المدينة والدولة

المدينة والدولة في الاجتهاد الفقهي*

إعداد: أ. مُحمَّد زاهد جول

( باحث أكاديمي من الجمهورية التركية )

تقديم

تتميز الرؤية الفقهية في اجتهاد الفقهاء للمدينة والدولة بالاستقلالية والجدة، فهي ترتبط بشكل وثيق بالمجال الديني والنصوص المؤسسة للدين الإسلامي، بخلاف رؤية الفلاسفة والجغرافيين، فالعلاقة الراسخة بين الديني والسياسي دون فصل بين المجالات جعل من الفقهاء ينظرون إلى في بيان ماهية المدينة من خلال الصلاة في المصر الجامع والإمامة، وخصوصًا مع الأجيال المؤسسة للمذاهب الفقهية في دار الإسلام، إذ حدث تحوّل وتطور نسبي لدى الفقهاء في العصر الإسلامي الوسيط، وظهرت أجيال من الفقهاء أدخلت في رؤيتها للمدينة والدولة مفاهيم الفلاسفة والجغرافيين، فالرؤية الفقهية تستلهم القرآن وتستند إلى مفهوم الهجرة القرآني الذي أسس لنمطٍ جديدٍ من الاجتماع الديني، إذ أطلق النبيّ مُحمَّد صلعم على “دار الهجرة”، والتي كانت تدعى “يثرب” اسم “المدينة”، وقد سيطر مفهوم الهجرة على خيال الفقهاء في بناء مجمل التصورات المتعلقة بالمدينة والدولة، وهو المجال الذي يجعل من مفهوم “الأمة” الراسخ في القران والسنة ممكنًا.

فالسياسة في المجال التداولي الإسلامي تقوم عقب الاستقرار على: عمارة البلدان، وحراسة الرعية، وتدبير الجند، وتقدير الأموال، وبهذا فإن البلدان تنقسم إلى: مزارع وأمصار، كما أشار إلى ذلك الماوردي([1]). ويرتبط مصطلح المدينة بوجود حضري ديني سياسي وإداري أصله التاريخي أقامه الرسول صلعم دونما اعتبار للموقع وعدد السكان، أمّا المصر فهو وجود حضري سياسي وإداري أصله المصطلحي ـ شأنه في ذلك شأن المدينة ـ القرآن الكريم، وأصله التاريخي تصرف عمر بن الخطاب في تمصير الأمصار كما يشير إلى ذلك أستاذنا رضوان السيد([2]).

وفي هذا السياق جاء مفهوم العمارة والعمران في المجال التداولي الإسلامي كأحد المفاهيم الراسخة التي  تتمتع برسوخ جلي في المجالات السياسية والدينية والاقتصادية والحضارية، وقد عني الباحثون بفقه العمران الإسلامي من زوايا متعددة، ويمكن أن نوجز جملة المصادر التي تناولت العمران الإسلامي إلى ثلاثة مصادر أساسية:

الأوّل: “فقه العمارة الإسلامية”، ولعل أقدم كتاب في هذا المجال هو مؤلف ابن عبد الحكم (توفي سنة 214 هـ/ 829 م) الموسوم بـ “كتاب البنيان”، ثم كتاب ابن الرامي: “الإعلان بأحكام البنيان”، فضلا عن تراث فقهي واسع يتناول جملة المسائل الخاصة بالعمران والمدينة والدولة ضمن كتب الفتاوى والنوازل.

والثاني: الوقف والأوقاف: حيث وثّقت الحوالات الحبسية كلّ ما يتعلّق بالأملاك وكيفية التصرف فيها وسائر الأحكام المتعلقة فيها.

والثالث: المصادر التاريخية والجغرافية، وفي مقدمتها كتاب “المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار” للمقريزي، فضلا عما كتبه ابن عساكر عن «تاريخ دمشق»، والخطيب البغدادي عن «تاريخ بغداد»، وغيرهم .

لقد أخذ الفقه الإسلامي بنظر الاعتبار جملة من العوامل، الطبيعية والسياسية والاقتصادية والأمنية في تأسيس مفهوم المدينة كامتداد البنايات بما يتوافق، وتخطيط المباني من حيث التجاور أو التلاصق للمباني وارتفاعها، ومن حيث توزيع عناصر التهوية والإضاءة والإطلال بالطريقة التي توفر الوقاية وتمنع الضرر، وتحول دون كشف حرمات المساكن، وجاءت أحكام الفقهاء مسايرة لتطور حركة العمران، ويعتبر منع “ضرر الكشف” غاية هذه الأحكام التي حرص السكان والحكام على ضبطه وتقنينه، فالبيئة العمرانية الإسلامية في مجملها، شيدت من قبل مصممين سواء كانوا معماريين أو مخططين على أسس وضعتها الشريعة، وكذلك وفق تراكم الخبرات جيلاً بعد جيل فضلاً عن العرف([3]).

ويشترط لتأسيس المدينة في العمارة الإسلامية اختيار الموضع المناسب الذي يتوفر على جملة من الأسباب، فهي بحسب ابن أبي زرع «خمسة أشياء: النهر الجاري، والمحرث الطيب، والمحطب القريب، والسور الحصين، والسلطان، إذ به صلاح حالها وأمن سبلها وكف جبابرتها»([4])، ولا بد من الأخذ بعين الاعتبار في تحديد واختيار الموضع دفع المضار بالحماية، وجلب المنافع وتسهيل المرافق، إذ أشار ابن خلدون إلى ذلك بقوله: «فأما الحماية من المضار فيراعى لها أن يدار على منازلها جميعا سياج الأسوار، وأن يكون وضع ذلك في ممتنع من الأمكنة إما على هضبة متوعرة من الجبل، وإمَّا باستدارة بحر أو نهر بها، حتَّى لا يوصل إليها إِلاَّ بعد العبور على جسر أو قنطرة فيصعب منالها على العدو ويتضاعف امتناعها وحصنها، ومِمّا يراعى في ذلك للحماية من الآفات السماوية طيب الهواء للسلامة من الأمراض»([5]).

