نظم المدن الإسلامية

نظم المدن الإسلامية*

إعداد: أ. د. عبد الهادي التازي

(باحث ودبلوماسي وعضو عدة مجامع عالمية، من المملكة المغربية)

 

المدينة الإسلامية: تعني مجموعة عناصر تتمثل فيها كلّ المؤسسات الحضارية التي يمكن فيها للإنسان أن يحيى حياة كريمة بكلّ ما تعنيه الحياة الكريمة من معنى.
ولذلك فإننا عندما نقوم ببناء المدينة الإسلامية فَإِنَّمَا نستجيب لحاجات الذين يسكنون المدينة، نبني لهم الشخصية، ونبني لهم الأخلاق، ومن هنا فإنّ بناء المدينة ليس بالأمر الهيّن الذي باستطاعتنا أن نقوم به بكلّ سهولة.
إنّ تخطيط المدينة لا ينبغي أن يكون عملا مرتجلا ينجز دون رؤية وتفكير، ولكنه عمل يحتاج لدراسة مستقبلية، كما يحتاج لمعرفة سائر الحاجيات اليومية والفصلية والموسمية، على صعيد الاقتصاد والصناعة والثقافة. وسيكون لزاما علينا أن نقوم بادئ ذي بدء باستعراض المصادر والمراجع التي اهتمَّت بأمر نظم المدينة وخاصة المدينة الإسلامية.
وسأذكر في أبرز هذه المصادر شيخ الجغرافيين أبا عبيد الله البكري الذي كثيرا ما نجد لديه وصفا لبعض المدن الإسلامية التي قدمها في تعبيرات أجمل ما تكون في الدقة، ولو أن بعض الكراريس ضاعت منه أو أتلفت على ما نعتقد.
وقد كان من التآليف التي تعتمد في أمر مواصفات المدينة كتاب الروض المعطار للحميري الذي كان يستفيد من البكري الذي ضاعت منا بعض كراساته على ما أسلفنا.
ولا يمكن أن ننسى في هذا الصدد المؤرخ الجغرافي زكرياء القزويني الذي له كتاب “آثار البلاد وأخبار العباد” الذي ضمنه ثلاث مقدمات عن الحاجة إلى إنشاء المدن والقرى وخواص البلاد وتأثير البيئة على السكان والنبات والحيوان.
وهناك شيخ من الفرسان في تاريخ العمران من الذين عنو بأمر المدينة، وهو ابن خلدون الذي يرجع له أكبر الفضل في تحديد ملامح المدينة، ولعله الوحيد الذي تَجرّأ على تسفيه بعض المواصفات التي ذكرها المؤرخون القدامى لبعض المدن!!
وهناك من المصادر التي تحدثت عن المدينة الإسلامية كتاب “المسند الصحيح الحسن” الذي ألفه العلامة ابن مرزوق برسم العاهل العربي السلطان أبي الحسن، حيث قرأنا عن اهتمام السلطان المذكور بوضع تصاميم لبناء بيت.
إلى جانب هذا نجد الكتاب العظيم “وصف إفريقيا” الذي ألفه الحسن ابن الوزان المعروف عند الغرب باسم ليون الإفريقي، وهو الاسم الذي أعطاه إياه بعض الرهبان بعد أن وقع الحسن أسيرا بينهم في إيطاليا!
وهناك مصادر هامة عنيت بأمر المدينة الإسلامية كما تجب العناية وهي كتب الحسبة، وهي ثرية بوصف المدينة الإسلامية ومتطلباتها وحاجياتها ومتخذاتها.
إن المحتسب بحكم وظيفته الإدارية في استطاعته أن يتدخل في كل شأن من شؤون المدينة، من حيث التزام السكان بالبناء الجيد والمناسب، ومن حيث هندسة البناء وعشوائيته، ومن حيث تجنب إلحاق الأذى بجار من الجوار، ومن حيث احترام البيئة: ما جعل كتب الحسبة غنية جدا فيما يتصل بوصف المدينة وتصميمها وتأثيثها بكل ما يضمن للسكان حياة سعيدة.
ومن المصادر المغربية التي أريد أن ألفت نظر زملائنا إليها، مصدر من الأهمية بمكان، ألا وهو الحوالات الحبسية (جمع حوالة) وهو عبارة عن سجل لمرافق المدينة وحوانيتها وفنادقها يحول ويراقب ويراجع على رأس كل حول، فمعنى (يحول) بلغة هذا العصر: يحين!
