الفقهاء والمدينة والتَّمَدُّن

الفقهاء والمدينة والتَّمَدُّن *

إعداد: د. معتز الخطيب

(مدير تحرير الملتقى الفكري للإبداع، سوريا)

 

تقديم

فكرة البحث:
حظيت المدينة باهتمام كبير في الإسلام، فمنذ البداية تم التشديد على المدينة والهجرة إليها والاستقرار بها من قِبَل النبيّ صلعم، واستمر هذا التشديد والحشد والتجمع بالأمصار في عهد خلفاء النبي صلعم، كما أنه حدثت تطورات كبيرة في شكل وتخطيط المدن وفي ألوان الحياة فيها؛ بما يعكس الصورة المدنية للإسلام.

وقد ارتبطت دراسة المدينة والتمدّن في العصر الحديث بالدراسات الاستشراقية التي خضعت ـ في معظمها ـ للمركزية الأوربية في رؤية المدينة وتصورها، فخرجت بنتائج تخالف الواقع التاريخي وتعبر عن عجزٍ في فهم البناء الفكري والقيمي الذي كان يحكم المدن الإسلامية، ومن هنا نشأت مقولات استشراقية من مثل أن الإسلام لم يترك أثرًا على تكوين المدينة، أو أن المدينة الإسلامية ليس لها خاصية محددة، وغير ذلك.

يعالج هذا البحث الوعي الفقهي للمدينة، بدءًا من التفسير الفقهي للمدينة، ثم حركية العمران التي ولّدت جملة من القواعد الفقهية الضابطة والحاكمة لما سمي فقه العمران، مع بيان طرف من حركة التأليف التي نشطت في هذا المجال، ثم رؤية الفقهاء للصروح المعمارية وتقسيمهم للبنايات، ووعيهم بمواقع المدن ووظائفها، وأسباب ازدهارها وانحلالها، إلى مظاهر التمدن في الوعي الفقهي وغير ذلك.


مقدمة

حَظِيت المدينة باهتمام كبير في الإسلام، فمنذ البداية تَمّ التشديد على المدينة والهجرة إليها والاستقرار بها من قِبَل النبيّ صلعم، واستمرّ هذا التشديد والحشد والتجمع بالأمصار في عهد خلفاء النبيّ صلعم، كما أنَّه حدثت تطورات كبيرة في شكل وتخطيط المدن وفي ألوان الحياة فيها؛ بما يعكس الصورة المدنية للإسلام، وأن المدينة تطورت بتطور حضارته، فتأثرت وأثّرت، وإن كان ذلك لم يمنع من إدراك تميز المدينة وأصالتها في عالم الإسلام، الأمر الذي دفع العديد من الباحثين إلى إطلاق مسمى “المدينة الإسلامية” على المدن التي حكمها الإسلام أو أنشأها الحكام في العصور الإسلامية، وهي المدن التي قامت العديد من الدراسات المعاصرة لبحث مكوناتها ومعالمها والأسسِ التي قامت عليها، بما يعكس خصوصية الإسلام في هذا المجال([1]).

صحيحٌ أنه لم تظهر في بداية نشأة الإسلام حاجة إلى التعبير عن العقيدة الجديدة والإيمان بها تعبيرًا معماريًّا ذا فخامة، ولذلك اتسم المسجد في الإسلام المبكر بالبساطة، ولم تتخذ العمارة ـ في حينها ـ شكلاً خاصًّا، كما لم يكن هناك رمز مادي ملموس يميز العقيدة الجديدة، فكانت عقيدة صافية مجردة من الماديات، قامت دون الحاجة إلى رجال دين أو مبنى ذي هيئة خاصة أو رمز معين، لكنّ نمو الدولة واتساع سلطان الإسلام ولّد الحاجة التي شعر بها خلفاء مثل عمر بن الخطاب وعبد الملك بن مروان والوليد بن عبد الملك وولاتهم في الأمصار إلى إظهار حقيقة الوجود الإسلامي في صورة مادية تختلف عما يحيط بها وتتميز مع ذلك بهيئة إسلامية مفهومة([2]).

إسلاميَّة المدينة عَنَت ـ بالإضافة إلى ما تتميز به المدينة من خصائص حضارية عامة ـ أنها انعكاس لشمولية الإسلام بوصفه منهج حياة، ومن ثَم فإنّ الإسلام ونظمه وأحكامه كانت هي المحور الذي تدور عليه حياة المدينة بكل تفاصيلها كما سيتضح لاحقًا في هذا البحث الذي يعكس الوعي الفقهي بالمدينة؛ نظرًا لمحورية الفقه ومركزيته في الحياة والتفكير الإسلاميين بوصفه القانون المعياري الذي ينظم أمور الحياة. كما أن إسلامية المدينة هي انعكاس لهيئتها التي تبِعت وظيفتها التي أُنشئت من أجلها.

لكن لا بدّ هنا من توضيح شكل ارتباط العمارة بالدين: فقهًا وعقيدةً، فالدين كان دافعًا أساسيًّا لنمو حركة العمران ولم يتحول إلى قيد مانع من ازدهار العمران وتطور حركته كما قد يبدو في بعض تطبيقات الفهم الفقهي والعقدي الضيق اليوم، صحيحٌ أن العمارة الدينية كانت أقل تطورًا من نظيرتها الدنيوية ومقيدة من حيث أشكالها وأغراضها؛ نظرًا لارتباطها بوظائف عقدية، مع ما قد يبدو فيها من اتساع في الآراء الفقهية([3])، لكن العمارة الدنيوية كانت رحبةً وقدمت ميدانًا أوسع لتطور العمارة الإسلامية؛ إذ لم يكن هناك تحريم ديني أو معارضة فكرية لاستخدام أي شكل من أشكال العمارة، كما أنها صدرت عن أغراض وحاجات وأذواق مغايرة لتلك التي نشأت عن العقيدة الإسلامية([4]).

والحديث عن المدينة وتاريخها في الإسلام ليس أمرًا جديدًا، فثمة مؤلفات تاريخية كثيرة تتصل بتاريخ المدن وخططها، حتى إنه ليكاد يكون لكل مدينة إسلامية تاريخ خاص وكتاب أو أكثر، يتناول التاريخ السياسي أو التاريخ الاجتماعي أو يؤرخ لأعلامها البارزين([5]). ويكشف هذا الحرص على تدوين تاريخ المدن وأعلامها وخططها المستوى الحضاري للفكر الإسلامي واهتمام المسلمين بالعمران ومساهمتهم في تاريخ التمدن، الأمر الذي دفع مثل “جويتاين” إلى الإشادة بفضل المسلمين في اتخاذ المدن وتشييد المراكز العمرانية، وأن ما أحدثه الإسلام من مظاهر التمدن يعتبر ثورة في تاريخ التمدن العالمي([6]).

