أحكام المسجد ومكوناته في الشريعة الإسلامية

أحكام المسجد ومكوناته في الشريعة الإسلامية *
دراسة في النشأة والتشريع

إعداد: أ.د محمود مصطفى عبود آل هرموش

(أستاذ الأصول والقواعد الفقهية في جامعة الجنان، بالجمهورية اللبنانية)

 

المطلب الأوَّل: معنى كلمة مسجد

قال سيبويه: “وأمّا المسجد فإنهم جعلوه اسماً للبيت ولم يأتِ على فَعَلَ يفْعُلُ”، قال ابن الأعرابي: مسجد بفتح الجيم محراب البيوت، ومصلّى الجماعات مسجد بكسر الجيم والمساجد جمعها. وقال الشيخ محمود شكري الألوسي: وروي مسجَدَ بالفتح على القياس وإن لم يسمع إِلاَّ الكسر([1]).

وقال الزركشي: “..ولَمّا كان السجود أشرف أفعال الصلاة لقرب العبد من ربه اشتق اسم المكان منه فقيل: مسجد، ولم يقولوا: مركِع ولفظه فتح أوله وتسكين ثانيه، وكسر ثالثه. ويراد منه الجامع في نظر الناس إلا أن بينهما عموماً وخصوصاً فكل جامع مسجد وليس كل مسجد جامعاً، وقد خص الجامع بالمكان الذي تؤدى فيه صلاة الجمع والأعياد”([2]).

وفي خطط المقريزي([3]) لَمَّا فتح عمر البلدان كتب إلى أبي موسى الأشعري وهو على البصرة يأمره بأن يتخذ مسجداً للجماعة ويتخذ للقبائل مسجداً فإذا كان يوم الجمعة انضموا إلى مسجد الجماعة، وكتب إلى سعد بن أبي وقاص وهو على الكوفة بمثل ذلك، وكتب إلى عمرو بن العاص وهو على مصر بمثل ذلك، وكتب إلى أمراء الأجناد بالشام ألا يتبددوا إلى القرى وأن ينزلوا المدائن وأن يتخذوا في كل مدينة مسجداً واحداً ولا تتخذ القبائل مساجد، فكان الناس متمسكين بأمر عمر وعهده.

وقال تقي الدين السبكي: إن دمشق من فتوح عمر إلى يومه لم يكن في سورها إِلاَّ جمعة واحدة([4]). وهذا يدلّنا على أن الجامع كان مخصصاً للجمعة والأعياد وأنّ المسلمين لم يعددوا الجمعة في أكثر من مسجد على حدّ تعبير السبكي، إِلاَّ أن الشيخ جمال الدين القاسمي تعقبه بأنه قد أقيمت في عهده ثلاث جوامع: جامع خليخان وكان يخطب فيه ابن القيم، وجامع تنكز، وجامع يلبغا.

وذكر الخطيب البغدادي في تاريخه([5]) أن أوّل من سمح بتعدد الجمعة داخل البلد الواحد هو الخليفة المعتضد بالله المتوفى سنة 219هـ، وقيل: أوّل من أفتى بذلك عطاء بن أبي رباح التابعي المتوفى سنة 115هـ.

وفي أيامنا هذه صار المسجد والجامع بمعنى واحد فلم يعد هناك جامع يخطب فيه وآخر لا يخطب فيه، فجميع المساجد اليوم صارت جوامع فيها منابر وخطباء.

المطلب الثاني: المساجد فكرة إسلامية

عندما يتحدث المستشرقون عن بناء المساجد فإنه يتبادر إلى أذهانهم أن المسلمين تأثروا بمعابد اليهود والنصارى وكنائسهم، ظناً منهم أن فكرة بناء المساجد لم ترد في خاطر المسلمين إِلاَّ  بعد احتكاكهم باليهود والنصارى الذين كانوا منتشرين في مصر وسورية وبلاد الشام عامة التي فتحها الخلفاء الراشدون، ومن هؤلاء الأمير ليون كاتيا في كتابه “حوليات الإسلام”، وقد ظنّ أن المسلمين لم يتخذوا المساجد إلا بعد وفاة النبيّ صلعم.

ويعلق الأستاذ أحمد فكري في كتابه “مسجد القيروان” فيقول: “إنّ الفكرة الدينية هي وحدها التي أمْلَتْ على مسجد الرسول صلعم نظامه، وأنه أريد من وضع هذا النظام أن يصلح لأداء غاية واحدة هي الصلاة، ولصلاةِ دين واحد وهو الدين الإسلامي”([6]).

وفي مكان آخر من الكتاب نفسه يقول: “إن الغاية الدينية وحدها هي التي وضعت أصول نظام المسجد وأنه ليس للآثار المعمارية التي سبقت الإسلام أثر ما في تأليف هذا النظام، كما أن الفكرة التي تشعب منها بناء المسجد تختلف اختلافاً بيِّناً عن تلك التي تشعب منها نظام الكنائس القبطية، أو المعابد المصرية، فهذه الآثار تخضع لفكرة أخرى تجعل منها مباني محدودة في الفضاء أو كتلة محصورة منه. أما مسجد الإسلام فهو على النقيض من ذلك يتشعب من فكرة لا يقف أمامها الفضاء عند حد أو نهاية([7]).

وهكذا يتّضح لنا أن المسجد الإسلامي يختلف اختلافاً أساسياً عن غيره من معابد أهل الملل والنحل لا سيما النصرانية، فالمنطلقات الشكلية والمعطيات الدينية في المسجد هي غيرها في المعابد الأخرى.

المطلب الثالث: أهميَّة المسجد في الإسلام:

لم ينظر المسلمون في تاريخهم الحضاري إلى المساجد نظرة سلبية أو كهنوتية تؤدى فيها أعمال روتينية رتيبة وحسب، بل نظروا إليها نظرة واقعية تجعل منها مؤسسات عامة يزاولون داخل جدرانها شؤون حياتهم، ويخططون تحت أروقتها وإلى جانب أسوارها تنظيم مجتمعهم للنهوض بمستوى شعوبهم والحفاظ على كيانهم، فقد كان المسجد في نظرهم في حكم الدوائر الرسمية كما يقول الدكتور طه الولي([8])، فلقد كان المسجد إلى جانب وظيفته الدينية يؤدي في الوقت نفسه ورسالته الحضارية في مختلف وجوه النشاطات الإنسانية التي يعيشها البشر ويحتاجون إليها، وهذا ما عبَّر عنه الكاتب الفرنسي غوستاف لوبون في كتابه القيِّم “حضارة العرب ” حيث يقول: “المسجد مركز الحياة الحقيقي عند العرب”.

 فالمسجد بني في أوّل أمره ليكون داراً للعبادة، ولكن العبادة في الإسلام ليست كالعبادة في الأديان الأخرى؛ لأنّ العبادة في الإسلام ليست طقوساً شكلية وليست حركات روتينية، ولكن العبادة هي علاقة الإنسان بربه وعلاقته بالمجتمع والكون والحياة.

فالمسجد في الإسلام هو مركز للعبادة الروحية، ومركز للانطلاق الحضاري، وقد أكد الكاتب الفرنسي ” لوبون” هذه الحقيقة حين قال([9]): فالعرب يتخذون من المسجد محلاً للاجتماع، والعبادة، والتعليم، والسكن عند الاقتضاء… وملاجئ للغرباء ومراجع للمرضى لا للعبادة فقط كبيَعِ النصارى، ومن توابع المساجد على العموم حمامات، وفنادق، وأصابل، ومشافٍ، ومدارس، وهكذا يتجلى اختلاط الحياة الدينية بالحياة المدنية عند المسلمين في مساجدهم.

المطلب الرابع: بواعث بناء المساجد

وحتى تتضح أهمية المسجد في نظر الحضارة الإسلامية فلا بدَّ من استقراء البواعث التي حثَّت المسلمين على بناء المساجد.

1-نيل الأجر والثواب من بناء المساجد: فإن الرسول صلعم رغَّب في بناء المساجد فقد روي عنه قوله: «من بنى لله مسجداً بنى الله له قصراً في الجنة»([10])، وجعله الله تعالى مركز الذكر والتوحيد، قال تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللهِ وَإِقَامِ الصَّلاَةِ وَإِيتَآءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالأَبْصَارُ﴾([11]).

2- المسجد مركز العلم:  ومن البواعث أن المساجد تستخدم منذ فجر الإسلام لاجتماع المسلمين فيها كما اتخذها علماء التفسير والحديث والفقه مقراً لهم، وفيه تُبحَث أوضاعهم السياسية، والاجتماعية، والأمنية. فقد كان النبيّ صلعم يجمع فيه أصحابه للتشاور في أوضاع الأمّة، واستقبل فيه الوفود التي كانت تتوالى على زيارته قادمة من داخل الجزيرة العربية، أو من خارجها، وكتب التاريخ والسير حافلة بذكر مثل هذه الأخبار وأصحاب هذه الوفود.

واستقبل النبيّ صلعم في المسجد وفداً من بلاد الحبشة وتركهم يلعبون فيه وكان ذلك في يوم عيد منى([12])، وهذه قصة قد رواها البخاري.

3- المسجد بيت مال المسلمين: وكان المسجد في الإسلام مكاناً لحفظ الجزية، وإنا لنجد في كتب التاريخ إشارات إلى ما يسمى بقبة بيت المال في المسجد، وفي هذه القبة كان الخلفاء الراشدون يحفظون الثروة النقدية العامة التي كانت حصيلة للزكاة التي يدفعها المسلمون عن أموالهم وخراج أراضيهم والفيء الذي يحصلون عليه من أعدائهم. وقد أشار المقريزي في خططه إلى ذلك بقوله وهو يتحدث عن جامع الفسطاط بمصر قال: “بيت المال الذي في عُلُوِّ النوارة بالجامع بناه أسامة بن زيدٍ التنوخي متولّي الخراج بمصر سنة 97هـ أيام سليمان بن عبد الملك وأميرُ مصر يومئذ عبد الملك بن رفاعة الفهمي وكان بيت مالِ المسلمين فيه([13]).

وذكر ابن رُسْتَةَ من علماء القرن الثالث الهجري بيت المال المذكور في الأعلاق النفيسة([14])، وقال إنه شبه قبة عليا عليها أبواب من حديد وإنه كان أمام المنبر.

وكذلك جامع ابن طولون الذي بني سنة 263هـ بالقاهرة يغلق بعد صلاة العشاء بأمر ابن طولون نفسه؛ لأن بيت المال فيه([15]). وذكر حسن عبد الوهاب أن هذه القبب كانت تستعمل لحفظ أموال اليتامى([16]).

4- المسجد دار الضرب (مصنع النقود): ذكر المقريزي في خططه أن أبا عمرو الحارث لما ولي القضاء بمصر من قبل المتوكل على الله سنة 237هـ أمر ببناء الرحبة الملاصقة لدار الضرب في جامع (عمرو) ليتسع بها الناس ثم زاد فيه أي في الجامع أبو بكر محمد بن عبد الله الخازن أي خازن بيت المال رواقاً واحداً من دار الضرب وهو الرواق ذو المحراب والشباكين المتصل بالمسجد برحبة الحارث([17]).

5- المسجد حصن وقلعة: كان المسلمون يبنون المساجد على شكل قلاعٍ محصنة كاشفة لتحركات الغزاة، تحيط بها الأسوار القوية التي لا تؤثر فيها المنجنيقات، ويجعلون فيها الشقوق العسكرية لرمي العدو بالسهام كما أحاطوا بعضها بالخنادق([18]).

6- المسجد مكان القضاء: اتّخذ المسلمون المساجد للفصل بين الخصومات والنظر في شكاوى الناس. قال ابن قاضي شهبة، وهو يتحدث عن سنة 555هـ وفيها عيَّن السلطان نور الدين القاضي كمال الدين الشهرزوري، وكان من خيار القضاة وإليه يُنسَب الشباك الكمالي الذي يجلس الحكام فيه بالجامع بعد الصلاة من يوم الجمعة من المشهد الغربي بالجامع الأمويّ([19]).

7- المسجد مكان للاستشفاء: لَمَّا بنى ابن طولون جامعه في القاهرة أمر أن يُعمل فيه خزانة شراب فيها جميع الشرابات والأدوية.

8- المسجد مجلس للتشاور والتشريع:  فالمسجد بيت الأمة، وقد روى المؤرخون أن الخلفاء والسلاطين وولاة الأمور كانوا يتخذون المسجد لانتخاب الخليفة كما فعل معاوية بن أبي سفيان عندما شعر بدنوِّ أَجَلِهِ فأرسل وراء الناس ليجتمعوا إليه في المسجد الجامع بدمشق وطلب البيعة لابنه يزيد، وتمَّ انتخاب ابنه يزيد خليفةً له من بعده وأخذ بيعتهم ومواثيقهم على هذا الانتخاب، وليته لم يفعل !.

