فقه أدب القضاء

فقه أدب القضاء *

إعداد: د. عبد الله بن راشد بن عزيز السيابي

(نائب رئيس المحكمة العليا، سلطنة عمان)

 

تقديم

القضاء لغة: القضاء بالمدّ، أصله قضاي؛ لأنَّه من قضيت، ولَمَّا جاءت الياء بعد الألف همزت والجمع أقضية، والقضاء الحكم أو الفصل في الحكم، والقاضي هو: القاطع للأمور المحكم لها، والقضايا الأحكام(1 ).
وللقضاء عدّة معان منها على سبيل المثال لا الحصر:
1- الفصل والحكم، ومنها قوله تعالى: ﴿وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾(2 )، أي لحكم بين هؤلاء المختلفين في الحق (3).
2- الإيجاب والإلزام، قال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾(4 )(5 ).
3- الفراغ والانتهاء(6 )، قال تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُواْ اللّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾(7 ) ومعنى قضيتم: أديتم وفرغتم”(8 )، ومن ذلك أيضا قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاَةَ فَاذْكُرُواْ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾(9 ).
4- الخلق والتدبير، قال تعالى: ﴿ فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾(10 )، أي: خلقهنّ وعملهنَّ وأحكم خلقهنَّ(11).
5- البيان (12)، قال تعالى: ﴿وَلاَ تَعْجَلْ بِالْقُرْءَانِ مِن قَبْلِ أَنْ يُّقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾(13)، أي: يبين لك بيانه.
6-الإرادة والمشيئة، قال تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾(14)، أي: إذا أراد شيئاً خلقه(15).
وهذه المعاني كلها تعود إلى أصل واحد، قال قطب الأئمة: “والقضاء بأوجهه في اللغة راجع على انقضاء الشيء وتمامه”(16).
وفي تبصرة الحكَّام: القضاء على وجوه، مرجعها إلى انقطاع الشيء وتمامه، وكلّ ما أحكم عملـه أو أتمّ أو ختـم أو أدّى أو أوجب أو أعلم أو أنفذ أو أمضي فقد قضى(17) .
القضاء اصطلاحاً: عرّف الإباضية القضاء في الاصطلاح: بأنه “الإخبار عن حكم شرعي على سبيل الإلزام”(18)، وهو عين التعريف عند ابن رشد من المالكية(19).
وعرّفه الحنفية بأنه ” الحكم بين الناس بالحق، والحكم بما أنزل الله عزّ وجل”(20).
وهناك تعريفات أخرى مع بقيّة المذاهب تقرب من بعضها البعض مثل:
ـ الشافعية: “إلزام من له الإلزام بحكم شرعي”(21).
ـ الحنابلة: “الإلزام بالحكم الشرعي وفصل الخصومات”(22).
ـ الزيدية: “إلزام ذي الولاية بعد الترافع”(23).
ـ الإمامية: “الحكم بين الناس لرفع التنازع بينهم”(24).
ومن تعريفات المحدثين للقضاء:
-هو: “فصل الخصومات بإظهار حكم الشارع فيها على سبيل الإلزام”(25).
-أو: “إظهار الحكم الشرعي ـ على وجه خاص ـ مِمَّن له الولاية فيما يقع فيه النـزاع لمصالح الدنيا، وذلك على سبيـل الإلـزام، حسما للتداعي وقطعاً للخصام”(26).
وهذه التعريفات كلها كما قلت قريبة من بعضها البعض، إلاَّ أنها تتفاوت في بعض القيود وتتفق في عناصر مهمة وهي:
1- الإلزام، وهذا القيد يخرج الفتوى؛ لأنها غير ملزمة.
2- الفصل يكون بواسطة الإخبار عن حكم شرعي في الوقائع المعروضة.
وهذا هو القضاء الصحيح في شريعة الإسلام؛ لأنَّه مستمد من مصادرها الكتاب والسنة والإجماع والقياس إلى غير ذلك من مصادر التشريع، قال تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ﴾(27).
وقال: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللّهُ وَلاَ تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيمًا﴾(28)، إلى غير ذلك من الأدلّة الموجبة للحكم بشريعة الله.
