مصائر المدينة والمدنية الإسلامية

مصائر المدينة والمدنية الإسلامية
المطالب المتجددة لفقه الحضارة والعمران *

إعداد: أ. د. رضوان السيد

( أستاذ الدراسات الإسلامية والفكرية بالجامعة اللبنانية )

 

أولا ً: المدينة الإسلامية

التصوّر والبنية ووظائف الفقهاء

لدينا أربعة أنواعٍ رئيسة من الكتابات عن “المدينة الإسلامية”، وهي([1]): كتابات المؤرّخين، والتي تتناول في العادة نشوء المُدُن في الإسلام مثل البصرة والكوفة وواسط وبغداد. وكتاباتُ هؤلاء لا تهتمُّ في الغالب إلاّ بالمرحلة الأولى للنشأة، وتقسيمات المدينة الداخلية لأول عهدها. ولذلك فإنها تبقى مهمةً لجهة معرفة طرائق التفكير والتقدير أثناء البناء، ولجهة العلائق بين المعالم الأساسية لذلك المستقرّ الْحَضَري: دار الإمارة، والمسجد الجامع، والسوق، والأحياء أو الأَرباع، وأخيرًا الفناء أو الربَض المستخدم للمنافع العامّة بداخل الأسوار أو خارجها. أمّا النوعُ الثاني من أنواع الكتابة عن المدينة فهو كتابات الجغرافيين والرحّالة وهي تأتي بعد كتابات المؤرّخين بأكثر من قرنين.

وتتناولُ المعالم الرئيسة لمدن دار الإسلام أو بعض نواحيها فيما بعد القرن الثالث للهجرة. والعلماء من بين الجغرافيين مثل ياقوت الحموي في” معجم البلدان” يهتمون بالنقل عن المؤرّخين بشأن بدايات المدينة، وفيما عدا ذلك فهناك حديثٌ متفاوتٌ طولاً وقصراً ـ كما سبق القول ـ عن المعالم الرئيسة للمدينة مثل المسجد أو المساجد الجامعة، والمدارس، وفئات السكّان العرقية والمذهبية، والنُخَب العلمية فيها، والأسواق المختلفة التي تقع فيها والسِلَع التي تُتداوَلُ في تلك الأسواق. وإذا كان المؤرّخ مهتماً بالدرجة الأولى بطرائق إقامة المدينة، فإنّ الجغرافي والرحّالة مهتمٌّ بالدرجة الأولى في الغالب بأمرين اثنين:

أنواع الأسواق والسِلَع، والنُخَب العلمية وحركتها بين المساجد والمدارس الموقوفة.

أمّا النوعُ الثالثُ: من أنواع الكتابة عن الُمُدن فهو كتاباتُ الفلاسفة، ومن بين هؤلاء على الخصوص الفارابي (339هـ). وإذا كانت كتاباتُ المؤرّخين والرحّالة تاريخية وواقعية ولا تتضمن في الغالب مسائل نظرية، فإنّ كتابات الفلاسفة لا تتضمن غير تصوراتٍ للمدينة، باعتبارها مجالاً لممارسة السلطة المدنية المؤهِّلة لها لكي تصير مدينة أو دولةً فاضلة.

أمّا النوعُ الرابعُ: من أنواع الكتابة عن المدينة في تُراثنا فهو كتاباتُ الفقهاء، وهي معنيةٌ بالأمرين: التصُّور، والمواصفات العملية للحاضرة أو المدينة أو المصر([2]). على أنّ هذا التوصيفَ الذي ذكرتُهُ لأنواع الكتابة عن المدينة الإسلامية أو المدينة في الإسلام، إِنَّمَا هو توصيفٌ مبدئي. فابن خلدون (-808هـ) المؤرّخ، والمقريزي المؤرّخ وصاحب الخِطط، لا يكتفيان بتحديد بدايات الْمُدن مثلاً، بل إنّ للمدينة عندهما وظائفَ أُخرى تتعلق بمفهومهما للعُمران الْحَضَري. ومن جهةٍ أُخرى بالنسبة لابن خلدون؛ فإنّ ذلك يتّصل بمفهومه لصيرورة الدولة من التوارث العَصَبي والدموي بالبادية، وحتَّى انتهائها إلى المدينة. ورؤية الفلاسفة للمدينة/الدولة مختلفةٌ بعض الشيء لدى ابن سينا عنها لدى الفارابي، وإن ظلَّ النموذج التصوري واحداً. وفي كتابات الجغرافيين قد تُسيطرُ جغرافية بطليموس بأقاليمها السبعة على الكاتب، فيذهب بعيدًا في الحديث عن “صورة الأرض” من وجهة النظر تلك، متناسيًا معالمَ المدينة الأساسية إلا قليلاً([3]). وما ذكرت كتب التراجم للعلماء في مدينة معنية مثل تاريخ بغداد وتاريخ دمشق والإحاطة في أخبار غرناطة، إذ لا نكادُ نجد فيها معلومات إلاّ عن النخبة العالمة، والكُتَّابُ لهذه الكتب هم في الغالب من الفقهاء والْمحدّثين، وهذا دليل على أهمِّية المدنية بالنسبة للعلماء.

