الفقه الحضاري الواقع والطموح

الفقه الحضاري الواقع والطموح *

إعداد: أ. نبيل بن معيوف بن ظفير الغافري

(واعظ بوزارة الأوقاف والشؤون الدينية، ولاية صحار، سلطنة عمان)

 

مقدمة
الحمد لله ربّ العالمين، الحمد لله الذي بعث مُحمَّدا بدين الحضارة والرقي، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن مُحمَّدا عبد الله ورسوله، الذي أنقذ به الناس من شتات التفرق، إلى وحدة الصف، ومن ظلمات الجهل إلى نور العلم والمعرفة، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين؛ وبعد:

فإن الحضارة الإسلامية، هي من أهم الحضارات التي عرفتها البشرية، فقد كانت مشعل النور الذي يضيء للناس دروبهم المظلمة، والميزان القسط الذي يعيش الناس به في عدل وتوازن، حتَّى شهد العالم بأسره لعظمتها، فلا يكاد يخلو علم من علوم الدنيا اليوم إلا والحضارة الإسلامية لها أثر فيه.

وإن المسلمين لَمَّا تركوا التأسي برسولهم، وابتعدوا عن نهج ربهم، وتهاونوا في المحافظة على تراثهم وحضارتهم، وتملصوا من مبادئ وأخلاق دينهم الحنيف، واشتغلوا بالخلاف المفضي إلى التفرق؛ تداعت عليهم الأمم من كل مكان، فأصبحوا كالقصعة التي يتقاسمها الأكلة، فنهبت ثرواتهم، وسلبت حرياتهم، وقيدت هممهم، فغابت بذلك الأمجاد، وضاعت بسببه الحضارة الرفيعة.

ولذلك فإننا الآن وفي هذه الصفحات القادمة، نريد أن نتلمس طريق العودة إلى هذه الحضارة، وتبيين طرقها ووسائل نجاحها، من خلال هذا البحث الذي عنوانه: «الفقه الحضاري الواقع والطموح».

هذا.. وسوف أقسّم العمل في هذا البحث إلى فصلين، فالفصل الأول: سأتحدث فيه عن مفهوم الفقه الحضاري، ونشأته، وتطوره. أما الفصل الثاني: فسيكون الحديث فيه عن وظيفة الفقه الحضاري وغايته، والعقبات التي تواجهه، ثمّ أسباب النجاح.

وإني لأسأل المولى القدير أن يكتب لهذا العمل النجاح، وأن ييسر له الوصول إلى الغاية المنشودة، والأمل المرجو.

الفصل الأول:
واقع الأمة الإسلامية، و مصطلح الفقه الحضاري

المبحث الأول:

واقع الأمة اليوم وظهور مصطلح الفقه الحضاري

لقد كان العرب قبل الإسلام متنافرين متشاحنين، لا يجتمعون على رأي، ولا يتبعون منهجا مرسوما، فقد كان الواحد منهم، ينفذ قواه العقلية والعضلية في إيجاد لقمة العيش، والدفاع عن نفسه من شر النهب والسلب، فبعث الله تعالى فيهم مُحمَّدا صلعم، فغير منهج حياتهم، ووحّد كلمتهم، فأشغلوا عقولهم، وأيقظوا همتهم، وأصبحوا قوة واحدة تسير نحو بناء حضارة يشهد لعظمتها التأريخ، ويعترف بفضلها القاصي والداني، حتَّى تفاخر الغرب يوما بانتمائهم لهذه الحضارة ولو لم يكونوا من أبنائها.

“إن الدعوة الدينية في الإسلام لم تقف عند حدود تدين الإنسان، وتحقيق عبوديته لله بالشعائر المعبرة عن الإيمان القلبي…، وَإِنَّمَا امتدت هذه الدعوة لتحقق ائتلاف هذا الإنسان بالأمة، والمجتمع، والكون، فتوحدت في نفس هذا الإنسان عوالم الغيب والشهادة، وائتلفت فيها وتوازنت علاقة الفرد بالمجموع، والخاص بالعام، فتدينت الدنيا، مع بقائها دنيا، عندما صاغ الإسلام نفس الإنسان المسلم ووجدانه وعقله تلك الصياغة التي ائتلفت فيها وتوازنت آيات الله في الوحي السماوي بآياته في الأنفس والآفاق”([1]).

ثُمَّ بعد أن ابتعد المسلمون عن الحقيقة الجوهرية لهذا الدين، بدأت هذه الحضارة بالضعف والمرض، حتَّى وقع الفأس على الرأس، فأصبحت تتداعى عليها الذئاب الطامعة من كلّ حدب وصوب، فهنا ترمى بتهمة الإرهاب، وهناك توصف بالتعصب، ومنهم من جعلها أساس المشكلات، وموطن المصائب الكاسحات، هنا تغتصب ثرواتها، وهناك تدس لها سموم المكر والخداع، حتَّى أصبح من أبنائها من تنكر لفضائلها، وبارزها مبارزة الفارس لعدوه.

يقول سماحة شيخنا العلامة الخليلي ـ حفظه الله ـ: “ليس عجبا أن يتحدّى الباطل الحقّ، وَإِنَّمَا المحنة والمصيبة عندما يكون للباطل أنصار بينما الحق لا أنصار له، وعندما يكون هناك صراع بين حق وباطل مع وجود أنصار للحق كوجود أنصار للباطل؛ فلا ريب أن الحقّ هو الذي يزهق الباطل؛ ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾([2])، ذلك لأنّ الحقّ من عند الله وهو ناصره”([3]).ا.هـ

فهنا كان لزاما على أهل الفهم، وواجبا على أصحاب العلم أن يبرزوا للدفاع عن مقدسات هذه الأمة، وأن يعيدوا صياغتها، وأن يجيلوا النظر في القضايا المعاصرة، والمسائل المستجدة، حتَّى يبرزوا سماحة هذا الدين وعظمته، وأنه واسع لكل جديد، شامل لما يصدر من مفيد، متجدد بطبيعته، موصوف بالوسطية والتوازن، صالح لكل زمان، ومناسب لكلّ مكان.

ففي جانب التسامح والرحمة، لم تُعرف حضارة كحضارة الإسلام في تسامحها وقبولها للآخر، وليس أدل على ذلك من وصايا رسول الأمة صلعم وخلفائه الأبرار لقادتهم وأمرائهم، فقد كان النبيّ صلعم إذا طرق قوما لم يغز عليهم حتَّى يصبح، وقد أمر بذلك قادته عند تجهيزهم للغزوات، وما ذلك إلا رأفة بأهل المكان المقصود، ويأمرهم بأن يناصحوهم بالدخول في الإسلام قبل كل نزال، وذلك لإقامة الحجة عليهم، وهذا أبو بكر الصديق  رضي الله عنه لَمَّا بعث يزيد بن أبي سفيان إلى الشام على ربع من الأرباع خرج أبو بكر رضي الله عنه معه يوصيه ويزيد راكب وأبو بكر يمشي، فقال يزيد: يا خليفة رسول الله، إما أن تركب وإما أن أنزل، فقال رضي الله عنه: “ما أنت بنازل وما أنا براكب، إني أحتسب خطاي هذه في سبيل الله، يا يزيد إنكم ستقدمون بلادا تؤتون فيها بأصناف من الطعام فسموا الله على أولها واحمدوه على آخرها، وإنكم ستجدون أقواما قد حبسوا أنفسهم في هذه الصوامع، فاتركوهم وما حبسوا له أنفسهم، وستجدون أقواما قد اتخذ الشيطان على رؤوسهم مقاعد، يعني الشمامسة – فاضربوا تلك الأعناق، ولا تقتلوا كبيرا هرما، ولا امرأة ولا وليدا، ولا تخربوا عمرانا، ولا تقطعوا شجرة إلا لنفع، ولا تعقرن بهيمة إلا لنفع، ولا تحرقن نخلا ولا تغرقنه، ولا تغدر، ولا تمثل، ولا تجبن، ولا تغلل، ولينصرن الله من ينصره ورسله بالغيب إن الله قوي عزيز. أستودعك الله وأقرئك السلام ثمّ انصرف”([4]). فأيّ إرهاب في الإسلام وهذه وصاياه، وأي غلو وتنطع فيه وهذه أوامره، فلا قتال إلا على من رفع السلاح في وجهه، أما من اشتغل بعبادة أو عمل أو كان كبيرا هرما أو طفلا صغيرا، أو امرأة عاجزة، فلم يقدم الإسلام على الاعتداء عليه، ولم يصله إلا بكل خير، بل تعدت سماحته البشر فوصلت إلى الجمادات والحيوانات، فلا تخريب للعمران، ولا تقطيع للأشجار ولا تحريق، ولا قتل للدواب ولا تأبيق، هذا هو ديننا الحنيف، وهذه هي سماحته، وهكذا كانت حضارته، وبهذا استحكمت عظمته في قلوب البشرية جمعاء.

كما أن الإسلام لم يمنع العلم وظهور العلماء، ولم يمنع الاختراع والابتكار، بل كان المشجع الأول للمسلمين في سبر أغوار العلوم المفيدة للإنسانية، على عكس ما وقفت به الكنيسة من العداء للعلم والعلماء، ولذلك برع المسلون الأوائل في علوم الفلك والطبّ والفيزياء والرياضيات، وظهرت أسماء لامعة في هذه الفنون والعلوم من المسلمين ما زال الغرب حتَّى اليوم يستفيدون من تجاربهم العلمية، وإنتاجاتهم العملية كلّ في مجاله، ومن هؤلاء، ابن سيناء، وابن الهيثم، والخوارزمي وغيرهم الكثير. يقول الأستاذ “ألبنديت جواهر لال نهرو” في كتابه “لَمحات من تاريخ العالم”: “كانوا بحقّ آباء العلم الحديث، وإن بغداد تفوقت على كل العواصم الأوربية عدا قرطبة، عاصمة إسبانيا العربية، وكان لابد من وجود ابن الهيثم، وابن سينا، والخوارزمي، والبيروني، لكي يظهر: جاليليو، وكبلر، وكوبرنق، ونيوتن”([5]) ا.هـ، ولنستمع إلى ما نقله “غوستاف لوبون” عن الأستاذ “ليبرى” قوله: “لو لم يظهر العرب على مسرح التاريخ لتأخرت نهضة أوربا الحديثة عدة قرون”([6]).

وحتى يومنا هذا، ما زال الإسلام يقبل كل ما كان مفيدا للبشرية إذا كان هذا الشيء لا يصادم المبادئ والأخلاق والأسس التي قامت عليها حضارة الإسلام، بل قام بالترشيد والتعريف في استخدام هذه الاختراعات والاكتشافات الجديدة، حتَّى لا تستخدم في الجوانب التي لم تصنع من أجلها.

أمَّا الوسطية والتوازن، فإن الإسلام دين عرف بالوسطية، ومُيّز بها في جميع أموره، قال الله تعالى:﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾([7])، وعن عائشة ـ رضي الله عنها ـ زوج النبيّ صلعم أنَّها قالت: “ما خير رسول الله صلعم في أمرين قط إلاَّ أخذ أيسرهما ما لم يكن إثما، فإن كان إثما كان أبعد الناس منه، وما انتقم رسول الله صلعم لنفسه إلا أن تنتهك حرمة الله فينتقم لله بها”([8])، وذلك ليعلمنا صلعم أن نكون متوسطين فيما نختاره، بل هو يعلمنا ذلك في كثير من أحاديثه صلعم فعن مُجيبة الباهلية، عن أبيها أو عمها أنَّه أتى رسول اللّه صلعم، ثمّ انطلق فأتاه بعد سنة وقد تغيرت حاله وهيئته، فقال: يا رسول اللّه، أما تعرفني؟ قال: «ومن أنت؟» قال: أنا الباهلي الذي جئتك عام الأول، قال: «فما غيرك وقد كنت حسن الهيئة؟» قال: ما أكلت طعاماً منذ فارقتك إلا بليل، فقال رسول اللّه  صلعم : «لم عذبت نفسك؟» ثمّ قال: «صم شهر الصبر ويوماً من كلِّ شهر» قال: زدني فإِن بي قوَّةً، قال: «صم يومين» قال: زدني، قال: «صم ثلاثة أيامٍ» قال: زدني، قال: «صم من الحرم واترك، صم من الحرم واترك، صم من الحرم واترك»، وقال بأصابعه الثلاثة فضمها ثمّ أرسلها([9])، ووصيته صلعم هنا بهذه الوصية إِنَّمَا هي إشارة إلى التوسط في الصيام مع أنه أمر فيه t.

ومن أمثلة الحثّ على التوازن: أن الله ـ تبارك وتعالى ـ وجه الأمَّة حول مشيها ومنهج السير في الطريق من خلال نصائح لقمان لابنه، قال تعالى: ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ﴾([10])، أي: تواضع إذا مشيت، ولا تستكبر ولا تستعجل.

وفي الجانب الآخر فإن من أفضل الأشياء أن يكون الإنسان محبا للسخاء، راغبا في الإنفاق والعطاء المشروع، وقد أوصى الإسلام بذلك بل أوصت به جميع الأديان السماوية، وكلما زاد الإنسان في السخاء اعتبر أفضل عند الناس، وأقرب إلى قُلوبهم، لكن الإسلام الحنيف بين المسالك ووضح السبل في مسألة الإنفاق، فكره الإفراط ومنع التفريط، قال تعالى: ﴿وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا﴾([11])، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾([12])، أي لا يكون الإنفاق إسرافا ولا تقتيرا حتَّى لو كان هذا الإنفاق مستخدما في حاجة الإنسان ذاته.

