القسمة وأصول الأراضين للفقه العمراني

القسمة وأصول الأراضين للفقه العمراني*

إعداد: أ. د. كمال عمران

(أكاديمي، ورئيس قناة الزيتونة للقرآن الكريم بالجمهورية التونسية)

 

المدخل:
يجدر بنا أن نؤكد أنّ الفقه يمثل العنصر الأبرز في الدين الإسلامي، إذ هو المستنبط من القرآن الكريم، ومن السنة الشريفة، ولا مجال للتردد إزاءهما عند كلّ الفرق وكلّ المذاهب الإسلامية. وقد سبق لأحد أعلام الفكر في الإسلام وهو أبو الحسن العامري (380 هـ) في كتابه الموسوم بـ”الإعلام بمناقب الإسلام”([1]) أن رسم الجداول الصالحة للإبانة عن المعرفة الإسلامية فجعل لها أقساما ثلاثة:

أولها: المعرفة “المليّة” وقد آثر هذا المصطلح على “الشرعية” نظرا إلى كون الملية إحالة إلى الممارسة، وأنّ الشرعية أمارة على الجانب النظري([2]). والآلة المستنبطة للعلوم هي اللغة ومنها أخذ علم البيان وقد توزعت عنها:

* علوم القرآن من قراءات وتفسير وتأويل وعلم أسباب النزول إلى غيرها من الفروع، وقد أبان عنها الزركشي في كتابه “البرهان في علوم القرآن” كما قال فيها السيوطي في “الإتقان في علوم القرآن”: “علوم القرآن أفضل العلوم لتعلقها بكلام الله. وفضل كلام الله على سائر الكلام كفضل الله على خلقه”. كما في حديث الترمذي.  

والعلوم الإسلامية كلها بما فيها التفسير هي علوم كان القرآن أساسها الأصل ومحورها المركز التي تدور في فلكه جميع هذه العلوم.  

وليس المراد من علوم القرآن المعنى الواسع، بل المراد حسب المصطلح المعروف عند المفسرين والأصوليين وهو: “مجموعة البحوث الموضوعية والتاريخية المتعلقة بمعنى القرآن وبمبناه”([3]).  

ولقد دوّنت هذه العلوم في بداية عهد التدوين في القرن الثاني وكانت البداية بعدد قليل من الأفراد، ثُمَّ تضاعف العدد إلى العشرات فبلغت أربعين في القرن الثامن، وضعف ذلك في القرن العاشر وضعفين في القرن الثاني عشر وذكر السيوطي أنها تزيد على ثلاثمائة.  

وليس هذا العدّ غاية في ذاته فالمجال بقي رحيبا وهو بحاجة إلى إضافات من أهل الذكر والفكر عمقاً وأفقا.. وهذا شأن القرآن وهو مفتوح لا تنقضي عجائبه.. إنه كتاب ينطوي على الرموز وهي البدايات لكل تأويل بالمعنى العلمي، توقا إلى إصلاح الدنيا والدين.  

ولعلوم القرآن أهمية كبيرة تظهر في جوانب كثيرة:

1- منها أنها وسيلة عملية لحفظ القرآن تجسيما لقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾([4]).

2- ومنها أنها وسيلة لفهم القرآن فهما عميقا، فكثير منها لا يخرج عن كونه تفسيرا موضوعيا، ومعلوم أنّ التفسير الموضوعي يركز على جزئية ضمن القرآن كله أي إنّ دائرة البحث في الجزئية تتوسع وتتعمق مِمَّا يؤدِّي إلى الكشف عن أبعاد الموضوع وحقائقه، وتظهر وجوه الإعجاز القرآني في المباني والمعاني وذاك بيان للناس بالدخول في دين الله كما قال تعالى: ﴿ سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾([5]).

* ومنها: علوم الحديث([6]) وفيها علم السند والمتن والرواية والدراية… وقد أثبت ابن قتيبة في ” تأويل مختلف الحديث” “المُحَدِّث الفاصل بين الراوي والواعي”: صنّفه القاضي أبو محمَّد الحسن بن عبد الرحمن بن خلاد الرَّامهُرْمُزي المتوفى سنة 360هـ.

“معرفة علوم الحديث”: صنّفه أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحاكم النيسابوري المتوفى سنة 405هـ، لكنه لم يهذب الأبحاث، ولم يرتبها الترتيب الفني المناسب.

“المُسْتَخْرج على معرفة علوم الحديث”: صنّفه أبو نُعَيْم أحمد بن عبد الله الأصبهاني المتوفىَّ سنة 430هـ، استدرك فيه على الحاكم ما فاته في كتابه معرفة علوم الحديث من قواعد هذا الفن، لكنه ترك أشياء يمكن للمتعقب أن يستدركها عليه أيضاً.

