتيمم، والمسح على الخفّين، والقصر، والجمع، والفطر في رمضان في السفر، والمرض، والشيخوخة، والحمل، والإرضاع، وإسقاط صلاة الجمعة والجماعة عن المريض والمسافر.

ورفع المؤاخذة بسبب الخطأ والإكراه في الجنايات ونحوها.

وفي الحقوق المدنية أو المعاملات جعل الغلط مبطلا للعقد أحيانا، وسلب لزومه أحيانا أخرى، والغلطُ خطأٌ.

وكوْنُ الجهل أحيانا يمنع المساءلة كمن أسلم حديثا، واستمرار الوكالة حال جهل الوكيل بعزل الموكِّل، وقَبول شهادة الأمثل فالأمثل في حال قلة عدالة الشهود.

والأخذ بالعرف في أحيان كثيرة منعًا من الإيقاع في الحرج.

ويتفرّع عن هذه القاعدة ما يأتي:

–     الأمر إذا ضاق اتّسع.

–     وكذلك: إذا اتّسع ضاق.

–     قواعد الضرورة والحاجة الآتي بيانها.

هذه القواعد الخمس تدلّ على إسهامها في التمهيد لاتّفاق الفقهاء غالبا، وإن اختلفوا في بعض التطبيقات، كما تسهم في المقارنات والمقابلات.

وهناك قواعد شرعيّةٌ مهمّة أيضا تعين على المقارنة، منها قواعد الضرورة وقواعد الحاجة، وقواعد الضمان، وقواعد الأصول واللغة، وأنواع الفروق في ضبط المذهب ومقابله.

قواعد الضرورة والحاجة:

أكتفي هنا بسرد هذه القواعد لوضوحها واشتهار العمل بها في مجال الفقه المقارن، أو الفقه المذهبي، وهي ما يأتي:

1. الضرورات تبيح المحظورات:

ومستندها خمس آيات من القرآن الكريم، مثل آية: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْه﴾([31]).

فكلّ ممنوع في الإسلام ـ إِلاَّ الكفر والقتل والزنا([32]) ـ يستباح فعله عند الاضطرار، بشرط ألا ينـزّل منـزلة المباحات والتبسّطات، فيُتناول منه بمقدار دفع الأذى دون زيادة عليه.

قال شيخ الإسلام العز بن عبد السلام: «الضرورات مناسبة لإباحة المحظورات جلبًا لمصالحها، كما أن الجنايات مناسبة لإيجاب العقوبات درءًا لمفاسدها»([33]).

2. الضرورة تقدَّر بقدرها:

معناها أنّ كل ما أبيح للضرورة من فعل أو ترك فإنما يُباح بالقدر الذي يدفع الضرر والأذى، دون ما عدا ذلك، ومعنى الإباحة: رفع المؤاخذة لا الضمان، ودليلها قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْه﴾([34]).

3. ما جاز لعذر بَطَلَ بزواله:

هي في معنى القاعدة السابقة ومكمّلة لها، تبين ما يجب فعله بعد زوال حال الضرورة، ويراد بها: أن ما جاز فعله بسبب عذر من الأعذار، أو عارض طارئ من العوارض؛ فإن مشروعيّتَه تزول بزوال حال العذر. ومجالها في العبادات والعقود والقضاء.

4. الميسور لا يسقط بالمعسور:

هي بمعنى “الضرورة تقدَّر بقدرها”، إلا أنّها يعمل بها في نطاق المأموروات. قال ابن السبكي: «وهي من أشهر القواعد المستنبطة من قوله e «وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم»»([35]).

ومعناها: أنّ المأمور به إذا لم يتيسّر فعله على الوجه الأكمل الذي أمر به الشرع لعدم القدرة عليه، وإنما يمكن فعل بعضه؛ فيجب فعل البعض المقدور عليه، ولا يترك بترك الكل الذي يشق فعله.

