الرقابة على الأسواق وقواعدها ومجالاتها

الرقابة على الأسواق وقواعدها ومجالاتها*

إعداد: د. عبد الستار أبو غدة

(رئيس الهيئة الشرعية الموحدة لمجموعة البركة المصرفية، وعضو مجمع الفقه الإسلامي الدولي)

 

تقديم
الحمد لله والصلاة والسلام عَلَى سيدنا مُحمَّد وآله وصحبه أجمعين.
لا تخفى أهميَّة الأسواق في المجال الاقتصادي، وقد وقعت العناية بها في صدر الإسلام وما بعده من عهود، وازدهرت التجارة والصناعات، وكانت القيم والأخلاقيات مرعية، بالإضافة للأحكام الشرعية، ومضى التجّار دعاة بسلوكهم قبل مخاطبتهم للشعوب في أقاصي المعمورة ناشرين للإسلام.

إنّ الأسواق قد حظيت برقابة محكمة من خلال الحسبة التي هي نظام مزدوج الطبيعة، حيث تعنى بشتى الجوانب من دينية وأخلاقية وفنية واقتصادية.

وهذه ورقة موجزة تسلط الضوء عَلَى أدبيات الرقابة (الحسبة) عَلَى الأسواق، مع تناول المتطور العصري للرقابة الذي ثبت أَنَّه مقتبس من نظام الحسبة من خلال النشر والترجمة المبكرة لكتب الحسبة من قبل المستشرقين، والله الموفق.

التجارة والسوق

التجارة:  من أسس النظام الاقتصادي الذي به قوام المجتمعات والدول, وقد حضّت عليها الشريعة في آيات وأحاديث معروفة, واشتمل الفقه الإسلامي على صور التجارة وما يتعلق بها من عقود المعاملات بما استغرق ربع الفقه.

والتجارة كما عرفها الفخر الرازي: عبارة عن التصرّف في المال,سواء كان حاضرا, أو في الذمّة لطلب الربح.

وعرّفها ابن خلدون: بأنها محاولة الكسب لتنميته المال بشراء السلع بالرخص وبيعها بالغلاء, أيا ما كانت السلعة, من دقيق, أو زرع، أو حيوان، أو قماش، وذَلِك القدر النامي يسمَّى ربحاً([1]).

وجاء تعريفها في القانون التجاري المصري: بأنها تداول الحاصلات والنقود وغيرها لجلب الربح, إما بواسطة النقل أو المبادلة أو التغيير للمواد الأولية، وهي تشمل الصناعة([2]).

وبعد هذه التعريفات الثلاثة الفقهي والاجتماعي والقانوني, فإن موطن التجارة هو الأسواق. وفيما يلي بعض البيانات عن السوق في الأدبيات الإسلامية:

نشأة السوق في الإسلام

تعامل المسلمون منذ عهد الرسول صلعم والصحابة بإنشاء الأسواق المالية, فقد ورد أن النبيَّ صلعم أنشأ سوقا إسلاميا بدل سوق اليهود المسمّاة (سوق قينقاع)؛ فقد روى الطبراني: «أنَّ رجلا جاء إلى النبيِّ صلعم فقال: إني رأيت موضعا للسوق ألا تنظر إليه؟ قال: بلى. فقام معه حتى جاء موضع السوق فلما رآه أعجبه وركض برجله، وقال: نعم، سوقكم هذا، فلا ينقص ولا يقربه خراج».

وقد اهتمَّ المسلمون بإنشاء الأسواق في جميع البلاد الإسلامية لاسيما في المدن الكبرى, وكانت الأسواق عامة تتعامل بجميع أنواع التجارة, وكان لها مشرفون أو عاملون أو ولاة حسبة ينظمون أمرها، ويراقبون ما يجري فيها ويعينون من الدولة([3]).

ثم عنى الخلفاء الراشدون بالسوق ورقابتها؛ فقد عين عمر بن الخطاب عاملا على السوق يتجول في السوق بنفسه أحيانا ويمنع من الغش في البيوع([4]).

وقد وضّح الفقهاء شروط العامل الذي يوليه الإمام أو نائبه أمر هذه السوق، وهو: أن يكون حرا بالغا عاقلا عادلا قادرا، حتى يخرج منه الصبيّ والمجنون والكافر ويدخل فيه آحاد الرعايا، ويجوز أن تتولاه المرأة، فقد عيَّن رسول الله صلعم وعمر بن الخطاب المرأة على الحسبة كما سيأتي، وأدخلا في أعمالها الإشراف على السوق، ذكر في الإصابة أن النبيَّ صلعم عيَّن امرأة على السوق هي سمراء بنت نهيك الأسدية، وكانت تَمرّ في الأسواق تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وتنهى عن ذلك بسوط كان معها الأنصارية([5]).

الأصل الشرعي للرقابة على الأسواق

هناك جذور للرقابة على الأسواق في موضوع الحسبة التي أضحت نظاما من الأنظمة الأساسية لإصلاح المجتمع.

والحسبة: اسم من (الاحتساب) يقال: احتسب بكذا اكتفى به([6])، واحتسب على فلان الأمر أنكره عليه، احتساب الأجر: ادّخاره عند الله تعالى.

ويسمَّى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: احتسابا وحسبة؛ لأنّ الأصل أن يفعله الشخص للأجر والثواب وليس للرياء والسمعة، أو إظهار العلوِّ أو الكبرياء، وتستمد أحكام الحسبة في الجملة من أحكام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الواضح وجوبهما في القرآن والسنّة ولا يتسع المقام لذكرها.

والمحتسب: هو من نصبه الإمام أو نائبه للنظر في أحوال الرعية والكشف عن أمورهم ومصالحهم([7])، كما يطلق على المتطوّع بِمهمّة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع ضوابط تميز مهمته عن المحتسب المعين من أولى الأمر([8]).

من شروط المراقب على الأسواق:

وردت مهمة الرقابة على الأسواق في التراث الفقهي على أنها مهمة مزدوجة، فهي على كلّ من رأى خللا في السوق (المحتسب المتطوع)، وعلى من كلف بهذه المهمة (المحتسب المولّى) وأوردوا شروطا تتعلق بهذين النوعين من الرقابة، نورد المناسب منها للتطبيق المعاصر.