“الكفاية في معرفة أصول الرواية”: صنّفه أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب البغدادي المتوفَّى سنة 463هـ، وهو كتاب حافل بتحرير مسائل هذا الفن، وبيان قواعد الرواية، ويعتبر من أجلِّ مصادر هذا العلم.

“الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع”: صنفه الخطيب البغدادي ـ أيضاً ـ، وهو كتاب يبحث في آداب الرواية كما هو واضح من تسميته وهو فريد في بابه، قيم في أبحاثه ومحتوياته، وقَلَّ فن من فنون علوم الحديث إلا وصنف الخطيب فيه كتاباً مفرداً، فكان كما قال الحافظ أبو بكر بن نقطة: «كل من أنصف علم أن المحدثين بعد الخطيب عِيال على كتبه».

“الإلْماع إلى معرفة أصول الرواية وتقييد السماع”: صنفه القاضي عياض بن موسى اليحصبي المتوفى سنة 544هـ، وهو كتاب غير شامل لجميع أبحاث المصطلح، بل هو مقصور على ما يتعلق بكيفية التحمل والأداء وما يتفرع عنها لكنه جيد في بابه، حسن التنسيق والترتيب.

“مالا يَسَعُ المُحَدِّثَ جَهْلُه”: صنفه أبو حفص عمر بن عبد المجيد الميانجي المتوفى سنة 580هـ، وهو جزء صغير ليس فيه كبير فائدة.

علوم الحديث أو “مقدمة ابن الصلاح”: صنفه أبو عمرو عثمان بن عبد الرحمن الشَّهْرَزُورِي المشهور بابن الصلاح المتوفى سنة 643هـ، وكتابه هذا مشهور بين الناس بمقدمة ابن الصلاح، وهو من أجود الكتب في المصطلح، جمع فيه مؤلفه ما تفرق في غيره من كتب الخطيب ومن تقدمه، فكان كتاباً حافلاً بالفوائد، لكنه لم يرتبه على الوضع المناسب، لأنه أملاه شيئاً فشيئاً، وهو مع هذا عمدة من جاء بعده من العلماء، فكم من مختصر له وناظم ومعارض له ومنتصر.

“التقريب والتيسير لمعرفة سنن البشير النذير”: صنفه محيي الدين يحيى بن شرف النووي المتوفى سنة 676هـ، وكتابه هذا اختصار لكتاب علوم الحديث لا بن الصلاح، وهو كتاب جيّد لكنه مغلق العبارة أحياناً.

“الإرشاد”: صنفه أبو زكريا يحيى بن شرف النووي (676هـ) ([7])، وهو مختصر من كتاب «علوم الحديث» لابن الصلاح، ثمّ اختصره ثانياً وسماه: التقريب.

“الاقتراح في بيان الاصطلاح وما أضيف إلى ذلك من الأحاديث المعدودة الصحاح”: تأليف تقي الدين بن دقيق العيد (702هـ)([8]).

ثم نظر في علم الفقه ([9]) بوصفه استنباطا من القرآن ومن السنة وقد عَرَّف الفقهاءُ علمَ الفقه بأنه: العلم بالأحكام الشرعية عن أدلتها التفصيلة، و أرادوا بهذا التعريف أن علم الفقه هو العلم المتكفل بالبحث عن الأحكام الشرعية التي تتعلق بأعمال المكلَّفين.

وعلم الفقه المستنبط من القرآن والسنّة أصلا وهما مناط الاتفاق بين الفرق الإسلامية والمذاهب الفقهية جملة و أساسا ومنطلقات وما جرى من الاختلاف يرجع لأسباب تمتّ إلى الواقع التاريخي بصلات ليس المجال للوقوف عندها. ويتسنى أن نحصي مدونة الفقه عددا فمن أبرز المصنفات الفقهية:

1- ابن نجيم: البحر الرائق شرح كنز الدقائق.

2- علاء الدين أبي بكر مسعود بن أحمد الكاساني: بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع.

3- أبو بكر علاء الدين محمد بن أحمد السمرقندي: تحفة الفقهاء.

4- شمس الدين أحمد المعروف بقاضي زاده أفندي: تكملة فتح القدير.

5- حاشية ابن عابدين المسمى ردّ المحتار على الدر المختار شرح تنوير الأبصار لمحمد أمين بن عابدين. وهي المصنفات الحنفية وكان لها ميل إلى اعتبار الحياة الحضرية وكان الميل لدى علماء الحنفية لمحمد الشيباني على أبي يوسف لأسباب تتصل بقولة ذائعة في الضمير الإسلامي مؤداها”إذا رأيتم العالم بباب السلطان فاتهموه” وقد جرت القولة في ظروف كان فيها القهر قديما سائدا. و لا شك في أن القسمة وأصول الأراضين من الوحدات الفقهية النامية عند الأحناف بالقياس إلى نمط الحياة الذي تعامل معه الفقه لديهم.

