ولايـة السوق وأحكامها وتطورها في المدينة الإسلامية

ولايـة السوق وأحكامها وتطورها في المدينة الإسلامية

إعداد: أ. د. حميد لحمر

(أستاذ بجامعة سيدي محمد بن عبد الله، كلية الآداب والعلوم الإنسانية سايس، فاس، بالمملكة المغربية)

 

تقديم

الحمد لله ربّ العالمين وصلَّى الله على سيِّدنا مُحمَّد وآله وصحبه وسلّم تسليما، وبعد؛

يسعدني جدا أن أشارك في هذا المؤتمر العلمي الفقهي الهام، الذي ينظم بهذه الأرض الزكية والطيبة التربية والناس أجمعين، تحت إشراف وزارة الأوقاف والشؤون الدينية الموقرة، وفي بلد مذهب الفقه الإباضي السنّي المتفتح والمتقاطع مع باقي المذاهب، فخلا من شوائب التعصب والتشدّد. وهو أيضا بلد القيادات المتفتحة وملتقى المذاهب الفقهية الإسلامية المتسامحة. وقد حصل لي الشرف أن أشرف على بحوث فقهية تراثية على مذهب السادة الإباضية، ولم يتيسر لي أن أطَّلع على الكتب الكافية التي يمكن من خلالها استيعاب المذهب أكثر، وحتى أستفيد منها في بحثي هذا، ولعلّ هذا الحضور قد يكون فرصة لتعميق التعرف والاطلاع أكثر عليه بحول الله.

السادة العلماء الأجلاء، اسمحوا لي في مستهل هذه الكلمة، أن أقدّم شكري الجزيل لجميع القائمين الساهرين على تنظيم هذه الندوة الدولية الهامة السنوية التي مِمَّا لاشك فيه أنها ستلعب دورا في غاية الأهمِّية في التقريب بين المذاهب، كما وأننا سنستفيد منها نحن القادمين من أقصى الغرب الإسلامي، حيث يلتقي فيها المذهبان المالكي والإباضي في المناطق الجنوبية.

أيها الحضور الكريم، بعد طول النظر والتفكير في موضوع المشاركة حتى ينسجم مع المقام، اخترت أن أتحدث عن ولاية السوق، وعنونت مداخلتي بـ: «ولاية السوق وأحكامها وتطورها في المدينة الإسلامية»، وقسمته إلى ثلاثة أقسام:

القسم الأول: في السوق في القرآن والسنة وشيء من أحكامه، ويضم أربعة مباحث.

القسم الثاني: في تخطيط وتهيئة الأسواق في المدن الإسلامية، وشيء من أحكامها من خلال كتب التراث الفقهي، ويشتمل على مبحثين.

القسم الثالث: في الوالي أو صاحب السوق ومهامه وصلاحياته، ويشتمل على مبحثين.


القسم الأوَّل:

السوق فِي القرآن والسنة وشيء من أحكامه.

المبحث الأول: السوق في القرآن الكريم

جاء ذكر السوق في القرآن الكريم في آيات معدودة منها قوله سبحانه: ﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا، أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَّسْحُورًا ، انظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا ، تَبَارَكَ الَّذِي إِن شَاء جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِّن ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَل لَّكَ قُصُورًا﴾([1]).

فقد بيّن الحق سبحانه أن مسألة دخول الأسواق هو من سنة الأنبياء ـ عليهم السلام ـ ومنهم سيدنا ونبينا مُحمَّد صلعم، وأنه ليس فيه عيب.

وقال الحق سبحانه في آية أخرى: ﴿وَما أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا ﴾([2]).

وقريب من هذا المعنى ـ مشي الأنبياء في الأسواق ـ ما روى جابر بن عبد الله أنّ رسول الله صلعم: مرّ بالسوق داخلا من بعض العالية والناس كنفته، فمرّ بجدي أسك ميت فتناوله فأخذ بأذنه ثمَّ قال:«أيكم يحبّ أن هذا له بدرهم؟» فقالوا: ما نحب أنه لنا بشيء وما نصنع به؟ قال: «أتحبون أنه لكم؟» قالوا: والله لو كان حيا عيبا فيه؛ لأنَّه أسك فكيف وهو ميت.

فقال: «فوالله للدنيا أهون على الله من هذا عليكم»([3]). فالرسول عليه السلام كان كسائر الأنبياء يدخل الأسواق ويعلم المسلمين فيه أمر دينهم المتعلق بالبيع والشراء، وآداب التسوق، وكيفية تنظيم السوق من آداب جامعة وغيرها. ولقد تناول الحديث الشريف موضوع السوق في أماكن متعددة ـ منها ـ وهو موضوع الْمبحث الثاني.


المبحث الثاني: السوق في الحديث النبوي الشريف

ترجم الإمام البخاري في صحيحه في كتاب البيوع:

1- باب ما ذكر في الأســواق:

جاء في فتح الباري أن ابن بطال قال: أراد بذكر الأسواق إباحة المتاجر ودخول الأشراف والفضلاء إلى الأسواق، وكأنه أشار إلى ما لم يثبت على شرطه، من أنها شرّ البقاع، وهو حديث أخرجه أحمد والبزار وصححه الحاكم من حديث جبير بن مطعم أنّ النبي صلعم قال: «أحب البقاع إلى الله المساجد، وأبغض البقاع إلى الله الأسواق». وأخرجه ابن حبان والحاكم أيضا من حديث ابن عمر، قال ابن بطال: “هذا خرج على الغالب، وإلا فرب سوق يذكر فيه اسم الله أكثر من كثير من المساجد” انتهى.

قال الكتاني: “غفل سيّدنا الحافظ ـ رحمه الله ـ عن كون الحديث في صحيح مسلم عن أبي هريرة بلفظ: «أحب البلاد إلى الله مساجدها، وأبغض البلاد إلى الله أسواقها»([4]) وهو من إفراد مسلم عن البخاري فإنه لم يخرجه خلافا لمن زعمه.

وأخرج البخاري في هذه الترجمة قول عبد الرحمن بن عوف لما قدم المدينة: هل من سوق فيه تجارة؟ فقيل: سوق قينقاع، وقال عمر: ألهاني الصفق بالأسواق.

قال الحافظ: الغرض منه ذكر السوق فقط، وكونه كان موجودا في زمن النبي صلعم، وكان يتعاهده الفضلاء من الصحابة لتحصيل المعاش للكفاف والتعفف على الناس، وقال تعالى: ﴿وَما أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ﴾([5])

وترجم ابن رشد الجدّ في كتاب الجامع، من البيان والتحصيل: في “جواز دخول أهل الفضل الأسواق” ومقاربتهم في البيع والشراء، ثمَّ ذكر عن مالك بن أنس أنه سئل عن الرجل له فضل وصلاح يحضر السوق يشتري لنفسه فيقارب في ذلك لفضله ولحاله، قال: لا بأس بذلك، وقد كان عمر بن الخطاب يدخل السوق، وسالم بن عبد الله كان ليقعد في سوق الليل، ويجلس معه رجال، وإن الحرس ليمرون بجلسائه فيقولون: يا أبا عمر، أمن جلسائك؟ فقيل له: ما بال الحرس؟ قال: يطردون منه السفه والعبث.

قال ابن رشد: وأما جواز دخول الأسواق والمشي فيها، فكفى في الحجية في ذلك قول الله عز وجل: ﴿وَما أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ﴾ ردّا لقول المشركين: ﴿ مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأَسْوَاقِ﴾.

وقع في بعض الكتب: أمن جلسائك؟ والمعنى في ذلك إعلامهم إياه أنهم يحفظونهم بمجالستهم إياه فهم آمنون. والمعنى فيما داخل الكتاب الاستفهام في الرجل: هل هو من جلسائه؟ فيحفظونه من أهل السفه كما يحفظونه جلساءه منه. انتهى.

ثم ترجم الإمام البخاري أيضا في “باب كراهية السخب في الأسواق” وهو الصياح، نقل الدماميني عليها على ابن المنير ترجم كثيرا على إباحة السوق ثمَّ ترجم هنا على السخب فيها قال: “وكان البخاري صاحب تجارة وزرع، وقال: يروي أنه أعطي ببضاعة له خمسة آلاف فذكر في نفسه ولم يتلفظ، فأعطي فيها بعد ذلك أضعاف الأولى ألوفا مؤلفة قال: لا، قد كنت ركنت إلى الأولى، فحاسب نفسه على الهواجس التي لا تلزم”. انتهى.

يقول الشريف الكتاني معلّقا: وبذلك وبغيره مِمَّا تقدّم تعلم ما في قول أبي علي اليوسي في “قانونه”: توفِّي رسول الله صلعم عن ألوف من الصحابة ما كان يحسن الواحد منهم أن يشتري حاجة من السوق بقيراط، وهم فقهاء في دين الله”.

و قال ابن الحاج في “المدخل”: “أصحاب رسول الله كانوا في الأسواق يتجرون وفي حوائطهم يعملون، وقد ترجم البخاري أيضا في باب “كسب الرجل وعمله بيده” فذكر فيه عن عائشة لما استخلف أبو بكر الصديق قال: “لقد علم قومي أن حرفتي لم تكن تعجز عن مؤونة أهلي، وشغلت بأمر المسلمين فسيأكل آل أبي بكر من هذا المال، وأحترف فيه للمسلمين”([6]).

وتقدم في حديث أبي هريرة في أول البيوع: أنّ إخواني من المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالأسواق، ويأتي حديث عائشة أن الصحابة كانوا عمال أنفسهم(5).

وترجم البخاري أيضا فِي “باب التجارة في البر وغيره” وساق قوله سبحانه: ﴿رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللهِ﴾([7])، ثمَّ ذكر قول قتادة: كان القوم يتبايعون ويتجرون ولكنهم إذا نابهم حق من حقوق الله لم تلههم تجارة ولا بيع عن ذكر الله حتى يؤدوه إلى الله. قال العيني في العمدة: أراد بالقوم الصحابة، فإنّهم في بيعهم وشرائهم إذا سمعوا إقامة الصلاة يتبادرون إليها لإقامة حقّ.

يؤيد هذا ما أخرجه عبد الرزاق من كلام ابن عمر: أنه كان في السوق فأقيمت الصلاة فأغلقوا حوانيتهم ودخلوا المسجد. قال ابن عمر: فيهم نزلت فذكر الآية. قال ابن بطال: ورأيت في تفسير الآية قال: كانوا حدادين وخرازين، فكان أحدهم إذا رفع المطرقة أو غرز الأشفى فسمع الأذان لم يخرج الأشفى من الغرزة، ولم يوقع المطرقة. ورمى بها وقام إلى الصلاة.

وترجم البخاري أيضا “باب الخروج في التجارة” وقوله سبحانه: “فانتشروا في الأرٍض وابتغوا من فضل الله” الجمعة /10. فذكر فيها قول عمر: ألهاني الصفق بالأسواق، يعني بذلك الخروج إلى التجارة.قال القسطلاني: وكان احتياج عمر على السوق لأجل الكسب لعياله، والتعفف عن الناس.و في ذلك رد على من يتنطع في التجارة فلا يحضر الأسواق، ويتحرج منها، لكن يحتمل أن يتحرج من يتحرج لغلبة المنكرات في الأسواق في هذه الأزمنة بخلاف الصدر الأول.