غير أن دراسة المدن الإسلامية في العصر الحديث ارتبطت بحركة الاستشراق واتجاهاته، خصوصًا مع اهتمام الدراسات الاستشراقية بدراسة التمدن الإسلامي، فبدت كثير من تلك الدراسات محكومة بالمفاهيم والنظم الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي تحكم المدينة الغربية، فانتهت إلى نتائج خالفت الواقع إلى حد بعيد، حتى إن بعض تلك الدراسات أنكرت وجود أسس تخطيطية ثابتة للمدينة الإسلامية، على عكس المدن الرومانية ومدن أوربا في العصور الوسطى، وهي آراء بدأها سوفاجيه وكررها جرونباوم وبلانهول الذي يرى أن الإسلام لم يكن مشجعًا أو دافعًا إيجابيًّا لحركة التمدن، وأنه لم يأتِ بالبديل للمدن التي خضعت للفتوح التي ورثت تمدنًا قديمًا فقلدها، فهو ينكر الصياغة الإسلامية للتكوينات المعمارية في المدينة، ويعضد هذا الرأي “هاموند” الذي يذكر أن الحضارة الإسلامية كانت ضد حركة التمدن([7]). وإن كان ثمة دراسات في المقابل حاولت التعرف على المدينة الإسلامية من منطلق آخر يربط المدينة الإسلامية بظروف نشأتها ومراحل تطورها ويحاول فهم المؤثرات والأسس التي قام عليها تخطيطها ونما فيها تركيبها المادي، حتى إن ليسنر خلص إلى أن “القصر والجامع أصبحا سمة أثرية من سمات المدينة الإسلامية بدأت مع الفتوح الإسلامية”، وانتهى لابيدوس إلى أن المدن الإسلامية نشأت وتطورت عمرانيًّا ولم تعد مدنًا مفردة لكنها أصبحت مدنًا مركبة، أي أنها تضم أكثر من مدينة، كما أكد جورج مارسيه على بعض ملامح المدينة الإسلامية موضحًا أثر الإسلام في المدينة ووحدة تركيبها وانعكاس ذلك على تشابه المدن الإسلامية بصفة عامة، وكذلك أشاد لومبارد باهتمام الإسلام بالتمدن وازدهار التمدن الإسلامي مقارنًا بعصور التمدن السابقة عليه، وخلص “بينت” إلى أن الإسلام دين تمدن وله دور فعال في إعادة البناء التمدني الذي نراه متمثلاً في المدن، وأكد سبنسر على انسحاب السمة الإسلامية على المدينة الإسلامية من عصورها المبكرة حتى العصر العثماني، وأكد على أن إنشاء المدن كان من مظاهر تمسك المسلمين بدينهم الفريد في خصائصه ([8]).

بقي أن نوضح وجه علاقة الفقهاء بالمدينة على وجه الإجمال، ويكفي في ذلك التذكير بمركزية الفقه في الحياة الإسلامية؛ لأنه يشكل المرجعية المعيارية الناظمة لشؤون الحياة وفق أحكامه التكليفية الخمسة، كما أنه يتناول الشخصية الحقيقية (الأفراد) والشخصية الاعتبارية (المجتمع والدولة)، وقد شكلت الكتب الفقهية المتنوعة مصادر ثرية توضح الصيغ القانونية والدينية الإسلامية التي كانت تحكم حياة المجتمع في جميع جوانبها، فضلاً عن أن العمران منوطٌ بمقاصد الشريعة وتحقيق الضروريات الخمس: الدين والنفس والعقل والنسل والمال([9]). وقد توصلت إحدى الباحثات بعد دراستها لنماذج من المدن الإسلامية كالقاهرة وتونس وغيرهما إلى أن هذه المدن تسير وفق قانون إسلامي يحدد أشكال الملكيات وحقوق الارتفاق تحديدًا واضحًا، فحدد علاقة الملكيات الخاصة بالمرافق العامة وينظم علاقة أصحابها بالجهات الرسمية للدولة، وأن هذا النظام يختلف عن نظام القانون الروماني الذي كان يحكم مدن أوربا في العصور الوسيطة ([10]).

المفهوم الفقهي للمدينة:

يَصعب تحديدُ المفهوم الفقهي للمدينة، ومَرَدُّ ذلك إلى الافتقار للنصوص الواضحة في ذلك، وإلى التداخل الحاصل لدى الفقهاء بين عدة مفردات في هذا الخصوص كالمدينة والمصر والبلد، ولأن العرف الفقهي والعامّ غلَّب إطلاق اسم المدينة على المدينة المنورة ـ على ساكنها أفضل الصلاة والسلام ـ وإذا أُطلق لفظ “المدينة” انصرف إلى المدينة المنورة لا غير، فلهذا كله يجري تحديد المفهوم الفقهي للمدينة ـ بشكل عام ـ بالتأويل والاستنباط.

ويبدو أن الفقهاء أطلقوا المصر وأرادوا به المدينة، “قال الليث بن سعد: المصر في كلام العرب كلُّ كُورة تقام فيها الحدود ويُقسم فيها الفيء والصدقات من غير مؤامرة للخليفة. وكان عمر t مصَّر الأمصار، منها البصرةُ والكوفةُ. قال الجوهري: فلان مصَّر الأمصار، كما يقال: مدَّن المدن” ([11]). و”عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ـ رحمه الله ـ: أَنَّ الْمِصْرَ بَلْدَةٌ كَبِيرَةٌ فِيهَا سَكٌّ وَأَسْوَاقٌ, وَلَهَا رَسَاتِيقُ وَفِيهَا وَالٍ يَقْدِرُ عَلَى إنْصَافِ الْمَظْلُومِ مِنْ الظَّالِمِ بِحَشَمِهِ وَعِلْمِهِ أَوْ عِلْمِ غَيْرِهِ, وَالنَّاسُ يَرْجِعُونَ فِي الْحَوَادِثِ إلَيْهِ. قَالَ الْكَرْخِيُّ: إنَّ الْمِصْرَ الْجَامِعَ مَا أُقِيمَتْ فِيهِ الْحُدُودُ وَنُفِّذَتْ فِيهِ الْأَحْكَامُ. وَقَالَ الْقَلْيُوبِيُّ: الْمِصْرُ الْعِمَارَةُ الْمُجْتَمِعَةُ الَّذِي فِيهِ حَاكِمٌ شَرْعِيٌّ وَشُرْطِيٌّ وَأَسْوَاقٌ لِلْمُعَامَلَاتِ. وَالْمِصْرُ أَعْظَمُ مِنْ الْقَرْيَةِ” ([12]). وقال القليوبي: “البلد: ما فيه حاكم شرعي أو شرطي أو أسواق للمعاملة، وإن جَمَعت الكل فمصرٌ ومدينة، وإن خلَت عن الكل فقرية”([13]). وقال الماوردي: “وأما الأمصار فهي الأوطان الجامعة، والمقصود بها خمسة أمور”([14])، ثم ذكر خصائص المدينة ثم شروطها.