9- المسجد مركز الإعلام:  عمل سلاطين المسلمين على اختلاف عصورهم من الأيوبيين إلى المماليك على جعل المساجد دُوراً للإعلام، وكانت منشورات السلاطين، وبلاغاتهم، وإعلاناتهم، وقراراتهم، ومراسيمهم، كل ذلك كان يُذاع من فوق المدائن أو المنابر حيث يُدعى الناسُ ويُبَلَّغون هذه المنشورات والمراسيم والقرارات.

ذكر المقريزي في خططه أن الحاكم بأمر الله أمر بأن يُقرأ سجلٌ على المنابر بتلقيب القائد حسين بقائد القواد وخَلَعَ عليه بمال وكسوة ملكية([20]).

10- المسجد دار الكتب: كانت المساجد تزخر بالمكتبات العامة في مختلف العلوم والفنون، وقد كان الأمراء والأغنياء والعلماء يتنافسون في وقف الكتب.

 ومن أهم هذه المكتبات:

أ- خزانة الكتب في مسجد الحاكم بأمر الله في القاهرة([21]).

ب- مكتبة في الجامع الكبير بحلب تُدعى بشجرة الإفادة صُنِعت من حجر ونحاس وحديد ذات خطوط وجداول في أصول العلوم الرياضية، شبيهة بشجرة ذات جذع ضخم وأغصان وأوراق عظيمة، في كل ورقة أصل من أصول تلك العلوم([22]).

ج- خزانة القرويين وهي مكتبة ضخمة تضم آلاف المخطوطات النفيسة([23]).

د- مكتبة جامع الأزهر بمصر كانت موجودة في جامع الأزهر سنة 517هـ([24]).

المطلب الخامس: شروط بناء المسجد:

تكلّم الفقهاء والأئمة عن كل ما يتعلق ببناء المساجد من موقع المسجد وما يتصل به من مرافق وما يتكون منه من أجزاء كالمنبر، والمحراب، والقبة، والسدة، والصحف، والرواق، والأَهِلَّة التي وضعت فوق المآذن والقبب، والمآذن والسواري ونحو ذلك.

أما ما يتعلق ببناء المسجد فقد اشترط الفقهاء أن يكون المسجد في وسط المصر، أو البلد، أو القرية التي يسكن فيها الناس، والحكمة من ذلك كي يكون المسجد متساوي الأبعاد بالنسبة لأهل المصر لأن النبيّ صلعم أوجب على المسلمين حضور الجماعة فقد روي عنه صلعم أنه قال: «لا صلاة لجار المسجد إِلاَّ في المسجد»([25]).

وبناء عليه فقد قال الحنابلة: إن صلاة الجماعة فرض عملاً بقول النبيّ صلعم: «لا صلاة لجار المسجد إِلاَّ في المسجد»، وحملوا النفي على نفي الصحَّة. بينما ذهب جمهور الفقهاء إلى أن صلاة الجماعة سنة مؤكدة وحملوا النفي على نفي الكمال أي لا صلاة كاملة إِلاَّ في المسجد، إِلاَّ أن الحنابلة قالوا: إن نفي الصحَّة أقرب المجازين إلى نفي الذات.

لأجل ذلك وجب أن يكون موقع المسجد في مكان وسط يؤمّه الناس من كل مكان ويكون قريباً من جميع الجوار ما أمكن.

ولأجل ذلك فقد قدَّر الله تعالى مكان البيت العتيق في وسط الكرة الأرضية كي يكون متساوي الأبعاد قَدْرَ الإمكان، وقد بحث العلماء مكان البيت العتيق وأكدوا أَنَّه في وسط الكرة الأرضية، وأنه محور الأرض كذا قالوا، ولذلك لما خطَّ سعد بن أبي وقاص مسجد الكوفة أتى برجل شديد النزع فرمى في كلّ جهة بسهم، ثمَّ أمر أن يبني الناس فيما وراء ذلك.

ومن الشروط أن تكون الطرق المؤدية إليه سهلة بعيدة عن التضاريس والأودية، وأن لا تكون وعرة المسالك، لأن المسجد يؤمه المرضى، والعميان حيث إن النبيّ صلعم لم يرخص لابن أمّ مكتوم وهو ضرير أن يصلّي في البيت ما دام أنه يسمع النداء، فقد جاء في السنة أن ابن أم مكتوم جاء إلى النبيّ صلعم فقال: يا رسول الله إني رجل ضرير وإني بعيد الدار ولي قائد لا يلائمني كل ساعة، فهل تجد لي رخصة أن أصلي في بيتي؟ فقال له النبيّ صلعم: «هل تسمع النداء؟»، فقال: نعم، فقال: «لا أجد لك رخصة»([26]).

ومن الشروط أن يجردوا المساجد من الصور والأصنام فإن النبيّ صلعم حين دخل البيت الحرام يوم فتح مكة المكرمة رأى فيه صور الملائكة ورأى إبراهيم u مصوَّراً وفي يده الأزلام يستقسم بها فقال: «قاتلهم الله جعلوا شيخنا يستقسم بالأزلام ما شأن إبراهيم والأزلام ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلاَ نَصْرَانِيًّا وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾([27])”، ثمَّ أمر بتلك الصور كلها فطمست([28]).

وفي هذا الخبر دليل على أن الفن الإسلامي فنٌ ملتزمٌ بالعقيدة والإيمان بتعاليم الإسلام، لذلك لم نرَ مسجداً قط أُدخِلت فيه مثل هذه الأصنام والتماثيل تحت شعار الفن والزخرفة.

ومن الشروط التي راعاها الفقهاء في عمارة المساجد أن لا تُشيَّد على القبور؛ لأنّ اتخاذ المساجد على الأضرحة وإن كان سائغاً في شرع من قبلنا لقوله تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَّسْجِدًا﴾([29])، إِلاَّ أن بناء المساجد على الأضرحة في شرعنا محرَّم.

وقد قال النبيّ صلعم لَمَّا قيل له: إن كنيسة قد بنيت على ضريح قال: «أولئك شرار خلق الله إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجداً»([30]). إِلاَّ أن هذا الشرط قد تخلَّف في بعض المساجد بسبب التوسيعات كما هو الحال في قبر النبيّ صلعم وصاحبيه في المسجد النبوي فقد دخل القبر في المسجد بسبب التوسعة.

وفي بعض الأحوال يتأثر الناس بفتاوى مشايخ الصوفية الذين يقيمون لبعض المقامات والأضرحة وزناً، وقد أقيمت في بعض البلاد المساجد على قبور الأنبياء بفتوى من علماء تلك البلاد أو من بعضهم كمسجد نبي الله زكريا في حلب، ومسجد إبراهيم الخليل في مدينة الخليل، والبعض الآخر بني على أضرحة الصحابة كمسجد خالد بن الوليد في حمص، ومسجد أبي موسى الأشعري فيها أيضاً.

المطلب السادس: مكونات المسجد وحكمها شرعاً

ونقصد بالمكونات الأشياء التي دخلت في عمارة المسجد.

1- من مكونات المسجد (المنبر).

والمنبر في اللغة قال ابن منظور في لسان العرب: كلّ شيء رفع شيئاً فقد نبره، والنبر مصدر، والمنبر مرقاة الخاطب، سمي منبراً لارتفاعه وعلوه، وانتبر الأمير أي ارتفع فوق المنبر([31]).

أما الأستاذ جعفر الحسني فإنه عرَّف المنبر بأنه: “بناء ثابت من حجر أو خشب”. وقال غيره: إنه مرقاة متنقلة لها درجات.

وقد اتخذ النبيّ صلعم المنبر ففي أول الأمر كان النبيّ صلعم إذا قام للخطبة يقف عند أحد الجذوع، فلما صُنِع له منبر من خشب وترك الجذع حنَّ الجذع له، وسُمِع حنينه في المسجد حتى وضع النبيّ صلعم يده عليه، وقد ذكر السيوطي في أوائله أن أول من صنع المنبر لرسول الله هو الصحابي تميم بن أوسٍ الداري.

وفي كتاب “وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى” للسمهودي أنه قد حكى بعض أهل السير أن النبيّ صلعم كان يخطب على منبر من طين قبل أن يتخذ المنبر الذي هو من خشب([32]).

وقد صُنع هذا المنبر في السنة السابعة للهجرة وقد صُنع من طرفاء الغابة، وقيل من الأثل، وكان ارتفاعه ذراعين وثلاثة أصابع وعرضه ذراعاً راجحاً أعلاهن لجلوسه([33]) وعلى جانبيه ومن خلفه خمسة أعواد وفي طرفيه مما يلي القعود رمانتان.

ذكر ابن سعد وغيره أن الصحابة كانوا يمرون بالمنبر ويجسّون رمانتيه ويستقبلون القبلة يدعون، ذكره عنه الدكتور طه الولي ـ رحمه الله ـ([34]).

انتشار المنابر في الأمصار:

ذكر المؤرخون أن أول منبر بعد منبر النبيّ صلعم في المدينة هو المنبر الذي اتخذه عمرو بن العاص في مسجد الفسطاط بمصر، وقد ذكر المقريزي في خططه أَنَّه  لَمَّا بلغ عمر بن الخطاب ما صنعه عمرو بن العاص من اتخاذه المنبر الخشبي كتب إليه رقعة قال له فيها: “أما بحسبك أن تقوم قائماً والمسلمون جلوس تحت عقبيك فعزمتُ عليك إِلاَّ كسرتَه”، فامتثل عمرو بن العاص أَمْرَ أمير المؤمنين عمر t.

إِلاَّ أن عمرو بن العاص عاد بعد موت أمير المؤمنين واتخذ المنبر. فقد ذكر المقريزي في خططه وابن تغرى بردى في النجوم الزاهرة أن الوليد بن عبد الملك أمر بهدم مسجد الفسطاط وأعاد بناءه من جديد ونصب فيه المنبر([35]).

2- حكم المنبر في الشريعة:

ويبدو أن أصل اتّخاذ المنابر سُنَّةٌ ماضية من عهد رسول الله صلعم لتقرير النبيّ صلعم عمل المنبر. وما ورد عن عمر لعمرو بن العاص اجتهاد منه بأن لا يترفع الخطيب على الناس، أو أنه استعظم أن يرقى المنبر أحد بعد رسول الله صلعم، إِلاَّ أن علماء الأمصار لم ينكروا المنابر، وَإِنَّمَا أنكروا صوراً محيطة بها مثل الزخرفة واستعمال الأعلام والستائر عليها.

3- العَلَمان على جانبي المنبر والستارة على بابه:

جرت العوائد في كثير من البلاد أن ينصبوا أعلاماً عن جانبي المنبر من الحرير الأحمر أو الأخضر أو الأسود وقد كُتِبَ فيها بعض الآيات القرآنية المطرَّزة بالحرير الأصفر أو الذهبي، وترجع هذه العادة إلى أيّام العبيديين الذين حكموا المشرق وبنوا الدولة الفاطمية([36]).

4- رأي العلماء في هذه الأعلام والستائر:

وقف العلماء لاسيما السلفيون منهم من هذه الظاهرة موقفاً متشدداً واعتبروها من البدع الدخيلة على الدين، وقد خلت بيوت الله منها في عصر الرسول صلعم وعصر الخلفاء الراشدين المهديين من بعده ولم تظهر إِلاَّ في أيام الفاطميين، فهي بدعة أظهرها مبتدعون.

وفي سنة 1924م أثارت جريدة المقطم المصرية موضوع وضع العَلَمين اللذين يُرفعان على جانبي المنبر والستارة عن طريق استفتاء نشرته لأحد قرائها جاء فيه: “ما قولكم ـ أحيا الله بكم السنّة ـ في العَلَمين اللذين يُرفعان على جانبي المنبر عن يَمين الخطيب وشماله والسترة التي تُجعَل على باب هذا المنبر؟ أكان ذلك يجعل للنبيّ صلعم على منبره؟ وهل اتخذه أصحابه من بعده؟ وهل ذلك سُنَّةٌ وشعيرة من شعائر الإسلام أو بدعة؟

وقد أجاب عن هذا الاستفتاء العالِم البيروتي الشيخ راغب قبّاني من علماء الأزهر بأن رفع البيرقين على المنبر والستارة على بابه بدعة؛ لأنّ ذلك زخرف منهيّ عنه في المساجد”([37]).

واستدل المانعون من هذه الزخرفة بقول النبيّ صلعم: «وما أُمِرتُ بتشييد المساجد» وبقوله: «لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد ولا يعمرونها» رواه ابن خزيمة في صحيحه. وبقوله صلعم لعثمان بن طلحة وقد دخل الكعبة فرأى فيها قرني كبش إسماعيل: «إني كنت رأيتُ قرني الكبش حين دخلت البيت فنسيت أن آمرك أن تحمرها فحَمِّرْهما، فإنه لا ينبغي أن يكون في قبلة البيت شيء يلهي المصلي» رواه أحمد وأبو داود.

