الحماية الإدارية للطريق

الحماية الإدارية للطريق*

إعداد: أ. د. علي صقلي حسيني

(أستاذ بجامعة القرويين بالمملكة المغربية)

 

تقديم

الطرق لها أهمية كبيرة في حياة الناس في الحاضر كما كانت لها الأهمية في الماضي، إن لم نقل إنَّ أهميتها زادت كثيراً في ظل النظم السياسية والاجتماعية والاقتصادية المعاصرة.
والطرق باعتبارها شريان الحياة في كل مجتمع وكل دولة فهي تتطور باستمرار تبعاً لتطور وضعية المجتمع والدولة.
ونظراً لدرجة التقدم التي تعرفها المجتمعات المعاصرة مع التقدم العلمي والتكنولوجي الحديث، فإنّ الطرق قد توسعت توسعاً كبيراً وتحولت أوضاعها تحولاً جذرياً، واستفادت من هذا التقدم خاصة على مستوى البناء وتنظيم السير ومرسماقبته، وعلى مستوى المركبات التي تستعمل الطريق الشيء الذي أوجد من جهة أخطاراً لم تكن معروفة من قبل تهدد الطرق ومستعمليها، وأوجد من جهة أخرى وسائل مبتكرة لحماية الطرق ومستعمليها.
ولعلَّ أخبار الكوارث التي تعرفها الطرق سواء منها الطرق البرية أو البحرية أو الجوية، والتي تنقلها وكالات الأنباء يومياً أبرز مثال على ذلك. وهذا ما فرض تطوير وسائل حماية الطرق ومستعمليها وعدم حصرها فيما كان معروفاً من قبل، فبناء الطرق الملائمة والاهتمام بوسائل السلامة بها، والحرص على أمنها أصبح من أوجب الواجبات على السلطات العامة؛ لأنّ غير ذلك من شأنه أن يؤثر على النشاط الاقتصادي والاجتماعي والسياسي مِمَّا يؤدي إلى التخلف والانحطاط، مثل ما هو قائم في بعض الدول التي ينعدم فيها الأمن، وخاصة أمن الطرق كما في الصومال وفي بعض البلدان الأفريقية الأخرى التي تصل أخبار بعضها ولا تصل أخبار البعض الآخر.
إن حاجة الطرق اليوم إلى الحماية حاجة واضحة وذات أسبقية لدى الدولة المعاصرة أكثر مِمَّا في الماضي، باعتبار أن المجتمعات القديمة كانت أكثر انعزالاً وأدنى نمواَ وحضارة، ومع ذلك فالحاجة إلى حماية الطرق وأمنها تبقى هي نفسها، ومن ثم فإنّ الاطِّلاع على الأحكام الفقهية الإسلامية التي أحاطت بالموضوع قديماً من شأنه أن يفيد في التنظيم المعاصر لهذه الحماية، خاصة وأن الشريعة الإسلامية قد أولت عناية كبرى للإنسان ولحماية أرواح الناس وأعراضهم وأموالهم، فهذه الحماية من الضرورات الأساسية التي تتحمل السلطة العامة في الدولة مسؤوليتها: هي من الضرورات الخمس التي استقرَّت عليها الشريعة الإسلامية: حفظ الدين والنفس والنسل والعقل والمال.
وقد وجدت هذه الحماية أسسها في آيات قرآنية كريمة، وفي كثير من الأحاديث النبوية الشريفة، لا يتسع المجال لتفصيل الكلام بشأنها، هذه الأسس التي قام الدين الإسلامي بالاستناد إليها لاستخراج مجموعة من الأحكام، ووضع كثير من القواعد التي تنظم الطرق وتحمي مستعمليها قواعد نجد كثيراً منها مفصلاً في كتب الحسبة وكتب النوازل وكتب الأحكام السلطانية والكتب الفقهية العامة، كتب يهتم كل نوع منها بأحد الجوانب المتعلقة بالموضوع، كما أن جوانب أخرى تجد الاهتمام المشترك، فإذا أكدنا على الجانب الإداري، نجد أن ذلك من اختصاص المحتسب وهي عادة ترد في كتب الحسبة.
وفي تناولنا للموضوع سنهتم بربط أحكام الشريعة الإسلامية التي نظمت الطريق بالواقع المعاش وبمدى ملاءمة القواعد التي أفرزتها التنظيمات المعاصرة، ولن ندخل في الكلام عن المسائل البديهية من قبل تعريف الطريق وأنواعها ومدى ضيقها أو اتّساعها، كما نشير إلى أن موضوعنا سيكون محدوداً في الكلام عن الطرق البرية العامة دون الطرق البحرية والجوية، والطرق البرية الخاصة باعتبار أن الطرق البرية العامة هي الأكثر التصاقاً بالحياة اليومية، وسنتناول الموضوع في مبحثين؛ الأول: يتعلق بتنظيم الشريعة الإسلامية للطرق العامة، والثاني: يتعلق بالحماية الإدارية للطرق في الدول الإسلامية.