فمن تلك الشروط: أن يكون عالما بما يراقبه، قادرا على التغيير والقيام به، وبالنسبة لشرط القدرة على التغيير اختلف في طريقته، فإذا كانت بالتنبيه والوعظ بلسانه فلا تحتاج الرقابة أو الحسبة على السوق إلى إذن له من الإمام أو أحد الحكام، أما إن كان التغيير بالمباشرة بإذهاب عين المنكر، أو التخويف بما يناسب المقام ـ مِمَّا لعله يؤدي إلى فتن وافتئات على السلطان ـ فهذا النوع ينبغي أن يتوقف عنه من لم يؤذن له فيه خشية مِمَّا يؤول إليه من المناكر([9]).

ومراتب الرقابة أو التغيير من المنكر بمقتضى الحسبة بنوعيها التطوعي أو الولائي:

1 / التعريف والبيان فيمن يعلم أنه جهل ما يجب عليه.

2/ الوعظ والتخويف بالله والتحذير من استحقاق وعيده وعقابه.

3/ الزجر والتقريع باللسان والشدة في القول والإنكار فيمن ظهرت منه مبادئ الوقوع في المنكر وهمّ به ولم ينفع فيه وعظ.

4/ التغيير بمباشرة اليد فيمن يقبض على مال مغصوب، أو كان مواقعا لمعصية.

5/ التغيير بالعقوبة المناسبة، فيمن تلبس بالمنكر ولم يمكن دفعه إِلاَّ بذلك.

والجدير بالذكر أَنَّه إذا لم يعلم بالمنكر حتّى وقع، أو لم يقدر على دفعه فلم يبق إلا التعزير والحدّ وهو إلى الحكام([10]).

هذا، وإن نظام الحسبة هو أحد الولايات (الإدارات) التي تقوم عليها الدولة، وقد أشارت إليه كتب الأحكام السلطانية مثل: كتاب الماوردي وأبي يعلى وغيرهما.

ونظام الحسبة يقوم على تخصيص جهاز أو هيئة تكلّف بمراقبة الأسواق، وقد أورد ابن عبد البرّ في الاستيعاب وابن حجر في الإصابة ـ كما في التراتيب الإدارية لعبد الحي الكتاني ـ «أن النبيّ صلعم استعمل سعيد بن العاص على سوق مكّة» وذكر ابن عساكر «أنه صلعم ولَّى عبد الله بن سعيد بن أصبحة بن العاص سوق المدينة».

القائمون بالرقابة،  وتخصصهم ، وأخلاقياتهم

يجب أن يختار للرقابة (أو الحسبة) على الأسواق الأمناء العدول العارفون بما يجب إنكاره، وإن أفرد (القاضي) لكلّ سوق وحومة أمينا منها ينظر في ذلك فعل بِحسب اجتهاده والحاجة([11]).

ويجب على المراقب (المحتسب) أن يقصد بقوله وفعله وجه الله تعالى  وطلب مرضاته، وأن يكون خالص النية، لا يشوبه في طويته رياء ولا مراء، ويتجنب منافسة الخلق ومفاخرة أبناء الجنس، لينشر الله عليه رداء القبول، وعلم التوفيق، ويقذف له في القلوب مهابة وجلالة ومبادرة إلى قوله بالسمع والطاعة.

وأن يكون عفيفا عن أمول الناس، متورعا عن قبول الهدية من المتعيّشين وأرباب الصناعات، فإنّ ذلك رشوة، وقد قال صلعم: «لعن الله الراشي والمرتشي»، ولأنّ التعفف عن ذلك أصون لعرضه وأقوم لهيبته.

وأن تكون شيمته الرفق، ولين القول، وطلاقة الوجه، وسهولة الأخلاق عند أمره الناس ونهيه؛ فإنّ ذلك أبلغ في استمالة القلوب، وحصول المقصود، ولأن الإغلاظ في الزجر ربما أغرى بالمعصية([12])، والتعنيف بالموعظة ينفّر القلوب.

وعقد ابن مفلح في (الآداب الشرعية) بابا بعنوان: الإنكار على أهل السوق، وأورد فيه قول ابن الجوزي: من تيقّن أن في السوق منكرا يجري على الدوام أو في وقت معين وهو قادر على تغييره؛ لم يجز له أن يُسقط ذلك عنه بالقعود في بيته، بل يلزمه الخروج، فإن قدر على تغيير البعض لزمه([13]).

أهمية الرقابة على الأسواق (الحسبة عليها)

وفي شأن الحسبة يقول الإمام أبو يعلى في كتابه: “الحسبة من قواعد الأمور الدينية، وقد كان أئمّة الصدر الأول يباشرونها بأنفسهم؛ لعموم صلاحها وجزيل ثوابها”([14])، وهي أمر بالمعروف إذا ظهر تركه، ونهي عن المنكر إذا ظهر فعله، وإصلاح بين الناس”([15]).

ويقول ابن المناصف: القيام بتغيير المنكر واجب معين، وفرض متأكد في بعض الأحوال، فليس أحد من المكلفين إِلاَّ ويتوجَّب عليه أمر بمعروف ونهي عن منكر. وقال رسول الله صلعم: «من رأى منكم منكرا فليغيّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان»([16]). وهو على الولاة والقضاة وسائر الحكام أوجب وآكد؛ لأن هؤلاء مكنوا من التغيير الأعلى، وهو اليد بوجوب الطاعة لهم والامتثال، وانبساط يد الولاة والسلطان بدلالة آية ﴿الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ﴾([17])([18]). وقال الإمام الغزالي: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو القطب الأعظم في الدين، وهو المهم الذي ابتعث الله له النبيين أجمعين، ولو طوي بساطه وأهمل علمه وعمله لتعطّلت النبوة واضمحلت الديانة، وعمت الفتنة، وفشت الضلالة، وشاعت الجهالة، وانتشر الفساد، واتسع الخرق، وخربت البلاد وهلك العباد، ولم يشعروا بالهلاك إلا يوم التناد([19]).

المتطلبات الرسمية لمزاولة الرقابة

لا بد من إعلان ما هو مأذون به وما هو مَمنوع قبل الرقابة والحساب والعقاب، قال ابن المناصف: “ينبغي أن يتقدم الحكام إلى الناس بالإعلان بالنداء وإشهار العقوبة ليتسامع الناس بذلك فيجتنبوه، فينبغي تفقد مثل هذه الأنواع (من المنكرات) في الشوارع والمحلات، وحيث يبدو أثر المجاهرة به تفقدا كافّا لأهله ورادعا عن مثله”([20]). وبالنسبة للعصر الحاضر لا بد من إشهار القوانين والأنظمة والقرارات التي تتعلق بالأسواق من حيث أوضاعها وشروطها الفنية والصحية.