واستدلوا بفعل عمر بن الخطاب t فإنه لما جدد مسجد النبيّ صلعم لم يزد على ما فعله النبيّ صلعم فإنه جعل جدرانه من اللبن، وسقفه من الجريد، وأعمدته من الخشب.

5- المنبر أثر حضاري: كان المنبر في عصور الإسلام الزاهية يمثل جانباً مهماً وصورة مشرقة من صور الحضارة الإسلامية، فلقد كان المنبر دائماً يعكس تنافس الحكام والسلاطين بالجوانب المعنوية والفنية، فالمنبر يشير إلى قوة المسلمين لاسيما في البلاد التي فُتِحت عنوة، فقد كان يرتقيه السلاطين والخطباء وبيدهم السيف تعبيراً عن قوة المسلمين ومَنَعَتِهِم وعليه تؤخذ البيعة، وما يندرج في ذلك من النظام السياسي للدولة، فقد كان الخليفة إذا أراد أن يوجِّه أمراً هاماً للأمة ارتقى المنبر، كما أن انفراده بالدعاء من فوق المنبر من الرسوم الضرورية لثبوت صفته الشرعية.

وعندما تحدَّث القَلْقَشَنْدِي عن ترتيب الخلافة ذكر أن للخلافة رسوماً جارية على ترتيب خاص منها خطابة الخليفة نفسه على المنبر، ومنها دعاء الخطباء له على المنابر. وقد كانت المنابر تزدهي بالنقوش والزخارف والآيات، والألوان الزاهية التي تعكس المرتقى الفني الذي ارتقاه الفن الإسلامي والمدى الذي تبوأته الحضارة الإسلامية في هذا المقام.

وأشهر مثال على ذلك المنبر الذي صنعه نور الدين محمود زنكي ـ رحمه الله ـ ليكون منبراً للأقصى قبل تحريره، وتحقيق صلاح الدين هذه الأمنية، فقد كان ذلك المنبر المرآة الناصعة على حضارة الإسلام ومجده الغابر الذي أضعناه، فلا عجب أن يتم التركيز عليه من بين مكوِّنات المسجد من علج يهودي ويحرقه ليحرق بذلك صورة فنية جميلة ووجهاً مشرقاً من وجوه حضارتنا العظيمة.

ثانياً: المحراب:

من مكونات المسجد المحراب، وقد تكلّم علماء اللغة عن كلمة “محراب” وقد اتّفقوا على أنها عربية وأدرجوها تحت مادة حرب.  وباستقراء كلام العرب نجد أن كلمة المحراب تعني الغرفة العالية، ومنه قول وضاح اليمن:

ربةُ محرابٍ إذا جــئــتُــهــا   لم ألقها أو أرتقِ ســلَّــــماً

وتأتي بمعنى المجلس ومنه قوله الشاعر:

في الغيل في جانب العرّيس مِحراباً

 أي المجلس.  وتأتي بمعنى المكان المفضل في البيت، قال عمر بن أبي ربيعة:

    أو دميةٌ عندَ راهبٍ ذي اجتهاد         صَوَّرَها في جانب الــمــحــــراب

 وقد وردت هذه الكلمة في القرآن الكريم في أربعة مواضع بأربعة معانٍ:

1-  صدر البناء.

2- القصر الملكي.

3- الغرفة التي في مقدم المعبد بالنسبة لأهل الكتاب.

4- المكان الذي يخصص للمَلِكِ دون سائر الناس.

قال تعالى:﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً﴾([38])، وقال تعالى: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلآئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ﴾([39])، وقال تعالى: ﴿ فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ﴾([40])، وقال تعالى: ﴿ يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاء مِن مَّحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ﴾([41]).

فكلمة محاريب في هذه الاستعمالات تعني واحداً من المعاني الآتية:

أ-القصور.     ب- المعابد.    جـ-المساكن.

المحراب في اصطلاح علماء المسلمين:

والمحراب في الاصطلاح: هو المكان المجوَّف داخل حائط المسجد الذي يقف فيه الإمام للصلاة، وهو دائماً في اتجاه القبلة.

أول محراب في الإسلام:

ذكر ابن بطوطة في رحلته وهو يتحدث عن زيارته للمسجد النبويّ الكريم في المدينة المنوّرة أن عثمان بن عفان t هو أول من صنع للمسجد محراباً عندما أصبح خليفة على المسلمين.

إِلاَّ أن ابن بطوطة يورد قولاً آخر بقوله: وقيل: إنّ مروان بن الحكم الخليفة الأموي هو أول من بنى المحراب، وقيل: عمر بن عبد العزيز في خلافة الوليد بن عبد الملك.

إِلاَّ أن جمهور المؤرخين كادوا يتفقون على القول بأن أول من أدخل المحراب في المسجد هو عمر بن عبد العزيز، وذلك أثناء ولايته على المدينة أيـام الخليفة الأمـوي الوليد بن عبد الملك، فقد نقل المقريزي في خططه عن الواقدي في فتوح الشام([42]) أن أول من أحدث المحراب المجوَّف عمر بن عبد العزيز لَمَّا بنى مسجد النبيّ صلعم.

وذكر صاحب كتاب النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة([43]) أثناء حديثه عن حوادث سنة 87هـ، وفيها كتب الوليد إلى عمر بن عبد العزيز يأمره بإدخال حجر نساء النبيّ في المسجد وأن يشتري ما بنواحيه حتى يكون مائتي ذراع في مئتي ذراع وأن يقدم القبلة ففعل عمر.

وتقديم القبلة لا يكون إلا بتقديم المحراب وإبرازه عن جدار المسجد. وهذا ما قرره السيوطي في حسن المحاضرة حيث ذكر أن أول من اتخذ المحراب هو عمر بن عبد العزيز.

أما السمهودي فيقرر أن دور عمر اقتصر على تجويف المنبر ولم يصنع منبراً جديداً فقد ذكر في كتاب “وفاء الوفا في أخبار دار المصطفى” صلعم أن عمر لما صار إلى جدار القبلة دعا شيوخ المدينة عرباً وموالي وقال لهم: تعالوا احضروا بنيان قبلتكم لا تقولوا غيَّر عمر قبلتنا، فجعل لا ينزع حجراً إِلاَّ ردَّه مكانه”([44]).

ثمَّ انتشرت المحاريب في مساجد الأمصار كمحراب بني أمية في الشام، ومحراب في المسجد الجامع في الكوفة، ومحراب جامع عقبة بن نافع في القيروان، ومحراب في جامع الفسطاط في القاهرة، ومحراب في المسجد الجامع في البصرة، وهكذا في مساجد الأمصار حيث نزل المسلمون وبنوا بيوت الله.

موقف العلماء من اتخاذ المحاريب في المساجد:

اختلف أهل العلم في حكم اتخاذ المحاريب في المساجد؛ فذهب بعض أهل العلم: إلى كراهة اتخاذ المحاريب واعتبروها بدعة في الدين. قال الزركشي: “وكره بعض السلف اتخاذ المحاريب في المسجد، قال الضحاك بن مزاحم: أول شرك كان في أهل الصلاة هذه المحاريب. ونقل هذا المؤرخ عن مصنف عبد الرزاق قوله: كره الصلاة في طاق المسجد أي محرابه سعيد بن جبير ومعمر، وفي شرح الجامع الصغير: “لا بأس أن يكون مقام الإمام في المسجد وسجوده في الطاق، ويكره أن يقوم في الطاق؛ لأنه يشبه اختلاف المكانين، ألا ترى أنه يكره الانفراد، وقد عقَّب الزركشي على هذا الكلام بقوله: “والمشهور الجواز بلا كراهة، ولم يزل عمل الناس عليه من غير نكير” ا.هـ([45]).

ومِمّن قال بتحريم المحاريب الإمام جلال الدين السيوطي الشافعي فقد وضع كتاباً سماه “إعلام الأريب بحدوث بدعة المحاريب” فقد اعتبره رحمه الله تقليداً للمذبح الذي يتخذه النصارى في كنائسهم، وأنه من أشراط الساعة. واستدل بما رواه البيهقي في سننه الكبرى عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلعم قال: «اتقوا هذه المذابح يعني المحاريب»([46])، وبما رواه البزار في مسنده عن عبد الله بن مسعود أنه كره الصلاة في المحراب وذكر حديثاً مرسلاً رواه ابن أبي شيبة في مصنفه عن موسى الجهني قال: قال رسول الله صلعم: «لا تزال هذه الأمة بخيرٍ ما لم يتخذوا في مساجدهم مذابح كمذابح النصارى»، وبما رواه ابن أبي شيبة أيضاً عن أبي ذر أَنَّه قال: إن من أشراط الساعة أن تتخذ المذابح في المساجد.

أما جمهور العلماء فقد خالفوا السيوطي وقالوا بجواز اتخاذ المحاريب، فقد نص الإمام القاسمي في كتابه “إصلاح المساجد من البدع والعوائد” وقد نقل عن الإقناع وشرحه قوله: “يباح اتخاذ المحراب فيه ـ أي في المسجد ـ وفي المنزل والربط والمدارس وهو المعتمد”([47]).

قلتُ: وَمِمَّا يُستدل لمذهب الجمهور أن الذي اتّخذ المنابر هو عمر بن عبد العزيز ـ  رحمه الله ـ وهو خامس الخلفاء الراشدين المهديين، وقد انعقد الإجماع على أَنَّه أحيا السنن وأمات البدع وردَّ المظالم، وقد قال صلعم: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ»([48])، وعمر بن عبد العزيز منهم فلا يصح شرعاً أن يكون أحدث في الدين حَدَثاً لا يرضاه الله ورسوله، وقد سار الصحابة والتابعون من قبل على اتخاذ المحاريب. وأما القول بأن عمر بن عبد العزيز هو أول من اتخذ المحراب فهو في مسجد النبي، وقد سبق باتخاذه عمرو بن العاص الصحابي الجليل محراباً في مسجد الفسطاط بمصر، وكذلك اتخاذ عقبة بن نافع المحراب في جامع القيروان، وكذلك اتخاذ عثمان t المحراب في الجامع بالكوفة، ومحراب علي في المسجد الجامع بالكوفة أيضاً، ومحراب المسجد الجامع بدمشق وقيل: إنه يرجع إلى زمن معاوية بن أبي سفيان، وهؤلاء سلف الأمة وقادتهم وقُدوتهم، وليس من السهل تبديع هؤلاء الصحابة الأخيار، على أن ما يُنسب إلى السيوطي من الاستدلال بالأحاديث السابقة الذكر فإنها أحاديث واهية لم تسلم من النقد، والسنَّةُ قد دُوِّنت بأمر من عمر بن عبد العزيز، ومن البعيد جداً أن لا يكون على دراية تامة من أمرها، ولو كانت صحيحة يُحتج بها لما خالفها وهو من هو في الدين والورع ومتابعة السنة.

على أنّ السيوطي طرد البدع في العوائد وهذا مخالف لأصله في جميع كتبه، لا سيما في كتاب شرح الصدور، مِمَّا يدلّ على أن هذا الكلام قد لا تصح نسبته إليه؛ لأنّ البدع طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشريعة يقصد بها المبالغة في التعبد لله تعالى. فالمحاريب وسائر مكونات المسجد لا ينطبق عليها حد البدعة لأنها ليست طرائق في الدين فهي وسائل وليست مقاصد، والبدعة لا تكون في الوسائل، ثمَّ إن البدعة يُقصد بها المبالغة في التعبد، والقصد من المحراب تَقَدُّمُ الإمام كي لا يخسر المسجد صفاً من المصلين، كما أَنَّه علامة على القبلة وليس المقصود منه المبالغة في التعبد لله تعالى.

ثالثاً: المئذنة

المئذنة اسم آلة من الأذان، والأذان: هو الإعلام عن طريق الأذن. وقد جاء فعل أذن في القرآن بمعنى الإعلام قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾([49]). وقال أيضاً: ﴿وَأَذَانٌ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللّهَ بَرِيءٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾([50]).

أصل المئذنة:

لم تكن المآذن معروفة أيام النبيّ صلعم فقد كان بلال الحبشي t إذا أراد أن يؤذن صعد أسطوانة مرتفعة فأذَّن عليها. ويقول السمهودي: إن الأذان في زمنه صلعم كان على أسطوانة في دار عبد الله بن عمر في قبلة المسجد يؤذن عليها بلال يرقى على أقتاب فيها، والأسطوانة مربعة يقال لها المطمار. وروي أَنَّه كان يؤذن على منارة في دار حفصة بنت عمر التي تلي المسجد وكان يرقى على أقتاب فيها.

 ويجزم المؤرخون أَنَّه لم يكن في زمن النبيّ صلعم مئذنة قبل أن يبنيها معاوية بن أبي سفيان إلى أن بنى النبيّ المسجد.  ويروي زيد بن ثابت أن بيته كان أطول بيت حول المسجد فكان بلال يؤذّن عليه إلى أن بنى النبيّ المسجد.