وأوضح المقدسيُّ الاختلاف في مفهوم المصر نفسه بين الفقهاء وغيرهم، فقال: “وقد اختُلف في الأمصار، فقالت الفقهاء: المصرُ كلُّ بلد جامع، فيه الحدودُ، ويَحِلُّه أميرٌ، ويقوم بنفقته ويجمع رُسْتَاقه، مثل عثَّر ونابلس وزوزن. وعند أهل اللغة: المصرُ كلُّ ما حَجَز بين جهتين مثل البصرة والرقة وأرَّجان. والمصرُ عند العوامّ: كل بلد كبير جليل مثل الري، والموصل، والرملة. وأما نحن فجعلنا المصر كلَّ بلد حلَّه السلطان الأعظم، وجُمعت إليه الدواوين، وقُلدت منه الأعمال، وأُضيف إليه مدن الإقليم، مثل دمشق، والقيروان، وشيراز. وربما كان للمصر أو للقصبة نواح لها مدن، مثل طخارستان لبلخ، والبطائح لواسط، والزاب لإفريقية”([15]).

فاتضح بهذا أن المصر والمدينة سواءٌ عند الفقهاء، فهما كيان حضري وسياسيٌّ وديني، فكونه حضريًّا يتمثل في كونه جامعًا للناس يحقق الأمن والعدل وتنتظم به المصالح من خلال السك والأسواق والدَّخل والخَرْج، وكونه سياسيًّا يتمثل في وجود الوالي أو الأمير أو الحاكم الشرعي، وكونه دينيًّا يتمثل في إقامة الحدود فيه وتنفيذ الأحكام الشرعية ([16]).

الفقهاء والوجود المَدِيني:

كتب William Marcais سنة 1928م دراسةً حاول فيها إثبات أن الإسلام دين حضريٌّ؛ لأنه يوجِب إقامة صلاة الجمعة في “مصر جامع” ([17])، وقد قلَّده في هذا آخرون، منهم بلانهول الذي نقل عنه فكرة أن الإسلام دين حضري، وقال بعد أن قرر أن صلاة الجماعة هي من أسس الدين الإسلامي، وأعظم صلاة هي صلاة الجمعة: “المدينة هي قبل كل شيءٍ مكان الجامع الكبير، في مقابل المساجد الصغيرة حيث تقام الصلوات اليومية ويكون بناؤها أقل صلابة، وقد دار نقاش بين أهل العلم لإيجاد تحديد دقيق للأماكن التي يمكن أن تقام فيها صلاة الجمعة، وحصروا ذلك في المدينة”، فخُصَّ الحضر دون غيرهم بهذه الميزة، بل إنه يزيد على ذلك أن “الممارسات الإسلامية تتناسب مع حياة الحضر فهناك المسجد بميضأته التي تتطلب تجهيزًا معقدًا والصلوات الخمس اليومية وصوم رمضان ونشاطه الليلي، كل ذلك يرافق حياة المدن”([18]).

وبأثرٍ من ذلك، يُثبِت أحدُ الباحثين نظرةً خاصة للوجود المديني عند أبي حنيفة ومالك بن أنس؛ لأن “المالكية يتحدثون عن ضرورة إقامة الجمعة في المصر الجامع معتبرين المدينة والمصر ضرورةً دينية لإتمام فرائض الإسلام، وصلاةُ الجمعة في مقدمتها. ويضيف الأحناف لذلك معنى سياسيًّا للمصر إذ ينبِّهون للجانب السياسي لصلاة الجمعة المتمثِّل في وجود الإمام في المصر الجامع أو المدينة بما تعنيه الصلاةُ وراءه من اعتراف بالسلطة الإسلامية”([19]).

لكنني أرى أن تلك الرؤى تفتقر إلى الدقة من حيث عزوُها ذلك إلى الفقهاء عامة ([20])، كما أن إثبات ذلك بالنسبة للمالكية محَلُّ نظرٍ، فضلاً عن أنه لا يكفي الاعتماد على مسألة صلاة الجمعة لإثبات وجود مديني عند بعض الفقهاء، ولذلك اقتضى الأمر التوضيح.

صحيح أن ثمة أحكامًا فقهية تَعَلَّقت بالمصر، دفعت بعض المعاصرين إلى إفرادها تحت عنوان “الأحكام المتعلقة بالمصر”، وهي: مسألة الأذان في المصر، واشتراط المصر لوجوب الجمعة وصحتها، ووجوب صلاة الجمعة على من كان خارج المصر، وتعدد الجمعة في المصر الواحد، وإنشاء السفر من المصر يوم الجمعة([21])، لكن قراءة مذاهب الفقهاء في تلك المسائل من منظور دلالتها على الوجود المَدِيني يكشف عن صعوبة استنتاج وجود مَديني أو وعي مديني كامن خلف تلك الأحكام الفقهية، إذا تناسينا آلية عمل الفقيه واستدلاله الفقهي المبني على النصوص والقواعد الواقعة خارج اعتبارات المدينة وغيرها، لكن الحديث يقع هنا عما يلزم من تلك الأحكام الفقهية، وهل يلزم منها بناء وجود مديني يكون مجالَ تنفيذ الأحكام والشعائر؟.

إن قراءة المذاهب الفقهية الأربعة الخاصة بالمسائل السابقة توضح اتِّفاق المذاهب على مَنع تَعدد الجمعة في المصر الواحد، وعلى حُرمة إنشاء السفر بعد الزوال من المصر الذي هو فيه إذا كان ممن تجب عليه الجمعة؛ وعَلِم أنه لا يُدْرك أداءها في مصرٍ آخر، أما ما يخص الأذان فذهب الحنابلة والمالكية إلى أن الأذان في المصر فرضُ كفاية، وذهب الحنفية إلى كراهية ترك الأذان في المصر. وهذه الأحكام، وإن بَدَا فيها مراعاةُ اعتبار المصر/الوجود المديني في الحكم، إلا أنها لا يلزم عنها ضرورة الوجود المَديني نفسه، خاصةً إذا ما استحضرنا مسألة صلاة الجمعة التي لم يَشترط فيها المصرَ الجامعَ إلا الحنفيةُ ([22]) [والإباضية] وجعلوه شرط وجوبٍ وشرطَ صحةِ أداءٍ، فهذا الحكمُ في الوقت الذي يُظهرُ عدم اعتبار المصر في شرط الجمعة عند الجمهور، يُظهرُ كذلك عدمَ ضرورة الوجود المديني في إقامة شعيرة مهمة للجماعة مثل صلاة الجمعة، وأنها مرتبطة بالجماعة وليس بالوجود المديني أو القروي ونحوهما.

أما بخصوص المذهب الحنفي [والإباضي]، فلا شكَّ أن اشتراطهم “المصر الجامع” لوجوب ولصحة أداء الجمعة يستلزم إقامة الوجود المديني حتى لا تضيع هذه الشعيرة المهمة من شعائر الإسلام، فقد قالوا: “الجمعة من أعظم الشعائر، ولهذا تختص بمكان إظهار الشعائر وهو المصر”([23]). وعليه فيمكن القول: إن الوجود المديني هنا يصبح ضرورة دينية.