 وعن عائشة ـ رضي الله تعالى عنها ـ  أَنَّها قالت: كان لرسول الله صلعم حصير، وكان يحجره من الليل فيصلي فيه، فجعل الناس يصلون بصلاته، ويبسطه بالنهار، فثابوا ذات ليلة، فقال: «يا أيها الناس، عليكم من الأعمال ما تطيقون، فإنَّ الله لا يَملّ حتَّى تَملّوا، وإن أحبّ الأعمال إلى الله ما دووِم عليه وإن قلّ»([13]). فليس أفضل ولا أحسن من عبادة الله تعالى والتقرب إليه بالنوافل، ولكن مع ذلك يرشدنا الحبيب المصطفى صلعم إلى التوسط والاعتدال في العبادة حتَّى لا تدخل السآمة والملل إلى قلوبنا فنترك هذه العبادة([14]).

وهكذا كان الإسلام في كل جانب من جوانبه يعلمنا أهمية التوازن والاعتدال والوسطية في حياتنا اليومية، ولذلك فإنّه بذلك صالح لكلّ زمان، فهذه التعاليم ليست مقصورة على زمان بعينه، ولا مكان بذاته بل هي تناسب كلّ المجتمعات، وتتناغم مع كلّ العصور والأزمنة، فليس توجيه الإنفاق نحو الوسطية بدون تبذير أو تقتير مختصّ بالعصر الإسلامي الأوَّل، وليست رعاية الفقراء واليتامى أَمر لا يقبل في عصرنا الحاضر، وما الدعوة إلى التعايش والصفاء والتآلف بين الناس أمر لا يقبله العصر الحديث، بل كلّ ذلك وأكثر مقبول مُمكن التطبيق في هذا العصر، وفي هذا العالم بأسره شرقه وغربه، فهذه هي التعاليم التي قام عليها دين الإسلام وحضارته، ولذلك كان من المهم أن تبين هذه الحقيقة، ويزال عنها غبار الظلم، وستار الهم، ويفتح عليها باب النور، حتَّى يعرف الجميع هذه الحقيقة التي سيشرق العالم بها من ظلماته، ويلبس بها حلة الحسن بالحضارة الراقية، والسمات السامقة.

والسؤال الآن: هل ماتت الحضارة الإسلامية واندثرت؟

وللإجابة عليه نقول ـ والله الموفق ـ: إنه رغم كلّ هذه الظروف التي مّرت بها الأمة الإسلامية من الضغوط والتشكيك، وإلقاء التهم من هنا وهناك، فإن الحضارة الإسلامية استطاعت عبر مجريات الحياة أن تثبت أنها قادرة على الثبات والمواصلة، فإن الحضارات السابقة كلها آلت إلى الاندثار والخراب، لكن حضارة الإسلام ما زالت قائمة مستمرة، وإن ضعفت قوتها، وخارت عزيمتها بين حين وآخر فهي باقية، إِنَّمَا تَمرّ بحالة مرض محتاجة فيه إلى الدواء، وهو بين يديها وأمام ناظريها، لن تلبث أن تعود إلى مجدها بمجرد أن تبدأ بأخذ جرعات هذا الدواء، والذي هو التمسك بالتعاليم، والسير على الدرب الذي رسمه لنا مُحمَّد صلعم بما بعثه به ربنا ـ سبحانه وتعالى ـ.

 من أجل ذلك انبرى المجددون، وبذل العلماء المجتهدون، من أجل إعادة صياغة الأمة، وتجديد لباسها الذي أصابه الجمود، فظهر مصطلح [الفقه الحضاري]، الذي يدعوا إلى تجديد الفقه وإعادة النظر في كل ما يستجد من القضايا، لينظر فيها من جانب سماحة الإسلام ووسطيته وشموله حتَّى يفهم الناس حقيقة هذا الدين ويسره.

المبحث الثاني: مفهوم الفقه الحضاري

إن [الفقه الحضاري]: مصطلح جديد على الساحة، ولا بد لأي علم جديد أن يكون له تعريف حتَّى يستطاع فهمه فهما صحيحا، لذا فإنَّا هنا نعرف هذا المصطلح الجديد، لكي نستطيع فهم المراد منه، وحتَّى نصل إلى التعريف اللقبي الدقيق لا بد من تعريفه أولا التعريف الإضافي بتعريف مفرداته.

1-    تعريف كلمة “الفقه”: الفقْهُ لغة: “العلـم بالشيء والفهمُ له، وغلبَ علـى عِلْـم الدين لسِيادَتِه وشرفه وفَضْلِه علـى سائر أَنواع العلـم، كما غلب النـجمُ علـى الثُّرَيَّا، والعُودُ علـى الـمَنْدَل”([15])، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿ فَمَا لِهَـؤُلاء الْقَوْمِ لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾([16]).

اصطلاحا: والفقه في الاصطلاح هو “العلم بالأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية”.

وقد اشتمل التعريف السابق على:

–         “العلم”: وهو الملكة الحاصلة من الممارسة للشيء “المهارة”.

–         “الأحكام الشرعية”: وهي الأحكام المنسوبة للشرع الحنيف، وهو قيد مخرج للأحكام الأخرى مثل:

–         الأحكام العقلية: كالواحد نصف الاثنين.

–         الأحكام اللغوية: مثل رفع الفاعل ونصب المفعول.

–         الأحكام الحسية: مثل النار محرقة للحطب.

–   “العملية”: نسبة إلى العمل إذ غلب على علم الفقه البحث في الأحكام الشرعية العملية المتعلقة بأفعال المكلفين كالعبادات والمعاملات، واستثناء الأحكام الشرعية الاعتقادية.

–   “الأدلة التفصيلية”: الدليل التفصيلي هو الدليل الجزئي الذي يتعلق بمسألة خاصة، ويدل على حكم معين، كقوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ﴾([17])، فهذا دليل جزئي يتعلق بمسألة خاصة هي إعداد القوة من المؤمنين لإرهاب العدو([18]).

2-    تعريف الحضارة: الحضارة لغة: “الـحِضَارَةُ: الإِقامة فـي الـحَضَرِ؛ عن أَبـي زيد. وكان الأصمعي يقول: الـحَضارَة، بالفتـح؛ قال القطامي: “فَمَنْ تَكُنِ الحَضارَةُ أَعْجَبَتْه فأَيَّ رجـالِ بادِيَةٍ تَرانَا”([19]).

الحضارة في الاصطلاح: اختلف الكتاب والمفكرون في تعريف الحضارة كلّ حسب ما رآه مناسبا لتعريفها من خلال أفكاره ومعتقداته، ومن بين الذين عرفوا الحضارة:

1-  ابن خلدون، وهي عنده: “تفنن في الترف وإحكام الصنائع المستعملة وجوهه ومذاهبه من المطابخ والملابس والمباني والفرش والأبنية وسائر عوائد المنزل وأحواله”([20]).

2-  وقد عرفها تايلور بقوله: “كل ما يتقبله الإنسان باعتباره طريقة للعمل والتفكير، وكل ما يتعلمه أو يعلمه لغيره من الناس”([21]).

3-     ويعرفها ديورانت بأنها: “نظام اجتماعي يعين الإنسان على الزيادة من إنتاجه الثقافي”([22]).

ولعلّنا هنا نبحث عن تعريف أشمل من هذه التعريفات، فتعريف ابن خلدون يصف لنا الحضارة من خلال ما فهمناه من هذا التعريف أنها لا تكون إلا في الحضر، وهو ما أشار إليه بنفسه في مقدمته.

“وإذا كانت الحضارة تعني في أصل اللغة إقامة مجموعة من الناس في الحضر، أي في مواطن العمران، سواء كانت مدنا أم حواضر أم قرى، فإن معناها قد توسع عند المؤرخين والباحثين الاجتماعيين حتَّى صار شاملا لجميع أنواع التقدم والرقي الإنسانيين؛ لأنَّهما لا يزدهران إلا عند المستقرين في مواطن العمران”([23])، ولذلك فالتعريفان اللاحقان يحتاجان أيضا إلى دقَّة أكبر فيما تعنيه الحضارة بشكل واضح، على الأقلّ من نظرتنا إليها بعين مسلمة.

وحتى نستطيع أن نلمس التعريف الدقيق للحضارة لا بد أن نرجع صور التطور والرقي عند الإنسان إلى أصناف ثلاثة([24]):

الصنف الأوَّل: ما يخدم الجسد ويمتعه من وسائل العيش، وأسباب الرفاهية والنعيم، ومعطيات اللذة للحس أو للنفس.

ويدخل في هذا الصنف أنواع التقدم العمراني والزراعي والصناعي والصحي والأدبي والفني، والتقدم في الإنتاج الحيواني، واستخراج كنوز الأرض، والاستفادة من الطاقات المنبثقة فيها، ويدخل ضمن ذلك جميع أنواع العلوم والثقافات التي تخدم هذا الصنف. وهناك طريقان للحصول على هذا الصنف:

أولهما: استخدام العقل في البحث العلمي والاختبار والتجربة، والممارسة التطبيقية العملية، مع الملاحظة الدقيقة لجوانب الخطأ والنقص وما يستدعيه الكمال.

أما الثاني: فهو الوحي والإلهام الرباني، فقد يسعف بشيء من ذلك فيكون أخصر طريق إلى الكمال فيه.

الصنف الثاني: ما يخدم المجتمع الإنساني، ويكون من الوسائل التي تمنحه سعادة التعاون والإخاء، والأمن والطمأنينة والرخاء، وتمنحه سيادة النظام والعدل والحق، وانتشار أنواع الخير والفضائل الجماعية.

 ويدخل في هذا الصنف أنواع التقدم الاجتماعي الشامل للنظم الإدارية، والحقوقية والمالية، والأحوال الشخصية، والشامل للأخلاق والتقاليد والعادات الفاضلات، وسائر طرق معاملة الناس بعضهم بعضا في علاقاتهم المختلفة، وكل أنواع الثقافات والعلوم التي تخدم هذا الصنف، وللرقي في هذا الصنف سبيلان:

الأول: التلقي التعليمي عن طريق الوحي، وذلك في كل ما تكفلت الشرائع الربانية ببيانه، ولا يزيغ عن هذا الوحي إلا متنكب سواء السبيل.

الثاني: استخدام العقل في البحث العلمي والاختبار والتجربة، والممارسة التطبيقية العملية، مع الملاحظة الدقيقة لجوانب الخطأ والنقص وما يستدعيه الكمال.

الصنف الثالث: ما يأخذ بيد الإنسان فردا كان أم جماعة إلى السعادة الخالدة التي تبدأ منذ إدراك الإنسان ذاته والكون من حوله، وتستمر من نفسه وروحه الخالدتين إلى ما لا نهاية له في الوجود الأبدي، الذي ينتقل من حياة جسدية مادية يكون فيها الابتلاء، إلى حياة نفسية روحية برزخية يكون فيها بعض الجزاء، ثمّ إلى معاد جسدي نفسي وروحي يكون فيها كامل الجزاء.

 ويدخل في هذا الصنف أنواع التقدم الفكري القائم على التأملات الحِكْمِيَّة، التي توصل الإنسان إلى معرفة الخالق، وسر وجود الإنسان، وغايته ومصيره، وواجبه في الحياة الدنيا، وسبل سعادته الأبدية الخالدة، وهي الأمور التي تحمل اسم المعتقدات والواجبات الدينية وسائر التكاليف والآداب الشرعية الإسلامية. ولا يمكن الحصول على هذا الصنف إلا عن طريق وحي منزل من رب العزة والجلال.

ويمكننا أن نقول أن أساس الصنفين الأولين إنما هو الصنف الثالث، فهو المركز الذي تدور عليه، والمرجع الذي تستمد منه قوتها، وهو أسمى هذه المراتب وأعلاها؛ ولذلك فإن بعض الأمم قد تحرز سبقا في مجال من مجالات الحضارة، بينما تكون في قمة التخلف في مجال آخر، لكن الإسلام الذي ينطلق من منطلق السعادة الأبدية للبشرية، فقد نظم حياة أبنائه، ويسر لهم سبل التقدم والرقي وأسبابه، ودفعهم بقوة إلى قمم المجد والحضارة، المادية والمعنوية، الفردية والاجتماعية.

فالإسلام في حضارة المسلمين هو الأساس، الذي ترجع إليه هذه الحضارة، وهو النواة التي بسبها عرفت هذه الحضارة الحياة، فما كان العرب قبل الإسلام يعرفون شيئا اسمه الحضارة، لكن هذا الدين المبارك هو الذي بنى لهم هذه الحضارة بما قدمه لهم من أسس وقواعد، وهذا على عكس الحضارات الأخرى، فلم يكن الشرع المنزل إليها إلا تهذيبا لحضارة قائمة، كالحضارة الفرعونية التي بُعث لها موسى u لينقذها من الهلاك، وليأخذ بيدها إلى النور.

ويمكننا الآن من خلال ما تقدم أن نأتي بتعريف للحضارة، وأسأل المولى القدير تيسير الأمر؛ فأقول وبالله التوفيق: “الحضارة: هي مجموعة الأسس والأفكار والمعتقدات التي تؤمن للإنسان التقدم الثقافي، والاجتماعي، والفكري”. فالتقدم الثقافي يندرج تحته ما كان في الصنف الأول، والتقدم الاجتماعي يدخل فيه ما كان في الصنف الثاني، أما التقدم الفكري فهو الصنف الثالث، وهو التقدم الديني الأخلاقي الشرعي، الذي يأخذ الإنسان إلى السعادة الأبدية.

التعريف الثاني للفقه الحضاري:  تعريفه باعتباره علما ولقبا:

ويقصد به التعريف العلمي اللقبي، أي المعنى العلمي، الذي ينقل الفقه الحضاري عن المعنى الإضافي ويجعله لقبا وعلما على علم خاص به من غير النظر إلى كلّ مفردة فيه، والحقيقة أن هذا المصطلح ما يزال حديث الظهور على الساحة، ولم يتبلور بعد له تعريف دقيق، إلا أنّي وجدت له بعض التعريفات عند من اهتم به، ومن بين هذه التعريفات، تعريف رئيس وزراء ماليزيا عبدالله أحمد بدوي، وهو عنده:”جهد من أجل عودة الأمَّة إلى منابعها الأصيلة، وإعطاء الأولوية للقيم والمعاني الإسلامية الفاضلة لكي توجّه الحياة وترشدها”([25]).

