آداب الطريق بين التأصيل الفقهي والتطبيق العملي

آداب الطريق
بين التأصيل الفقهي والتطبيق العملي *

إعداد: أ. بدر بن سالم بن حمدان العبري

(واعظ بوزارة الأوقاف والشؤون الدينية، سلطنة عمان)

 

تقديم

للحضارة الإنسانية مظاهر وآثار تتبلور في العديد من مظاهر حياتها، وتتنوع أشكالها وطرقها، ومن هذه المظاهر والآثار، والتي لها دور في تقدّم الأمم والمجتمعات تنوّع الطرق، لذا كانت العناية بها بالغة، فسنّت لذلك نظما وقيما لرقيها وتنظيمها.

والحضارة الإسلامية سبَّاقة في هذا الميدان انطلاقا من كتاب الله تعالى، والذي شرع للإنسانية نظما تنظم حياتها الفكرية والتربوية، والاجتماعية والاقتصادية، والسياسية والخلقية، وهذه النظم والتعاليم تعمّ نواحي الحياة والتي منها الطرق بأنواعها، لذا كان من النبِيّ صلعم أن أسقطها على الواقع، وطبّقها تطبيقا عمليا، فكانت سنة عملية لأمته والإنسانية.

ومن هذين المنهجين، كتاب الله تعالى، وتطبيق الرسول العظيم؛ كانت تطبيقات وتقعيدات الفقهاء في أحكام الطرق حدا وآدابا، مِمَّا كانت ثروة منهجية للمهتمين في سياسة الطرق والمرور في العصر الحديث.

لذا سيتبين لنا من خلال هذا البحث المتواضع، ونحن نستعرض التطبيقات المعاصرة لقواعد المرور؛ سيظهر لنا نظائرها في الفقه الإسلامي الشامل، والذي يدلّ على سبقه الحضاري في هذا الجانب وغيرها من مظاهر الحياة.

وقد عنونت بحثي هذا بـ «آداب الطريق بين التأصيل الفقهي والتطبيق العملي»، وقد قسّمته بجانب المقدمة والخاتمة إلى أربعة مباحث:

المبحث الأوَّل: تحدَّثت فيه عن تعريف الطريق لغة واصطلاحا، مع ذكر قسميه العامّ والخاص، مع بيان بعض أسمائه وأنواعه القديمة والمعاصرة، وختمته بتعريف آداب الطريق بوجه عام.

المبحث الثاني: وفيه تحدثت عن الكليات الأربع لآداب الطريق في القرآن الكريم، فالأولى بينت فيها أنّ الطريق من نعم الله تعالى الواجب شكرها، والثانية كانت عن التحذير من مهلكات الطرق والإفساد فيه، أما الثالثة فبينت فيها وجوب اتِّباع الأنظمة والقوانين والأدبيات والتي استخلصها الإنسان وفق الزمن الذي يعيش فيه، والرابعة كانت عن وضع العقوبات الصارمة للمفسدين في الطرق، مدرجا التطبيقات العملية للنبيّ صلعم.

المبحث الثالث: فخصصته عن تطبيقات آداب الطريق المعاصرة ونظائرها في الفقه الإسلامي، حيث إنّ آداب الطريق المعاصرة يمكن جمعها في ستة جوانب: الجانب الأول: أدبيات ونظم الآلة المركوبة، الجانب الثاني: أدبيات ونظم القائد والسائق للآلة المركوبة، الجانب الثالث: أدبيات ونظم الراكب، الجانب الرابع: أدبيات ونظم الماشي على الطريق، الجانب الخامس: أدبيات ونظم الجالس على الطريق، الجانب السادس: أدبيات ونظم الطريق ذاته، مدرجا بعض النظائر الفقهية، والتي تدل على البعد الحضاري للفقه الإسلامي.

المبحث الرابع: تحدثت فيه عن البعد العقدي وأثره في أدبيات الطريق ونظمه المعاصرة.

راجيا أن أكون قد وفّقت في عرض المادة بالصورة الحسنة، إن أريد إلاَّ الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلاَّ بالله، عليه توكَّلت، وإليه أنيب.

 —–—–
الْمَبحث الأوَّل:

في التعريف بالطريق وذكر أسمائه وأقسامه

في هذا المبحث أتطرق إلى تعريف الطريق، مبينا الأسماء المتعلقة به، مع الإشارة إلى أقسامه.

الطريق في اللغة: من طَرق، وهو المطروق، والممرّ الواسع الممتدّ من أوسط الشارع([1]).

وفي الاصطلاح: جاء في قانون المرور بشرطة عمان السلطانية: بأنّه كلّ سبيل مفتوح للسير العام، سواء للمشاة أو الحيوانات أو لوسائل النقل أو الجرّ، ويشمل الطرقات والشوارع والساحات والممرات والجسور التي يجوز للناس عبورها([2]).

وجاء تعريفه في نظام المرور بالمملكة العربية السعودية: بأنّه كلّ سبيل مفتوحة لسير وسائط النقل والبحر والمشاة والحيوانات([3]).

وعرفه الشيرازي بقوله: سبيل مفتوح للمرور العام من مشاة وحيوانات ومركبات، بما في ذلك الشوارع والساحات والجسور أو ما يشابهها([4]).

بينما عرّفه محمد علي القحطاني بقوله: الطريق هو المكان المخصص لسير الناس أو المواشي أو العربات أو السفن أو الطائرات في البر أو البحر أو الجو([5]).

ونلاحظ التعريف الأخير جاء شاملا من حيث النوع في النقل، فهو يشمل البر والبحر والجو، إلاَّ أنّ هذا التعريف أقرب إلى المدلول اللغوي؛ لأنَّنا عندما نعرف الطريق اصطلاحا يعمّ الجالس والماشي والراكب والقائد للمركبة، وهذا يغلب غالبا على الطريق البري، لذا كانت التعاريف الثلاثة الأولى أدقّ في المعنى، وأقرب إلى المراد منه.

وللطرق أسماء ذكرها الفقهاء منها: السبيل، والشارع وهو الطريق الأعظم الذي يسلكه الناس عامة، والفج وجمعه فجاج، وهو الطريق الواسع بين جبلين، والممر موضع المرور، والمسلك، والدرب ونحوه([6]).

وللطريق قسمان: طريق عام وهو ما لا يحصى مستخدموه، فلا يختص به فرد معين؛ بل يشترك الناس في الانتفاع به، ويعبر عنه بالطريق النافذ أو الأعظم، أو طريق المسلمين، والنظر فيه موقوف على رأي الإمام أو نائبه؛ لأنّه من الحقوق العامة([7]).

والطريق الخاص: هو الذي يختصّ به فرد أو أفراد معينون، ولا يشاركهم فيه أحد في الانتفاع إلاَّ بإذنهم، ومن صفاته كونه مسدودا من أحد طرفيه، ويعبر عنه بالطريق غير النافذ([8]).

ويدخل في الطريق بنوعيه حسب التقسيم العصري عبور المشاة، وهو المكان المخصص لمرور المشاة ومخطط لهذا الغرض، في الشوارع والطرق، والذي يجب على السائق الوقوف قبله ليتمكن المشاة من السير عليه بأمان([9]). والمعبد: وهو قسم من الطريق معد لسير المركبات([10]). والمسلك: وهو جانب من المعبد معد للسير في جهة واحدة([11]). والمسرب: قسم من المسلك محدد الجوانب، ويسمح عرضه بمرور المركبات بالتتابع([12]). والخط: هو الحيز الذي يقسم المسلك إلى مسربين ويكون: أ/ متصلاً، ب/ متقطعاً، ج/ عمودياً على محور الطريق، وفي هذه الحالة يلزم التوقف عنده، حتى خلو الطريق أو تبديل الإشارة([13]). والمدرج: قسم من الطريق خاص بسير الدراجات، وينفصل عنه انفصالاً بينا([14]). والطريق العريض: طريق ذو مواصفات معينة، مخصص لمرور السيارات فقط([15]). وطريق دولي: طريق يربط الدول بعضها ببعض([16]). والتقاطع: هو مكان تلاقي طريقين على مستوى واحد، أو تلاقي طريق مع خط حديدي، مهما كانت درجة زاوية تقاطع محوري الطريقين([17]). والمفترق: هو مكان تلاقي أكثر من طريقين في مستوى واحد، مهما كانت درجة زاوية محاور الطرق([18]).

والفقهاء القدامى أيضا وضعوا أنواعا للطريق منها مثلا: طريق المشاة، وطريق السقاية، وطريق الجمال، وطريق الحطابة، وطريق الحمير، وطريق الحجاج([19])، وهكذا كما هو مبين في كتب الفقه.

ومن خلال هذا المبحث يمكن أن نخلص في تعريف آداب الطريق، وهي الأدبيات والأنظمة المتعلقة بحفظ الطريق بما فيه من ممتلكات عامة، ومشاة، وركبان، ودواب، ومركبات، ويضمن بها حفظ الأرواح والأموال، والأعراض.

وفي المبحث الثاني سأتطرق إلى الكليات القرآنية في أدبيات الطريق، مع التطبيق العملي لها من قبل النبِيّ صلعم.

 

المبحث الثاني:

القواعد الكلية لآداب الطرق في القرآن الكريم

لقد منّ الله تعالى على عباده بشريعة تنظم أمر حياتهم، بها يحفظون أنفسهم من الهلاك، وأموالهم من التلف، وأعراضهم من الفساد، لذا سنّ سبحانه من الأدبيات والأحكام ما تحفظ الإنسان في مجرى حياته، وهو المتولي به سبحانه بعد مماته.

ومما يميز الشريعة الربانية أنّها شريعة خالدة خلود الزمان حتى يرث الله الأرض ومن عليها، من هنا نجد الله تعالى في كتابه الكريم وضع أسسا وقواعد عامة يسير عليها الناس، وقلما يدخل في التفاصيل لهذه الأحكام والأدبيات، عدا بعض ما يتعلق بالعبادات والمواريث وشبهها؛ لأنّ العبادات من الجوانب التعبدية المحضة والتي قد لا يفقه العقل البشري سرها، وإنما يستخلص آثارها الناتجة منها، والمواريث مِمَّا يعظم فيه النزاع، ويشتدّ فيه الخلاف، لذا فصله الله تعالى تفصيلا.

أما ما يتعلق بحياة الناس السياسية والاجتماعية، والاقتصادية والتربوية ونحوها، فهذه ماهيتها ترجع إلى حياة الناس ووجودهم، ومدى تأثرهم ببعضهم البعض، واكتشافهم لبعض السنن الكونية، مسخرينها في تقدمهم واستغلالهم لمكتشفاتهم المعاصرة، لذا كانت شريعة الله تغرس الأدبيات الكلية، والخطوط العريضة، والتي يجب أن يسير عليها الناس، لتنتظم حياتهم، وتستقيم أفعالهم، أما كيفية إنزالها فقد ترك لعقولهم المجال الواسع لوضع الخطط الكفيلة للجمع بين حياة الناس وتعاليم الله تعالى؛ لأنّها أساس لاستقامة واستمرارية الوجود البشري.

وإذا جئنا إلى الطريق وآدابه نجد الله تعالى وضع فيه كذلك القواعد الكلية، والأدبيات السامية، ما ينظم أمر الطريق، ويحفظ مرورهم وسيرهم فيه، ثمّ نجد تطبيقات عملية من قبل النبِيّ صلعم وصحبه الكرام، وذلك وفق العصر الذي عايشوه، بما يحويه من طرق سير تناسب زمانهم، وهي تدخل عموما في الكليات القرآنية.

ومن خلال اطلاعي البسيط لبعض الأطروحات المعاصرة في آداب الطرق وأحكام السير والمرور، أجد تكرارا كبيرا في عرض هذه القواعد والأدلة على التطبيقات العملية، لذا رأيت أنّ أتحدث عنها أولا؛ ليدرك القارئ الكريم هذه القواعد مستحضرا لها، ثم أجنبه التكرار المخل، والإسهاب الممل أثناء عرض التطبيقات العملية.

ومن خلال استقرائي البسيط لآيات الله تعالى والتي تدخل عموما في هذا الباب يمكن أن نضعها في أربع كليات:

الكلية الأولى: الطريق من نعم الله تعالى الواجب شكرها.

