القواعد الحاكمة لفقه العمران مع التعريف بالمصادر

القواعد الحاكمة لفقه العمران مع التعريف بالمصادر *

إعداد: أ.د. محمد كمال الدين إمام

(أستاذ الشريعة الإسلامية، كلية الحقوق – جامعة الإسكندرية)

 

مدخل:

في تراثنا الإسلامي صفحات مجهولة، ومدوَّنات مغيبة، يستدعي الزمن المتسارع من حولنا قراءتها بإمعان، في قواعدها الكلية، ونصوصها الفقهية، وتطبيقاتها في كتب النوازل والأقضية، وهي صفحات تنير مدارك الباحثين، وتعيد إلى الحياة أنماطا من السلوك، وأنساقاً من التفكير، فيها تصحيح لأغاليط المؤرخين، وشبهات الآخرين، وفي اعتقادنا أن أي كتابة حديثة لتأريخ الفقه، وميادين العقل الفقهي، تغفل الكتابات المفردة في الفقه الحضاري ـ ومنه فقه العمران ـ ولا تستفيد من كتب النوازل، ولا تحرص على العودة إلى وثائق القضاء الشرعي، إنَّ أية دراسة تغفل هذه المصادر الهامة لن تصل إلى الغاية المرجوة؛ لأنَّ الاعتماد على المتون المذهبية ـ على أهميتها وضرورتها ـ هو اعتماد على الفقه الساكن أو الحكم المجرد، بينما تمثل النوازل والفتاوى ووثائق المحاكم الشرعية الفقه المتحرك وهو أقدر على التعبير عن الواقع المعاش، حتى يمكن للعصر أن يتنفَّس على حد تعبير أحد الفقهاء.
وحتى يمكن أن تكون الدراسة الفقهية مرآة تعكس البيئة الفكرية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية في زمن إنزال الأحكام، فيظهر الثابت ويتأكد، ويستوعب المتغيّر ويتحدد، لاشك أن الفقه الحضاري الإسلامي يفتح آفاقاً جديدة للبحث، ويعمل من قواعد الفقه ما يتسع به الغطاء الشرعي لحركة الإنسان والمجتمع والحياة، والمدينة العربية لم تكن مجرد إبداع هندسيّ، أو ابتكار في مجال التخطيط والبناء، بل هي أيضا أفعال إنسانية، ينزل عليها الحكم الشرعي ـ تكليفيا ووضعياً ـ بما يبرز خصوصية في النسق المعماري، ويعكس درجة النمو الحضاري، وفي الوقت ذاته يلبّي أوامر العقيدة، ويلتزم بأحكام الدين، فللمسجد أحكام، وللطريق فقه، وللأسواق والخانات، والمدارس والمكتبات، بل وحتى دور الخلافة ومؤسسات الدولة، لكل هذه وغيرها مكان في أحكام الشريعة، ومساحة في تراث الفقه على نحو لافت للنظر، في التأليف المستقل، والتصنيف المفرد، و قد ساهمت في هذا التراث كل المذاهب الإسلامية، وفي هذه الورقة سنتناول الموضوع في مبحثين:
المبحث الأوَّل: التأليف في فقه العمران.
المبحث الثاني: بعض قواعد فقه العمران.