وقد شرح البروفيسور داتو عبدالله مُحمَّد زين ـ وزير الشئون الإسلامية والأوقاف بماليزيا ـ هذا التعريف عندما تكلّم عنه، فقال إنَّه:”ليس دينا جديدا ولا مذهبا فقهيا مبتدعا، وَإِنَّمَا هو طريقة تقوم على مثل وقيم الإسلام الخالدة لتعزيز تقدّم الحضارة الإسلامية، وهي طريقة لعرض الإسلام بواقعية وعملية وعودة الأمَّة إلى مصادر الإسلامية الأصيلة ومبادئه القويمة، ويعطي مشروع الإسلام الحضاري مزيدًا من الاهتمام لزيادة جودة الحياة الإنسانية لكلّ الناس بغضّ النظر عن أعراقهم وثقافاتهم ومعتقداتهم”([26]).

وعرفه الدكتور عبد المجيد النجار بأنه: “المبادئ والأصول والقواعد التي تشكل نسقاً يحكم الظاهرة المعينة, أو العلم المعيّن, أو الحضارة المعينة”([27]).

“والاستنتاج الذي يتوصّل إليه النجار على ضوء ذلك أن الحضارة الإسلامية, هي حضارة تختصّ من بين الحضارات بفقه خاص بها، هو منطقها الذي حكم نشأتها وتطورها، والذي أصابه بعد فترة من ازدهارها خلل في ترابطه وانسجامه أدى إلى ركودها وانحدارها. وتبعاً لذلك فإن كل محاولة للنهوض بالتحضر الإسلامي, وإعادته إلى وضع الشهود تتطلب أول ما تتطلب الوقوف الواعي على ذلك الفقه، وفهم طبيعته وقواعده، ليكون ذلك ميزاناً لتعديل المسار الحضاري تعديلاً يفضي إلى استئناف الحركة المترقية بالإنسان من حيث قوامه الفردي والاجتماعي، ومن حيث أوضاعه المادية، وهو جوهر التحضر المنشود, وأي منطق آخر يُجعل فقهاً لنهضة التحضر الإسلامي ليس من شأنه إلا أن يفضي إلى التشويه للحياة الإسلامية من جهة، وإلى الاضطراب والارتباك من جهة أخرى، بحيث لا تكون به نهضة بل لعلَّه المزيد من الارتكَاس”([28]).

ومن خلال الجمع بين هذين التعريفين ـ لما أراه بعيني القاصرة ـ يُمكننا أن نقول: إنّ الفقه الحضاري يعني: “القواعد والمبادئ والأصول التي تُستمد من الشرع الحنيف لتوجيه الحياة وإرشادها، وإيجاد الحلول المناسبة لجديد قضاياها”.

الْمبحث الثالث: تطور مصطلح الفقه الحضاري

هنالك الكثير من الاستخدامات لمصطلح الفقه، ولهذه الاستخدامات علاقة بالدراسات الإسلامية, وبالدراسات الإنسانية والاجتماعية، كالحديث عن: فقه التاريخ، وفقه الاقتصاد, وفقه السياسة, وفقه الواقع، وغيرها، ولقد برز في الساحة بعض الكتاب الذين كتبوا في هذه العناوين، سواء كانت هذه الكتابات مضمنة في بعض البحوث العامة، أو كانت بحوثا خاصة بكل عنوان, وفي هذا السياق أيضاً, يأتي استعمال الفقه في مجال الحضارة، بإطلاق تسمية: “الفقه الحضاري”.

وقبل أن نبدأ بتطور هذه الكلمة عند الفقهاء، لا بدّ من التعريج إلى بعض الدعوات والحركات التي كانت البذرة الأولى في تأسيس مثل هذه المصطلحات، حتَّى ولو لم تكن معلومة التسمية فيها.

ومن بين تلك الحركات، حركة مُحمَّد جمال الدين الأفغاني الإصلاحية، فهي وإن بادرها البعض بالاتهامات فإنها لم تخل من منهجية إصلاحية، فقد كان يدعوا إلى نهوض الأمة من خلال رجوعها إلى دينها وتَمسّكها به، ومن أقواله في ذلك:”إنا معشر المسلمين، إذا لم يؤسس نهوضنا وتَمدننا على قواعد ديننا وقرآننا فلا خير لنا فيه، ولا يمكن التخلص من وصمة انحطاطنا وتأخرنا إلا عن هذا الطريق”([29]) وكما يقول الدكتور أبو اليزيد العجمي: “إنّ جمال الدين ـ من خلال كتابات المؤرخين الثقات ـ مصلح ديني انطلق من فهم للواقع وتشخيص لأمراضه، وتصور لعلاجه تحقيقا لرسالة المسلم في الحياة،…، ويكاد يجمع من كتبوا عن جمال الدين أن قدراته الخاصة من فطنة وذكاء واستيعاب، وأن معارفه المتعددة، وتنقلاته بين الشرق والغرب، في بلاد الإسلام وبلاد غيره، هذه كلها مكنته من أن يحدث ما أحدث في حياة الأمة علمائها وعامتها”([30])، ثمّ جاء من بعده تلميذه المقرب الإمام مُحمَّد عبده، ويتضح ذلك من خلال كتاباته التي كان يصدرها في مجلة العروة الوثقى، والتي تأثر بها الشيخ مُحمَّد رشيد رضا، وأصدر بعدها هذا الأخير مجلة (المنار) فبث من خلالها فكره التجديدي الإصلاحي، يقول الدكتور مُحمَّد عمارة: “لقد أراد للمنار أن تكون أسلاك الكهرباء التي تهز وتوقظ الأمّة، كما صنعت معه هو مجلة العروة الوثقى”([31]).

ثُمَّ توالى بعد ذلك عدد من المصلحين ورواد الفكر التجديدي، ثمّ ظهر الكاتب والمفكر الجزائري مالك بن نبي الذي دعا إلى نهضة شاملة من خلال كتاباته ورسائله، ومن بين كتبه “شروط النهضة”، وقد تأثر بكتاباته الدكتور سيد دسوقي حسن الذي بدوره بدأ أول مشوار مسمى الفقه الحضاري، فقد افتتح كتابه “مقدمات في مشاريع البعث الحضاري”, الصادر عام 1987م, بمقدمة عنوانها: “نفر الفقه الحضاري”.

وقد دعا الدكتور سيد دسوقي فيها علماء هذه الأمّة أن تنفر طائفة منهم ليتفرغوا لعملية الفقه الحضاري، كجزء جوهري من عملية الفقه الديني، ولينيروا للأمّة دربها فلا يختلط عليها الوافد باسم المعاصرة, يقول دسوقي: “… ومن هنا فإنَّه يتعيَّن على علماء هذه الأمة أن تنفر منهم طائفة ليتفرغوا لعملية الفقه الحضاري كجزء جوهري من عمليات الفقه الديني، لينيروا للأمة دربها”([32])، ويسمِّي هذه المجموعة “نفر الفقه الحضاري”, وهؤلاء النفر حسب قوله يجتمعون فيما بينهم للعمل الفكري.

وقد توقَّف عند هذه التسمية وباهتمام كبير, عمر بهاء الدين الأميري في كتابه: “الإسلام وأزمة الحضارة الإنسانية في ضوء الفقه الحضاري”, الصادر عام 1993م, حيث اعتبر أنَّ تسميّة “الفقه الحضاري”, اصطلاحاً جديداً لمنهج سديد في البحث والعلم والفهم والسلوك. وتوصّل لهذا المفهوم، كما يقول، بعد تدريسه لمادة الحضارة الإسلامية في كلية الآداب والعلوم الإنسانية بمدينة فاس المغربية، في بداية الثمانينات من القرن العشرين, حيث اعتمد في استخلاص مادة محاضراته على المعطيات القرآنية والمعارف الإسلامية، فتوقف متأملاً في كلمة: ﴿يَفقَهُونَ﴾ التي وردت في آيات عديدة كقوله تعالى: ﴿قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ﴾([33])، وقوله تعالى: ﴿انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ﴾([34])، وتوصل إلى أن فقه الدين هو فقه الحياة، وهو عنده بالتالي الفقه الحضاري كما تطرق الأميري لهذا المفهوم في مؤلفات أخرى, منها كتاب: “في الفقه الحضاري” وكتاب: “وسطية الإسلام في ضوء الفقه الحضاري”.

ولعلّ الجهد الأكثر أهمية في مجال الحديث عن الفقه الحضاري, هو ما أنجزه الباحث التونسي الدكتور عبد المجيد النجار في كتابه القيم: “الشهود الحضاري للأمة الإسلامية” الصادر عام 1999م, في ثلاثة أجزاء, حمل الجزء الأول عنوان: “فقه التحضر الإسلامي”, وحمل الجزء الثاني عنوان: “عوامل الشهود الحضاري”، وحمل الجزء الثالث عنوان: “مشاريع الإشهاد الحضاري”. وهذا العمل على أهميته وقيمته البحثية والمعرفية لم يعرف على نطاق واسع, ونادراً ما يأتي الحديث عنه في الكتابات الفكرية العربية التي تطرقت إلى فكرة الحضارة, وتحليل المشكلة الحضارية في العالم الإسلامي.

في هذا العمل حاول الدكتور عبد المجيد النجار, أن يقدم تحديدات هي الأكثر وضوحاً وتماسكاً لمفهوم “الفقه الحضاري”, ويعطي هذا المفهوم إمكانية التقبل العلمي والموضوعي، أو على أقل تقدير إخراج هذا المفهوم من ما يمكن أن يحيط به من ضبابية وغموض، ويضع له حداً منطقياً, لا أقلّ من أن يبرّر لنفسه استعماله بقناعة ووضوح([35]).

هذا.. ويعدّ المشروع المسمَّى “مشروع الإسلام الحضاري” الذي أعلنه رئيس الوزراء الماليزي عبدالله بدوي تقدما نحو تطبيق جديد لمصطلح الفقه الحضاري، وهو مشروع لنهضة الأمّة على هدي تعاليم الإسلام؛ وذلك من أجل استعادة دور الحضارة الإسلامية، وهو اصطلاح يقصد به المنهج الحضاري الشامل لتجديد الإسلام في ماليزيا، ويستخدم كمحرك للأمة نحو التقدم والتطور والريادة الإنسانية.

“ويهدف هذا المشروع لتقديم الإسلام بمنظوره الحضاري باعتباره دينًا يشمل كافة جوانب الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، ويلبي متطلبات الروح والبدن والعقل، ويعالج قضايا الفرد والجماعة والدولة. كما يعرض هذا المشروع منهجا شاملا ومتكاملا للعمل بالإسلام على نحو يميزه عن مناهج الدعوة والعمل الإسلامي كالصوفية والحركات الإسلامية السياسية، فضلا عن جماعات العنف والتكفير”([36]).

وقد عاب بعض أهل العلم والمفكرين إطلاق اسم [الإسلام الحضاري]([37]) على هذا المشروع، وذلك لأنّ الإسلام هو الإسلام فلا يطلق عليه حضاري ولا مدني ولا تقدّمي، ولا غير ذلك، ولست هنا في مقام تَحليل الاسم والدفاع عنه، ولكن إذا كان هذا المشروع فيه إحياء لمبادئ الإسلام، وإعلاء لشأنه، وإظهار لشفافيته الحقَّة من غير تهريج، فإننا بحاجة إليه في هذه الظروف، وإن جانب الداعين إليه الصواب في تسميته؛ فتوجيههم إلى الصواب مطلوب محمود.

أما إن كان هذا المشروع سيأتي على بعض تعاليم الدين، ويترك غيرها من الأوامر بدعوى أنها لا تناسب الزمان، فنحن أولى بتركه والابتعاد عنه، وذلك لأن الإسلام صالح لكل زمان ومناسب لكل مكان وبيئة.

الفصل الثاني:
الفقه الحضاري طموح نحو العزة

المبحث الأول: مشروع الفقه الحضاري، الأهداف والغايات

لقد بعث الله تعالى مُحمَّدا صلعم بالدين الخاتم، الذي لم يدع شاردة ولا واردة تخصّ جوانب الحياة الإنسانية إلا جعل لها حكما يسير عليه الناس في مسار حياتهم، يقول المولى القدير: ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا﴾([38])، فلما توفِّي النبيّ صلعم جاء من بعده العلماء الراسخون ليبيِّنوا للأمّة كلّ ما أشكل عليهم من خلال النظر إلى الأدلة الشرعية فيرجعوا كل قضية إلى دليلها، ويحققوا حكمها بما يوافق شريعة الله ودينه الإسلام.

“ولئن كان التطوّر فيما سبق من القرون والأحقاب الماضية كان بحسب ما جعل الله ـ سبحانه وتعالى ـ من طاقات عند البشر، وبِحسب ما آتاهم من وسائل فإن هذا التطوّر أيضا تسارع في عصرنا وصار يسابق الأحداث الزمنية، بل يُمكن أن نقول مجازا بأنه يقاس بسرعة الضوء لكثرة تقلّبات الأحوال من حال إلى حال، ومع هذه التقلبات لا بدّ أن يكون هناك استيعاب لقضايا الحياة على اختلاف أنواعها، وإنزال كلّ شيء منزله، وإعطاء كلّ قضية حكمها، حتَّى تنسجم الحياة الإنسانية مع أمر الله ـ سبحانه وتعالى ـ، وهذا يعني أن الفقهاء الربانيين لا بد لهم أن يكونوا على بينّة من أمرهم، عارفين بعصرهم، وهذا ما يعرف بفقه الواقع بحيث يعرف الإنسان القضايا المستجدة ويعطي كلّ قضية من هذه القضايا حكمها”([39]).