الكلية الثانية: التحذير من مهلكات الطرق والإفساد فيه.

الكلية الثالثة: وجوب اتِّباع الأنظمة والقوانين والأدبيات والتي استخلصها الإنسان وفق الزمن الذي يعيش فيه.

الكلية الرابعة: وضع العقوبات الصارمة للمفسدين في الطرق.

أما إذا جئنا إلى الكلية الأولى فنجد الله تعالى يمتن على عباده بنعم عظيمة، وأعظمها هذه الأرض، والتي سخرها لهذا الإنسان، ويسر سبلها له، يقول تعالى: ﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كلّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إلاَّ عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إلاَّ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾([20]).

وبين سبحانه من خلال قصّة سبأ نعمة الأمن في الطريق، وإنها أساس تقدمهم اقتصاديا، واطمئنانهم نفسيا، يقطعون الليالي والأيام في وقت قصير، وهم آمنون في أنفسهم وأعراضهم وأموالهم، فاستقام حالهم، وكثرت القرى وتقاربت، فقلت المسافة، وانتعشت الحياة، قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ﴾([21])، فليست العبرة بسعة الطريق بقدر توفّر نعمة الأمن والاطمئنان فيه، فيخرج الإنسان ليقضي حوائجه آمنا مطمئنا، لذا عندما أفسد أهل سبأ في الأرض، فقدوا نعمة الأمن في سيرهم وترحالهم، وشعروا ببعد المسافة، وأبدلوا بالأمن خوفا، وبالتقدم تخلفا، وبالاستقرار اضطرابا، فتأثرت معيشتهم، وسقط بنيانهم، قال تعالى: ﴿فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآَيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾([22]).

وما كان من رحلتي الشتاء والصيف بين مكة والشام إلاَّ آية من آيات الله تعالى، فيقطعون الفيافي والقفار بأمن واطمئنان، فلا يشعروا بقساوة السفر وشدته، فانتعش الجانب الحيوي والاقتصادي في مكة والشام، قال تعالى: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآَمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾([23]).

فالطرق وأماكن السير من نعم الله تعالى الناطقة بعظمته، والدالة على وجوده سبحانه، فإذا كان معها الأمن كانت عنصر خير وبناء وتقدم للأمم والمجتمعات البشرية، لذا نجد اليوم أنّ تطور المجتمعات المتقدمة من أسبابه سعة الطرق وتقدمها، بجانب توفر الأمن فيها.

ومن أعظم الإفساد في الطرق، والذي يخلخل عنصر الأمن وروحه الاستهتار بآدابها، والغرور والكبر فيها، فتكون هذه الطرق بدلا من أداة تقدم للأمم أداة ذعر وخوف ورجعية، لما تفقده هذه الأمم من أرواح غالبها من الشباب، والذين هم سواعد بنائها ورقيها.

وإذا جئنا إلى التطبيق العملي للنبيّ صلعم نجده يشيد بأمر أمن الطرق أيما إشادة، ففي الحديث الذي رواه أبو سعيد الخدري عنه صلعم قال: «إياكم والجلوس في الطرقات»، فقالوا يا رسول الله: ما لنا بد من مجالسنا نتحدث فيها، قال: «فإذا أبيتم إلاَّ المجلس فاعطوا الطريق حقه»، قالوا: وما حق الطريق يا رسول الله؟ قال: «غض البصر، وكفّ الأذى، ورد السلام، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر»([24])، وزاد الهيثمي في مجمع الزوائد قال: وأحسبه قال: «وإرشاد الضال»([25]).

وقد ورد في هذه الرواية أدبيات أخرى باختلاف طرقها، جمعها ابن حجر الشافعي بقوله:

جَمَعتُ آداب من رام الجلوس على         الطر يق من قول خير الخـــلــــــق         إنـــســـانــا

افش السلامَ وأحســــــن في الكــــــلام      وشمّت عاطسا وســــــلاما ردّ إحسانــا

في الحمل عاون ومظلومـــا أعن           وأغث لهفان اهد سبـــيــــــلا واهـــــــــد   حيرانــا

بالعرف مر وانه عن نكر وكفّ أذى       وغض طرفا وأكثر ذكــــر مــولانـــــا([26])

فصار بهذا أربعة عشر أدبا، وهي بمجموعها داخلة في الحفاظ على أمن الطرق، وحفظا لسلامة المارة، ومراعاة لسيرهم في قضاء حوائجهم، فإن خرجوا فيلاقون مجتمعا مثقفا يعطي الطريق حقه، فيلاقونهم بالسلام والأمان فتستقر نفوسهم، بل حتى في أبسط الأمور فإذا عطسوا شمّتوا، وإن أساءوا نبهوا، فيحسن من يلاقونهم معهم قولا، ويعينونهم فعلا، وينصرونهم إذا ظُلموا، ويأمنونهم في أعراضهم وأرواحهم، ويحفظونهم في أموالهم، فبهذه الأدبيات التي أشاعها النبِيّ صلعم بين قومه عمّ الأمن والاطمئنان في طرق المسلمين، لذا لم نجد غرابة أن تتقدم المدينة وحواضر المسلمين، وأن يشعر الناس في عهد بالأمن في ديارهم وطرقهم، وهو القائل u: «كلّ المسلم على المسلم حرام، دمه وماله وعرضه»([27]).

فهذه الأدبيات أشاعها النبِيّ صلعم وفق الزمن الذي عاش فيه، وذلك شكرا لنعمة الله تعالى أن سيّر للناس أمر معاشهم، وسهل لهم انتقالهم، وثانيا حفاظا على نعمة أمن الطريق من عبث العابثين.

ونحن اليوم أولى أن نحقّق هذه الأدبيات وفق ما يسمى بـ “السلامة المرورية“، والتي سنتحدث عنها أكثر في المبحث الثاني.

أما إذا أتينا إلى الكلية الثانية: فاعتبرت الشريعة الحفاظ على الطرق وأمنها، وعدم الإفساد فيها قبل أن يكون مطلبا شرعيا، اعتبرته جزءا من مفرزات وآثار عقيدة المسلم، فهو نابع من تعظيمه لله تعالى وشكره له، من هنا أدبيات الطريق في الشرائع السماوية ليست أمرا دنيويا فحسب؛ بل هو أمر أخروي يُحاسب عليه الإنسان يوم القيامة، فالإفساد في الطرق من الكبائر الشنيعة، والتي لا تقلّ شناعة عن ترك الصلاة والصيام والزكاة، بل لا معنى لهذه الشعائر وهو يفسد في طرق المسلمين، ويخل بأمنهم، فالدين كلّ لا يتجزأ، وشريعة شاملة لا تقتصر على المساجد فحسب؛ بل تعم نواحي الحياة بما فيها الطرق، وفي الوقت نفسه لا تنحصر على الأوراد والأذكار؛ بل تعمّ الأقوال والأفعال التي يمارسها الإنسان في سلوكياته وأفعاله، ويدخل فيها تعامله مع الطرق.

من هنا الإفساد في الطرق جريمة شرعية يترتب عليها العقاب الأخروي، وهذا ما دلّ عليه آيات الكتاب العزيز، فالذي لا يبالي بأدبيات الطريق لا شك سيلقي بنفسه وإخوانه من المارة والمشاة والركبان وغيرهم في الهلاك، والله تعالى يقول: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾([28])، فليس من الإحسان العبث في الطريق، وعدم التقيّد بأدبياته، وعكس الإحسان الإساءة، والإساءة من الكبائر الموبقة والتي تؤدي كثيرا إلى نتائج وخيمة، وعلى رأسها إزهاق الأرواح البريئة والتي قال الله تعالى فيها: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾([29])، فكم من أرواح أزهقت بسبب طيش الطائشين، ولعب المتلاعبين، واستهتار المستهترين، فضلا عن ترمل نساء بلا ذنب، وتيتم أطفال بلا جرم، وضياع أموال وأوقات بسبب هذا السفه الطائش.

فأدبيات المرور أو قواعد السلامة المرورية تحفظ الإنسان من الهلاك في الطرق، والإخلال بها إيقاع للنفس في التهلكة، وهذا يدخل ـ كما قرره العديد من الفقهاء المعاصرين ـ في الانتحار أو القتل العمد، ويترتب عليه آثاره من أحكام، يقول الشيخ أحمد الخليلي عندما سئل عن حكم تعدّي السرعات المحددة: قلنا أكثر من مرة بأنّ هذه السرعة الخارجة عن الاعتدال تعدّ من الانتحار، بل هي أشد جرما، وأعظم إثما من الانتحار؛ لأنّ المنتحر يقضي على حياة نفسه، وهذا الأرعن الذي لا يبالي بنفسه ولا بغيره يقضي على حياة نفسه وحياة الآخرين، فهو يتحمل إثم كلتا الجريمتين([30]).

أمّا المسلم المؤمن الحق فهو الذي يمشي على الأرض هونا، مراعيا آداب الطرق، وقواعد السلامة فيها؛ لأنّه يعلم أنّ هذا داخل في عبادته لله تعالى، ومسؤول عنه يوم القيامة، قال تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾([31])، فهم يمشون على الأرض هونا، خاليا من الكبر والغرور، ولو حاول المفسدون السخرية منهم بتقيدهم بأنظمة وسلامة الطريق قالوا: سلاما؛ لأنهم يعملون بذلك رضا لرب العالمين، وحفظا لأرواح الآمنين، وسعيا في إظهار النظام والخير للناس أجمعين.

والذي لا يتقيد بأدبيات الطريق وأنظمة السلامة فيه يعتبره القرآن مغرورا متكبرا، وهي كبائر تنمي عن خبث النفس، وفساد الباطن، تحبط ما عمله من صالحات، فما الذي يدفعه إلى مخالفة الأنظمة التي سنّها العقلاء لحفظ روحه وأرواح إخوانه إلاَّ الفخر بالنفس والغرور بها، قال تعالى:﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كلّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾([32])، فمشي المرَح يدخل فيه القيادة والمشي في الطرق بلا مراعاة لأنظمتها، ولا تقيّد لقوانينها، وهؤلاء يبغضهم الله ويمقتهم، وبغض الله لا يكون إلاَّ لمن ارتكب محرما، وجرما فاحشا، فعلى هؤلاء القصد في المشي، ولا يكون إلاَّ باتِّباع الأنظمة، والتقيّد بالأدبيات والقوانين، قال تعالى:﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾([33]).

وهذه الكلية أمر النبِيّ صلعم بتطبيقها في المجتمع، فحثّ على الحفاظ على سير الطرق واحترامها، وبين الثواب المترتب على ذلك، وحذّر من الإفساد والعبث فيها، بل بين أنّ الحفاظ على الطرق جزء من إيمان الإنسان بالله تعالى، فقال صلعم: «الإيمان بضع وسبعون شعبة، فأفضلها قول: لا إله إلاَّ الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان»([34])، وهو تطبيق لكليات القرآن التي لم تفرق بين الإيمان والعمل، بل هما في الجملة شيء واحد، فحفاظ المسلم على قوانين المرور، ورفعه الأذى عنه جزء من إيمانه، وثمرة من ثمرات توحيده لله تعالى.

بل أمر صلعم أمرا صريحا برفع الأذى عن طرق المسلمين حيث قال: «اعزل الأذى عن طريق المسلمين»([35])، وفي رواية: «نحّ الأذى عن طريق المسلمين»([36])، وإزالة الأذى من الأعمال التعبدية التي يثاب عليها فاعلها، يقول صلعم: «من عارضه شوك ـ أي في الطريق ـ فأخرجه شكر الله له وغفر له»([37])، فإذا كان هذا مجرد شوكة قد تدمي جزءا من الجسد، فما بالكم بالأنظمة التي لا تحفظ جزءا فحسب بل أرواحا وأسرا، ومجتمعات وأمما، وعلى هذا اعتبر صلعم كلّ من لا يبالي بالطرق هو ضامن شرعا للآثار الناتجة من سوء تصرفه حيث قال: «من ربط دابة على طريق المسلمين فأصاب فهو ضامن»([38])، واليوم الذي لا يبالي بالسلامة المرورية لا في مركبته، ولا في سيره، هو أيضا ضامن شرعا للآثار المترتبة على تسويفه وتهوره.