كما يجب على المراقب للسوق أن يستوعب ما صدر من نظم بشأنه، حتى تكون مراقبته للأسواق ذات طابع موضوعي وليس شخصيا يختلف بين واحد وآخر.

وجوه الكشف عن المنكر في عملية الرقابة (أو الحسبة)

يحتاج تعرف المنكر والكشف إلى نظر واجتهاد بحسب القرائن، ويجب ترك التجسس ابتداء من غير سبب ظاهر لقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَجَسَّسُوا﴾، وكذلك لا يَجب كشف ما أخفاه فاعله وظن أنه منكر مِمَّا لم يتيقن بأنه منكر لقوله تعالى: ﴿إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾،  ولكن إن ظهر ما يدل عَلَى المنكر كسماع أصوات أو رائحة عمل منكر، أو إذا اشتهر فساد ما فيجب الاجتهاد والفحص وتفقد المظانّ للردع عن المنكر.

الأمور المراقبة

تشتمل الأمور الجديرة بالرقابة على جوانب معنوية دينية وأخلاقية، وجوانب مادية (اقتصاد ومعاشية).

ومن الرقابة الدينية ما أورد الغزالي من المتطلبات الشرعية للتعامل الحلال المحقّق للتراضي ﴿إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ﴾([21]).

إغلاق الأسواق عند صلاة الجمعة:

من ذلك إهمال كثير من الناس وأهل الأسواق والحرف والأجراء شهود صلاة الجمعة، وهي من فروض الأعيان، وقد تمالأ كثير من أهل الصنائع اليوم والأجراء وغيرهم على تركها وعدم حضورها بعملهم في الوقت المستحق لحضور الصلاة، فيجب اضطرار الكافة إلى شهود الجمعة([22]).

تحت عنوان “منكرات الأسواق” حيث قال: “من المنكرات المعتادة في الأسواق الكذب في المرابحة وإخفاء العيب:  فمن قال: اشتريت هذه السلعة بعشرة وأربح فيها كذا، وكان كاذبا فهو فاسق، وعلى من عرف ذلك أن يخبر المشتري بكذبه، فإن سكت مراعاة لقلب البائع كان شريكا له في الخيانة وعصى بسكوته. وكذا إذا علم به عيبا فيلزمه أن ينبه المشتري عليه، وإلا كان راضيا بضياع مال أخيه المسلم وهو حرام.

وكذا التفاوت في الذراع والمكيال والميزان يجب على كلّ من عرفه تغييره بنفسه، أو رفعه إلى الوالي حتى يغيّره. وكذا في الشروط الفاسدة المعتادة بين الناس يَجب الإنكار فيها، فإنها مفسدة للعقود. وكذا في الربويات كلها وهي غالبة. وكذا سائر التصرفات الفاسدة.

وكذلك بيع ثياب الحرير وقلانس الذهب والحرير التي لا تصلح إِلاَّ للرجال، أو يعمل بعادة البلد أنه لا يلبسه إِلاَّ الرجال؛ فكلّ ذلك منكر محظور. وكذلك من يعتاد بيع الثياب المبتذلة المقصورة التي يلبس على الناس بقصارتها ويزعم أنها جديدة؛ فهذا الفعل حرام والمنع منه واجب. وكذلك تلبيس انخراق الثياب بالرفو وما يؤدي إلى الالتباس. وكذلك جميع أنواع العقود المؤدية إلى التلبيسات([23]).

رقابة المعرفة بأحكام السوق

قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: “لا يبيع في سوقنا إِلاَّ من قد تفقّه في الدين”([24]) وذلك لأنّ عدم التقيد بأحكام التجارة يؤدي إلى مُخالفة الشرع، ومن هنا ورد في خطورة ما يجري في الأسواق من اختلالات قول سلمان رضي الله عنه: “لا تكونن إن استطعت أوّل من يدخل السوق، ولا آخر من يخرج منها؛ فإنها معركة للشيطان، وبها ينصب رايته”([25]). وقال النبيّ صلعم لأهل الكيل والميزان: «إنكم قد وليتم أمرين هلكت فيهما الأمم السالفة قبلكم»([26])، وفي هذا يقول الإمام أبو حامد الغزالي عند كلامه عن علم الكسب.. وبيان شروط الشرع فيه: “اعلم أن تحصيل علم هذا الباب واجب على كلّ مسلم مكتسب؛ لأن طلب العلم فريضة على كل مسلم، وَإِنَّمَا هو طلب العلم المحتاج إليه، والمكتسب يحتاج إلى علم الكسب، ومهما حصل علم هذا الباب وقف على مفسدات المعاملة فيتقيها، وما شذ عنه من الفروع المشكلة فيقع على سبب إشكالها، فيتوقف فيها إلى أن يسأل، فإنه إذا لم يعلم أسباب الفساد بعلم جملي فلا يدري متى يجب عليه التوقف والسؤال.

ولو قال: لا أقدم العلم ولكنّي أصبر إلى أن تقع لي الواقعة فعندها أتعلم وأستفتي، فيقال له: وبم تعلم وقوع الواقعة إذا  لم تعلم جمل مفسدات العقود، فإنه يستمر في التصرفات ويظنها صحيحة مباحة، فلا بد له من هذا القدر من علم التجارة ليتميز له المباح عن المحظور، وموضع الإشكال عن موضع الوضوح”([27]).

المعاملات المنكرة والمختلف في حظرها أو إباحتها

فأما المعاملات المنكرة كالشراء والبيوع الفاسدة وما منع الشرع منه مع تراضي المتعاقدين به، فإذا كان متّفقا على حظره؛ فعلى والي الحسبة إنكاره والمنع منه، والزجر عليه، وأمره في التأديب مختلف بحسب الأحوال وشدّة الحظر.

وأما ما اختلف الفقهاء في حظره وإباحته فلا مدخل له في إنكاره، إلا أن يكون مِمَّا ضعف فيه الخلاف، وهو ذريعة إلى ربا النساء المتفق على تَحريمه مع تلقي الركبان، فيدخل في إنكاره كحكم ولايته.