هذه “الحوالات” تعتبر في نظري أكبر مرجع وأدق دليل على مقومات بناء المدينة وتوزيعها؛ لأنّ الحوالة تتحدث عن الأسواق والفنادق والحمامات، والحوانيت التي توجد بالمدينة بكيفية جد مدققة، وتبين توزيعها الجغرافي المحكم، وتذكر أسماءها مثل سوق الصفّارين وسوق الحرّارين، والقطّانين. وهي إذ تقدم لنا هذا التفصيل تعطينا فكرة حضارية على أن البناة المتقدمين كانوا يعرفون كيف يوزعون مرافق المدينة، بحيث لا يشوش بائع المأكولات على بائع الكتب مثلا، فكان لكل حرفة مكان خاص بها.
هذا النظام البديع أخذنا نفتقده اليوم مع الأسف، في مدننا التي أصبحت على درجة كبيرة من الفوضى، تتمثل في اختلاط تجار من أصناف متباعدة، وقد عشت في الشهور الماضية مع عدد من المصادر التي تتعلق بترتيب المدينة، فهي تذكر الزوايا في المدينة، وتذكر الخزانات العلمية الموزعة على المدينة توزيعا دقيقا في كل جهات المدينة، وتذكر مساجد المدينة ومدارسها وزواياها ومواقع المياه فيها.
وأقدم هذه الحوالات الحبسية عندنا بالمغرب يرجع إلى عهد المرابطين (القرن السادس الهجري = القرن الثاني عشر الميلادي) والمهم فيها أنها تحدد مثلا في فاس أملاك الجامع الأعظم المعروف بجامع القرويين في سوق العطارين، وأملاكه في سوق النجارين، وأملاكه في سوق الخضارين، وتذكر الأملاك المحبسة على المدارس التي كانت في العصور القديمة بمثابة الأحياء الجامعية اليوم، المدرسة فيها السكن، وفيها الأكل، وفيها الدرس، وحتى لا تتعرض الأوقاف للتلف أو النهب نقشت أملاكها في الرخام وعلقت على جدران تلك المدارس، ولا يزال معظم تلك الرخامات مغروسا بقاعات مدارس فاس.
وهناك مصدر ربما لا ننتبه إليه وهو “الفتاوى الشرعية” تلك الفتاوى تتضمن إسهاما كبيرا وجليلا حول نظم المدن الإسلامية بالأمس، مثلا ألقي السؤال على الإمام مالك ـ الذي يعتمده المغاربة كمرجع وكسلطة ـ حول الضيافة هل تجب على أهل المدن أم لا؟ وقد أجاب الإمام بأن أهل المدن لا تجب عليهم الضيافة؛ لأن المدينة تتوفر على السوق والفندق، وإذ تتوفر على السوق والفندق فإن الغريب لا يحتاج إلى ضيافة!! ومن خلال هذه الفتوى استنتج العلماء أن المدينة أصبحت تتوفر على السوق والفندق في صدر ما تتوفر عليه.!
وهناك من المراجع المهمة جدا التي أريد أن أركز عليها، وأن ألفت النظر إليها “المصادر الدبلوماسية” وأقصد بها: التقارير أو المذكرات التي يحررها السفراء أو الدبلوماسيون الأجانب أو غيرهم من الذين يردون على بلاد المغرب. إن الأجنبي عندما يحاول أن يكتب عن بلد ما، فإنه يكتب عنه بعيون جديدة، فهو يتتبع بعض الأشياء التي ربما نحن، سكان المدينة، لا ننتبه إليها، فجميع السفارات الأجنبية التي تواردت على المغرب وخاصة منذ عهد السعديين (القرن العاشر الهجري = السادس عشر الميلادي) كانت تهتم بأمر المدن والمدينة.
عندما وردت سفارة هولندية في هذا التاريخ، كانت تتوفر على عدد كبير من الرجال، وأيضا تتوفر على بعض الرسامين، أعطونا فكرة عن بعض المدن المغربية، وكل التصاميم التي قدمت لنا من طرف هؤلاء كانت دقيقة، كانت غنية بالعناصر التي تتكون منها المدينة المغربية من حيث شمولها للمرافق التي يحتاج إليها الناس.