المبحث الأول:
التأليف في فقه العمران

القارئ في التاريخ الفقهي من خلال كتب الفهارس والطبقات يجد أسماء لمؤلفات مفردة في موضوعات فقهية متعددة اجتماعية، كتاب “النكاح” لأبى زكريا الجناوني الإباضي، وكتاب الخلع لابن بطه وغيرهما، واقتصادية مثل كتب الخراج لأبى يوسف ويحيى ابن آدم والداوودي وابن نجيم، وقضائية “كالشروط” للطحاوي، ومن أهمّ ما تذكره كتب الفهارس والتراجم مؤلفات في فقه العمران، تتناول الأبنية والطرق، والمياه، والارتفاق وغير ذلك من المسائل الهامة في تخطيط المدن والحفاظ عليها وتنظيمها، بل إن كتب الحسبة بدت وكأنها نوازل الضبطية القضائية في مجال المدينة العربية بأسواقها ودورها وخاناتها وملاهيها وسلوك أفرادها.
ولدينا ما يشير إلى أن القرن الثاني الهجري شهد عددا من المؤلفات في هذا المجال، فقد أورد القاضي عيَّاض في ترجمة “عبد الله بن عبد الحكم بن أعين بن الليث المصري” (المتوفى 191هـ) أن له كتابا بعنوان “كتاب القضاء في البنيان”، وقد أشار إليه “ابن فرحون” في “الديباج المذهب”، وأيضا يذكر كلّ من القاضي “عياض” في “الترتيب” وابن فرحون في الديباج كتابا لعيسى ابن دينار بعنوان الجدار وعيسى بن دينار عاش في أوائل القرن الثالث الهجري وبالتحديد سنة 212هـ، وهذه الإشارات تعطى أولوية للفقه المالكي في هذا اللون من التأليف.
ولم يتخلف الفقه الحنفي عن التأليف في هذا المجال، فجاء كتاب ” الحيطان ” للمرجي الثقفي أحد فقهاء القرن الثالث، وقد تصدى لشرحه أحد فقهاء المذهب أيضا هو الإمام “أبو عبد الله محمد بن على الدامغاني الكبير” المتوفى سنة 478هـ، وقام حسام الدين بن مازة المعروف بالصدر الشهيد والمتوفى 536هـ بشرحه في مؤلف يتضمن دراسة فقهية متميزة لأحكام “البناء والارتفاق”، وقد توالت على ذات النهج مؤلفات للأحناف والمالكية فلابن قطلوبغا الحنفي المتوفى سنة 879 كتاب في “الحيطان”، وللقاضي ابن الشحنة المتوفى 921هـ كتاب مهم عنوانه “تحصيل الطريق إلى تسهيل الطريق ” وهو فريد في موضوعه جمع فيه مؤلفه ـ كما يقول المحقق بحق ـ بين أشتات الأدلة والأقوال مستندا إلى ظروف وقته وواقع الحال من تعدّي الناس على الحق العام في الطريق، بإخراج الظلل والميازيب ووضع المصاطب والدكك في الشوارع وترك الأتربة والقمامة ووضع الحجارة والخشب وما إليه، وجلوس الناس وإيقاف دوابهم في الطرقات ورش الماء وإيقاد النار فيه وزرع الأشجار وما إلى ذلك من بقية التعديات. وللإمام زين الدين أبي الفدا قاسم الحنفي المتوفى سنه 879 كتاب الحيطان فيه شروح على كتاب “المرجّى الثقفي” وزيادات في المسائل لم يوردها الصدر الشهيد، ومن أجمع هذه الكتب عند الأحناف كتاب “رياض القاسمين” للقاضي كامي محمد بن أحمد بن إبراهيم الأدرنوي الحنفي وهو من أعلام المتأخرين توفي عام 1136هـ أي في النصف الأول من القرن الثاني عشر الهجري.