ولا تعارُضَ بين هذه الروايات لاحتمال أن سيدنا بلالاً قد أذَّن في هذه الأماكن كلها حملاً على تعدد المكان.

 والمئذنة تسمّى أيضاً المنارة، والصومعة.

والمنارة مفرد وجمعها منائر وهي مشتقة من فعل أنار([51]). وقال الفيروز أبادي: والأصل المنورة موضع النور كالمنار والمسرجة والمئذنة جمعها منائر، والمنار العلم وما يوضع بين الشيئين من الحدود، ومنه قوله صلعم: «لعن اللهُ من غيَّر منار الأرض» أي علاماتها التي تُعرف بها الحدود([52]).

أما لفظ الصومعة، فقد استعملها المؤرخون مرادفةً لكلمة المئذنة والمنارة، وبهذا المصطلح وردت في القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾([53]).

وأصل هذه الكلمة حبشية ثمَّ عُرِّبت، وقيل: إنها عربية وافق وضع العرب فيها وضع الحبشة، فقد ذكر صاحب القاموس المحيط([54]) تحت مادة (صمع) صوامع: الكلمة أصيلة العروبة بمعنى البرج العالي لكن اقتبست من الحبشية ومعناها: سكن الراهب. وهكذا دخلت الصومعة في المصطلحات المسجدية.

وقيل: الصوامع للنصارى، والبِيَع لليهود، والمساجد للمسلمين. وقيل: كلها أسماء للمساجد.

 

أول من اتخذ المآذن في الإسلام:

ذكر المقريزي في خططه([55])قال الكندي في أخبار مسجد أهل الراية: ولما ضاق المسجد بفسطاط مصر بأهله شكى أهله ذلك إلى سلمة بن مخلد وهو الأمير يومئذ فكتب فيه إلى معاوية فكتب معاوية إليه يأمره بالزيادة عليه… وأمره بابتناء منار المسجد في الفسطاط. وقيل: إن معاوية أمر ببناء الصوامع للأذان.

موقف علماء المسلمين من بناء المآذن:

انقسم علماء المسلمين من تشييد المآذن إلى فريقين:

الفريق الأول: يرى أنها بدعة محرمة أو مكروهة على أقل تقدير. واستدلوا على مذهبهم هذا بأدلة منها:

1- أن المئذنة لم تكن في مسجد رسول الله صلعم ولا في عصر الخلفاء الراشدين المهديين.

2- وَمِمَّا استدلوا به ما أورده السمهودي في كتابه “وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى”([56]) من أن عمر بن عبد العزيز لَمَّا فرغ من بناء المسجد النبوي الكريم في المدينة المنورة عندما كان والياً عليها أيام الوليد بن عبد الملك ما بين سنة (81) وسنة (91) أرسل وراء أبان بن عثمان بن عفان فلما حضر أبان قال له عمر: “أين بنياننا من بنيانكم” وهو يفتخر بما جعل عليه المسجد من الفخامة والزينة وما أضاف إليه من المنبر والمحراب والمئذنة، فأجابه أبان على الفور: “بنيناه بناء المساجد وبنيتموه بناء الكنائس”. فلو كانت المآذن مستساغة عند السلف لَمَّا قال أبان بن عثمان هذا القول لعمر بن عبد العزيز([57]).

3- واستدلوا بما روي عن ابن مسعود أَنَّه مرَّ بمسجد مزخرف فقال: “لعن الله من زخرفه، المساكين أحوج من الأساطين”([58]).

وجه الدلالة: أن المآذن من أساطين المسجد.

ومن الأدلة أن في هذه المآذن تشبيهاً بالكنائس وقد نهينا عن اتباعهم في أمور دينهم.

ومنها ما روي عنه صلعم: «ما أمرت بتشييد المساجد وبناء المآذن من تشييد المآذن»([59]).

وبما روي عن علي ـ كرم الله وجهه ـ أَنَّه قال: إن القوم إذا رفعوا مساجدهم فسدت أعمالهم.

وذهب الجمهور إلى إباحة بناء المآذن؛ لأنها من شعائر الله، والله تعالى يقول: ﴿ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾([60])، وأنها فعلت بإقرار من الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز وهو من كبار علماء التابعين ولأن الأذان للإعلام، والإعلام لا يتم إلا عبر هذه المآذن.

وَمِمَّا استدلوا به ما ذكره السمهودي([61]) عن خالد بن عمرو عن أبي برزة أَنَّه قال: “من السنة الأذان في المنارة والإقامة في المسجد”.

وفي الحقيقة أصبحت المآذن اليوم علامة فارقة على هوية البلاد التي تنتشر فيها هذه المآذن، ودليلاً مرشداً إلى موضع المسجد، وشاهداً حضارياً وفنياً على عظمة هذه الأمة وما وصلت إليه في فن العمارة.

رابعاً: القبة

 القبة نوع من البناء يأخذ أشكالاً شتى، فمنها الشكل البيضاوي المشطور عند وسطه، أو في شكل مخروطي، أو حلزوني، وهي من الملامح التي تتميز بها أكثر المعابد الدينية عند المسلمين وغيرهم، وقد عرفت القبة في المعابد الوثنية قبل المعابد الدينية عند اليهود والنصارى والمسلمين.

الحكمة من بناء القبب:  لبناء القبب حِكَمٌ عديدة فضلاً عن كونها شكلاً معمارياً جميلاً فإن لها فوائد منها أنها تمثل الفضاء الرحب، والسماء الواسعة بما فيها من الروعة والجلال، لذلك حرص أهل الأديان على اتخاذها في معابدهم لما توحيه من المعاني الروحية التي جاءت بها الأديان السماوية.

وقال قوم: إن القبة بما هي عليه من شكل مقوس تساعد على تجميع أصوات المؤمنين عند تلاوة القرآن الكريم، أو التراتيل الأخرى، وتعمل على ترديد رجع صدى هذه الأصوات بشكل إيحائي الأمر الذي يزيد في روعة الصلاة ويُدخل الخشوع، والانفعال الوجداني في نفوس المتعبدين.

وقال فريق ثالث: إن القبة تساعد على إشاعة الهواء والنور من خلال النوافذ الكثيرة عند قاعدتها مِمَّا يعكس النور والبرودة على المسجد وهذه هي الحكمة الأَوْلى بالاعتبار([62]).

موقف علماء الشريعة من القبة:

ذكر السمهودي حديثاً عن أبي داود بسنده إلى أنس بن مالك أن رسول الله صلعم خرج فرأى قبة مشرفة فقال: “ما هذه؟”، قال له أصحابه: هذه لفلان رجل من الأنصار، قال: فسكت وحملها في نفسه حتى إذا جاء صاحبها رسولَ الله صلعم في الناس فأعرض عنه صَنَعَ ذلك مراراً حتى عرف الرجل الغضب فيه والإعراض عنه، فشكا ذلك إلى أصحابه فقال: والله لأُنْكِرُ رسولَ الله فقالوا: خرج فرأى قبتك، قال: فرجع الرجل إلى قبته فهدمها حتى سوَّاها بالأرض، فخرج رسول الله ذات يوم فلم يرها قال: “ما فعلت القبة”، قالوا: شكا إلينا صاحبها إعراضك عنه فأخبرناه فهدمها فقال: «أَمَا إن كل بناءٍ وبالٌ على صاحبه إلا ما لا، إلا ما لا»([63])، أي إلا ما لا بدَّ منه.

لذلك فإن من منع من بناء القبب على المساجد استدل بهذا الحديث وعمموا الدلالة في كلّ بناء بدلالة قوله صلعم: «كل بناءٍ وبالٌ على صاحبه إلا ما لا، إلا ما لا»، أي إلا ما لا بدَّ منه، والقبة ليست مما لا بدَّ منه.

وذهب الفريق الآخر إلى إباحتها لأنها من عوائد البنيان وليست من بِدَعِ الأديان؛ لأنّ البدع لا تكون في العوائد بل في العبادات.

وَمِمَّا استدلوا به أن القباب بنيت أيام بني أمية والعلماء متوافرون فلم ينكروها ولم يحرموها وذلك لأنها من حاجة المسجد تمدُّه بالنور من خلال نوافذها وتعزل الحرارة عن المصلين لارتفاعها قدْراً يسمح بتكثيف الهواء في المسجد.

أما ما استدل به الفريق الأول من إنكاره صلعم على الأنصاري فهذه واقعة حال، ووقائع الأحوال لا تعُمُّ؛ لأنّه ربما اقترن بها أمر سوَّغ إنكار النبيّ صلعم عليه كأن يكون قد اشتم منه العجب والتعالي وحب المباهاة والاستعلاء على إخوانه. قال الشافعي: “وقائع الأحوال كساها ثوب إجمال فلا يصح بها الاستدلال”.

أوّل قبة في الإسلام:

يذكر بعض المؤرخين أن أوّل قبة بنيت في الإسلام هي قبة مسجد الصخرة في بيت المقدس شيَّدها عبد الملك بن مروان سنة 72هـ، وَإِنَّمَا بناها تأثراً بما كانت عليه الكنائس في بيت المقدس، ورأى في ذلك عزاً وهيبة للإسلام وتعظيماً لشعائر الله.

الهلال فوق القبة:

ذكر المؤرخون أن الذي وضع الهلال فوق القبة هو السلطان حسن ابن السلطان الملك الناصر محمد قلوون. فقد ذكر ابن تغرى بردى في حوادث الدهور في مدى الأيام والشهور أَنَّه في يوم الأحد تاسع عشرين ذي القعدة سنة 858هـ رسم السلطان للمهندسين بكشف مئذنة السلطان حسن القِبْلِيَّة لما قيل إنها أشرفت على السقوط، فطلع الجميع فلم يجدوا بها شيئاً مِمَّا قيل، بل من كثرة الرمي عليها في أيام الحروب تخرق بعض رصاصها واعوجَّ هلالها فأخرج الهلال وبقيت القبة بدونه، ولها من حين خرابها إلى هذه السنة (858) مائة سنة فيكون السلطان حسن هو الذي ابتدأ وضع الهلال([64]).

استعمال الهلال رمزاً إسلامياً:

ذكر الشيخ عبد الحي الكتاني المغربي في كتابه “التراتيب الإدارية” قوله: ترجم في الإصابة لسعد بن مالك الأزدي فنقل عن ابن يونس وقد وفد على النبيّ صلعم وعقد له راية على قومه سوداء وفيها هلال أبيض، كما أن المسلمين نقشوا رسم الهلال على نقودهم في أيام عمر بن الخطاب، فقد نقل عارف العارف في كتابه المفصل في تاريخ القدس عن مجلة الراعي الصالح([65]) قولها: “وضرب المسلمون في بيت المقدس غداة الفتح مسكوكات من النحاس نقشوا على وجهها محمد رسول الله” ورسم سيف وعلى الوجه الآخر إيلياء فلسطين وحرف “م” والهلال.

ثمَّ دخل الهلال شعاراً إسلامياً لتركيا واستمر فيها حتى بعد سقوط الخلافة، ثمَّ صار شعاراً إسلامياً في مقابلة الصليب الأحمر، فصارت مؤسسة الهلال الأحمر في مقابلة مؤسسة الصليب الأحمر الأولى للمسلمين والثانية للنصارى، ثمَّ انطلقتا في ميدان الخدمات الإنسانية.

موقف العلماء من الهلال: اختلف العلماء حيال هذه المسألة على فريقين:

الفريق الأول: يرى أنه بدعة لكون النبيّ صلعم لم يتخذه في المسجد الأول، وقد ذكر السيد عبد الحي الكتاني([66]) في التراتيب الإدارية أن صاحب وفيات الأسلاف قال في صفحة (380): إن وضع صورة الهلال على رؤوس منارات المساجد بدعة وَإِنَّمَا يتداول ملوك الدولة العثمانية رسم الهلال علامة رسمية أخذاً من القياصرة، وأصله أن فيلبس المقدوني والد الإسكندر الأكبر هجم بعسكره على بيزنطة وهي القسطنطينية في بعض الليالي وصادف ذلك وقت السحر فدافع أهلها وأخرجوه فتفاءل به أهلها واتخذوا رسْم الهلال في عملهم تذكيراً للحادثة وورث ذلك عنهم القياصرة ثمَّ العثمانيون([67]).

وذهب الفريق الآخر إلى أنه ليس ببدعة على ما اختاروه من تعريف للبدعة من أنها “طريقة في الدين مخترَعَة تضاهي الشريعة يُقصَد بها المبالغة في التعبد”، واستعمال الهلال ليس طريقة في الدين بل هو من الأمور العادية ولا يقصد بها التعبد والمبالغة في العبادة ولا مضاهاة فيها للشريعة، بل هو تقليد عادي فليس ببدعة في الدين وإنْ صحَّت تسميته بدعة في اللغة، فالبدعة اللغوية ليست محرَّمة بل الابتداع في الأمور الدنيوية والفنية مطلوب، والمحرَّم ما كان منه في الدين.