وقد بيّن الإسلام أحكام تنظيم السوق، كوجوب عرض السلعة في سوقها وترك صاحبها حتى يصل إِلَى السوق فيعرضها ويعرف سعرها، يقول الدكتور أحمد العسال: “وفي ذلك تقليل الوساطة بين المنتج والمستهلك حتى لا تتحمّل السلعة زيادة النفقات بزيادة الأيدي التي تتناولها، وخاصة أنوع الطعام لشدّة الحاجة إليه”([28])، فعن ابن عباس t قال: قال رسول الله صلعم: «لا تلقوا الركبان، ولا يبع حاضر لباد»([29])، وعن أبي هريرة قال النبيّ صلعم: «أن يتلقّى الجلب، فإن تلقاه إنسان فابتاعه فصاحب السلعة فيها بالخيار إذا ورد السوق»([30])، قال ابن عمر: كانوا يبتاعون الطعام في أعلى السوق فيبيعونه في مكانه، «فنهاهم النبيّ صلعم أن بييعوه في مكانه حتى ينقلوه»([31]).

منع النجش: وأوجب عرض السلعة بأمانة وصدق في السوق فقط، ليتمكن الجميع من الشراء، ولتيسير السلع للناس، ولعدم التلاعب في الأسعار و لمراقبتها؛ فعن ابن عمر «نهى رسول صلعم عن النجش» والنجش: الزيادة في ثمن السلعة المعروضة للبيع لا ليشتريها بل ليغري بذلك غيره، وسمي ناجشا؛ لأنه يثير الرغبة فيها ويرفع ثمنها([32]).

ولمنع الاحتكار وهو محرم كذلك؛ لقوله صلعم: «الجالب مرزوق والمحتكر ملعون»([33]).

منع الغرر: ولمنع بيع الصوف على ظهر الغنم، وعن شراء ما في بطن الأنعام، وعن شراء اللبن في الضرع، وغير ذلك من بيوع الغرر([34]).

مراقبة لمكاييل والموازين: كان من واجبات العامل على السوق مراقبة الأوزان والمكاييل التي كانت منها أنواع كثيرة مستعلمة في المدن الإسلامية، مِمَّا يولد اضطرابات وخلافات تستوجب الحل، كما يرجح أنّ من أعماله التحكيم في الخلافات التي تنشأ بين أصحاب المهن، وقد كان من وظائف العامل على السوق جمع ضريبة الأسواق أيضا، ومثل هذه الوظيفة تستهدف خدمة المصلحة العامة، ولا تفرض على الصناع أو التجارة أو الباعة قيودا شديدة([35]).

منع الربا:  كان الصحابة يفكّرون على أن لا يتعامل في الأسواق بالربا أو شبهته زمن الرسول صلعم واستمر ذلك من بعده.

رقابة السوق من أعلى سلطته

السوق خاضعة لرقابة موظف خاص يدعى العامل على السوق، يعينه الأمير، وهو يتمتع ببعض السلطات القضائية والتنفيذية، ويزود ببعض الأعوان الذين يساعدونه على القيام بواجباته، وأحيانا كان الخليفة أو الأمير نفسه يتولّى رقابة السوق، فقد ذكر ابن خلكان أنّ عمر بن الخطاب كان يتجول في الأسواق ويمنع الناس من الغشّ في بيوعهم([36]).

* الرقابة الأخلاقية:

أما الرقابة الأخلاقية على الأسواق فهي مما يجب التحلي به كلّ حين، وبخاصة في الأسواق، حيث يكثر الحرص على الاستزادة من الأرباح والمزايا، انسياقا مع ما فطرت عليه النفوس، إلا أن تتزكى بالأخلاق ﴿ وَأُحْضِرَتِ الأَنفُسُ الشُّحَّ﴾ ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا﴾ والشريعة كما جاءت بالأحكام الآمرة والزاجرة جاءت بما هو مستحبّ، ونهت عما هو مكروه. وآداب السوق هي آداب المتاجرة، منها:

–    شعور الأخوة بين المتعاملين، وقد تمثل هذا في التكافل بين أصحاب المهن في السوق بالتعاون والتآزر، ورفع الضرر عمّن تضرر، وتسهيل مزاولته العمل، ولذا وجد ما سمّي (ضمان السوق) بأنّ يتبني شيخ السوق أو أحد كبار التجار كفالة التاجر الجديد على السوق، أو جمع المال لإعادة من تضرّر ليزاول عمله.

–    الصدق والأمانة، ويكفي شرح ذلك بقوله صلعم: «التاجر الصدوق الأمين مع النبيين والصديقين والشهداء»([37]).

–           النصح «الدين النصيحة… لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم»([38]).

–    النهي عن تطفيف الكيل والميزان ﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ﴾، وروي أنه لَمَّا قدم النبيّ صلعم المدينة كانوا من أخبث الناس كيلا، فلما نزلت أحسَنوا الكيل بعد ذلك([39]).

–    السماحة في البيع والشراء والقضاء والاقتضاء، وفي الحديث: «رحم الله رجلا سمحا إذا باع وإذا اشترى وإذا اقتضى»([40]).

–           الرقابة على الإعلانات في السوق لإخلائها مِمَّا يخلّ بالدين أو الخلق.

–           ضبط الترويج للسلع لمنع التغرير بالناس.

–           تجنب المبالغة في التسويق بسلوك أساليب غير صحيحة.

* الرقابة الفنية (المهنية):

لم تقتصر رقابة الأسواق على مراعاة الأحكام الشرعية والقيم الخلقية فقط، بل عنيت أيما عناية بالجوانب المهنية للتثبت من سلامة الحرف والمحلات التجارية في السوق من شوائب الرضا بالكشف عما يقع فيها من تلاعب وخلل.

والرقابة الفنية شملت الأماكن التي يشغلها السوق والمحلات بِمحتواها من السلع والصناعات.

وللدلالة على عمق التنظيم الذي بهر به المستشرقون فبادروا لنشر وترجمة كتب الحسبة، واستمدوا منها النظم البلدية وما يتصل بها، أورد فيما يلي نصوصا من التراث دون تدخل إِلاَّ بالاختصار؛ لتأكيد هذه المقولة، ولإكبار جهود الفقهاء في هذا المجال، فقد تناولت النصوص:

–                 أماكن السوق العامة (الساحات) المرافق.