مشروعية القضاء:
القضاء مشروع وثابت من أدلة كثيرة من الكتاب والسنة والإجماع والمعقول:
1- أدلَّة مشروعيته من الكتاب كثيرة منها:
قوله تعالى: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا ﴾(29).
وقول تعالى: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾(30).
ففي الآية الأولى يخبرنا الحق سبحانه وتعالى عن نبيي الله داود وسليمان ـ عليهما السلام ـ وحكمهما بين الناس والإشادة والتأييد فيما حكما فيه.
وفي الآية الثانيـة أمر منه تعالى لنبيه داود  للحكم بالحق وعدم اتباع الهوى، فدلتَّ كذلك على وجوب الحكم بالحقّ، وعدم الميل إلى أحد الخصمين لقرابة أو رجاء نفع.
أمَّا نبينا مُحمَّد صلعم فقد خاطبه به بقوله: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ﴾(31).
وقوله: ﴿وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللّهُ إِلَيْكَ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ﴾(32).
أي “احكم بينهم” يا مُحمَّد بالحكم الـذي أنزله الله في كتابـه، “ولا تتبع أهواءهم” يعني فيمـا أمروك به(33).
ثُمَّ يقول الحقّ سبحانـه: ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا﴾(34).
وجه الدلالة أن الحقّ سبحانه أقسم بربوبيته لرسوله مُحمَّد صلعم بأنَّ الذين رغبوا عن التحاكم إليك من المنافقين لا يؤمنون إيمانا حقّا إلاَّ إذا توافرت فيهم:
أ ـ أن يحكّموا الرسول في قضايا المنازعات التي يختلفون فيها.
ب ـ ألاَّ يجدوا ضيقاً وشكّا في الحكم الذي يصدره.
ج ـ أن ينقادوا انقيادا تاما ويسلّموا للحكم ظاهرا وباطنا (35).
2- من السنة النبوية:
إن المتتبع للسنّة النبوية يجد مشروعية القضاء ثابتة من أقواله صلعم وأفعاله وتقريراته، ومن ذلك.
ـ حديث عمرو بن العاص أنّه سمع رسول الله صلعميقول: “إذا حكم الحاكم فاجتهد ثُمَّ أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم اخطأ فله أجر”(36).
ـ حديث أمّ سلمة ـ ـ رضي الله عنها ـ ـ زوج النبيّ صلعم أنه صلعم سمع خصومة بباب حجرته فخرج فإذا رجلان من الأنصار جاءا يختصمان في مواريث بينهما قد درست، ليس بينهما بينة، فقال لهما رسول الله صلعم: «إنكم تختصمون إليّ وإنما أنا بشر، ولعلَّ بعضكم ألحن بحجته من بعض، وَإِنَّمَا أقضي بينكم على نحو ما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئا فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار يأتي بها إسطاطاً(37) في عنقه يوم القيامة»، فبكى الرجلان، وقال كل واحد منهما: حقي لأخي، فقال رسول الله صلعم: «وأمَّا إذا فقوما فاذهبا فلتقتسما، ثم توخّيا الحقّ، ثم استهما، ثم ليحلل كل واحد منكما صاحبه»(38)، ففي هاذين الحديثين ما يدلّ دلالة واضحة على مشروعية القضاء.
وأمَّا من حيث مباشرته صلعم للقضاء بنفسه فهو مبسوط في كثير من الأحوال، من ذلك.
– ما ورد أنَّ رجلا من الأنصار خاصم الزبير إلى رسول الله صلعم في سقي نخل له، وكـانت أرض الزبير أقـرب إلى الماء مـن أرض خصمه، فقال الرسول صلعم للزبير: «اسق أرضك ثم أرسـل الماء إلى أرض جـارك»، فقال الـرجل: إنه ابن عمتك، فتلوّن وجـه الرسول صلعم، وقال للزبيـر: «اسق ثُمَّ احبس الماء حتى يبلغ الجدر»(39).