ومن المدونة الفقهية المالكية:          

1- محمد بن رشد الحفيد القرطبي: بداية المجتهد ونهاية المقتصد.

2- الدردير: حاشية الدسوقي على الشرح الكبير.

3- القرافي: الفروق.

4- سحنون بن سعيد: المدونة للإمام مالك (رواية).

5- الحطاب: مواهب الجليل شرح مختصر خليل.

وميزة الفقه المالكي أنه قريب ـ كما ذهب إليه ابن خلدون في المقدمة ـ من روح البداوة ومعناها الأصل، والدليل على التقارب بين الفقه المالكي ونمط الحياة البسيط الأصل الذي يقوم لديهم على “عمل أهل المدينة”، ولعل هذه السمات هي التي حملت أبناء شمال إفريقيا إلى تبني المذهب المالكي، نظرا إلى التقارب في البيئة وإلى الشغف الذي كان من علماء القيروان على الاحتذاء حذو النبيّ صلعم. ولا مراء في كون الفقه المالكي كان يراعي في مسألة القسمة وأصول الأراضين البعد العمراني اللازم للبيئة البدوية (بمعنى الأصالة).

وأما الشافعية فكان لهم زاد عظيم من المدونة الفقهية:

1- الشافعي: الأم.

2- أبو بكر السيد البكري: إعانة الطالبين.

3- زكريا الأنصاري الشافعي: أسنى المطالب شرح روض الطالب.

4- شهاب الدين أحمد الرملي: نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج.

5- أبو حامد الغزالي: الوجيز في فقه الإمام الشافعي.

لعله من البديهي أن نقول إنّ الفقه الشافعي وجد في خلال القرنين الخامس والسادس الهجريين مرتعا خصبا لتدوين المصنفات اللازمة لكل مجالات الفقه وخاصة منه الفقه في المعاملات والفقه المخصوص بالأرض والحياة العمرانية.

وتأتي كتب الفقه الحنبلي ضمن المدرسة السنية لتزكي ما كتب في المذاهب الأخرى:

1- ابن قدامة: المغني.

2- منصور البهوتي: كشاف القناع من متن الإقناع.

3- أبو الفرج عبد الرحمن بن قدامة: الشرح الكبير على المقنع.

4- ابن قدامة: الكافي في فقه أحمد.

5- المرداوي: الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف.

هل من شك في العلاقة بين منطلقات الفقه الحنبلي والبيئة التي عرفها الإمام أحمد بن حنبل، وقد عرفت شوكة للمعتزلة فرضت القول بخلق القرآن فجاء الفقه الحنبلي ردّ فعل شديد، ولعل السمة تواصلت بعد ابن حنبل نظرا إلى الظروف التي عرفها الفقهاء وكانوا على أبواب عصر التقليد وكثير منهم عاش فترات التقليد ذاتها.

لعل كتب الفقه الإباضي([10]) هي أبرز المصنفات التي وجدنا فيها مادة القسمة وأصول الأراضين، وقد وقفنا عَلَى مصنّف مهمّ للشيخ أبي العباس أحمد بن محمد بن أبي بكر الفرسطائي النفوسي “القسمة وأصول الأراضين”([11])، وفيه تدقيقات جليلة تنم عن تفقه في الدين وعن تقدير للعمارة في الإسلام ما زالت بحاجة إلى التفكيك والتحليل، إذ فيها من الرؤى ما يزيد الثقافة الإسلامية تمكنا ويعطيها مجالات عند التعريف بها لدى “الآخر” عظيمة.

ثُمَّ أشار أبو الحسن العامري إلى علم أصول الفقه وإلى علم الكلام لينهي قائمة العلوم الملية. ونظر في العلوم العقلية أو الحكمية وجعلها نوعين: 

النوع الأول: علوم الطبيعة وآلتها الرياضيات. والنوع الثاني: علوم الإلهيات وآلتها المنطقيات. كما جعل الصنف الثالث من المعرفة مذموما، وهي من قبيل الطلسمات والتنجيم والسحر.

إن الإبانة عن علم الفقه وما فيه من جزئيات ناجم عن استعداد المسلمين لعبادة الله على الوجه الأكمل نـهلا من سنّة النبيّ صلعم.