وربما يَصدق على الحنفية ـ وحدَهم ـ امتلاكُ تصورٍ مَديني ثاوٍ في جملةٍ من الأحكام الفقهية، وليس في صلاة الجمعة فقط، فهم قد ألحقوا بالجمعة صلاة العيدين، وقالوا: “كل ما هو شرط وجوب الجمعة وجوازها فهو شرط وجوب صلاة العيدين وجوازها، من الإمام والجماعة، والمصر، والوقت، إلا الخطبة فإنها سنة بعد الصلاة”([24])، والأهم أنهم اشترطوا وجود الإمام في صلاة الجمعة والعيدين، مما أضفى وجودًا سياسيًّا على المدينة عندهم، فقالوا: “أما الإمام ـ أي حضور السلطان أو الحاكم أو نائبه ـ: فهو شرط أداء العيد كالجمعة، لِمَا ثبت في السنة، ولأنه لو لم يُشترط السلطان، لأدّى إلى الفتنة بسبب تَجَمّع الناس، وتنازعهم على التقدم للإمامة لِمَا فيها من الشرف والعلو والرفعة”([25]).

وقد رأى الحنفية أيضًا أن قطع الطريق لا يكون داخل المصر([26]).

وإذا أضفنا تلك الأحكام في المذهب الحنفي إلى أحكام أخرى مثل إحياء الأرض الموات التي قال فيها أبو حنيفة: “إن أحياها بإذن الإمام مَلَكها”، وكذلك الأرض الخَرَاج، التي عجَز صاحبها عن زراعتها وأداء خَرَاجها، قال أبو حنيفة: “للإمام أن يؤجرها من غيره ويأخذ من أجرتها الخراج، سواءٌ رضي صاحبها بذلك أو لم يرضَ”([27])، إذا أضفنا كل ذلك إلى بعضه، يمكن لنا أن نخرج بتصور للوجود المديني عند الحنفية يدور على جملة خصائص دينية وسياسية، ولذلك قال السرخسي: “وظاهر المذهب في بيان حدِّ المصر الجامع: أن يكون فيه سلطان، أو قاضٍ لإقامة الحدود وتنفيذ الأحكام”([28])، ومن هنا تحدثوا عن الربط بين المصر وبين إقامة الجمعة والعيدين، لأن المدينة مكان إظهار الشعائر، مع حضور الإمام أو من ينوب عنه في السلطة الجامعة، ومن هنا منعوا تعدد الجمعة في المصر الواحد، وأما قطع الطريق فلا يكون في المصر لوجود السلطة وإمكان الغوث، وأما إحياء الموات، والأرض الخراج، فيخضع كذلك لسلطة الإمام وإذنه. فالمسلمون ـ عند الأحناف ـ “كيانٌ سياسيٌّ أو جماعة سياسية لا تدبر أمورهم الدولة فقط، بل تتولى أيضًا صنع قرارهم كممثلة لهم”([29]).

ولعل مما يدعم النظرة الحنفية للوجود المديني، عنايتُهم بمسائل الكسب، فقد كتب الإمام محمد بن الحسن الشيباني (189هـ) أول رسالة نظرية في مسألة الكسب، أوضح فيها أمرين اثنين: ضرورة العمل والحرفة، ثم مشروعية ما يترتب على ذلك من تنظيمات شعبية (أسواق متخصصة) أو رسمية (صاحب السوق أو المحتسب)، ويذكر فيه أن العمل والحرفة “نظام العالم، والله تعالى حكم ببقاء العالم إلى حين فنائه، وجعل سبب البقاء والنظام كسب العباد، وفي تركه تخريب نظامه”، ولهذا فهو “فريضة على كل مسلم كما أن طلب العلم فريضة”، وقد كان الكسب “طريق المرسلين”، أما وجوه الكسب فأربعة: الإمارة والتجارة والزراعة والصناعة. “فليس من المصادفة أن يكون الأحناف بين أوائل من اهتموا بالحرف والصنائع والمهن؛ إذ إن مذهبهم مذهب مديني شهدت مدينة الكوفة نشأته، وشهدت بغداد في النصف الثاني من القرن الثاني الهجري تَحَوله إلى ما يشبه المذهب الرسمي في الدولة العباسية لكثرة مَن ولي القضاء من رجالاته”([30]).

والحديث عن الحِرَف وفريضة الكسب في هذا الزمن المبكّر لا يأتي فقط في سياق شمول اهتمام الفقيه بمسائل التمدّن، بل يأتي كذلك في مواجهة اتجاهات أخرى قد تكون ظهرت في زمنه، أو بعده في أوائل القرن الثالث الهجري؛ لأننا وقفنا على كتاب “المكاسب: الورع والشبهة وبيان مباحها ومحظورها واختلاف الناس في طلبها والرد على الغالطين فيه” للحارث بن أسد المحاسبي (243هـ) يردّ فيه على من رأى أن “الحركة في الكسب معصية”، لأنها ـ بزعم شقيق وأصحابه ممن يرد عليهم المحاسبي ـ “شك فيما ضمن الله تعالى من الرزق والكفاية”، وأقام الحجج عليهم ([31])، وأوضح فيه مقولة تَرْك الكسب أو التقلل منه ورعًا، وذَكَر الخلاف ومذاهب السلف في الورع والكسب.


الفقهاء ومسائل العمران:

قد يقال: إن العمران ينطبق على المدينة وعلى غيرها، لكن ابن خلدون أوضح أن البناء أوّلُ صنائع العمران الحضري وأقدمُها، كاتخاذ البيوت المكتَنَفَة بالسقُف والحيطان من سائر جهاتها، وأن المتخذين البيوتَ للمأوى قد يتكاثرون في البسيط الواحد بحيث يتناكرون ولا يتعارفون، فيخشون طَرْق بعضهم بعضاً بَيَاتاً فيحتاجون إلى حفظ مجتمعهم بإدارة ماء أو أسوار تَحُوطهم ويصير جميعاً مدينة واحدة ومصراً واحداً، ويَحُوطهم الحَكَم من داخلٍ يدفع بعضهم عن بعض، وقد يحتاجون إلى الانتصاف ويتخذون المعاقل والحصون لهم ولمن تحت أيديهم. وأوضحَ أحوال البناء بما يجعله ميزة أهل الحضر دون أهل البدو ([32])، وهذا ما يجعل أحكام العمران من مسائل التمدن أصالةً؛ إذ إن تلاصق الأبنية والتجاور والتشارك الذي قد يؤدي إلى التشاحن والالتجاء إلى القضاء، ومسائل الحسبة وغيرها، كل ذلك يستلزم وجود إطار مديني، كما أن تفاصيل الأحكام الفقهية تعكس في الغالب حال المدينة أكثر من غيرها، مما سنفصل فيه، وعلى هذا شكلت أحكام الفقهاء إطارًا قانونيًّا لحركة العمران في المجتمع يلتزم به الناس حكامًا ومحكومين.