وترجم البخاري أيضا باب قول الله تعالى: ﴿ أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾([8]). قال القسطلاني عن مجاهد: المراد به التجارة، وقد ترجم البخاري في: “كتاب البيوع” أيضا “باب ذكر الصواغ”، “و باب ذكر القين”، و”باب الخياط” و”باب النساج”، و”باب النجار”، و”باب بيع السلاح في الفتنة وغيرها”، و”باب العطار، وبيع المسك”، و”باب ذكر الحجام”، و”باب التجارة فيما يكره لبسه للرجال والنساء”. قال ابن المنير وابن حجر والدماميني والعيني والقسطلاني وغيرهم: فائدة الترجمة على هذه الصنائع التنبيه على ما كان في زمنه عليه السلام، وأقره مع العلم به، فيكون كالنص على جواز هذه الأنواع، وما عداها إنما يؤخذ بالقياس([9]).

 

المبحث الثالث: الأسواق التي اشتهرت في الجاهلية والإسلام

ترجم البخاري في صحيحه باب: الأسواق التي كانت في الجاهلية فتبايع بها الناس في الإسلام، و ذكر الحديث: عن ابن عباس: “كانت عكاظ ومجنة وذو المجاز أسواقا في الجاهلية، فلما كان الإسلام تأثموا من التجارة فيها، فأنزل الله: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ﴾([10]) في مواسم الحجّ، قرأ ابن عباس كذا”.

قال بن بطّال في شرح الحديث: “فقه هذا الباب أن الناس اتجروا قبل الإسلام وبعده، وأن التجارة في الحجّ وغيره جائزة، وأن ذلك لا يحط أجر الحج إذا أقام الحج على وجهه، وأتى بجميع مناسكه؛ لأنَّ الله تعالى قد أباح لنا الابتغاء من فضله.

وفيه: أن مواضع المعاصي وأفعال الجاهلية لا يمنع من فعل الطاعة فيها، بل يستحب توخيها وقصدها بالطاعة وبما يرضي الله تعالى، ألا ترى أن النبيّ أباح دخول حجر ثمود لمن دخله متعظا باكيا خائفا من نقمة الله ونزول سطوته لمن عصاه”([11]).


المبحث الرابع: ضرورة تعلم أهل السوق أحكام البيع والشراء:

حكى الإمام الشافعي في الرسالة، والغزالي في الإحياء الإجماع على أن المكلف لا يجوز له أن يقدم على أمر حتى يعلم حكم الله فيه.

قال القرافي في الفروق: فمن باع وجب عليه أن يتعلم ما عينه الله وشرعه في البيع، ومن آجر، وجب عليه أن يتعلم ما شرعه الله في الإجارة، ومن قارض وجب عليه أن يتعلم حكم الله في القراض، ومن صلّى وجب عليه أن يتعلم حكم الله في تلك الصلاة، ويدل على هذه القاعدة من جهة القرآن قوله تعالى حكاية عن نوح: ﴿إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾([12])، ومعناه: ما ليس لي بجواز سؤاله علم، وذلك لكونه عليه السلام عوتب على سؤال الله عزّ وجل لابنه أن يكون معه في السفينة، لكونه سأل قبل العلم بحال الولد، وأنه مِمَّا ينبغي طلبه أولا. فالعتب والجواب كلاهما يدلّ على أنه لابد من تقديم العلم، مِمَّا يريد الإنسان أن يشرع فيه.

إذا تقرر هذا فمثله قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾([13]). نهى الله نبيه عن اتّباع غير المعلوم، فلا يجوز الشروع في شيء حتى يعلم فيكون طلب العلم واجبا، على كل حالة ومنه قوله عليه السلام: «طلب العلم فريضة على كلّ مسلم».

قال الشافعي: طلب العلم قسمان: فرض عين، وفرض كفاية. ففرض العين: علمك بحالتك التي أنت فيها، وفرض الكفاية ما عدا ذلك. انتهى.

وفي كتاب “الدوحة المشتبكة في ضوابط دار السكة” لأبي الحسن علي بن يوسف الحكيم الفاسي قال عمر: لا يدخل الأعاجم سوقنا حتى يتفقهوا في الدين، يريد والله أعلم فقه ما يلزمه في خاصة نفسه. أي من أحكام البيوع وأصل ذلك فعله عليه السلام، فإنه كان يعلم كلّ من يتعاطى عملا أحكامه وتكاليفه.  وقال شارح مختصر ابن أبي جمرة،قال علماؤنا: لا يجوز أن يتولى البيع والشراء ويجلس في السوق لذلك إلا وهو عالم بأحكام البيوع والشراء، وأن تعلم ذلك لمن أراده فرض واجب متعين عليه، وحكى على هذا الإجماع. وبهذا قال مالك في كتاب القراض.

وفي المدونة: ولا أحب مقارضة من يستحل الحرام، أو من لا يعرف الحلال من الحرام ولو كان مسلما. و قد روي أن عمر بعث من يقيم من الأسواق من ليس بفقيه، ونحوه لابن رشد في المقدمات، وفي الشبراخيتي على المختصر، قال القباب: لا يجوز للإنسان أن يجلس في السوق حتى يعلم أحكام البيع والشراء. انتهى.

وفي المدخل لأبي عبد الله بن الحاج: قد كان عمر بن الخطاب يضرب بالدرة من يقعد في السوق وهو لا يعرف الأحكام. ويقول: لا يقعد في سوقنا من لا يعرف الربا أو كما قال. وقد أمر الإمام مالك بقيام من لا يعرف الأحكام من السوق لئلا يطعم الناس الربا.

ويحكي الكتاني أنّ أبا مُحمَّد يذكر أنه أدرك المحتسب يمشي في الأسواق، ويقف على الدكان ويسأل صاحبه على الأحكام التي تلزمه في سلعته، من أين يدخل عليه الربا فيها؟ وكيف يحترز منها؟ فإن أجابه أبقاه في الدكان، وإن جهل شيئا من ذلك أقامه من الدكان، ويقول: لا يمكنك أن تقعد في سوق المسلمين تطعم الناس الربا وما لا يجوز.

وفي كتاب: “نهج البلاغة”: أن عليا عليه السلام قال: من اتجر بغير فقه فقد ارتطم ـ يعني ارتبك ـ في الربا. قال ابن أبي الحديد في شرحه: لأنّ مسائل الدين مشتبهة بمسائل البيع ولا يفرق بينهما إلا الفقيه”([14]).

وفي كتاب: “قوت القلوب” لمكي بن أبي طالب: كان عمر t يطوف بالأسواق، ويضرب بعض التجار بالدرة، ويقول: لا يبع في سوقنا إلا من تفقه، وإلا أكل الربا شاء أو أبى.

وعزا بعض المتأخرين إلى الترمذي مرفوعا: ” لا يبيع في سوقنا إلا من تفقه في الدين “(؟) وهو المذكور في كنز العمال([15]). وفي كتاب: “تنبيه المغترين”: كان مالك يأمر الأمراء فيجمعون التجار والسوقة ويعرضونهم عليه، فإذا وجد أحدا منهم لا يفقه أحكام المعاملات، ولا يعرف الحلال من الحرام، أقامه من السوق وقال له: تعلم أحكام البيع والشراء، ثمَّ اجلس في السوق، فإن لم يكن فقيها أكل الربا.

وقال الزرقاني في كتابه: “شرح المختصر” عند قوله: “وتجارة لأرض حرب عن ما لم أنه: لا يجوز شهادة التجار في شيء من الأشياء، إلا أن يتعلموا أحكام البيع والشراء”.

وفي البريقة المحمودية في شرح الطريقة الْمُحمَّدية ” للشيخ أبي سعيد الخادمي الحنفي: على التاجر أن يتعلم أحكام البيوع صحة وفسادا وبطلانا حلا وحرمة وربا وغيرها.

وقال علم بن علاء الحنفي في كتاب التتارخانية: لا ينبغي للرجل أن يشتغل بالتجارة ما لم يعلم أحكام البيع والشراء/ ما يجوز وما لا يجوز.

وقال صاحب البزازية مُحمَّد بن شهاب بن يوسف الكردي الشهير بالبزازي: “لا يحل لأحد أن يشتغل بالتجارة ما لم يحفظ كتاب البيوع، وكان التجار في القديم إذا سافروا استصحبوا معهم فقيها يرجعون إليه في أمورهم، وعن أئمة خوارزم: أنَّه لا بدَّ للتاجر من فقيه صديق.

وفي هذا الصدد يقول أبو سالم العياشي ـ رحمه الله ـ في نظمه في البيوع:

      لا تجلسن في السوق حتى تعلما     ما حل من بيع وما قد حـــرما

      وفي الشرا أيضا وذاك واجـب       أيضا على جميع من يســبــب

      لنفـسه أو غـيره مـا يــــعـــــرف     حكم الذي في فعله تـصـرف

      ودفعك الـمال لـمن لا يــعـــلم        حكم البياعات قراضا يحـرم

وقال أبو زيد التلمساني في نظمه لبيوع ابن جماعة التونسي:

      ولم يحل جلوسه فـي الــشـرع        حتى يكون عارفا بالـــبــيـــــع

      أعني به في سائر الأســــــواق       وذاك معلـوم بالاتـــفـــــــــــــــاق

      وهكذا في كلّ علم   يجــهله          في نفسه في كلّ شيء يفعله

      لا سيما القاضي مع الشــهود         وعممن واحذر من الــوعــــيد

      ولم يجز أن تدفع الأمـــــــوالا        لرجل لا يـعرف الـحــــــــــــلالا

      وذاك في الـقراض والبــيــــــوع     وجملة الأحكام في المشروع


القسم الثاني:

تخطيط وتهيئة الأسواق في المدن الإسلامية، و شيء من نظمها، من خلال كتب التراث الإسلامي

 

المبحث الأول: التخطيط والتصميم الهندسي في إحداث أسواق المدن الإسلامية:

تناول عبد الرحمن بن نصر الشيزري هذا الموضوع بدقة في كتابه الهام: “نهاية الرتبة في طلب الحسبة” حيث رسم صورة الأسواق في المدينة الإسلامية، مراعيا في ذلك جوانب متعددة تراعي حقوق البائع وغيره، فهو يقترح أن يكون السوق ارتفاعه واتساعه على نمط الأسواق الرومانية القديمة التي مِمَّا اشتهرت به، أنها كانت في الغالب الأعم ما تبنى بالقرب من الأماكن المقدسة كالكنائس، كما كانت الدكاكين تنشأ على جانبي الشوارع الكبيرة، ويُجعل لكلِّ صنف من أصناف التجارة موضع خاص، وتبنى السقوف فوق تلك المواضع لحماية المارة من حر الشمس أو تساقطات الأمطار، ولذلك تسمى تلك الأسواق أحيانا بالسقائف، وهذه الأخيرة كانت منتشرة بكثرة في أسواق القسطنطنية وغيرها.