ويُمكننا أن نبين أهداف الفقه الحضاري وغاياته من خلال عدة نقاط، وهي:

أولا: إعادة صورة الإسلام وحضارته الحقيقية التي تقوم على القرآن والسنة، والغاية من ذلك تقديم الإسلام للعالم أجمع بمنظوره الحضاري، وأسلوبه الرفيع مع المسلمين وغيرهم.

المعلوم أن هذا الدين المبارك الذي جاء لينير العالم بنور الهداية والعلم، لم يكن كأيّ دين، ولم يصل إلى ما قدمه للعالم أي منهج قبله.

“فلا أعلم دينا سماويا من الأديان، ولا نظاما من الأنظمة، فتح للإنسان مغاليق المدنية والحضارة، وبصره طريق العلم والمعرفة، وعرفه حقائق الكون والحياة كالذي فعلته الشريعة الغراء”([40])، فالإسلام رغب أبناءه على العلم وحثهم عليه، وليس أدل على ذلك من أول كلمة نزلت من الذكر الحكيم، والتي هي (اقرأ)، يقول الله تعالى في محكم التنزيل: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾([41])، ولم يغفل النبيّ صلعم هذا الجانب إذ اهتم به، وبين أهميته لأمته، فعن أبي الدرداء أن النبيّ صلعم قال: «من سلك طريقا يبتغي فيه علما سهّل الله له طريقا إلى الجنَّة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضاء لطالب العلم، وإن العالم ليستغفر له من في السماوات ومن في الأرض، حتَّى الحيتان في الماء، وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب، إن العلماء ورثة الأنبياء، إن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما، إِنَّمَا ورثوا العلم، فمن أخذ به أخذ بحظّ وافر»([42]).

وعلى ضوء هذه الروح العلمية التي رفع منارها الإسلام نجد أن “البيروني” حينما حضرته الوفاة، دار الحديث في مجلسه حول مسألة من مسائل الإرث المعقدة، فطلب “البيروني” من أحد الحاضرين أن يوضحها له، فقال الزائر: في أي حال أنت وتسأل عن هذا؟!

فقال له البيروني: لأن أذهب إلى الله وأنا أعرفها خير من أذهب إليه وأنا أجهلها([43]).

كما أن العلم في الإسلام لم يقيد بعلم معين كعلم الشريعة والفقه دون العلوم الأخرى، بل جُعل طلب العلم شاملا لكلّ العلوم المفيدة للإنسانية، بل ولم يقيد طلب العلم من علماء المسلمين فقط، لكنه رغب في كل علم يخدم البشرية حتَّى ولو لم يكن هذا المعلم غير مسلم، وهو بذلك يمثل الحضارة الراقية لهذا الدين العظيم، على خلاف ما كانت عليه الكنيسة من محاربة للعلوم التي تخدم العالم بأسره، من علوم الفيزياء والكيمياء وغيرها، كما أنه لم يمنع غير المسلمين ممن يستظلون بظل دولة الإسلام من التعلم.

 هذا.. ومن الأمور المهمة في حضارة الإسلام أنها لم تميز بين أفرادها إِلاَّ بميزان التقوى، فجعلت المساواة بين البشر أسّا مهم من أسسها، ومبدأ كبيرا من مبادئها، قال تعالى:﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾([44])، وفي خطبة الوداع، قال المصطفى الحبيب: «يا أيها الناس ألا إن ربكم واحد وإن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على أعجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا أسود على أحمر، ولا أحمر على أسود، إلا بتقوى الله»([45]).

ولو نظرنا إلى الحضارة الإسلامية منذ نشأتها الأولى إلى أبلغ ذروتها لوجدنا أن من بين الذين شاركوا في بناء هذه الحضارة الرفيعة، الأبيض والأسود، والغنيّ والفقير، والكبير والصغير، والعربي والعجمي كل في صف واحد من أجل إعلاء كلمة الله، ورفعة هذا الدين، فإن أردت أمثلة على ذلك فخذ بلال بن رباح  t ، فقد كان غلاما أسودا، لكن كان في القمة عندما أصبح فردا من المسلمين، وقد شارك بكل ما يقدر في بناء الحضارة الإسلامية، وخذ إن شئت سلمان t ، فقد كان فارسيا، لكنه كان ممن يعتمد عليهم رسولنا الكريم في المشورة وإبداء الرأي، وانظر إلى كرم النبيّ الكريم صلعم له: «سلمان منا أهل البيت»([46])، فلم يشعر يوما أَنَّه من الغرباء عن العرب، بل جُعل في منزلة من هم الأفضل قدرا، والأشرف نسبا، وهم آل بيت رسول الله صلعم.

ثانيا: ومن أهدافه إعادة النظر في التبعية السلبية للغرب وحضارتهم، والغاية من ذلك النهوض بالإسلام والمسلمين فكريا وثقافيا حسب تعاليم الدين الحنيف.

لقد بنى الإسلام منهجا لأبنائه ليسيروا به في طريق العزة، فرباهم على الاستقلالية في الفكر والثقافة والسلوك، ورسم لهم منهجا يرجعون إليه، يغترفون من بحره، ويقتطفون من ثماره، وإننا لنجد ذلك واضحا من خلال ما كان يوجه به الرسول صلعم أتباعه y، فلم يرد أن تتأثر هذه الأمة بغيرها من الأمم الضالة، فيقعوا في أخطائهم، ومن بين هذه التوجيهات ما رواه عبادة بن الصامت t  قال: كان رسول الله صلعم إذا اتّبع الجنازة لم يقعد حتَّى توضع في اللحد، فعرض له حبر فقال: هكذا نصنع يا مُحمَّد، قال: فجلس رسول الله صلعم وقال: «خالفوهم»([47])، وليس هذا فحسب بل الأحاديث الآمرة بالمخالفة كثيرة، منها ما رواه ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، عن النبيّ صلعم قال: «خالفوا المشركين: وفّروا اللحى، وأحفوا الشوارب»([48])، وعن ابن عباس t قال: قال رسول الله صلعم: «صوموا يوم عاشوراء وخالفوا اليهود، صوموا قبله يوما أو بعده يوما»([49])، وقوله صلعم: «خالفوا اليهود والنصارى»([50])، وفي مسند أحمد من حديث أبي أمامة أن رسول الله صلعم خرج على مشيخة من الأنصار بيض لحاهم، فقال: «يا معشر الأنصار حمروا وصفروا وخالفوا أهل الكتاب»، قال: فقلنا: يا رسول الله إن أهل الكتاب يتسرولون ولا يأتزرون، فقال رسول الله صلعم: «تسرولوا وائتزروا وخالفوا أهل الكتاب»، قال: فقلنا: يا رسول الله إن أهل الكتاب يتخففون ولا ينتعلون، قال: فقال النبيّ صلعم: «فتخففوا وانتعلوا وخالفوا أهل الكتاب»، قال: فقلنا يا رسول الله إن أهل الكتاب يقصون عثانينهم ويوفرون سبالهم قال: فقال النبيّ صلعم: «قصوا سبالكم ووفروا عثانينكم وخالفوا أهل الكتاب»([51])، فكل هذه الأوامر من النبيّ الكريم صاحب الدعوة الْمُحمَّدية، ليبين للمسلمين أنهم مستقلّون بذاتهم، لهم منهجهم الذي يسيرون عليه، وطريقتهم التي يمضون بها، حتَّى لا يتأثروا بالسيّء من حضارات غيرهم، وأن عليهم أن يرجعوا كل جديد إلى مقياس دينهم الحنيف.

ولكن للأسف الشديد، “قد وقعت الأمة في هذا التأثير، وانساقت وراءه، واندفعت إليه اندفاعا لا يقف عند حد، حتَّى أصبحت أمة هزيلة، بلغ بها الحال أنها صارت تفاخر بأنها تكون تابعة لأولئك، تسير على منهجهم حتَّى في رذائل الأمور، وأصبحت عندما تعرض قضايا معاصرة تتفاخر بأنها أخذت من المنهج الغربي، وأصبحت ثقافتها ثقافة رقص وموسيقى وخلاعة وتعر وتجرد من الأخلاق والفضائل، ذلك لأجل اتباع الآخرين”([52])، وصدق الحبيب المصطفى صلعم  حين قال: «لتتبعن سنن من قبلكم شبرا بشبر، وذراعا بذراع، حتَّى لو سلكوا جحر ضب لسلكتموه». قلنا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: «فمن»([53]).

إن الناظر اليوم في أحوال بعض شباب هذه الحضارة الإسلامية الرائدة، ليجد ما يحزن له القلب، وتبكي له النفس من تشبه للغرب في ملبسهم ومأكلهم ومشربهم، وعاداتهم وتقاليدهم، وانسياقهم وراء صيحات الموضة، من قصّات الشعر وأنواع الملابس، تاركين الجوانب المفيدة من هذه الحضارة الصناعية.

فلابد لرواد الفقه الحضاري أن يسعوا لتبيين جوانب الاستقلال المنهجي والفكري للأمة الإسلامية، وربط الماضي بالحاضر من خلال الاستفادة من توجيهات منقذ البشرية مُحمَّد  صلعم ، التي بدورها تحيي ثقافة التعامل مع الجديد.

ثالثا: إبعاد الهجمات الشرسة ضد الإسلام والمسلمين، وذلك من أجل الحفاظ على الهوية والثوابت الإسلامية.

من هنا وهناك، يُهاجَم المسلمون في كلّ وقت وفي كل حين، ولن تهدأ هذه الهجمات أبدا؛ لأن الصراع بين الحقّ والباطل قديم قدم وجود هذا الإنسان على وجه الأرض، ودائما حيث وجد الحق وجد الباطل المعادي الذي يقوده الشيطان، فعلى المسلم أن يعرف هذه الحقيقة، فمنذ الصراع الأول الذي كان بين قابيل وهابيل، الذي تجرَّأ فيه قابيل عَلَى قتل أخيه، إلى يومنا هذا ما زال الصراع باقيا، قال المولى القدير: ﴿وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حتَّى يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُواْ وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَـئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾([54])، فالهدف من هذا الصراع أن يُبعد المسلمون عن دينهم القويم، وعن صراطهم المستقيم، الذي يأخذ بأيديهم إلى النعيم المقيم، وما ذلك إِلاَّ حسد وظلم من هؤلاء الكفَّار والمعتدين، ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾([55]).

ولا ريب أن المسلم عليه أن يكون ملتزما بكل ما أمره الله سبحانه وتعالى به في هذا الدين الحنيف، مستعدا لأن ينصر دينه الذي ارتضاه الله له، ولن يتركه الله تعالى وحده في الميدان، بل سيؤيّده بنصره المبجل، وتوفيقه المسدد، قال سبحانه وتعالى: ﴿ وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ َقَوِيٌّ عَزِيزٌ ﴾([56])، وقال جل شأنه:﴿ وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾([57])، وقال عز من قائل:﴿ إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾([58])، فالجزاء من جنس العمل، ومن أشغل نفسه بنصرة الله تعالى، نصره المولى القدير وثبته، ولهذا قال تعالى:﴿يَنْصُرْكُمْ ويُثَبِّت أَقدَامَكُم﴾، فهناك شرط لهذا الجواب وهو النصرة لله، فإن تحقق كان الجواب من الله تعالى سريعا، يقول المولى القدير: ﴿ إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيِصْبِرْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾([59])، ويقول سبحانه:﴿ مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُم مِّنَ الأَعْرَابِ أَن يَتَخَلَّفُواْ عَن رَّسُولِ اللّهِ وَلاَ يَرْغَبُواْ بِأَنفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلاَ نَصَبٌ وَلاَ مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَطَؤُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلاً إِلاَّ كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾([60])، فكلّ عمل يقوم به المسلم من رد للاعتداءات، وتفنيد للشبهات، وتوضيح للخفايا، وإظهار للإسلام بمظهره الحسن، كل ذلك موزون عند الله تعالى، ولن يضيع الله تعالى أجر العاملين به.

فإن اجتهد المسلمون صفّا واحدا من أجل نصرة الدين، وإبراز معالم حضارته الحقيقية، ستكتب لهم السعادة، وينالون الخير كله، يقول الله ـ جلّ شأنه ـ: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً﴾([61]).

فعلى المؤمنين أن يوقنوا أنّ وعد الله حقّ لا بدّ مُنجِزه، وقوله صدق لا محالة سيتضح، وأن لا يجعلوا خلافاتهم سبيلا لتضييع هويتهم، وتمزيق وحدتهم، ونخر صفوفهم من الداخل، ودور الفقه الحضاري هنا أن يبين هذه الحقيقة ويشجع عليها.

رابعا: علاج العنف والتطرّف، والغلوّ والتخلف، ورعاية مصالح المقيمين في دولة الإسلام من غير المسلمين، وذلك لإظهار الصورة التسامحية للإسلام.

الإسلام دين السماحة، دين المحبّة والوئام، فمنذ لحظاته الأولى نجد الدعوة إلى التسامح والتصالح، ونبذ العصبيات المقيتة، والأفكار المهلكة، فعن جبير بن مطعم  t ، أن رسول اللّه صلعم قال: «ليس منَّا من دعا إلى عصبيةٍ، وليس منَّا من قاتل على عصبيةٍ، وليس منَّا من مات على عصبيةٍ»([62])، وعن عبد اللّه بن مسعود t ، عن النبيّ صلعم قال: «ألا هلك المتنطعون» ثلاث مرات([63])، وعندما هاجر المسلمون إلى المدينة المنورة، آخى النبيّ صلعم بين المهاجرين والأنصار، فجعلهم كالإخوة الأشقاء، يتقاسمون اللقمة والمعيشة، وعاش الكلّ في وئام واطمئنان.