وأمّا جلب المنافع والمرافق للبلد فيراعى فيه أمور: «منها الماء؛ فإن وجود الماء قريبًا من البلد يسهل على الساكن حاجة الماء وهي ضرورية، فيكون لهم في وجوده منفعة عظيمة عامة، وَمِمَّا يراعى من المرافق في المدن طيب المراعي لسائمتهم إذ صاحب كل قرار لا بد له من دواجن الحيوان للنتاج والضرع والركوب، ولا بد لها من المرعى، وَمِمَّا يراعى أيضا المزارع، فإن الزروع هي الأقوات؛ فإذا كانت مزارع البلد بالقرب منها، كان ذلك أسهل في اتخاذه وأقرب في تحصيله، ومن ذلك الشجر للحطب والبناء»([6]).

ويبدو أن التطور العمراني عمل على بلورة رؤية واضحة في الفكر العمراني الإسلامي لدى علماء السياسة الشرعية، فتحدثوا عن الضوابط الواجب مراعاتها عند اختيار مواضع المدن وتشييدها، وذلك وفق شروط دقيقة،إذ يفصل ابن الأزرق([7]) ذلك بالاعتماد على ما جاء به ابن خلدون، فيشير إلى أن ما يجب مراعاته في اختيار الموضع أصلان مهمَّان هما دفع المضارّ وجلب المنافع، ثُمَّ يذكر أن المضار نوعان:

أرضية: ودفعها بإدارة سياج الأسوار على المدينة، ووضعها في مكان ممتنع، إما على هضبة متوعرة من الجبل وإما باستدارة بحر أو نهر، حتَّى لا يوصل إليها إلا بعد العبور على جسر أو قنطرة، فيصعب منالها على العدو ويتضاعف تحصينها.

والنوع الثاني من المضار سماوي: ودفعه باختيار المواضع الطيبة الهواء.

والأصل الثاني: وهو جلب المنافع، وَإِنَّمَا يكون بمراعاة أمور منها: توفر الماء، كأن يكون البلد على نهر أو بإزائه عيون عذبة، لأن وجوده كذلك يسهل الحاجة إليها وهي ضرورية، وطيب المرعى للسائمة وقربه، إذ لابد لذي قرار من دواجن الحيوان للنتاج والضرع والركوب، ومتى كان المرعى الضروري لهذا كذلك كان أوفق من معاناة المشقة في بعده، وقرب المزارع الطيبة، لأن الزرع هو القوت وكونها أسهل في اتخاذه وأقرب في تحصيله والشجر للحطب والخشب، فالحطب وقود للنيران والخشب للمباني، وقربه من البحر لتسهيل الحاجة القصية من البلاد النائية.

وتبدو المدينة بحسب الفقهاء ذات معنى ديني وسياسي، إذ ترتبط بشكل وثيق بصلاة الجمعة في الأمصار وهناك نقاشات مستفيضة حول موضوع الصلاة والسلطة وشروطها في كتب الفقه([8])، فالربط بين الدين من خلال الصلاة والسلطة من خلال وجود الإمام حاضرة دائمًا وأبدًا، فبحسب الفقهاء لا بد من توافر جملة من الشروط في المصر منها: «وجود سلطان وقاض لإقامة الحدود، وتنفيذ الأحكام، إلا أن وجود السلطة السياسية ليس تأسيسيا في المصر لدى الفقهاء كما هو الحال لدى الفلاسفة كالفارابي، فالأصل عند الفقهاء ليس المصر أو السلطان وإنما الأمة أو جماعة المسلمين»([9]).

ويبرز ابن أبي الربيع (المتوفى سنة 272هـ/ 990م) في كتابه “سلوك المالك في تدبير الممالك”([10]) الأسس الواجب مراعاتها عند إنشاء المدن وهي: أن يسوق إليها الماء العذب للشرب، حتَّى يسهل تناوله من غير عسف، وأن تقدر طرقها وشوارعها، حتَّى تتناسب ولا تضيق، وذلك أن العلاقة بين الشارع أو الحارة أو الزقاق والقاطنين فيه، علاقة الترابط والتراحم، فالشارع في المدينة الإسلامية مرتبط بالعقار ومالكيه، وأن يبني فيها جامعا للصلاة في وسطها ليقرب على جميع أهلها. فالمسجد الجامع يمثل العلاقة الترابطية بين كافة أنحاء المدينة، فكما تحتل الكعبة مركز العالم الإسلامي ويتوجه إليها المسلمون خمس مرات في اليوم لأداء الصلاة، فإن المسلمين يتوجهون إلى المسجد الجامع في قلب المدينة لأداء الصلاة، وهو كذلك الجامع ليشمل المدينة كل جمعة في خطبة حاكم المدينة التي غالبا ما تحمل مغزى سياسيًّا واجتماعيًّا، وأن يقدر أسواقها بكفايتها لينال سكانها حوائجهم عن قرب، على أساس ألا تزيد عن حاجة السكان فتنهار الأسعار وتبور البضائع، وألا تقل أيضًا عن الحاجة فترتفع الأسعار، أي أن يحدد حجم السوق حسب حجم السكان، وأن يميز قبائل ساكنيها بأن لا يجمع أضدادًا مختلفةً متباينة، مِمَّا يسمح بخلق الانسجام العرقي الحضري، وأن يحيطها بسور خوفًا من اغتيال الأعداء؛ لأنها بجملتها دار واحدة وذلك من أجل الحماية وحفظ المجتمع الداخلي كأسرة واحدة، وأن ينقل إليها من أهل الصنائع بقدر الحاجة لسكانها، حيث إذا قلت تسبب البطالة.