أما في المذهب المالكي فقد استمر التأليف وتطور ومن أشهر المؤلفات في هذا الصدد كتاب ابن الإمام علي بن عيسى التطيلي المتوفى 386هـ وعنوانه “الإضرار بالمرفق”، وقد نشرته المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة سنة 1999 في تحقيق متميز، والكتاب معروف في عالم الاستشراق الفرنسي، فقد درسه القانوني الفرنسي باربي Barbiصلعمr ونشره بالفرنسية في المجلة الجزائرية التونسية للدراسات الفقهية والقضائية 1900-1901 تحت عنوان “الحقوق والواجبات بين أصحاب الملكيات المتجاورة”، وجاء نشر الكتاب في فترة هامة في المغرب العربي كان فيها العلامة سانتلانا يعد “مجلة الالتزامات التونسية”( ).
ومن أهم الكتب في التراث المالكي كتاب ابن الرامي والذي عاش في تونس في العهد الحفصي وكتابه “الإعلان بأحكام البنيان”، الذي اكتشفه المستشرق الفرنسي روبير برونشفيك وضعه في مقالة تحت عنوان “القرون الوسطى في العالم الإسلامي”، ثمَّ نشر في مجلة الفقه المالكي المغربية، وبعد ذلك نشر في المملكة العربية السعودية تحت عنوان “الإعلان في أحكام البنيان” بتحقيق صالح الأطرم، ونشره في تونس عام 1999 مزيد بن سليمان، وقد حدد مكانة كتاب “ابن الرامي” والذي أصبح متنا لأكثر من دراسة وأطروحة ـ في مكتبة العمران الإسلامي بقوله “هو التأليف الوحيد ـ على حد علمنا ـ لحرفي، وبالتحديد لأحد أمناء البنائين بمدينة تونس في العهد الحفصي، وبالتالي ليس بقلم فقيه كما اعتدنا ذلك، ولم يقتصر فيه صاحبه على مجرد النقل من مختلف المصادر على طريقة أهل عصره بل وشاه بعدد من النوازل التي عاينها بنفسه وكان لها شاهد عيان في إطار ما كان يكلفه قاضي الجماعة بالمدينة وتحرير التقارير في ذلك، تأليف تبرز فيه مكانة الأمين على الصعيد الاجتماعي والقضائي والحرفي، فهو عنصر هام في حل النزاعات بين المتساكنين، وركن من أركان دواليب المؤسسة القضائية آنذاك المعتمد على الأحكام الشرعية والعرف والعادة واجتهاد القاضي.
وهو تأليف قيم عن المدينة العربية الإسلامية والمبادئ التي تنظّم داخلها الحياة اليومية والسلوكات الفردية والجماعية طبق مبدأ أساس يستند إلى الحديث النبوي: «لا ضرر ولا ضرار» الذي هو بدوره قوام مبدأ نفي الضرر الذي يشكل ركيزة الحياة الحضرية خاصة والاجتماعية عامة. وفي هذا الكتاب وغيره رد على مزاعم المستشرقين الذين حكموا على المدن الإسلامية بكونها عفوية بل وفوضوية.
ومن الكتب الهامة في هذا المجال كتاب “القسمة وأصول الأراضين” للعلامة الإباضي أبى العباس أحمد بن محمد النفوسي وهو من فقهاء النصف الثاني من القرن الخامس، وكتابه ظلّ مجهولا لدى الباحثين العرب إلى حين صدوره في سلطنة عمان 1992، ولكن الكتاب كان معروفا لدى المستشرقين الباحثين في الفقه الإباضي وفي مقدمتهم الباحثان البولينيان “تاريوش لفتسكي” “وموتلانسكي”، إلاّ أن الكتاب وجد اهتماما خاصا من الأب بيار كوميرلى وأصدر عنه في أوائل الثمانينات عدة مقالات ومن بحوثه في هذا المجال بحث تحت عنوان “مؤلف قديم حول العمارة بوادي ميزاب. وبحث أعمق وأشمل ـ كما وصفه محقق الكتاب ـ تحت عنوان “العمارة والحياة الاجتماعية في القرن الحادي عشر الميلادي من خلال كتاب لم ينشر تلخيص القسمة، وأصول الأراضين”.