وكما أنّه حث صلعم على رفع الأذى عن طريق المسلمين أيضا حذر من إيذائهم، ومن جملة إيذائهم ما يكون في طرقاتهم، فقال u: «لا تؤذوا المؤمنين»([39]).

فهذه التطبيقات العملية من قبله صلعم تحوي من الدلالة الكبرى على الحفاظ على الطرق ومنع الإفساد بها، ونحن اليوم أولى أن نحقق هذه التطبيقات العملية، لأنها من صميم ديننا، وسنسأل عنها يوم نلقى الله تعالى.

وإذا جئنا إلى الكلية الثالثة: وهي وجوب اتِّباع الأنظمة والقوانين والأدبيات التي استخلصها الإنسان وفق الزمن الذي يعيش فيه، حيث إنّ الطرق في تأريخها ذات تطور باختلاف الآلة المستخدمة فيها، فالطرق التي تُجر فيها الحمير والبغال تختلف عن الطرق التي تُقاد فيها السيارات، والثانية تختلف عن طرق القطارات وهكذا، لذا كانت هناك أدبيات مشتركة بين الأزمان، وهناك مستجدات بما يناسب الزمان والمكان.

لذا رأينا القرآن الكريم لم يتحدث عنها بصورة تفصيلية، بل أرجع ذلك إلى عقول الناس وأعرافهم، ونحن اليوم مع تشعب الطرق، وخطورة الآلة المركوبة؛ أجمع العقلاء على إيجاد أدبيات تحفظ أرواح الناس وأموالهم وأعراضهم، سواء تعلقت هذه الأدبيات بالآلة المركوبة، أو بالشخص الماشي أو الراكب، أو القائد للمركوب، أو بالطريق ذاته، وسواء كانت الأدبيات من قبل جهات معينة، أو توصيات لمؤتمرات، أو بما يراه الحاكم أو النائب عنه في الجهة المعنية مناسبا؛ فكانت هذه القوانين ملزمة العمل بها، ومخالفتها ليست مخالفة قانونية فحسب؛ بل هي مخالفة شرعية يترتب عليها الثواب والعقاب الدنيوي والأخروي، لقاعدة: ما لا يتمُّ الواجب إلاَّ به فهو واجب، ولقاعدة لا ضرر ولا ضرار، وهذا ما دلّ عليه قوله وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾([40]).

وأولو الأمر ليس بالضرورة أن يكونوا الحكام ذاتهم؛ بل أيّ جهة معتمدة تسهر لحفظ حياة الإنسان المادية والمعنوية، فهي تدخل في دائرة أولي الأمر، لذا عصيانها ما دام لم يخالف نصا شرعيا هو عصيان لله تعالى، ويُعتبر من الذنوب المخالفة لحقيقة الإيمان كما بينا آنفا، وإذا كانت هذه الأدبيات عالمية يجب اتِّباعها ما دامت لحفظ الإنسان ذاته ولو من قبل جهات غير مسلمة؛ لأنّ الحفاظ على الروح الإنسانية، ومنع إلحاق الضرر بها مطلب شرعي، كما أنّ الحفاظ على الممتلكات الذاتية والعامة أيضا مطلب شرعي، من هنا حرّم الله تعالى إعطاء السفهاء أموالا كالسيارات يفسدون بها في المجتمع، وبها يزهقون أرواحهم، ويلحقون الضرر بهم، قال تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾([41]).

والنبِيّ صلعم في تطبيقاته العملية بين ذلك حيث قال: «السمع والطاعة حق على المرء المسلم فيما أحبّ أو كره، ما لم يُؤمر بمعصية، فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة»([42])، بل إنّ مبايعته لأصحابه كانت على هذه القاعدة، فعن جرير قال: بايعت النبِيّ صلعم على السمع والطاعة، والنصح للمسلمين([43])، وعلى هذا جرى أصحابه، فعن عبدالله بن عكيم قال: بايعت عمر بيدي على السمع والطاعة فيما استطعت([44])، وذلك لأنّ هذا الحاكم أو تلك الجهة كانت مخولة من قبل الشعب لتقضي بينهم فيما يحقق مصالحهم، وفي المقابل على المحكومين أو الشعب السمع والطاعة، وإلاَّ كان حكمها عبثا، وإلزامها فوضى، وهذا داخل في دائرة كليات الشرع الحنيف، فإن خرج فلا سمع ولا طاعة ولا كرامة.

ولا ينكر عاقل لبيب في أنّ أدبيات وقوانين السلامة والمرور اليوم داخلة في كليات الشريعة الغراء، لذا كان الالتزام بها فريضة شرعية، ومخالفتها معصية يترتب عليها كما أسلفنا الثواب والعقاب، فلا يجوز شرعا ولا قانونا مخالفة هذه الأنظمة، وهي في جملتها مخالفة لطاعة الله والرسول.

أما الكلية الرابعة: وهي وضع العقوبات الصارمة للمفسدين في الطرق، فلأنّ في المجتمع شواذا لا ينصاعون لقانون، ولا يتهيبون ليوم الوعيد، فلا يبالون بأنظمة السير وقوانينه، فكم فتكوا من أرواح، وكم شتتوا من أسر، فهؤلاء من السفهاء الذين لا يجوز شرعا ولا قانونا أن يملّكوا أموال المسلمين، وفي المقابل يجب وضع العقاب الناجع لهم إن لم تجد النذر والنصح طريقها إليه.

ولهذا شدَّد الله تعالى في أمر المفسدين في الأرض، ووضع لهم العقوبات الزاجرة حيث قال تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ إلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾([45]).

ونلاحظ من خلال المنهج الربَّاني في علاج الإفساد في الأرض حيث نجده أقرب إلى العقوبات البدنية منها المالية، لما لها من أثر عميق في النفوس، خلافا للعقوبات المالية، فهي وإن كان لها أثر إلاَّ أنّها سريعة الزوال والنسيان، مع أنّ بعض المستهترين بالطرق منهم من عنده القدرة المالية مِمَّن لا يبالي بالعقوبة أصلا، لذا نجد المخالفات المرورية في ازدياد، والحوادث في صعود، رغم مضاعفة العقوبات المالية، بينما كانت العقوبات البدنية علاجا حكيما للمجتمعات المسلمة ردحا من الزمن، فشارب الخمر مثلا لن يستطيع أن يمشي في الأسواق تحمله دابته ورائحة الخمر تفوح منه؛ لأنّه يعلم مصيره عند الجهة المعنية، بينما اليوم كم من الحوادث الناتجة بسبب الكحول المسكر!!!

لذا نجد الله تعالى بين أنّ الإفساد في الأرض لا بد أن يُدفع بقوة، وأن تكون العقوبات صارمة، ومنها الإفساد في الحوادث، وليت شعري أيّ إفساد أعظم وأكبر من إفساد طفل بريء ينتظر أباه فيرجع أشلاء متفرقة، وأيّ إفساد أشدّ وأطغى من أبوين ضعيفين أكلهما الدهر، وقلوبهما متعلقة بابنهما، فيرجع إليهما معوقا مقعدا بسبب هذه الحوادث الأليمة، من هنا يجب أن يكون العقاب مناسبا لحجم الفساد، وإلاَّ كان لا فائدة منه، فلو علم هؤلاء المفسدون في طرق المسلمين أنّ عقابهم بدني مؤلم، أو نفي من الأرض لما جرّهم بعد ذلك إلى العودة إليه، ولكانوا عبرة لغيرهم، وفي الأخير سنضع العلاج السليم في مكان الجرح الدامي.

والرسول صلعم في تطبيقاته العملية بين أنّه يجب أن يُؤخذ على أيدي المسيء بقوة حيث قال: «والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف، ولتنهونّ عن المنكر، ولتأخذنّ على أيدي المسيء، ولتأطرنّه على الحقّ أطرا، أو ليضربنّ الله بقلوب بعضكم على بعض، ويلعنكم كما لعنهم ـ أي بني إسرائيل ـ»([46]).

وطبيعة الحال أنّ الأخذ بيد هؤلاء قد يكون باللسان وهذا على الجميع فعله، لتكون ثقافة السلامة المرورية سائدة بيننا، ولنذّكر بعضنا البعض بها، فكما يُقال “كلنا شرطة” أي نتعاون جميعا في تحقيق السلامة المرورية بأنظمتها وأدبياتها.

أما الأخذ بهم كعقوبة مادية أو بدنية حسب النظام المعمول به فهي ترجع إلى الجهات المختصة لا عموم الناس، وهذا ما بينه النبِيّ u عمليا من خلال قوله: «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان»([47])، يقول أبو حامد الغزالي: “فعلى الولاة تكليف الناس القيم بها ـ أي القادرين على منع المفسدين في الطرق باليد مِمَّن لهم صفة رسمية ـ وليس للآحاد إلاَّ الوعظ فقط”([48]).

والحاصل أنّ الإرشادات المرورية، والتذكير بأدبيات السلامة في الطرق داخل جملة في الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والتذكير بها يعم الجميع، فلا تقتصر على رجال المرور فحسب؛ بل تعم جميع شرائح وفئات المجتمع، والرسول صلعم في حديث آداب الطريق الذي مر ذكره في الكلية الأولى سنّ للجلوس في الطرق من الأدبيات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويدخل فيه ضمنا الراكب والماشي والسائق للمركوب، فالكل يعمهم هذا الأمر.

وبهذه الكليات الأربع تكون الطرق مصدر رحمة وأمن، وينتج عنها انتعاش اقتصادي، وتطور ميداني، وبها تُحفظ أرواح الناس، وتُصان أعراضهم وأموالهم.

وفي المبحث الثاني أتطرق إلى التطبيقات العملية المعاصرة، لندرك أهميتها وفق الكليات الأربع التي أسهبنا الحديث حولها.


المبحث الثالث:

التطبيقات المعاصرة لآداب الطريق ونظائرها الفقهية

اجتمعت عقول العقلاء في العالم على وجوب إيجاد أدبيات ونظم توافق الطرق المعاصرة، مع إلزامية تطبيقها، وعقوبة من يخالفها؛ لأنها أساس استقامة الطريق، وحفظ أرواح الناس. ولا يمكن بطبيعة الحال أن أستعرض جميع هذه الأدبيات والنظم في هذا البحث المتواضع، وذلك لكبر حجمها، وكثرة تفصيلاتها، لذلك كانت هناك كتب مختصة لبيانها([49])، ومواقع تحوي محتوياتها، وهي في الجملة داخلة في الكليات الأربع السالف ذكرها في المبحث الثاني، لذا أشير إلى نماذج منها، لأبين مدى تأصيلها الفقهي، ونظائرها في الفقه الإسلامي.

ومن خلال نظري الضعيف لهذه الأدبيات يتبين لي أنّها تشمل ستة جوانب:

الجانب الأول: أدبيات ونظم الآلة المركوبة.

الجانب الثاني: أدبيات ونظم القائد والسائق للآلة المركوبة.

الجانب الثالث: أدبيات ونظم الراكب.

الجانب الرابع: أدبيات ونظم الماشي على الطريق.

الجانب الخامس: أدبيات ونظم الجالس على الطريق.

الجانب السادس: أدبيات ونظم الطريق ذاته.