أمّا الفقيه الماوردي الذي جاء بعد ابن أبي الربيع بحوالي قرن من الزمان، فقد انتقل إلى درجة جديدة في تاريخ العمارة الإسلامية، حيث صنف وظائف المدن وميَّز بينها حسب كلّ وظيفة، فتكلم عن تركيبها الداخلي وشروط اختيار مواقعها ومميزاتها، بصورة تتلاءم مع الأحوال الاجتماعية والاقتصادية السائدة آنذاك([11]).

ويمكن القول: بأن  تخطيط المدن الإسلامية يتشابه إلى حدّ كبير من منطقة إلى أخرى، حيث كانت كلّ خطة تحتوي إجمالاً على المرافق الأساسية التالية: المسجد، السوق، المطاحن والأفران، الحمامات، القنوات المائية والعرصات، كما أنّ كل خطة كانت تخضع لعدة مؤثرات أهمها: أن مركز الخطة غالبا ما يشتمل على المسجد الجامع، ودار الإمارة، وبيت المال، والسوق والشوارع الرئيسية، كما أن الأحياء يتم تقسيمها من الداخل وفق تجانس القاطنين فيها، سواء من حيث العدد أو الجنس أو غيرهما، إذ إن فهم تأسيس المدينة في الإسلام لا يمكن  تعقله  بمعزل عن الإسلام، وعلى الرغم من غياب نظرية متكاملة تربط هذه التعاليم بخطة المدينة الإسلامية، فإن الفقهاء اعتمدوا على المصادر التشريعية كالقرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة، في صياغة بعض المبادئ الأساسية في التشكيل المعماري للمدينة الإسلامية وفي مقدمتها: قاعدة رفع الضرر، واستقبال القبلة وحقوق الجوار والإحسان.

وتعتبر نظرية مقاصد الشريعة الإسلامية من المبادئ الأساسية في تأصيل مفهوم العمارة الإسلامية، فقد اعتمد الفقهاء في تناولهم لأحكام البنيان على الآية 199 من سورة الأعراف، حيث يقول الله عزّ وجل: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾، ومن معاني العرف المتداولة؛ كونه مجموعة القواعد والسلوكيات التي تم التدرج والتطبّع على اتّباعها، ولم يعارضها أحد طالما لا تخرج عن ما جاء في القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف، ويمكن للعرف المتعلق بالعمران أن يتخذ ثلاثة معاني هي: ما يقصده الفقهاء من استنباط الأحكام فيما لم يرد فيه نص، كعادة أهل أيّة مدينة اعتمادًا على القاعدة الفقهية: “العادة محكمة”، ومعناها “أن العادة تعتبر وتحكم، إذا كانت غالبة أو مستمرة”، وإقرار الشريعة لِما هو متعارف عليه بين الجيران لتحديد الأملاك والحقوق، وذلك وفق القاعدة القائلة: “من في يده شيء فهو ملكه، لا يحل لأحد الاعتراض عليه ولا يكلف إثباته ببينة”، والأنماط البنائية: فعندما يتصرف الناس في البناء بطريقة متشابهة، يبرز هناك عرفٌ بنائيٌ أو نمطٌ موحّدٌ.

وقد اعتمد الفقهاء في هذا السياق على الحديث النبويّ الشريف الذي رواه الإمام أحمد وابن ماجه: «لا ضرر ولا ضرار». ولتوضيح تأثير هذه القاعدة على حركة العمران، يضرب المثل بالضرر الناتج عن فتح الكوة أو النافذة ومدى تأثير هذه العملية على العلاقة بين الجيران، فالعلاقة بين البنايات المتجاورة ليست جامدة، بل تساهم إلى حدّ كبير في تحديد سلوك القاطنين بها وما يتطلبه ذلك من ضرورة احترام الآداب العامة.

ويترتب عن مبدأي “الأخذ بالعرف”، و”لا ضرر ولا ضرار” في تقرير أحكام البناء، ظهور مبدأ آخر يُدْعى “حيازة الضرر” الذي يعني: أن من سبق في البناء يحوز العديد من المزايا أهمها حيازة الضرر وتملك الأرض، التي يجب على كل من يأتي من بعده من الجيران أن يحترموها وأن يأخذوها بعين الاعتبار عند قيامهم ببناء بيوتهم. بينما تبقى الطرق والشوارع في ملك جميع السكان وبالتالي فالسيطرة عليها من حق المارة أو المستعملين لها.

