مصادر التشريع عند الإباضية

إن أغلب ما دونه أصحاب المقالات عن أصول الفقه عند الإباضية لا تعطي تصورا واضحا عنها، بل هي مجرد آراء أصولية تفتقر إلى التحقيق، نجمت عن ظروف سياسية وتاريخية.([1])
مصادر التشريع عند الإباضية كما يقول الشيخ علي يحي معمر هي: القرآن والسنة والإجماع والقياس، والاستدلال ويندرج تحته الاستصحاب والاستحسان والمصالح المرسلة . وبعض علماء الإباضية يطلقون على الإجماع والقياس والاستدلال كلمة الرأي فيقولون أن مصادر التشريع هي القرآن والسنة والرأي وبسبب ذلك أخطأ بعض ممن كتب عنهم فظن أنهم ينكرون الإجماع فإن الدارس للتراث الإباضي سيفند تلك المزاعم، وسيصل إلى نتيجة مفادها أن مصادر التشريع الأساسية عند الإباضية لا تختلف عن غيرهم، وهي: الكتاب والسنة والإجماع والقياس.
الكتاب:
يعتبر القرآن أول المصادر التشريعية عند كلّ المذاهب ومنها الإباضية، لكونه مقطوع الثبوت عن الرسول صلى الله عليه وسلم.
السنة:
فإمام المذهب جابر بن زيد كان أثريا، لا يحيد عن النص إلى الرأي إلا عند عدم النص؛ وذلك عملا بنصيحة شيخه عبد الله بن عمر بن الخطاب y، حينما قال له عند نزوله المدينة: «بلغني يا أبا الشعثاء أنك من فقهاء البصرة، وأنك ستستفتى، فلا تفتين إلا بقرآن ناطق، أو سنة ماضية، فإنك إن فعلت غير ذلك فقد هلكت وأهلكت».([2])
ولعل نسبته إلى أهل الرأي كان بالنظر إلى البيئة التي نشأ بها وهي العراق.
ثم جاء تلامذة جابر بن زيد فساروا على نهج إمامهم في الاستدلال، ولم يتساهلوا في الأخذ بالرأي؛ بل إنّ بعضهم تشددوا في التمسك بالأثر، ولم يجيزوا الأخذ بالرأي إلا عند الضرورة، فقد نقل عن أبي عبيدة أنه قال حين سمع أهل عمان يستعملون الرأي: «إنهم لم يسلموا من الفروج والدماء».([3])
وكانوا لا يقتصرون على روايات أئمتهم وأصحابهم، بل كانوا يأخذون بروايات غيرهم.([4]) وأما ردهم لبعض الروايات، فلكونها تتعارض مع مبدأ عقدي صحيح عندهم، أو مع حديث ثبتت صحته عند محدثيهم.
الإجماع:
والإجماع المعتبر عند علماء الإباضية هو إجماع علماء الأمة الإسلامية، والمقصود بالأمة كل من آمن بالله، وكان من زمرة الموحدين.([5]) فلم يقصره على شخص أو فئة معينة، لذا فإننا نجد السوفي([6]) من الإباضية لم يعتبر اتفاق علماء المذهب وحدهم إجماعا.([7])
القياس:
إن تمسك تلامذة جابر بن زيد بالأثر، وتحرجهم من استعمال الرأي، حمل ابن بركة([8]) على التصريح بأن أصحابه لم يكونوا يقولون بالقياس. وهو ما نسبه بعضهم إلى هاشم بن غيلان([9]).
غير أن المتتبع للمصادر الفقهية الإباضية يجدها حافلة بأقوال لعلمائهم، مستندهم فيها القياس.([10]) بل إنه سيجد طائفة منهم، كابن عبد العزيز([11])، وأبي المؤرج([12])، غلو في استعماله فقدموه على خبر الواحد متأثرين في ذلك بمنهج فقهاء الكوفة.
المصادر التبعية:
أما بالنسبة للمصادر التبعية الأخرى، والتي اختلف في حجيتها بين علماء الأمة، فإننا نجد الإباضية يشرعون على وفقها دون التوسع فيها.