وعند الرجوع إلى كتاب نهاية الرتبة للشيزري، نجده يذكر: “..أن السوق ينبغي أن يتوفر في جانبيه على فريزين يمشي عليهما الناس ـ المارة ـ في زمن الشتاء، إذ لم تكن أرضية السوق مبلطة..”.. ويمعن الشيزري في الاحتياط لجانب الطريق للمارة فنجده ينبه المحتسب إلى منع التجار في الأسواق من إخراج مصاطب دكاكينهم عن سمت السقائف الأصلي.”. والمصطبة تعني: بناء من الحجر أو من الخشب بواجهة الدكان، يبلغ ارتفاعها عن الأرض نحو الذراعين ويكون سطحها في مستوى أرضية الدكان ويجلس عليها صاحب الدكان مع زبائنه.

ولرفع هذا الضرر عن الناس أو المارة يطلب الشيزري من المحتسب ضرورة وجوب إزالته معتبرا إياه ضررا وتجاوزا في استعمال الحق([16]).

وهذا يتمشى والحديث الذي رواه عبد الله بن وهب عن مُحمَّد بن أبي حميد عن مُحمَّد بن المنكدر أن رسول الله صلعم قال: «من اقتطع من طريق المسلمين أو أفنيتهم شبرا من الأرض طوقه الله يوم القيامة من سبع أرضين»([17]).

بعد هذا ينتقل للحديث عن تنظيم الأسواق وكيف ينبغي أن تكون فيقترح على المحتسب أو صاحب السوق نوعا من التخصص لكل سوق من أسواق المدينة وذلك حتى يسهل على المواطن الحصول على مقصوده بكل يسر وسهولة ويتمكن من اختيار السلعة التي يرغب فيها من مجموعة كثيرة ووفرة من السلع، وفي هذا الشأن يقول الشيرزي: “…فإن ذلك لاقتصادهم أرفق، ولصنائعهم أنفق…”. ثمَّ هذا التوزيع الذي ذكره الشيرزي هو نفسه الذي سيسلكه المخططون لإنشاء المدن الإسلامية الكبرى في معظم الأحيان.

بل إن هذا النوع من التوزيع للأسواق حسب نوع المواد المبيعة سيشمل أيضا حتى الصناعات المتنوعة، بل اعتبر أساسا لتخطيط السوق الإسلامية في المدينة، ويتعلق الموضوع بضرورة فصل أماكن الصناعات بعضها عن بعض حسب الاختصاصات، وحسب فضاءاتها، وهكذا فالصناعات التي يلازمها الدخان ـ مثلا ـ كالخبازين والطباخين والحدادين هذه جميعها لا يمكن أن تكون قريبة من الدكاكين التي تتاجر في العطور أو دكاكين الأدوية، أو التوابل أو دكاكين الدقيق؛ لأنّ ضرر الدخان قد يلحق بتلك المواد الغذائية، وكذلك الشأن بالنسبة لدكاكين الثياب وغيرها. وعلى حد تعبير الشيزري: “لعدم المجانسة بين التجارتين، وحصول الإضرار بالناس”.

و من هذا أيضا ما ذكره عيسى بن موسى التطيلي الأندلسي من علماء القرن الرابع (ت386هـ) في كتابه القضاء بالمرفق في المباني ونفي الضرر، ذكر أنَّ عثمان بن الحكم الجذامي حدثه عن عبد الله بن عمر عن أبي حازم أن حدادا ابتنى كيرا في سوق المسلمين قال: فمرّ به عمر بن الخطاب فرآه فقال: لقد أنقصتم السوق ثمَّ أمر به فهدم”([18]).

كما لم تهمل كتب أحكام السوق والحسبة التجاوزات الأخرى التي يمكن أن تحدث في ساحة الأسواق ودروبها، مِمَّا قد يشوش على المسلك المعهود للناس، أو يحدث أذى أو ضررا بالسالكين والعابرين.

وفي هذا الموضوع ناقش السادة العلماء مجموعة من القضايا المضرة بحق المارة والحق العام جاعلين الحديث النبوي سندهم في ذلك وهو: روى ابن وهب عن مُحمَّد بن أبي حميد عن مُحمَّد بن المنكدر أن رسول الله صلعم قال: «من اقتطع من طريق المسلمين أو أفنيتهم شبرا من الأرض طوقه الله يوم القيامة من سبع أرضين»([19]). وقد جعل هذا الحديث سندا قويا في حلّ مجموعة من القضايا والنوازل التي حدثت منها، قال ابن عبدوس: سئل ابن كنانة عن الأفنية والأزقة بين الدور في المدائن والأسواق والقرى هل يترك الناس أن يضيّقوها ويزيدوا منها في دورهم، أو يعمل الرجل فيها حانـوتا؟ قال: ليس لأحد أن يضيق فناء ولا زقاقا ولا رحبة عن منافع الناس، فربما زادوا بالمدينة الصخرة أو الشيء اليسير فيأمر الإمام بكسره، إلا أن يزيد الشيء الذي لا يضر بأحد مثل الشيء يفعله في جداره فلا يضر بأحد فيترك وما ينفعه مِمَّا لا يضر فيه بأحد”([20]).

وحفاظا على جمالية سوق المدينة الإسلامية ودفعا لضرر ما قد يحدثه أصحاب الدكاكين من سقائف الشأن فيها أن تشوش وتضيق الطريق، قال مُحمَّد بن سحنون: وكتب شجرة إلى أبي سحنون يسأله عن حوانيت بشرقي الجامع وأفنيتها ساحة، وبين يديها سقائف على عمد لاصقة بالطريق، والناس يسلكون تحتها وهي نافذة، وبين يدي الحوانيت دكاكين، والطريق بين الدكاكين وبين العمد، فأراد أهل الحوانيت قطع الطريق بالبناء أو أراد كلّ واحد أن يجعل حائطا من حائطه إلى العمد من الجانبين ليدخل إليه من العمد، فكتب إليه: ليس لهم قطع الطريق ببناء في هذه السقائف، ولا في كلّ حانوت منها إن كره ذلك أهل الحوانيت. وكتب إليه في حوانيت على هذه الصفة مملوكة فأراد أهلها سد الطريق بين السقائف واتخذوا دكاكين أمام العمد نصبوا عليها ركائز، فكتب إليه: ترد على حالها ويمنع من تضييق الطريق، وأما هذه الحوانيت فهي لأهلها وهم إذا قطعوا هذه الطريق يزيد أمام السواري ما يضر بالطريق فليس ذلك لهم وإنما موضع السواري فناؤهم ويدخل الناس إليهم، فإذا فعلوا ما ذكرت زادوا فناء من الطريق، وإنما الذي بين يدي هذه الحوانيت أفنية سقفت، والأفنية لا تقسم وهي بذلك قديمة فتبقى على حالها”([21]).

إلى جانب هذا اهتمت كتب الحسبة، ومنها كتاب ابن بسام والشيزري، بما ينبغي أن تكون عليه الشوارع والطرقات ـ فإلى جانب ما ذكرنا سابقا ـ لابد من احترام الأخلاق كذلك، فلا يجلس الرجال في عرض الطريق التي يمر منها النساء على الخصوص، ولا تقف النساء على أبواب بيوتهن للتطلع إلى الرجال.

وقريبا جدا من هذه المعاني ـ السابقة ـ ذكر ابن بسام المحتسب في كتابه: نهاية الرتبة؛ فنجده خصص الباب الثاني من الكتاب للحديث والنظر في الأسواق والطرقات، وهنا سيكرر ما جاء عند الشيزري تقريبا خصوصا عندما تحدث عن ضرورة الفصل بين الدكاكين التي ترجع للعطارين والبزازين والدكاكين الأخرى التي تحتاج على وقود نار، ومن مجموع هذه ذكر لنا دكاكين: “الجردقاني” التي قال عنها محقق الكتاب: إنّها نسبة إلى الجردقة وهي: الرغيف، قال: وهي فارسية، ومعناها: المستدير.

 

المبحث الثاني: شيء من نظم وأحكام أسواق المدينة الإسلامية

إلى جانب ما ذكرناه سابقا من ضرورة تعلم أهل السوق أحكام البيع والشراء تفيدنا المصادر، وهي كثيرة، ومنها كتاب نهاية الرتبة للشيزري وابن بسام إلى قضية حماية الأسواق من التلوث، فمنها منع مرور أحمال الحطب وما أشبهها مِمَّا قد يؤذي المارة، وقد استدل بالحديث النبوي المشهور، قوله صلعم: «لا ضرر ولا ضرار».

وقد تحدث ابن بسام كثيرا عن نظم السوق، وختم كلامه في الباب الثاني بمسألة في غاية الأهمِّية تتعلق بتأديب الغشاشين من أهل السوق ـ البائعين ـ عند تكرار غشهم وخداعهم للمشترين، فيقترح الضرب على أيدي هؤلاء وتأديبهم بما يراه مناسبا لهم ردعا لهم كعقوبة تعزيرية، وهو يستند هنا بما يرويه عن علي بن أبي طالب t أنه أمر بضرب رجل وجب عليه الحد، فقال له وهو يضربه: قتلتني يا أمير المؤمنين؟ فقال: له الإمام: الحق هو الذي قتلك، قال: فارحمني، قال: لست أرحم بك ممن أوجب عليك الحد…

والإمام ابن بسام بعد أن قدم رأي الإمام علي يقرر عقوبة أخرى من العقوبات التي يمكن أن يطبقها والي السوق أو المحتسب على كلّ من خالف نظام السوق وهي: الإبعاد والتنحية والإقصاء من السوق.

ويحكي يحيى بن عمر مسألة أخرى في غاية الأهمِّية تتعلق بنظام السوق، يستدعي عدم الالتزام بها الإبعاد من السوق وهي ترتبط بمسألة التسعير، يقول: “… ولو أن أهل السوق اجتمعوا على أن لا يبيعوا إلا بما يريدون مِمَّا قد تراضوا عليه مِمَّا فيه المضرة على الناس، وأفسدوا السوق، كان إخراجهم من السوق حقا على الوالي… وكذلك أرى أن يفعل بمن نقص من السعر الذي عليه أهل السوق…” ([22]).

ومن العقوبات التي يقترحها للضرب على أيدي الغشاشين أنه سئل عن التين المدهون، هل ينهى أهله أن لا يدهنوه، فقال: أرى أن ينهوا عن دهن التين بالزيت..فإن نهي ثمَّ دهنه بعد ذلك، فأرى أن يتصدق بالتين على المساكين أدبا له،.. وكذلك اللبن إذا مزج بالماء.. وكذلك الخبز إذا نقص.. ويقام من السوق..” ([23]).

وفي إطار حماية السوق مِمَّا يؤذي المارة: يروي يحيى بن عمر عن ابن القاسم عن الرجل يرش بين يدي حانوته، فتزلق الدابة فتكسر، فقال: إن كان رشا خفيفا لم يكن عليه شيء، وإن كان كثيرا لا يشبه الرشّ، خشيت أن يضمن.

وسئل يحيى بن عمر عن الطين إذا كثر في الأسواق، هل يجب على أرباب الحوانيت كنسه وهو مِمَّا أضر بالمارة وبالحمولة؟ فقال: لا يجب عليهم كنسه لأنه من غير فعلهم. فقيل له: فإن أصحاب الحوانيت كنسوه وجمعوه وتركوه في وسط السوق أكداسا، فربما أضر بالمارة وبالحمولة؟ فقال: يجب عليهم كنسه”([24]).

وعلى العموم هذه نماذج من نظام سوق المدينة الإسلامية تعطينا صورة عن كيفية معالجة بعض قضاياه من خلال كتب التراث التي تناولت الموضوع.