–                 محلات لِمزاولة المهن والتجارة.

وقال ابن الأخوة تحت عنوان: “الحسبة على منكرات الأسواق”: “أما الطرقات الضيقة فلا يجوز لأحد من السوقة الجلوس فيها، ولا إخراج مصطبة دكانه عن سمت أركانه السقائف إلى الممر؛ لأنه عدوان، ويضيق على المارة، فيجب على المحتسب إزالته والمنع من فعله لِما في ذلك من لُحوق الضرر بالناس.

وهكذا إخراج الفواصل والأجنحة وغرس الأشجار ونصب الدكّة في الطرق الضيقة منكر يجب المنع منه، أما إذا نصب دكّة على باب الدار وغرس شجرة؛ فمن أصحاب الشافعي من قال: ذلك جائز إذا لم يتضرّر به المارة، ثُمَّ قالوا: لا يختصّ بفناء داره، بل لو تباعد جاز، وإليه مال القاضي حسين. وقال الشيخ أبو محمد الجويني: لا يجوز الغراس في الشارع، والدكة المرتفعة في معناها، ولا نظر إِلَى اتساع الطريق وتضايقها، فإن الرفاق قد تصطدم ليلا، ويزدحم أسراب البهائم، وينضم إليه أَنَّه قد يلتبس عَلَى طول الزمان محل البناء والغراس، وينقطع أثر استحقاق الطرق. وكذا ما فيه أذية، وإضرار على الساكنين. وكذلك ربط الدواب على الطرق بحسب تضيق الطرق وانحباس المجتازين منكر يجب المنع منه، إلا بقدر حاجة النزول والركوب؛ لأنّ الشوارع مشتركة المنفعة، وليس لأحد أن يختصّ بها إلا بقدر الحاجة. وكذا طرح الكناسة على جوار الطرق، وتبديد قشور البطيخ، أو رش الماء بحيث يخشى منه التزلق والسقوط.

وكذا إرسال الماء من المزاريب المخرجة من الغائط إلى الطرق الضيقة، فإن ذلك ينجس الثياب ويضيق الطرق. وكذا ترك مياه المطر والأوحال في الطرق من غير كسح، فذلك كله منكر، وليس يختص به شخص معين؛ فعلى المحتسب أن يكلف الناس بالقيام بها.

وينبغي للمحتسب أن يمنع أحمال الحطب وأعدال التبن وروايا الماء وشرائح السرجين والرماد، وأحمال الحلفاء والشوك، بِحيث يمزق ثياب الناس، فذلك منكر يمكن شّدها وضمها بحيث لا يمزّق من الأثواب شيئا، فإن أمكن العدول به إلى موضع أوسع، وإلا فلا منع إذ حاجة أهل البلد إليه، وأشباه ذلك من الدخول إلى الأسواق لِما فيه من الضرر بالناس.

ويأمر حاملي الحطب والتبن والبلاط والكبريت واللفت والبطيخ والقرط إذا وقفوا في العراص (الساحات) أن يضعوها عن ظهور الدواب؛ لأنها إذا وقفت والأحمال عليها أضرتها، وكان ذلك تعذيبا لها، وقد «نهى رسول الله صلعم عن تعذيب الحيوان لغير مأكلة». ويأمر أهل الأسواق بكنسها وتنظيفها من الأوساخ المجتمعة، وغير ذلك مِمَّا يضر بالناس؛ لأنّ النبي صلعم قال: «لا ضرر و لا إضرار».

ولا يجوز لأحد التطلع على الجيران من السطوحات والنوافذ، ولا أن يجلس الرجال في طرقات النساء من غير حاجة؛ فمن فعل شيئا من ذلك عزّره المحتسب.

وفي نصّ آخر عن الممنوعات في أماكن الأسواق يقول ابن المناصف: مثل الديار (الأماكن) المعروفة بالفساد وإلف المعاصي، كبيع الخمر والجمع بين الفسّاق ونحو ذلك، مثل: تبرج النساء المتصرفات بأنواع الزينة البادية، وأسباب التجمل الظاهر على حال اختيال في المشي، واستعمال منتشر الطيب، واستظهار ما يستدعي الفتنة؛ فمثل هؤلاء ينبغي منعهنّ من التصرف على هذه الحالة.

وكذلك اتخاذ بعض الناس ما يؤول إلى أذى المسلمين والتضييق في الشوارع عليهم، كتكدس ما يستخرج من فضلات وأنقاض وتركها في المواضع الضيقة..

وكذلك قطر ميازيب تَجري بغسالة ونجاسة في موضع ضيق لا يكاد المارّ يسلم من شرارها. فإن أمن الأذى، أو خفّ، كما لو جمعت الرحاضة بقدر ما ينقل من غير تراخ يكثر، أو أوقف رجل دابته (سيارته) عَلَى طريق بقدر ما يركب وينزل أو يشدّ عليها حملا أو يضعه، أو ضمّ صاحب الشوك أو الحطب أطرافه وشدّها بحيث لا تؤذي في الغالب، أو مرّ بها في المواضع الواسعة.. فكلّ ذلك مباح؛ لأنّ للناس ضرورة على مثل ذلك، فلا يصحّ منعه على الإطلاق إِلاَّ بشرط وجود الأذى، أو غلبة وقوعه لعرف العادة([41]).

* الرقابة عَلَى المحلات (المهن):

أورد ابن الأخوة أبوابا تتعلق بأصحاب المهن في الأسواق، وشملت: معرفة القناطير والأرطال والمثاقيل ومعرفة الموازين والمكاييل والأذرع، والعلافين والطحانين والفرانين والخبازين والشوايين والنقانقيين والكبوديين والبوارديين والجزارين والرواسيين والطباخين والشرائحيين والهراسيين وقلايي السمك، وقلايي الزلابية، والحلوانيين والشرابيين والعطارين واللبانين والبزازين والدلالين والخياطين والرفائين والقصارين والحريريين والصباغين والقطانين والكتانيين والصيارفة والصباغين والنحاسين والحدادين والأساكفة والبياطرة وباعة قدور الخزف والكيزان والفخاريين والخضارين والأبارين والمسلاتيين والمرادنيين والحناويين وغشهم، والأمشاطيين ومعاصر الشبرج والزيت والغرابلين واللبوديين والفرائين والحصريين العبداني والكركر والتبانين والخشابين والقشاشين والنجارين والنشارين والبنائين والدهانين والمبيضين والضببين والجباسين([42])، وقد آثرت أن أسرد هَذِه المهن لبيان شمول الرقابة عَلَى الأسواق جميع محلات بيع الأشياء، حيث تقوم الرقابة عَلَى كشف ما يدخل في تلك المهن من مخالفات أو غشّ أو تدليس.