المبحث الأوَّل:
تنظيم الشريعة الإسلامية للطرق العامة

من حق عموم الناس الانتفاع بالطرق العامة بما لا يضر الآخرين، وهذا باتفاق: فمن حق الجميع المرور بالطرق العامة والتنقل عبرها لقضاء مصالحهم وهو حق لا خلاف فيه، كما أنه بإمكانهم استعمالها في غير المرور والتنقل، كالجلوس بها للراحة أو للمعاملة أو لغيرها، وكذا الانتفاع والارتفاق بها وبأهوائها.
وقد تناول الفقه الإسلامي هذه المواضيع وحدد أحكام الشرع بشأنها، كما حدد المسؤوليات في حالة تجاوز القواعد المنظمة، وكذا في حالة الإضرار بالطريق ومستعمليها، وفي ذلك جمع الفقه بين الزجر والضمان كنتيجة للمسؤولية عن المخالفة، فإذا تركنا الجوانب التي قد تعتبر جنايات أو التي تقتضي ضماناً فتبقى المخالفات التنظيمية، والتي أسند الاختصاص في الإشراف عليها للمحتسب في المدينة الإسلامية، والمتصفح لكتب الحسبة يجد بها أبواباً خاصة بما يمنع المحتسب من الطريق وما لا يمنع ومن تلك المواضيع:
– الجلوس بالطريق.
– حالة الصبيان الذين يلعبون بالطريق.
– رفع الطين أو التراب من الطريق.
– إيقاف الدواب في الطريق.
– تغطية الطريق ونصب الأعمدة بها.
– وضع الأزبال بالطريق.
– الإنشاءات والغرس بالطريق.
– فتح الأبواب على الطريق.
– البناء أو اقتطاع جزء من الطريق أو حفر بئر به… الخ.
وسنعرض على سبيل المثال لأحد هذه الأوضاع التي نظمها الفقه وكان للمحتسب دور في الحرص على احترام القواعد بشأنها، وهي:
 