وفي عهد العلويين الذي ابتدأ في (القرن الحادي عشر الهجري = السابع عشر الميلادي) نسجل مثلا السفارة البريطانية التي وردت برئاسة ستيوارت في عهد السلطان مولاي إسماعيل، وقد قدمت وصفا جميلا لعدد من المدن المغربية.
إن السفير عندما يزور بلادا ما من البلدان، تكون نفسه متعلقة بهندسة بناء المدينة، وبالمقارنات والمفارقات بين هذه المدينة وبين العاصمة التي يغشاها، مثلا: مكناس كانوا يسمونها “فرساي المغرب”، وكانوا ينعتون مثلا فاسا بأنها “أثينا أفريقيا” وكانوا يشبهون مراكش ببغداد، ويشبهون تصميم الرباط بتصميم الإسكندرية. إن من يريد أن يعرف كيف كانت المدينة بالأمس، فعليه أن يرجع إلى ما كتبه أولئك الدبلوماسيون الأجانب وهم كثيرون.
وقد عثرت على إفادات عدد كبير منهم أثناء تأليفي (للتاريخ الدبلوماسي للمغرب) الذي صدر في أربعة عشر مجلدا، وفيه الكثير مِمَّا يتعلق بالمدن، وخاصة المدن التي أسميها “المدن الملكية” أي المدن التي كان العاهل يستقر فيها ويستقبل فيها هؤلاء السفراء مثل فاس ومراكش والرباط ومكناس، فالدبلوماسيون يصفونها في سائر الفصول، وكثيرا ما يغتبطون بها في فصل من الفصول فيؤدون لها وصفا بديعا رفيعا.
وقد استمرت هذه المصادر تتحدث عن هذه المدن إلى آخر بعض السفارات التي قدمت وصفا مشوقا لعدد كبير من المدن، وبالأخص منها معالم مدينة سبتة، التي وصفت وصفا دقيقا يعتبر قمة في المعالم الحضارية التي كانت تشتمل عليها تلك المدينة، لقد كانت تتوفر على “دار الإشراف” أي “الولاية” وتتوفر على مصانع لتغليف الأمتعة وتغليف البضائع؛ لأن المدينة كانت ميناء دوليا كبيرا آنذاك على ما يعرف الجميع. هذا إلى وصف فاس وبقية المدن المغربية.
ومن المصادر التي تدخل عندي في المصادر الدبلوماسية الصور المجسدة “Lصلعمs maquصلعمرضي الله عنهرضي الله عنهصلعمs” والتصميمات المخططة.
لقد كانت هواية وضع الماكيط منتشرة في الغرب الإسلامي منذ التاريخ المبكر. المؤرخ ابن مرزوق يذكر في كتابه “المسند” سالف الذكر أن السلطان أبا الحسن رسم للبنائين، على كاغد، صورة الدار التي قرر بناءها للأميرة التونسية عزونة وهي في طريق زفافها إلى أحد أمراء بني مرين بالمغرب.
وقد ذكر المقريزي في كتابه “السلوك” أن في جملة الهدايا التي رفعها ملك مصر للعاهل المغربي جوابا على هدايا هذا الأخير إليه مجسدا لمسجد بمحرابه وعمده ومئذنته، لا نستبعد أنه ماكيط لزاوية سيراقوص، ويتحدث ابن بطوطة في رحلته عن صنع “ماكيط” لمدينة جبل طارق كان السلطان أبو عنان يحتفظ به في قصره بالعاصمة فاس.
ولا يجوز لنا أن نهمل هنا دور رجال الاستشراق والمستعربين في الاعتناء بأمر المدينة الإسلامية وخصائصها ومزاياها وجعلها تستجيب لكل حاجيات المسلم من مولده إلى وفاته.
لقد تتبعت تلك المصادر ظروف إنشاء المدينة ومدى اعتناء القادة والولاة بأمر بنائها واختيار المكان الصالح لها.
وعلاوة على ما يوجد في الموسوعات الإسلامية حول كل مرفق من المرافق التي تضمنتها نظم المدن الإسلامية، فإن هناك كتيبات خصصت لهذا الموضوع. أذكر في صدرها تأليف البروفيسور الفرنسي بيل في كتابه نقوش فاس، والبروفيسور هنري طيراس في بعض كتاباته عن المدن المغربية.