والمتأمل في هذا الكتاب يلحظ أهميته لِما يحتوى عليه من قوانين وأعراف تبين حقوق الناس وواجباتهم نحو بعضهم في المجالين الريفي والحضري، من تخطيط شوارع المدن، إلى بناء المنازل، وحفر الآبار، إلى حقوق الأشجار والنخيل، والسواقي، والشوارع، والطرق المؤدية إليها، كل هذا من وجهة نظر الشريعة الإسلامية، مِمّا يدل دلالة قاطعة على الحس الحضري المدني الممتاز الذي عرفت به تلك المجتمعات التي قد يخيل لبعض الناس أنهم كانوا لا يعرفون هذه القوانين والمعاملات وإنّما هم بدو رحل لا فكر ولا علم لديهم، وإنّ هذه القوانين جاءت المجتمع الإسلامي الحديث من الغرب اللاتيني بحكم الاحتكاك بالاستعمار.
“وكتاب أصول الأراضين” ثريّ بالمعلومات عن العمارة الإسلامية التي عرفتها البيئة الإباضية في القرن الخامس وما قبله، فتحدث فيه صاحبه عن الشارع والزقاق والسكة، ويذكر الغرف والبيوت والفنادق والمسجد والقنطرة، والجسر، ويحدد مراده من كل ذلك ثم يبين ما يتعلق من حقوق وأحكام معتمدا في ذلك القواعد الشرعية من قبيل: لا ضرر ولا ضرار في الإسلام، والضرر يزال، دفع المضرة مقدم على جلب المصلحة، ومصلحة الجماعة مقدمة على مصلحة الفرد عند التعارض، ومبدأ سد الذريعة، والوسائل تأخذ حكم المقاصد، وغيرها من القواعد الشرعية التي اتخذها أبو العباس أصولا لأحكام الأموال وعمارة الأرض، وهو في هذا مؤكد لوجهة نظر أبديناها فحواها أن كل المذاهب الإسلامية باقية ودراسة ساهمت في فقه النوازل وعلم القواعد الفقهية، وفي كتاب “الجامع” لابن بركة عشرات من قواعد الفقه تَمّ استخراجها في أطروحة جامعية بما يدلّ على أهميتها في الفقه الإباضي.
إن كتاب “أصول الأراضين” نبع ثر يمكن أن يستفيد منه المهندس المسلم في معرفة الأصول الفقهية للعمارة الإسلامية، وهو يهمّ القاضي في معرفة الأصول التي يحكم بها في المنازعات المتعلقة بقضايا الأموال واستعمال الطرق، وإنشائها، ومعرفة حريم البناء، وحقوق الجوار وأهل البلدة في استعمال المرافق.
ولم تكن هذه الكتابات إلا تعبيرا عن نهضة حقيقية في مجال حماية البيئة، وصيانة كافة عناصرها الحية والجامدة، وكانت الرقابة التي يقوم بها المحتسب ولاية وتطوعاً سببا في المستوى الذي وصل إليه المجتمع الإسلامي من علو مستوى الحفاظ على البيئة، وسمو أحكامه في هذا المجال، والذي يريد أن يقارن بين ما وصل إليه المسلمون وما كان عليه غيره فليقرأ في كتب الرحلات، وبصفة خاصة رحلة ابن فضلان إلى بلاد الروس.