وَمِمَّا يتعلق بالمعاملات:

غشّ المبيعات، وتدليس الأثمان، فينكره ويمنع منه، ويؤدب عليه بحسب الحال فيه([43]).

فإن كان هذا الغشّ بتدليس عَلَى المشتري ويخفى عليه، فهو أغلظ الغشوش تحريما والإنكار عليه أغلظ، والتأديب فيه أشدّ، وإن كان لا يخفى عَلَى المشتري كان أخفّ مأثما، وألين إنكارا، وينظر في مشتريه فإن اشتراه ليبيعه عَلَى غيره توجّه الإنكار عَلَى البائع بغشه وعلى المشتري بابتياعه؛ لأنه قد يبيعه عَلَى من لا يعلم بغشّه، وإن كان يشتريه ليستعمله خرج المشتري من جملة الإنكار وتفرد البائع وحده.

وكذلك القول في تدليس الأثمان، وقد قال أحمد في رواية جعفر بن مُحمَّد: فيمن اشترى ألف درهم بدنانير بعضها جياد وبعضها مزيفة وبعضها مكحلة؛ اشترى ما لا يحلّ، وباع ما لا يحلّ”.

ذكر أبو يعلى ـ وقبله الماوردي ـ أنّ مِمَّا يأخذ ولاة الحسبة من أهل الصنائع في الأسواق ثلاثة أصناف:

 1/ فمنهم من يراعى عمله في الوفاء والتقصير، مثل: الطبيب والمعلم… إلخ.

2/ ومنهم من يراعى حاله في الأمانة والخيانة مثل: الصاغة والحاكة والقصارين والصباغين؛ لأنهم ربما هربوا بأموال الناس فيراعى أهل الثقة والأمانة منهم، فيقرهم ويبعد من ظهرت خيانته ،ويشتهر أمره لئلا يغتر به من لا يعرفه. وقد قيل: إن الحماة وولاة المعونة أخصّ بالنظر في أحوال هؤلاء من ولاة الحسبة؛ لأن الخيانة تابعة للسرقة.

3/ ومنهم من يراعى عمله في الجودة والرداءة، وهو مِمَّا ينفرد بالنظر فيه ولاة الحسبة، ولهم أن ينكروا عليهم في العموم فساد العمل ورداءته، وإن لم يكن فيه مستعد.

فأما في عمل مخصوص اعتاد الصانع فيه الفساد والتدليس، فإذا استعداه الخصم قابل عليه بالإنكار والزجر، فإن تعلق بذلك غرم روعي حال الغرم، فإن افتقر إِلَى تقدير، أو تقويم لم يكن للمحتسب أن ينظر فيه لافتقاره إِلَى اجتهاد حكمي، وكان القاضي بالنظر فيه أحق، وإن لم يفتقر إِلَى تقدير ولا تقويم واستحق فيه المثل الذي لا اجتهاد فيه ولا تنازع فللمحتسب أن ينظر فيه بإلزام الغرم والتأديب؛ لأنه أخذ بالتناصف وزجر عن التعدي.

* الرقابة عَلَى الأسواق في النظم الحديثة

هذا، وإن الرقابة عَلَى الأسواق تَختص بها من حيث الأماكن ومحتوياتها (البلديات)، أَمَّا التراخيص فهي من شؤون وزارات التجارة أو الاقتصاد ونحوها من المسميات.

وقد تناولت أنظمة البلدية جانبين مهمين من الرقابة هما: الأماكن (أي إنشاء الأسواق)، والبضائع والمبيعات من حيث الشروط الصحية.

وفيما يلي نموذجان من تلك القوانين أو القرارات المنظمة للمجالس البلدية، والبلديات التي تدار من قبلها، أحدهما من التشريعات الكويتية، والآخر من تشريعات دولة الإمارات العربية المتحدة.

فقد اشتمل قانون بلدية الكويت([44]) عَلَى أنّ المجلس البلدي يختصّ بمسائل منها:

أولا: مراقبة تنفيذ القوانين واللوائح المتعلقة بالصحة العامة، والتنظيم والمباني والاستملاك، وتقسيم الأراضي والمحلات العامة، وغير ذَلِك من القوانين واللوائح الخاصة بالمرافق العامة.

ثانيا: تقرير المشروعات العمرانية، ومشروعات تجميل المدن والقرى وإنشاء الطرق والشوارع والميادين وتوسيعها، وتوصيل المجاري، وإنشاء الحدائق، وتشجير الشوارع، ووضع النظم الخاصة بالإعلانات، وكلّ ما يؤدي إِلَى تجميل المدينة وحفظ رونقها.

ثالثا: تقرير إنشاء الأسواق والمذابح والمدافن ووضع النظم الخاصة بها.

وأورد القانون سالف الذكر تحت عنوان: اختصاصات البلدية (في المادة 19 منه):

“تعمل البلدية بصفة عامة عَلَى تقدم العمران وتوفير الخدمات البلدية للسكان، وتتولى عَلَى وجه الخصوص الأراضي، وتنظيم المدن والقرى وتجميلها، ووقاية الصحة العامة فيها بتأمين سلامة المواد الغذائية، والمحافظة عَلَى الراحة والنظافة. ويكون للبلدية مجلس بلدي وجهاز تنفيذي وفقا لأحكام هذا القانون”.

كما أورد في المادة (15) بين مهام مدير البلدية ما يأتي تحت الفقرة السادسة:

سادسا: اتخاذ التدابير اللازمة للمحافظة عَلَى صحّة السكان وسلامتهم وراحتهم في حدود اختصاص البلدية. والعناية بوجه خاص بالأمور الآتية:

1/ أعمال تنظيف الشوارع والطرق، وهدم المباني الآيلة للسقوط أو إصلاحها.

2/ مراقبة الأسواق، والتفتيش عَلَى المواد الغذائية للاستيثاق من صلاحيتها.

3/ مراقبة المحال العامة، للتحقق من توافر الشروط الصحية فيها، وإعطاء الرخص البلدية بها، وسحبها بما لا يتعارض مع اختصاص الجهات الأخرى وفقا للقوانين واللوائح.