-حديث أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني ـ رضي الله عنهما ـ قال: جاء أعرابي فقال: يا رسول الله اقض بيننا بكتاب الله، فقام خصمه فقال: صدق، اقض بيننا بكتاب الله، فقـال الأعرابي: إن ابني كـان عسيفا على هذا، فزنى بامرأته، فقالوا لي: “على ابنك الرجم، ففديت ابني منه بمائة من الغنم ووليدة، ثم سألت أهل العلم فقالوا: إنما على ابنك جلد مائة وتغريب عام، فقال النبيّ صلعم: «لأقضينَّ بينكما بكتاب الله، أما الوليدة والغنم فردّ عليك، وعلى ابنك جلدة مائة وتغريب عام، وأمَّا أنت يا أنيس فاغدُ على امرأة هذا فارجمها» فغدا عليها أنيس فرجمها(40).
-جاءت امرأة طلقها زوجها إلى رسول الله صلعم وقالت: يا رسول الله، إنَّ ابني هذا كان بطني له وعـاء، وثديي له سقاء، وحجري له حواء، وأراد أبوه أن ينتزعه مني، فقال صلعم: «أنت أحق به ما لم تتزوجي»(41).
وقد جعل النبيّ صلعم علي بن أبي طالب ـ كرَّم الله وجهه ـ قاضياً على اليمن، وكذلك معاذ بن جبل ومعقل بن يسار، واستعمل أبا موسى الأشعري على ناحية منها وجعل عتّاب بن أسيد واليا وقاضياً على مكة بعد فتحها.
أما من حيث تقريراته صلعم فمنها:
– إقراره صلعم سعد بن معاذ في بني قريظة عندما نكثوا العهد وقال له: «حكمت فيهم بحكم الله يا سعد من فوق سبع سماوات»(42).
– حديث أن رسول الله صلعم لَمَّا أراد أن يبعث معاذ إلى اليمن قال: «كيف تقضي إذا عرض لك قضاء؟»، قال: أقضي بكتاب الله، قال: «فإن لم تجد في كتاب الله؟»، قال: فبسنة رسول الله صلعم، قال: «فإن لم تجد في سنة رسول الله صلعم ولا في كتاب الله؟»، قال: “أجتهد رأيي ولا آلوا، فضرب رسول الله صلعم صدره وقال: «الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله»(43)، وفي هذين الحديثين دلالة واضحة على مشروعية القضاء، حيث أقرَّ صلعم أصحابه على ذلك.
أمّـَا من حيث دلالة الإجماع على مشروعية القضاء فإن ذلك ثابت لم ينازع فيه أحد، قال الشيخ خميس بن سعيد الشقصي في منهجه: “صحّ ثبوت وجوب الأحكام من كتاب الله تعالى وبسنة رسول الله صلعم وإجماع المسلمين”(44).
ويقول ابن قدامة: “وأجمع المسلمون على مشروعية نصب القضاء والحكم بين الناس؛ لأنَّ أمورهم لا تستقيم بدونه، وفيه فضل عظيم لمن قوي على القيام به، وأداء الحق فيه، لذلك جعل الله فيه أجرا مع الخطأ، ولأنّ فيه أمرا بالمعروف، ونصرا للمظلوم، وأداء للحق إلى مستحقه، وإصلاحاً بين الناس”(45).
ويقـول الخطيب الشربيني مـن الشافعية: “والإجماع منعقد على فعله، أي القضـاء سلفا وخلفـا، وقـد استقضـى رسـول الله صلعم والخلفـاء الراشدون من بعده”(46).
وأمَّا من حيث المعقول فإن العقل السليم يقضي بوجوب القيام بالقضاء على الأمة بمجموعها، وذلك أن طباع البشر مجبولة على التظالم ومنع الحقوق، وقلَّ من الناس من ينصف غيره بنفسه، والظلم أكبر الكبائر، وهو سبب هلاك الأمم وخرابها، فمنعه قبل وقوعه أو رفعه إذا وقع من أوَّل الواجبات على المسلمين.
والقضاء بأسسه وأصوله العادلة هو أكمل وسيلة لتحقيق هذا الهدف العظيم، فكان القيام به فرضاً على الأمة(47).
القضاء بين الترغيب والترهيب
إنَّ المتتبع للأحـاديث الـواردة في تـولّي القضاء كثيرة، منها المرغّب ومنها المرهّب، نعـرض بعضهـا ثم نعقّـب عليهـا بـما قيـل في تـأويل ما تحمله من معان:
أوَّلاً: أحاديث الترغيب:
1- عن عمرو بن العاص أنه سمع رسول الله صلعم يقول: «إذا حكم الحاكم فاجتهد ثُمَّ أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر»(48).