وقد صدر مؤخرا كتاب باللغة الاسبانية للأستاذ طريس بالباس تحت عنوان المدن الاسبانية الإسلامية، استوعب فيه الحديث عن بعض المدن الأندلسية التي ـ مع الأسف ـ حرصت فيها الكنيسة على تغييب كل الآثار وكل الخصائص التي كان في الإمكان أن تعطينا فكرة كاملة عن نظم المدن الإسلامية مِمَّا سنحاول إبراز بعض معالمه في هذا العرض علاوة على ما أسلفنا.
والآن وقد أخذنا فكرة عن بعض المصادر والمراجع التي تعالج شؤون المدينة والسكن ننتقل إلى الثوابت في “نظم المدينة” أية مدينة، ولا سيما المدينة الإسلامية.
كل الذين تحدثوا عن العناصر الأساسية للمدينة ذكروا في صدر ما ذكروا المسجد، ويبدو أنهم غفلوا عن عنصر هام أجمعت الكتب على ذكره بمختلف العناوين دون أن تلح على ما تقصد إليه، هذا العنصر هو “المحطب” أي وجود ما يزود المدينة بالحطب، حديثهم بالأمس عن “المحطب” يعني الحديث عن المادة الأولية التي تحتاج إليها الساكنة؛ لأنَّها تعني ما نسميه اليوم بكل بساطة الكهرباء!! فلولا “الحطب” لما كان هناك طبخ ولما كان هناك طعام!!
وقد عرف من الأمثال الجارية على ألسنة المغاربة وبخاصة في مدينة فاس قولهم: «الفران سبق الجامع»!
ومن الطريف أن أذكر أن المسجد الأعظم بمدينة فاس المعروف بجامع القرويين يقوم بداية على الفرن الذي كانت تعيش عليه فاس قبل أن تقوم بأداء مناسك الصلاة!!
ومن هنا ساغ لنا أن نبدأ بمؤسسة الأفران التي تؤثث المدينة في كل مكان.
وبعد الفرن نجد أن من الثوابت الهامة في المدن الإسلامية، المسجد، وقد ذكر ابن خلدون هذا الثابت. ويعتبر المسجد فعلا هو النقطة المركزية في بناء المدينة الإسلامية، ويكفي أن نعرف عن حقيقة تاريخية، وهي أن ابن خلدون كان شحيحا جدا في الثناء على الناس، ورغم ذلك فقد أثنى على الموحِّدين (القرن السادس الهجري = القرن الثاني عشر الميلادي) ثناء عظيما وعلل ثناءه بما أنشأوه من مباني، ومعلوم أن الموحِّدين هم الذين أنشأوا ثلاثة معالم في زمنهم، وأن عملهم ذلك رفع من سمعة المغرب على الصعيد الدولي إلى الآن، العمل الأول “لاخيرالدة” في إشبيلية، العمل الثاني هو مسجد “الكتبية” في مراكش، والثالث “حسان” في الرباط، هذه المعالم الثلاث هي التي أعطت السمعة الدولية للموحِّدين في العصر الوسيط، وكانت تعبيرا من الموحِّدين على مضيهم نحو أهدافهم في القارة الأوروبية.
والتقاليد الإسلامية تفرض، منذ القدم، على المسلمين أن ينفقوا بسخاء على هذه المساجد حتى تظهر في أبهة كبرى، فالوليد ابن عبد الملك لما أراد أن يبني مسجد مدينة الرسول صلعم بعث بسفارة هامة إلى ملك الروم ليبعث إليه الخبراء، وهذا شيء مهم ذكره المؤرخون في كتبهم. ذكرت هذا لأبرز أن المسجد يظل هو الركيزة الأساسية الأولى للمدينة الإسلامية، فيما يتعلق بالثوابت فيها.
وهناك ثوابت تتعلق بالمسجد نفسه من إنشاء ما يتصل بتزويد المسجد وتغذيته ماديا كتحبيس الأموال عليه وإنشاء العقارات لتسييره على ما أسلفنا.
وعلى ذكر تراث المسلمين فيما يتصل بالمسجد والمساجد. نذكر هنا أن العلماء الإسبان لا يترددون، اليوم في الإعراب عن أسفهم لما حصل بالأمس من إقدام بعض المتطرفين القشتاليين على هدم الصوامع وإحراق المنابر وتعويض تلك المساجد بالكنائس. زملاؤنا اليوم يتمنون لو بقيت تلك الآثار حاضرة لتشهدها الأجيال.