الجلوس بالطرق العامة:
فعن الجلوس بالطرق العامة استند الفقه على حديث متفق عليه رواه أبو سعيد الخدري أن رسول الله صلعم قال: «إياكم والجلوس بالطرقات»، قالوا: يا رسول الله، ما لنا بد، إِنَّمَا هي مجالسنا نتحدث فيها، فقال رسول الله صلعم: «إن أبيتم فأعطوا الطريق حقه»، قالوا: وما حق الطريق يا رسول الله؟ قال: «غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر».
وانطلاقاً من الحديث الشريف أجيز الجلوس بالطرق العامة للراحة أو للانتظار، شريطة عدم الإضرار بالمارة، وهذا لا خلاف فيه.
لكن الخلاف كان بين الفقهاء في الجلوس بالطريق العام للمعاملة، واختلف الفقهاء بين من يشترط إذن الإمام ومن لا يشترط، كما اختلفوا في تفاصيل ذلك الجلوس وبعض أوضاعه.
والحديث الشريف هذا الذي استند إليه لتنظيم الجلوس بالطريق العام هو في الحقيقة صالح لتنظيم استعمال الطريق في كل زمان ومكان، وهو أصلح اليوم أكثر من أي وقت مضى، خاصة مع كبر المدن وكثرة سكانها وضعف الروابط والمعرفة بينهم، مِمَّا يجعل الحاجة إلى احترام المبدأ الذي أقره الحديث: إعطاء الطريق حقه، حاجة ماسة، ذلك أن انتشار المقاهي في بعض مدننا الإسلامية وعلى قارعة الطريق بما تعرفه من اختلاط بين الجنسين، ومن مشروبات روحية ومن تحرش، يثير أكثر من سؤال فأين نحن من توجيهات النبي صلعم؟!!

المبحث الثاني:
الحماية الإدارية للطريق في الدول الإسلامية اليوم

إن حماية الطرق العامة ومستعمليها من شأنه أن يمنع الإضرار بها وبمستعمليها أو يقلل من هذه الأضرار، ووسائل هذه الحماية اليوم في الدول الإسلامية متنوعة، وهي تدور حول أمرين: الوقاية والزجر، الوقاية من خلال إصلاح الطرق وتوفير وسائل السلامة بها، وتوفير الوسائل البشرية والتقنية اللازمة للرقابة، وهذا موضوع مستقل بذاته. والزجر ويتم من خلال وضع القواعد والأنظمة التي تضمن حماية الطريق ومعاقبة مخالفيها…
ويهمنا في هذا الأمر الجانب التنظيمي، وهو الجانب الذي كان يقوم به المحتسب كما سبق الذكر، وأصبح اليوم في أغلب الدول من اختصاص السلطات العامة المتمثلة في الدولة والمجالس البلدية، ولكل منهما اختصاص تنظيمي في حماية الطريق العام، إِنَّمَا الذي يجب التنبيه له في هذا المقام هو أن تنظيمات الطريق كما اعتمدتها الشريعة الإسلامية في عهود سابقة لم تعد كافية اليوم، فالظروف الحديثة فرضت تنظيمات جديدة تساير التطور، بل إن هذه التنظيمات الحديثة أصبحت هي أيضاً تحتاج إلى تطوير مستمر لمسايرة التطور الذي تمرّ به الطرق في الدول الحديثة والعربات ذات المحرك التي تستعملها فوقهم نتيجة التطور الاقتصادي والاجتماعي والتقني الذي يعرفه العالم.
والذي يجب التأكيد عليه في هذا الإطار هو أن التنظيمات القديمة إن لم تعد كافية فإن المبادئ والتوجيهات التي قامت عليها والمستقاة أساسا من الكتاب والسنة، تبقى دائما صالحة، بل إنها أصلح اليوم أكثر من الماضي فهي مبادئ تعبر عن روح الشريعة الإسلامية التي هي شريعة خالدة صالحة لكلّ زمان ومكان، ولعلّ أهمّ الأوضاع التي تحظى اليوم بالعناية وتنطبق عليها تلك المبادئ هي الوقاية من حوادث السير ونعرض لها كنموذج.
 