المبحث الثاني:
بعض قواعد فقه العمران

لعلَّ السؤال الذي يفرض نفسه، وهو ما يردده كثير: هل يمكن للقاعدة الفقهية أن تكون دليلاً تؤخذ منه الأحكام؟
السؤال ليس حديثا كما يظنه البعض، بل طرح قديما، ومن أقدم من أجابوا عنه إمام الحرمين الجويني في كتابه “الغياثي”، وهو يتحدث عن قاعدتي الإباحة وبراءة الذمة قال: “وغرضي بإيرادهما تنبيه القرائح، ولست أقصد الاستدلال بهما”.
وهو الموقف الذي أخذت به مجلة الأحكام العدلية، وأعلن واضعوها أن القواعد التي صدرت به المجلة ليست نصوصا يحكم بها، والرأي عندي أنه ينبغي التفرقة بين القواعد الكلية والقواعد الأغلبية، فالقواعد الكلية ذات مصدر قطعي قد يكون القرآن، أو السنة أو الاستقراء التام، وهذه القواعد بطبيعتها تتحرك باعتبارها دليلا؛ لأنها حاكمة على كل مفردتها ومستغرقة لها. أما القواعد الأغلبية فالأرجح الحذر من اتخاذها دليلا؛ لأن الاستثناء إذا دخل على القاعدة الفقهية جعلنا لا نستيقن من استغراقها للنازلة التي ربما تكون أدخل في الاستثناء عن الوصف والتحديد. ولعل هذا ما يقصده ابن نجيم في “الفوائد الزينية” “أنه لا يجوز الفتوى بما تقتضيه القواعد والضوابط؛ لأنها ليست كلية بل أغلبية”.
والذي لاشكّ فيه أن القواعد الكلية جاءت في جانب منها صدى لدليل أصولي أثبت حجيتها، حتى تصبح قاضية على جزئياتها وهو ما عبر عنه “ابن النجار” في شرح الكوكب المنير بقوله: “إن جملة من قواعد الفقه تشبه الأدلة وليست بأدلة، لكن ثبت مضمونها بالدليل، وصارت يقضى بها في جزئياتها، كأنها دليل على ذلك الجزئي، فلما كانت كذلك ناسب ذكرها في باب الاستدلال، إذا تقرر هذا فاعلم أن من أدلة الفقه أن لا يرفع يقين بشكّ”.
والرأي عندي أن القاعدة الفقهية ليست بديلا للدليل، ولكنها تعين على إنزال الدليل الموجود، وتحكم جزئياتها عند غياب النصّ، وذلك من باب تخريج الفروع على الأصول، وله أمثلة في كتب الفقه منذ القرن الهجري الثاني، خاصة في كتب أبى يوسف ومحمد، وفي بعض ما نقل عن الأوزاعي، ويتم الإشارة إلى القاعدة إضاءة لحكم النازلة، من ذلك ما ورد عن الشافعي عندما سئل عن المرأة إذا فقدت المرأة وليها في سفر، فولت أمرها رجلا؟ قال الشافعي: يجوز. فقيل له: كيف هذا؟ فقال: “إذا ضاق الأمر اتَّسع”.
والذي يقرأ في كتب فقه العمران يجد القواعد الشرعية تتحرك في مجالات عديدة، خاصة قاعدة: لا ضرر ولا ضرار، وما يتفرع عنه من قواعد مثل: الضرر لا يكون قديما، والضرر الأشد يدفع بالضرر الأقلّ، والضرر العام يقدم على الضرر الخاص إلى آخره. وقواعد كثيرة خاصة بالضمان أي المسئولية، وهنا يقدم فقه العمران نظرية تكاد تكون حديثة وتطابق نظرية المسئولية المطلقة، بل إننا في هذا المجال نجد مسئولية الدولة سابقة على مسئولية الأفراد؛ لأن مسائل البيئة والعمران في جانبها التنظيمي هي من السياسة الشرعية، وليس هذا من أجل فتح الباب أما السلطة السياسية لتصدر ما تشاء من التشريعات والأوامر بما يعكس تقوية غير مرغوب فيها للسلطة التنفيذية، كما يقول البعض؛ لأننا نتحدث عن سلطة شرعية من وجهة نظر إسلامية، وهي رغم إسلاميتها محكومة بقاعدتين : الأولى: عقائدية يعكسها حديث «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق»، والثانية: فقهية وهي قاعدة: تصرف ولي الأمر منوط لمصلحة الرعية، والقاعدتان تضعان قيودا على سلطة ولي الأمر لصالح النصوص الشرعية، وصالح الرعية معا.