والشريعة الإسلامية اعتبرت “إماطة الأذى عن الطريق صدقة” وفي أدنى مراتب الإيمان، ولذلك فإن العلاقة بين العناصر الساكنة ترتبط بحيازة الضرر وبالتالي يعتبر الطريق وعاء للاستقرار، وتصنف شوارع المدينة الإسلامية إلى ثلاث مستويات: الشوارع العامة التي يكون الحق فيها لعامة المسلمين والانتفاع لفائدة كل المارة ويمنع التصرف فيها بما يضر المارة، والشوارع العامة ـ الخاصة  التي يكون الارتفاق بها من قبل الجماعة أقلّ، وسيطرة القاطنين عليها أكثر، والشوارع الخاصة وهي ملك لساكنيها فقط ومشتركة الانتفاع، حيث يجوز لأيّ ساكن أن يتصرف فيها بعد موافقة باقي القاطنين، وفي سبيل ضبط نوعية هذه الشوارع ورفع الضرر عنها، كانت الغاية من بناء بوابات على مدخل الشوارع في المدينة الإسلامية هو الإعلام بحدود أهل تلك الشوارع، ابتغاء الأمن، وسد الذرائع كما جاء في الفقه الإسلامي والمقصود به منع الجائز؛ لأنه يؤدِّي إلى المحظور.

وبالرغم من تنوع الأشكال المعمارية باختلاف الحواضر الإسلامية زمانيًّا ومكانيا، فإنها مع ذلك لم تخرج عن خمس متطلبات رئيسية هي: حفظ الدين، وحفظ النفس، وحفظ العقل، وحفظ النسل, وحفظ المال، وذلك وفق الدرجات الثلاثة التالية: الضرورية والحاجية والتحسينية.

وتشكل هذه المتطلبات أساس الارتباط بين الإسلام والعمران في بلاد المسلمين وبشكل أوضح؛ الترابط بين مقاصد الشريعة والعمران، ويتجسد ذلك خاصة في التخطيط حيث مركزية المسجد، في وجود أهم المباني الحضرية كالمدارس والمستشفيات وبيت المال والمساكن.

ويقوم مفهوم الحسبة بدورٍ فعّال في التنظيم العمراني للمدينة من خلال الخطط والأسواق والمرافق؛ فالحسبة هي واسطة بين أحكام القضاء وأحكام المظالم، ويتولى شؤون الحسبة الفقيه الذي يتوافر على جملة من الصفات ومنها: القيام مع الحقّ، والنـزيه النفس، والعالي الهمة، والمعلوم العدالة، والعارف بجزئيات الأمور، والخائف من الله، وقد اتسعت مهام المحتسب في المجتمع الإسلامي حتَّى شملت أمورًا عديدةً منها ما يتعلق بالعمارة، وإذا كانت السياسة الشرعية قد اهتمت بالشروط الواجب توفرها في اختيار مواقع ومواضع المدن وتخطيطها العام، فإن مؤلفات الحسبة([12]) تناولت التركيب الداخلي للمدن، من حيث تقسيم الشّوارع، وتوزيع المباني على جوانبها، والعلاقة بين هذه المنشآت والشروط الواجب توفرها فيها.

فأثر الحسبة على الأسواق يتخذ عدّة أشكال أهمها: التوزيع المكاني للأسواق اعتمادًا على الاعتبارات التالية:

1-   حاجات السكان الضرورية والمتكرّرة لبعض البضائع، مِمَّا يتطلب وجود أسواق معينة في كلّ أحياء المدينة مع تركز لأهمها في قلبها النابض. وبعض الحرف تقتضي طبيعتها أن تكون أماكن وجودها خارج المدينة أو على أطرافها بالقرب من الأبواب الرئيسية.

2-   والتخصّص: فقد كان التوجيه أن يكون لكلّ نوع من الصنائع سوق خاصة بها مِمَّا يسهل وصول المشتري إلى حاجته، فانعكس ذلك على تسمية الأحياء بالحرفة التي توجد بها.

3-   التجاور: أي التجاور في السلع المتشابهة أو المتكاملة على أساس قواعد شرعية مستمدة من أصول التشريع الإسلامي، وأهمها “لا ضرر ولا ضرار”، مِمَّا يسهل أمر الحصول عليها.

ويحدث عادة أن يتزامن نمو المدينة وتوسع رقعتها، بانتشار هذا الصنف من المنشآت بالأحياء الجديدة، وهنا يتدخل المحتسب للتحكم في إثبات مصدر الضرر لمنع زيادته، حتَّى لا يحدث ضرر، كما يدخل التعرض للخصوصية وكشف الحرمات في إطار الضرر. ولا شك أن هذا يبرز المبادئ الإسلامية التي تحقق النفع وتمنع الضرر وتأثيرها على هذه النوعية من المنشآت التي تشكلت معماريًا وفق حاجات المجتمع الإسلامي.

وتعتبر المصادر الفقهية الإسلامية من الروافد الأساسية في فهم تطور العمارة الإسلامية ولاسيما تلك المصادر التي تعالج بصورة مباشرة أحكام البنيان، وما يتعلق به من مسائل ومشكلات تصدى لها الفقهاء المسلمين بالحل والتبيان. فمن الناحية الأثرية تعطينا هذه المصادر أمثلة عديدة عن الصور التي كانت عليها “التشكيلات المعمارية للمركز الحضري والقواعد التي حكمت تخطيطها وهو ما يمكن معه تفسير الطبقات المكتشفة واستقراء البقايا المعمارية من أطلال المباني كما أنها تساعد على فهم العوامل التي تؤدي إلى التغيير والنمو المعماري للمركز الحضري واتجاهاته، ومن جهة أخرى تساعدنا كثيرًا هذه الأحكام في تحديد الأسس التي كانت تحكم التخطيط المادي للمدينة الإسلامية”([13]).