قالوا وفي إقرار النبيّ صلعم للعَلَمِ الذي نُقش فيه هلال أبيض لسعد بن مالك ما يضفي عليه صفة المشروعية لا صفة البدعة. وكذلك إقرار عمر والمسلمون بعده على نقش صورة الهلال على النقود النحاسية ما يؤكد إباحة استعماله.

خامساً: صحن المسجد

الصحن في اللغة هو ساحة الدار ووسطه ومستواه، وسعته، يقال: سرنا في صحن الفلاة([68])، وبالنسبة للمسجد هو رحبته ورحاب المسجد كما قال البندنيجي: هو ما بني له في جواره، وقال القاضي أبو الطيب: ما حوله. وقال ابن الصباغ والعمراني: ما أضيف إليه محجراً عليه. وقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام: من صلى في الصحن بصلاة الإمام تصح صلاته؛ لأنه رحبة الجامع.

وأفتى الشيخ أبو عمرو بن الصلاح بعدم الصحَّة، قال الشيخ محي الدين: ولا دليل له والصحيح الموافق للأصحاب الأول([69]).

على أن أكثر الفقهاء اعتبروا صحن المسجد جزءاً منه وتسري عليه نفس الأحكام الشرعية التي تسري على سائر أجزائه التي يتألف منها بناؤه، فلو أن رجلاً نوى سنة الاعتكاف واعتكف فعلاً في صحن المسجد صح منه ذلك وأجزأه، وكذلك لو أن شخصاً على غير طهرٍ بحيث لا يصح له دخول المسجد لا يحق له الدخول إلى الصحن وهو في تلك الحالة؛ لأنّ هذا المكان داخل في جملة بناء المسجد.

ومن القواعد الفقهية قاعدة “الحريم يأخذ حكم ما هو حريم له”([70])، هذه قاعدة من القواعد المتفق عليها.

وقد فرَّع الفقهاء عليها أن صحن المسجد لما كان حريماً للمسجد فإنه يأخذ حكمه من صحة الاعتكاف، وتحريم المكث فيه للجنب والحائض، وتحريم اللغو فيه، وإنشاد الشعر، أو إنشاد الضالة، أو البيع والشراء، ومن حلف لا يدخل المسجد فدخل صحنه حنث في يمينه، ونحو ذلك من أحكام المسجد. وقيل: إن كانت الرحبة متصلة بالمسجد محوطة فهي من المسجد وتأخذ حكمه؛ وبهذا قال ابن حجر وابن عبد الحكم([71]).

أدلة القائلين بأن الرحبة (أو الصحن) ليست من المسجد:

استدلوا بما يلي: عن سالم بن عبد الله بن عمر أن عمر بن الخطاب t بنى رحبة في ناحية المسجد تسمى البطيحاء، فقال: “من كان يريد أن يلغط أن ينشد شعراً، أو يرفع صوته، فليخرجْ إلى هذه الرحبة”([72]).

الشاهد: من كان يريد أن يلغط… فليخرج إلى هذه الرحبة.

وجه الدلالة: حيث بيَّن عمر t بمجمع من الصحابة: أن الرحبة لا تأخذ حكم المسجد، وهي متصلة به ببناء، وكان ذلك بمحضر من الصحابة فلم ينكر عليه أحد، فصار كالإجماع، وإذا كان هذا في الرحبة المتصلة بالمسجد فالمنفصلة من باب أولى([73]).

قال البخاري: وكان الحسن وزرارة بن أبي أوفى يقضيان في الرحبة خارجاً من المسجد فلا يكره القضاء بين الناس فيها.

أدلة القائلين بأن الصحن أو الرحبة من المسجد:

1-        استدلّ هؤلاء بأن الرحبة زيادة في المسجد وأن الزيادة تأخذ حكم الأصل فهي كالمسجد.

2-   أن الرحبة باعتبارها منفصلة يصح اقتداء من كان فيها بإمام المسجد إذا كان يرى الإمام ويسمع صوته.

وأرى أن الرحبة إذا كانت غير مفصولة عن المسجد بسور أو نحوه فهي من المسجد لأنها تابعة وحرم، والقواعد تنصّ على أن (التابع تابع)، وأن (الحريم يأخذ حكم ما هو حريم له)، والله أعلم.

نشأة الصحون في المساجد:

والصحون في المساجد قديمة النشأة فقد نقل الدكتور أحمد فكري عن فتوح البلدان للبلاذري، وتاريخ الرسل والملوك للطبري([74]) والمقريزي في خططه([75]) أن أوّل شيء خط في الكوفة وبني حين عزموا على البناء المسجد، فاختطوه ثمَّ ترك المسجد في مربعة عَلْوَة من كل جوانبه وبُني ظلة في مقدمة ليست لها مجنبات ولا مواخير وكان هذا سنة سبع عشرة للهجرة.

فنظام مسجد المدينة ينعكس إذن في مسجد الكوفة، حدوده مربعة، وفيه صحن، وبيت للصلاة.

الحكمة من اتخاذ الصحن في المسجد:

ذكر الشيخ طه الولي ـ  رحمه الله ـ الحكمة من إضافة الصحون إلى المساجد فقال: “وإذا كانت الظلة يراد بها وقاية المصلين من حرارة الشمس، أو برودة الجو، أو تيار الهواء، أو نزول المطر، فإن لصحن المسجد مقابل ذلك غاية هامة إذ منه يدخل النور إلى بيت الصلاة الذي لا نوافذ فيه، وكذلك فإنه من هذا الصحن يدخل الهواء إلى ذلك المكان عند اكتظاظه بالناس في أوقات الصلاة حتى بعد أن أخذ الناس في فتح القمريات والنوافذ في المساجد فإن الصحن بقي من العناصر المتممة لها، وأصبح المكان المفضل لإقامة أحواض الوضوء والمرافق الصحية هذا من جهة.

ومن جهة أخرى فإن صحن المسجد يستوعب الفائض من المصلين الذين لا يتسع لهم بيت الصلاة لا سيما في أيام الجُمَع والأعياد وغير ذلك من المناسبات التي يجتمع فيها المسلمون داخل المساجد لشأن أو لآخر “([76]).

ومن الأغراض الصحيحة أن الصحن يُستعمل لحفظ الأسلحة التي تخص الدولة، فقد ذكر الشيخ علي الطنطاوي([77]) أنه كان بصحن الجامع الأموي حواصل للمنجنيقات، وحواصل للأمراء فيها أشياء من خيم وغيرها.

ومن الأغراض أيضاً أن هذه الصحون كانت تستعمل لأغراض تجارية، فقد كانت بعض الصحون تستعمل للبيع، يقول المقريزي([78]): “ورحبة الحارث في جامع عمرو بن العاص بفسطاط مصر هي الرحبة البحرية من زيادة الخازن صاحب بيت المال وكانت رحبة يتبايع الناس فيها يوم الجمعة”.

زراعة الصحن بالأشجار: حرص المسلمون على أن تكون هذه الصحون مشجَّرة لتلطيف الجو لتتيح للمصلين أن يستظلوا تحتها، وقد ذكر المؤرخون بعض المساجد التي زُرعت بالأشجار أو الأزهار المعطرة، من ذلك مسجد الياسمين في طبرية بفلسطين.

ومن أغراض الصحن أنه يُستعمل قاعة مكشوفة للتدريس، وما يزال صحن الجامع الأزهر حتى اليوم يستعمل لهذه الغاية، ويؤمه طلاب العلم من المصريين وغيرهم لا سيما الذين لا ترقى بهم مؤهلاتهم العلمية للدخول في الكليات الرسمية.

وقد كان صحن الجامع الأزهر محاطاً برواق وكان هناك رواق الشام، ورواق المغاربة وغيرها، وقد رأيت طلبة العلم في صحن الجامع الأزهر ورأيت العلماء يؤمون صحن الجامع لتدريس العلوم، وقد أطلق العلماء على صحن الجامع اسم جامعة ” اخلع نعليك “.

سادساً: الرواق

قال الزمخشري: روَّقَ البيت جعل له رواقاً([79]). والرواق: أحد مكونات المسجد، وكان السلف يسمونه بالمجنبات. فقد سبق أن نقلنا قول البلاذري والطبري في وصف مسجد الكوفة بأن له ظلة في مقدمة ليس لها مجنبات ولا مواخير.

وعندما تحدث الدكتور أحمد فكري عن مسجد القيروان الذي بناه عقبة بن نافع قال: “ولم يكن لمسجد القيروان مجنبات قبل زيادة إبراهيم بن الأغلب ولكن له صحن على أنموذج مسجد الرسول صلعم([80]).

أصل الرواق:

وَمِمَّا تجدر الإشارة إليه أن فكرة الرواق فن معماري دخل المسجد وقد تعددت أنظار الباحثين في فكرة الرواق هل هي فكرة إسلامية أو اقتُبِست عن أهل الكتاب؟.

فالدكتور أحمد فكري يرى في غالب الظن أن الرواق فكرة إسلامية، ويرى أن الظلتين اللتين في مسجد النبيّ صلعم في المدينة ظلة القبلة وظلة الشام وبينهما رحبة المسجد، وليس اتصال الظلتين بِمجنبتين إلى الشرق وواحدة إلى الغرب غريباً عن نظام المسجد، فما المجنبتان إِلاَّ ظلتان ضيقتان تحيطان بالصحن.

أما الشيخ طه الوليّ فلا يرى غضاضة في أن تكون هذه الفكرة وافدة إلى الفن المعماري الإسلامي، فلا ضير على المسلمين أن يفيدوا من غيرهم، فالحضارة الإنسانية ما هي إلا سلسلة من التجارب التي عاشها البشر جيلاً بعد جيل. وكان يرى أن نظام الرواق أُخِذ عن فلاسفة اليونان حتى عرفت طائفة منهم بالراقيين نسبة إلى الرواق الذي كانوا يلقون فيه دروسهم على طلاب العلم([81])، وسبب شهرتهم بهذا الاسم هو أن زعيم هذه الطائفة واسمه “زينون” كان يدرس العلوم في رواق كان قائماً في أكبر ميادين أثينا، وكان مزداناً بصور شهيرة، وكان يطلق عليه اسم الرواق المزدان بالصور([82]).

فوائد هذه الأروِقة:

سبق أن ذكرت أن صحن الجامع الأزهر محاط بالأروقة، وهذه الأروقة كانت تُستعمل لتلقي العلم، وقد جمع الجامع الأزهر أكبر عدد من الأروقة كرُواق العباسي بُنِي سنة 315هـ، ورواق الأقبغاوية أنشأه الأمير آقبغا، ورواق الأكراد، ورواق الهنود، ورواق البغدادية، ورواق اليمنية، ورواق الأتراك، وغيرها الكثير.

حكم الرواق:

وحكم الرواق حكم الرحبة أو الصحن، فهو تابع للمسجد، والتابع تابع، فحكمه تابع لحكم أصله، والتابع لا ينفصل حكمه عن حكم متبوعه، وهو من حرم المسجد، والحرم يأخذ حكم ما هو حرم له. وكل ما يأخذه المسجد وصحنه من حكم هو حكم الرواق.

سابعاً: المرافق الصحية والميضأة

المراد بالمرافق الصحية بيوت الخلاء أو ما يسمى اليوم بالمراحيض، ويقول الشيخ طه الولي: “والجدير بالذكر أن المسلمين أول من تنبَّه إلى ضرورة وجود هذه المرافق في بيوتهم أو في معابدهم، بينما ظلت أوروبا حتى عهد قريب فلم يكن في بيوت الأوروبيين بما في ذلك قصور ملوكهم مثل هذه الأمكنة، يقول رحمه الله: وعندما زرتُ قصر فرسايل في باريس وجدته خالياً منها كسائر البيوت العادية الأخرى التي بنيت في زمانه”([83]).

 والميضأة: اسم مكان مخصص للوضوء، وتُلفَظ أيضاً الميضاءة، والأول هو الشائع، وأصل الكلمة من فِعْلِ وَضُؤَ الوجه وضاءة وهو الحسن والبهجة([84]).

 مكان المرافق والميضأة:

المكان المخصص للمرافق الصحية في المساجد عادة أحد جوانب الصحن بعيداً عن مكان الصلاة، وفي بعض الأحيان تبنى خارج المسجد لئلا يتأذى المصلون بالروائح، ولئلا يفسد مكان الصلاة بسبب قربها منه.

وقد ذكر المقريزي في خططه([85]) أن ابن طولون لَمَّا بنى المسجد لم يجعل الميضأة داخله فجعل الناس ينتقدونه فجمعهم ابن طولون وقال: وأما الميضأة فإني نظرت فوجدت ما يكون بها من النجاسات فطهرته منها وها أنا أبنيها خلفه، والمقصود بالميضأة في كلامه المرافق الصحية وما إليها من وسائل الوضوء.