 

أ- قسمة الأرض وأصول الأراضين:

يمثل هذا القسم من مادة الفقه الواسعة أنموذجا جامعا لصفة الفقه، وهي العلم الدقيق في الأحكام من ناحية والبعد العمراني نظرا إلى الصلة بين الجانبين، ولعل العقل البشري غير قادر على أن يستوعب السرّ الكامن في مدى التوفيق لدى الفقهاء في استنباط الأحكام من النّص، وفي إجراء القواعد الفقهية على الواقع العمراني بالشكل الذي يتيح لأي إنسان أن يجد المجال ممكنا لعملية الإنتاج، وليسعى في الأرض صلاحا، وهل لغير الفقه من سبيل إلى تأصيل المبرات في سلوك الإنسان؟ ولهذه المقدمة الوجيزة وظيفة في الإبانة عن “عظمة الفقه الإسلامي”.

ولعل السؤال الممضّ في هذا السياق: إلى أي مدى يدرك المسلمون اليوم هذا الموروث الفقهي الذي رفع المجتمعات الإسلامية قديما، وما زال قادرا على إثراء الثقافة الإسلامية إلى يوم يبعثون؟

ولنا أن نضيف بعض الإضافة بالقياس إلى البعد العمراني انطلاقا من الرمزية التي حبت بها الهجرة النبوية الشريفة هذا البعد. ألم يعلن النبيّ صلعم بتسمية يثرب المدينة منطلقات جمّة بها شرّع للعمران فوق الأرض؟ وأي عمران هو؟ أليست النظم المعمارية رموزا للإنسان؟ ألم يقم النبيّ صلعم المسجد الجامع في قلب المدينة؟ ألم ينهل الصحابة من المسجد أسس العقيدة والشريعة؟ ألم ينشأ المسلمون حول المسجد الجامع الأسواق، وفيها تصريف لما نهلوا من المسجد في المعاملات وفي أخطر مكان لها وهو السوق؟ ألم ينشئ المسلمون البيوت بعد الأسواق تمهيدا للسلوك العائلي بعد السلوك الاجتماعي؟ ألم ينهجوا المدن الإسلامية على نحو المدينة المنورة كالشأن في دمشق وبغداد والقيروان وفاس وقرطبة والقاهـرة وكالعواصم الإسلامية استلهاما للتصرف في الأرض قسمة وأصولا وتعميرا؟

ومن الأبواب التي خاض فيها علماء الإسلام قسمة الأرض وأصول الأراضين:

تعريف لفظ الأرض: الأرض مؤنث، وهى اسم جنس، وهى الكرة السيارة التي عليها الناس([12]).

1-   أرض العشر والأرض الخراج: آثرنا أن نتعقب المدونة الفقهية (لمذاهب أهل السنة) حسب الأبواب المتصلة بالقسمة وأصول الأراضين:

أ‌-   مذهب الحنفية:

قال أبو يوسف في كتاب الخراج: “كل أرض أسلم أهلها وهي من أرض العرب أو أرض العجم فهي لهم، وهي أرض العرب بمنزلة المدينة حين أسلم عليها أهلها، وبمنزلة اليمن، وكذلك كل ما لا يقبل منه الجزية ولا يقبل منه إلا الإسلام أو القتل من عبدة الأوثان من العرب، فأرضهم أرض عشر وإن ظهر عليها الإمام؛ لأن رسول الله صلعم قد ظهر على أرض من أرض العرب وتركها، فهي أرض عشر حتى الساعة، وأيما دار (أي إقليم) من دور الأعاجم ظهر عليها الإمام وتركها في أيدي أهلها فهي أرض خراج، وإن قدمها بين الذين غنموها فهي أرض عشر. ألا ترى أن عمر بن الخطاب t ظهر على أرض الأعاجم وتركها في أيديهم فهي أرض خراج، وكل أرض من أراضى الأعاجم صالح عليها أهلها وصاروا ذمة فهي أرض خراج([13]). وفي الجامع الصغير: كلّ أرض فتحت عنوة فوصل إليها ماء الأنهار فهي أرض خراج، وما لم يصل إليها ماء الأنهار واستخرج منها عين فهي أرض عشر؛ لأن العشر يتعلق بالأرض النامية ونماؤها بمائها، فيعتبر السقي بماء العشر أو بماء الخراج، ومن أحيا أرضا مواتا فهي عند أبى يوسف معتبرة بحيزهـا؛ فإن كانت من حيز أرض الخراج فهي خراجية، وإن كانت من حيز أرض العشر فهي عشرية، وقال محمّد: إن أحياها ببئر حفرها أو بعين استخرجها أو ماء دجلة أو الفرات أو الأنهار العظام التي لا يملكها أحد فهي عشرية، وكذا إذا أحياها بماء السماء، وإن أحياها بماء الأنهار التي احتفرها الأعاجم فهي خراجية كما ذكرنا من اعتبار الماء، إذ هو السبب للنماء”([14]).