بل ونجد الإسلام يرعى مصالح غير المسلمين من المقيمين في دولة الإسلام، فيعقد معهم معاهدات السلام، واتفاقيات التجارة، ومن بين هذه الاتفاقيات، ما ذكره ابن هشام عند قدوم النبيّ صلعم إلى المدينة، فقد أبرم اتفاقية مع اليهود، جاء فيها: «وإن يهود بني عوف أمّة مع المؤمنين لليهود دينهم وللمسلمين دينهم، مواليهم وأنفسهم، إلا من ظلم وأثم فإنّه لا يؤتِه إِلاَّ نفسه وأهل بيته، وإن ليهود بني النجار مثل ما ليهود بني عوف، وإن ليهود بني الحارث مثل ما ليهود بني عوف،…، وإن على اليهود نفقتهم وعلى المسلمين نفقتهم، وإن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة، وإن بينهم النصح والنصيحة والبر دون الإثم، وإنه لم يأثم امرؤ بحليفه، وإن النصر للمظلوم، وإن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين، وإن يثرب حرام جوفها لأهل هذه الصحيفة، وإن الجار كالنفس غير مضار ولا آثم”([64])، وعاش الكل فترة من الزمن متناغما مع الآخر، في منظومة بديعة اسمها مظلة الإسلام، فدعت هذه المقدمات إلى نتيجة وهي حب كثير من غير المسلمين في العيش على أرض السلام، وبلاد الإسلام.

فلا مجال للتطرف الممقوت والتعصب المشئوم، الذي تدعوا إليه بعض الجماعات المتسمية بالإسلام، والإسلام منهم براء، فنحن نرى هنا وهناك ممن يزعمون انتماءهم لهذا الدين، ويريدون تطبيقه حسب مفهومهم التعصبي، يخطئون في التصورات، ويسيئون مع الآخرين المعاملات، بل ويرتكبون الجرائم الشنعاء في حق المسلمين ذاتهم، بدعوى أنهم مبتدعة، أو بزعم أنهم كفار لا يطبقون دين الله وحدوده، نسوا أو تناسوا أن النبيّ صلعم عنف بشدة على أسامة بن زيد رضي الله عنه؛ لأنّه قتل رجلا شهد أن لا إله إلا الله وحده، فعنه رضي الله عنه أَنَّه قال: “بعثنا رسول الله صلعم سرية إلى الحرقات، فنذروا فهربوا فأدركنا رجلا، فلما غشيناه قال: لا إله إلا الله، فضربناه حتَّى قتلناه، فعرض في نفسي شيء من ذلك فذكرته للنبي  صلعم، فقال: «من لك بلا إله إلا الله يوم القيامة؟»، فقلت يا رسول الله: إنما قالها مخافة السلاح والقتل، قال: «أفلا شققت عن قلبه حتَّى تعلم قالها من أجل ذلك أو لا؟! من لك بلا إله إلا الله يوم القيامة»، قال: فما زال يقول حتَّى وددت أني لم أسلم إلا يومئذ”([65])، والله سبحانه وتعالى يقول في كتابه: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾([66])، “ولئن كان الإسلام يأمر بالبر والإنصاف حتَّى مع غير المسلمين الذين لم يجاهروا المسلمين بالعداوة، حيث يقول عز من قائل: ﴿ لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾([67])، فكيف يرضى المسلم مع ذلك أن يعامل إخوانه المسلمين، بل يعامل أهل بلدته وأبناء جلدته هذه المعاملة القاسية؟! ويتنكر لمبادئ الإنسانية، حتَّى يكون سبعاً ضارياً، لا يبالي بأن يفتك بالأطفال والنساء، والشيوخ الكبار وكل ضعيف، إن هذه الحالة هي حالة شاذة، بعيدة كل البعد عن تعاليم الإسلام وعن قيم الإسلام، فليت هؤلاء ما انتموا إلى الإسلام قط، وليتهم لم يرضوا بأن يلحقوا بهذا الدين الحنيف النظيف هذه التهم القذرة، التي يجب أن يبرأ الدين منها. ونحن نأسف لذلك”([68]) وندعوهم إِلَى الرجوع إلى مبادئ الإسلام الحقيقية، وأخلاقه الرفيعة.

وفي الجانب المقابل، كم هم الذين دخلوا دين الله الإسلام بسبب نظرتهم التي بنوها عن تسامح الإسلام، بما قدمه أبناؤه الفضلاء من أخلاق حميدة، وشمائل طيبة، ودعوتهم لغيرهم بالحسنى، ممتثلين قول الله تعالى: ﴿ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾([69])، ومبتعدين عن الغلو والتنطع والفضاضة، لما فيها من تنفير للقلوب، وتشتيت للنفوس، ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾([70])، ومن بين المتأثرين بأخلاق المسلمين الذين اعتنقوا الإسلام بسبب ذلك الأميرة (إيبيانك مودوادي) زوجة وليّ عهد الراجا حفيد جيمس بروك الإنجليزي الذي حكم سرواك عام 1841م وحولها إلى محميَّة ثمّ إِلَى مستعمرة إلى أن نالت استقلالها عام 1963م، وانضمت إلى الولايات الماليزية في ذلك العام([71]).

وكان إسلامها لعدة أسباب، من أهمها ما لامسته من خلال معرفتها لمسلمي سرواك من عظمة الدين الإسلامي، وما فيه من سماحة وفضائل، وكونه الدين الوحيد الذي يفي بحاجات البشر من القيم، وبسبب السلوكيات التي شاهدتها في مسلمي سرواك متمثلة في أخلاقهم الحسنة([72]).

فهذه الصورة ليست الوحيدة، بل هي الشعرة البيضاء في الثور الأسود، وهذه الأخلاق والفضائل السمحة هي ما دعا إليه ديننا الحنيف، وهي ما رغّب إليه ربنا الكريم في كتابه، حيث قال جلّ شأنه: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعُواْ أَهْوَاء قَوْمٍ قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيرًا وَضَلُّواْ عَن سَوَاء السَّبِيلِ﴾([73])، وهذا هو ما يجب أن يوضحه الفقه الحضاري.

خامسا: إرجاع كلّ ما يدخل من جديد القضايا والمستجدات إلى الشريعة الإسلامية، ووزنها بميزانها الدقيق، وذلك من أجل السير وفق المنهج الرباني الذي أراده الله تعالى لهذه الأمة.

جاء الإسلام فلم يدع شاردة ولا واردة تخص الحياة، إلا وجعل لها قواعد تبنى عليها، وأصولا تنظمها، وأسوارا تحدها، ممثلة في كتاب الله وسنة رسوله  صلعم، وذلك حتَّى لا يخرج الأمر عن نطاق المنهج الشرعي، والمبدأ الرباني، وهكذا سارت قوافل الحياة الإسلامية عبر حضارتها المشهودة، ترجع كل جديد يستجد، وكل حادث يحدث إلى هذه القواعد والأصول التي هي بمثابة الفاحص الذي يغربل أغوار هذا الجديد ويسبر مداخله ومخارجه من أجل النظر في قابليته أن يكون من ضمن المستفاد منه في حياة المسلمين، واليوم.. ونحن نرى التطور السريع في هذه المستجدات، فإننا بحاجة أشد إلى بحثها وغربلتها وإرجاعها إلى تلك القواعد الأصولية.

وإن الناظر في هذه المستجدات المتطورة، يرى أنها ليست كلها جديدة بالكلية، إِنَّمَا بعضها كانت موجودة منذ زمن بعيد إلا أنها طورت في قالب جديد، ومن أمثلتها ما يسمى بالفائدة في القروض البنكية، فنحن نعلم أن هذه المسألة هي الربا المحرم بعينه، إلا أنه بقالب جديد، وهذا ما جعل بعض المتعالمين الذين ينتسبون إلى العلم الشرعي لإباحته دون النظر إلى أصله، وفيه يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾([74])، وأما عن تغيير المسميات وخلطها يقول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىَ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾([75])، فالبيع حلال، أما الربا فهو الحرام، ولذلك لا يمكن أن نسمي الحرام باسم الحلال حتَّى لا يختلط الأمر على الناس، وهذا مثال واحد فحسبنا، وإلاّ فالمستجدات والمتطورات التي تأتي إلينا كثيرة.

ومن هنا كان لزاما على المسلمين أن يقيضوا من أبنائهم من يدرسوا كلّ جديد، ويتفحصوا كلّ قادم باسم الحضارة، حتَّى لا يكون سما قاتلا لديننا، ومعولا مخربا لبيوت إيماننا.

سادسا: النهوض الاقتصادي والصناعي وفق مبادئ الدين وأحكامه، وذلك لأن الإسلام دين حياة فلا يفصل الدين عن الصناعات والاقتصاد.

الإسلام دين الحياة، شمل كل شيء فيها، وأتى على كلّ صغير وكبير يخصها، فلم يكن الإسلام دين عبادة فقط، بل كان أيضا دين معاملات، دين أسرة وبناء مجتمعات.

وقد امتدح الإسلام المال الصالح، يقول المصطفى صلعم لعمرو بن العاص: «يا عمرو، نعم المال الصالح مع الرجل الصالح»([76])، بل أوجب على صاحبه المحافظة عليه، وقد جُعلت المحافظة على المال، ضرورة من الضروريات الخمس، وجعل من يموت في دفاع عن ماله في مصاف الشهداء، فعن سعيد بن زيد رضي الله عنه،عن النبيّ صلعم قال: «من قتل دون ماله فهو شهيدٌ، ومن قتل دون أهله أو دون دمه أو دون دينه فهو شهيدٌ»([77]).

وهنا نجد الإسلام يوجه الإنسان المسلم إلى العمل، ويبين له أجر الكسب الحلال الذي يكسبه الإنسان بتعبه، عن المقدام  رضي الله عنه عن رسول الله  صلعم  قال: «ما أكل أحد طعاما قط خيرا من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود u كان يأكل من عمل يده»([78])، وعن أبي هريرة   قال قال رسول الله صلعم: «لأن يحتطب أحدكم حزمة على ظهره خير من أن يسأل أحدا فيعطيه أو يمنعه»([79]).

وقد عمل جمع ليس بالقليل من صحابة رسول الله صلعم في التجارة وبعض الصنائع، كما وقف النبيّ الكريم موجها لهؤلاء الصحابة في أعمالهم، وتجارتهم، وصناعاتهم، وذلك للنهوض بهذه الأعمال إلى أرقى مستوى منشود، وفق ما يرضي الله تعالى.

كما نجد الإسلام يتكفل برعاية غير القادرين على العمل، ويشجع غير الواجدين للمال، بصون حقوقهم، وتلبية احتياجاتهم، وتيسير أمورهم، حتَّى وإن كان هذا المقيم في دولة الإسلام ليس من المسلمين، فقد مر عمر  رضي الله عنه على يهودي يتكفَّف الناس، فزجره، ثمّ استفسر عما حمله على السؤال، فلما تحقّق من عجزه رجع على نفسه باللائمة، وقال له: “ما أنصفناك يا هذا، أخذنا منك الجزية قويا، وأهملناك ضعيفا، أفردوا له من بيت المال ما يكفيه”([80]).

ولهذا فلا مجال لفصل الدين عن الحياة إذا أردنا أن نرتقي في سلم العلو الاقتصادي، فعلينا أن نرجع كل مسألة من مسائل هذا الاقتصاد إلى قواعد الدين وأسسه، فإن كان موافقا، فنحن أولى بالأخذ به، أما إن كانت هذه المسائل لا توافق، تلك القواعد فنحن أولى بتركه، حتَّى نلقى الله تعالى بالرضا، وليعلم الجميع أن الإسلام ليس منظمة رأسمالية تسعى للرقي اقتصاديا وفق مبادئ الغابة الشرسة، بل هو نظام اجتماعي يرعى مصالح الجميع، الفقير منهم والغني على حد سواء، وهذا ما يجب أن يؤسسه الفقه الحضاري في هذه الحياة المعاصرة.

 

المبحث الثاني: صعوبات ومخاطر تواجه المشروع.

إن أي مشروع في الحياة، مهما كان توجه هذا المشروع فإن المخاطر والصعوبات لا بد أن تبرز أمامه، وذلك بسبب تعدد وجهات النظر لهذا المشروع، أما مشروعنا الحضاري فإن من أهم الصعوبات التي تواجهه:

1-     الفهم الخاطئ للمشروع:

فإن هذا الفهم الخاطئ سوف ينتج عنه تصوّر خاطئ، يفضي هذا التصور إلى بلبلة في طريق نجاح هذا المشروع، يقول أهل الأصول: “الحكم على الشيء فرع تصوره”، ولذلك لابد أن يتفهم العقلاء لمعاني هذا المشروع الحضاري قبل الخوض فيه، وإبداء الأحكام عليه.

ولا يخفى على أهل العلم ما وقع فيه مصطلح “فقه الواقع” من سوء فهم أدى إلى انقسام الناس في آرائهم حول هذا المشروع إلى قسمين:

فالقسم الأول: قوم جعلوه أصل كلّ شيء، وبذلك حكموه في كل شيء، وعلى كل شيء؛ فردوا به بعض أحكام الدين، وأبطلوا به بعض نصوصه الصريحة الصحيحة، فتراهم كلما واجهوا معضلة مِمَّا لم يوافق هواهم، أو لم تستوعبه عقولهم القاصرة، من مقتضيات النصوص الشرعية؛ قالوا: “هذا مخالف لفقه الواقع”، أو استدركوا على الشرع الحكيم بمثل قولهم: “ولكن فقه الواقع يقتضي كذا وكذا…” فيبطلون العمل بالنص الصريح، بلا قواعد ولا ضوابط، تحت تأثير مصلحة وهمية، أو مفسدة خيالية من (فقه الواقع)([81]) على حدّ زعمهم! وما ذلك في الحقيقة بفقه للواقع، بل تخبط في الدين، وبعد عن المنهج الحقّ.

وهم بذلك أعطوا العقل فوق حقه من التفكير، فحاد بهم عن الحقيقة، وجانبهم عن الصواب، وهذا خطر عظيم على الأمة.