نماذج من كتب أحكام السوق، وعينات من مباحثها:

اهتمّ الفقهاء بتنظيم أسواق المدينة الإسلامية وكتب الأموال وضمنها مباحث عن مسائل الأسواق، وبعضهم كتبوا في الموضوع مباحث ضمن كتب الدواوين الفقهية، وبعضهم أفرد هذا الباب بالتأليف في كتب مستقلة، وهم كثر نذكر منهم:

– أبو عبيد القاسم بن سلام المتوفى سنة 224هـ له كتاب الأمـوال، وهو مطبوع متداول.

-وأبو يوسف قاضي القضاة الحنفي المتوفى سنة 182هـ له كتاب الخراج،  وهو مطبوع أيضا.

– وأحمد بن نصر الداودي الفقيه المالكي المتوفى سنة 402ه وهو مطبوع متداول.

– وابن بسام في كتاب نهاية الرتبة.

-وكتاب التيسير في أحكام التسعير للقاضي أبي العباس أحمد بن سعيد.

– و عبد الرحمن بن نصر الشيزري في كتابه: نهاية الرتبة في طلب الحسبة .

وغيرها من الكتب الأصيلة، وإلى جانب هذا ألف السادة الفقهاء مباحث عن السوق وأحكامه ضمن المباحث المتعلقة بباب البيوع على مستوى جميع المذاهب.

ومن الأصول العلمية في هذا الباب والتي ظهرت في وقت مبكر كتاب أحكام السوق، أو “النظر والأحكام في جميع أحوال السوق” تأليف الإمام الفقيه أبي زكريا يحيى بن عمر بن يوسف الكناني الأندلسي المتوفى سنة 289هـ.

ويعتبر كتابه هذا من أنفس الكتب العتيقة التي وصلتنا عن المكتبة الأندلسية المالكية في هذا الباب، وحاولت أن تنظم سوق المدينة الإسلامية الأندلسية. ـ في ذلك الوقت ـ والكتاب طبع قديما بتحقيق الشيخ العلامة حسن حسني عبد الوهاب.

ثم طبع جزء منه في مجلة الدراسات الأندلسية، ولما طبع كتاب المعيار المعرب للإمام الونشريسي كان هذا الكتاب من جملة مطبوعه.

والقارئ للكتاب يلاحظ وهو يقرأه أنَّه جاء على شكل سؤال وجواب، على نمط كتب النوازل الفقهية التي عرفت في المجتمع الأندلسي.

وحتى يمكن الوقوف على المباحث التي تتناولها كتب الأسواق، يمكن أن نستعرض مباحث ونوازل القضايا التي تناولها يحيى بن عمر الأندلسي، فهو استوعب أنواع المسائل التي تتعلق بالسوق والملقاة على عاتق واليه أو صاحبه، وكأنه يشير إلى العناصر الأساسية التي تضطلع بها مهمة ولايـة السـوق، منها:

-1-وجوب وضرورة إشراف الدولة على مراقبة حركة الأسواق بأنواعها:

وهذه نقطة تشير إلى ضرورة تعيين والي السوق. عالجه في الباب الأول، ولمح إلى هذا في أبواب متفرقة، منها: الباب الأول:القول فيما ينبغي النظر فيه من الأسـواق. وذلك بأمور منها:

أ ـ تعيين مراقبين عليها. (و هذا سنتناوله لاحقا).

ب ـ توحيد المكاييل والموازين.

ج ـ متابعة المتلاعبين بالمعايير ونظام الأسواق، إما بحرمانهم من الاتِّجار في السوق أو بإخراجهم منها، أو بغلق محلاتهم التجارية.

د ـ حماية السوق من الأموال المزيفة والنقود المزورة.

وحول هذه النقط يقول يحيى بن عمر: “ينبغي للوالي الذي يتحرى العدل أن ينظر في أسواق رعيته، ويأمر أوثق من يعرف ببلده أن يتعاهد السوق، ويعير على أهله صنجاتهم وموازينهم ومكاييلهم كلها، فمن وجده قد غير من ذلك شيئا عاقبه على قدر ما يرى من بدعته وافتياته على الوالي، ثمَّ أخرجه من السوق حتى تظهر منه التوبة والإنابة إلى الخير، فإذا فعل هذا رجوت له أن يخلص من الإثم وتصلح أمور رعيته إن شاء الله.

ولا يغفل النظر، إن ظهر في سوقهم دراهم مبهرجة أو مخلوطة بالنحاس، وأن يشدد فيها ويبحث عمن أحدثها، فإذا ظفر به إن كان واحدا أو جماعة أن ينالهم بشدة النكال والعقوبة، ويأمر أن يطاف بهم في الأسواق، ويشرد بهم من خلفهم يتقون عظيم ما نزل بهم من العقوبة ثمَّ يحبسهم على قدر ما يراه، ويأمر من يثق به أن يتعاهد ذلك من السوق حتى تطيب دراهمهم ودنانيرهم وتحرز نقودهم، فإن هذا أفضل ما يحوط به رعيته، ويعمهم نفعه في دينهم ودنياهم…” ([25]).

وسئل عن اختلاف الموازين والمكاييل التي يحدثها الناس دون الرجوع إلى السلطان؟ فقال: “فلا ينبغي لحواضر المسلمين في أسواقهم أن تكون بهذه الحال التي وصفت، فإن كان لهم وال، فليتق الله ربه فيما استرعاه الله، ويحوطهم في موازينهم ومكاييلهم حتى تكون معروفة كلها، وقناطيرها وأرطالها , يكون أصل ما توضع عليه أرطالهم على الأوزان التي أوجب النبي عليه السلام زكاة العين.. ويضع مكاييل رعيته.. على الكيل الذي فرض رسول الله زكاة الحبوب به..” ([26]). فإن لم يكن لهم وال فالجماعة تقوم مقام الوالي قال يحيى: “وإذا كان المسلمون في موضع ضيع الوالي هذا رعيته أو لم يكن معهم وال، فليجتمع خيارهم وأهل الفضل والصلاح منهم حتى يجعلوا لأهل موضعهم من موازينهم ومكاييلهم شيئا مثل ما وصفنا…”.

-2-إزالـة الـضرر في الأسـعار: عالجه في باب: الحكم في القيم والتسعير.

قال يحيى في معالجة موضوع الأسعار بعد أن استعرض مجموعة من الأحاديث في موضوع التسعير: “…وكذلك حدثني من سميت لك من مشايخي، عن ابن وهب قال: “سمعت مالكا يقول: لا يسعر على أحد من أهل السوق، فإن ذلك ظلم، ولكن إن كان في السوق عشرة أصوع فحط هذا صاعا يخرج من السوق. ـ قال يحيى بن عمر ـ:هذا الذي آخذ به وأختاره لنفسي، لا يسعر على أحد، وكل من حط من السعر الذي في السوق يخرج، وقد فعل ذلك عمر بن الخطاب t قال لرجل يبيع زبيبا: إما أن تزيد في السعر، وإما أن تخرج من سوقنا.

قال يحيى: “ولو أن أهل السوق اجتمعوا أن لا يبيعوا إلا بما يريدون مِمَّا قد تراضوا عليه مِمَّا فيه المضرة على الناس وأفسدوا السوق، كان إخراجهم من السوق حقا على الوالي، وينظر للمسلمين فيما يصلحهم ويعمهم نفعه ويدخل السوق غيرهم، فإنه إن فعل ذلك معهم رجعوا عما طمحت إليه أنفسهم من كثرة الربح… وكذلك أرى أن يفعل بمن نقص من السعر الذي عليه أهل السوق…

إلى أن يقول: “فعلى هذا ينبغي للوالي أو القاضي أو الناظر في أسواق المسلمين المتحري العدل أن يعملوا في الأسواق، وبالله التوفيق”.

3- إزالة كلّ أنواع الغش والتدليس والغرر، وعقوبة من فعل شيئا من ذلك:

جاء ذكرها في باب: حكم الحناطين، وباب: حكم التين المدهون بالزيت واللبن المخلوط بالماء، وباب: الفواكه تباع في السوق قبل أن يطيب جلها، وباب: حكم الخبز يوجد فيه حجارة، وباب: حكم الخبز الناقـص، وباب: حكم القمح الطيب يخلط مع القمح الدنيء، وباب الحكم في صاحب الفرن يطحن في المطحنة بإثر نقشها، وباب: في حكم من غش أو نقص من الوزن، وفي هذه الأبواب ذكر يحيى بن عمر أمثلة كثيرة نورد منها:

– سئل عن الحناطين: هل يجب عليهم أن لا يبيعوا القمح والشعير والفول… حتى يغربلوها؟ فقال: قال مالك: لا يبيعون كلّ ما ذكرت إلا بعد أن يغربلوها.. قال يحيى: فأرى أن يلزموا بذلك.

– و سئل عن التين المدهون، هل ينهى أهله أن لا يدهنوه، فقال: أرى أن ينهوا عن دهن التين بالزيت.. فإن نهي ثمَّ دهنه بعد ذلك فأرى أن يتصدق بالتين على المساكين أدبا له. وكذلك اللبن إذا مزج بالماء. وكذلك الخبز إذا نقص. ويقام من السوق([27]).

4 ـ وجوب البيان ومشروعية كتابة لائحة مواد صناعة الغذاء:

جاء ذكره في باب: لبن االبقر والغنم يخلطان جميعا، وفي باب: خلط العسل الطيب بالردئ، و في باب: خلط الزيت القديم بالجديد، وفي خلط الشيء بعضه ببعض.

قال في بعضها: وذكر أن مالكا سئل عن لبن البقر والغنم يخلطان جميعا، وأن يضرب كلّ واحد منهما على حدة، وإن ضربا جميعا؟ قال:أرى عليه إذا باع أن يبين ذلك للمبتاع، فيخبره أن ذلك لبن بقر وغنم. وتساهل في خلط زبدهما لتقاربهما في الجودة…، ثمَّ قال وأحب إلي أن لا يخلط. وهذا الحكم يجري في خلط الشيء بعضه ببعض.

قال يحيى: سئل ابن القاسم عن الجزار يكون عنده اللحم السمين واللحم الهزيل فيخلطهما، ويبيعهما بوزن واحد مختلطين، والمشتري يرى ما فيه من المهزول والسمين، غير أنه لا يعرف وزن هذا من هذا، قال: أما إن كان الأرطال اليسيرة..فلا أرى بذلك بأسا، وإن كثرت الأرطال..فلا خير في ذلك حتى يعرف وزن كلّ واحد منهما؛ لأنَّ ذلك من الغرر.. وأرى أن يمنع الجزارون من مثل ذلك… ومثل ذلك خلط الفؤاد والكرش والدوارة مع اللحم… ([28]).

5 ـ مراقبة الجودة ومنع ما يضر الناس: جاء ذكرها في ثلاثة أبواب:

في باب: الجزارون والبقالون وغيرهم يخلون السوق لواحد منهم يبيع فيه اللحم، وفي باب: الرطب يغمر والبسر يرطب ويباع كلّ واحد منهما في السوق، وفي باب: الثياب تلبس ثمَّ تقصر ثمَّ تباع.