وهكذا يصنف الماوردي الأمصار وفق خمس خصوصيات هي: أن يستوطنها أهلها طلبًا للسكون والدعة، وحفظ الأموال فيها من استهلاك وإضاعة، وصيانة الحريم والحُرَم من انتهاك ومذلة،  والتماس ما تدعو إليه الحاجة من متاع وصناعة، والتعرض للكسب وطلب المادة. وفي نفس الاتجاه يورد ستّة شروط ضرورية في إنشائها وهي: سعة المياه المستعذبة، وإمكان الميرة المستمدة، واعتدال المكان الموافق لصحة الهواء والتربة، وقربه مِمَّا تدعو الحاجة إليه من المراعي والأحطاب، وتحصين منازله من الأعداء والذعار، وأن يحيط به سواد يعين أهله بمواده([14]).

ويرى الماوردي كذلك أن على منشئ المصر في حقوق ساكنيه ثمانية شروط هي: أن يسوق إليه ماء السارية إن بعدت أطرافه، إما في أنهار جارية، أو حياض سائلة، ليسهل الوقوف إليه من غير تعسف، وتقدير طرقه وشوارعه حتَّى تتناسب ولا تضيق بأهلها، وأن يبني جامعا للصلوات في وسطه ليقرب على جميع أهله ويعم شوارعه بمساجده، وأن يقدر أسواقه بحسب كفايته، وفي مواضع حاجته، وأن يميز خطط أهله، وقبائل ساكنيه، ولا يجمع بين أضداد متنافرين، ولا بين أجناس مختلفين، وإن أراد الملك أن يستوطنه سكن منه في أفسح أطرافه، وأطاف به جميع خواصه، ومن يكفيه من أمر أجناده، وفرق باقيهم في بقية أطرافه، ليكفوه من جميع جهاته، وأن يحوطهم بسور إن تاخموا عدوا، أو خافوا اغتيالا حتَّى لا يدخل عليهم إلا من أرادوه، ولا يخرج عنهم إلا من عرفوه، لأنه دار لساكنيه، وحرز لمستوطنيه، وأن ينقل إليه من أعمال أهل العلوم والصنائع ما يحتاج أهله إليه حتَّى يكتفوا بهم، ويستغنوا عن غيرهم([15]).

وتبعا لذلك، يقسم الماوردي الأمصار إلى نوعين: مصر مزارع وسواد، ومصر فرصة وتجارة.

فأمَّا مصر المزارع والسواد فهو أثبت المصرين أهلا، وأحسنهما حالا، وأولاهما استيطانا لوجود مواده فيه، واقتناء أصولهما منه. ومن شروطه، أن يكون في وسط سواده، وبين جميع أطرافه، حتَّى تعتدل مواده منها وتتساوى طرقه إليها، وهو موفور العمارة ما كان سواده عامرًا، وأما مصر الفرصة والتجارة فهو من كمال الإقليم، وزينة الملك، لأنه مقصود بتحف البلاد، وطرف الأقاليم، فلا يعوز فيه مطلوب ولا ينقطع عنه مجلوب. والمعتبر فيه ثلاثة شروط:

أحدها: أن يتوسط أمصار الريف، ويقرب من بلاد المتاجر، فلا يبعد على طالبه، ولا يسبق على قاصده.

والثاني: أن يكون على جادة تسهل مسالكها، ويمكن نقل الأثقال فيها، إما في نهر، أو على ظهر. فإن توعّرت مسالكه، وأجدبت مفاوزه عدل الناس عنه إلاّ من ضرورة.

والثالث: أن يكون مأمون السبل لأهل الطرقات، خفيف الكلف قليل الأثقال، فإنه ليس يأتيه إلا جالب مجتاز يطلب من البلاد أجداها، فإن توعر هجر. وهذا أكثر البلدين طالبا، وأنشرهما في الأقاليم ذكرا. وهو معد لمطالب الملوك، لا لموادهم، فإن استمدوه وتحيّفوه بالمكوس والأعشار نفروا عنه([16]).

ويبقى أن هذه المصادر يجب أن تأخذ بعين الاعتبار الرؤية القانونية والاجتماعية للعمارة الإسلامية التي يمكن من خلالها معرفة معلومات إضافية عن حياة المجتمع، كما أنّ تفسير البقايا الأثرية يمكن من الكشف عن الأسباب التي كانت وراء تشييدها أو ترميمها أو إعادة بنائها في فترات لاحقة. ذلك أنّ دراسة العمران يجب أن تكون شاملة تضع في اعتبارها الثابت والمتغير، وتتعامل مع عمارة المراكز الحضرية باعتبارها موطن التعايش والتفاعل الإنساني بكل ما يتضمنه من مظاهر الحياة.

ويمكن القول: بأن المسلمين يتوفرون على فكر عمراني متميز، بحيث جاءت أنماط البناء وما يحقق الارتفاق والتنظيم انعكاسًا للعقيدة الإسلامية، وأحكام الستر، والحلال والحرام، وتحقيق سبل التعاون والتآلف، وتمتين أواصر صلة الرحم والأقارب، وحماية حقوق الطرقات والجوار، وعدم إلحاق أي ضرر بالجيران، سواء في نظام البناء أو ما يرافقه من الارتفاق. إذ تعتبر قرابة النسب إحدى ركائز العمران الإسلامي التي ساهمت إلى حدٍ بعيد في تحديد التشكيلة المعمارية للمدن الإسلامية وخططها الداخلية. وباعتبار القرابة إحدى مقاصد الشريعة الإسلامية ـ من حيث ارتباطها بحفظ النسل ـ فقد كان لبعض الأحكام الفقهية مثل الإرث والملكية والشفعة وغيرها، الدور الكبير في تجددها المستمر داخل المدن الإسلامية. ويتمثل ذلك خاصة في التدرّج المجالي للفضاءات، في تداخل المباني فيما بينها، في تموضع الأحياء السكنية والصنائع، وفي التنظيم المحكم في التكوينات العمرانية.