أما القسم الثاني: فقد بدا حكمهم على الموضوع مجرد رد فعل نفسيّ بسبب إفراط القسم الأول وغلوهم في فهم المصطلح، فجاءت أحكامهم متسرعة، من غير دراسة ولا فهم متأن دقيق، فجعلوا تحكيم الواقع في الفقه مفسدة لا بد من درئها، يقول الدكتور فريد الأنصاري: “وقد قرأت لبعض أهل العلم الفضلاء ـ من المعاصرين ـ كلاما مفاده أن مسمّى (فقه الواقع) أمر طارئ في الأمة، وإنه من بدع العلم، وَإِنَّمَا قال الرسول صلعم: «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين»([82])، لا في الواقع”([83]).

ولا يخفى على عاقل، أن المعرفة بالواقع المحيط، والدراية بأحوال الناس، أمر مهم لازم التوفر في من يتأهل لإفتاء الناس، والإجابة على تساؤلاتهم، فهو بذلك أمر ضروري موجود عند سلف الأمَّة .

ولهذا لا بد من التصور الصحيح لهذا لمشروع الذي يطلق عليه الفقه الحضاري، حتَّى لا نقع في نفس الدوامة التي وقعنا فيها مع فقه الواقع.

2-     التقاعس والتسليم بالواقع المرير، الذي يقود إلى الانعزال والترهب:

وهذا الأمر يعد ضعفا في الثقة، وقبولا للذل والمهانة، فالواجب أن تعاد الثقة في النفوس، وأن نؤمن بصلاحية الإسلام، وقدرته على قيادة مركبة العصر، والسير به إلى بر الأمان، والأخذ بيد العالم والمجتمع البشري من الضيق في العيش، والضنك في الحياة، إلى النجاة والسعادة، كما فعل مع العرب المتناحرين المتباغضين، يوم ألَّف بين قلوبهم، ووحد صفوفهم، وجعلهم أمة يبنون الحضارة.

إن الانعزال والترهب أمر بات ينتشر وسط الأمة الإسلامية، وتغذيه المواقف السلبية الداعية إلى الزهد والرهبنة والابتعاد عن الدنيا والانصراف عنها كلية، وقد أنكر الشرع الحنيف هذا الأمر، ولم يتركه للناس حتَّى يخوضوا فيه على مزاجهم، يقول الله تعالى: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاء رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾([84])، وعن عائشة ـ رضي الله تعالى عنها ـ قالت: “دخلت امرأة عثمان بن مظعون واسمها خولة بنت حكيم على عائشة، وهي بذّة الهيئة، فسألتها عائشة: ما شأنك؟! فقالت: زوجي يقوم الليل، ويصوم النهار، فدخل النبيّ صلعم فذكرت عائشة له، فلقي النبيّ صلعم  عثمان ابن مظعون فقال: «يا عثمان، إن الرهبانية لم تكتب علينا، أما لك فِيَّ أسوة حسنة، فوالله إنّي لأخشاكم لله، وأحفظكم لحدوده»([85])، والغاية من ذكر هذا الحديث أن الإسلام يأمر الإنسان مع تقواه لله تعالى أن لا يتقوقع في زاوية ضيقة فلا يعلم جديد الأحوال من حوله، بل لابد أن يتحرك ليعمل في هذه الدنيا بما ينصر هذا الدين ويعلي من شأنه.

3-مواجهة بعض الحركات المعادية للمشروع:

– الجمود والتقليد: نحن نتفق جميعنا أن الإسلام توجد به ثوابت وأساسيات لا يمكن أن تصلها يد التغيير، ولا يمكن لأحد أن يمس هذه الثوابت؛ لأنها كاسمها ثوابت، فهي ثابتة، مع تغير المكان، وتقادم الزمان، فلا نقول مثلا: أن الإيمان بالله تعالى الواحد الأحد قد يتغير يوما إلى اعتقاد آخر نؤمن فيه أن هناك شريكا له في الملك، تعالى الله عن ذلك؛ فالأساس أنه لا شريك له ولا ولد، ولا يمكن أن تتغير هذه الثابتة من الثوابت، قال تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَم يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلَّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾([86])، فالعقائد والقيم والأخلاق والعبادات الشعائرية، كلها أمور لا يمكن أن يتطرق إليها التغيير.

أمّا في جانب المتغيرات، فإن الإسلام “قادر على أن يعطي ما يحتاج إليه الإنسان في هذه الناحية، وعنده من المرونة والسعة ما يواجه به متغيرات هذا العصر، ولهذا تمثل المنطقة المفتوحة ـ منطقة النصوص الظنية أو المنطقة التي لا نصوص فيها ـ وهذه سميناها منطقة العُقد، وهي التي جعلها الإسلام قادرة على أن تواجه التغيرات فيها من الليونة والمرونة والسعة، ما تستطيع أن ترى فيها لكل حادث حديثا، ولكل عقدة حلا، ولكل داء دواء، ولكل مشكلة علاجها”([87])، والنبيّ  صلعم  يقول: «إن الله يبعث إلى هذه الأمة على رأس كلّ مائة سنة من يجدد لها دينها»([88]).

وهنا يقف تيار الجمود والتقليد عقبة أمام محاولات التجديد والاجتهاد، بدعوى الإبقاء على القديم؛ لأنه الصالح الوحيد الذي يمكن الاعتماد عليه في الحياة؛ وذلك لأنه نابع عن علماء هم أقرب إلى فهم النصوص الشرعية من غيرهم. ونحن لا نختلف أنَّ أولئك كانوا أئمَّة يقتدى بهم، وعلماء يؤخذ برأيهم، إلا أننا نرى أن هؤلاء الأئمة قد أصدروا فتواهم حسب ذلك الزمان ومقتضياته، بل نجد بعضهم قد يتنازل عن رأي من آرائه، وقول من أقواله إذا حل بمكان لا يناسب تلك الآراء، وذلك مثل ما حدث عند الإمام الشافعي يوم انتقل من العراق واستقر في مصر.

– التطرف والغلوّ: نحن نعلم أن الإسلام براء من الاتهامات التي ترمى عليه فيما يخص التطرف والإرهاب، وهذا لا يعني أنه لا يوجد من بين المنتسبين إلى الإسلام من اتخذوا هذا الأمر سلما للانتقام بسبب ما أفرزته المشكلات والاختلال العميق في المجتمعات المسلمة؛ فقد شهد العالم بعض صور هذه الحركات، كالتي كانت في الجزائر، وأندونيسيا، وغيرها.

ووجود مثل هذه الحركات قد يكون عائقا أمام نجاح المشروع الحضاري، وذلك أولا بِما تقوم به هذه الحركات من فوضى وقتل ونهب يجعل الآخرين يقفون موقفا سيئا ضد الإسلام الحنيف، وثانيا بما يقدمونه من معارضات أما تقدم المشروع الحضاري لكونه في نظرهم تساهلا أمام الأعداء.

– العلمانية: قد كفتنا القواميس المؤلفة في البلاد الغربية التي نشأت فيها العلمانية، مؤونة البحث والتنقيب، فقد جاء في القاموس الإنجليزي أن كلمة (علماني) تعني: “دنيوي أو مادي”.

وجاء أيضاً في نفس القاموس بيان معنى كلمة العلمانية حيث يقول: العلمانية: هي النظرية التي تقول: “إن الأخلاق والتعليم يجب أن لا يكونا مبنيين على أسس دينية”.

وفي دائرة المعارف البريطانية نجدها تذكر عن العلمانية: أنها حركة اجتماعية تهدف إلى نقل الناس من العناية بالآخرة إلى العناية بالدار الدنيا فحسب([89]).

فهي حركة لا دينية ترفض ارتباط الدين بالحياة، كما تمنع توجيهه لجوانبها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، ولا أظنّ أني مجانب للصواب إن قلت إنّ هذه العلمانية امتداد للحركات التنصيرية، التي تريد الفتك بالمسلمين، ولكنها أتتهم بالثوب القشيب، البعيد عن كلمة تنصير، يقول “صموئيل زويمر”: “إن مهمة التبشير التي ندبتكم من أجلها الدول المسيحية للقيام بها في البلاد الْمُحمَّدية، ليست في تنصير المسلمين، فإن في ذلك هداية لهم وتكريما، وَإِنَّمَا هي في إخراج المسلم من الإسلام وجعله مخلوقا لا صلة له بالله، وبالتالي لا صلة له بالأخلاق التي تعتمد عليها الأمم في حياتها، وبهذا تكونون بعملكم هذا طليعة الفتح الاستعماري”، ثمّ يقول لإخوانه القسيسين: “إنكم نجحتم في إخراج جيل من المسلمين لا همَّ له إِلاَّ في الشهوات”([90]). وهنا تكمن الخطورة الشديدة.

4- الضعف في إدارة الوقت:

إن إهدار الوقت وعدم إدراك قيمته، يعد سببا كبيرا من أسباب الفشل، والتردي في الحياة العامة في البلاد الإسلامية، فإن ترك الاهتمام بهذا الوقت، والسير في حياة السبهلل، يقود الأمّة إلى غياب حقوقها في الريادة، ويجعل الآخرين ينظرون إليها النظرة الدونية، ويشجعهم على جعل أنفسهم أوصياء عليها، وبذلك تستمر في رقودها وسباتها، فكم نحن بحاجة ماسة إلى استغلال الأوقات، لتنمية القدرات، وتعزيز الإمكانات التي تؤدي إلى النجاح.

 

المبحث الثالث: أسباب معينة على نجاح المشروع

تكلمنا في المبحث الأول من هذا الفصل، عن الأهداف والغايات التي لا بد أن يَعمل بها ومن أجلها الفقه الحضاري، ثمّ تطرقنا في المبحث الثاني إلى الصعوبات والمخاطر التي تواجه نجاح هذا المشروع، ولكن السؤال الآن: هل سينجح هذا المشروع في الوصول إلى وظيفته المطلوبة، وبلوغ غايته المنشودة؟

إن الوصول إلى ذلك ممكن مع معرفة الطرق والوسائل والأسباب المعينة على تحقيقه، وتوظيفه، ومن هذه الأسباب:

1-     أن يكون الإسلام هو الأسّ في هذا المشروع، وما عداه مكملات:

يقول الله تعالى: ﴿ إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ ﴾([91])، ويقول سبحانه: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾([92])، “وليس الإسلام هو الذي يضم ناسا ممن يسمون أنفسهم “مسلمين” بينما شريعة الإسلام ليست هي قانون هذا المجتمع…، وليس المجتمع الإسلامي هو الذي يبتدع لنفسه إسلاما من عند نفسه غير ما قرره الله سبحانه، وفصله رسوله صلعم “([93])، لكن الإسلام هو ما قام على هدى الله تعالى، وسار على طريق الرسول الكريم مُحمَّد صلعم، ساعتها لنا أن نأخذ برأي الحضارات الأخرى ما دامت لا تخرج في حلولها عن شريعة الله ودينه.

2-     أن يرجع الناس إلى الإيمان الصادق بالله وبلوغ التقوى:

ومع كون الإسلام هو المنهج الذي لا بد أن تنطلق منه حركة التجديد، فإن من المهم أن يكون الناس متمثلين هذا الإسلام في حياتهم، فلا يتعدون الأوامر الربانية ولا ينتهكونها، “وذلك لأن الإيمان بالخالق هو العامل الأساسي في الاستخلاف وعمارة الحياة، بينما تقوى الله تفضي إلى جليل الأعمال وأحسن الأخلاق وأعدل العلاقات بين الناس. وبالتالي لا يقتصر دور هذا المبدأ الإيماني على تزكية الروح وتنقية المعتقد وتصحيح العبادة، وإنما يتعداه إلى العناية بالسلوك وأعمال الجوارح”([94]).

3-     أن يوجه أبناء الأمة إلى مختلف العلوم والمعارف التي تبني الأمم:

فليس هناك كالعلم يرفع البناء، ويعلي شان المجتمعات، ولله در الشاعر حين قال:

    العلم يبني بيوتا لا عماد لــهـــــا        والجهل يهدم بيت العز والكرم

وعندما استخلف الله تعالى الإنسان في هذه البسيطة أمره بتعمير هذه الأرض وبنائها، ولا يكون ذلك إِلاَّ بالعلم، ولهذا فإننا نجد المولى القدير ـ سبحانه وتعالى ـ جعل اهتماما كبيرا في كتابه العزيز فيما يخص العلم، بل ربّما لا أكون مخطئا إن قلت بأنه الاهتمام الأكبر، وأعظم دليل على ذلك أن أول كلمة نزل بها الوحي الأمين وبلغها رسولنا الأمين هي كلمة (اقرأ)، يقول الله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾([95])، وليس أعظم للمتعلمين مكانة من جعلهم في المكانة بعد الملائكة الكرماء، قال المولى القدير: ﴿شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾([96])، ولهذا فإنّ أيّ أمة تهتمّ بالعلم سترتقي في مدارج الرفعة، وتصل إلى درجة الكمال البشري، وذلك بشرط أن يكون هذا العلم موزونا بميزان الحقّ سبحانه، يقول جلّ شأنه: ﴿ يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾([97])، كما لم يغفل النبيّ صلعم هذا الجانب، بل أولاه اهتماما بالغا أيضا، فقال صلعم: «من سلك طريقا يبتغي فيه علما سلك الله له طريقا إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضاء لطالب العلم، وإن العالم ليستغفر له من في السماوات ومن في الأرض حتَّى الحيتان في الماء وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب إن العلماء ورثة الأنبياء إن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما إنما ورثوا العلم، فمن أخذ به أخذ بحظ وافر»([98])، ويقول صلعم: «فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم»، ثمّ قال رسول الله صلعم: «إن الله وملائكته وأهل السماوات والأرضين حتَّى النملة في جحرها وحتى الحوت ليصلون على معلم الناس الخير»([99])، وجاء في الأثر عن معاذ بن جبل: “تعلموا العلم فإن تعلمه لله خشية، وطلبه عبادة، والبحث عنه جهاد، ومذاكرته تسبيح، وتعليمه لمن لا يعلمه صدقه، وبذله لأهله قربة، والعلم أنيس في الوحشة، وصديق في الغربة، وسلاح على الأعداء، يرفع الله به أقواما ًفيجعلهم في الخير أئمة، تقتص آثارهم، ويقتدى بأفعالهم، وينتهي إلى رأيهم”([100])، وليس الأمر بالعلم هنا مقصورا على العلم الشرعي، بل لا بد أن توجه طاقات الشباب صوب كل علم نافع يرفع الأمة الإسلامية ويعلي شأنها، ويعيد أمجاد حضارتها، كعلوم الفيزياء، والرياضيات، والكيمياء، والجيولوجيا، وغيرها.