ونحن نعلم عدد السياح الذين يترددون على الأندلس اليوم، ومدى ما تكسبه السياحة الإسبانية من زيارة جامع قرطبة العظيم، وزيارة “لاخيرالدا” في إشبيلية.
وسأغتنم فرصة إسهامي في هذا اللقاء لأذكر أنني قمت بمبادرة خاصة، تلك أن أسعى إلى معرفة شكل جامع رندة وكيف كان أيام زاره الرحالة المغربي ابن بطوطة، وقد اهتديت بفضل صور فوتوغرافية كانت توجد بمدخل الكنيسة التي عوضت المسجد، ووصلت بتركيب تلك الصور المشتملة على بعض الآيات القرآنية الشريفة، وصلت إلى معرفة تخطيط المحراب. وأغتنمها فرصة لأهدي هذا المحراب لوزارة الأوقاف في سلطنة عمان لتقوم بترويجه وإشاعته.
ومن الثوابت في المدينة ما ذكره ابن خلدون من ضرورة توفر المدينة على ضاحية تكون متنفسها، وهو يرى أن المدينة التي لا توجد لها ضاحية لا تعتبر مدينة؛ لأنَّ المدينة لا تعيش إلا بما حولها.
وهكذا يعتبر بناء العاصمة من الخطورة بمكان على ما أشرنا لنلاحظ ظاهرة تقع في بعض الدول النامية اليوم في إفريقيا وآسيا، حيث يأتي حاكم ما تسول له نفسه، بين عشية وضحاها، بناء مدينة يتخذها عاصمة له!! من غير أن يراعي فيها دراسة الموضع والموقع، الأمر الذي جعلنا نعيش مع عواصم طارئة ارتبط عمرها بعمر مؤسسها، عندما راح راحت معه!!
ويشترط ابن خلدون بما عرف فيه من ذكاء لبناء المدينة توفر الماء؛ لأن حياة الإنسان مبنية أساسا على الماء، وخاصة المسلم الذي يحتاج الماء كل يوم وحتى بعد الوفاة، بعكس الديانات الأخرى التي لا تستعمل التغسيل!
وقد ذكر ابن خلدون من ثوابت المدينة كذلك التشجير وهو تفكير حضاري رفيع المستوى.
وكانت المدينة سواء في المغرب أو الأندلس ترتكز في داخلها على الحدائق، ونذكر أن الرحالة المغربي ابن بطوطة لما وصل إلى الصين في العصور الوسطى لا حظ أن تصميم البيت الصيني في آسيا يشبه البيت السجلماسي في المغرب، وذكر أن البيوت في سجلماسة تحيط بها الحدائق على غرار ما وجده في الصين، وهو التصميم الذي نتبعه اليوم فيما نسميه بـ”الفيلا” التي هي عبارة عن مسكن تحيط به الحديقة، هذا النوع من التصميم من الأهمية بمكان، حيث إن ابن خلدون ذكر أن المدن إذا كثرت فيها الحدائق وكثر فيها تلوين البساتين فإن ذلك يدل على الرفاه والنعم.
وفيما يتصل بالثوابت في المدينة الإسلامية نذكر أنه كان من العوائد في العصور الماضية أن يعمد المشرف على بنائها ملكا أو أميرا إلى إحضار منجمين ليعطوه تقريرا عن التقاء البروج بعضها مع بعض، كالشمس مع القمر، لكي يصادف بناء المدينة ظرف فلك الخير.
وقضية استشارة المنجمين عند تأسيس المدينة عادة رومانية ورثها المسلمون عن البيزنطيين في العهد العباسي، وقد وصلت هذه العادة إلى المغرب فنجد أن بني مرين بنوا مدينة “المنصورة” على مقربة من تلمسان بعد استشارة المنجمين، وكذلك مدينة “فاس الجديد” التي بناها السلطان أبو يوسف ابن عبد الحقّ في ظروف اختارها المنجمون.
ويبقى علينا بعد هذا أن نتحدث عما اصطلح عليه بتزويد المدينة ببعض المؤسسات والبنايات. وأذكر في صدرها الحمامات (جمع حمام)، ويقصد بها البنايات التي تتوفر على الماء الحار الذي يصلها عبر ما نسميه “الفرناتشي”، وهي أي الحمامات موزعة على ثلاثة أقسام في مستويات مختلفة من حيث الحرارة، فيها المعتدل والمتوسط والحار، مِمَّا تحدثت عنه كتب الحسبة، وهي تختلف عن بعضها درجات في اللياقة والأناقة، ولها تقاليدها ورجالها، وهي إلى جانب وظيفتها التطهيرية لها وظيفتها الصحية التي تحدثت عنها مختلف المصادر الطبية.