فالمصالح المرسلة لا تجد في المصادر الإباضية تفصيلا وافيا لها، وإنما تجد تجسيدا لها في اجتهادات فقهائهم، فهم يتحرّون مقصد الشارع من الحكم، ويوازنون بين المصالح عند تعارضها. يقول السالمي: «إنك إذا تأملت مذهب الأصحاب رحمهم الله تعالى، وجدتهم يقبلون هذا النوع من المناسب ويعللون به، لما دلّ عليه مجملا، أي وإن لم يدل على اعتباره بعينه أو جنسه»
فقد برز في فقههم الاهتمام بالجانب المقاصدي، والنظر إلى المآل، وتجلى هذا في باب الفروج والدماء بصورة أساسية، من ذلك مثلا حكم البعض بحرمة المأتية في دبرها اعتمادا على الإيالة، وسدا لذرائع الفساد.
وقد اعتمد الإباضية الاستحسان ضمن المصادر الاجتهادية، وظهر اعتماده في كثير من تطبيقاتهم الفقهية. وعد بعضهم استصحاب الأصل ضمن أقسام مصادر الشريعة الأساسية، كما ذهب إلى ذلك أبو زكرياء الجناوني([13])، والوارجلاني([14]) فجعلوها ثلاثة: أصل ومعقول أصل واستصحاب حال الأصل.
ويظهر الاهتمام بالعرف عند الإباضية في كثير من فتاويهم، وإن لم يتطرقوا إلى تقاسيم العرف وأنواعه؛ كما فعل غيرهم، فهو عندهم دليل للاستئناس عند عدم ورود النص خصوصا في مجال الأَيْمان والنذور والنكاح والطلاق وبعض العقود.
أسباب الاختلاف
هناك أسبابا نتج عنها الاختلاف بين العلماء في كثير من الأحكام الشرعية نذكر أهمها باختصار :
1- الاختلاف في أصول التشريع، وبعض مصادر الاستنباط.
من أهم أسباب الاختلاف بين المذاهب هو الاختلاف في بعض الأصول الشرعية ومصادر الاستنباط، فرغم إجماع الأمة على أن القرآن والسنة والإجماع هي القواعد الأساسية لأصول الاستنباط، إلا أنهم اختلفوا فيما يأتي بعدها من الأصول فأبو حنيفة مثلا يقدم القياس على مرسل الحديث المرسل والإمام مالك يتوسع في الأخذ بالمصالح المرسلة ويقدم عمل أهل المدينة على القياس .
2- تعارض الجرح والتعديل في الراوي الواحد.
من المعلوم أن عدم ثبوت الحديث يكون إما بانقطاع في سنده أو جرح في أحد رواته، وقد اختلف المحدثون في ترجيح وعدالة بعض الرواة
فيوجد تعارض في أقوال النقاد من الجارحين والمعدلين في الراوي الواحد، حيث يوثقه بعضهم ويجرحه آخرون، بل إنك لترى التعارض في الحكم يصدر أحيانا في الراوي الواحد، حيث يروى عنه تعديله مرة، وجرحه مرة أخرى.
ولعل الاختلاف القائم في مسألة رواية المبتدع وما تفرع منها، كان له أكبر الأثر في حكمهم على الراوي الواحد. ولعل حشر الإباضية ضمن طائفة المبتدعين كان من أهم الأسباب التي من أجلها أهمل علماء السنة كثيرا من الأحاديث المروية عن رواة الإباضية.
مثال ذلك هو عكرمة مولى ابن عباس، فقد رماه بعضهم بالكذب وبأنه يرى رأي الخوارج وبأنه كان يقبل جوائز الأمراء، ورووا عن كذبه شيئا كثيرا فرووا أن سعيد بن المسيب قال لمولاه “برد” لا تكذب علي كما كذب عكرمة على مولاه. وقال القاسم إن عكرمة بحرا من البحور وتكلم الناس فيه، وليس يحتج بحديثه. هذا على حين يوثقه آخرون ويعدلونه فابن جرير الطبري يثق به كل الثقة ويملأ تفسيره وتاريخه بأقواله، وقد وثقه أحمد بن حنبل واسحق بن راهويه ويحي بن معين وغيرهم من كبار المحدثين، فالبخاري ترجح له صدقه فهو يروي له في صحيحه كثيرا، ومسلم ترجح له كذبه فلم يرو له إلا حديثا واحدا في الحج ولم يعتمد عليه وحده وإنما ذكره تقوية لحديث سعيد بن جبير في الموضوع نفسه.