4-     أن يتحلّى أبناء الإسلام بالأخلاق الفاضلة التي دعا إليها الإسلام الحنيف:

وليس كالأخلاق في محافظتها على الأمجاد، وتثبيت المكانة، فإن أي أمة من الأمم، وأي حضارة من الحضارات، إذا أرادت أن تبني نفسها، وترفع من شأنها، وتعلي من قدرها، لا بد أن تشغل فكرها، وتعمل طاقاتها من أجل الوصول إلى هذه المكانة، لكنها إذا وصلت إِلَى مبتغاها، فأصبحت من الأمم القوية والحضارات الرائدة، وجب عليها المحافظة على هذا المجد، ولا يكون ذلك إلا بالمحافظة على أخلاقها ومبادئها:

      وإنَّما الأمم الأخلاق   ما بقيت          فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا

إنّ من الأسس التي بعث مُحمَّد صلعم من أجلها، إتمام الأخلاق الباقية، وتحسين المشوه منها، قال المصطفى صلعم عن أبي هريرة  قال: قال رسول الله صلعم: «إِنَّمَا بعثت لأتمم مكارم الأخلاق»([101]).

ولم تضعف الحضارة الإسلامية، ولم تتداعى عليها الأمم، إلاّ عندما بدأت تتخلى عن هذه الأخلاق، وتتنمّص من هذه المبادئ التي رسمها لنا حبيبنا المصطفى صلعم.

عن ثوبان مولى رسول الله صلعم  قال: قال رسول الله  صلعم : «يوشك أن تداعى عليكم الأمم من كل أفق كما تداعى الأكلَة على قصعتها»، قال: قلنا يا رسول الله: أمن قلة بنا يومئذ. قال: «أنتم يومئذ كثير، ولكن تكونون غثاء كغثاء السيل، ينتزع المهابة من قلوب عدوكم، ويجعل في قلوبكم الوهن»، قال: قلنا: وما الوهن؟ قال: «حب الحياة وكراهية الموت»([102])، ولهذا فإننا نطالب المسلمين قادة وشعوبا بالرجوع إلى فضائل الأخلاق، والابتعاد عن سيئات الأعمال، فإنها الحلّ في قبول الآخر لنا، وإعادة أمجادنا الضائعة.

5-  أن يسارع المجتمع الإسلامي بالوقوف في مصاف الدول الاقتصادية القوية، وفق المنهج الإسلامي الحضاري:

فالإسلام دين لا يهتم بجانب العبادات فحسب، بل يهتم بكل جوانب الحياة، ومن تلك الجوانب التميز الاقتصادي، والتطور الصناعي، فنجد الله تعالى يقرن بين العمل الديني والعمل الدنيوي ويجمع بينهما، ويبدو ذلك ظاهرا في الجمع بين أسمى عبادة وبين العمل والضرب في الأرض، الذي هو أساس التقدم الصناعي والاقتصادي، يقول المولى القدير: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾([103])، ولذلك لا بد أن نرتقي اقتصاديا، ونجعل من ثرواتنا سبيلا إلى رفعتنا، بشرط الالتزام بالمنهج الرباني المبثوث في شريعته السمحة، ولا يقولن إنسان إن التطور الصناعي في هذا الزمان لا بد أن يفصل من إطار منظومة الدين؛ لأن ذلك يسرع عملية التفوق الصناعي، فإن فعل ذلك يؤدي إلى نقص البركة، وذهاب الخير بسبب هذا البعد عن التعاليم الشرعية.

6-     أن تجعل الوسطية والاعتدال وسيلة مهمة من وسائل الوصول إلى الآخر:

لأن الإفراط والغلو في تطبيق شريعة الإسلام لا يزيد الناس إلا نفورا، وهذا يشجع الأعداء على وصفنا بالأوصاف التي تباعد بيننا وبين الآخرين، وأما التفريط والتهاون في الأمر يجعل ثروات الأمة وخيراتها عرضة للنهب والسرقة، ويجعل الأعداء يتكالبون عليها بالإهانات والسخرية منها، وفي الحالتين نحن لن نحصل إلا على خسارة.

 لهذا فالوسطية والاعتدال أمران مطلوبان بشدة حتَّى ينجح هذا المشروع الحضاري، الذي نريده جسرا يعبر العالم من خلاله إلى السعادة في الدارين.

7-  ترشيح مجموعة من العلماء العارفين، وأهل النظر المتمكنين من إرساء دعائم المشروع الحضاري دون النظر إلى مدارسهم المذهبية:

إن نجاح هذا المشروع أن لا يكون من قبل مدرسة فكرية واحدة، فلا بد من تلاقح الأفكار، وإخراج الرأي السديد الذي يتفق عليه الجميع، مع مصداقية العمل وإخلاص النية؛ لأنّ ذلك مِمَّا يساعد على الوصل إلى نهج دقيق وأسس صالحة لهذا المشروع، لذا فإننا “ندعو كل فئات الأمة أن تنهض وتشارك في صياغة المشروع الحضاري الإسلامي، الذي يستلهم قيم الإسلام الأصيلة، كما هي ودون الالتفاف عليها، أو إفراغها من مضمونها”([104]).

8-  استغلال الجانب الإعلامي في إظهار عظمة الإسلام وصورته الحقيقية: فلا بد أن محاورة العالم وتوصيل الحقيقة له، وتوضيح المظالم التي أسيء بها إلى حضارتنا الإسلامية من خلال كل الوسائل الممكنة، “والحقّ أن غياب الإعلام الإسلامي الهادف ومواكبة التطور التقني، واستثمار القنوات الإعلامية الفضائية، والشبكات المعلوماتية الإلكترونية، كان من أكبر العوائق لوصول الكلمة الرصينة والحوار الهادف إلى العالم”([105])، ولذلك فإن على رواد الإعلام أن يوظفوا هذا الجانب المهم في نصرة دين الله، وذلك بالكلمة الحسنة، والأسلوب الجذاب، ﴿ وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾([106])، ويقول المولى القدير: ﴿وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً﴾([107])، ونحن نحمد الله تعالى أن ظهرت قنوات تهتمّ بإبراز مظاهر الدين الحنيف، لكن يؤسفنا أيضا أن نرى بعض القنوات التي تتصف بالصورة الإسلامية، لكن تصبّ جل اهتمامها في إظهار سيئات الآخرين من المخالفين لفكرها التي تنتمي إليه، فيصل الحال بهم إلى السب والشتم، والكلام البذيء.

فكم نَحن معاشر المسلمين بحاجة ماسة إلى رأب الصدع، ونسيان الخلاف الممقوت، وتوحيد صفوفنا نحو إظهار عظمة الحضارة الإسلامية.

9-  محاورة الآخر محاورة هادفة من منطلق الدعوة بالحسنى، وذلك بعد الرجوع إلى الذات ومحاسبة النفس أولا:

وهي من النقاط المهمة التي تؤدي إلى نجاح هذا المشروع الحضاري، وهو مبدأ مهم من مبادئ ديننا الحنيف، يقول الله تعالى: ﴿ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾([108])، فالحكمة في التعامل، وإحسان الموعظة، والمجادلة بالرفق، كلها أمور ترغب الآخر في قبول الحق، واستماع الموعظة.

ولا بد أن يحاسب الواحد منا نفسه أولا على كل تقصير وخطأ ارتكبه في حق الله تعالى؛ لأنه لا يمكن أن يكون الإنسان داعيا إلى خير هو عنه بعيد، أو أن ينصح بمعروف وهو لا يطبقه، قال الله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾([109])، وهذا سؤال استنكاري شديد اللهجة من الله العزيز، فلازم على الإنسان أن يعمل عقله، وينظر إلى المسألة بعين الاهتمام، وقد قال الشاعر:

    لا تنه عن خلق وتأتي مــثـــلــــــه      عار عليك إذا فعلت عـــظـــيـــــم

10-         تجاوز الخلافات التي تعصف بأبناء الأمة، وتوحيد الجهود والطاقات ضدّ أعداء الحضارة الإسلامية:

فالخلاف إن استشرى في مجتمع من المجتمعات فإنه لا يقود إلا إلى الفرقة والبغضاء، ما لم ينظر إلى هذا الخلاف أنه اختلاف في الرأي، وتنوع في الأفكار الإيجابية.

ونحن نأسف جدا عندما نرى أبناء الإسلام يتشبثون بالمفرقات، ويتمسكون بما يؤجج الفرقة والتناحر، وقد ذكرنا في فقرة سابقة، ما ظهر من قنوات ومؤسسات تشوه كل واحدة سمعة الأخرى، وتتربص الواحدة بالأخرى الدوائر، حتَّى توقعها في الفخاخ، وكلّ منهم يدعو نفسه الفرقة الناجية، والمذهب الصحيح، والفكر المختار، وما عداه باطل لا بد من دحره وهزيمته.

متى سنرتقي إذا كانت هذه أفكارنا، ومتى سنعالج حضارتنا المريضة إذا كنا نُرِي العالم بأسره شتاتنا، ونجعل من أنفسنا سخرية للأعداء، فلا بد من توحيد وجهات النظر، ولا بد من ترك سفاسف الأمور التي لا تزيد الأمة إلا دمارا وإهلاكا.

11-         الالتزام بالمصداقية بلا تضخيم، والواقعية بلا انهزامية:

فليست الدعوة إلى الإسلام غاية سبيلها الكذب وتزوير الحقائق، فكم نَحن بحاجة إلى المصداقية، وتوضيح معالم ديننا الحنيف بدون تهويل الحقيقة، فالخيال أحيانا لا يجذب القلوب بقدر ما يجعل المسألة سخرية عند الآخرين، ومن الأمور المضحكة التي استمعت: أنَّ رجلا يريد أن يعظم وصف القرآن الكريم فقال: “إنّ القرآن الكريم لم يترك أمرا مستقبلا إلاّ ذكره، ولا قضية إلا أشار إليها بالنصّ”، ونحن نقول: نعم، إن القرآن الكريم لم يدع أمرا إِلاَّ أتى به، لكن ليس بصورة الإخبار عن كلّ حدث، وَإِنَّمَا من خلال وضع الأسس التي تعالج بها هذه الأحداث الحادثة، من خلال آياته المحكمة، وما كان فيه من قصص الأولين، وسير السابقين، فنحن في غنى أن يأتينا رجل سمع مثل هذه المقالات فيطلب منا الإجابة عن: كيف وقع الحادث الفلاني؟ أو الحرب الفلانية مما يحدث في العصر الحاضر؟ فالقرآن أوجد الحلول التي من خلالها نستطيع الخروج من مآزق هذه الأحداث المستجدة.

كما أننا بحاجة أن نبرز هذه الحلول التي تعالج مشكلات الزمان، والتي نجد حلها في كتاب الله وسنة نبيه  صلعم، متخطين حالة الانهزامية التي أصيب بها أبناء الإسلام. فلماذا لا يرفع هؤلاء الأبناء لواء حملة الإصلاح التي ستقود العالم إلى السعادة في الدنيا والآخرة، فإننا لو قبلنا بالحلول الغربية مع علمنا بأنها ليست الحلول المناسبة للمشكلة فإننا وقعنا في الجبن والانهزامية الممقوتة.

خاتمة

بعد أن جلنا في ميدان الفقه الحضاري، وصُلْنا في مفهومه ووظيفته وغايته، وعرجنا إِلَى العقبات وأسباب النجاح، فإننا نصل إلى ختام هذه الورقة البحثية، متوصِّلين إلى أن الإسلام الحنيف ما يزال قادرا على العطاء، مستطيعا أن يجعل الناس سعداء، وذلك من خلال تطبيقه تطبيقا حقيقيا، وفق ما أسس من قواعد وأصول.

وإنّي لأسأل المولى القدير أن يجعل هذا البحث بوابة للسير إلى إرجاع أمجاد الحضارة الإسلامية، وإيصال الخير الذي فيها إلى العالم أجمع، كما أسأله تعالى أن يجعل ما كتبته في هذا البحث بتوفيق منه تقرّبا إليه سبحانه إنه على ذلك قدير، ﴿فَأَمَّا ٱلزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذٰلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ﴾([110])، ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيَ إِلاَّ بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾([111]).

والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته

قائمة المراجع

 أولا: الكتب

1.    أثر العلماء المسلمين في الحضارة الأوربية، الملا أحمد علي، دار الفكر، دمشق، 1996م.

2.    أصول الفقه، د.دياب سليم مُحمَّد وغيره، معهد الإستقامة بزنجبار.

3.    إعادة صياغة الأمة ح1، سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي، مكتبة الجيل الواعد، ط1.

4.    البناء الحضاري للإنسان، سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي، مكتبة الغبيراء، ط1، 1425هـ،2005م.

5.    تدريب الراوي لعبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي، مكتية الرياض الحدية، الرياض.

6.    الجامع الصحيح سنن الترمذي، أبو عيسى مُحمَّد بن عيسى بن سورة، ت:كمال يوسف الحوت، دار الكتب العلمية، بيروت.