جاء في كتاب السوق: سئل عن إخلاء السوق لرجل يبيع فيه وحده لحاجة اقتضت ذلك؟.. فقال: إذا أخلى أهل السوق السوق لهذا الرجل كما ذكرت وكان مضرة على العامة نهوا عن ذلك، وإن لم يكن على العامة فيه ضرر فذلك لهم. وسأل صاحب السوق مالكا عن الرطب الذي يباع في السوق وقد غمره؟ فأمره أن يتقدم إليهم أن لا يبيعوه مغمرا، فإن ذلك يضر بالبطون.. وأن يضرب الذي استعمله.

وكذلك البطيخ الذي يقضب ويجلب إلى السوق للسعر، وغيره من الفواكه، فإنه لا يحل قطعه حتى ينتهي نضجه([29]).

كما جاء فيه: جواز بيع ما أعيد تصنيعه أو استعماله كالثياب المستعملة بشرط البيان، قال مالك: وكذلك الثياب تلبس ثمَّ تقصر ثمَّ تباع، فلا أرى بيعها بأسا إذا بين أنها لبست ثمَّ قصرت. قال: وأراه عيبا فيها إذا لم يبين، قال: وأرى أن يبين لمن يشتري الرطب المخلل والثياب المقصرة؛ لأنَّه عيب وغش. قيل ليحيى بن عمر: أتقول بهذا كله؟ قال: لا أرى أن يباع مثل الرطب المخلل وإن بينه؛ لأنَّه لعل مشتريه لا يعلم أنه يؤذيه إذا أكله، والثياب أسهل؟([30]).

6 ـ يمنع بيع المحظور شرعا، وكذا ما أدى إلى المحظور: نبه إليه في بابين الأول: النهي عن الخف والنعل والصرار، والثاني في: مسألة في بيع الدوامات والصور.

وفيه: سئل يحيى بن عمر عن الدوامات والصور وبيعها من الصبيان؟

فقال:…قال مالك: “لا خير في الصور. قلت لأبي زكرياء: إن بعض قضاة عبد الله بن أحمد بن طالب كتب إليه: إن القدور التي تقايس قدور النحاس، إنما اتخذت لعمل النبيذ، وقالوا: لا تصلح لغيره، وهي تكرى لعمل النبيذ… فكتب عليه بخط يده: إذا لم تكن لها منفعة غير عمل النبيذ، فغير حالها، واكسرها وصيرها نحاسا ورده عليهم، كما يفعل بالبوق إذا كسر، وامنع من يعملها ومن يشتريها.

وسئل يحيى بن عمر عن الخف يعمله الخرازون مثل النعل الصرار، هل ينهون أن يعملوا الخفاف الصرارة؟ فإن النساء يشترينها فيلبسنها، فيصير في أجلهن الصرار الشديد، فيشققن بها الأسواق ومجامع طرق الناس فربما يكون الرجل غافلا في عمله فيسمع صرير ذلك الخف فيرفع رأسه، هل ينهى الخرازون عن عمل ذلك الخف..؟ قال: أرى أن ينهى الخرازون عن عمل الأخفاف الصرارة، فإن عملوها بعد النهي رأيت أن عليهم العقوبة([31]).

7 ـ حماية السوق مِمَّا يؤذي المارة:  نبه عليه في باب:إهراق الماء أمام الدور والحوانيت:

جاء في الكتاب: وسئل ابن القاسم عن الرجل يرش بين يدي حانوته، فتزلق الدابة فتكسر، فقال: إن كان رشا خفيفا لم يكن عليه شيء، وإن كان كثيرا لا يشبه الرش، خشيت أن يضمن.

وسئل يحيى بن عمر عن الطين إذا كثر في الأسواق هل يجب على أرباب الحوانيت كنسه وهو مِمَّا أضر بالمارة وبالحمولة؟ فقال: لا يجب عليهم كنسه لأنه من غير فعلهم.فقيل له: فإن أصحاب الحوانيت كنسوه وجمعوه وتركوه في وسط السوق أكداسا، فربما أضر بالمارة وبالحمولة؟ فقال: يجب عليهم كنسه([32]).

8 ـ التحذير من:الاحتكار والتلاعب بالأسعار، والغبن:

ذكره في باب: ما جاء في الحكرة وما يجوز فيها:

جاء في كتاب السوق: “قال: وسمعت يحيى بن عمر يقول في هؤلاء المحتكرين إذا احتكروا الطعام وكان ذلك مضرا بالسوق: أرى أن يباع عليهم، فيكون لهم رأس أموالهم، والربح يؤخذ منهم، يتصدق به أدبا لهم، وقال: وأرى هؤلاء البدويين إذا أتوا بالطعام ليبيعوه في سوق المسلمين، وأنزلوه في الفنادق والدور، فأرى على صاحب السوق أن يأمرهم أن لا يبيعوه إلا في أسواق المسلمين، حيث يدركه الضعيف والقوي والشيخ الكبير والعجوز([33]).

وفي مسألة الغبن: سئل سحنون عن الرجل الغريب يدخل السوق وهو جاهل بالسعر، فيقول للبائع: أعطني زيتا بدرهم، أو قمحا، ولا يسمي له سعر ما يشتري منه، هل يصح أو تراه من الغرر؟ فقال: بيع الزيت والقمح معروف ليس فيه خطر.

قال يحيى بن عمر: غبن المسترسل حرام، وكان يذهب على أنه يرجع عليه فيأخذ منه ما بقي من سعر السوق.

9– ضمان بائع العملات والرجوع إلى أهل الخبرة وتحكيم الأعراف:

ذكره في باب: الحكم في الصـيارفـة:

وفيه عن ابن القاسم عن مالك: في رجل دفع إلى صراف دينارا على دراهم فنقره فضاع، إنه ضامن. وقال أصبغ: لأنه وجه بيع وشراء فهو ضامن. قال يحيى بن عمر: فنقره يعني طار من يده([34]). وفي موضع آخر: سئل يحيى بن عمر عن رجل تعدى على دينار فكسره، فقال: يغرم مثله في وزنه وسكته. فقال السائل: إنه لا يوجد مثله في سكته لرداءته ونقصه، فقال: يمضي به أهل المعرفة بالدنانير. وقيل له: لو أن رجلا مر بدينار إلى رجل ليريه إياه فأخذه الرجل فجعله بين أسنانه لينظر ذهب الدينار: لينا أو يابسا؟ فكسره لأن سنة الدنانير إذا وزنت أن تجعل بين الأسنان لتختبر…فلا ضمان عليه([35]).

10- الضـريبة على المبيعات: في باب: فيما يأخذه صاحب السوق من الباعـة:

قال يحيى بن عمر: واختلف العلماء فيما يأخذون (أصحاب السوق) من الباعة، هل هو حلال أو حرام أو مكروه؟ فمنهم من قال: إنه حرام، ومنهم من قال: إنه مكروه، ومنهم من قال: إنه حلال. والمشهور من المذهب أنه إذا كان مستغنيا عن الأخذ فالحرمة، وأما إن كان محتاجا غاية الاحتياج فلا بأس أن يأخذ، لكن على شرط أن لا يركن إليهم وليراع المصلحة والمعروف لجميع الناس([36]).

 

القسم الثالث:

صاحب أو والي السوق ومهامه وصلاحياته

تمهيد:

كانت الأسواق منذ عهد مبكر من تاريخ الدولة الإسلامية خاضعة لمراقبة الدولة، فقد روي أن الرسول صلعم: مرّ بصبرة طعام فأدخل يده فيها فنالت بللا، فقال: «ما هذا يا صاحب الطعام؟» فقال: أصابته السماء يا رسول الله، فقال: «أفلا جعلته فوق الطعام كي يراه الناس، من غشنا فليس منا».

هذا وقد فوض الرسول عليه السلام أمر الإشراف على الأسواق إلى موظف خاص.

بعض من ولي السوق زمن الرسول عليه السلام: قال صاحب السيرة الحلبية: “كان رسول الله صلعم استعمل سعد بن سعيد بن العاص بعد الفتح على سوق مكة، واستعمل عمر على سوق المدينة”([37]). يقول الكتّاني: وبذلك تعلم ما في قول القلقشندي في صبح الأعشى: “أول من قام بهذا الأمر يعني الحسبة وصنع الدرة عمر بن الخطاب في خلافته([38]).

فإن كان مراده الأولية في كلّ منهما مع التقييد بمدة خلافة عمر فلا إشكال أنه تقصير؛ لأنَّ عمر كان يحمل الدرة في العهد النبوي، كما أن تكليفه بالسوق كان في زمنه عليه السلام. كما كلف غيره بذلك إذ ذاك.

وورد في المدونة: “أن الخلفاء الراشدين كانوا يضمنون الصناع… وأن عمر بن الخطاب كان يضمن الصنَّاع الذين في الأسواق وانتصبوا للناس ما دفع إليهم”([39]).

وهكذا اتبع الخلفاء سنة نبيهم عليه السلام في مراقبة أهل الأسواق بمن فيهم الصناع. فقد كان الخليفة عمر بن الخطاب يطوف في الأسواق، وعلى عاتقه درته يتفقد أحوال أهل السوق، وكثيرا ما ضرب من يقعد في السوق ولا يعرف أحكامه.

وروي أنه أمر بائعا يبيع زبيبا في السوق أن يزيد في السعر الذي يبيع به أو يخرج من السوق([40]).

وأمر بهدم كير حداد في السوق، لكونه يضيق على الناس في السوق، وقال له: “أتنقص من سوق رسول الله”([41]).

هذا وقد عين الخليفة عمر كلا من السائب بن يزيد، وعبد الله بن عتبة وسلمان بن أبي حثمة عمالا على سوق المدينة.

وقد ذكر أنه ولّى امرأة أمور السوق، اسمها الشفاء بنت عبد الله بن عبد شمس العدوية القرشية، ولعله ولاّها في مهمة تتعلق بأمور النساء.

وفي التيسير في أحكام التسعير للقاضي أبي العباس أحمد بن سعيد: من شرط المحتسب أن يكون ذكرا، إذ الداعي للذكورة أسباب لا تحصى وأمور لا تستقصى، ولا يرد ما ذكره ابن هارون: أن عمر ولى الحسبة في سوق من الأسواق امرأة تسمى الشفاء، وهي أم سليمان بن أبي حثمة الأنصارية؛ لأنَّ الحكم للغالب والنادر لا حكم له، وتلك القضية من النذور بمكان، ولعله في أمر خاص يتعلق بأمور النسوة.

وعبارة ابن عبد البر: وكانت تمر في الأسواق، وتنهى عن المنكر، وتنهى الناس “صريحة في خلاف تأويله، نعم: عبارته كالصريحة في أنها لم تول ذلك في زمنه عليه السلام، ويؤيده ما في: جمهرة ابن حزم” كان عمر استعملها في السوق([42]).

وفي أحكام القرآن لابن العربي على قوله تعالى: ﴿ إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ﴾([43]). وقد روي أنّ عمر قدم امرأة على حسبة السوق ولم يصحّ، فلا تلتفتوا إليه، وإنّما هو من دسائس المبتدعة في الأحاديث.