وإذا كنا قد تحدثنا من قبل عن وجود تصور مديني عند الحنفية فقط دون سواهم، فإن ذاك عنى الوجود المديني بوصفه ضرورةً، ولم يَعنِ أبدًا أن المذاهب الأخرى لم تتجاوب مع مقتضيات المدينة والعمران، وإن لم تجعله ضرورةً، وهو ما يعكس الفرق بين التصور المنشئ للتمدن، والتصور المتجاوب مع حالة التمدن.

يتجلى الوعي الفقهي المتصل بمسائل العمران من خلال موضوعات ومسائل شتى تشكل ـ في مجموعها ـ مادةً ثَريَّة يمكن أن يُطلَق عليها “فقه العمران”، أو الفقه الخاص بالعمران، ونعني به هنا الأحكام الفقهية المتعلقة بالعمران، بالمعنى الفقهي الخاصّ، لا العام الذي تحدث عنه ابن خلدون واستند فيه إلى مصادر التاريخ والفلسفة لا الفقهاء، وعليه فإن فقهنا هذا معنيٌّ فقط بفقه الفقهاء دون غيرهم، لبيان حدود الوعي الفقهي بمسائل العمران، ولبيان حركة الفقه الإسلامي في عوالم المدينة وأحوالها، مما يتصل بأخبار البلاد والعباد التي حفلت بها المدينة الإسلامية.

ويمكن تحديد مصادر فقه العمارة لدى الفقهاء ـ خاصةً ـ على الشكل التالي:

المصدر الأوّل:الكتب المباشرة الخاصة بالعمارة أو ما سمَّوه البنيان، وأول كتاب نجده في هذا الخصوص هو كتاب عبد الله بن عبد الحكم (214هـ) الذي سماه “البنيان”، وإن كنا لا نعرف كثيرًا عنه، وكتاب “الجدار” لعيسى بن دينار الفقيه الأندلسي، وكتاب القضاء في البنيان من النوادر لابن أبي زيد القيرواني([33])، وكتاب “الإعلان بأحكام البنيان” لأبي عبد الله محمد بن إبراهيم اللَّخمي المعروف بابن الرامي (عاش في القرنين السابع والثامن الهجريين). وابن الرامي لم يكن فقيهًا فقد كان بنَّاءً، “وقد استعرض في تأليفه خبراته وبرهن على أنه كان ـ بحق ـ بنّاءً ماهرًا وعارفًا بكُنه هذه الصناعة وأساليبها وطرقها، فمكّنه ذلك من أن يصبح من عرفاء البنّائين”، وكان يستدعيه بعض القضاة لأخذ مشورته وإصدار الحكم بناءً عليها ([34])، إلا أن لابن الرامي اطلاعًا واسعًا على الفقه الخاص بأحكام البناء، فهو يقيم المقارنات بين مختلف المذاهب الفقهية للقضية الواحدة، إلى جانب تدوين خبرته العميقة والأحكام العرفية التي استقرت في زمنه فيما يخص مسائل البناء وغيره. وهو قد نقل عن مصادر كثيرة، إلا أن جلَّها لفقهاء مالكيين، وأغلبهم من الأندلس.

المصدر الثاني: كتب الفتاوى والنوازل ـ وهي كثيرة ـ وقد نقل عن كثير منها ابن الرامي في كتابه، ككتاب مفيد الحكّام لابن هشام القاضي بقرطبة (606هـ) وقد “جمع فيه جملة من المسائل التي لا غنى عنها ولا بد للحكام منها”،  ومعين القضاة والحكام لقاضي الجماعة بتونس (733هـ)، وكتاب “المختصر” لعيسى بن موسى المعروف بابن الإمام (386هـ) ([35]).

والمصدر الثالث: كتب الوقف، حيث وثقت الحوالات الحبسية كل ما يتعلق بالأملاك وكيفية التصرف فيها، وقد ساهمت الأوقاف بدور كبير في حياة المدن، حتى خُصِّص لها ديوان باسم ديوان الأحباس أو الأوقاف، وتضمنت أحكام الوقف مشروعية تنميتها واستثمارها بزيادة المباني والأراضي والمباني الموقوفة عن طريق الشراء أو البناء. “والأوقاف بهذا المعنى تستلزم حركة عمرانية تشكل جانبًا مهمًّا من حركة العمران والاستيطان، ومن أهمها المدن” ([36]).

والمصدر الرابع: كتب الفقه العام، ذلك أن الأحكام الخاصة بالعمارة كثيرة ومتناثرة في أبواب شتى، وعلى سبيل المثال، فقد قام أحد الباحثين بدراسة محتوى الوثائق العثمانية وفق ثنائية الفقه والعمران، ورتَّب محتويات تلك الوثائق وفق التصنيف الموضوعي لمصطلحات الفقه ذات الصلة المباشرة بالعمران، ورأى “أن معظم مواضيع فقه العمران تعود في الأصل إلى بضعة محاور كبرى، منها الولاية بشقيها العام والخاص، والقضاء، ونفي الضرر،… وهو ما يستدعي تأسيس نظريات فقهية تختص بالعمران الإسلامي” ([37]).

فالولاية هي إمكان التصرف في العقار، شاء الغير أم أبى، أو هي السلطة الشرعية التي تمكن الشخص من التصرف في ملكية معينة، وقد صنفها الفقهاء إلى ولاية عامة تخول الحاكم المسلم التصرف في شؤون المسلمين وفق المصلحة العامة، وولاية خاصة متعلقة بالأفراد، وقد تعرض لها القرافي في تفريقه بين قاعدتي الملك والتصرف. إلا أن المحلل لمميزات المدن الإسلامية العتيقة يجد نوعًا آخر من الولاية وهي الولاية الجماعية التي تمكّن جماعة من المسلمين في التصرف في عقار دون غيرهم بما فيه السلطة العامة، ومن ذلك ما يكون في المدينة من مرافق جماعية وغير عامة والملكيات المشاع التي تعود إلى العائلات والقبائل. ومن المهم أن نذكر هنا أن معظم العقارات في المدن الإسلامية العتيقة كانت تحت حالة الولايتين الخاصة والجماعية مما كان يسمح بقدر كبير من الحرية لسكانها بالتصرف في ملكياتهم واستغلالها ([38]).

المصدر الخامس: كتب القضاء، فقد ارتبط العمران الإسلامي به ارتباطًا عضويًّا على مدى التاريخ الإسلامي، ويعود ذلك إلى كون العمران موضع تشابك الحقوق وتدافع المصالح، وهو ما يتطلب وجود مؤسسة محايدة يتحاكم إليها أصحاب تلك الحقوق والمصالح، كما أن للعمران الإسلامي ارتباطًا بالسياسة الشرعية التي تهدف إلى تحقيق مقاصد الشريعة وبذلك يكون دور القضاء النظر في تصرفات الحاكم، وضمان موافقتها لتلك المقاصد ([39]).