وهنا يبدو الخلل في فهم آليات الفقه الشرعي؛ لأن سلطة وليّ الأمر في مساحات النص محل الاجتهاد، وفي مساحات الغياب النصي، لابد من قيامها بِملئ المساحة التكليفية الشاغرة في مجال الأمر والنهى، بإضفاء عنصر الإلزام على الاجتهاد الفقهي؛ لأن الاجتهاد يعني بالضرورة أكثر من رأي، وفي القواعد الإسلامية: “لا ينقض اجتهاد باجتهاد مثله”، وهنا لابد من قيام قاعدة “اختيار الحاكم يرفع الخلاف ” بدورها، وهي قواعد تعمل في دوائر مختلفة؛ لأن الرأي عندي أن دائرة الاستنباط، غير دائرة التقنين، غير دائرة التطبيق، ولكلّ دائرة من هذه الدوائر آليات خاصة ويكاد ينفرد بها الفقه الإسلامي.
وفقه البيئة في الإسلام كان يتحرك في الواقع الاجتماعي من خلال ولاية الحسبة بوجه خاص، وعمل المحتسب متطوعا أو معينا ـ بوجه عام، والكتابة المعاصرة إذا انفصلت عن مصادرها الفقهية والتاريخية، فقدت أهم آلياتها في معرفة الفقه المتحرك وقواعده وآلياته في كتب النوازل والواقعات وكتب الحسبة العملية.
وفي لقطات سريعة، فإن المحافظة على المياه والرقابة على استعمالها كانت جزءاً من عمل المحتسب، الذي يمنع الدواب من الشرب من أماكن السكان، ويمنع النساء من أن يغسلن بالقرب من هذه المواضع، ويمنع من تلويث مياه النهر والآبار، وتقرأ فيما كتبه ابن عبدون، وأبو عبد الله التلمساني، وابن سهل في نوازله، وصاحب المعيار في فتاويه، صفحات كثيرة في هذا الصدد من أجل حماية البيئة من الضوضاء، إلى حدّ منع مؤذن المساجد من رفع الصوت بالأذان في جوف الليل بما يضر بالنيام، روى ابن سهل في نوازله ما يلي: “كان سليمان الشقاق متصرفا بين يدي الواعظ أبي العباس أحمد بن أبي الربيع الألبيري الواعظ بجامع قرطبة، فقام على هذا القائم عند الوزير علي بن ذكوان، وهو في خطة أحكام السوق بالحسبة، وذكر أنه يقوم بالأسحار في جوف الليل ويصعد على سقف المسجد الذي يقرب داره ويؤذن على السقف ويبتهل بالدعاء، ويتردد في ذلك إلى أن يصبح، وقال القائم: إن في ذلك ضررا على الجيران، ووافقه القاضي على ذلك، وشاور في ذلك، فجاوبه ابن دحون: “يؤمر هذا المقوم بأن عليه أن يقطع الضرر عن جيرانه”.
ويشير” يحيى بن عمر”، و”السقطي” وابن “عبد الرؤوف” إلى وقائع كثيرة يقوم فيها المحتسب بمنع غش الدقيق، وإفساد الطعام وتلويثه، وإقرار نوعين من المسئولية:
الأولى: مسئولية جنائية تتمثل في عدد من التعازير.
والثانية: مسئولية مدنية بتعويض ما تَمّ إفساده أي الضمان، وقد تصل الرقابة في مجال الأسواق إلى حد المصادرة أو الإخراج من السوق، وفي نوازل ابن سهل أن ابن حبيب من المالكية أفتى في مثل هذه الحالات بالضرب والإخراج من السوق.
وكانت الرقابة على اللحوم صارمة إلى حد كبير، ليس فقط في المكاييل والموازين، وليس فقط في طرق ذبح الحيوانات وبيعها ووزنها وغشها، ولا تسعير السلع فحسب، بل كانت رقابة المحتسب، تتعلق بالأطعمة الفاسدة، والأطعمة المحرمة، وفي المعاصر الخاصة بالزيوت قامت الرقابة على نظافة الأواني، وعدم خلط الزيت القديم بالزيت الجديد، وأن يكون مكيال الزيت من الفخار وليس من النحاس، وكان للأواني أغطية حتى لا تسقط فيها الحشرات، وأقام المحتسب حربا على الفئران، وكان من مهمة المحتسب المحافظة على الصحة، وغير ذلك. وقد يقال: إن البلدية والنيابة العامة وكلّ من لهم حق الضبطية القضائية يقومون اليوم بدور المحتسب وفق قواعد وقوانين محدثة، والرأي عندي أن الأمر في دور المحتسب يتعلق بتطبيق الشريعة في الحياة اليومية، وهو ما يستدعي تفعيل دور المجتمع الإسلامي إلى جوار السلطات؛ لأن المنكر الموجب للحسبة يستدعي مواجهة لا تنحصر في السلطة، وإنما يمتد الواجب إلى كل فرد قادر.