وفيما يلي أذكر نماذج لكل جانب مبينا تقسيمات بعضها، ذاكرا بعض نظائرها الفقهية:

الجانب الأول: أدبيات ونظم الآلة المركوبة:

وتُعرّف المركبة بأنّها وسيلة من وسائل النقل أو الجر، أعدت للسير على عجلات أو جنزير، وتسير بقوة آلية أو جسدية([50])، والآلة تختلف باختلاف الزمان، فهناك البغال والحمير والخيول والإبل، واليوم السيارات بأنواعها، والناقلات الكبيرة كالحافلات والشاحنات، بجانب القاطرات والطائرات، قال تعالى: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾([51])، ونقتصر هنا على المسُتخدم اليوم غالبا في الطريق الشائع ومنها: السيارة، والدراجة الآلية، والدراجة العادية، والمقطورة، والقاطرة، والمركبة الخاصة، ومركبة الأجرة والتأجير، والحافلة، والشاحنة، والمعدة، وسيارة الطوارئ والتعليم، وسيارة ذات الاستعمال الخاص، والجرار([52])، ومن أدبياتها العامة:

  1. أن تكون مسجلة ومرخّصا قيادتها من قبل الجهات المعنية([53]).
  2. توفر في المركبة أدوات السلامة الرئيسة نحو: القاعدة “شاسيه”، والمحرك “موتور”، ومنبه للصوت واضح، وعداد السرعة ونحوها([54]).
  3. لا يجوز ترك المركبات أو الحيوانات أو الأشياء المحمولة في الطريق بحالة ينجم عنها تعريض حياة الغير أو أموالهم للخطر، أو تعطيل حركة المرور، أو إعاقتها([55]).
  4. التأكد أنّ المركبات تلبي الحد الأدنى من معايير السلامة([56]).
  5. التأكد من شغل المصابيح بما فيها الإشارات، ومصابيح الرجوع للخلف([57]).
  6. متابعة مستوى المياه في كلّ عين من عيون البطارية، بشرط تزويدها بالماء المقطر لا العادي([58]).
  7. فحص المركبة بشكل دوري، والتأكد من سلامة الفرامل والإطارات خاصة([59]).
  8. التقيد بنسبة التعتيم في المركبة، لما لها من أثر في وضوح الرؤية، ونسبتها في سلطنة عمان 30%([60]).
  9. التأكّد من سلامة مطفأة الحريق([61]).

فسلامة المركبة أساس من أسس أدبيات السلامة المرورية، وهو جملة داخل في القواعد الفقهية العامة، كقاعدة لا ضرر ولا ضرار، وقاعدة الضرر يزال، لذا قرر الفقهاء أنّ حمولة المركوب أكثر من طاقته، مِمَّا يحدث له ضررا، وبالتالي يعمّ هذا الضرر المارة ومستخدمي الطريق، اعتبروا من فعل ذلك ضامنا([62])، وقد مرّ ذكر حديث: «من ربط دابة على طريق المسلمين فأصاب فهو ضامن»([63])، وجاء عن أبي عبدالله الصادق قال: «من أضرّ بشيء من طريق المسلمين فهو له ضامن»([64]).

فعلى هذا إذا كان صاحب الآلة يعلم أنّ في سيارته عيبا لا بد من المسارعة في إصلاحه، هنا لا يصح شرعا قيادتها في طرق المسلمين إلاَّ بقدر الضرورة، مع الحذر الشديد، وتسويفه في الأمر يجعله ضامنا لكل ما يترتب عليها من أثر.

يقول الشيرازي من علماء الجعفرية: “مسألة: من ركب حيوانا من جمل وناقة وما أشبه ذلك، فلو فعل ما أضر الحيوان بشخص ضمن الراكب ذلك الضرر، ولو فعل شخص ثان ما جعل الحيوان يضرّ براكبه أو بشخص آخر ضمن ذلك الثاني الضرر، ومن ركب حيوان حيوان غيره إذا أضرّ الحيوان ضمن، وهكذا الحكم في وسائل النقل الأخرى”([65]).

وسُئل أحمد الخليلي: إذا تهاون الإنسان في قيادة سيارته بحالة سيئة كأن تكون الإطارات والعجلات ليست جيدة، هل يعتبر مهملا في هذه الحالة؟ فأجاب: نعم، ما دام ذلك مظنة للخطر، أو يؤدي إليه فإنّه يكون مهملا، وهو مسؤول أمام الله تعالى، وأمام الخلق عما نتج عن ذلك، والله أعلم([66]).

ويندب له شرعا فحصها والنظر فيها بين فترة وأخرى، إلاَّ إذا كان يعلم أنّ بها ضررا فيجب عليه هنا فحصها رفعا للضرر، وإلاَّ كان ضامنا لما ينتج عنها لما روي عن النبِيّ صلعم: «إذا سافرتم في الخصب فأعطوا الإبل حظها من الأرض»([67])، حيث إنّ للإبل الحق في أن تأخذ نصيبها من الراحة والطعام والشراب؛ لأنّ في هذا حفظا لها ولسلامة من يقودها ويركبها، والحال كذلك مع المركبات المعاصرة.

الجانب الثاني: أدبيات ونظم القائد والسائق للآلة المركوبة:

ويُعرّف السائق أو القائد: بأنّه كلّ شخص يتولى قيادة مركبة أو حيوان من حيوانات الجر أو الحمل أو الركوب([68])، ولا بدّ من طبيعة الحال أن يكون عارفا بالقيادة عاقلا، ويضاف إليه من الأدبيات المعاصرة:

  1. أن يكون حاملا لرخصة القيادة من الجهات المعنية حسب الآلة المركوبة التي يقودها، سواء كانت الرخصة خفيفة، أو ثقيلة، أو رخصة قيادة معدات أو دراجات آلية، وتكون سارية المفعول([69]).
  2. يحضر قيادة أية مركبة على الطريق بدون تروٍ، أو بسرعة، أو تحت تأثير خمر أو مخدر، أو بطريقة تشكل خطورة أو تعرض حياة الأشخاص أو أموالهم للخطر([70]).
  3. اتِّباع السرعة المحددة دوليا في الطريق والمتعارف عليها، ولا يجوز مجاوزتها([71]).
  4. لا يجوز لمالك المركبة أن يعهد قيادتها لشخص آخر لا يملك رخصة قيادة([72]).
  5. لا يجوز الوقوف في الأماكن الممنوعة، والتي تضرُّ بالآخرين، نحو أماكن وقوف المشاة، أو فوق الجسور([73]).
  6. الالتزام الدائم بوضع حزام الأمان، وتقييد حركة الأطفال حتى أثناء الرحلات القصيرة([74]).
  7. الالتزام بوضع خوذة الوقاية من الصدامات عند قيادة الدراجات([75]).
  8. إعطاء الماشي حقه، ومساعدة الأطفال وكبار السنّ على عبور الطريق([76]).
  9. عدم قيادة السيارة في حالة التعب والنعاس الشديد([77]).

10. مراعاة الخطوط والعلامات الأرضية للطريق؛ لأنّها أهم عوامل السلامة والنجاة([78])، والخطّ هو الحيز الذي يقسّم المسلك إلى مسارين، ويكون: أ/ متصلا، ب/ متقطعا، جـ/ عموديا على محور الطريق، وفي هذه الحالة يلزم التوقف عنده، حتى خلو الطريق، أو تبديل الإشارة([79]).

  1. عدم الانشغال بغير الطريق، كالهاتف والمسجل ونحوه([80]).
  2. استخدام إشارات الانعطاف الضوئية لبيان وجهة الانعطاف([81]).
  3. ترك مسافة مأمونة بينك وبين السيارة التي أمامك([82]).
  4. الحذر من التجاوز في المنحنيات، أو التقاطعات، أو الصعود المرتفع([83]).
  5. عدم البطء الشديد في قيادة المركبة مِمَّا يؤثر في حركة الآخرين([84]).

16. التجاوز يكون دائما من جهة اليسار، وفي المكان المسموح بالتجاوز فيه، مع استخدام الإشارة، والرجوع التدريجي إلى الجانب الأيمن من الطريق([85]).

  1. مراعاة الإشارات الضوئية، وعدم تجاوز الإشارة الحمراء([86]).
  2. عدم الوقوف في أماكن المعوقين([87]).
  3. استخدم الهاتف النقال في حالة الوقوف لسلامتك وسلامة الآخرين([88]).

ونلاحظ أنّ أكثر الأدبيات والنظم تقع على عاتق قائد المركبة؛ لأنّ المسؤولية الكبرى تقع على عاتقه، فهو مسؤول عن المركبة التي يقودها وعن سلامتها، ومسؤول عن الركاب الذين تحت يديه في المركبة، ومسؤول عن الطريق وجالسيه والمشاة فيه، لذا لن نجد غرابة أن يكون التركيز عليه من حيث الأدبيات والنظم، حفاظا على سلامته وسلامة الآخرين.

ويرى الفقهاء أنّ قائد المركبة لا بدّ أن يكون بالغا عاقلا، قادرا على تصريفها، فمن لم بكن كذلك لم يجز له شرعا أن يقود السيارة؛ لأنّ الصغير والمجنون ومن في حكمه من السكران والنائم والمريض مرضا شديدا ليس عنده من المقدرة العقلية والجسدية ما يستطيع بها السيطرة على السيارة وتصريفها ومنعها من الوقوع في الأخطار أثناء سيرها على الطريق([89])، فهؤلاء شرعا لا يصح لهم قيادة المركبة.

وقانون المرور ينص كذلك بشروط مشابهة لما قاله الفقهاء، فهو يشترط أن يكون قائد المركبة عاقلا، مع سلامة حواسه، ومعرفة أنظمة السير والتقيّد بها، والتركيز أثناء القيادة، والإحساس بالمسؤولية، والإلمام بميكانيكية المركبة، وصيانتها بشكل مستمر([90]).

ولا مانع شرعا أن تقود المرأة السيارة([91])؛ لأنّه لا يوجد دليل ينص على منعها؛ بل كانت المرأة في عهده صلعم تقود الإبل والحمير ونحوها، وهكذا جرى استحسانه إلى يومنا هذا، بل السيارة المعاصرة أكثر حشمة وأمانا من وسائل النقل السالفة، ويمكن أن يضاف إليها شرط الحشمة والعفة، والقيادة في وقت تكون مستقرة نفسيا، فتتجنب السياقة مع الإمكان في أشهر الحمل الأخيرة، أو إذا كانت نفسيتها سيئة بصورة كبيرة وقت الدورة الشهرية.

والأدبيات السالف ذكرها داخلة جملة في القواعد التي تحفظ نفس الإنسان وتحفظ ماله وعرضه، بجانب حفظ الممتلكات العامة، ومن نظائره في الفقه الإسلامي تحميل الدواب من الأحمال ما لا تطيقه([92])، فيؤثر بذلك على طرق الناس والمارة، وقد تسقط على بعض المارة، أو تؤثر في سير الطريق، كما يحدث اليوم في المركبات التي تحمل أكثر من المحدد لها، أو لا يشدّ المحمول بوثاق غليظ، فقد يسقط على المركبات الأخرى، أو على المارة، أو على الطريق نفسه، فيعيق حركة السير.

ومن النظائر ما فعله النبِيّ صلعم في حجة الوداع، لما انصرف الناس من عرفة إلى مزدلفة دفعة واحدة، فجعل يكبح راحلته([93]) إليه حتى أنّ ذِفراها([94]) ليكاد يصيب قادمة الرحل([95]) وهو يقول: «يا أيّها الناس، عليكم السكينة والوقار، فإنّ البر ليس في إبضاع([96]) الإبل([97])»، ويناظره الآن السرعة في القيادة، والمباهاة بذلك، لينظر الناس إليهم نظرة إعجاب ومباهاة، فإنّ هذا ليس من البر والإحسان والجمال؛ بل عكسه تماما وهو التقيد بالسرعة المحددة، مع القيادة الحكيمة للمركبة. ويماثله كثيرا ما يجري من بعض الناس من السرعة الجنونية عند الرجوع إلى البلد من سفر، وخاصة بعد قضاء مناسك الحج والعمرة، فكم أزهقت أرواح بسبب هذه السرعة الجنونية المخيفة.

الجانب الثالث: أدبيات ونظم الراكب:

ويُعرّف الراكب: بأنّه كلّ شخص يوجد بالسيارة، أو يكون نازلا منها، أو صاعدا إليها، بخلاف السائق([98])، وقد يكون من ضمن الركاب أطفال، أو من ذوي الاحتياجات الخاصّة، وهذه بعض الأدبيات والنظم المعاصرة بالركاب:

  1. يجب تعويد الأطفال، وإلزام الركاب على استخدام حزام الأمان لسلامتهم([99]).
  2. يثبت المولود بمقعد خاص به مواجها للخلف، أما الأطفال من (1-4) سنوات فيثبّتون في مقعد أمان مواجها للأمام([100]).

والأصل في الراكب أن يعين السائق على تقيده بأنظمة السير، وأدبيات الطرق، فلا يقلقه أثناء القيادة، نحو رفع صوت، أو تشجيعه على السرعة والتهور، وأصل هذا قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾([101]).