ويقترن مفهوم القرابة عند ابن خلدون بمفهوم العصبية التي استعملت في تفسير قوانين الاجتماع البشري أو سنن العمران اعتمادًا على المنهج الموضوعي الحيادي خاصةً وأن ابن خلدون كان متمكنًا من العلوم الشرعية بفضل توليه القضاء والإفتاء والتدريس في العديد من البلاد الإسلامية. وكان يستخلص من مفهوم العصبية الخلدونية كونها طاقة بشرية كامنة تتفاعل مع ما يحيط بها من قوى ومؤثرات، سواء في الاتجاه الإيجابي للعصبية الذي يعتمد على الوازع الديني من حيث ضبطه بالضوابط الشرعية، أوفي الاتجاه السلبي مع غياب الدافع الديني مما يؤدِّي بالعصبية إلى التنازع والتضاد نظرًا لاختلاف الآراء وتعدد النظريات.

وتميزت المدينة الإسلامية بتركيبتها الاجتماعية التي تعتمد بشكلٍ خاص على القبلية. وقد اتخذت هذه التركيبة مظاهر مختلفة من حيث ممارسة الوساطة بين أفرادها والسلطة المحلية في كلّ ما يتعلق بالمصلحة العامة كجمع الضرائب والدفاع عن المدينة أو من حيث استفادة طوائف أهل الذمة من اليهود والنصارى بتعيين المقدم الذي كان مسؤولا عنها، فضلا عن تمتعها بمحكمتها ونظامها الخاصين. وكان أصحاب الصنائع يترأسهم الأمين الذي كان ينسق مع المحتسب في مراقبة الحرف وحسن سيرها، وينتخب الأمناء مسئولا أعلى يدعى بأمين الأمناء، إذ تكون القبيلة الوحدة الهندسية لتركيبة المدينة، وهي بذلك أساس نشأة الأحياء السكنية التي تتكون منها المدينة، وفي ذلك يختلف علماء الاجتماع والفلاسفة، فإذا كان ابن خلدون في المقدمة، قد تعرض إلى التركيبة العصبية وأثرها في التشكيلة السياسية، فإن الفيلسوف الإسلامي الفارابي في كتابه “المدينة الفاضلة” أشار أن الاجتماعات البشرية لها إسقاط على تنظيم المدينة الهرمي التسلسلي، فالمنـزل حسب رأيه هو جزء من السكة، والسكة جزء من المحلة، والمحلة جزء من المدينة، والمدينة جزء من الأمة، والأمة جزء من المعمورة.

ويشير الماوردي في وصفه للبصرة: «أنهم جعلوا المدينة خططًا بحسب القبائل، لكلّ قبيلة خطة، ووسط كلّ خطة رحبة فسيحة لمرابط خيولهم وقبور موتاهم، وتلاصقوا في المنازل»([17]). بينما يذكر الطبري تفاصيل أكثر عن مدينة الكوفة من حيث توزيع حركة السير مع تحديد عرض الشوارع والأزقة وحتى عرض القطائع حيث كانت ستين ذراعا.

وغالبا ما تكون الخطط تتوفر على نفس المقاييس أو مختلفة، ذلك لأن كل خطة تحدد تبعًا لحجم القبيلة التي تنـزل فيها، وبالتالي فإن توسع الخطة يتم على أساس النمو الداخلي للقبيلة، مما كان يعطي لكل حي هويته الاجتماعية بالإضافة إلى وحدته العمرانية والهندسية، إذن فمبدأ “القرابة في النسب كان عاملاً أساسيًّا في نشأة المدن الإسلامية ابتداءً، ثم في تنظيمها الفضائي وإدارتها اليومية، وقد تجسد هذا المبدأ في الفضاء الهندسي والحضري في التقارب المكاني بين أفراد الطائفة الواحدة وكذلك في الحدود الإقليمية لكل طائفة”([18]).

وتعتبر شبكة الطرق بشكلها الهندسي من الصور الجلية لهذا التأثير حيث تتميز بتدرجها الهرمي، من الدروب المسدودة إلى الأزقة إلى الشوارع والأنهج، ويقابل هذا التدرج الهرمي بنظام مفصل من الأبواب والمداخل التي تفصل الفضاءات عن بعضها البعض.

ويمثل نظام السوق والصنائع كذلك أهم صورة لهذه التشكيلة المعمارية، حيث غالبا ما كان للطائفة الواحدة صنعة مشتركة يتوارثونها أبا عن جد، ذلك أن أهل الصنعة يقومون بتدريب أبنائهم وإكسابهم الخبرة منذ الصغر ليساعدوهم في الحرفة ويقومون مقامهم من بعدهم، وكان لهذا التنظيم الحرفي تأثير مباشر على تصميم المدينة حيث يتركز أهل الصنعة الواحدة في موضع واحد على امتداد شارع غالبا ما يطلق عليه اسم الحرفة مثل الصفارين والعطارين والجزارين إلى آخره، كما أن تجاور الصنائع في المدينة كان يعتمد فيه على أساس تقاربها وتكاملها.

فرابطة القرابة من المؤثرات المباشرة في العمران الإسلامي، ومن ذلك  بشكل خاص أثر قسمة التركات والمواريث، ونشأة الملكية الجماعية والأوقاف التي تحفظ للجماعات وحدتها، وكذا مبدأ الشفعة الذي يضمن تلك الوحدة. وتتجلى صور القرابة في العمارة الإسلامية في عدة أوجه، منها تشكيل الأجهزة الإدارية والأنظمة الاجتماعية والاقتصادية، ومنها اعتماد الخطة كوحدة هندسية لجمع أفراد القبيلة الواحدة، على شكل أحياء سكنية مستقلة عن بعضها ومتجانسة في داخلها من حيث التركيبة الاجتماعية، حيث كان كلّ حيّ يضم طائفة متميزة بانتمائها العرقي أو الحرفي وربما حتَّى مذهبها الديني أحيانا.