ب‌-   مذهب المالكية:

قال في الشرح الصغير للدردير([15]): “ووقفت الأرض غير الموات من أرض الزراعة والدور بمجرد الاستيلاء عليها ولا يحتاج وقفها لصيغة من الإمام، ولا لتطييب أنفس المجاهدين بشيء من المال، ولا يؤخذ للدور كراء، بخلاف أرض الزراعة، وفائدة وقف الدور أنها لا تباع ولا يتصرف فيها تصرف المرق ، وهذا ما دامت باقية بأبنيتها التي فتحت عليها؛ فإن تهدمت وجدد فيها بناء جاز بيعها وهبتها والأخذ بالشفعة كما هو الآن بمصر ومكة وغيرها، وأما الموات فلا كلام لأحد عليها، ومن أحيا منها شيئا فهو له ملكا كأرض مصر والشام والعراق هي: كل ما فتحت عنوة، والواجب في هذه الأرض الخراج؛ لأنها خراجية. وغير الخراجية ـ أي العشرية ـ هي أرض الصلح التي أسلم أهلها بغير قتال. وأرض الموات كأرض الجبال والبراري مثلا، وهي: كل أرض لا اختصاص لأحد عليها ([16]).

قال القرافي: الخراج نوعان، ما وضعه عمر t على أرض العراق لما فتحها عنوة وقسمها بين المسلمين، ثم رأى أن ينزلوا عنها؛ لئلا يشتغلوا بالجهاد فتخرب أو تلهي عن الجهاد، فنزل عنها بعضهم بعوض وبعضهم بغير عوض، وضرب الخراج عليها ووقفها على المسلمين. والنوع الثاني: ما يصالح به الكفار على أراضيهم فتكون كالجزية بإسلامهم بخلاف الأول، وكذلك الحكم في أرض العنوة كلها أنها توقف على المسلمين وتترك بيد أهلها ليعلموا فيهما، فإذا أسلموا لم يسقط الخراج؛ لأنَّه أجرة والأرض للمسلمين ([17]).

 ج- مذهب الشافعية:

قال في كتاب الأنوار لعمل لأبرار: “يجب العشر مع الخراج في الخراجية، وهي أن يفتح الإمام بلدة عنوة ويقسمها بين الغانمين ثم يعوضهم عنها ويقفها على المسلمين ويضرب عليها خراجا كما فعله عمر t بسواد العراق. أو يفتح بلدة صلحا على أن تكون الأرض لنا ويسكنها الكفار بخراج معلوم فالأرض فيء والخراج أجرة ([18]).

د- مذهب الحنابلة:

قال في كشاف القناع: “الأرض على ثلاثة أضرب للاستقراء، أحدها: ما فتح عنوة أي قهرا أو غلبة، وهو شرعا: ما أجلى عنها أهلها بالسيف، فيخير الإمام تخيير مصلحة فيلزمه أن يفعل ما يراه الإمام أصلح؛ لأنَّه نائب للمسلمين فلا يفعل الإمام ما فيه صلاحهم بين قسمتها على الغانمين؛ لأنَّه صلعم قسم نصف خيبر بين الغانمين ووقف نصفها لنوائبه وحوائجه([19]) فتملك الأرض التي فتحت عنوة وقسمت بين الغانمين بقسمها، ولا خراج عليها؛ لأنَّها ملك الغانمين، ولا خراج أيضا على ما أسلم أهله عليه كالمدينة أو صولح أهله، على أن الأرض لهم كأرض اليمن والحيرة وبانقيا، أو أحياه المسلمون كأرض البصرة في ذلك لا خراج عليها؛ لأنَّها أرض عشرية.

وبين وقفها للمسلمين بلفظ يحصل به الوقف، كما وقف عمر الشام ومصر والعراق وسائر ما فتحه وأقره الصحابة على ذلك، ويضرب عليها الإمام بعد وقفها خراجا مستمرا يؤخذ ممن هي في يده من مسلم ومعاهد يكون أجرة لها؛ لأنَّها تكون أرضا خراجية.

الضرب الثاني: ما جلا عنها أهلها خوفا وفزعا وظهرانا عليها فتصير وقفا بنفس الظهور عليها قال في الإنصاف: هذا المذهب وعليه الأصحاب؛ لأنَّها ليست غنيمة فتقسم فيكون حكمها حكم الفيء، أي للمسلمين كلهم فلا تكون خراجية.