أمّا الميضأة المنفردة عن المرافق الصحية فالعادة جرت أنهم كانوا يبنونها في وسط الصحن، وغالباً ما تكون بشكل حوض دائري مملوء بالماء الذي يُجَرُّ إلى الحوض ويتحلّق حوله الناس ويتوضؤون بمياهه الدافقة، وغالباً ما تكون هذه الأحواض تحت قباب ترتفع حولها على أعمدة من غير جدران تجزها عما يليها من ساحة الصحن.

حكم الميضأة:

الميضأة من مكونات المسجد الضرورية لا سيما إذا كانت منفردة عن بيوت الخلاء التي هي مظنة النجاسة، وفي حديث عثمان بن حنيف أن رجلاً أعمى دخل المسجد فقال: يا رسول الله أدعُ الله لي أن يردَّ بصري، فقال له النبيّ صلعم: “إن شئت دعوتُ الله لك فرَدَّ بصرك وإن شئت صبرت ولك الجنة “([86])، فقال: يا رسول الله ليس لي من قائد يقودني، فقال النبيّ صلعم: “إئت الميضأة فتوضأ فأحسن الوضوء ثمَّ ائت المسجد فصلِّ ركعتين ثمَّ قل: اللهم إني أتوسل إليك بنبيك نبي الرحمة، يا محمد إني متوسل بك إلى ربي ” ([87])، فدعا له النبيّ فردَّ الله بصره. وهذا دليل على وجود الميضأة في مسجد النبيّ صلعم أو قريب منه.

ثامناً: المقصورة في المسجد:

قال الزمخشري في أساس البلاغة: المقصورة هي الحجرة من حجر دارٍ كبيرة.

متى اتُّخِذت الحجرة في المسجد؟

اختلف المؤرخون فيمن ابتدأ باتخاذ الحجرة من الحكام، والخلفاء، فذهب فريق منهم أن أول من اتخذ الحجرة عثمان بن عفّان t ذكره المقريزي في خططه عن عمر بن شبة([88]) وهو أحد قولي القلْقشندي([89]) وأحد قولي المقريزي في خططه، وقول السيوطي في أوائله([90]).

وذهب الفريق الآخر إلى القول بأن أول من اتخذ المقصورة هو معاوية بن أبي سفيان وهو القول الثاني للقلقشندي([91]) والقول الثاني للمقريزي([92]) وهو قول الزركشي([93])، وقيل: أول من اتخذ المقصورة مروان بن الحكم ذكره السمهودي([94]).

أسباب اتخاذ المقاصير:

ذكر السمهودي أن عثمان بن عفان أول من وضع المقصورة من لَبِنٍ واستعمل عليها السائب بن جناب وكان رزقه دينارين في كل شهر، قال مالك بن أنس: استخلف عثمان بعد مقتل عمر بن الخطاب فعمل عثمان على مقصورة خوفاً من الذي أصاب عمر t وكانت صغيرة([95]).

ومن أسباب اتّخاذ المقصورات في فصل الشتاء فإنها لصغرها أكثر دفئاً من المسجد الواسع وقد تتخذ صيفاً.

وقد تتخذ لموقف المؤذن وهو يرفع الأذان وذلك في مقاصير خصصت للمؤذنين وهم يرفعون الأذان الثاني يوم الجمعة بين يدي الخطيب، وقد ذكر الشيخ طه الولي أن المؤذنين بقوا يؤذنون في المقاصير ولاية موسى بن أبي العباس على مصر في أيام المعتصم العباسي فلما وُلِّي موسى المذكور من قبل أبي جعفر أشناس أمر المعتصم أن يخرج المؤذنون خارج المقصورة، وهو أول من أخرجهم وكانوا قبل ذلك يؤذنون في داخلها([96]).

ومن العلماء الذين حرَّموا اتخاذ المقاصير الإمام ابن الحاج الذي قال: فعل المقاصير والدرابزين من البدع المحدثة، وقد ترتب بسبب ذلك جملة مفاسد منها أن الموضع وقف للصلاة وما فعل فيه لغيرها فهو غصب لموضع صلاة المسلمين، ومنها أنها من الزخرفة الممنوعة([97]).

وذهب الفريق الآخر إلى جواز اتخاذ هذه المقصورات؛ لأن بناء المساجد وتحديد أشكالها هو أمر يخضع للحاجة والعرف وليس أمراً توقيفياً يجب اتباعه، فضلاً عن أن البدعة طريقة في الدين وليس في البناء الدنيوي، لكن إذا لم يكن المسجد بحاجة إليها فالأولى عدمها مراعاةً للخروج من الخلاف، والله أعلم.

تاسعاً: السدّة

السدة في اللغة: كالصفة والسقيفة فوق باب الدار. وفي الاصطلاح: هي السقيفة التي تبنى في حائط المسجد بمقابل المحراب والمنبر وتكون عادة من الخشب وهي ترفع فوق أرض المسجد على أعمدة عالية وتبقى ثابتة في مكانها.

الغرض من بناء السدة:

والغرض من بناء السدَّة هو تمكين المؤذن الذي يبلغ عن إمام الجماعة أن يكون مطلقاً على حركات هذا الإمام فيرفع صوته بالتكبير لتنضبط صلاة الناس مع إمامهم، وفي أيامنا هناك السدد الكبيرة وتستعملها عادة النساء وتنصب عليها ستارة مما يلي المسجد.

تاريخ بناء السدَّة:

يذكر المقريزي في خططه وهو يتحدث عن جامع عمرو بن العاص بالقاهرة فيقول: أمر الإمام المستنصر بالله ابن الظاهر بعمل الحجر المقابلة للمحراب وكانت خلافة العُبيدي من سنة 427هـ حتى سنة 487هـ ودامت خلافته ستين سنة، فإن كانت الحجر المقابلة للمحراب هي السدَّة غالباً فيكون المستنصر هو أول من اتخذ السدَّة المعروفة الآن.

موقف العلماء من السدَّة:

لا يختلف موقف العلماء من السدَّة عن موقفهم من المقصورة فكلاهما من المكونات المستحدثة في المساجد، وكل محدَثَة بدعة.

ومِمّن قال ببدعية السدَّة الإمام جمال الدين القاسمي([98]) لما فيها من المحذورات كارتفاع المأموم عن الإمام وإعدادها لمن يريد الانفراد عن الصفوف والأنفة والترفع عن المصلين.

إِلاَّ أن السدَّة قد تستعمل خصيصاً للنساء يأتين إليها عقب الصلاة في الدروس العامة والخاصة يجلسن بعيداً عن الاختلاط بالرجال ويستمعن الدروس، وقراءة القرآن. السدود على هذا الأساس وبهذا الاعتبار أصبحت حاجة، وكما سبق القول إن المساجد وبناءها ليست من الأمور التوقيفية التي يلزم اتباعها وليست من الأمور التعبدية حتى تدخل في نطاق البدع الشرعية المذمومة، نعم هي بدعة لغة، والبدع اللغوية قد تكون حسنة وقد تكون قبيحة.

المطلب السابع: زخرفة المساجد:

سبق أن بينتُ أن مسجد النبيّ صلعم في المدينة كان يمثل البساطة بساطة هذا الدين البعيد عن التكلف والتعقيد في شرائعه وشعائره، فليس فيه أي مظهرٍ من مظاهر الزينة، والزخرفة، واستمر المسجد على حالته في أيام أبي بكر وعمر ـ رضي الله عنهما ـ حتى ولِّي عثمان فأحدث فيه بعض الإصلاحات وزاد في مساحته.

وقد أثار ما فعله سيدنا عثمان اعتراض بعض الصحابة، فقد جاء في صحيح مسلم أن الناس كرهوا من عثمان ما فعله في المسجد من الترميمات والزخارف وكانوا يفضلون لو أنه تركه على هيئته التي كان عليها أيام النبيّ صلعم وصاحبيه، فقال عثمان: قد أكثرتم وإني سمعت رسول الله صلعم يقول: «من بنى مسجداً لله بنى الله له بيتاً في الجنة مثله»([99]).

وذهب بعض المؤرخين إلى أن أول من أدخل الزينة والزخرفة إلى المساجد هو معاوية بن أبي سفيان، وقد ذكر السمهودي في كتابه “وفاء الوفا”([100]) ذلك حيث قال: روي أن عمر بن الخطاب t لَمَّا دخل الشام تلقاه معاوية بعساكر وجنود كثيرة، وخيول مسوَّمة وأسلحة مخوَّصة بالذهب والفضة ولبوس الحرير والديباج، فقال عمر: ما هذا يا معاوية وما هذه الزينة والفخار، لقد أتيت أمراً إمْراً وارتقيت مرتقى صعباً، فقال معاوية: يا أمير المؤمنين هذا غيظ كفارنا، ومقهرة أعدائنا، وإن فرائصهم لترتعد، وإن قوائمهم لتخور من ذلك، وإنا لنجد في ذلك المظهر عليهم والِّذلَّة والصغار فيهم، وأُشرِبوا في قلوبهم الرعب حين يرون مساجدنا محلاة بالذهب وسقوفها منقَّطة بقناديل الذهب. قال السمهودي: إن عمر سكت عن معاوية عندما سمع حجته.

ومن بعد ذلك دخلت الزخرفة المساجد، فقد نقل المقريزي في خططه أن مسجد عمرو بن العاص في الفسطاط لما ضاق بأهله شكا الناس إلى سلمة بن مخلد فكتب إلى معاوية، فكتب إليه معاوية يأمره بالزيادة فيه، فزاد فيه وصنع له الرحبة ولاطه النورة وزخرف جدرانه وسقوفه([101]).

وزخرف المسجد الأقصى ومسجد بني أمية في دمشق بالنقوش والمرمر والفسيفساء والخطوط، قال ابن حوقل وهو يصف هذا المسجد: إن الوليد حين عمَّر الجامع جعل أرضه رخاماً موشَّى، ومعاقد رؤوس أساطينه ذهباً، ومحرابه مذهَّباً ومرصعاً بالجواهر، وسطحه رصاصاً([102]).  وهكذا انتشرت الزخرفة في المساجد.

موقف العلماء من زخرفة المساجد: انقسم العلماء حيال هذه المسألة إلى فريقين:

الفريق الأوّل: يرى أن زخرفة المساجد بالذهب والفضة والنقوش والرسوم من الأمور المبتدعة. واستدلوا على موقفهم هذا بأمور:

أولاً: إن النبيّ صلعم وصاحبيه أبا بكر وعمر ماتوا وليس في المسجد شرفات، ولا محراب، ولا نقوش، ولا زخرفة، وأول من أحدث الشرفات والمحراب هو عثمان بن عفان t.

ثانياً: قول النبيّ صلعم: «ابنوا المساجد واتخذوها جماً»([103]) بضم الجيم وتشديد الميم قال أبو عبيد: الجمّ الذي لا شُرَف له، وشُرَف كغرف جمع شرفة كغرفة.

 وعن ابن عمر t قال: نهينا أن نصلي في مسجد مشرف. قال الزركشي: يُكره زخرفتها، ففي سنن أبي داود عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلعم: «ما أمرتُ بتشييد المساجد»، قال ابن عباس: لتُزَخْرِفنَّها كما زخرفت اليهود والنصارى.

وعن أنس أن النبيّ صلعم قال: «لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد»([104]). وروى البخاري في صحيحه أن عمر t أمر ببناء مسجد وقال: “أكنَّ الناس من المطر، وإياك أن تحمر، أو تصفر فتفتن الناس”.

وقال علي كرم الله وجهه: “إن الناس إذا رفعوا مساجدهم فسدت أعمالهم”.

وقال أبو الدرداء t: “إذا حليتم مصاحفكم وزخرفتم مساجدكم فالدبار عليكم”، أي الهلاك([105]).

ثالثاً: إن منظر الزخارف من شأنه أن يلهي عن الصلاة بالنظر إليه.

رابعاً: إن صرف الأموال على الفقراء أولى من صرفها على الترف والمباهاة.

خامساً: لا يجوز للمسلمين أن يتشبَّهوا بأصحاب الملل الأخرى من اليهود والنصارى.

سادساً: إنها أي الزخرفة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

ومِمّن شنَّ حملته الشعواء على زخرفة المساجد العلامة القاسمي وخاطب المتبرعين للزخرفة: “إنكم تبنون صروحاً لإيقاع العامة في أشراك البدع، وتبذلون أموالكم لإحالة الدين إلى العبادات الصُوَرية كما حصل في الأمم السالفة التي اعتاضت عن جمال العقيدة بجمال جدران المعابد، وعن أنوار الإيمان بنور الهياكل… إلخ ما قال([106]).

الفريق الثاني: وذهب بعض العلماء إلى جواز زخرفة المساجد([107]) كالبغوي على ألا يكون من غلّة الوقف.