7.  الجامع الصحيح مسند الإمام الربيع، الربيع بن حبيب الفراهيدي، ت: مُحمَّد إدريس، عاشور بن يوسف، ط1، 1415 هـ، مكتبة الاستقامة سلطنة عمان.

8.    الحضارة الإسلامية، عبد الرحمن حسن حبنكة الميداني، دار القلم، دمشق، ط1، 1418هـ، 1998م.

9.    الحضارة الإسلامية وجه جديد، أ.د. أبو اليزيد أبو زيد العجمي، دار السلام، ط1، 1427هـ، 2006م.

10.         سنن أبي داود، سليمان بن الأشعث السجستاني الأزدي، دار الحديث، ط1، 1394هـ، 1974م.

11.         السنن الكبرى، أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقي، دار الفكر، بيروت.

12.    السيرة النبوية، عبد الملك بن هشام المعافري، ت:مصطفى السقا وغيره، دار الكتب العلمية بيروت، ط1، 1422هـ،2001م.

13.    صحيح ابن حبان، الأمير علاء الدين علي بن حبان الفارسي، ت: شعيب أرنؤوط، مؤسسة الرسالة بيروت، ط3، 1418هـ،1997م.

14.    صحيح ابن خزيمة، أبو بكر مُحمَّد بن إسحاق بن خزيمة السلمي، ت: مُحمَّد مصطفى الأعظمي، المكتب الإسلامي، ط1، 1395هـ، 1975م.

15.    صحيح مسلم، أبو الحسن مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري، ت: مُحمَّد فؤاد عبد الباقي، دار الكتب العلمية بيروت، ط1، 1425هـ، 1995م.

16.         فتح الباري شرح صحيح البخاري، ابن حجر العسقلاني، دار الكتب العلمية بيروت، ط2، 1418هـ، 1997م.

17.         في فقه الحضارة الإسلامية، د. مُحمَّد عمارة، مكتبة الشروق الدولية، ط2، 1427هـ،2007م.

18.         لسان العرب، لأبي الفضل جمال الدين مُحمَّد بن مكرم بن منظور الأفريقي المصري، دار صادر بيروت.

19.         لماذا أسلم هؤلاء الأجانب، مُحمَّد عثمان عثمان، دار الرضوان حلب.

20.         المستدرك على الصحيحين، أبو عبد الله الحاكم النيسابوري، دار المعرفة بيروت.

21.         مسند أحمد، أحمد بن حنبل أبو عبدالله الشيباني، مؤسسة قرطبة، مصر.

22.         المشروع الحضاري الإسلامي، د. مُحمَّد عمارة، دار السلام، ط1، 1429هـ،2008م.

23.         معالم الحضارة في الإسلام وأثرها في النهضة الأوربية، عبدالله ناصح علوان، دار السلام، ط4، 1425هـ،2005م.

24.         معالم على الطريق، سيد قطب، دار الشروق، القاهرة، ط17، 1413هـ،1993م.

25.         مفهوم العالمية من الكتاب إلى الربانية، فريد الأنصاري، دار السلام، القاهرة، ط1، 1430، 2009م.

26.         مقدمات في مشاريع البعث الحضاري، د. سيد دسوقي حسن، دار القلم، ط1، 1407هـ، 1987م.

27.         مقدمة ابن خلدون، عبد الرحمن بن مُحمَّد بن خلدون، ت: إيهاب مُحمَّد إبراهيم، مكتبة ابن سينا، ط1، 2009م.

28.         المنهج الإسلامي للوسطية والاعتدال، د.قاضي عبد الرشيد،

29.         موطأ مالك، مالك بن أنس أبو عبدالله الأصبحي، ت: مُحمَّد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي، مصر.

30.         نحو مفهوم أعمق للواقع الإسلامي، أ.د. عبد الكريم بكار، الدار الشامية بيروت، ط1، 1420هـ، 1999م.

31.         هموم المسلم المعاصر، د.يوسف القرضاوي، حوار ياسر فرحات، مكتبة التراث الإسلامي، القاهرة.

ثانيا: المقالات والمحاضرات والخطب:

32.         محاضرة لسماحة الشيخ العلامة أحمد بن حمد ألقاها في جامع مقنيات بعبري، 12/مارس/2010م.

33.         خطبة: المشروع الحضاري الإسلامي، عبد الرحمن السديس، خطبة الحرم المكي، بتاريخ: 27، 7، 1423هـ.

34.         سؤال أهل الذكر، سماحة الشيخ العلامة أحمد بن حمد الخليلي، 22 رجب 1423 هـ، 29/9/2002 م.


[1]– في فقه الحضارة الإسلامية: د.محمد عمارة، ص107،108،مكتبة الشروق الدولية، ط2،  1427هـ/ 2007م.

[2]-سورة الأنبياء:18.

[3]– البناء الحضاري للإنسان: سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي، ص7،مكتبة الغبيراء، ط1،  1425هـ/2005م.

[4]– سنن البيهقي، ح(18660).

[5]– راجع: أثر العلماء المسلمين في الحضارة الأوربية،  الملا أحمد علي، ص115،116،  دار الفكر،  دمشق،  1996م.

[6]-معالم الحضارة في الإسلام وأثرها في النهضة الأوربية،  عبدالله ناصح علوان، ص92، دار السلام، ط4،  1425هـ/2005م.

[7]– سورة البقرة:143.

[8]-موطأ مالك، ح(1603).

[9]– رواه أبو داود، ح(2428).

[10]-سورة لقمان:19.

[11]-سورة الإسراء:29.

[12]-سورة الفرقان:67.

[13]-صحيح مسلم، باب(30)، ح (782).

[14]– أخذت بعض الأفكار هنا من كتاب: المنهج الإسلامي للوسطية والاعتدال، د.قاضي عبد الرشيد، ص48،49.

[15]– لسان العرب لابن منظور (13/522).

[16]-سورة النساء:78.

[17]-سورة الأنفال:60.

[18]– انظر كتاب: أصول الفقه، د.دياب سليم محمد وغيره، ص10-11، معهد الاستقامة بزنجبار.

[19]– لسان العرب لابن منظور (4/179).

[20]-مقدمة ابن خلدون،  عبد الرحمن بن محمد بن خلدون، ت: إيهاب محمد إبراهيم، ص184،مكتبة ابن سينا، ط1، 2009م.

[21]– نحو مفهوم أعمق للواقع الإسلامي،  أ.د. عبد الكريم بكار، ص12،  الدار الشامية بيروت، ط1،  1420هـ، 1999م.

[22]– نفس المرجع السابق والصفحة.

[23]– الحضارة الإسلامية،  عبد الرحمن حسن حبنكة الميداني، ص19،  دار القلم، دمشق، ط1،  1418هـ، 1998م.

[24]– أفكار هذه الفقرة وتصنيفاتها مستمدة من المرجع السابق ص19- 22، (بتصرف).

[25]– الإسلام الحضاري..مشروع ماليزي للنهوض بالأمة،موقع المؤتمر نت، الخميس 17مارس 2005م.

[26]– كلمة ألقاها أمام المؤتمر العالمي حول قضايا الإسلام الحضاري. انظر مقال:الإسلام الحضاري.. مشروع النهضة الماليزي، محمد شريف بشير.

[27]-مقال: الفقه الحضاري.. المعنى والأبعاد،  زكي ميلاد، نقلا عن كتاب الشهود الحضاري للأمة الإسلامية للدكتور عبد المجيد النجار.

[28]– انظر المرجع السابق.

[29]– المشروع الحضاري الإسلامي،  د.محمد عمارة، ص22،  دار السلام، ط1،  1429هـ،2008م.

[30]– الحضارة الإسلامية وجه جديد،  أ.د. أبو اليزيد أبو زيد العجمي، ص193،  دار السلام، ط1،  1427هـ، 2006م.

[31]– المشروع الحضاري الإسلامي،  د.محمد عمارة، ص15.

[32]-مقدمات في مشاريع البعث الحضاري،  د. سيد دسوقي حسن، ص5،  دار القلم، ط1،  1407هـ، 1987م.

[33]– سورة الأنعام: 98.

[34]– سورة الأنعام: 65.

[35]– استعنت بما كتبته هنا بمقال: الفقه الحضاري.. المعنى والأبعاد، زكي الميلاد، http://www.almilad.org 

[36]-مقال: الإسلام الحضاري.. مشروع النهضة الماليزي،محمد شريف بشير.

[37]– إجابات سماحة الشيخ العلامة أحمد بن حمد الخليلي للأسئلة، بعد محاضرة ألقاها في جامع مقنيات بعبري، 12/مارس/2010م، وانظر كذلك إلى مقال بعنوان: الإسلام الحضاري وتوابعه، د.أحمد محمود السيد، وكالة الأخبار الإسلامية (نبأ).

[38]– المائدة:3.

[39]– إعادة صياغة الأمة ح1،  سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي، ص163،164، مكتبة الجيل الواعد، ط1.

[40]-معالم الحضارة في الإسلام وأثرها في النهضة الأوربية، ص13.

[41]-سورة العلق:1-5.

[42]– سنن الترمذي، ح(2682).

[43]-معالم الحضارة في الإسلام وأثرها في النهضة الأوربية، ص15-16.

[44]-سورة الحجرات:13.

[45]-مسند أحمد، ح(23536).

[46]– رواه الحاكم في المستدرك، (3/598).

[47]– رواه الترمذي، ح(1020).

[48]– رواه البخاري، ح(5892).

[49]– رواه ابن خزيمة، ح(2095).

[50]– صحيح ابن حبان، ح(2186).

[51]-مسند أحمد، ح(22337).

[52]– البناء الحضاري للإنسان، ص19- 20.

[53]– البخاري، ح(3456).

[54]-سورة البقرة:217.

[55]-سورة البقرة:109.

[56]-سورة الحج:40.

[57]-سورة الروم:47.

[58]-سورة محمَّد: 7.

[59]-سورة يوسف:90.

[60]-سورة التوبة:120.

[61]-سورة النور: 55.

[62]– أبو داود، ح(5121).

[63]– أبو داود، ح(4608).

[64]– السيرة النبوية: عبد الملك بن هشام المعافري، ص202، ت:مصطفى السقا وغيره، دار الكتب العلمية بيروت، ط1، 1422هـ/2001م.

[65]– سنن البيهقي، ح(16274).

[66]-سورة البقرة:190.

[67]-سورة الممتحنة: 8.

[68]– سؤال أهل الذكر، سماحة الشيخ العلامة أحمد بن حمد الخليلي، 22 رجب 1423هـ- 29/9/2002م.

[69]-سورة النحل:125.

[70]-سورة آل عمران:159.

[71]– لماذا أسلم هؤلاء الأجانب؟ محمد عثمان عثمان، دار الرضوان حلب، 1/102.

[72]– نفس المرجع السابق،(1/104و106) بتصرف قليل.

[73]-سورة المائدة:77.

[74]-سورة آل عمران:130.

[75]-سورة البقرة:275.

[76]، صحيح ابن حبان، ح(3210).

[77]– سنن أبي داود، ح(4772).

[78]، صحيح البخاري، ح(2072).

[79]– نفس المرجع، ح(1968).

[80]-منهاج الصالحين: عز الدين بليق، ص485، دار الفتح، ط1، رمضان 1398هـ/ 1978م.

[81]– انظر:مفهوم العالمية من الكتاب إلى الربانية : فريد الأنصاري، ص133، دار السلام، القاهرة، ط1، 1430، 2009م.

[82]-متفق عليه، وهو أيضا في الجامع الصحيح مسند الإمام الربيع، ح( 25) بلفظ قريب.

[83]-مفهوم العالمية من الكتاب إلى الربانية، ص134.

[84]-سورة الحديد:27.

[85]، صحيح ابن حبان، ح(9).

[86]-سورة الإسراء:111.

[87]– هموم المسلم المعاصر، د. يوسف القرضاوي، حوار ياسر فرحات، ص37-38، مكتبة التراث الإسلامي، القاهرة.

[88]– رواه الحاكم في المستدرك، ح(8592).

[89]– انظر: مقال: خطر العلمانية على الإسلام،  http://forum.z88z.com/t25377.html

[90]– انظر: إعادة صياغة الأمة، ص155.

[91]-سورة آل عمران:19.

[92]-سورة آل عمران:85.

[93]-معالم على الطريق: سيد قطب، ص116،  دار الشروق،  القاهرة، ط17،  1413هـ/1993م.

[94]-مقال: الإسلام الحضاري.. مشروع النهضة الماليزي، محمد شريف.

[95]-سورة العلق:1.

[96]-سورة آل عمران:18.

[97]-سورة المجادلة: 11.

[98]– سنن الترمذي، ح(2682).

[99]– نفس المرجع ح(2685).

[100]– تدريب الراوي (1/ 162).

[101]– سنن البيهقي، ح(21379).

[102]-مسند أحمد، ح(22450).

[103]-سورة الجمعة:10.

[104]-مقال: حاجتنا الماسة للمشروع الحضاري الإسلامي: د.علي عبد الباقي، موقع مفكرة الإسلام.

[105]– المشروع الحضاري الإسلامي- عبد الرحمن السديس،  خطبة الحرم المكي، بتاريخ: 27- 7-1423هـ.

[106]-سورة الإسراء:53.

[107]– سورة البقرة:83.

[108]-سورة النحل:125.

[109]-سورة البقرة:44.

[110]-سورة الرعد: 17.

[111]-سورة هود:88.

 

* ندوة تطور العلوم الفقهية فِي عمان “ الفقه الحضاري، فقه العمران”

 المنعقدة خلال الفترة: (18-21) ربيع الثاني 1431هـ / (3-6) إبريل 2010م:

سلطنة عمان- وزارة الأوقاف والشؤون الدينية 

هذه المقالة تحتوي على لا تعليق

أكتب تعليقك هنا

نرجو أن تضع المادة أسفله
الإسم
إيميل
موقع
تعليقك