و”الناس في المدن لكثرة الازدحام والعمران يتشاحّون حتى في الفضاء والهواء الأعلى والأسفل، ومن الانتفاع بظاهر البناء مما يُتَوَقع معه حصول الضرر في الحيطان، فيمنع جاره من ذلك إلا ما كان له فيه حق. ويختلفون أيضاً في استحقاق الطرق والمنافذ للمياه الجارية والفضلات المُسْرَبة في القنوات، وربما يدعي بعضهم حقَّ بعضٍ في حائطه أو عُلُوّه أو قناته لتضايق الجوار، أو يدّعي بعضهم على جاره اختلال حائطه خشية سقوطه، ويحتاج إلى الحكم عليه بهدمه ودفع ضرره عن جاره عند من يراه، أو يحتاج إلى قسمة دار أو عَرْصة بين شريكين بحيث لا يقع معها فسادٌ في الدار ولا إهمال لمنفعتها، ويخفى جميع ذلك إلا على أهل البصر العارفين بالبناء وأحواله”([40]). فلأجل هذا كله كان للقاضي والعلماء والمحتسب دور متميز في تقنين كل ما يتعلق بالمباني وتعميرها ومواد البناء وطرق تصنيعها معتمدين في كل ذلك على أحكام السابقين وما جرت به العادة والعرف، وما كان يُعمل به في مناطق وجودهم. وعليه فيمكن لكتب القضاء أن تكون المصدر الخامس من مصادر فقه العمران([41]).

المصدر السادس: كتب الحسبة؛ لأن البناء صنعة من الصنائع فيدخل ضمن وظائف المحتسب الذي يفرض على أهل الأصناف والصنائع التعاليم والوظائف، التي تستمد من النظم المعروفة بين ذوي المهن أنفسهم، ويتولى الإشراف على جودة الصنعة وإتقانها والطرق الواجب اتباعها في عمل تلك الصنعة وتحليل وتحريم ما يجب أن يقوم به أهل المهن، وأهم وظائفه: معرفة أسرار الصنعة وإتقانها وجودة المصنوعات والعناية بالمواد الأولية إلى غير ذلك، مما يشمل البناء وغيره من الصنائع ([42]). فمهمة المحتسب في مجال العمران مراقبة المهندسين والبنائين وتقويم أداء عملهم ومدى احترامهم لآداب مهنتهم ومراقبة الأبنية والطرقات، وقد تناولت مؤلفات الحسبة التركيب الداخلي للمدن، من حيث تقسيم الشوارع، وتوزيع المباني على جوانبها، والعلاقة بين هذه المنشآت والشروط الواجب توفرها فيها([43]).

وكتب السياسة الشرعية هي المصدر السابع؛ لأن كتب السياسة الشرعية تشتمل على أبواب تتعلق بالسياسة الشرعية الخاصة بالعمران، خاصة عمارة المدن والشروط الخاصة بها والأمور الواجبة على الحاكم في هذا الخصوص.

فقه عمارة المدن الإسلامية:

صناعة البناء “أول صنائع العمران الحضري وأقدمها، وهي معرفة العمل في اتخاذ البيوت والمنازل للكِنّ والمأوى للأبدان في المدن”([44]). وقد تناولت كتب البناء مسائل فقهية كثيرة تتصل بتخطيط المدينة والعمران، فتحدثت عن الموقف من البناء وأدلة مشروعيته، وماليته من حيث هو عقار أو منقول، وتناولت أحكام البناء الواجب من مساجد وحصون وأربطة للدفاع عن ديار الإسلام، وأسوار وجسور وقناطر وسدود وغيرها، والبناء المندوب كالمآذن والأسواق، والبناء المباح كالمساكن والحوانيت للاستغلال مع بيان القواعد التي تحكم هذا النوع من البناء من حيث إن للسلطة شأنًا فيه، والبناء المحظور كالبناء على القبور والكنائس والبناء على أرض الآخرين وغير ذلك، من مسائل التوسع في البناء والتطاول فيه وزخرفته([45]).

كما تناولت تلك الكتب استغلال الأراضي للبناء، واستغلال العقار، وعملية التصرف فيه بيعاً وشراءً، وكيفية تقسيمه، وضبطت مواصفات مواد البناء، فبينت طرق صنعها والشروط التي يجب توفرها فيها، ونظمت عملية التعاقد على البناء بين الراغبين فيه وبين أهل الصنعة من البنائين، وتطرقت أيضاً لتوظيف الأموال في البناء فحددت موارده وأوجه صرفه وكيفية تمويل المشاريع. 

بل إن المصادر تتناول تفصيلات أوسع تتعلق بتخطيط العمارة، كمسائل بناء المساجد واتِّخاذ الحوانيت أسفلها، وغرس الشجر في صحن المسجد، وبناء الميضآت وبيوت الخلاء، كما تعرضت لمسائل حقوق البناء كحقوق الجدار المشترك وحق المرور والارتفاق بالطرق والشوارع، كما أوضحت أحكام توسعة المنشآت العامة على حساب الممتلكات الخاصة، هذا فضلاً عن أحكام التصرفات في البناء وتأجيره وعلاقة المالك بالمستأجر وغير ذلك([46]).

هذا ما يسَّر الله تعالى إتمامه بمنه وفضله.  والله الموفق


[1]) تناولت دراسات عدة خصوصية العمران الإسلامي والمدينة الإسلامية، من بينها على سبيل المثال: فصل: الفن والعمارة، الذي كتبه أوليج جرابار ضمن كتاب: جوزيف شاخت وكليفورد بوزورث، تراث الإسلام، ترجمة: محمد السمهوري وحسين مؤنس، وإحسان العمد، الكويت: عالم المعرفة، ج1، عدد 11، ط 1978م، والذي يخلص فيه كاتبه ص347 إلى أنه “منذ أيام الإمبراطورية الرومانية لم نشهد تطورًا يماثل هذه الملامح في الإنشاء المعماري الضخم لأغراض مدنية شتى”.

[2]) انظر: شاخت، تراث الإسلام، مرجع سابق، ص326-329.

[3]) كالخلاف الفقهي حول وجود أشجار وزروع في صحن المساجد مثلاً.

[4]) خلص أوليج جرابار في دراسته للعمارة الإسلامية ص354 (ضمن كتاب: تراث الإسلام، مرجع سابق) إلى “أن أسبابًا مختلفة أدت إلى تطور العمارة الدنيوية بدرجة أكبر من ناحية الأصالة من تطور العمارة الدينية، وأهم هذه الأسباب عدم وجود تنظيم ديني في الإسلام يشبه الكنيسة المسيحية… وعلى أساس غلبة العنصر الدنيوي على العنصر الديني نستطيع أن نفسر –ولو جزئيًّا- المنجزات الإسلامية الكبيرة في ميدان الزخرفة المعمارية”. وجرابار هنا يصل إلى تلك النتيجة بالمقارنة مع فن العصور الوسطى، ولذلك قال ص347-348: “العمارة الإسلامية تبدو ذات صيغة دنيوية واعية، في إطار فن العصور الوسطى الذي ينظر إليه الكثيرون على أنه يدور حول محور الدين”.