وفي معظم المدن الإسلامية نجد أن المؤرخين اهتموا اهتماما كبيرا بجانب آخر مِمَّا يتصل بنظم المدن الإسلامية، هذا الجانب هو جانب المقابر.
لقد تَميّزت العقيدة الإسلامية بأنها تكرم الإنسان عند وفاته على نحو ما تكرمه وهو مقبل على دنياه، وهكذا فهي تخصص المقابر بالكثير من الاهتمام والاحترام، نلاحظ هذا في اختيار موقع المقبرة ظاهر المدينة، والنظر البعيد في المكان الذي ينبغي أن يكون بعيدا عن سكنى الناس، ومن هنا نلاحظ أن هذه المقبرة تمسي مكانا لاستحضار تاريخ البلاد ومن مر بها من الرجال.. بحيث إنَّ المقابر تصبح بمثابة محطات للذكرى والتأمل!
وفي موضوع المقابر نتوفر على ثروة هائلة من الأدبيات والفتاوى كذلك التي تجعل هذه المقابر حبسا على أصحابها طوال الخمسين سنة قبل أن تغدو قابلة لكي تعوض بمشاريع أخرى تمسي المدينة في حاجة إليها.! ونحن نعرف عن عدد كبير من أقسام المدينة المسكونة اليوم كانت إلى الأمس القريب مدافن لقوم غابوا عنا.
أريد أن أقول بأنّ المقبرة بقدر ما هي مستودع لرجالاتنا بقدر ما تكون بحاجة إلى أن نختار لها من المواقع المناسبة ما يبعدها عن الهدم أو البناء فوقها.! ما يعني أن الأسلاف كانوا يفكرون عند اتخاذ المقابر على نحو ما يفكرون عند بناء الجسور والقناطر.
وقد كان في أبرز ما يستوقف المشرفين على “نظم المدن الإسلامية” ما يتصل بما يمكن أن نسميه الأندية، هذه الأندية التي كانوا يطلقون عليها بالمشرق اسم «الخانقاة» ويطلقون عليها بالمغرب اسم «الزاوية» ليست ـ بالضرورة ـ مسجدا وليست ـ كذلك ـ مدرسة، ولكنها زاوية يتردد عليها ويجتمع فيها أقوام ذوي حيثيات خاصة.
هذه الزوايا أيضا كانت مِمَّا تشتمل عليها المدينة، ويوجد منها في القاهرة عدد مهم أشهرها في سرياقص بضواحي القاهرة، كما يوجد منها بالمغرب عدد كبير في مختلف القواعد المغربية، وأشهرها الزاوية العظمى التي بنيت خارج مدينة فاس والتي كانت تنافس خانقاه سرياقص على ما نقرأه في رحلة ابن بطوطة.
ولا بد لنا هنا أن نرفع ظلما عن المصادر العربية التي اتهمها بعض الكتاب الغربيين بأنها ـ أي المصادر العربية ـ كانت غائبة عند الحديث عن تصميم المدن وعن المرافق التي كانت تصاحب المدن!
إن ما كتب عن المدن وعن تخطيط بيوتها ومتخذاتها كان يفوق الوصف، ويكفي أن نشير هنا إلى تصميم الزاوية العظمى بفاس سالفة الذكر التي يحتوي وصفها على أزيد من عشر ورقات تعتبر قمة حول ما كتب عن المدينة.
وكل الذين حرروا عن المدينة الإسلامية في بلاد المغرب لم ينسوا كلهم أن المهندسين هم الذين كانوا يبتكرون المجسدات «الماكيط» من أجل أن يقدموا للملوك تصورا استباقيا للمدينة، قرأنا هذا عن الماكيط الذي صنع أيام السلطان أبي الحسن، والماكيط الذي صنع لجبل طارق مِمَّا جرى ذكره عند الرحالة أمثال المؤرخ ابن خلدون.
ومعنى كل هذا أن الوثيقة العربية لم تكن أبدا غائبة عند إنشاء المباني سواء أكانت مدنا أو مساجد أو قلاعا أو بروجا. ولا بد من الرجوع إلى المصادر العربية التي تحدثت عن المسجد العظيم الذي بني في إشبيلية “الخيرالدا” والذي بني مثله في مراكش “الكتبية” وفي الرباط “حسان” .