يقول الكتَّاني معلقا: “ومِمّا سبق عن ابن عبد البر من الجزم بما ذكر في ترجمة سمراء، وعن القاضي ابن سعيد من توجيه أن ولايتها كانت في أمر خاص يتعلق بأمر النساء ما ينحل به إيراد ابن العربي، وإلاّ فهو وجيه؛ لأنَّ المرأة كما قال هو أيضا في الأحكام لا يتأتى لها أن تبرز إلى المجالس، وتخالط الرجال وتفاوضهم مفاوضة النظير للنظير؛ لأنَّها إن كانت فتاة حرم النظر إليها وكلامها، وإن كانت متجالة برزة لم يجمعها والرجال مجلس تزدحم فيه معهم ولم يعلم قط من تصور هذا ولا أعتقده.

وفي زمن عثمان بن عفان، كان الحارث بن العاص عاملا على السوق، أما علي بن أبي طالب، فقد كان يتفقد السوق بنفسه ويأمر بحسن البيع، وعدم الغش في الكيل والميزان ويوصي الصناع بأخذ الحق وإعطائه، وإتقان العمل وإجادته([44]).

واتبع النظام نفسه في العصرين الأموي والعباسي، فكان الخلفاء أو ولاتهم يعينون عمالا على السواق، أو يتزينوا بزي الصناع لتفقد أحوال السوق([45]).

وقد أطلق على الموظف الذي يشرف على السوق اسم: “العامل على السوق” أو “والي السوق” أو “ناظر أحكام السوق” أو “صاحب السوق”([46]) ولم يكن لفظ المحتسب متعارفا إلا في القرن الرابع الهجري. فمن هو صاحب السوق هذا وما هي مهامه وصلاحياته؟ ذلكم هو محور الفقرة الموالية:


المبحث الأوّل: صـاحب الســوق ورقـابة الـدولة على الصناع

عندما أخذت الدولة تنظر إلى الأسواق كمصدر للدخل، استوجبت الأوضاع تكوين أداة إدارية مهمتها الإشراف على تنظيم الأسواق، وضمان استمرارية تدفق الدخل.

ووجدت تلك الأداة في صاحب السوق (المحتسب) أو ما يسمَّى أيضا بوالي السوق، وهو منصب ديني، نشأ في زمن الرسول عليه السلام، حيث كان يعتني بشكل رئيس بالإشراف على جودة السلعة، ومراقبة معاملات البيع والشراء في السوق وفقا لمبادئ الإسلام وتعاليمه، والنظر في الطرقات، وأحسن تعريف للحسبة قد يكون ذلك الذي قدمه ابن خلدون في المقدمة، قال: “هو وظيفة دينية من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الذي هو فرض على القائم بأمور المسلمين، يعين لذلك من يراه أهلا له، فيتعين فرضه عليه، ويتخذ الأعوان على ذلك..” ([47]). فقد أوضح ابن خلدون أن صاحب أو والي السوق كان موظفا حكوميا يتم تعيينه مباشرة من قبل الدولة. وهو نفس ما نجده في النوادر قال ابن أبي زيد: “قيل لسحنون: أيجوز قضاء صاحب السوق في الأموال والأرضين؟ قال: إن جعل ذلك الأمير الذي يولي القضاة وهو الأمير الكبير، أو أمير الأمصار مثل مصر وإفريقية والأندلس جاز قضاؤه”([48]).

على أن أهمِّية هذه الوظيفة أخذت في التنامي مع نمو نظام الأسواق المتخصصة، والمسقوفة (القيصريات) في المدينة العربية الإسلامية، وسرعان ما أخذت أحكامها وشروطها تحدد في رسائل، ثمَّ تحولت إلى دلائل عمل توضح لوالي أو صاحب السوق كيفية أداء واجباته ومسئولياته.

ويذهب الأستاذ مُحمَّد حسن إلى أن صاحب ـ أو والي ـ السوق لم يكن من مهامه السهر على التنظيم الداخلي للحرفيين، وإنما الحسبة: “مؤسسة حكومية تشرف على الإنتاج وتراقب وسائله وقواه وعلاقاته”([49]).

هذا وقد كان الإمام سحنون أوّل قاض ينظم الحسبة بإفريقية ـ القيروان ـ، ويفصلها عن القضاء، باتخاذه موظفا خاصا بها، بينما كان الولاة بإفريقية قبل ذلك ينظرون في الأسواق، ويتولون أمور الحسبة فيها، لكن بطريقة غير مباشرة، فكانوا يكلفون من يسهر على تنظيمها وحمايتها، لتوفير الظروف الملائمة، والمشجعة على التطور الاقتصادي([50]).

فلما تولى سحنون قضاء القيروان سنة 234هـ/848م، سعى إلى تنظيم الأسواق ومراقبتها بكل صرامة “فنظر فيما يصلح من أمر المعاش، وما يغش من السلع، ويجعل الأمناء على ذلك، ويؤدب على الغش، وينفي من الأسواق من يستحق ذلك..” ([51]).

ورغم أن سحنون لم يكن يأخذ لنفسه رزقا ولا صلة من السلطان في قضائه كله، إلا أنه كان حريصا على أخذ الأرزاق لأعوانه وكتابه، وكلم الأمير لهم حتى أجرى ذلك لهم، وسأله أن يعطيهم من جزية اليهود”([52]).

وأول من تولى الحسبة لسحنون هو حبيب بن نصر التميمي، ولما ولي عيسى بن مسكين القضاء في عهد الأمير إبراهيم بن أحمد (261- 289هـ/874-902م) عين أبا الربيع سليمان بن سالم الكندي القطان (ت 289-902هـ) واليا على المظالم([53]).

وعلى العموم يمكن القول إنّ أحسن تعريف جامع للمحتسب أو بتعبير آخر صاحب السوق ما ذكره الحسن الوزان في كتابه القيّم: “وصف إفريقيا”، قال أثناء حديثه عن دور المحتسب: “… المحتسب: هو الذي يشرف على أمناء الحرف والمهن، وشغله الشاغل هو: التجول في المدينة باستمرار على ظهر فرسه أو بغلته مصحوبا بعدد من أعوانه لا يقل عن اثنتي عشر عونا، لمراقبة الأسواق وما يجري فيها من بيع وشراء، وفي استطاعته متى لم يجد الوزن كما هو، أن يقوم بإهانة الغاش، وبالتصدق بالبضاعة على الفقراء، وبإتلافها، وما أزال أتذكر ـ إلى اليوم ـ منظر العديد من الأحذية وقد قطعت ومزقت وألصقت على جدار لسوق لمركزي للأحذية، ومن الجاري به العمل أن يعين المحتسب بمرسوم يحمل خاتم رئيس الدولة نفسه، تعبيرا عن الأهمِّية التي تولى للمحتسب…” ([54]).

كما كان مِمّا يندرج في ترتيب السوق وإحكام ضبطه وتنظيمه، أن يقوم المحتسب بتعيين أمين لكل مهنة أو حرفة في السوق يكون بمثابة النائب عنه، والممثل له لدى أهل تلك الحرفة، وهذا الأمين يسمَّى: العريف، ويختار في الغالب من أهل الصلاح والثقة، ومن أهل الخبرة التامة بصناعة أهل الحرفة، وبما يمكن أن يقوم به الحرفيون، من غشّ وتدليس في مهنتهم، ثمَّ يبقى هذا النائب على اتصال دائم بالمحتسب يزوده ويطالعه بأخبار السوق بصفة عامة([55]).

على أننا نجد أن رقابة صاحب السوق على الصناع قد شملت عديد المجالات منها مراقبة الصناع، وجباية الأداءات المفروضة على الصناع، ومراقبة الأسعار ومنع الاحتكار.

*            *               *

المبحث الثاني: من المهام الكبرى التي يضطلع بها والي السوق حفاظا على الجودة، وحق الدولة، وحماية المشتري

أ/: مــراقـبة الـصناع:  

تمثل ذلك في مراقبة الصانع من حيث تأهيله الذاتي وأخلاقه من حيث هو أمين أو خائن، وعمله من حيث جودته ورداءته. فقد كان صاحب السوق يمتحن الأطباء ومعلمي الصناعات حول مدى كفاءتهم للانتصاب؛ فإذا وجد أن أحدهم ليس كفئا لعمله منعه من تعاطيه، وأقامه من السوق، وأشهر به لدى الناس ليتجنبوه، وإن تمادى في ذلك كان لصاحب السوق تعزيره، ونجد ذلك في النوادر حين اشترط مالك في جواز انتصاب الخياطين والخرازين وشبههم في الأسواق إجادة صناعها لعملهم وإتقانهم له وإلا منعوا من تعاطيه([56]).

ومعلوم منطقيا أن المنع في عصر مالك كان من مشمولات الدولة، ويمثلها الإمام، ـ أي الخليفة أو الوالي أو الأمير ـ وصاحب السوق.

على أن صاحب السوق كان عليه أيضا مراقبة الصناع من حيث أمانتهم ونزاهتهم في أعمالهم، مِمَّا ينتج عنه جودة السلعة التي يصنعونها أو رداءتها، فيراقب الحاكة حول مدى التزامهم بالطول والعرض المقدرين للثوب الذي ينسجونه([57]).

ويمنع صاحب السوق باعة القطن وندافيه من خلط جديده بقديمه، أو أحمره بأبيضه([58]) .

ويمنع الصباغين من استعمال مواد في الدباغة تزول بعد مدة قصيرة، وهذا غشّ وتغرير.

وقد ضمن مالك الخبازين إذا غروا من أنفسهم ولم يحسنوا الخبز فاحترق، أو باعوه ولم ينضج، والخياط إذا أفسد الثوب([59]).

كما كان على صاحب السوق أن ينصح الأساكفة بأن لا يكثروا حشو الخرق البالية في ما بين الجزء العلوي من الحذاء وبطانته، ولا ما بين النعل والجلد الذي يشد إليه، ولا يستخدموا جلدا لم يدبغ بصورة جيدة، وعليهم إحكام إبرام الخيط ولا يطولونه أكثر من اللازم([60]).

ويؤدب صاحب السوق الجزارين إذا نفخوا في اللحم بعد سلخه ويمنعونهم من ذلك، وهو غشّ فشا في الجزارين آنذاك، فقد ورد: “في العتبية: وسئل مالك عن النفخ في اللحم كما يصنعه الجزارون؟ قال: إني لأكرهه وهو مِمَّا يغير طعمه”([61]).

كما يطلب منهم استيفاء الحق أثناء عملية الوزن، يقول مالك: “حدّ ذلك حتى يستوي لسان الميزان معتدلا ولا يميله، وإن سأل أن يميله لم أر ذلك من وجه المسألة”.

وفيما يتعلق بنظافة الأسواق، فكان على صاحب السوق أن يَمنع من إجراء النجاسة في الطرق، ويجبر كلّ صانع على إزالة ما يقابله من تلك، ولو كانت طينا”([62]).

أمَّا الحدادون والنحاسون والصاغة، فيراقب صاحب السوق المعادن التي يستعملونها في صناعتهم من حيث جودتها ورداءتها وهل خلطت لغرض الغش وما إلى ذلك من الحيل، التي قد يستغلها الصناع لإخفاء عيوب سلعهم، لذلك كان عليه أن يكون ملما بأسرار الصناع، بل ملما بأسرار كلّ صنعة، حتى يتسنى له مراقبة أهل كلّ صنعة، بما يتفق وأهل صنعته، لكن ذلك يكون كثيرا على شخص واحد.