4/ مراقبة الأماكن التي توجد فيها مواد قابلة للاشتعال، وتحديد الكميات المسموح بوضعها في هَذِه الأماكن.

5/ وسائل إطفاء الحريق والوقاية منه، ومن طغيان المياه.

6/ كيفية نقل الموتى وتنظيم الجنازات والدفن، والمحافظة عَلَى حرمة المقابر.

أَمَّا تنظيم المجلس البلدي([45]) لمدينة أبو ظبي فقد جاء فيه تحت المادة التاسعة:

تخصص إدارة البلدية تحت إشراف المجلس بوجه خاص في النواحي التالية:

1/ الإشراف عَلَى المباني ومراقبتها وفقا للوائح والقوانين.

2/ الإشراف عَلَى تنفيذ تعبيد الشوارع والطرق ونظافتها، وعدم المباني الآيلة للسقوط وإصلاحها.

3/ مراقبة النظافة العامة ونظافة الأسواق، والتفتيش عَلَى المواد الغذائية للتأكد من سلامتها.

4/ مراقبة المحال العامة للتحقق من توافر الشروط الصحيحة فيها، ومنح الرخص وسحبها بما لا يتعارض مع اختصاصات الجهات الأخرى وفقا للقوانين واللوائح.

5/ مراقبة الأماكن العامة التي توجد فيها مواد قابلة للاشتعال، وتحديد الكميات المسموح بعرضها في هَذِه الأماكن.

6/ مراقبة وسائل إطفاء الحريق والوقاية منه.

7/ استصلاح الأراضي ودفن المناطق المنخفضة والمستنقعات.

8/ مراقبة تنفيذ تجميل المدينة وتشجير الشوارع وإنشاء الحدائق وصيانتها (وبعدها خمسة بنود لا تتعلق بالأسواق).

* ثُمَّ أورد في المادة الثانية عشر ما يتعلق بالشئون الصحية للأسواق ومجالاتها: تشمل كلا من:

1-               المطاعم بأنواعها ومحلات الكافيتريا.

2-               محلات بيع المرطبات، وبيع الحلوى.

3-               محلات البقالة والبرادات واللحوم المثلجة.

4-               المخابز ومحلات صنع البسكويت والكعك والحلوى.

5-               محلات اللحوم الطازجة والدواجن والأسماك.

6-               محلات صنع المياه الغازية، أو تحضير الألبان.

7-               محلات بيع الخضروات والفواكه.

8-               مخازن المواد الغذائية سواء كانت معلبة أو طازجة.

9-               محلات غسيل الملابس أو المصابغ.

10-          محلات الصناعات المؤذية كالدباغة أو الصبغة.

11-          الورش الصناعية.

ثُمَّ أورد في المادة (12) الشروط الصحية لمحلات الأسواق وهي:  لا يجوز الترخيص بإدارة أي محل من المحلات التي تقوم بصناعة أو تداول المواد الغذائية إِلاَّ بعد استيفائه للشروط الصحية العامة الآتية: -) تكون الإنارة والتهوية متوفرتين في جميع أنحاء المحل.  

1)     تزويد النوافذ والأبواب وفتحات التهوية بشبك من السلك الناعم وأن تفتح الأبواب عَلَى الخارج وتزود بجهاز يجعلها تقفل تلقائيا، وذلك لمنع دخول الحشرات.

2)    تبلط أرضية المحل بالبلاط الأملس ليسهل غسلها وتنظيفها.

3)     يزود المحل بمخزن خاص ومنفصل حسب الحاجة إليه، وبشرط أن يراعى استيفاء الشروط الواردة بالفئة الثامنة من الشروط الخاصة الواردة في المدة (14) من هذا النظام.

4)     يحافظ عَلَى النظافة العامة بجميع أقسام المحل، وكذلك بنظافة المعدات والأدوات والأوعية المستعملة في تداول المواد الغذائية.

5)     تستعمل المياه الجارية لكافة أغراض العمل والساخنة لأغراض الغسيل، وبشرط أن توصل المياه إِلَى المحل بواسطة مواسير من شبكة التوزيع العام وتستثنى المحلات الصغيرة من هذا الشرط، وبموجب موافقة السلطات الصحية في البلدية.

6)     توضع القمامة والنفايات المتخلفة من المحل في وعاء خاص من الحديد المجلفن أو الصاج المدهون أو البلاستيك محكم الغطاء في مكان خاص بالمحل، وذلك لحين مرور عمال البلدية ورفعها.

7)    يرتدي كل من يعمل في المحل رداء أبيضا نظيفا أثناء العمل مع غطاء الرأس.

8)     لا يستعمل المحل أو المخزن التابع له لغرض السكن، ولا يحتفظ بالحيوانات الأليفة داخل أي محل أو مخزن.

9)     يخضع كل من يعمل بالمحل بما في ذَلِك صاحب المحل للكشف الطبي الأولى قبل مزاولة العمل، وكذلك الكشف الطبي الدوري كل ستة أشهر بانتظام، ويسلك كل شخص يثبت الكشف الطبي خلوه من الأمراض، شهادة بذلك من قبل إدارة الطب الوقائي ترخصه للعمل في أي محل من المحلات الخاضعة لأحكام هذا النظام، وعلى كل من حاز عَلَى مثل هَذِه الشهادة الاحتفاظ بها وتقديمها لدى كل طلب من قبل السلطات المسئولة عند التفتيش عَلَى المحل، وعند إعادة الكشف الطبي الدوري.

10)    يقدم كل صاحب محل طلبا عَلَى قسم الصحة بوزارة البلديات عن طريق قسم الترخيص بالوزارة لإجراء المعاينة والتحقق من ملاءة المحل من الناحية الصحية، واستخراج شهادة تسجيل خاصة به، وذلك عند افتتاح محل جديد، وفي خلال الشهر الأول من كل سنة ميلادية.

11)    لا يجوز لأي صاحب محل أو من ينوب عنه الاعتراض عَلَى طلب أي مفتش صحة عامة مسئول لإجراء التفتيش الصحي عَلَى المحل وما به من سلع ومعدات، وعلى كل من يعمل به في أي وقت كان وبدون أي إنذار سابق.