وبعد هذا لا بد أن نشير إلى ظاهرة بناء الساعات سواء الساعات الشمسية أو الساعات المائية في معظم القواعد الإسلامية في شوارعها الكبرى وعلى سطوح المساجد فيها، وصحون تلك المساجد، وهي ظاهرة حضارية هامة يمكن لعالمنا الحاضر أن يذكرها باعتزاز كبير وتقدير عظيم لا سيما مع ما أثبتته الدراسات التقنية المعاصرة من تفوق كبير في ازدهار الصناعة الفلكية بالأمس مِمَّا دعا الإمبراطورية العثمانية إلى الاستنجاد بالخبرة المغربية من أجل ترميم بعض المنشآت الفلكية في العاصمة العثمانية.
وأحب أن أذكر بالمقابل أن الإسلام لم يكن متعصبا ولا عاكفا على نفسه عندما يتعلق الأمر بالاستعانة بالخبرة الأجنبية لبناء مدينة أو مسجد أو جامع، ومن هنا لم يشعر الخليفة الوليد بن عبد الملك بمركب نقص وهو يستنجد بخبرة “بيزنطة” عندما فكر في إعادة بناء مدينة الرسول صلعم. وكذلك لم يكن عند أسلافنا مانع من طلب الرأي وهم يبنون جامع «دمشق»، ولم لا نقول هذا وأسلافنا يشيدون المسجد الحرام الذي نحج إليه كل عام؟!
والمدينة الإسلامية هي المؤسسة الوحيدة التي حرصت على أن تنتشر دور الوضوء في كل أطرافها، يستعملها الناس مجانا دون أجر، الأمر الذي لاحظه الحسن ابن الوزان المعروف بليون الإفريقي الذي عاش في إيطاليا ولاحظ وضع دور الوضوء هناك. وأن المواطن كان يؤدي تعويضا على دخولها وقضاء حاجته فيها!!
إن المسلم بحكم أنه مطالب بأن يكون دائما طاهرا متطهرا كان يفرض على حكامه أن يوفروا له الماء للوضوء، وتلك ميزة كبرى بالنسبة للمجتمع المسلم، ومن أجل كل ذلك كانت منشأة الأوقاف أو الأحباس التي تعتبر أقدس مؤسسة في الحكومة الإسلامية، وتعتبر أقرب مؤسسة إلى الحضارة الإنسانية حيث يتنافس الناس من سائر الطبقات للإغداق عليها والإنفاق على مشاريعها.!!
لقد حضرنا ندوة دولية حول الأوقاف حيث أبدى علماء الغرب إعجابهم بهذه المؤسسة الحضارية الخالدة التي يجب علينا أن نعمل على دعمها وإسنادها.
ولقد أسهب الذين اهتموا بالمدينة الإسلامية بأمر الأسواق وترتيبها ترتيبا محكما مشوقا، بحيث إن المرء ليشعر بالراحة وهو يتجول بين مختلف دروب الأسواق، وخاصة منها “القيصريات” التي كانت تعني أسواقا محددة الوصف ومعروفة التخصص، وقد بلغت الأسواق ـ عموما ـ درجة من الاهتمام بها حتى لجعل لها مشرف خاص يحمل لقب “صاحب السوق”. يساعده مسؤولون عن كل حرفة ومهنة، يحملون أيضا لقبا عظيما هو لقب “الأمين”.
ولم يكن من المسموح به أن يقترب سوق الكتب من سوق السمك مثلا! أو أن يقترب سوق الخضر من سوق الثياب والقماش!
وخلال الأسواق نجد ما كان يحمل اسم الرحبات (جمع رحبة)، كل رحبة تختص باسم ما كانت تختص به: هذه رحبة الخياطين، وهذه رحبة النجارين. إلخ.
لكن الجميل والممتع أيضا أن تجد المهن والحرف الدقيقة موزعة على المدينة توزيعا جغرافيا دقيقا ومسؤولا، كما يقولون، حيث يمكن لنا أن نقف من خلال هذا الترتيب على مدى تفكير المخططين لمستقبل المدينة . ونقف من خلال ذلك أيضا إلى مدى ما تتوفر عليه المدينة من طاقات وقدرات على استيعاب حاجيات المدينة. هناك سنجد حوانيت السراجين والتيالين والبلاجين وكذا مصانع اللزارين من الوظائف التي أصبحت غريبة عند ناشئتنا وتحتاج إلى تفسير.