ويبدو أنه حصل تطور بعد القرن الثاني والثالث، إذ تَمّ اتّخاذ أعوان لصاحب السوق، يقول الشيرزي: ولما كثرت مسؤوليات المحتسب جرت العادة على أن يتخذ له أعوانا من أهل كلّ صنعة، عرفت بالعريف، يكون عارفا بأهل صنعته خبيرا ببضاعتهم، بصيرا بغشهم وتدليسهم، مشهورا بالثقة والأمانة، يكون واسطة بين أهل صنعته والدولة”([63]).

ورغم أن هذه الوساطة شملت عديد المجالات،فإن هدفها الأساسي يظل الدفاع عن مصالح أهل الصنعة الواحدة، ولا سيما عند عملية فرض الضرائب المتنوعة، أو عند عملية التسعير.

ب/ الإشراف على ضرائب الأسواق على السلع:

منها: المكس: وهو ما يأخذه أعوان الدولة عند بيع أمتعة معينة أو عند إدخالها إلى المدن. فقد أنشأت الدولة محلات خاصة بالمراصد وفرضت ضريبة على الصناع الذين يستوردون البضائع وخاصة المواد الأولية من الخارج، وكانت هذه الضريبة تهم الصناع الذميين ـ ولا سيما اليهود ـ أكثر من غيرهم، لكونهم لعبوا في التجارة الدولية دورا تاريخيا هاما، ولذلك نرى ابن أبي زيد القيرواني يذكر الذميين أكثر من غيرهم عندما يتكلم عن المكس.

ومن هذه الضرائب ما يسمَّى بالغلة والمستغلات: وهي ضرائب كانت تفرض على الدور والأسواق والخانات والطواحين التي بناها الناس على أراض حكومية.

على أن الخلفاء أو الولاة والأمراء كانوا يعينون جباة من قبلهم لأخذ الضرائب، وقد روعي في الجباة صفات أهمها الفقه والعلم والرأي والحرية والأمانة.

هذا وفي الوقت الذي لم يأخذ الرسول عليه السلام الخراج من الأسواق إذ قال: “هذا سوقكم فلا ينتقص منه، ولا يضرب عليه خراج ” فرض الخليفة عمر بن الخطاب الخراج على الصناع، وكان عامل السوق زمن عثمان يجبي العشور منها.

أما في زمن الخلافة الأموية، فقد فرض المكس على المبيعات داخل المدينة، والعشور على المستوردات.

وقد ألغى عمر بن عبد العزيز المكس بكتاب وجَّهه إلى أمير البصرة عدي بن أرطأة، في حين نجد في المدونة أن كتاب عمر بن عبد العزيز كان قد وجهه إلى عامله بالمدينة، قال ابن القاسم: “إن عمر بن عبد العزيز كتب إلى عامل المدينة أن يضع المكس، فإنه ليس بالمكس ولكنه البخس، قال تعالى: ﴿ وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ﴾([64]) ومن أتـاك بصدقته فاقبلها منه، ومن لم يأتك به فالله حسيبه والسلام”([65]).

أما الضريبة المنظمة على الأسواق، فقد قيل: إن المنصور كان أول من فرض ” الغلة” على الأسواق، حين بنى الحوانيت في الكرخ، في حين يرى الكبيسي وفهمي سعد أن المنصور آلى على نفسه ألا يرهق رعيته بالضرائب، فلم يضع في الأسواق غلّة، لإيمانه بأن قوة الدولة، وزيادة منعتها وثروتها وعزها تتوقفان على سعادة أفرادها ورضاهم، وظلت أسواق بغداد كذلك معفاة من هذه الضريبة أكثر من عشر سنوات، وأثقل كاهلها بها ابنه المهدي سنة 167هـ/783م.

وطبيعي جدا أن يسري نظام الضرائب إلى بقية المدائن الإسلامية الكبرى: الفسطاط، القيروان، تونس، وعواصم المغرب الأخرى: تاهرت، سجلماسة، فاس، هذا إلى جانب مدن الأندلس، وهو ما يفسر قولة ابن خلدون الشهيرة: “السلطان هي السوق الأعظم للمال”([66]) من حيث ثقل الجباية على الصناع والحرفيين، واحتكاره لعديد النشاطات الاقتصادية.

ج/ التسعيـر:

مسألة التسعير ناقشها السادة الفقهاء كثيرا واهتمّ بها ولاة الأسواق كثيرا، وممن كتب في شأنه الشيزري وابن بسام خصوصا في فصل تنظيم الأسواق، وورد في مجموعة من الكتب نصوص تبين كيفية التسعير على الصناع ورجال السوق، متى وكيف يتم ذلك، وأخرى تمنع الاحتكار بأشكاله مع التعريف بدور الدولة في ذلك.

وهذا من شأنه أن يحافظ على الاستقرار في الأسواق، ويضمن الأمن في المدينة الإسلامية.

من ذلك ما جاء في كتاب النوادر: أشهب عن مالك، قال: “وصاحب السوق يقول للجزارين: اشتروا على ثلث رطل بسعره عليكم من الضأن، وعلى نصف رطل من الإبل وإلا فاخرجوا من السوق، قال: إذا سعر عليهم قدر ما يرى في شرائهم فلا بأس به، ولكن أرى أن يقوموا من السوق”.

قال أصبغ عن ابن القاسم عن مالك: “لا يقوم على أهل الحوانيت ولا غيرهم شيئا مِمَّا في السوق من طعام وأدام وزيت..” ([67]). ومن العتبية من سماع ابن القاسم، قال مالك في السوق إذا أفسده أهله وحطوا سعره أيسعر عليهم؟ فكره التسعير وأنكره”([68]).

ومن الواضح: نهى ابن عمر والقاسم وسالم عن التسعير، ورخَّص فيه ابن المسيّب. وقال ربيعة ويحيى بن سعيد إذا كان الإمام عدلا وكان ذلك صلاحا ونظرا للمسلمين يقوم بقيمة يقوم عليها أمر التاجر ولا ينفر منها الجالب”([69]).

ترى لماذا تحفظت كلّ هذه الآراء عن القول بجواز التسعير؟.

إن الأصل في التسعير هو المنع لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ﴾([70]).

روى أيضا سحنون بن سعيد والحارث بن مسكين عن عبد الله بن وهب عن ابن لهيعة عن سليمان بن موسى عن ثابت البناني عن أنس بن مالك أنّه قال: غلا السعر على عهد رسول الله صلعم، فقال الناس: يا رسول الله، غلا السعر فسعّر لنا، فقال عليه السلام: «إن الله هو الخالق، القابض الباسط الرزاق المسعر، وإني أرجو أن ألقى ربي وليس أحد منكم يطلبني بمظلمة ظلمتها إياه بدم ولا مال»”([71]).

وإذا كان الأصل منع التسعير يمكننا أن نتساءل عن الحكمة من التسعير ومتى يجوز لصاحب أو والي السوق أن يقدم على التدخل في الأسعار؟

بما أن سعر البضائع يخضع لقانون العرض والطلب، فإن كلّ سلعة تباع حسب قيمتها، وجودتها، ولكل صانع الحقّ أن يبيع سلعته كيف شاء”، فإذا رخص بعضهم في السعر تركوا إن قلوا، وإن كثر المرخصون قيل لمن بقي: إما أن تبيع مثل أولئك، وإلا فارفعوا، إلا من أغلى لجودة بينة”([72]). وكثيرا ما تستشير الدولة أهل الرأي والبصيرة في ذلك.

وقد يشترك معلمو الصناعات وصاحب السوق وبعض الشهود في وضع لائحة لأسعار البضائع وذلك في حالات منها:

-ضجر العامة من ارتفاع الأسعار، مع الحاجة إلى السلعة، ولاسيما الضروريات منها.

-حصر البيع لطائفة معينة، كأن يحتاج الناس إليهم فقط في مدة معينة فيسعر عليهم عندئذ بقيمة المثل، وهو ما عناه ابن القيم بالتسعير الواجب([73]).

-تواطؤ البائعين على المشترين أو العكس، إذ في كلا الجانبين، إقرار المعاونة على الظلم والعدوان، وقد قال تعالى: ﴿ وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾([74]). ومن هنا وجب على الدولة التدخل عن طريق التسعير.

– احتكار المنتجين من الصناع والتجار السلعة.

قال مالك: “وينهى عن الاحتكار عند قلة تلك السلعة وعند الخوف عليها”، وورد أيضا في النوادر قول مالك: “في الطحانين يشترون الطعام من السوق، فيغلوا سعر الناس، قال: فإنه يمنع مِمَّا أضر بالناس في ذلك”([75]).

هذا، وكان على السلطان أن يراقب المحتكرين في السوق، ويمنعهم من الاحتكار، ويبيع سلعتهم المحتكرة جبرا إذا علم ذلك بالثمن المعقول مع تعزير أصحابها ومعاقبتهم. وهو ما نجده في كتاب النوادر قال: “الواضحة: وينبغي للإمام أن يديم دخول السوق والتردد إليه ويمنع من يكثر الشراء منه…” ([76]).

والخلاصة: أنه إذا لم تتم مصلحة إلا بالتسعير، سعر السلطان تسعير عدل، بلا وكس ولا شطط، وإذا اندفعت حاجتهم، وقامت مصلحتهم بدونه لم يفعل.

على أن تدخل الإمام أو صاحب السوق في السوق، لا يقتصر على ما ذكرنا أعلاه، بل يتدخل أيضا عند طرح مسألة تضمين الصناع، ويكون ذلك عند ظهور اختلاف بين الصانع وحريفه، وقد ورد في النوادر ما مفاده أن كلّ خلاف لا يفض إلاّ بالسلطان.

د/ تضمـين الـصنـاع:

وبهذا المبحث نختم المبحث الثاني من القسم الثالث:

فقد ورد في مجموعة من نصوص كتب المالكية ما يفيد تضمين الصناع، منها: قال ابن وهب: قال لي مالك:  إنَّما يضمن الصنَّاع ما دفع إليهم مِمَّا يستعملون على وجه الحاجة إلى أعمالهم، وليس ذلك على وجه الاختبار لهم والأمانة، ولو كان ذلك إلى أمانتهم لهلكت أموال الناس، وضاعت قبلهم، واجترؤوا على أخذها، ولو تركوها لم يجدوا مستغنيا، ولم يجدوا غيرهم ولا احد يعمل تلك الأعمال غيرهم فضمنوا ذلك لمصلحة الناس…” ([77]).

وورد في النوادر: قال مالك: يضمن الصناع ما استعملوا، وإنّما قال ذلك لمصلحة العامة..”. قال مُحمَّد: قال مالك: ما أدركت العلماء إلاَّ وهم يضمنون الصنّاع…”. وقال يحيى بن سعيد: ما زال الخلفاء يضمنون الصناع”([78]).

والتضمين هو: ردّ مثل الهالك إن كان مثليا أو قيمته إن كان قيما”.

والأصل في هذا الباب هو عدم تضمين الصنّاع؛ لأنهم أجراء وقع التعاقد معهم لصنع شيء أو إصلاحه، كالخياط يستودع لديه قماش ليصنع منه ثوبا، فهو أجير مؤتمن “ولا ضمان على مؤتمن”، كما أسقط الإسلام عن الأجير الضمان.