3- الاختلاف في فهم نص الحديث أو الآية
ومن أمثلة ذلك أيضا ما رواه البخاري ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما من أن النبي صلى الله عليه وسلم لما رجع من غزوة الأحزاب نزل عليه جبريل واستعجله بالذهاب إلى بني قريظة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه مستعجلا لهم : (لا يصلين أحدٌ العصر إلا في بني قريضة) فأدركتهم صلاة العصر في الطريق فقال بعضهم لا نصلي حتى نأتيها، وقال آخرون:(بل نصلي، لم يرد منا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك). فلما ذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم أقرهم جميعا على فعلهم, رغم أن اجتهاد بعضهم أدى إلى تأخير الصلاة عن وقتها عمدا – أخذا بظاهر النص- وأدى اجتهاد غيرهم إلى مخالفة ظاهر النص.
4- الاختلاف في طرق الجمع والترجيح بين النصوص.
اختلف العلماء في تأويل الأحاديث وترجيح بعضها على بعض حسب اختلافهم في فهمها، ولكن لم ينكر أحد منهم الحديث، وعدم الأخذ به لا يعني إنكاره وعدم الاعتراف به فالإباضية عندما تركوا الأخذ ببعض الأحاديث في البخاري ومسلم أو في غيرها من كتب السنة لا يعنى إنكارهم لها، ولكن رجحوا عليها غيرها من الأحاديث أو الآيات على ذلك الحديث.
ومن القواعد التي اعتمد عليها الإباضية تقديم السنّة القولية على السنّة الفعلية عند التعارض، لأنّ الفعل محتمل للخصوصية، فضعّف دلالته مقارنة بالسنّة القولية.من ذلك اتفاق الإباضية على أنّ الجنابة تنافي الصوم عملا بحديث أبي هريرة في الربيع وغيره: «من أصبح مجنبا أصبح مفطرا». وقدّم على حديث عائشة وأمّ سلمة: «إن كان رسول الله ليصبح جنبا من جماع غير احتلام في رمضان ثمّ يصوم».
——————————————————————————–
([1])- أبو الفتح محمد بن عبد الكريم الشهرستاني: الملل والنحل، (تح: أمير علي مهنا، وعلي حسن فاعور، ط6؛ بيروت-لبنان: دار المعرفة، 1417هـ-1997م)، 157-158.
([2])-أبو نعيم أحمد بن عبد الله الأصبهاني: حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، (ط4؛ بيروت: دار الكتاب العربي، 1405هـ)، 3/86.
([3])- عمرو خليفة النامي: دراسات عن الإباضية، ترجمة: (ميخائيل خوري، ط1؛ بيروت-لبنان: دار الغرب الإسلامي، 2001م)، 98.
([4])- ويدل لذلك ما في مسند الربيع بن حبيب من روايات لبعض المخالفين للإباضية في آرائهم، كعبد الله بن عمرو بن العاص ، ومعاوية بن أبي سفيان، والوليد بن يحيى، وعمرو بن هرم، وابن جريج، وغيرهم. ينظر: الربيع بن حبيب: المسند، 31، 127، 177،251، 337؛ بكوش: فقه الإمام جابر بن زيد، 44-66.
([5])- أبو سعيد محمد بن سعيد الكدمي: المعتبر، (دط؛ سلطنة عمان: وزارة التراث القومي والثقافة، 1405هـ-1985م)، 1/15-17.