12)    تكون المواد الغذائية المعروضة للبيع خالية من الغش في التركيب، أو التلاعب في البيانات الواردة عَلَى غلافها كحذف أو إضافة أو استبدال بيانات خاصة بالصنع أو المحتويات، أو الكمية أو الصنف.

13)    يحظر استعمال الموازين غير الدقيقة أو غير المطابقة لمواصفات دائرة البلدية وشروطها.

14)    عَلَى صاحب كل محل العمل عَلَى فرز السلع المعروضة للبيع في فترات معينة وبانتظام، وجمع الفاسد منها أو المشتبه في أمرها وإيداعها في مكان خاص بالمحل، والامتناع عن بيعها، ـ وذلك لحين عرضها عَلَى مفتش الصحة العامة المسئول بدائرة البلدية لإبداء الرأي.

وفي هَذِه الحالة يقوم المفتش المذكور بالفحص عَلَى تلك السلع ظاهريا والحكم عليها، فإذا ثبت فسادها ظاهريا تقرر إعدامها، وإذا اشتبه المفتش المسئول في أمرها أرسل عينة إِلَى المختبر الحكومي لإبداء الرأي طبقا لنتائج التحليلات، ومنع صاحب المحل من عرض ما تبقى من السلع المشتبه في أمرها للبيع حتى ظهور نتيجة التحليلات.

وفي حالة تقرير إعدام السلع التالفة يحرر المفتش المسئول محضرا بذلك من ثلاث صور يثبت فيها ما يلي:

1-        اسم مفتش الصحة العامة الذي ضبط المخالفة.

2-        اسم وعنوان المحل الذي ضبطت فيه المخالفة، واسم المخالف.

3-        تاريخ ووقت ضبط المخالفة.

4-        قائمة بنوع وكميات المصادرات([46]).

والحمد لله رب العالمين.


[1]) تفسير الرازي، 2/77.

[2]) مقدمة ابن خلدون، ص348.

[3]) الطبقات الكبرى لابن سعد، 5/130. صبح الأعشى، 5/452.

[4]) عبد الحي الكناني: التراتيب الإدارية، 1/240.

[5]) ابن خلكان: وفيات الأعيان، 5/345.

[6]) انظر: القاموس المحيط، ومفردات الراغب، وأساس البلاغة للزمخشري، والمعجم الوسيط، (مادة: حسب).

[7]) ابن الأخوة: معالم القربة في أحكام الحسية، ص7. الشيزري: نهاية الرتبة في أحكام الحسبة، 6.

[8]) الموسوعة الفقهية، 17/233.

[9]) ابن المناصف: تنبيه الحكام عَلَى مآخذ الأحكام، دار التركي للنشر، تونس، ط1988م/1357هـ، مصطفى الباني، ص314، 317-318.

[10]) المرجع السابق، ص321-323 بالنسبة للسطر الأخير.

[11]) تنبيه الحكام، ص329.

[12]) معالم القربة، ص12-16.

[13]) ابن مفلح: الآداب الشرعية، 1/209.

[14]) ابن الأخوة: معالم القربة، ص7.

[15]) أبو يعلى: الأحكام السلطانية، ص268.

[16]) رواه البخاري.

[17]) سورة الحج: 41.

[18]) ابن المناصف: تنبيه الحكام، ص310.

[19]) الغزالي: إحياء علوم الدين، 2/413. وقد فصل ما يتعلق بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الصفحات التالية حتى 2/477، كما أورد ما يتعلق بالحسبة، 2/421.

[20]) تنبيه الحكام، ص337. وأورد نماذج من المنكرات الجارية في الأسواق في عصره، ص338.

[21]) سورة النساء: 29.

[22]) ابن المناصف: تنبيه الحكام، ص33.

[23]) الغزالي: إحياء علوم الدين، 2/454.

[24]) أخرجه الترمذي، (جامع الفوائد من جامع الأصول ومجمع الزوائد)، رقم 4606.

[25]) صحيح مسلم، 7/144.

[26]) أخرجه الترمذي، رقم 4603.

[27]) الغزالي: إحياء علوم الدين، 2/93. وقد استعرض أهم العقود وشروطها، 2/91، 103.

[28]) النظام الاقتصادي في الإسلام، ص175.

[29]) متفق عليه.

[30]) رواه الجماعة إِلاَّ البخاري، نيل الأوطار، 5/176.

[31]) أخرجه البخاري، سبل السلام، 2/340.

[32]) سبل السلام، 2/336.

[33]) رواه مسلم.

[34]) ابن بسام: نهاية الرتبة في طلب الحسبة، ص71. المكيلدي: التيسير في التسعير، ص35، 55، 406، 409. د/ أحمد العسال وفتحي عبد الكريم: النظام الاقتصادي في الإسلام، ص175.

[35]) د/ صالح العلي: التنظيمات الاجتماعية والاقتصادية في البصرة.

[36]) الكتاني: التراتيب الإدارية، ط دار الأرقم، بيروت، 2/12.

[37]) أخرجه الترمذي والحاكم، الجامع الصغير.

[38]) أخرجه مسلم، 1/53.

[39]) أخرجه ابن  ماجه.

[40]) أخرجه البخاري، جمع الفوائد، 1/436.

[41]) تنبيه الحكام، 339. وإشارة إِلَى إثقال البهائم (السيارات) بالأحمال الزائدة.

[42]) معالم القربة لابن الأخوة، ونحوه نهاية الرتبة للشيزري.

[43]) روى مسلم والترمذي عن أبي هريرة عن النبي e: «من غشنا فليس منا».

[44]) قانون (11) لسنة 1964 بشأن بلدية الكويت.

[45]) نظام المجلس البلدي لمدينة أبو ظبي رقم (9) لعام 1972م.

[46]) نظام النظافة العام والشروط الصحية للمحلات التجارية العامة.

 

* ندوة تطور العلوم الفقهية فِي عمان “ الفقه الحضاري، فقه العمران”

 المنعقدة خلال الفترة: (18-21) ربيع الثاني 1431هـ / (3-6) إبريل 2010م:

سلطنة عمان- وزارة الأوقاف والشؤون الدينية 

هذه المقالة تحتوي على تعليق (1)

تعليق واحد ل “الرقابة على الأسواق وقواعدها ومجالاتها”

  1. لولو says:

    رائع جدا الله يعطيك العافيه

أكتب تعليقك هنا

نرجو أن تضع المادة أسفله
الإسم
إيميل
موقع
تعليقك