لكن استهداء بمقاصد الشريعة وصيانة لأموال الناس، ومراعاة لمصالحهم، ذهب العلماء إلى تضمين القابض على وجه الأمانة لمنفعة غيره، بدليلي المصلحة المرسلة وسد الذرائع.

ووجه المصلحة فيه: أن الناس لهم حاجة إلى الصناع، وهم يغيبون عن الأمتعة في غالب الأحوال، والأغلب على أولئك التفريط والإهمال، فلو لم يثبت تضمينهم مع مسيس الحاجة إلى استعمالهم، لأفضى ذلك إلى أحد أمرين:

– إما ترك الاستصناع بالكلية، وذلك شاق على الناس.

– وإما أن يعملوا ولا يضمنوا ذلك بدعواهم الهلاك والضياع، فتضيع الأموال، ويقل الاحتراز، وتكثر الخيانة، فكانت المصلحة تقتضي التضمين.

وكان النبي صلعم أول من أوجب الضمان عليهم بقوله: «إن على اليد ما أخذت حتى تؤدي» أي ضمانه.

ومن المعروف أن كلّ من اضطلع بعمل من الأعمال أن يبذل أقصى الجهد في سبيل إتقانه، حتى يكون المنتوج خاليا من الشوائب والعيوب، وهو ما عناه عليه السلام: «إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه».

ولما كان الصانع قد نصب نفسه لأعمال الناس وأخذ أمتعتهم فإن الإسلام يطلب منه الإتقان في العمل، وفي حالة وقوع عكس ذلك بحصول ضرر للمتاع فإن العلماء ضمنوه من ناحيتين: إذا كان الضرر ناتجا عن تقصيره وتفريطه وخيانته، فإنه باتفاق الفقهاء يضمن.

أما إذا كان الضرر ناتجا عن إهمال من غير عمد أو بقوة قاهرة، فإن مالكا لا يضمنه في ذلك بشرط أن يقدم بينة في ذلك، في حين أن أشهبا يضمنه وإن قامت البينة على التلف، وتبعه في ذلك الحنابلة، والصاحبان (أبو مُحمَّد ويوسف) وبعض متأخري المالكية، وهو قول عند الشافعية، أما إذا كان التلف بغير فعله وكان من الممكن دفعه كالسرقة العادية، والحريق العادي فلا يضمن، وهو ما نجده في النوادر: “حتى يعلم أن النار من غير سبب أو بسيل يأتي أو ينهدم البيت فهذا وشبهه يسقط به الضمان”([79]).

وقد شرع هذا التضمين حتى لا يسارع الصناع في الاجتراء على أكل أموال الناس، ولا يباشر المهنة متطفل لا يحسنها، أو يباشرها متلهف على الربح.

وبناء على ما تقدم فمن اشتراط الصناع على أن لا يضمنوا لا ينفعهم، وسواء كانوا مستعملين بأجر، وذلك لمصلحة العامة، قال مالك في المدونة: “من استعمل من العمال… على شيء فعملوه بغير أجر فزعموا أنه قد هلك، غرمه وضمنه، ولم ينفعه أنه عمله بغير أجر ولا يبرئه ذلك..”.

وقد شمل التضمين عديد المهن: فالقصار والصباغ والخياط يضمنون الثوب إذا أفسدوه، أو أخطأوا، أو ضيّعوه، وكذلك الغسّال يضمن الثوب إذا ضيعه أو أفسده، أو أخطأ، والحائك ضمن قيمة الغزل مثله، كما يضمن الطحان إذا نقصت الحبوب، أو طحنت على أثر النقش عمدا والفران إذا ضاع الخبز أو أضاع طبقه والصائغ يضيع الذهب أو السوار عنده كمثال فغنه يضمنه، والخراز يفسد الخف أو يضيع عنده المثال فإنه يضمن وصاحب الحمام إذا أضاع الثياب من سماع ابن القاسم قال مالك: “قد أمرت صاحب السوق أن يضمن أصحاب الحمامات ثياب الناس فيضمنوها أو يأتوا بمن يحرسها…” ([80]).

فيستنتج من هذا النص أن صـــاحب أو والي السوق، هـو الذي كان يقوم بعملية التضمين، وبالتالي تنفيذه؛ لأنَّه هو ممثل السلطان، وبدونه يقع النزاع، فيظلم القوي الضعيف، ويعم البلاد الفساد والفوضى. وأكتفي بما ذكر وبه بحول الله يحصل المقصود، وشكر الله للقائمين الساهرين على هذا الجمع المبارك.

والحمد لله الذي بفضله ونعمته تتم الصالحات، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.


المصادر والمراجع المعتمدة

  1. كتاب البيان والتحصيل لابن رشد الجد. طبع دار الغرب الإسلامي، بيروت لبنان، 1988.
  2. كتاب النوادر والزيادات على ما في المدونة من غيرها من الأمهات لابن أبي زيد القيرواني، طبع دار الغرب الإسلامي بيروت لبنان، 1999.
  3. المدونة سحنون عن ابن القاسم، طبعة دار صادر لبنان.
  4. المقدمة لعبد الرحمن ابن خلدون، دار الكتاب اللبناني 1961.
  5. أحكام السوق ليحيى بن عمر طبعة دار ابن حزم، 2006.

6.  كتاب نهاية الرتبة في طلب الحسبة للشيزري، نشره الباز العريني، تحت إشراف مُحمَّد مصطفى زيادة القاهرة 1946.

      7.  كتاب نهاية الرتبة في طلب الحسبة، لابن بسام تحقيق: حسام الدين السامرائي، مطبعة المعارف بغداد 1968.

       8.  الترتيب الإدارية، المحدث مُحمَّد عبد الحي بن عبد الكبير الكتاني دار الكتب العلمية بيضون لبنان 2001.

       9.  كتاب أسواق بغداد أحمد الكبيسي بغداد العراق.

10.كتاب المدخل لابن الحاج، دار الفكر1981.

11.أسواق الأوراق المالية وضوابطها في النظر الفقهي، ماجد بن مُحمَّد بن سالم الكندي، طبع وزارة الأوقاف والشؤون الدينية لسلطنة عمان.

12. كتاب مختصر البسيوي لأبي الحسن الشيخ على بن مُحمَّد البسياني، تقديم: الشيخ أحمد بن حمد الخليلي، دار الحكمة، 2007.


[1]) سورة الفرقان: 7-10.

[2]) سورة الفرقان: 20.

[3]) أخرجه مسلم في كتاب الزهد والرقائق.

[4]) أخرجه مسلم.

[5]) سورة الفرقان: 20.

[6]) قال الحافظ: حديث أبي بكر هذا وإن كان ظاهره الوقف ولكنه بما اقتضاه من أنه قبل أن يستخلف كان يحترف لتحصيل مؤونة أهله يصير مرفوعا؛ لأنَّه يصير كقول الصحابي: كنا نفعل ذلك على عهد النبي e، وقد روى ابن ماجه وغيره من حديث أم سلمة أن أبا بكر خرج تاجرا إلى بصرى في عهد النبي e.

[7]) سورة النور: 37.

[8]) سورة البقرة: 276.

[9]) انظر: 4/276 من الفتح. والعيني: 5/441. والقسطلاني: 4/31.

[10]) سورة البقرة: 198.

[11]) 6/230.

[12]) سورة هود: 47.

[13]) سورة الإسراء: 36.

[14]) انظر: 4/479.

[15]) انظر: 1/218.

[16]) انظر: نهاية الرتبة، ص25.

[17]) أخرجه البخاري في باب بدء الخلق.

[18]) انظر: ص164. وذكره أيضا ابن رشد في البيان والتحصيل: 9/405 ـ 406.

[19]) أخرجه البخاري في باب بدء الخلق، والإمام مسلم في المساقاة.

[20]) انظر: القضاء بالمرفق في المباني، ص162 ـ 163.

[21]) انظر: القضاء بالمرفق، ص168.

[22]) صفحة: 38.

[23]) انظر: أحكام السوق، ص10-11.

[24]) انظر: صفحة 34.

[25]) انظر في باب: القول فيما ينبغي النظر فيه من الأسواق.

[26]) ص:3-5.

[27]) انظر: ص10-11.

[28]) انظر: ص21.

[29]) انظر: ص24.

[30]) انظر: ص52.

[31]) انظر: ص30-33.

[32]) انظر: ص34.

[33]) انظر: ص43.

[34]) انظر: ص49.

[35]) انظر: ص50.

[36]) انظر: ص52.

[37]) السيرة الحلبية، 3/354 في ذكر من ولي السوق في زمنه u.  الاستيعاب لابن عبد البر، 2/8.

[38]) انظر: 5/452.

[39]) انظر: المدونة، 3/374.

[40]) انظر: النوادر والزيادات، 6/450.

[41]) انظر: النوادر، 11/47.

[42]) انظر: الترتيب الإدارية للكتاني، ص316.

[43]) سورة النمل: 23.

[44]) انظر: الأصناف للشيخلي، ص102.

[45]) انظر: أسواق بغداد للكبيسي حمدان عبد المجيد، ص122.

[46]) انظر: النوادر، 8/82.

[47]) انظر: المقدمة: ص398.

[48]) انظر: النوادر، 8/82.

[49]) انظر: المدينة، ص465.

[50]) انظر: الأسواق للبحروني، ص96.

[51]) انظر: ترتيب المدارك، 2/601.

[52]) انظر: النوادر، 8/33.

[53]) انظر: ترتيب المدارك، 3/220. والمعالم للدباغ، 2/207.

[54]) وصف لإفريقيا، ؟.

[55]) انظر: كشف الخفا للعجلوني، 1/134.

[56]) انظر: النوادر، 7/58..

[57]) انظر: المدونة، 3/372.

[58]) انظر: النوادر، 7/390.

[59]) انظر: المدونة، 3/373.

[60]) انظر: النوادر، 7/70-76.

[61]) انظر: البيان والتحصيل، 4/254.

[62]) انظر: المعيار المعرب، 9/69.

[63]) انظر: نهاية الرتبة في طلب الحسبة للشيرزي، ص12.

[64]) سورة الأعراف: 85.

[65]) المدونة، 1/239.

[66]) المقدمة، ص497.

[67]) انظر: النوادر، 6/449.

[68]) انظر: نفس المصدر.

[69]) المصدر نفسه.

[70]) سورة النساء: 29.

[71]) انظر: أحكام السوق لابن عمر، ص43.

[72]) انظر: النوادر، 6/450.

[73]) انظر: الطرق الحكمية، ص217.

[74]) سورة المائدة : 2.

[75]) النوادر، 6/452.

[76]) انظر: 6/452.

[77]) المدونة، 3/373.

[78]) المدونة، 3/374.

[79]) انظر: 7/75.

[80]) انظر: العتبية بالبيان والتحصيل، 4/224.

 

* ندوة تطور العلوم الفقهية فِي عمان “ الفقه الحضاري، فقه العمران”

 المنعقدة خلال الفترة: (18-21) ربيع الثاني 1431هـ / (3-6) إبريل 2010م:

سلطنة عمان- وزارة الأوقاف والشؤون الدينية 

هذه المقالة تحتوي على لا تعليق

أكتب تعليقك هنا

نرجو أن تضع المادة أسفله
الإسم
إيميل
موقع
تعليقك