وهكذا فقد لا نجدُ لدى استكشاف تصور ” المدينة الإسلامية” وواقعها في زمنها الوسيط (أي بين القرن الثالث الهجري والقرن الثاني عشر الهجري)، نموذجًا أقرب لِما نحن بصدده من الكتابات الفقهية.

ولا ينبغي فهم ذلك باعتباره تَمدُّحاً أو ثناءً، فهو تصورٌ منمَّطٌ إلى حدّ بعيدٍ وله وظائف محددةٌ في عقل الفقيه و وعيه، تتصل بماهية المدينة، و وظائفها، فيما بين “تمصير” النبيّ صلعم ليثرب، و تمصير عمر بن الخطّاب للأمصار السبعة ([4]) وإلى زمن الفقيه مهما بلغ ابتعادُهُ الجغرافي أو التاريخي عن عهد ظهور فكرتي الجُند والمِصر في صدر الإسلام([5]).

واستنادًا إلى هذه الاعتبارات كلّها، فإنني سألجأُ لاقتباساتٍ قليلةٍ من فلاسفة السياسة والتاريخ، وهي أفكارٌ وتصوراتٌ أعتقدُ أنّها أثّرت في الفقهاء بشكلٍ مباشرٍ أو غير مباشر.

ثُمَّ أُركّزُ على “المدينة الإسلامية”، كما استقرَّ الوعيُ بها لدى الفقهاء، لأَصِلَ بعد ذلك إلى الحديث عن انقضاء النموذج المديني الإسلامي، وما يفرضُهُ ذلك على الفقهاء، والذين تغيروا أيضًا، من وجوه وعيٍ جديدةٍ بالحاضر العربي والإسلامي، على مستوى الأفكار، ومستوى التوجُّه، ومستوى رؤية العالم، والقدرة على التأثير بالداخل والخارج.

يقول الفارابي (339 هـ) ([6]): “.. لا يمكن أن يكونَ الإنسان ينال الكمال الذي لأجله جُعلت الفطرة إِلاَّ باجتماعات جماعةٍ كثيرةٍ مُتَعاونين، يقوم كلُّ واحدٍ لكلّ واحدٍ ببعض ما يحتاجُ إليه في قوامه، وفي أن يبلُغَ الكمال. ولهذا كثُرت أشخاص الإنسان فحصلوا في جميع المعمورة من الأرض فحدثت منها الاجتماعات الإنسانية، فمنها الكاملة ومنها غير الكاملة. والكاملة ثلاث: عظمى ووسطى وصغرى. فالعظمى اجتماعات الجماعة كلها في المعمورة، والوسطى اجتماع أمة في جزء من المعمورة. والصغرى اجتماع أهل مدينة في جزء من مسكن أمة… وغير الكاملة اجتماع أهل القرية واجتماع أهل المحلة، ثم اجتماع في مسكن، ثم اجتماع في منزل… فالخير الأقصى والكمال الأقصى إنما يحصل أولا بالمدينة لا بالاجتماع الذي هو أنقص منها…” وهكذا فإن الاجتماع البشري أو الإنساني عند الفارابي ضرورة فطرية، لكي يستوفي الإنسان بالتعاون حاجاته الأساسية. لكنه فيما يتجاوز ذلك ضروري أيضا لبلوغ الكمال الإنساني؛ لأنَّ الكمال في نظر الفارابي لا يتحقق إلا في المدينة([7])9).

ولست مضطراً إلى إكمال الاقتباس بشأن هذا التصور الأفلاطوني للمدينة واتصاله بالكمال؛ لأنَّه ينتهي إلى اختزال ذلك كله في الرئيس، وهو ما لا يتابعه عليه الفقهاء. لكنني أود توجيه النظر إلى تأثر الفقهاء منذ القرن الرابع بهذا التصور لفضائل الاجتماع المدني. إذ هم لا يقتصرون ـ والماوردي مثلهم في ذلك ـ عند الثناء على المدينة والمصر على فرض الهجرة إليها زمن النبوة، وما ورد من آثار سلبية بشأن البادية والريف الفلاحي بل يضيفون لذلك ثلاث ميزات للمدينة: اكتمال الفرائض الدينية (صلاة الجمعة)، ووجود السلطة الناظمة والمحققة للأمن والاستقرار بخلاف القرى، والقدرة على ممارسة النشاطات العلمية والتجارية([8]).

مدينة الفقهاء في القيام والميزات

–     يقول الماوردي في أنواع الأمصار أو المدن: إنها قسمان([9]): أمصار مزارع وسواد، وأمصار فرصة وتجارة، وهو يعني بذلك أن من الأمصار ما يكون الغالب في إنشائه واستمرارِهِ وجودُهُ في منطقةٍ زراعيةٍ خصبة، ومنها ما يكون سبب قيامه أن فرص التجارة والكسب فيه كبيرة لقيامه على نهر كبير أو شاطئ بحر. والطريف أنه لا يذكر «مُدُن القوافل» التي تقوم في واحة بالصحراء أو على حاشي

هذه المقالة تحتوي على التعليقات على مصائر المدينة والمدنية الإسلامية مغلقة

التعليقات مغلقة مع الأسف