فإن كان معينا للسائق في إلحاق الضرر أو الأذى بغيره كان مشتركا معه في الضمان، وعليه التقيد بوسائل السلامة ولو كان راكبا كلبسه حزام الأمان مثلا.

يقول أحمد الخليلي عن الذين يستفزون أصحابهم، أو يشجعونهم ليزيدوا من سرعة السيارة؛ قال: هؤلاء الذين يدفعون بمن يقود مركبتهم إلى التهور هم من شياطين الإنس، وقد يكون شيطان الإنس أضر على من يلابسه من شياطين الجن، فهؤلاء الذين يغرون بما فيه ضرر على صاحبهم وعلى أنفسهم، وعلى من حولهم من الركاب، ومن المشاة؛ إنما هم شياطين؛ لأنّهم يأمرون بالسوء والفحشاء، يتحملون من الوزر ما هم جديرون به، ويتحملون وزر الذي يطاوعهم على ما يدعونه إليه من الإثم، بل حتى لو لم يطاوعهم فإنهم بقصدهم أن يطاوعهم يتحملون من الوزر والله أعلم([102]).

والراكب في الحافلة آمر بالمعروف، ناه عن المنكر، حيث بين النبِيّ عليه الصلاة كما مرّ من أدبيات الجالس على الطريق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويدخل فيه الراكب أيضا.

الجانب الرابع: أدبيات ونظم الماشي على الطريق:

ويُعرّف المشاة بالأشخاص الذين يسيرون على الطريق مشيا على أقدامهم، ومن في حكمهم وفق ما تحدده اللائحة التنفيذية([103])، وعبور المشاة مكان مخصص لمرور المشاة، ومخطط لهذا الغرض، في الشوارع والطرق، والذي يجب على السائق الوقوف قبله ليتمكن المشاة من السير عليه بأمان([104])، ومن أدبياته ونظمه المعاصرة:

  1. عبور المشاة يكون في الأماكن المخصصة لهم([105]).
  2. عدم الوقوف عند الانتظار على حافة الطريق([106]).

ولقد وضعت النظم المعاصرة طرقا خاصة للمشاة، وجسورا لعبورهم، وعلامات وإشارات خاصة بهم، لا يصح تجاوزها.

والفقهاء الأوائل أيضا حدّدوا طرقا للمشاة، مع بيان حدها، يقول أبو العباس الفرسطائي النفوسي: وحريم الطريق هو نفسه لا غير على اختلاف صفاته، فأولها طريق الرجالة ـ أي المشاة ـ، وحريمه ثلاثة أذرع، ثم يليه طريق وحريمه السقاية، وهو خمسة أذرع، ثم الحطابة خمسة مثلها، ومنهم من يقول الحطابة ستة أذرع… وطريق محامل الحمير والزنابل والغرائر، والروايات سواء وهو سبعة أذرع … وهكذا فصّل في طريق الجمال مع ما يحمل عليها فجعلها اثني عشر ذراعا، والمواشي أربعين ذراعا من الماء إلى المرعى، وقوافل الحجاج أربعين ذراعا، بل بين أنّ كلّ من أراد أن يحدث طريقا عليه التقيّد بالنظم السابقة([107])، وهذا يدل على الرقي الثقافي الذي وصلت إليه الحضارة الإسلامية قبل النظم المعاصرة بقرون بعيدة، وهنا نلاحظ أيضا أنّ الماشي أو الراجل له حدّه الخاص الذي لا يَجوز تجاوزه، وإلاَّ يتحمَّل المسؤولية الكاملة والناتجة عن تصرّفه الأعمى([108]).

بل اعتبر بعض الفقهاء إذا مشى الماشي في طريق الركبان فأصابه عيب لا دية له([109])، يقول الشيرازي: ينبغي تخصيص قسم من الطريق للمشاة، وقسم منه للركاب، وذكر رواية عن أبي الحسن موسى مفادها أنّ المشاة يمشون في جنبي الطريق، والفرسان في وسطه، فإن مشى الراجل في مكان مرور الفرسان فأصابه عيب أو ضرر لا دية للفارس أو الراكب([110])، لأنّه تعدى حقه، والقاعدة تقول: “لا ضرر ولا ضرار”.

الجانب الخامس: أدبيات ونظم الجالس على الطريق:

فللجالس على الطريق حقوق لا بدّ من مراعاتها، وإلاَّ فالأصل ليس الطريق محلا للجلوس، ومن أدبياتها:

  1. عدم اللعب في الطرق العامة، وعلى الجهات المختصة إيجاد بدائل لأماكن لعب الأطفال خاصة([111])، كالحدائق والملاعب.
  2. الجلوس في الأماكن الآمنة والمخصصة، وعدم الوقوف أو الاقتراب من حافة الطريق([112]).

والأصل في الشريعة النهي عن الجلوس في الطريق لحديث: «إياك والجلوس في الطرقات»([113])، وعلل الصنعاني النهي الوارد في الحديث؛ لأنّ في جلوسه في الطرقات يتعرّض للفتنة، فإنّه قد ينظر إلى الشهوات مِمَّن يخاف الفتنة على نفسه من النظر إليهنّ مع مرورهن، وفيه التعرض للزوم حقوق الله والمسلمين، ولو كان قاعدا في منزله لما عرف ذلك، ولا لزمته الحقوق التي قد لا يقوم إلاَّ بها، ولما طلبوا الإذن في البقاء في مجالسهم، وأنّه لا بد لهم منها عرّفهم بما يلزمهم من الحقوق([114])، وعلل سامي خضرا النهي لأنّ الواقف لا يستفيد منها إلاَّ كثرة الكلام، وهدر الوقت، وإطالة النظر، وقساوة القلب، ولغو الحديث([115])، والنهي في الحديث قد يصل إلى الحرمة إذا تحقق من الجلوس الأذى والضرر للمارة والركبان، هنا يجب منعهم من قبل المختصين، وهذا ما يحدث الآن في الطرقات داخل القرى السكنية، خاصة جلسات الليل، والتي يترتب عليها رفع الأصوات، وإيذاء النائمين، فضلا عن ترويع الآمنين، حيث يخافون على أبنائهم ونسائهم من مثل هذه الجلسات، فهذه يجب أن تُرفع وتمُنع، ويحرم شرعا الجلوس فيها إلاَّ للنصح أو رفع الضرر.

ومع هذا جعل الفقهاء من خلال استقرائهم للنصّ القرآني، والتطبيق العملي للنبيّ صلعم آدابا للجلوس على الطرقات، سبق الإشارة إليها في الكلية الأولى من المبحث الثاني، لذا قرَّر الفقهاء العديد من الأدبيات تطبيقا عمليا لهذه للكليات القرآنية، يقول السالمي:

    أربعة تلزم مــن قــــــــد قــــعــــــــدا   على الطريق أو يخل الـمــقـــعـــــدا

    ردّ السلام ثمّ غــــــضّ الــبــــصـــــر  إرشاد من ضلّ ودفع الضـــــرر([116])

 ومنها ما ذكره الجيطالي في قواعد الإسلام حيث يقول: ولا تجلس على الطريق، وإن جلست فأدبه: غض البصر، ونصرة المظلوم، وإغاثة الملهوف، وعون الضعيف، وإرشاد الضال، وردّ السلام، وإعطاء السائل، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والارتياد لموضع البصاق، ولا تبصق في وجه القبلة، ولا عن يمينك، ولا عن يسارك، ولكن تحت قدمك اليسرى([117])، وهذا لحكمتين: الأولى المبالغة في إخفائه حتى لا يزعج الآخرين بالنظر إليه، والآن يستغنى عنها باستخدام المناديل الورقية، أو التنحي بعيدا حتى يضعها في مكان لا يُرى، والحكمة الثانية سرعة ذهابها، فهي مع تحرك القدم تتشتت فتزول في وقت أسرع، وفي الروايات اقترن النهي عن البصاق في الطرق بالبصاق في المسجد، فكما أنّ المساجد بنيت للعبادة والاعتكاف؛ فالطرق أيضا جعلت للمشي، فالبصاق فيهما مؤذ للمسلمين([118])، وهذا يؤيِّد ما قلناه سالفا أنَّ عبادة المسلم لا تقتصر فقط في المساجد؛ بل هو عابد ذاكر الله تعالى حتى في الطرق والأسواق، ويُقاس على البصاق نظافة الطريق، وحفظه من الأذى، مع اختيار المكان المناسب للجلوس عرفا وقانونا.

ومن المسائل التي أوجبها الفقهاء على الجالسين في الطرق: توفير الأمن للمارة مطلقا، واعتبروا إيذاءهم إيذاء لله تعالى، وهو من الكبائر الموبقة([119]).

والفقهاء كذلك أجازوا للمحتسب منع الصبيان من اللعب في الطريق، إن كان لعبهم يشكل ضررا عليهم وعلى غيرهم من المارة المشاة والركبان، يقول السناسي صاحب نصاب الاحتساب: والصبيان الذين يلعبون بالجوز وغيره إن كانوا في الطريق يمنعهم ـ أي المحتسب ـ سواء كانوا يلعبون بالقمار أو غيره؛ لأنّهم ظلموا الناس بشغل الطريق([120])، والأصل أن يخصّص لهم أماكن خاصة للعب كالملاعب والحدائق.


الجانب السادس: أدبيات ونظم الطريق ذاته:

وسبق أن بيّنا تعريف الطريق وأقسامه، وقلنا من تعريفاته: كلّ سبيل مفتوح للسير العامّ، سواء للمشاة أو الحيوانات أو لوسائل الجر أو النقل، ويشمل الطرقات والشوارع والساحات والممرات والجسور التي يجوز للناس عبورها([121])ومن نظمه المعاصرة:

  1. لا يجوز إشغال الطريق، أو تعديله، أو إجراء أية حفريات به، أو وضع ما يتسبب عنه عرقلة المرور إلاَّ بموافقة الجهات المعنية([122]).
  2. المحافظة على نظافته والممتلكات العامة المتعلقة به([123]).

وقد سبق أن أشرنا في الجانب الرابع حدّ الطريق من خلال نظرة الفقهاء، وبينا البعد الحضاري لهذا التحديد والتقسيم، فيما لم يتطرق إليه الأروبيون إلاَّ حديثا، ومع هذا حرّم الفقهاء أيّ أذى يؤدي إلى إعاقة الطريق، وذلك وفق العصر الذي عايشوه، وهذا دليل أيضا على الأبعاد الحضارية التي كان ينظر إليها الفقهاء، وإن لم يرد في ذاتها نص شرعي، إلاَّ أنّهم أنزلوها وفق القواعد الشرعية التي تندرج تحت الكليات القرآنية، والتطبيقات العملية للنبيّ صلعم.

يقول أبو حامد الغزالي: فمن المنكرات ـ أي في الشوارع ـ المعتادة فيها: وضع الأسطوانات، وبناء الدكات متصلة بالأبنية المملوكة، وغرس الأشجار، وإخراج الرواشن والأجنحة، ووضع الخشب، وأحمال الحبوب والأطعمة على الطرق، فكل ذلك منكرا إن كان يؤدي إلى تضييق الطرق، واستضرار المارة، وإن لم يؤد إلى ضرر أصلا لسعة الطريق فلا يمنع منه([124])، ويناظر هذا اليوم إيذاء الناس في الطرق بوضع المواد المعيقة للحركة فيها، أو الوقوف في منتصف الطريق، أو بجانبه مِمَّا يعيق الحركة.

وذكر أيضا: ربط الدواب على الطريق بحيث يضيّق الطريق، وينجس المجتازين، وهو منكر يجب المنع منه إلاَّ بقدر النزول والركوب، وهذا لأنّ الشوارع مشتركة المنفعة، وليس لأحد أن يختص بها إلاَّ بقدر الحاجة، والمرعى هو الحاجة التي ترد الشوارع لأجلها في العادة دون سائر الحاجات([125])، ويناظره اليوم الحافلات الكبيرة كحافلات نقل الطلاب أو المواد، فلا يصح لها أن تقف في الشوارع أو بجانبها إلاَّ بقدر الحاجة لا غير، وإلاَّ كان محرّما، وصاحبها آثم.