الوقاية من حوادث السير:
إن وضع القواعد المنظمة للسير تسعى بالدرجة الأولى إلى الوقاية من الحوادث، وبالتالي حماية الطريق ومستعمليها مِمَّا يترتب عن حوادث السير من أضرار وكوارث، وكما هو معروف فإن التنظيمات المعاصرة في هذا المجال لا تقارن بالتنظيمات القديمة التي كانت معتمدة في الدول العربية والإسلامية، بسبب تزايد عدد العربات المستعملة زيادة كبرى، وبسبب التطور الذي عرفته العربات المستعملة نفسها، والتي زادت قوة وسرعة مع ما صاحب ذلك من وسائل تقنية داخلها كالهاتف والأنترنت.
وقد اعتمدت الدول المعاصرة أربعة توجهات للوقاية من حوادث السير من الناحية التشريعية والتنظيمية.
التوجيه الأوّل:
هو العناية بالطرق نفسها وبتوسيعها وإصلاحها ومراقبتها وتوفير الوسائل البشرية والمادية لهذا الغرض، ويصاحب هذا التوجه تشريعات وتنظيمات منها ما هو مركزي يصدر عن السلطات التشريعية والتنظيمية المركزية، ومنها ما هو محلي يصدر عن السلطات التشريعية والتنظيمية المحلية خاصة منها المجالس البلدية.
وهذه التشريعات والتنظيمات تهتم بتحديد معايير بناء الطرق والمواصفات الخاصة بكل نوع من أنواعها، وتحديد وسائل السلامة اللازم توافرها بها. وكذا شروط الانتفاع والارتفاق بالطرق العامة خاصة داخل المدن، بتحديد شروط إعطاء الرخص لفتح المتاجر ومختلف المؤسسات على الطريق العام من مدارس ومستشفيات وأسواق ومعارض وملاعب ومكاتب وعيادات وصيدليات ومطاعم ومقاهي.. الخ؛ لأنّ موقع هذه المؤسسات على الطريق العام يؤثر على حركة السير مِمَّا يفرض الحماية.
والتوجه الثاني:
يهتمّ بالعربات المستخدمة للطريق، وذلك بتحديد أنواع المركبات التي يسمح لها باستعمال الطرق العامة وشروط الترخيص لها بذلك، مع تحديد شروط السلامة لهذه العربات ونوعية الوقود المستعمل فيها والتقنية الدورية التي تخضع لها.
والتوجه الثالث:
يهتمّ بالسائق وتعلم السياقة بتحديد شروط تنظيم مهنة تعليم السياقة، والوسائل والأدوات التقنية التي يجب أن تتوفر لديها، وشروط الحصول على رخصة السياقة بمختلف أنواعها، وكذا كيفية التعامل مع مخالفات وتجاوزات السائقين للقواعد المنظمة للسير، أو ما يعبر عنه بقانون السير أو مدونة السير.
والتوجه الرابع:
يهتم بقانون السير وهو القانون الذي يحدد قواعد السير بقصد الوقاية من الحوادث، ويهتم بقواعد المرور من تحديد السرعة، وحق الأسبقية وشروط التجاوز، والتعامل مع الإشارات الضوئية وحزام السلامة، واستعمال الهاتف أثناء السياقة، وغير ذلك، وكذا بتحديد العقوبات الزجرية لمخالفي هذه التنظيمات، والتوجه اليوم سائر نحو التشدد للأسباب التي سبق ذكرها، ونذكر في ذلك على سبيل المثال قانون السير الذي صادق عليه البرلمان المغربي في نهاية دورته الأخيرة في شهر يناير 2010م.

والخلاصة:
هي أن مجال التنظيم الإداري لا يخرج عن تنظيم المجالات الأخرى، فالأحكام المنظمة ليست ثابتة إِنَّمَا هي متغيرة بحسب الحاجة، وهي أحكام يمكن الاستناد فيها للكتاب والسنَّة والقواعد الفقهية الكلية لتكون ملائمة لأحكام الشريعة لتساعد على التطوّر والتقدّم.

 

* ندوة تطور العلوم الفقهية فِي عمان “ الفقه الحضاري، فقه العمران”

 المنعقدة خلال الفترة: (18-21) ربيع الثاني 1431هـ / (3-6) إبريل 2010م:

سلطنة عمان- وزارة الأوقاف والشؤون الدينية 

هذه المقالة تحتوي على لا تعليق

أكتب تعليقك هنا

نرجو أن تضع المادة أسفله
الإسم
إيميل
موقع
تعليقك