الضرب الثالث: مِمَّا اصطلحوا عليه من الأرض وهو ضربان: أحدهما: أن يصالحهم الإمام أو نائبه على أن الأرض لنا ونقرها عنهم بالخراج؛ فهذه الأرض تصير وقفا بنفس ملكنا لها كالتي قبلها، ويكون خراجها أجرة لهـا لا تسقط بإسلامهم، ويؤخذ الخراج منهم وممن انتقلت إليه من مسلم ومعاهد كسائر الأجر، وما كان في أرض الخراج من شجر وقت الوقف فثمره المستقبل لمن تقر بيده الأرض، فيه عشر الزكاة، قال في الإنصاف: هذا الصحيح من المذهب. والضرب الثاني: مِمَّا صولحوا عليه: أن يصالحهم الإمام أو نائبه على أن الأرض لهم ولنا الخراج عنها، فهو صلح صحيح لا مفسدة فيه؛ فهذه ملك لأربابها وتصير دار عهد خراجها

كالجزية التي تؤخذ عَلَى رؤوسهم ما دامت بأيديهم، إن أسلموا سقط عنهم؛ لأنَّ الخراج الذي ضرب عليها إِنَّمَا كان لأجل كفرهم تسقط بإسلامهم كالجزية وتبقى الأرض ملكا لهم بغير خراج يتصرفون فيها كيف شاؤوا، كما لو انتقلت هذه الأرض إلى مسلم فإنه لا خراج عليه، ولا يسقط خراجها إن انتقلت إلى ذمي من غير أهل الصلح؛ لأنَّه بالشراء رضي بدخوله فيما دخل عليه البائع فكأنه التزمه”([20]).

2-  قسمة الأرض وما يشترط لتحققها

أ-مذهب الحنفية:

يرى الحنفية أنه إذا أراد شركاء قسمة أرض بينهم فإنّ أقروا بالملك مطلقا عن سبب الانتقال قسم بإقرارهم، ويذكر القاضي في محضره أن قسمه بإقرارهم ولم يقض على أحد منهم، وإن أقروا بالملك بسبب الميراث فلا حسم عند أبى حنيفة حتى يقيموا البينة على موت المورث وعلى عدد الورثة، وعند الصاحبين يقسم بينهم بإقرارهم ([21]).

ويرى الحنفية أيضا أنه إذا كانت أقرحة متعددة متفرقة مشتركة قسم كل قراح على حدة على الرأي الراجح في المذهب؛ لأنَّ العبرة للمعنى وهو المقصود ويختلف ذاك باختلاف البلدان والمحال والجيران والقرب إلى الماء اختلافا فاحشا؛ فإذا لم تختلف اختلافا فاحشا جاز قسمتها على الوجه الذي يراه القسام عادلا. وإذا كانت الأرض بناء قسمت بطريق الردّ على الرأي الراجح، وهو أن يردّ على شريكه بمقابلة البناء ما يساويه من العرصة، وإذا بقي فضل ولم يمكن تحقيق التسوية بأن كان لا تفي العرصة بقيمة البناء فحينئذ يردّ للفضل دراهم؛ لأنَّ الضرورة في هذا القدر فلا يترك الأصل إِلاَّ بها إن قسم ولأحدهم مسيل في نصيب الآخر، أو طريق لم يشترطه في القسمة، فإن أمكن صرف الطريق والمسيل عنه ليس له حق المرور في طريق الآخر؛ لأنَّه أمكن تحقيق معنى القسمة من غير ضرر بأن لا يبقى لكل واحد منهما تعلق بنصيب الآخر بصرف الطريق والمسيل إلى غيره فلا تدخل فيه الحقوق، وإن شرطت وإن لم يمكن فسخت القسمة([22]).

ب- مذهب المالكية:

يرى المالكية أن قسمة العقار بالقيمة لا بالمساحة إن اختلفت أجزاء المقسوم، فإن اتفقت لم يحتج لتقويم بل يقسم مساحة، وأفرد في قسمة القرعة كل نوع على حدة، بمعنى أنّه لا يضم لغيره في القسم، فلا يجمع بين نوعين ولا بين صنفين صاعدين بل كل نوع على حدة([23]).

جـ- مذهب الشافعية:

تذهب إلى أن الأرض إن كانت مشتبهة الأجزاء أي متساوية في القوة والضعف وليس فيها نحو زرع فتقسم وحدها ولو إجبارا، فإن كان فيها زرع لم تصح قسمته وحده، ولا قسمتهما معا إلا أن يكون فسيلا لم يبد صلاحه فتجوز قسمته معها بالتراضي، وتقسم بالأجزاء فيجبر الممتنع عليها، إذ لا ضرر عليه فيها، وإذا كانت الأرض تختلف قيمة أجزائها بحسب قوة الإنبات وقرب الماء تعدل السهام بالقيمة.