واستدلوا على ذلك بفعل عثمان t، وبقوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللّهِ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ﴾([108]).

قلتُ: لا يخفى ضعف هذا الدليل أمام أدلة الفريق الأول.

لكن إن كانت الزخرفة مما يعود على المسجد بالقوة وكانت من غير غُلُوٍّ على حد ما فعله عثمان، وعمر بن عبد العزيز فذلك جائز، والله أعلم.

لا سيما إذا كان في ذلك مزيد هيبة وإجلال لهذا الدين وتعظيم لهذه الأمة أمام اليهود والنصارى، أما الغلو في الزخرفة بما لا يعود على المسجد بالقوة والإحكام فهذه زخرفة تتردد بين الحرمة والكراهة على قدر الزخرفة من الغلو.

وأسوق شاهدين على ما قلتُ:

الشاهد الأول: موقف معاوية لما استقبل عمر بن الخطاب حين دخل الشام بالعساكر والخيل المسوَّمة والأسلحة المخوَّصة بالذهب والفضة معللاً ذلك بأن ذلك غيظ كفارنا وقهر أعدائنا… وإن الرعب والصغار والذلة تدخل قلوبهم حين يرون مساجدنا محلاة بالذهب، فسكت عمر لما سمع حجة معاوية وكأن ذلك مما تتأثر به الأحكام زماناً، ومكاناً، وأحوالاً.

الشاهد الثاني: ذكر ابن عساكر في تاريخ دمشق أن عمر بن عبد العزيز همَّ بهدم مسجد بني أمية عندما أتاه النصارى وشكوا له أن الوليد هدم كنيستهم وأقام جزءاً من المسجد مكانها لما رأوا فيه من العدل وردِّ المظالم، وقد كتب عمر إلى عامله بردِّ ما زاده الوليد في المسجد، فكره أهل دمشق ذلك وفاوضوه وأقنعوه بالعودة عما كان قد عزم عليه.

ثمَّ فكر لَمَّا ولي الخلافة سنة 99هـ بنزع ما فيه من زخارف وبيعها وردِّ هذه الأموال إلى بيت المال. وصادف هذه الفترة أن وفداً من الروم قدموا يومئذ إلى دمشق فدخلوا المسجد لينظروا إليه، فرفعوا رؤوسهم إلى المسجد فنكس رئيس منهم رأسه واصفرَّ لونه فسأله قومه عن أمره فأجابهم: إنا كنا معاشر أهل رومية نتحدث أن بقاء العرب قليل فلما رأيت ما بنوا علمتُ أن لهم مدة سيبلغونها. فلما نُقل هذا الكلام إلى عمر قال: أرى مسجدكم هذا غيظاً على الكفّار فترك ما همَّ به([109]). لذلك فلا غرابة أن تكون الزخرفة من الأحكام التي تتغير بتغير الأيام والأماكن والأحوال.

أما الزخرفة الزائدة والتي لا تعود على المسجد بالإحكام فمثالها تحلية المسجد بالذهب، والفضة، والنقش، والصباغة، فمثل هذه الزخرفة محرمة عند أكثر أهل العلم، قال القاسمي: قال في الإقناع: لو وُقِف على مسجد ونحوه قنديل ذهب أو فضة لم يصح وقفه، ويحرم فيصرف في مصلحة المسجد بعد أن يكسر، ويحرم تمويه سقف وحائط المسجد بذهب أو فضة؛ لأنه سرف ويفضي إلى الخيلاء([110]).

وأما الزركشي: فإنه يقول بحرمة تَحلية المسجد بالذهب والفضة؛ لأنه لم ينقل عن السلف وهو الأصح، ثمَّ ذكر وجهاً آخر وهو الجواز كما يجوز ستر الكعبة بالديباج. أما القناديل التي تستعمل لإنارة المساجد من غير الذهب فجائزة، وأوَّل من نوَّر المساجد بالقناديل عمر بن الخطاب t، ولما رأى ذلك علي ـ كرم الله وجهه ـ قال: “نوَّر الله قبرك كما نوَّرتَ مساجدنا”. وعن ميمونة أنها قالت: يا رسول الله أفتنا في بيت المقدس، قال: “آتوه فصلوا فيه فإن لم تأتوه فابعثوا بزيت يسرج في قناديله” (ابن ماجه).

أما كسوة حيطان المساجد بالحرير ففيه قولان:

الأول: الجواز، وهو قول العزّ بن عبد السلام، والغزالي قياساً على كسوة الكعبة، وقال الغزالي: إِنَّمَا حرم الحرير على الرجال دون النساء، أما الجمادات والمساجد فمن باب أولى([111]).

والقول الثاني: عدم الجواز، وهو قول قاضي القضاة أبي بكر الشامي؛ لأنه لم ينقل ذلك عن النبيّ صلعم ولا عن أصحابه([112]).

المطلب الثامن: أهم آداب المسجد باختصار:

هناك آداب كثيرة تتعلق بالمسجد أمرُّ عليها سريعاً من باب تكميل المبحث والاتيان به من جميع حيثياته.

1-   أن يكون بناؤه لله وليس مركزاً للترويج والإعلام لأحد مهما علا شأنه، قال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾([113]).

2-   عدم إنشاد الشعر في المسجد، قال صلعم: «من رأيتموه ينشد الشعر في المسجد فقولوا له: فضَّ الله فاك ثلاث مرات»([114]).

3-   عدم إنشاد الضالة في المسجد، قال صلعم: «من رأيتموه ينشد ضالة في المسجد فقولوا له: لا ردَّ الله عليك»([115]).

4-   عدم البيع والشراء، قال صلعم: «ومن رأيتموه يبيع أو يبتاع فقولوا له: لا أربح الله تجارتك»([116]).

5-   عدم السرعة في المشي إليها، قال صلعم: «إذا ثوب بالصلاة ـ يعني دعي إلى الصلاة ـ فلا تأتوها وأنتم تسعون بل اتوها وعليكم السكينة والوقار»([117]).

6-        لبس أحسن الثياب ويستحسن الثياب البيضاء.

7-   الاغتسال يوم الجمعة، فقد قال صلعم: «ما على أحدكم لو اتخذ ثوباً لجمعته سوى ثوب مهنته»([118])، وقال صلعم: «أحب الثياب إلى الله البياض»([119]).

8-   تجنب الرائحة الكريهة، فقد ثبت أن النبيّ صلعم نهى عن الشجرتين الخبيثتين: البصل والثوم، وقال: «من أكلهما فلا يقربنَّ مساجدنا»([120]).

9-   عدم الاشتغال بحرفة من حرف الدنيا في المسجد كالخياطة ونحوها، وهو مذهب الشافعي ومالك وابن حنبل؛ لأن المساجد وجدت لذكر الله تعالى، قال تعالى: ﴿فيِ بُيُوتٍ أَذِنَ اللهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾([121]).

أمّا الأعمال التي لا تسيء إلى حرمة المسجد كالتدريس، والقراءة، وتلاوة القرآن وتدريسه، ونحو ذلك فهذا من الذكر وَمِمَّا وجد المسجد في الإسلام له.

ومن الأعمال التي لا تمتهن المسجد والتي يمكن أن تُعمل فيه:

قسمة الأموال. وضع الصدقات في صندوق مخصص لتوزع على الفقراء. حبس الغريم. ربط الأسير. النوم اليسير. السكنى للفقير. إنشاد الشعر الهادف العاري عن الباطل.  هذه الأعمال ذكرها الإمام ابن العربي المالكي([122]).

قلتُ: أما ربط الأسير وحبس الغريم فقد كان هذا في زمن النبوة، أما الآن فقد خصصت الدول أماكن خاصة بالغريم والأسير هو السجون أو مقرات الشرط فلم يعد المسجد مؤهلاً لذلك.  وأما النوم اليسير فيغتفر؛ لأن اليسير عفو في العرف وفي الشرع في كل شيء، وَإِنَّمَا قيدت الجواز باليسير كي لا تصبح بيوت الله فنادق ومراكز للنوم فتمتهن. وَمِمَّا يجب أن تصان عنه المساجد المجانين، والصبيان، والنساء، والجنب؛ لأنّ ذلك يخل بحرمة المسجد.

المطلب التاسع: بعض الأحكام المتعلقة ببناء المسجد

 هناك أحكام تتعلق ببناء المسجد هي على النحو التالي:

1-   يجب أن يبنى المسجد من أول أمره ويؤسَّس على التقوى وذكر الله وتعظيمه وعبادته، قال تعالى: ﴿لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ﴾([123]).

2-        لا يجوز بناء المسجد على أرض مغتصبة لأن الصلاة فيه عند ذلك لا تصحّ.

3-   يجوز بناء المسجد في أماكن العبادة التي يُعبد فيها غير الله، فقد ثبت أن رسول الله صلعم أمر أن يجعل مسجد أهل الطائف حيث كانت طواغيتهم.

4-   يكره بناء المسجد في المقابر لورود النهي عن الصلاة في المقبرة، ولأن النبيّ صلعم لَمَّا بنى مسجده فقد كانت الأرض التي بنى عليها المسجد فيها خرب وقبور للمشركين فنبشت المقابر.

وروى مسلم عن أمّ سلمة وأم حبيبة ـ رضي الله عنهما ـ أنهما ذكرتا لرسول الله صلعم كنيسة رأينها في الحبشة فيها تصاوير فقال صلعم: «أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجداً أولئك شرار الخلق عند الله تعالى»([124]).

5- البناء في المسجد: فقد اختلف العلماء فيه فقد نقل الزركشي عن البغوي أَنَّه لا يجوز؛ لأنّ الجنب لا يجوز أن يجلس في حرم المسجد وهوائه، وقد سبق بيان القاعدة في ذلك وهو أن “الحريم يأخذ حكم ما هو حريم له”([125]).

 

المصادر والمراجع

1-     أحكام القرآن لابن العربي، الطبعة الأولى، دار إحياء الكتب العربية، مصر.

2-     أساس البلاغة للزمخشري، جار الله الزمخشري، تحقيق: عبد الرحيم محمود، الناشر: إحياء المعاجم العربية ط1، 1953.

3-     الأشباه والنظائر لابن نجيم.

4-     الأشباه والنظائر للسيوطي.

5-     إصلاح المساجد من البدع والفوائد، جمال الدين القاسمي، ط2، المكتب الإسلامي، بيروت.

6-      إعلام الساجد، بدر الدين الزركشي، دار الكتاب المصري، دار الكتاب اللبنان، بيروت.

7-     تاريخ الأزهر وتطوره، محمد البهي.

8-     تاريخ المساجد الأثرية، حسين عبد الوهاب المصري.

9-     تاريخ الملوك للطبري، نشر المكتبة الكبرى بمصر، مطبعة الاستقامة بمصر، سنة 1939م.

10-تاريخ بغداد، للخطيب البغدادي، دار الكتاب العربي، بيروت.

11-تاريخ مساجد بغداد، محمود شكري الألوسي، تهذيب محمد بهجت الأثري، طبعة بغداد، سنة 1946م.

12-التراتيب الإدارية، عبد الحي الكتاني، بيروت.

13-تفسير الرازي، مفاتيح الغيب للرازي، دار الفكر للطباعة.

14-تهذيب تاريخ دمشق لابن عساكر، طبع ونشر: دار المنيرة – بيروت، سنة 1976م.

15-جريدة المقطم، عدد16 جمادى الثانية، يناير كانون الثاني سنة 1924م.

16-حضارة العرب، ترجمة عادل زعيتر، طبعة إحياء الكتب العربية بالقاهرة، سنة 1956م

17-خطط المقريزي، لأحمد بن علي المقريزي، ط1، ببولاق، الأميرية.

18-سنن ابن ماجه، دار الفكر – بيروت.

19-سنن أبي داود، دار الكتاب العربي، بيروت.

20-سيرة ابن هشام، تحقيق: محيي الدين عبد الحميد.

21-صبحي الأعشى في صناعة الإنشا، دار الكتب المصرية المصورة.

22-صحيح ابن حبان، مؤسسة الرسالة، بيروت.

23-صحيح البخاري، دار ابن كثير، اليمامة، بيروت.

24-صورة الأرض لابن حوقل، دار مكتبة الحياة، بيروت.

25-العقد الفريد لابن عبد ربه، تحقيق محمد سعيد العريان، مطبعة الاستقامة، مصر، سنة 1359هـ.

26-عمدة القاري، للإمام العيني.

27-فتح الباري لابن حجر العسقلاني.

28-الفروع لابن مفلح، فقه حنبلي.

29-الفلسفة الإغريقية، د. محمد قلاب، ط1، القاهرة.

30-القاموس المحيط للفيروزأبادي، على المادة.

31-كتاب الجامع الأموي بدمشق.

32-الكواكب الدرية في السيرة النبوية، تحقيق محمود زايد، نشر الكتاب الجديد- بيروت، سنة 1971 م.