خاتمة:

من المعلوم بأنّ الفقه في المجال التداولي الإسلامي يتوافر على أصالة وتجديد وابتكار في الحضارة الإسلامية، إذ تستند الرؤية الفقهية على الأصول المؤسسة للإسلام بالاعتماد على القرآن الكريم والسنَّة النبويَّة الشريفة، ولذلك فإن تصورات الفقهاء في غالبها تقوم على أسس مأصولة وغير منقولة عن الآخر، فإذا كانت رؤية الفلاسفة والجغرافيين تتلبس بأصول منقولة في معظم أبنيتها وأنساقها النظرية، بالاعتماد على رؤية توفيقية تستند إلى دعامتي الأنا الإسلامية، والآخر المختلف بتلوناتها الحضارية، ولذلك فإن موضوع المدينة الإسلامية في تراث الفقهاء تقوم على مبدأ الاستقلالية النسبية، فقد حفل التراث الفقهي الإسلامي بطاقةٍ ابتكارية تجديدية في النظر في سائر المجالات، وترك الفقهاء تراثًا حافلاً في موضوع المدينة والدولة، فالمدينة تتوافر على معنًى دينيٍّ وسياسيّ إذ لا مجال للفصل بين المجالين في تصورات فقهاء الإسلام، إذ يظهر المعنى الديني من خلال ربط صلاة الجمعة بالمصر، وخصوصًا لدى فقاء الأحناف، فضلاً عن العلاقة المبكرة التي نشأت بين الأحناف والسلطة، ولعلَّ مفهمي الأمّة والجماعة في إطار سلطةٍ موحدة لا يمكن أن يتحقق إلاّ بوجود مصر جامع، فقد توصل الأحناف إلى جملةٍ من الشروط التي يجب توافرها في المصر، كوجود سلطان أو قاض ليقيم الحدود وينفذ الأحكام، ومع أن وجود الجماعة لدى الفقهاء هو أساس الاجتماع السياسي، إلاّ أن وجوب الإمامة على الأمّة لا يمكن أن يتم بدون المدينة، فسياسة الملك عقب التأسيس والاستقرار تقوم على عمارة البلدان وحراسة الرعية وتدبير الجند وتقدير الأموال، كما يقرر الماوردي، وإذا كانت البلدان تنقسم إلى مزارع وأمصار؛ فإن الأخيرة هي الأوطان الجامعة، وعلى الرغم من الخلاف الفقهي بين المذاهب الإسلامية في موضوع الجمعة والجماعة وعلاقتهما بالمصر، إلا أنهما يشددون على أهمية المصر أو المدينة؛ فالمالكية على سبيل المثال يشددون على ضرورة إقامة الجمعة في المصر الجامع، باعتباره ضرورة دينية لإتمام فرائض الإسلام، وصلاة الجمعة في مقدمتها. ويركز الأحناف ومن سايرهم على المعنى السياسي للمصر، بوجود الإمام.

ويستند الفقهاء في تأسيس المدينة على عدد من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، وعلى التجربة النبوية التي تعتبر تطبيقًا حيًّا للنصوص في الواقع المشخَّص، فقد عمد النبي صلعم على تطبيق مبدأ الهجرة القرآني الراسخ بالانتقال إلى يثرب والتي أطلق عليها اسم “المدينة” وفرض الهجرة إليها من البوادي والأرياف، كما استفاد الفقهاء في بناء تصوراتهم واجتهاداتهم على تجربة الخلفاء الراشدين، لاسيما الخليفة عمر بن الخطاب الذي عمل على تمصير الأمصار، في تجمعات حضرية جديدة؛ كالمدينة ومكة والبحرين ودمشق ومصر والبصرة والكوفة، ويبدو التشابه جليًّا بين الفقهاء على اختلاف مذاهبهم في تناول موضوع المدينة أو المصر؛ فالفقيه الماوردي لا يختلف كثيرا في طرحه عن ابن خلدون المالكي، كما يشير إلى ذلك أستاذنا رضوان السيد، فالتشابه في استخدام المصطلحات والابتعاد عن الدقة كعدم التفريق بين المدينة والمصر والوطن والبلد، تشير إلى معنى واحد هو التجمع الحضري الكبير، وهو أمرٌ يخالف ما جاء في القرآن الكريم والتجربة الحضرية الإسلامية، إذ هناك تميزٌ ظاهر بين مصطلحات المدينة والقرية والبادية، وغيرها من المصطلحات.