[5]) ذكر لسان الدين بن الخطيب دواعي تأليفه كتاب الإحاطة في أخبار غرناطة فقال: “تذكرت جملةً من موضوعات مَن أفرد لوطنه تاريخًا هزَّ إليها – عَلِمَ الله – وفاءٌ وكرمٌ، ودار عليها بقول الله من رحمته الواسعة حرَمٌ”، ثم ذكر قائمة طويلة من تواريخ البلدان، كتاريخ مدينة بخارى، وتاريخ أصبهان، وتاريخ نيسابور، وتاريخ سمرقند، وتاريخ هَرَاة، وتاريخ نَسَف، وتاريخ جُرْجان، وتاريخ بغداد، وتاريخ دمشق، وتاريخ مكة، وتاريخ المدينة، وتاريخ مصر، وتاريخ الإسكندرية، وتواريخ كثيرة أخرى، ثم قال: “فَدَاخَلَتني عصبية لا تقدح في دين ولا منصب، وحَمِيَّةٌ لا يُذَمُّ في مثلها متعصِّب”. لسان الدين بن الخطيب، الإحاطة في أخبار غرناطة، تحقيق محمد عبد الله عنان، القاهرة: مكتبة الخانجي، ط2، 1973م، 1/80-83.

[6]) انظر: محمد عبد الستار عثمان، المدينة الإسلامية، الكويت: عالم المعرفة، عدد 128، 1988م، ص38.

[7]) أوضح د. رضوان السيد أن “الذين ينفون وجود مدينة إسلامية أي نموذج حضري إسلامي يستندون في ذلك إلى فرضيات Max Weber وHenri Pirenne عن المدن الغربية القديمة والوسيطة. ولا تبدو هذه المسألة الجدلية مهمة في السياق الذي عولجت فيه، فليس ضروريًّا أن تماثل الحاضرة الإسلامية الحاضرةَ الغربية في تركيبها الداخلي وعلاقتها بمحيطها لكي تكون مدينة أو مصرًا بالمعنى السياسي والقانوني لذلك”. رضوان السيد، الجماعة والمجتمع والدولة، بيروت: دار الكتاب العربي، ط1، 1997م، ص352-353.

[8]) انظر: محمد عبد الستار عثمان، المدينة الإسلامية، مرجع سابق، ص5-8، و114-116. وانظر الطرح الاستشراقي في التنمية الحضرية للمدينة الإسلامية في: رائد أرناؤوط، الاستشراق في العمارة الإسلامية، عمان: دار المأمون، ط1، 2009م، ص92-93، والاستشراق والمدينة الإسلامية في: هشام جعيط، الكوفة: نشأة المدينة العربية، الكويت: مؤسسة الكويت للتقدم العلمي، ط1، 1986م، ص189 وما بعدها.

[9]) انظر في وجه صلة المقاصد بالعمران: العربي بوعياد، قضايا العمران والإسكان في الشريعة الإسلامية، مجلة التسامح، عدد8، 2004م، ص56، وانظر حق السكن في: عبد النور بزا، مصالح الإنسان: مقاربة مقاصدية، بيروت: المعهد العالمي للفكر الإسلامي، ط1، 2008م، ص250 وما بعدها.

[10]) هي جانيت أبو لغد، انظر: محمد عبد الستار عثمان، المدينة الإسلامية، مرجع سابق، ص8.

[11]) ابن منظور، لسان العرب، بيروت: دار إحياء التراث العربي، ط3، 1999م، 13/121.

[12]) الموسوعة الفقهية، الكويت: وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، ط1، 1995م، 33/161 ضمن مادة (قرية) و38/25 (مصر)، ومن المفيد هنا أننا نجد في مادة (مدينة) من الموسوعة 36/308 الاكتفاء بالقول: “انظر: مصر”.

[13]) حاشية القليوبي وعميرة، على شرح المنهاج، 3/125 نقلاً عن الموسوعة الفقهية، مرجع سابق، 38/26.

[14]) الماوردي، تسهيل النظر وتعجيل الظفر في أخلاق المَلك وسياسة المُلك، تحقيق محيي هلال السرحان، بيروت: دار النهضة العربية، ط1981م، ص161. واكتفى سعدي أبو جيب في تعريف المدينة بقوله: المصر الجامع. سعدي أبو جيب، القاموس الفقهي، دمشق: دار الفكر، ط2، 1988م، 1/483.

[15]) شمس الدين المقدسي، أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم، بيروت: دار صادر، تصوير عن: ليدن: مطبعة بريل، ط2، 1906م، ص37.

[16]) ذكر د. رضوان السيد أن هناك تشابهًا مصطلحيًّا بين الماوردي وابن خلدون في عدم الدقة، “فالمدينة والمصر والوطن والبلد تعني كلها الشيءَ نفسه عند الرجلين؛ إنها التجمع الحضري الكبير. وليس الأمر كذلك في القرآن الكريم وفي التجربة التاريخية الحضرية الإسلامية؛ إذ يرتبط مصطلح المدينة بوجود حضري ديني وسياسي أصله التاريخي إقامة الرسول صلوات الله وسلامه عليه دونما اعتبار للموقع وعدد السكان، أما المصر فهو وجود حضري سياسي وإداريٌّ أصله المصطلحي القرآن الكريم وأصله التاريخي تصرف عمر بن الخطاب في تمصير الأمصار”. رضوان السيد، الجماعة والمجتمع والدولة، مرجع سابق، ص340. لكن هذا التفريق لا يعكس رؤية الفقهاء كما بيَّنتُه.

[17]) انظر نبذة عن تلك الدراسة في: رائد أرناؤوط، الاستشراق في العمارة، مرجع سابق، ص92.

[18]) كزافييه دو بلانهول، تاريخ أرض الإسلام: الأسس الجغرافية لتاريخ الإسلام، ترجمة معاوية سعيدوني، بيروت: دار الغرب الإسلامي، ط1، 2008م، ص40. وقد نشر بلانهول دراسته هذه سنة 1968م.

[19]) رضوان السيد، الجماعة والمجتمع والدولة، مرجع سابق، ص338.

[20]) وقد وقع النقل والتقليد في مثل هذا الخطأ، كقول محمد عبد الستار عثمان في: المدينة الإسلامية، مرجع سابق، ص18: “وقد اعتبر الإسلام الهيئة الاجتماعية المستوطنة وساعد على إبرازها، وتعكس ذلك آراء الفقهاء بعدم إجازة الصلوات الجامعة إلا في الأمصار”، وقلَّده في هذا: إبراهيم بن يوسف، في: إشكالية العمران والمشروع الإسلامي، دون مكان وتاريخ، ص66.

[21]) انظرها في: الموسوعة الفقهية، مرجع سابق، 38/26-28، وربما كان يجب إضافة مسائل إلى أحكام المصر لم تَرِد في هذا الموضع من الموسوعة، كمسألة إقامة صلاة العيدين، وقطع الطريق وعلاقته بالمصر.