وإذا كانت بينهما أرض مختلفة الأجزاء بعضها عامر وبعضها خراب أو بعضها قويّ والآخر ضعيف، أو بعضها شجر وبناء وبعضها يباب، أو بعضها يسقى بالسيح وبعضها بالناضح (البعير يستقى عليه) روعيت التسوية بين الأنصباء بقدر الإمكان إما بقسمة كل جزء على حدة، وإمَّا بمراعاة القيمة([24]) على تفصيل في ذلك.

د- مذهب الحنابلة:

وقد وافق الحنابلة الشافعية فيما إذا كان في أحد جوانب الأرض بئر وفي الآخر شجرة حيث تعدل بالقيمة ويرد لمن كان نصيبه لا يعادل الآخر ما يقع به التعادل([25]).

هـ- مذهب الإباضية:

إذا كانت الأصول في محل واحد جازت قسمتها اتفاقا إن انقسمت على أقلّ الأجزاء انقساما معتبرا، بأن يكون صاحب الجزء الأقلّ ينتفع بجزئه فيما اعتبر من الانتفاع في ذلك المشترك، وإن لم يكن في حلّ واحد أو لم يتساووا في الانتفاع أو كان صاحب الأصل لا ينتفع فقد اختلفت فيها الآراء([26]).

التصرف في الأرض وما يتبعها

مذهب الحنفية في ما يتعلق بالتصرف في الأرض وما يتبعها:

جاء في الهداية: ومن باع أرضا دخل ما فيها من النخل والشجر وإن لم يسمه؛ لأنَّه يتصل بها للقرار فأشبه البناء، ولا يدخل الزرع في بيع الأرض إلا بالتسمية؛ لأنَّه متصل بها للانفصال والجذاذ فشابه المتاع الذي فيها ([27]).  وجاء في فتح القدير: ولا يدخل الشرب والطريق في بيع الأرض والدار إلا بذكر الحقوق، وكذا في الإقرار والصلح والوصية وغيرها ويدخلان في الإجارة والرهن والوقف والقسمة؛ لأنَّها تعقد للانتفاع ولا انتفاع بدونهما، بخلاف البيع فإنّه يعقد لملك الرقبة فقد يراد به الانتفاع بـالـتجارة ([28]).

وقال في شرح العناية على الهداية([29]): مسائل هذا الباب مبنية على قاعدتين: إحداهما: أن كل ما هو متناول اسم المبيع عرفا دخل في البيع وإن لم يذكر صريحا. والثانية: أن ما كان متصلا بالمبيع اتصال قرار كان تابعا له في الدخول.

–   ما يتبع الأرض إذا وقفت:

جاء في فتح القدير ([30])، ويجوز وقف العقار وهو الأرض مبنية كانت أو غير مبنية، ويدخل البناء في وقف الأرض تبعا فيكون وقفا معها، وفي دخول الشجر روايتان. قال أبو يوسف: إذا وقف ضيعة ببقرها وأكرتها وهم عبيده جـاز (والأكرة الحراثون) ، وكذا آلات الحراثة إذا كانت تبعا للأرض تجوز؛ لأنَّها تبع للأرض في تحصيل ما هو المقصود منهـا، وقد ثبت من الحكم تبعا ما لا يثبت مقصودا كبيع الشرب والطريق لا يجوز مقصودا ويجوز تبعا، ومحمد مع أبى يوسف فيه؛ لأنَّه لما جاز أفراد بعض المنقول بالوقف عنده فتجويزه تبعا للعقار أولى.

وذكر في أحكام الوقف لهلال: إذا وقف أرضا وفيها ثمرة قائمة أو غلة فهي للواقف دون الفقراء؛ لأنَّ الغلة القائمة لا تدخل تبعا للأصل، ويدخل فيه النخل القائم والشجر، وكل ما يدخل في البيع يدخل في الوقف، ولو كان فيها نقض منقوض أو نخل فهو للورثة إن كان الوقف بعد وفاة الواقف، ولو وقف أرضا ولها حصة ما في نهر أو شرب أو طريق أو مغيض فالقياس عندنا أن يكون الوقف على ما أطاقت الحدود خاصة دون ما سوى ذلك، واستحسن هلال جعل ما كان لها من حق موقوفا مثلها، ولا يدخل الشيء المنقوض والنخل المضروب والثمرة القائمة وقت العقد([31]).

–  ما يتبع الأرض إذا أجرت:

جاء في بدائع الصنائع: ولو استأجر الأرض مع الشرب جاز تبعا كما في البيع، ولو استأجر أرضا ولم يذكر الشرب والمسيل أصلا فالقياس أن لا يكون الشرب والمسيل كما في البيع وفي الاستحسان كان له ويدخلان تحت إجارة الأرض من غير تسميته نصا لوجودها دلالة؛ لأنَّ الإجارة تمليك المنفعة بعوض، ولا يمكن الانتفاع بالأرض بدون الشرب فيصير الشرب مذكورا بذكر الأرض دلالة بخلاف البيع؛ لأنَّ البيع تمليك العين والعين تحتمل الملك بدونه ([32]).