  1. الاضطرار لا يبطل حق الغير:

معناها: أنّ الاضطرار، وإن كان سببا من أسباب امتناع المسؤولية الجنائية، مع بقاء الفعل محرّما كالتلفظ بالكفر عند الاضطرارا أو الإكراه، فإنّه لا يُسقِط حقَّ إنسان آخرَ من الناحية المادية، أي التعويض عن المال، وإن كان يسقط حقّ الله، ويرفعُ الإثم والمؤاخذة عن المضطرِّ أو المكرَه؛ لأنَّه لا ضرورة لإبطال حقوق الناس، والضرر لا يزال بالضرر.

  1. الحاجة العامة تنـزل منـزلة الضرورة:

ويضاف في أصل القاعدة: “أو الخاصة” لتشمل ما تحتاجه فئة أو طائفة من الناس، كأهل مدينة أو أصحاب حرفة معيَّنة.

ومعنى كون الحاجة عامة: أنّ الناس جميعا يحتاجون إليها، فيما يَمَسُّ مصالحهم العامة من زراعة وصناعة وتجارة وسياسة عادلة وحكم صالح.

والضرورة أشدُّ باعثا من الحاجة، فيترتّب على مخالفتها الوقوعَ في الهلاك.

والحاجة يترتّب على مخالفتها الوقوعَ في الحرج أو المشقّة.

وأمثلتها كثيرة كالحاجة إلى العقود الاستثنائيّة كالسَّلَم والاستصناع والجَعَالة والمُضاربة.

قواعد الضمان: (التعويض عن التلف):

هناك قواعد كثيرة للتضمين، يُرجع إليها لضبط الأحكام المختلفة لمسائل الضمان، ووقائع التعدّيات والأخطاء، وحسم الخلافات والمنازعات والخصومات بين الناس. منها:

  1. المباشر ضامن وإن لم يتعدّ: فتُضمن الأموال بسبب مباشرة الإتلاف ولو من غير قصد.
  2. إذا اجتمع المباشرُ والمتسبِّبُ يضاف الحكم إلى المباشر؛ أي يضمن المباشرُ؛ لأنه علّة الضرر.
  3. المتسبّب لا يضمن إلا بالتعمّد؛ أي إلا بفعل الشيء بقصد الضرر.
  4. يضاف الفعل إلى الفاعل لا الآمر ما لم يكن مجبَرًا؛ لأنّ الفاعل هو المتعدّي في الواقع.
  5. لا يجوز لأحد أن يتصرّف في ملك غيره بلا إذنه؛ أي بلا وَلاية ولا ضرورة.
  6. الجواز الشرعيّ ينافي الضمان؛ أي لا يُضمَن التعويض إذا كان الفعل مشروعا.
  7. الخراج بالضمان؛ أي الغرم بالغنم.
  8. الأجر والضمان لا يجتمعان: هذه قاعدةٌ خاصّة بمذهب الحنفية.
  9. الضامن يملك المال المضمون بالضمان من وقت قبضه: وهي أيضا حنفية المنشأ والتطبيق.
  10. ما لا يمكن الاحتراز عنه لا ضمان فيه؛ أي لأنّه من الضرورات.
  11. على اليد ما أخذت حتّى تؤدّيَه: هذه القاعدة هي نصُّ حديث نبويٍّ رواه أحمد وأصحاب السنن والحاكم، وهو حديث حسن.
  12. إذا تعذّر الأصل يصار إلى البدل؛ أي إذا تعذّر ردّ عين المال بسبب التلف، وجب ردّ العوض عنه.
  13. لا ضمان على المبالغ في الحفظ: مجالها في نطاق المسؤولية التعاقدية في عقود الأمانات كالإيداع والوكالة.
  14. يُقبل قول الأمين في براءة نفسه، لا في إلزام الضمان على الغير؛ أي يقبل قول الأمين كالوديع بالهلاك صدفة إذا ادّعى المودع عليه أنّه أتلفها؛ لأنه أمين في الحفظ، والأمين مصدٌَّق باليمين.
  15. جناية العجماء جُبَار؛ أي جناية الدابة بنفسها أو إتلافها هدر، ما لم تكن عقورا، ولا فَرَّطَ مالكُها بحفظها حيث يجب عليه الحفظ، وهو ظرف الليل، وأماكن التجمعات في الأسواق، لعدم وجود الإدراك الذي هو أساس المسؤولية.