ولا بد أن يحتوي ظاهر المدينة على ميادين للاستعراض أو التمييز كما كانوا يسمونها، ميادين لسباق الخيول ورياضتها تحمل اسم “المصارة” قرأنا عن هذه الميادين في كتب التاريخ التي كان يتم فيها أيضا استقبال كبار الشخصيات من رؤساء وسفراء، وكان يتم فيها استعراض الجيش المتأهب للحركة.
تكون هذه الميادين ـ كما قلنا ـ خارج أسوار المدينة، وخارج ما نسميه القصور أو القصبات (جمع قصبة مركز الحكم) مِمَّا يستعمل مصلى العيدين الشرعيين عند الأسرة الإسلامية.
والحديث عن أسوار المدينة يدعونا إلى الالتفات إلى أبواب المدينة بأقواسها العظيمة، وهو موضوع يحتاج وحده إلى حديث طويل وعريض باعتبار أن الأبواب هي عنوان المدينة، وهي عينها وعلامتها، تحمل معها دلالات حضارية تاريخية في غاية الأهمية، فالأبواب ـ كما نعلم ـ تحمل أسماء القادة والحكام الذين عرفتهم الساحة، كما تحمل أسماء لأحداث خاصة.
من حقنا أن نتعرف باب الشريعة وباب السباع وباب الفتوح وباب عجيسة إلخ. وكل هذه الأبواب تكون على ضخامة بحيث يمكن من خلال تصميمها أن نأخذ فكرة ـ كما أشرنا ـ عن الأحياء التي توجد وراء الباب، ومن الباحثين من خصص بحوثه فقط على الأبواب على اعتبار أنها علامة على ما في الداخل، ونحن نعرف أن من الأمثال الجارية على الألسن«إمارة الدار على باب الدار».
 

وكان من أهم ما تؤثث به عيون المدن أن تشتمل على عدد من الفنادق (ج فندق)، الفنادق التي يكون لكل واحد منها تخصصه، فهذا فندق يقصده المسافرون للنزول فيه ولإيواء مطياتهم كذلك. وهذا فندق خصص لكبار التجار الذين يجعلون منه مركزا لتخزين سلعهم وتوزيعها على صغار التجار. وهذا فندق خاص بصناع الشموع وزخرفتها وتطييبها، ونحن نعرف أن مدينة فاس كانت تزود أوروبا بالشموع التي كان لها ذكر في ربوع أوروبا.
لكن من الفنادق ما يصبح معملا أو طرازا خاصا من المعامل والأطرزة المنتشرة في المدينة، ومن الفنادق ما كان يختص به تجار ينتسبون لشمال المغرب، ومن هنا كان عندنا فندق التطاونيين.
دور الفنادق في المدينة كان دورا ملحوظا ليس على الصعيد المحلي فقط، ولكن على الصعيد الدولي، ولا بد أن نعرف أن كلمة الفندق دخلت القاموس الفرنسي والإسباني والإنجليزي، ولا بد أن نعرف أن الأمثال المغربية غنية بذكر كلمة الفندق، ما يعني أن الكلمة تعيش مع وجدان المسلمين وذاكرتهم.
تلك بإيجاز كبير بعض الثوابت التي تجري عليها “نظم المدن الإسلامية” بالأمس. وإذ نقدمها نأمل من وراء تقديمها أن تظل الأسرة الإسلامية محافظة على بيئتها المتمثلة في تلك الثوابت، وأن لا تجرفنا الحضارات الأخرى وننسى أصولنا وجذورنا.
إنَّ محافظة الأمّة على بيئتها واجب أساس لمحافظتها على المقومات الأساسية لكيانها، لا يعني هذا أبدا أننا نعادي الحضارات الأخرى، على العكس من ذلك نريد أن يكون هناك تبادل في الرأي حول ما يطبع هذه الحضارات وما يميزها عن الحضارات الأخرى.

 

* ندوة تطور العلوم الفقهية فِي عمان “ الفقه الحضاري، فقه العمران”

 المنعقدة خلال الفترة: (18-21) ربيع الثاني 1431هـ / (3-6) إبريل 2010م:

سلطنة عمان- وزارة الأوقاف والشؤون الدينية