مذهب المالكية:

قال في الشرح الصغير للدردير: ويتناول العقد على الأرض البناء والشجر من بيع أو رصّ، وكذا الهبة والصدقة والوقف، فمن اشترى أرضا وفيها بناء أو شجر لم يذكر حين شراء أرضها دخلا في بيع الأرض إلا لشرط أو عرف يقضى بخلاف ذلك فيعمل به، وتناولت الأرض إذا بيعت أو رهنت البذر الذي لم ينبت فيدخل في بيعها، ولا يتناول بيع الأرض الزرع الظاهر عليها بل هـو لبائعهم إِلاَّ لشرط أو عرف، ولا تتناول الأرض مدفونا بها من رخام وعمد وحلى ونقد وغير ذلك بل هو لمالكه بلا خلاف ([33]).

وقال في حاشية الدسوقي: من اكترى أرضا أو دارا فيها شجر خمر لم يبد صلاحه يجوز لذلك المكترى اشتراط دخول الشجر عقد الكراء إن كان الكراء وجيبة وكان طيب الثمر في هذه الإمارة، وكانت قيمة الثمر الثلث فأقل بالتقويم، وأن يكون اشتراط دخولها لأجل دفع الضرر، فإن تخلف شرط من هذه الأربعة فلا يجوز اشتراط دخوله في عقد الكراء، فإن اشترط دخوله فسد العقد، أما لو كان قد بدا صلاحه وقت العقد جاز اشتراط دخوله مطلقا ولو كانت قيمته أكثر من الثلث؛ لأنَّه بيع وإجارة لكونه مستقلا. وأما الزرع فلا يجوز إدخاله إلا إذا نقص عن الثلث مع بقية الشروط لا أن قيمته ثلثا فقد شددوا في اشتراط دخوله في عقد الإجارة كما شددوا في مساقاته حيث اعتبروا فيها شروطا لم تعتبر في مساقاة الأصل، فإن أكريت مشاهرة لم يجز إدخال شيء لا من الثمر ولا من الزرع ([34]).

مذهب الشافعية:

جاء في أدنى المطالب: اللفظ المتناول غيره في عقد البيع ستّة: الأول: الأرض ومثلها البقعة والساحة والعرصة، فإن باعها أو رهنها بما فيها من أشجار وأبنية دخلت في العقد ولو بقوله بعتك أو رهنتك الأرض بما فيها أو عليها أو بها أو بحقوقها، وإن استثناها كبعتك أو رهنتك الأرض دون ما فيها لم تدخل في العقد، وإن أطلق كبعتك أو رهنتك الأرض دخلت في البيع؛ لأنَّها للثبات والدوام في الأرض فأشبهت جزأها فتبعتها كما في الشفعة ويؤخذ منه تقييد الأشجار بالرطبة فتخرج اليابسة. وقد صرح به ابن الرفعة والسبكي كسقفها يقسم إن عرش عليها عريش العنب ونحوه أو جعل دعامة لجدار أو غيره صارت كالوتد فتدخل في البيع لا في الرهن؛ لأنَّ البيع قوي ينقل الملك فيستتبع بخلاف الرهن، ومن ثم كان الوقف والهبة كالبيع كما اقتضاه كلام الرافعي، وفي معنى ذلك الصدقة والوصية ونحوهما. ولا يدخل في بيع الأرض مسيل الماء وشربها بكسر الشين أي نصيبها من القناة والنهر المملوكين حتى يشترطه كأن يقول بحقوقها والمراد الخارج من ذلك عن الأرض أما الداخل فيها فلا ريب في دخوله نبّه عليه السبكي بخلاف ما لو اكتراها لزرع أو غراس، فإنّ ذلك يدخل ([35])، وما يتكرر ثمره في سنتين فأكثر كالقطن الحجازي والنرجس أو يجد مرارا كالكرات والنعناع والقصب الفارسي وألقت، فالأصول فيه كالشجر فتدخل في بيع الأرض والثمرة الظاهرة للبائع فلا تدخل بخلاف الكامنة لكونها كجزء من ا لشجر فدخلت معها في بيع الأرض المشتملة على ما يجز مرارا للبائع بخلاف غير الموجودة ([36]). والبذر الكامن في الأرض يدخل في بيعها ما يدوم وتدخل الحجارة المخلوقة والمثب

هذه المقالة تحتوي على التعليقات على القسمة وأصول الأراضين للفقه العمراني مغلقة

التعليقات مغلقة مع الأسف