وكانت الأسواق محكومة بقواعد وآليات تحمي الصحة العامة، وتحمي البيئة بل وتحمي حتى الدواب بمنع تعذيبها، وكان بائعو البيض كما ورد عند “ابن عبدون” يجب أن يكون بين أيديهم أوان خاصة مملوءة بالماء ليقاس فيها البيض الفاسد، وقد بينت كتب الحسبة أساليب الطهي للطعام واللحوم ونظافتهم ونظافة أوانيهم، وكانت هناك مسئوليات لحماية البيئة تقع على الفران والخباز وغيرهما.
وفي كتاب “ابن الرامي” الإعلان بأحكام البنيان” فصول عن ضرر الأرضية، وضرر الرائحة.
بل إن الفقه الإسلامي عالج أضرار البيئة التي تنقص من ثمن الأشياء منقولات أو عقارات، وقد روى”الباجي” في “الأحكام” كما نقله ابن الرامي: أن الشيوخ تنازعوا في الأفران والحمام إذا أحدث بقرب دار الرجل، وليس يضر ذلك بداره، غير أنه ينقص من ثمنها قال بعضهم ذلك ضرر يجب قطعه لأجل ما يتقى من وقوع النار ومن اجتماع الناس إلى ذلك وكثرة ترددهم وذلك واضح بقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ﴾( ).
وفي نازلة تتعلق باللحم المشوي، وأدوات القلي في الأسواق والدور حكم “ابن عبد الرفيع” فأمر بقطعها؛ لأنّ الدخان ضرر بالإجماع. بل إن القواعد الشرعية تتطور بتطور العمل بها على ضوء النوازل الجارية فقاعدة القديم يظل على قدمه، رأينا القاضي “ابن عبد الرفيع” في بعض أحكامه لا يعتد بها، ويرى أن القطع هو الحكم في دخان الحمامات والأفران، ونتن ذبائح الدباغين، سواء كان الضرر قديما أو حديثا؛ لأن الضرر في مثل هذا لا يستحقّ القدم.
وعلى هذه القواعد جرى العمل في كثير من الكتب الفقهية التي تتعلق بالنوازل وقد وضع “أبو حامد المقدسي” في كتابه “الفوائد النفيسة الباهرة في بيان حكم شوارع القاهرة” قاعدة هامة في مجال البيئة فحواها: أن كلّ ما وضع وكان بغير حق فهو واجب الإزالة.
وقد أشارت مجلة الأحكام العدلية إلى عدد من الأحكام المبنية على هذه القواعد الفقهية، وفيها آليات تعين الباحث في فقه البيئة في الإسلام نجعلها ختاما لهذه الورقة الموجزة.
مادة 1195: من أحدث في داره بيتا فليس له أن يبرز رفرافه على هواء جار، فإن أبرزه يقطع القدر الذي جاء على هواء تلك الدار.
مادة 1198: كل أحد له التعلي على حائط الملك وبناء ما يريد وليس لجاره منعه ما لم يكن ضرراً فاحشاً.
مادة 1199: والضرر الفاحش كل ما يمنع الحوائج الأصلية يعني المنفعة الأصلية المقصودة من البناء، كالسكنى، أو يضر البناء أو يجلب عليه وهناً يكون سبب انهدامه.
ويمكن مراجعة المواد الآتية : 1200، 1201، 1202، 1212، 1213، 1214، 1215، 1218، 1219، 1220، 1221، 1222، 1224، 1308، 1318.
إن القواعد الشرعية التي عرضنا بعضا منها، ليست مجرد آليات استخدمها الفقه الإسلامي قديما للحفاظ على البيئة، وإقامة أبنية تشريعية لحمايتها وصيانتها، بل إنه أفق ينبغي أن يحلق فيه كل باحث في مجال البيئة مرتبطا بأحكام الشريعة الإسلامية، خاصة وأن كل مسلم يتغيا تحكيم الإسلام في الحياة.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته،،،،

 

* ندوة تطور العلوم الفقهية فِي عمان “ الفقه الحضاري، فقه العمران”

 المنعقدة خلال الفترة: (18-21) ربيع الثاني 1431هـ / (3-6) إبريل 2010م:

سلطنة عمان- وزارة الأوقاف والشؤون الدينية 

هذه المقالة تحتوي على لا تعليق

أكتب تعليقك هنا

نرجو أن تضع المادة أسفله
الإسم
إيميل
موقع
تعليقك