وذكر منها سوق الدواب وعليها الشوك بحيث يمزّق ثياب الناس، فذلك منكر إن أمكن شدّها وضمها بحيث لا تمزّق، أو أمكن العدول بها إلى موضع واسع، وإلاَّ فلا منع إذ حاجة البلد تمسّ إلى ذلك، نعم لا تترك ملقاة إلاَّ بقدر مدة النقل([126])، ويماثلة اليوم ناقلات مواد البناء مثلا، فلا بدّ أن يحكم شدّها، وإلاَّ كانت ضارة للطريق، وأن تضع المواد في مكان لا يعيق المرور على الطريق والسير فيه.

وقد جمع أبو بكر أحمد الكندي المضار في الطرق ووجوب صرفها حيث قال في بيان الشرع: ويُمنع من الحدث في طريق المسلمين، تعديا فيما يؤذيهم، ويضرّ بالطريق، من بناء طين، أو حصى، أو يُكبس فيها ترابا، أو يحدث فيها حدثا، من حفر بئر، أو ساقية، أو نهر، أو ظفر، أو جندل، أو حضار، أو شيء يكون فيه أذى المسلمين، أو كنيف بجنب الطريق أو المسجد يؤذيهم، أو يعرش عليه عرشا، أو بناء سقف، أو غماء بطين، أو يحفر فيها ويطويها بحصى، أو بآجر، كلّ ذلك منكر على من فعله([127]).  ثمَّ أشار إلى جوانب حضارية مهمة في الطرق من خلال قوله: ولا يجوز له أن يجعلها دكاكين للبيع والشراء، ولا يتخذها مجالس … وذلك عليه منكر وإثم من عمله، وضامن لما يحدث فيه، وقد جاءت الرواية عن النبِيّ صلعم أنّه قال: «ملعون من آذى المسلمين في طرقاتهم»([128])، فالطرق كما أنها ـ كما سبق بيانه ـ ليست مجالسا يجلس فيها، كذلك هي ليست محلا للبيع والشراء، لما يحدث عنه من ضرر واضح وبين.

 واعتبر الفقهاء كلّ ما يضرّ بالطريق محرما ولو كان تافها في نظر الناس، وضربوا لذلك مثلا قذى العين، وعلّق على هذا السالمي بقوله: المراد بذلك المبالغة في صرف الأذى عن الطريق، ومن المعلوم أنّ المبالغة لا تراد حقيقتها، ويكون المعنى على هذا أنّ أذى الطريق حرام ولو كان قليلا([129]).

ومما سبق نخلص إلى: تحريم الفقهاء لإحداث أيّ ضرر بالطريق ولو كان فيه منفعة، إلاَّ أنّ المصلحة العامة مقدمة على مصلحة البعض، ونحو هذا إحداث فلج أو ساقية في الطريق مع نفعها. يقول عيسى الحارثي: شدد العلماء في إحداث ساقية في الطريق، ومنهم من يرخص إذا أمن المار عليها من الضرر لعمقها وتسقيفها، والسلامة في ترك ذلك، والله أعلم([130]).

ومنها الفسل في قارعة الطريق، قال السالمي: هذا منكر، فعلى القادر زواله وبيعه حرام، والله أعلم([131]).

إلاَّ أنّهم أجازوا الزراعة في جانبي الطريق للتجمل والاستظلال ونحوه، بشرطين: الأول: أن لا يترتب على الطريق ومستخدميه ضرر بسببها، وإلاَّ أزيلت، قال صاحب المصنف نقلا عن أبي الحواري: تُزرع الطريق الجائز، فما دخل منها في الثمانية أذرع أزيل، وإن دخلت كلّها أزيلت([132]). والشرط الثاني: عدم الإسراف، قال الشيرازي: يستحب بعد الاهتمام بنظافة الطريق تجميل الشوارع والأرصفة وما أشبه ذلك بما لا يعدّ إسرافا، فإنّ الله جميل يحبّ الجمال([133])، وحدّ الإسراف تضييع حقوق هي أولى من تجميل الطريق، أو المبالغة عن الحدّ المطلوب، إلاَّ أنّ التجميل في مجمله أمر مرغوب، ورقي حضاريّ.

والفقهاء شددوا في نظافة الطريق، فإلحاق الوسخ فيه من الأذى المنهي عنه، وإزالته دليل على إيمان المؤمن كما مر بيانه في الكلية الثانية في المبحث الثاني.

يقول أبو حامد الغزالي في منكرات الشوارع: وكذلك ذبح القصاب إذا كان يذبح في الطريق حذاء باب الحانوت، ويلوث الطريق بالدم، فإنّه منكر يمنع منه، بل حقه أن يتخذ في دكانه مذبحا، فإنّ في ذلك تضييقا بالطريق وإضرارا بالناس بسبب ترشيش النجاسة، وبسبب استقذار الطباع للقاذورات، وكذلك طرح القمامة على جواد الطريق، وتبديد قشور البطيخ، أو رش الماء بحيث يخشى منه الانزلاق والتعثر، كلّ ذلك من المنكرات، وكذلك إرسال الماء من الميازيب المخرجة من الحائط في الطريق الضيقة فإنّ ذلك ينجس الثياب، أو يضيّق الطريق، ولا يمنع في الطرق الواسعة إذ العدول منه ممكن … وكذلك إذا كان له كلب عقور على باب داره يؤذي الناس فيجب منعه منه، وإن كان لا يؤذي إلاَّ بتنجيس الطريق، وكان يمكن الاحتراز عن نجاسته لم يمنع منه، وإن كان يضيّق الطريق ببسطه ذراعيه فيمنع منه، بل يمنع صاحبه أن ينام على الطريق، أو يقعد قعودا يضيّق الطريق؛ فكلبه أولى بالمنع([134]).

والأصل في هذا قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾([135])، بجانب التطبيق العملي للنبيّ صلعم في رفع الأذى عن طريق المسلمين، ومنه حديث الربيع: «ملعون من آذى المسلمين في طرقاتهم»([136]).

وعليه كلّ من أحدث أذى في طريق المسلمين فهو ضامن لما يترتب عليه كما قررناه، قال درويش المحروقي: “واحذر يا أخي ـ عافانا الله وإياك من كلّ مكروه ـ أن تتعرض لفعل ما يضرّ في طرق المسلمين، ولا تحدث فيها حدثا أبدا مِمَّا يقذي العين، ويؤذي المارين … فجميع ما ذكرته ـ أي مؤذيات الطرق ـ لا يجوز إحداثه على الطريق، ومأخوذ له بإزالته من موضعه، وضامن واضعه مِمَّا تولد منه من الضرر على من مرّ في الطريق، من مجنون وعاقل، وصغير وكبير، وينكر ذلك على من فعله”([137]).

كذلك بين الفقهاء من المؤذيات: التغوط في طريق الناس لحديث: «اتقوا اللاعنين»، قالوا: وما اللاعنان، قال: «الذي يتخلى في طريق الناس أو في ظلّهم»([138])، ويدخل في الإيذاء في التطبيق المعاصر السيارات التي يقطر منها الوقود، أو تبعث دخانا كثيفا في الهواء([139])، فتؤذي المارة، ومنها استخدام المنبه العالي الصوت، أو التوقف المفاجئ، أو المرور السريع بمحاذاة المشاة([140])، أو التفحيط، ومنها الصلاة والجلوس فيه([141])، وغير ذلك مِمَّا لا يخفى على العقلاء.

ومن خلال هذا المبحث أدركنا التطبيقات المعاصرة لأدبيات الطريق، ونظائرها في الفقه الإسلامي، وكلها تنبثق من مشكاة كليات القرآن الكريم، والتطبيقات العملية للنبيّ صلعم، والذي جعل الأوائل يلتزمون به إدراكهم أنّ التقيد بأدبيات الطريق جزء من إيمانهم بالله تعالى، ومسؤولون عنها يوم يلقون ربهم، وهذا ما سندركه في المبحث الرابع بإذن الله تعالى.

 

المبحث الرابع:

آداب الطريق والبعد العقدي

تعاني المجتمعات البشرية اليوم من حرب دامية، تتمثل في الحوادث المرورية المرعبة، فزادت معدلات التثقيف، وارتفع مستوى الدورات والإحصاءات، وأصدرت الكتب والمطويات، ومع ذلك لم يؤثر شيئا في وقف هذه الحرب المستعرة، بل الوفيات في ازدياد، فضلا عن الإصابات والخسائر البشرية والمادية.

وهنا نطرح هذا السؤال: لماذا لم تجد كلّ عوامل التثقيف ـ مع التشديد في العقوبات الماليةـ في التخفيف من هذا الموج المتلاطم من حوادث السير؟

والسبب في ذلك يعود إلى تغييب البعد العقدي الرباني من هذه العوامل التثقيفية، فأصبحت مادية بحتة لا روح فيها، لذلك تلقاها المجتمع، خاصة في العالم النامي، على أنها ثقافة عامة يحسن التقيد بها، فكان الالتزام بها من قبل فئة محدودة من المجتمع لا غير.

وآداب الطرق في الإسلام ليست ثقافة عامة فحسب؛ بل هي فريضة شرعية، شأنها كشأن الصلاة والصيام والزكاة، والطاعة فيها طاعة واجبة كطاعة الوالدين، ومخالفتها معصية موبقة كسائر المعاصي.

والله تعالى في كتابه الكريم لم يفرق بين الإيمان والعمل في كثير من المواضع نحو قوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾([142])، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾([143])، ﴿إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾([144]).

فالجزاء يوم القيامة مرتبط بين الإيمان والعمل الصالح، وبهما يكون الثواب والعقاب، ولا شك أنّ العمل الصالح لا ينحصر في شعائر معينة؛ بل يعم ممارسات الإنسان في هذه الحياة، فبعضها بينها الله تعالى، وبعضها أجملها في كتابه وبين كيفيتها النبِيّ صلعم، والأخرى تركها للإنسان يعمل فيها عقله؛ لأنّها تتجدد بتجدد الزمان والمكان، لذا كانت الطاعة تشمل الجوانب الثلاثة: طاعة الله، وطاعة الرسول، وطاعة أولي الأمر من العقلاء بما يتوافق مع طاعة الله تعالى ورسوله، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾([145]).

فإذا أنزلنا هذا إلى أنظمة السير وقواعده، نجد هذه الأنظمة منها ما بينها الله تعالى إجمالا، ووضحها الرسول الكريم، ومنها ما استجدت بتطور الآلة وطرق السير، لذا كان التقيّد بالأنظمة الحديثة داخل في طاعة الله والرسول، وكما أنّه لا يجوز أن يخالف الإنسان أمر الله والرسول؛ كذلك لا يجوز له أن يخالف هذه الأنظمة والقوانين، وإلاَّ ارتكب معصية ومحظورا.

والبعد في قوانين السير وأنظمته من المنظور القرآني ليس بعدا دنيويا تثقيفيا، بل هو بعد أخروي، فالثواب مرتبط بهذه الطاعة، كما أنّ العقاب مرتبط بها، فهي داخلة في دائرة الطاعة والمعصية.

لذا كان يجب أن يغرس في الأجيال البعد العقدي لهذه الأنظمة، فهي جزء من عباداتهم وتشريعاتهم، فكما يجب أن يحافظوا على خمس صلوات في اليوم والليلة، وعلى صيام شهرهم في العام، وعلى طاعتهم لوالديهم، وعلى زيارتهم للأرحام؛ فكذلك يجب أن يحافظوا على آداب السير، ويجب أن يتقيدوا بقوانينه وأنظمته.

وكما يجب أن يبتعدوا عن الدخان والخمور والكذب والفجور؛ فكذلك يجب أن يتركوا الاستهتار بهذه الأدبيات؛ لأنّ المعصية تعمهما جميعا في دائرة واحدة.

فدائرة الطاعة والمعصية لا تنحصر في تشريعات معينة؛ بل مجالهما أوسع بكثير، يدركها العاقل اللبيب بكل سهولة ويسر.

فالبعد العقدي كفيل بأن يعالج هذه القضية إذا أعطي حقه من العناية والاهتمام، إعلاميا وتربويا، ولم يهمش في دائرة التثقيف والتربية، وستجد المجتمعات أثر ذلك عما قريب بإذن الله إن أدركت أهميته، واهتمت به اهتمامها بالطريق ذاته، وما يترتب عليه من أدبيات ونظم.