وعلى الرغم من الأصالة الفقهية في تناول المدينة فقد هيمنت لفترة طويلة الرؤية الاستشراقية لمفهوم المدينة الإسلامية، والتي قامت في معظمها على إنكار وجود بنيةٍ حضرية خاصة، لدار الإسلام، بالاستناد إلى الأصول النظرية التي طرحها ماكس فيبر وهنري برنيه إلا أن هذه النظريات الاستشراقية بدأت في السنوات الأخيرة بالتبدد من خلال دراسات أصيلة تناقض الأساس النظري للدراسات الاستشراقية، والذي يستند إلى القول بعدم وجود تفرقة في الفقه الإسلامي بين الحواضر والأرياف، وعدم وجود تعريف للمدينة لدى الفقهاء، إلا أن التمعن في كتب الفقه يشير إلى أصالة الفقهاء في بيان مسألة المدينة كما فعل بابر يوهنسن في دراساته حول المصر الجامع ومساجده الجامعة، إذ يشير إلى أن المذهب الحنفي طوَّر رؤيةً فقهية أو قانونية للمدينة، وذلك لإدراكها كوحدة دينية سياسية من جهة والتفرقة بين المدينة والريف، فقد ظهرت جليًّا من خلال الاجتهاد الفقهي والجدل المذهبي جملةٌ من الآراء تبرز المدينة باعتبارها ذات طابع اجتماعي اقتصادي متعدد الأبعاد، إلا أن معظم الاجتهادات المتعلقة بالمدينة اختزلت في تمثيل السلطة المركزية في المدينة، أو على حجم المدينة ومساجدها.

 ولا جدال بأن الاجتهاد الفقهي على مدى التاريخ الإسلامي يقدم رؤية مأصولة تتصل بالمصادر الإسلامية التأسيسية من القرآن والسنة والتجربة المشخصة لخلفاء الإسلام، ولعلّ إجراء دراسات وبحوث معمقة للتراث الفقهي الإسلامي تبرز مدى الجدة في تناول الفقهاء للمدينة، وسائر القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية المتعلقة بدار الإسلام، وإبراز جملة التطورات التي تتعلق بالنظر في المدينة وجملة الفروقات التي ظهرت في التطبيقات العملية لمختلف المدن في ديار الإسلام، فعلى الرغم من الأصول المؤسسة الحاكمة تظهر خصوصيات مناطقية للمدينة في مختلف أنحاء العالم الإسلامي.


[1]) الماوردي: تسهيل النظر وتعجيل الظفر في أخلاق الملك وسياسة الملك، ص207-208. أدب الدنيا والدين، ص206.

[2]) رضوان السيد: المدينة والدولة في الإسلام دراسة في رؤيتي الماوردي وابن خلدون، مجلة الاجتهاد، العدد السابع، السنة الثانية، ربيع 1990، ص232.

[3]) ابن عبد الله، عبد العزيز: “من مظاهر الهندسة المعمارية في المساجد”، دعوة الحق، العدد 232، صفر 1404،  هـ/ نونبر 1983م، ص: 17- 25..

[4]) ابن أبي زرع، علي: “الأنيس بروض القرطاس في أخبار ملوك المغرب وتاريخ مدينة فاس”، ص33..

[5]) ابن خلدون (عبد الرحمن): المقدمة ، بيروت، دار القلم، الطبعة الأولى 1978 (ص: 615)..

[6]) ابن خلدون: نفس المصدر (ص: 621)..

[7]) ابن خلدون: نفس المصدر (ص: 621)..

[8]) انظر: بابر يوهنسن: المصر الجامع ومساجده الجامعة، مجلة الاجتهاد، العدد السابع، السنة الثانية، ربيع 1990 ص69ـ 102..

[9]) الدكتور رضوان السيد: مدينة الفقهاء ومدينة الفلاسفة ، مجلة الاجتهاد، العدد السابع، السنة الثانية، ربيع 1990 ص130..

[10]) ابن أبي الربيع (سليمان): سلوك المالك في تدبير الممالك، تحقيق ناجي التكريني، بيروت دار الأندلس 1981م، (ص: 192)..

[11]) المنيس (وليد): التفسير الشرعي للتمدن، الكويت، جامعة الكويت، كلية الآداب، الجمعية الجغرافية الكويتية، سلسلة رسائل جغرافية رقم 62، 1984 (ص: 22). .

[12]) وأهمها كتاب نهاية الرتبة في طلب الحسبة لمؤلفه عبد الرحمن ابن نصر بن عبد الله العدوي الشيزري المتوفى سنة 589هـ / 1193 م، تحقيق د. الباز العريني، بيروت دار الثقافة، الطبعة 2، 1981 ثم كتاب آداب الحسبة لأبي عبد الله ابن محمد بن أبي محمد السقطي المالقي والذي ذكره عبد الرحمان الفاسي في كتابه “خطة الحسبة”، الدار البيضاء، دار الثقافة 1984..

[13]) عبد الستار، محمد عثمان: المدينة الإسلامية الكويت، المجلس الوطني للثقافة والفنون والأدب، غشت 1988، 415 ص، منشورات أعلام المعرفة، ص: 5..

[14]) الماوردي، أبو الحسن علي: تسهيل النظر وتعجيل الظفر في أخلاق الملك وسياسة الملك، تحقيق رضوان السيد، بيروت، 1987، ص209..

[15]) الماوردي: المصدر السابق، ص: 210-211..

[16]) الماوردي: نفس المصدر (ص: 212-213)..

[17]) الماوردي: مصدر سابق  (ص: 35)..

[18]) ابن حموش (مصطفى أحمد): “من معالم العمران الإسلامي، قرابة النسب وقرب المكان”، مجلة الأحمدية، العدد2، جمادى الثاني 1419هـ/ غشت 1998، ص311- 336. (ص: 325)..

 

* ندوة تطور العلوم الفقهية فِي عمان “ الفقه الحضاري، فقه العمران”

 المنعقدة خلال الفترة: (18-21) ربيع الثاني 1431هـ / (3-6) إبريل 2010م:

سلطنة عمان- وزارة الأوقاف والشؤون الدينية 

هذه المقالة تحتوي على لا تعليق

أكتب تعليقك هنا

نرجو أن تضع المادة أسفله
الإسم
إيميل
موقع
تعليقك