[6]([6])- هو أبو عمرو عثمان بن خليفة السوفي المارغني أحد أعلام الإباضية خلال القرن السادس الهجري، أصله من بلاد سوف، كتاب “السؤالات”، و”رسالة في الفرق”.
([7])- التواجيني: تحقيق شرح مختصر العدل، 98.
([8])- هو أبو محمد عبد الله بن محمد بن بركة السليمي البهلوي، من كبار علماء القرن الرابع الهجري، يعتبر أول من كتب في أصول الفقه من الإباضية، وقد ترك آثارا جليلة، منها: الجامع، “منثورة أبي محمد”، و”رسالة التعارف” و”التقييد”، و”كتاب المبتدأ في خلق السماوات والأرض”.
([9])- هو أبو الوليد هاشم بن غيلان السيجاني، فقيه وأحد كبار العلماء في القرنين الثاني والثالث الهجريين. كان حيا في: 207هـ.
([10])-أبو جابر محمد بن جعفر الأزكوي: جامع ابن جعفر، (تح: عبد المنعم عامر، دط؛ سلطنة عمان: وزارة التراث القومي والثقافة، 1981م)، 1/280؛ الكندي: المصنف، 13/119؛ الشقصي: منهج الطالبين، 1/99؛ إسماعيل بن موسى الجيطالي: كتاب قواعد الإسلام، (تح: عبد الرحمن بكلي، ط1؛ غرداية: المطبعة العربية، 1976)، 2/103-105.
([11])- هو أبو سعيد عبد الله بن عبد العزيز، من علماء البصرة في القرن الثاني الهجري، وهو من طبقة الربيع الذين أخذوا العلم عن الإمام أبي عبيدة، وهو أحد العلماء الذين روى عنهم أبو غانم مدونته، كان كثير القياس في المسائل الفقهية، مما جعل الإباضية يعرضون عن آرائه ويأخذون برأي الربيع في كثير من المسائل.
([12])- هو أبو المؤرج عمر بن محمد القدمي، من أهل قدم باليمن، من علماء القرن الثاني الهجري، وهو من حملة العلم إلى مصر، وهو من السبعة الذين روى عنهم أبو غانم مدونته، وأحد الذين يأخذون بالرأي في المسائل الاجتهادية.
([13])-هو أبو زكرياء يحيى بن الخير الجنَّاونِّي، من علماء القرن الخامس الهجري، من قرية إجناون، بجبل نفوسة، “عقيدة نفوسة”، و”كتاب الصوم”، و”كتاب النكاح”، و”كتاب الوضع، مختصر في الأصول والفقه”، وغيرها.
([14])-هو أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم بن مناد السدراتي الوارجلاني، (500-570هـ)، المتكلم الأصولي الفقيه، “الدليل والبرهان لأهل العقول”، في علم الكلام، و “مرج البحرين” في المنطق، و”ترتيب مسند الربيع بن حبيب” في الحديث، وكتاب “العدل والإنصاف في أصول الفقه والاختلاف”.
منقول

هذه المقالة تحتوي على تعليقات (5)

5 تعليقات ل “مصادر التشريع عند الإباضية”

  1. صالح العقوري says:

    معلومات جدا جديدة بالنسبة لي ولكن هل لككم نشر كتاب جابر بن زيد في موقعكم

  2. سامي says:

    معلومات قيمة

    جزاكم الله خيرا

    وبارك الله فيكم

    ما شاء الله جهود مباركة

  3. بما أنك قد عرفت لنا أهم مصادر التشريع

    و هي بالطبع الإباضة … أشكرك جزيل شكر عـ

    هذا موضوع القيم

  4. brahim says:

    جيد

  5. صالح الغيور says:

    لكم جزيل الشكر،ولي طلب للمهتمين بتاريخ بلاد المغرب الاسلامي ان نتواصل من اجل تبادل المعلومات والمعارف
    سكيب :salahist

أكتب تعليقك هنا

نرجو أن تضع المادة أسفله
الإسم
إيميل
موقع
تعليقك