هذه نماذج من القواعد الفقهية الكلية أو الفرعية بعد أن تبلورت صياغتها في القرن الرابع الهجري، يستضاء بها في ربط فروع الأحكام العملية، ويُحتجُّ بها في الجدل الفقهيِّ في مجال الدراسات المقارنة، وحسم الخلاف في الرأي، ما دامت تدلّ على وحدة المناط، ووجه الارتباط بين الفروع، وإن اختلفت موضوعاتها وأبوابها.

فيكون حصاد التقعيد في كلّ زمان ومكان حصادا طيبًا وجامعا لطوائف من الفروع الفقهية في عبارات موجَزة، وذلك يساعد على تأصيل الفقه وتطبيقاته ومعرفة مدى السداد فيه، ولا يقلّ ذلك عن أهمية أصول الفقه في استنباط الأحكام الشرعية، وأمثالها في قواعد النحو واللغة والمنطق، وغير ذلك من الضوابط، فضلا عن النظريات العامة.


[1]) البحر الزخار، 1/123.

[2]) اختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلى، ص61-62، مطبعة الوفاء بمصر.

[3]) الأم، 1/4، الطبعة الأولى، مكتبة الكليات الأزهرية بمصر.

[4]) الأشباه والنظائر، للسيوطي، ص142، 121.

[5]) المرجع السابق، ص7.

[6]) المنثور في القواعد للزركشي، 2/167.

[7]) أصول الكرخي، ص110، مطبعة الإمام بمصر.

[8]) أصول الكرخي، ص111.

[9]) المرجع السابق، ص114.

[10]) كليات ابن غازي، 1/181، 182.

[11]) المدخل الفقهي العام للشيخ مصطفى الزرقاء، 2/941، ف 564.

[12]) الأشباه والنظائر لابن نجيم وحاشية الحموي عليه، 1/16 وما بعدها، الأشباه والنظائر للسيوطي، 1/17.

[13]) البينة، آية 5.

[14]) حديث حسن أخرجه مالك في الموطأ، وابن ماجه والدارقطني في السنن، والحاكم، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد على شرط مسلم، ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي على ذلك.

[15]) انظر: النهاية في غريب الحديث لابن الأثير، باب الضاد مع الراء، 3/81.

[16]) البقرة، آية 228.

[17]) النساء، آية 19.

[18]) الأعراف، آية 199.

[19]) تفسير القرطبي، 7/346.

[20]) التمهيد في تخريج الفروع على الأصول، للأسنوي، ص224.

[21]) شرح النووي على صحيح مسلم، 4/49 وما بعدها.

[22]) هذا تقرير مصدر الاستصحاب الذي هو أحد الأدلة المختلف فيها، واعتباره أحد مصادر الفقه.

[23]) الموافقات، 1/231.

[24]) البقرة، آية 185.

[25]) الحج، آية 78.

[26]) البقرة، آية 286.

[27]) التغابن، آية 16.

[28]) النساء، آية 28.

[29]) أخرجه البخاري عن أبي هريرة t.

[30]) أخرجه البخاري عن أنس t.

[31]) الأنعام، آية 119.

[32]) لكن يرخص له في الإكراه الكفر فقط دون غيره في الراجح.

[33]) قواعد الأحكام، 2/3.

[34]) البقرة، آية 173.

[35]) أخرجه البخاري ومسلم عن أبي هريرة t، ومطلع الحديث: «ما نهيتكم عنه فاجتنبوه…».

هذه المقالة تحتوي على تعليقات (2)

2 تعليقات ل “ظهور القواعد الفقهية من منظور مقارن”

  1. د.حسين says:

    السلام عليكم
    بحاجةالى كتابات معاصرة من ضمن اختصاصي في اصول الفقه والفقه والقواعد الفقهية،وكل الآراء القيمة بخصوص ذلك،مع التقدير.

  2. د.حسين says:

    مقال احتضن موضوعية معاصرة،مسددة بروافدالبحث العلمي ..وشكرا.

أكتب تعليقك هنا

نرجو أن تضع المادة أسفله
الإسم
إيميل
موقع
تعليقك