33-الكواكب الدرية في السيرة النبوية، تحقيق: محمود زايد، نشر دار الكتاب الجديد، سنة 1971م.

34-لسان العرب لابن منظور، على المادة

35-مآثر الأنافة في معالم الخلافة، لأحمد بن عبد الله القلقشندي، تحقيق: عبد الستار أحمد فراج، وزارة الارشاد والأنباء، الكويت، سنة 1964م.

36-مجلة الهلال، صفحات غربية من التاريخ، عبد الفتاح عبادة.

37-المساجد في الإسلام، للشيخ طه الولي، دار القلم للملايين، ط1 سنة 1988م.

38-مسجد القيروان، لأحمد فكري.

39-المصباح المنير للفيومي، المطبعة الأميرية بالقاهرة.

40-مغني المحتاج للشربيني.

41-المفصل في تاريخ القدس، الأستاذ عارف العارف، عن مجلة الراعي الصالح، 31كانون أول سنة 1943م.

42-المقدمة لابن خلدون، المطبعة الأدبية – بيروت، ط3، سنة 1900م.

43-النجوم الزاهرة، ابن تغرى بردى، جمال الدين أبو المحاسن، مصورة عن دار الكتب المصرية.

44-نهر الذهب في تاريخ حلب، للغزي، كامل بن حسين، طبع حلب، سنة 1923م.

وفاء الوفا بأخبار المصطفى، للسمهودي نور الدين، ط1، مطبعة الآداب والمؤيد بمصر.


[1]) تاريخ مساجد بغداد وآثارها تأليف محمود شكري الألوسي وتهذيب محمد بهجت الأثري طبعة بغداد سنة 1946، ص38.

[2]) إعلام الساجد للزركشي، 2/15.

[3]) 2/246.

[4]) إصلاح المساجد من البدع والعوائد للقاسمي، ط2، ص61.

[5]) تاريخ بغداد، 1/108.

[6]) مسجد القيروان، ص50.

[7]) مسجد القيروان، ص52.

[8]) المساجد في الإسلام للشيخ طه الولي، ص158.

[9]) حضارة العرب ترجمة عادل زعيتر، ص425 طبعة إحياء الكتب العربية بالقاهرة سنة 1956.

[10]) سنن ابن ماجه، كتاب المساجد والجماعات، باب من بنى لله مسجداً، (736)، 1/243. سنن الترمذي، فضل بنيان المسجد (319)، 2/135. صحيح ابن حبان، كتاب الصلاة، باب المساجد، (1610)، 4/490.

[11]) سورة النور (36-37).

[12]) المسجد الجامع بالقيروان لأحمد فكري، ص41.

[13]) خطط المقريزي، 2/249.

[14]) ابن رُسْتَةَ: الأعلاق النفيسة، ص 116.

[15]) المسجد في الإسلام، طه الولي، ص160.

[16]) تاريخ المساجد الأثرية، ص29. بواسطة المسجد في الإسلام لطه الولي، ص169.

[17]) خطط المقريزي، 2/249.

[18]) مجلة الهلال المجلد، 25، 10/802 تحت عنوان صفحات غريبة من التاريخ بقلم الأستاذ عبد الفتاح عبادة.

[19]) الكواكب الدرية في السيرة النورية، تحقيق: محمود زايد، نشر دار الكتاب الجديد، بيروت، طبع 1971، ص159.

[20]) خطط المقريزي 2/15.

[21]) ذكرها المقريزي في خططه 2/278 ط1.

[22]) ذكرها الغزي في كتاب نهر الذهب في تاريخ حلب 1/172.

[23]) ذكرتها مجلة المشرق الايطالية بروما السنة (7) عدد (4) نقلاً عن كتاب المساجد للشيخ طه الولي، ص169.

[24]) ذكرها الدكتور محمد البهي في كتاب الأزهر تاريخه وتطوره، ص383.

[25]) سنن ابن ماجه، كتاب المساجد، باب من بنى لله مسجداً، (736)، 1/243. وهو ضعيف.

[26]) صحيح مسلم، كتاب 6- المساجد، باب يجب إتيان المسجد على من سمع النداء، (1518)، 2/124.

[27]) آل عمران (67).

[28]) سيرة ابن هشام، تحقيق: محمد محي الدين عبد الحميد، 4/32.

[29]) سورة الكهف: 21.

[30]) صحيح البخاري، باب هل تنبش قبور مشركي الجاهلية، (417)، 1/165.

[31]) لسان العرب، مادة (نبر).

[32]) انظر: تاريخ المساجد في الإسلام: د. طه الولي، ص193.

[33]) العقد الفريد لابن عبد ربه الأندلسي 7/295-296. تحقيق محمد سعيد العريان، مطبعة الاستقامة بمصر سنة 1359هـ.

[34]) المساجد في الإسلام، ص193. وانظر مقدمة ابن خلدون، ص269 المطبعة الأدبية في بيروت، ط3 سنة 1900م.

[35]) انظر: خطط المقريزي 2/248.

[36]) صبحي الأعشى في صناعة الإنشا، طبعة دار الكتب المصرية المصورة 3/505.

[37]) جريدة المقطم عدد (16) جمادى الثانية (23) يناير كانون الثاني سنة 1924م.

[38]) سورة آل عمران: 37.

[39]) سورة آل عمران: 39.

[40]) سورة مريم: 21.

[41]) سورة سبأ: 13.

[42]) الخطط للمقريزي 2/247 والنجوم الزاهرة 1/67 طبعة دار الكتب المصرية.

[43]) النجوم الزاهرة لابن تغرى بردى.

[44]) وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى لنون الدين السمهودي، ط1 مطبعة الآداب والمؤيد بمصر 1/372.

[45]) إعلام الساجد بأحكام المساجد، ص364 دار الكتاب المصري، دار الكتاب اللبناني، بيروت.

[46]) أخرجه البيهقي من طريق عبد الرحمن بن مغراء، وسنده حسن. انظر: الثمر المستطاب للألباني، 1/473.

[47]) إصلاح المساجد من البدع والعوائدللقاسمي،  ط2 المكتب الإسلامي، بيروت، ص367.

[48]) مسند أحمد (17606)، 37/73.

[49]) سورة يوسف: 70.

[50]) سورة الحج: 27.

[51]) تفسير الرازي ” مفاتيح الغيب ” 23/41 دار الفكر للطباعة.

[52]) القاموس المحيط (صمع).

[53]) سورة الحج: 40.

[54]) القاموس المحيط مادة (ص م ع).

[55]) خطط المقريزي 2/247.

[56]) ص370.

[57]) انظر: المساجد في الإسلام، ص255.

[58]) إعلام الساجد بأحكام المساجد للزركشي، ص336، دار الكتاب المصري، دار الكتاب اللبناني.

[59]) صحيح ابن حبان، كتاب الصلاة، باب المساجد،(1615)، 4/493.

[60]) سورة الحج: 32.

[61]) وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى، 1/375.

[62]) انظر: المساجد في الإسلام للشيخ طه الولي، ص275.

[63]) سنن أبي داود، كتاب الأدب، باب ما جاء في البناء، (5239)، 4/530.

[64]) انظر: المسجد في الإسلام للشيخ طه الولي، ص279.

[65]) المفصل في تاريخ القدس تأليف عارف العارف، ص102 عن مجلة الراعي الصالح 12/182 (تاريخ 31 ديسمبر سنة 1943)، وكتاب التراتيب الإدارية، 1/320.

[66]) 1/320.

[67]) انظر: المساجد في الإسلام، ص282.

[68]) أساس البلاغة للزمخشري مادة (صحن).

[69]) إعلام الساجد بأحكام المساجد، ص346.  والفروع لابن مفلح، 3/153.

[70]) أشباه السيوطي، وأشباه ابن نجيم الحنفي.

[71]) فتح الباري، 13/155 و 6/437. ومغني المحتاج، 1/459.

[72]) موطأ مالك 1/175 من مراسيل الثقاة فهو يحتج به.

[73]) حكم المساجد في الشريعة الإسلامية.

[74]) كتاب المسجد الجامع بالقيروان، ص52، تاريخ الملوك للطبري، ص57.

[75]) الخطط للمقريزي 2/250.

[76]) المساجد في الإسلام لطه الولي، ص297.

[77]) كتاب الجامع الأموي بدمشق، ص57.

[78]) خطط المقريزي 2/250.

[79]) أساس البلاغة (روق).

[80]) انظر: كتاب المساجد في الإسلام للشيخ طه الولي، ص303.

[81]) الفلسفة الإغريقية د. محمد غلاب ط1 القاهرة 2/139.

[82]) المصدر السابق، 2/140.

[83]) المساجد في الإسلام للشيخ طه الولي، ص310.

[84]) المصباح المنير للفيومي 2/914 المطبعة الأميرية بالقاهرة.

[85]) خطط المقريزي، 2/267.

[86]) سنن ابن ماجه، 189- باب ما جاء في صلاة الحاجة (1385)، 1/441.

[87]) صحيح مسلم، باب قضاء الصلاة الفائتة، (1594)، 2/138.

[88]) خطط المقريزي 2/251.

[89]) مآثر الأناقة في معالم الخلافة لأحمد بن عبد الله القلقشندي، تحقيق عبد الستار أحمد فراج، طبع وزارة الإرشاد والأنباء في الكويت سنة 1964، 1/111.

[90]) محاضرة الأوائل ومسامرة الأواخر، ص147 نقلاً عن المساجد في الإسلام للشيخ طه الولي، ص313.

[91]) مآثر الأناقة في معالم الخلافة 1/111.

[92]) الخطط للمقريزي 2/251 وانظر: إعلام الساجد للزركشي، ص375.

[93]) إعلام الساجد للزركشي، ص375.

[94]) وفاء الوفا 1/362.

[95]) المرجع السابق.

[96]) أحكام المساجد، ص315.

[97]) إعلام الساجد للزركشي، ص375.

[98]) إصلاح المساجد من البدع والعوائد، ص251 طبع المكتب الإسلامي.

[99]) رواه مسلم. وانظر وفاء الوفا بأخبار المصطفى 2/355.

[100]) الكتاب المذكور 2/427.

[101]) خطط المقريزي 2/247 و248.

[102]) صورة الأرض لابن حوقل، ص161 دار مكتبة الحياة – بيروت.

[103]) أخرجه البيهقي من طريق ليث عن أيوب، وليث ضعيف. انظر: الثمر المستطاب للألباني 1/463.

[104]) صحيح أبي داود، 11، باب في بناء المساجد، 2/348.

[105]) إعلام الساجد للزركشي، ص337.

[106]) إصلاح المساجد من البدع والعوائد لجمال الدين القاسمي، ص95 و96.

[107]) انظر: إعلام الساجد، ص336 و337 وعمدة القاري، باب بنيان المساجد 4/204.

[108]) سورة التوبة: 18.

[109]) تهذيب تاريخ دمشق لابن عساكر 1/211 طبع ونشر دار المسيرة – بيروت سنة 1976 م.

[110]) إصلاح المساجد من البدع والعوائد، ص271.

[111]) إعلام الساجد للزركشي، ص338.

[112]) انتهى ملخصاً من إعلام الساجد، ص339.

[113]) سورة الجن: 18.

[114]) أخرجه ابن السني في عمل اليوم والليلة، قال الألباني: ضعيف، انظر: الثمر المستطاب، 1/685.

[115]) المرجع السابق.

[116]) المرجع السابق.

[117]) مسند أحمد (10612)، 22/143.

[118]) سنن ابن ماجه، كتاب إقامة الصلاة، باب ما جاء في الزينة، (1095)، 1/348.

[119]) سنن الترمذي، كتاب الجنائز، باب ما يستحب من الأكفان، (1010)، 4/205.

[120]) صحيح مسلم، كتاب المساجد، باب نهى من أكل ثوما أو بصلا، (1277)، 2/79.

[121]) سورة النور: 36.

[122]) أحكام القرآن لابن العربي المالكي، الطبعة الأولى، دار إحياء الكتب العربية – مصر 4/1858.

[123]) سورة التوبة: 108.

[124]) أخرجه مسلم في صحيحه.

[125]) إعلام الساجد، ص317.

 

* ندوة تطور العلوم الفقهية فِي عمان “ الفقه الحضاري، فقه العمران”

 المنعقدة خلال الفترة: (18-21) ربيع الثاني 1431هـ / (3-6) إبريل 2010م:

سلطنة عمان- وزارة الأوقاف والشؤون الدينية 

هذه المقالة تحتوي على تعليقات (2)

2 تعليقات ل “أحكام المسجد ومكوناته في الشريعة الإسلامية”

  1. وجدي says:

    شكرا على هذا البحث.واردت التنويه على الصلاة على النبي محمد الاجدر كتابتها صلى الله عليه وسلم وليس صلعم او ص

أكتب تعليقك هنا

نرجو أن تضع المادة أسفله
الإسم
إيميل
موقع
تعليقك