 

  الخاتمة

وبعدما حلقنا في هذا البحث المتواضع نخرج بالتالي:

1.   الطريق هو كلّ سبيل مفتوح للسير العام، سواء للمشاة أو الحيوانات أو لوسائل النقل أو الجر، ويشمل الطرقات والشوارع والساحات والممرات والجسور التي يجوز للناس عبورها.

2.  للطريق قسمان: طريق عام وهو ما لا يحصى مستخدموه، ويعبر عنه بالطريق النافذ أو الأعظم، أو طريق المسلمين، وطريق خاص وهو الذي يختص به فرد أو أفراد معينون، ويعبر عنه بالطريق غير النافذ.

3.  آداب الطريق هي الأدبيات والأنظمة المتعلقة بحفظ الطريق بما فيه من ممتلكات عامة، ومشاة، وركبان، ودواب، ومركبات، ويضمن بها حفظ الأرواح والأموال، والأعراض.

4. من خلال استقراء كتاب الله تعالى ندرك أن الله وضع في أدبيات الطريق قواعد كلية، وأدبيات سامية، ما ينظم أمر الطريق، ويحفظ مرورهم وسيرهم فيه، ثمّ نجد تطبيقات عملية من قبل النبِيّ صلعم وصحبه الكرام، وذلك وفق العصر الذي عايشوه، بما يحويه من طرق سير تناسب زمانهم، وهي تدخل عموما في الكليات القرآنية.

5.  وضع العقلاء من الإنسانية اليوم نظما وقوانين تنظم أمر الطرق، وهذه القوانين والنظم لها نظائر في الفقه الإسلامي، مِمَّا يدل على السبق الحضاري لهذه الأمة.

6. ما خلّفه الفقهاء ثروة جليلة في أمر الطرق وأدبياته، ومنهج علميّ للمختصِّين في هذا المجال.

7.  السبب الرئيس في كثرة الحوادث اليوم، مع زيادة معدلات التثقيف؛ يعود إلى تغييب البعد العقدي الرباني من هذه العوامل التثقيفية، فأصبحت مادية بحتة لا روح فيها، لذلك تلقاها المجتمع، خاصة في العالم النامي، على أنها ثقافة عامة يحسن التقيد بها، فكان الالتزام بها من قبل فئة محدودة من المجتمع لا غير.

هذه بعض النتائج التي توصلت إليها في بحثي هذا، راجيا من الله القبول، والحمد لله رب العالمين.

المصادر والمراجع

  1. أحكام حوادث المرور في الشريعة الإسلامية، رسالة مقدمة لنيل شهادة الماجستير، جامعة أم القرى، المملكة العربية السعودية، أعدها: محمد علي شبيب القحطاني، مخطوط. 
  2. إحياء علوم الدين، أبو حامد محمد الغزالي، ط دار الفكر /بيروت – لبنان، الطبعة الأولى 1420هـ/1999م.
  3. أسبوع المرور الموحد بين مجلس التعاون الخليجي، أسبوع الحد من السرعة، 15– 21/3/1986م، موقع وزارة الداخلية، دولة الكويت، www.moi.gov.kw
  4. أسبوع المرور الموحد بين مجلس التعاون الخليجي، أسبوع حزام الأمان، 28/4 – 4/5/1984م، موقع وزارة الداخلية، دولة الكويت، www.moi.gov.kw
  5. أسبوع المرور الموحد بين مجلس التعاون الخليجي، أسبوع سلامة المركبة، 25-31/3/1989م، موقع وزارة الداخلية، دولة الكويت، www.moi.gov.kw
  6. أسبوع المرور الموحد بين مجلس التعاون الخليجي، أسبوع قيادة بلا حوادث مرورية، 18-24/4/1992م، موقع وزارة الداخلية، دولة الكويت، www.moi.gov.kw
  7. أسبوع المرور الموحد بين مجلس التعاون الخليجي، أسبوع مدلول الخطوط الأرضية، 14– 20/3/1987م، موقع وزارة الداخلية، دولة الكويت، www.moi.gov.kw
  8. أسبوع المرور الموحد بين مجلس التعاون الخليجي، أسبوع المشاة، 12– 19/3/1985م، موقع وزارة الداخلية، دولة الكويت، www.moi.gov.kw
  9. أسبوع المرور الموحد بين مجلس التعاون الخليجي، أسبوع لا تشتغل بغير الطريق، 26/3-11/4/1988م، موقع وزارة الداخلية، دولة الكويت، www.moi.gov.kw
  10. أصول الكافي، أبو جعفر محمد بن يعقوب الكليني، ط دار الأضواء/ بيروت – لبنان، تحقيق محمد جواد الفقيه، الطبعة الأولى 1413هـ / 1992م.
  11. التوعية المرورية، الإدارة العامة للمرور، شرطة عمان السلطانية، www.رضي الله عنهraffic.gov.om
  12. الجامع الصغير للإمام السيوطي، طبعة الكترونية، موقع المحدث للبحث.
  13. جوابات الإمام السالمي، نور الدين عبدالله بن محمد السالمي، تحقيق: عبد الستار أبو غدة، لا ناشر، الطبعة الثانية 1419هـ/1999م.
  14. جوهر النظام في علمي الأديان والأحكام، عبدالله بن حميد السالمي، ط مكتبة نور الدين السالمي/ سلطنة عمان، الطبعة الثالثة عشر، لا تاريخ.
  15. خلاصة الوسائل بترتيب المسائل، لعيسى بن صالح الحارثي، ترتيب: حمد بن عبدالله السالمي، تحقيق: محمد بن سعيد الحضرمي، طبعة وزارة التراث القومي بسلطنة عمان، الطبعة الأولى: 1427هـ/2006م
  16. الدلائل في اللوازم والوسائل، درويش بن جمعة المحروقي، تحقيق سليمان بن إبراهيم بابزيز الوارجلاني، مكتبة الضامري/ السيب – سلطنة عمان، الطبعة الأولى 1425هـ/2004م.
  17. سبل السلام، لمحمد بن إسماعيل الصنعاني، راجعه محمد خليل هراس، ط دار الفرقان/ عمان – الأردن، لا تاريخ.
  18. سلسلة السلوك في الإسلام، آداب المجلس، سامي خضرا، ط دار الهادي/ بيروت – لبنان، الطبعة الثانية 1421هـ/2001م.
  19. سنن ابن ماجة، طبعة الكترونية، موقع المحدث للبحث.
  20. سنن أبي داود، طبعة الكترونية، موقع المحدث للبحث.
  21. شرح رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين، محمد بن صالح العثيمين، تحقيق محمد سعيد محمد وعبد السلام عبد الحكيم عوض، ط دار ابن الهيثم/ القاهرة – مصر العربية، لا تاريخ.
  22. صحيح البخاري، طبعة الكترونية، موقع المحدث للبحث.
  23. صحيح مسلم، طبعة الكترونية، موقع المحدث للبحث.
  24. عين المصالح من أجوبة الشيخ صالح، صالح بن علي الحارثي، ط مكتبة الضامري/ مسقط – سلطنة عمان، الطبعة الثانية 1414هـ /1993م.
  25. الفتاوى، أحمد بن حمد الخليلي، الكتاب السادس، الطبعة الأولى، 1431هـ / 2010م، ط مكتبة الأجيال/ سلطنة عمان.
  26. فقه المرور، محمد الشيرازي، ط هيئة محمد الأمين صلعم، الكويت، الطبعة الأولى 2000م، نسخة الكترونية.
  27. قانون المرور، موقع شرطة عمان السلطانية، الإدارة العامة للمرور، www.رضي الله عنهraffic.gov.com
  28. القرآن الكريم.
  29. القسمة وأصول الأراضين، لأبي العباس أحمد بن محمد بن بكر الفرسسطائي النفوسي، تحقيق: محمد صالح ناصر، وبكير بن محمد الشيخ بلحاج، ط مكتبة الضامري، الطبعة الأولى 1992م،
  30. قواعد الإسلام، لأبي طاهر إسماعيل بن موسى الجيطالي، تحقيق: بكلي عبد الرحمن بن عمر، ط مكتبة الاستقامة/ مسقط – سلطنة عمان، الطبعة الثالثة 1416هـ/1995م.
  31. كنز العمال للمتقي الهندي، طبعة الكترونية، موقع المحدث للبحث.
  32. مجمع الزوائد للحافظ الهيثمي، طبعة الكترونية، موقع المحدث للبحث.
  33. مسند الربيع بن حبيب، نسخة الكترونية.
  34. المصنف، أبو بكر أحمد بن عبدالله الكندي، ط وزارة التراث القومي والثقافة بسلطنة عمان، الطبعة الأولى 1404هـ/ 1984م.
  35. المعجم الكبير للطبراني، طبعة الكترونية، موقع المحدث للبحث.
  36. المعجم الوسيط، تأليف إبراهيم مصطفى وآخرون، ط المكتبة الإسلامية/ استانبول – تركيا، لا تاريخ.

موقع وزارة الداخلية، دولة الكويت، www.moi.gov.kw


[1]) المعجم الوسيط،  تأليف إبراهيم مصطفى وآخرون، ط المكتبة الإسلامية، استانبول – تركيا، لا تاريخ، 1/566.

[2]) قانون المرور، موقع شرطة عمان السلطانية، الإدارة العامة للمرور، www.traffic.gov.com

[3]) أحكام حوادث المرور في الشريعة الإسلامية، رسالة مقدمة لنيل شهادة الماجستير، جامعة أم القرى، المملكة العربية السعودية، أعدها: محمد علي شبيب القحطاني، ص23، مخطوط.

[4]) فقه المرور، محمد الشيرازي، ط هيئة محمد الأمين e، الكويت، الطبعة الأولى 2000م، نسخة الكترونية.

[5]) أحكام حوادث المرور في الشريعة الإسلامية، مصدر سابق، ص24.

[6]) ينظر: أحكام حوادث المرور في الشريعة الإسلامية، مصدر سابق، ص19-22، بتصرف.

[7]) المصدر نفسه، ص25، بتصرف.

[8]) المصدر نفسه، ص26.

[9]) فقه المرور، مصدر سابق.

[10]) المصدر نفسه.

[11]) المصدر نفسه.

[12]) المصدر نفسه.

[13]) المصدر نفسه.

[14]) المصدر نفسه.

[15]) المصدر نفسه.

[16]) المصدر نفسه.

[17]) المصدر نفسه.

[18]) المصدر نفسه.

[19]) ينظر: القسمة وأصول الأراضين، لأبي العباس أحمد بن محمد بن بكر الفرسسطائي النفوسي، تحقيق: محمد صالح ناصر، وبكير بن محمد الشيخ بلحاج، ط مكتبة الضامري، الطبعة الأولى 1992م، ص443-444.

[20]) الحجر: 19-21.

[21]) سبأ: 18.

[22]) سبأ: 19.

[23]) قريش: 1-4.

[24]) رواه البخاري، كتاب الاستئذان، باب (2)، حديث رقم: (5875)؛ ومسلم، كتاب اللباس والزينة، باب النهي عن الجلوس في الطرقات، وإعطاء الطريق حقه، حديث رقم: 114 – 2121.

[25]) مجمع الزوائد للحافظ الهيثمي، المجلد الثامن، كتاب الأدب، باب الجلوس على الصعيد وإعطاء الطريق حقه، حديث رقم: 12935.

[26]) أحكام حوادث المرور في الشريعة الإسلامية، مصدر سابق، وذلك نقلا عن فتح الباري، 11/11.

[27]) رواه الإمام أبو داود من طريق أبي هريرة، كتاب الأدب، باب الغيبة، حديث رقم: 4882، وابن ماجة من الطريق نفسه، كتاب الفتن، باب حرمة دم المؤمن وماله، حديث رقم: 3933.

[28]) البقرة: 195.

[29]) النساء: 93.

[30]) الفتاوى، أحمد بن حمد الخليلي، الكتاب السادس، الطبعة الأولى، 1431هـ/ 2010م، ط مكتبة الأجيال، سلطنة عمان، ص230.