[22]) أما المالكية فلم يشترطوا ذلك، بخلاف ما ذكره د. رضوان السيد في الإشارة السابقة إليه؛ فقد “ذهب المالكية إلى وجوب الجمعة على أهل القرية بشرط أن يوجد فيها عددٌ تتقرى بهم القرية من أهل الجمعة، يمكنهم الإقامة آمنين مستغنين عن غيرهم في الدفاع عن أنفسهم وعن قريتهم، ولم يحددوا ذلك بعدد معين”. الموسوعة الفقهية، مرجع سابق، 33/162.

[23]) الموسوعة الفقهية، مرجع سابق، 33/162 نقلاً عن بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، 1/259.

[24]) وهبة الزحيلي، الفقه الإسلامي وأدلته، دمشق: دار الفكر، 2/515.

[25]) وهبة الزحيلي، الفقه الإسلامي وأدلته، مرجع سابق، 2/515، وانظر: الموسوعة الفقهية، مرجع سابق، 27/197.

[26]) انظر: وهبة الزحيلي، الفقه الإسلامي وأدلته، مرجع سابق، 7/404، وفي الموسوعة الفقهية، مرجع سابق، 17/157: “فقد ذهب الحنفية ـ وهو المذهب عند الحنابلة ـ إلى اشتراط البعد عن العمران، فإن حصل منهم الإرعاب وأخذ المال في القرى والأمصار فليسوا بمحاربين”.

[27]) ساق ذلك نجم الدين إبراهيم بن علي الطرسوسي في: تحفة الترك فيما يجب أن يُعمَل في الملك، تحقيق رضوان السيد، بيروت: دار الطليعة، ط1، 1992م.

[28]) السرخسي، المبسوط، 2/23، وانظر: الموسوعة الفقهية، 27/196.

[29]) رضوان السيد، مقدمة تحقيق: تحفة الترك فيما يجب أن يُعمَل في الملك، للطرسوسي، مرجع سابق، ص32.

[30]) رضوان السيد، مفاهيم الجماعات في الإسلام، بيروت: دار المنتخب العربي، ط1، 1993م، ص78-79.

[31]) المحاسبي، المكاسب، تحقيق سعد الدرعمي، الإسكندرية: دار ابن خلدون، دون تاريخ، ص28.

[32]) انظر: ابن خلدون، المقدمة، تحقيق خليل شحادة، بيروت: دار الفكر، ط1، 2001م، ص510-511.

[33]) ابن أبي زيد القيرواني (386هـ)، النوادر والزيادات على ما في المدونة من غيرها من الأمهات، تحقيق محمد عبد العزيز الدباغ، بيروت: دار الغرب الإسلامي، ط1، 1999م، 11/93.

[34]) انظر: فريد بن سليمان، مقدمة تحقيق كتاب الإعلان بأحكام البنيان، دون مكان، مركز النشر الجامعي، ط 1999م، ص16-17.

[35]) منه نسخة بالمكتبة الوطنية بتونس. ويبدأ الكتاب بمسائل الضرر، وقد دفع هذا بعض الباحثين إلى الاستنتاج بأن المختصر هو نفس كتاب “رفع الضرر”، انظر: فريد بن سليمان، مقدمة كتاب الإعلان لابن الرامي، مرجع سابق، ص26-27. وسماه العربي بوعياد “القضاء ونفي الضرر عن الأفنية والطرق والجدر والمباني والساحات والشجر”، وقال إن منه نسخة في مكتبة ابن يوسف المرابطي بمراكش. انظر: العربي بوعياد، قضايا العمران والإسكان، مجلة التسامح، عدد 8، ص65، هامش 12.

[36]) محمد عبد الستار عثمان، المدينة الإسلامية، مرجع سابق، ص71.

[37]) مصطفى بن حموش، فقه العمران الإسلامي من خلال الأرشيف العثماني الجزائري (956هـ – 1246هـ)، دبي: دار التراث للدراسات الإسلامية، ط1، 2000م، ص35-36.

[38]) المرجع السابق، ص101-102.

[39]) مصطفى بن حموش، فقه العمران، ص94.

[40]) ابن خلدون، المقدمة، مرجع سابق، ص513.

[41]) ولهذا لا يكاد يخلو تأليف في الفقه أو في النوازل من موضوع نفي الضرر، كما نجد مثلاً في كتاب القضاء في نفي الضرر، من كتاب النوادر والزيادات لابن أبي زيد القيرواني، مرجع سابق، 11/37، وكتاب نفي الضرر لابن الإمام السابق ذكره، وكتاب نفي الضرر من كتاب الإعلان لابن البناء.

[42]) من كتب الحسبة: نهاية الرتبة للشيزري، ومعالم القُربة لابن الإخوة، ونهاية الرتبة لابن بسام، ونصاب الاحتساب لعمر بن محمد بن عوض السنامي، وآداب الحسبة للسقطي، وأحكام السوق ليحيى بن عمر. وانظر: رضوان السيد، مفاهيم الجماعات في الإسلام، مرجع سابق، ص86 وما بعدها.

[43]) انظر أثر الحسبة في العمارة: لحسن تاوشيخت، أحكام البنيان، مقال منشور على:  http://www.arrabita.ma/contenu.aspx?C=1544

[44]) ابن خلدون، المقدمة، مرجع سابق، ص509.

[45]) انظر في أحكام البناء: إبراهيم بن موسى الفائز، البناء وأحكامه في الفقه الإسلامي، السعودية: معهد القضاء العالي بجامعة الإمام محمد بن سعود، أطروحة دكتوراه، سنة 1985، ص85 وما بعدها. وثمة دراستان حول بناء المساكن، الأولى منهما بعنوان: ضوابط بناء المساكن في الفقه الإسلامي، لأحمد السعد، قُدّمت في كلية الشريعة في جامعة مؤتة في الأردن، سنة 2003م، والثانية: حكم الأبنية بين الشريعة والقانون، للدكتور ياسين الغادي، وكلاهما يهدف إلى بيان مشروعية البناء ومعالجة مسألة التطاول في البنيان وموقف الشريعة منه.

[46]) انظر الكتب التالية على سبيل المثال: وثائق في شؤون العمران في الأندلس: المساجد والدور، مستخرجة من مخطوط الأحكام الكبرى للقاضي أبي الأصبغ عيسى بن سهل الأندلسي، تحقيق ودراسة د. محمد عبد الوهاب خلاف، القاهرة: توزيع المركز العربي الدولي للإعلام، ط1، 1983م، وكتاب الإعلان بأحكام البنيان لابن الرامي، وقد مرّ سابقًا، وانظر أيضًا: محمد عبد الستار عثمان، المدينة الإسلامية، مرجع سابق، ص28-32.

 

* ندوة تطور العلوم الفقهية فِي عمان “ الفقه الحضاري، فقه العمران”

 المنعقدة خلال الفترة: (18-21) ربيع الثاني 1431هـ / (3-6) إبريل 2010م:

سلطنة عمان- وزارة الأوقاف والشؤون الدينية 

هذه المقالة تحتوي على لا تعليق

أكتب تعليقك هنا

نرجو أن تضع المادة أسفله
الإسم
إيميل
موقع
تعليقك