[31]) الفرقان: 63.

[32]) لقمان: 18.

[33]) لقمان: 19.

[34]) أخرجه السيوطي في الجامع الصغير من طريق من أبي هريرة، وعزاه إلى مسلم وأبي داود والنسائي وابن ماجة، وقال: صحيح، المجلد الثالث، فصل في المحلى بأل من حرف الألف، حديث رقم: 3096.

[35]) أخرجه السيوطي في الجامع الصغير من طريق من أبي برزة، وعزاه إلى مسلم وابن ماجة، وقال: صحيح، المجلد الأول، فصل حرف الألف، حديث رقم: 1157.

[36]) أخرجه السيوطي في الجامع الصغير من طريق من أبي برزة، وعزاه إلى أبي يعلى في مسنده، وابن حبان في صحيحه، وقال: صحيح، المجلد السادس، باب حرف النون، حديث رقم: 9257.

[37]) رواه الربيع في مسنده، حديث رقم: 731.

[38]) أخرجه المتقي الهندي في كنز العمال من طريق النعمان بن بشير، حديث رقم: 40112.

[39]) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير من طريق عطاء عن ابن عباس، باب الظاء، أحاديث عبدالله بن عباس.

[40]) النساء: 59.

[41]) النساء: 5.

[42]) أخرجه السيوطي في الجامع الصغير من طريق من ابن عمر، وعزاه إلى الشيخين والأربعة، وقال: صحيح، المجلد الرابع، فصل في المحلى بأل من حرف السين، حديث رقم: 4827.

[43]) أخرجه المتقي الهندي في كنز العمال، المجلد الأول، كتاب الإيمان والإسلام، في البيعة من مسند عمر، حديث رقم: 1514.

[44]) أخرجه المتقي الهندي في كنز العمال، المجلد الأول، كتاب الإيمان والإسلام، في البيعة من مسند عمر، حديث رقم: 1497.

[45]) المائدة: 33-34.

[46]) أخرجه الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد من طريق أبي موسى الأشعري، المجلد السابع، كتاب الفتن، باب وجوب إنكار المنكر، حديث رقم: 12153، وعزاه إلى الطبراني وقال: ورجاله رجال الصحيح.

[47]) أخرجه السيوطي في الجامع الصغير من طريق أبي سعيد، وعزاه إلى أحمد ومسلم والأربعة، وقال: صحيح، المجلد السادس، تتمة باب حرف الميم، حديث رقم: 8687.

[48]) إحياء علوم الدين، أبو حامد محمد الغزالي، ط دار الفكر، بيروت – لبنان، الطبعة الأولى 1420هـ/1999م، 2/292.

[49]) مثلا: قواعد المرور، وهو منشور في موقع المرور بشرطة عمان السلطانية.

[50]) قانون المرور، مصدر سابق.

[51]) النحل:  8.

[52]) قانون المرور، مصدر سابق.

[53]) المصدر نفسه.

[54]) المصدر نفسه.

[55]) المصدر نفسه.

[56]) موقع وزارة الداخلية، دولة الكويت، www.moi.gov.kw

[57]) المصدر نفسه.

[58]) المصدر نفسه.

[59]) أسبوع المرور الموحد بين مجلس التعاون الخليجي، أسبوع سلامة المركبة، 25-31/3/1989م، موقع وزارة الداخلية، دولة الكويت، www.moi.gov.kw

[60]) التوعية المرورية، الإدارة العامة للمرور، شرطة عمان السلطانية، www.traffic.gov.om

[61]) المصدر نفسه.

[62]) أحكام حوادث المرور في الشريعة الإسلامية، مصدر سابق، ص48.

[63]) راجع المبحث الثاني.

[64]) الكافي، حديث رقم: 350، 7/3.

[65]) فقه المرور، مصدر سابق، نسخة الكترونية.

[66]) الفتاوى، مصدر سابق، 6/239.

[67]) رواه مسلم من طريق أبي هريرة، حديث رقم: 1926.

[68]) قانون المرور، مصدر سابق.

[69]) المصدر نفسه.

[70]) المصدر نفسه.

[71]) المصدر نفسه.

[72]) المصدر نفسه.

[73]) وزارة الداخلية، دولة الكويت، مصدر سابق.

[74]) المصدر نفسه.

[75]) المصدر نفسه.

[76]) أسبوع المرور الموحد بين مجلس التعاون الخليجي، أسبوع المشاة، 12– 19/3/1985م، موقع وزارة الداخلية، دولة الكويت، www.moi.gov.kw

[77]) أسبوع المرور الموحد بين مجلس التعاون الخليجي، أسبوع الحد من السرعة، 15– 21/3/1986م، موقع وزارة الداخلية، دولة الكويت، www.moi.gov.kw

[78]) أسبوع المرور الموحد بين مجلس التعاون الخليجي، أسبوع مدلول الخطوط الأرضية، 14– 20/3/1987م، موقع وزارة الداخلية، دولة الكويت، www.moi.gov.kw

[79]) فقه المرور، مصدر سابق، نسخة الكترونية.

[80]) أسبوع المرور الموحد بين مجلس التعاون الخليجي، أسبوع لا تشتغل بغير الطريق، 26/3-11/4/1988م، موقع وزارة الداخلية، دولة الكويت، www.moi.gov.kw

[81]) أسبوع المرور الموحد بين مجلس التعاون الخليجي، أسبوع قيادة بلا حوادث مرورية، 18-24/4/1992م، موقع وزارة الداخلية، دولة الكويت، www.moi.gov.kw

[82]) المصدر نفسه.

[83]) المصدر نفسه.

[84]) التوعية المرورية، الإدارة العامة للمرور، شرطة عمان السلطانية، مصدر سابق.

[85]) المصدر نفسه.

[86]) المصدر نفسه، بتصرف.

[87]) المصدر نفسه.

[88]) المصدر نفسه.

[89]) أحكام حوادث المرور في الشريعة الإسلامية، مصدر سابق، ص27.

[90]) فانون المرور، مصدر سابق.

[91]) ينظر: فقه المرور، مصدر سابق.

[92]) إحياء علوم الدين، مصدر سابق، 2/292.

[93]) أي يجذب رأسها إليه حتى لا تسرع فتؤذي المارة.

[94]) ذفراها: بكسر الذال أي أصل أذنها.

[95]) أي طرف الرحل.

[96]) إبضاع الإبل أي حمله على السرعة.

[97]) رواه النسائي من طريق أسامة بن زيد، ج5، ص257.

[98]) قانون المرور، مصدر سابق.

[99]) أسبوع المرور الموحد بين مجلس التعاون الخليجي، أسبوع حزام الأمان، 28/4 – 4/5/1984م، موقع وزارة الداخلية، دولة الكويت، www.moi.gov.kw

[100]) المصدر نفسه.         

[101]) المائدة:2.

[102]) الفتاوى، مصدر سابق، 6/235.

[103]) قانون المرور، مصدر سابق.

[104]) المصدر نفسه.

[105]) أسبوع المرور الموحد بين مجلس التعاون الخليجي، أسبوع المشاة، 12– 19/3/1985م، مصدر سابق.

[106]) التوعية المرورية، الإدارة العامة للمرور، شرطة عمان السلطانية، مصدر سابق.

[107]) ينظر: القسمة وأصول الأراضين، مصدر سابق، ص443-444.

[108]) وفي نظري الضعيف أنّ الماشي إذا طرق الباب من غير موضعه، فأصابه حادث أدى إلى هلاكه، مع قدرته على المرور من غير هذا الموضع، كالذي يترك جسور المشاة ليعبر من الطربق السريع؛ هذا يعتبر في حكم المنتحر والله أعلم.

[109]) وهذا أراه أقرب إلى روح التشريع الإسلامي خلافا للفتوى السائدة، إذ كيف يطالب بالدية وهو المتعمد على قتل نفسه، ولو قيل ذلك من قبيل القتل شبه الخطأ والله أعلم.

[110]) ينظر: فقه المرور، مصدر سابق.

[111]) التوعية المرورية، الإدارة العامة للمرور، شرطة عمان السلطانية، مصدر سابق.

[112]) المصدر نفسه، بتصرف.

[113]) تقدم تخريجه في المبحث الثاني.

[114]) سبل السلام، لمحمد بن إسماعيل الصنعاني، راجعه محمد خليل هراس، ط دار الفرقان/ عمان – الأردن، لا تاريخ، 3/270.

[115]) سلسلة السلوك في الإسلام، آداب المجلس، سامي خضرا، ط دار الهادي، بيروت – لبنان، الطبعة الثانية 1421هـ/2001م، ص35.

[116]) جوهر النظام في علمي الأديان والأحكام، عبدالله بن حميد السالمي، ط مكتبة نور الدين السالمي، سلطنة عمان، الطبعة الثالثة عشر، لا تاريخ، 4/368.

[117]) قواعد الإسلام، لأبي طاهر إسماعيل بن موسى الجيطالي، تحقيق: بكلي عبد الرحمن بن عمر، ط مكتبة الاستقامة، مسقط – سلطنة عمان، الطبعة الثالثة 1416هـ/1995م، 2/285.

[118]) عين المصالح من أجوبة الشيخ صالح، صالح بن علي الحارثي، ط مكتبة الضامري، مسقط – سلطنة عمان، الطبعة الثانية 1414هـ/1993م، ص212-213.

[119]) فقه المرور، مصدر سابق، طبعة الكترونية.

[120]) أحكام حوادث المرور في الشريعة الإسلامية، مصدر سابق، ص54.

[121]) قانون المرور، مصدر سابق.

[122]) المصدر نفسه.

[123]) فقه المرور، مصدر سابق، طبعة الكترونية، بتصرف.

[124]) إحياء علوم الدين، مصدر سابق، 2/ 292.

[125]) المصدر نفسه، 2/ 292.

[126]) المصدر نفسه، 2/ 292.

[127]) المصنف، أبو بكر أحمد بن عبدالله الكندي، ط وزارة التراث القومي والثقافة بسلطنة عمان، الطبعة الأولى 1404هـ/ 1984م، 12/176.

[128]) المصدر نفسه، 12/176.

[129]) جوابات السالمي، مصدر سابق، 4/649.

[130]) خلاصة الوسائل بترتيب المسائل، لعيسى بن صالح الحارثي، ترتيب: حمد بن عبدالله السالمي، تحقيق: محمد بن سعيد الحضرمي، طبعة وزارة التراث القومي بسلطنة عمان، الطبعة الأولى: 1427هـ/2006م، ص408.

[131]) جوابات السالمي، مصدر سابق، 4/680.

[132]) المصنف، مصدر سابق، 12/178.

[133]) فقه المرور، مصدر سابق، نسخة الكترونية.

[134]) إحياء علوم الدين، مصدر سابق، 2/292-293.

[135]) الأحزاب: 58.

[136]) أخرجه الربيع في مسنده مرسلا عن جابر.

[137]) الدلائل في اللوازم والوسائل، درويش بن جمعة المحروقي، تحقيق سليمان بن إبراهيم بابزيز الوارجلاني، مكتبة الضامري، السيب – سلطنة عمان، الطبعة الأولى 1425هـ/2004م، ص316.

[138]) شرح رياض الصالحين من كلام سيد المرسلين، محمد بن صالح العثيمين، تحقيق محمد سعيد محمد وعبد السلام عبد الحكيم عوض، ط دار ابن الهيثم، القاهرة – مصر العربية، لا تاريخ، 4/258.

[139]) فقه المرور، مصدر سابق، نسخة الكترونية.

[140]) المصدر نفسه.

[141]) المصدر نفسه.

[142]) البقرة: 25.

[143]) البقرة: 82.

[144]) البقرة: 277.

[145]) النساء:59.

 

* ندوة تطور العلوم الفقهية فِي عمان “ الفقه الحضاري، فقه العمران”

 المنعقدة خلال الفترة: (18-21) ربيع الثاني 1431هـ / (3-6) إبريل 2010م:

سلطنة عمان- وزارة الأوقاف والشؤون الدينية 

هذه المقالة تحتوي على التعليقات على آداب الطريق بين التأصيل الفقهي والتطبيق العملي مغلقة

التعليقات مغلقة مع الأسف