2- قال رسول الله صلعم: «ليوم واحد من إمام عادل أفضل أو خير من عبادة ستين سنة، وحدّ يقام في أرض بحقه أزكى من مطر أربعين خريفاً»(49).
3- عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ أنه صلعم قال: «هل تدرون من السابق إلى ظلّ الله يوم القيامة؟» قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: «الذين إذا سمعوا الْحَقّ قبلوه، وإذا سئلوه أعطوه، وإذا حكموا للمسلمين حكموا كحكمهم لأنفسهم»(50).
4- جـاء عن رسول الله صلعم أَنَّه قال: «يد الله مع القاضي حين يقضي»، وفي رواية: «إن الله مع القاضي ما لم يجر»(51).
5- عن عبد الله بن عمرو أنَّ رسول الله صلعم قال: «إن المقسطين في الدنيا على منابر من نور عن يمين الرحمن، وكلتا يديه يمين، الذين يعدلون في حكمهم وأهلهم وما ولّوا»(52).
ثانياً: أحاديث الترهيب:
1- أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال: قال رسول الله صلعم قال: «يأتي القاضي يوم القيامة مغلول اليدين، إمَّا أن يفكَّ عنه عدله أو يهوي به جوره في النار»(53).
2- ورد من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلعم قال: «مَن جعل على القضاء فكأنما ذبح بغير سكّين»(54). وفي رواية: «مَن حكم بين اثنين فكأنما ذبح نفسه بغير سكّين»(55).
3- عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت: سمعت رسول الله صلعم يقول: «يدعى بالقاضي العادل يوم القيامة فيلقى من شدة الحساب مـا يتمنّى أنـه لم يقض بيـن اثنين في تمرة قط»(56).
4- عن ابن عمر رضي الله عنه أن رسول الله صلعم قال: «مَن كان قاضياً عالما قضى بالجور كان من أهل النار، ومن كان قاضياً فقضى بجهل كان من أهل النار، ومن كان قاضياً عالما فقضى بعدل فبالحريّ أن ينقلب كفافا»(57).
5- عن أبي هريرة رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلعم يقول: “ليوشكنَّ الرجل أنه يتمنّى أنه خرَّ من الثريّا ولم يل من أمر الناس شيئاً”(58).
هذا والذي يتبيّن جليّا أنَّ الأحاديث الواردة في مدح القضاء والترغيب فيه إِنَّمَا هي في حق القضاء بالعدل والحق، لا مطلق القضاء، والعدل هو الهدف الأوَّل والأخير للقضاء.
أمَّا أحاديث الترهيب فهي كما يقول صاحب معين الحكّام: اعلم أن كلَّ ما جاء من الأحاديث التي فيها تخويف ووعيد، فإنما هي في حق قضاة الجور والعلماء والجهَّال الذين يدخلون أنفسهم في هذا المنصب بغير علم، ففي هذين الصنفين جاء الوعيد، وأمَّا قوله صلعم: «مَن ولي القضاء فقد ذبح بغير سكين»، فقد أورده أكثر الناس في معرض التحذير من القضاء، وقال بعض أهل العلم: هذا الحديث دليل على شرف القضاء وعظيم منزلته، وأن المتولي له مجاهد لنفسه وهواه، وهو دليل على فضيلة من قضى بالحق، إذ جعله ذبيح الْحَقّ امتحانا، لتعظم له المثوبة امتنانا، فالقاضي لَمَّا استسلم لحكم الله وصبر على مخالفة الأقارب والأباعد في خصوماتهم فلم يأخذه في الله لومة لائم حتى قادهم إلى أمر الْحَقّ وكلمة العدل، وكفّهم عن دواعي الهوى والعناد جعل ذبيح الحق لله، وبلغ به حال الشهداء الذين لهم الجنة(59).
قال قطـب الأئمة نقلاً عن بعض أهل العلم: اعلم أنَّ أكثر المؤلفين بالغ في التحذير من القضاء حتى تقرّر في ذهن كثير من الفقهاء والصالحين أنَّ من ولي القضاء فقد سهـل عليـه دينـه، وألقى بيده إلى التهلكة، وهذا غلط فاحش تجب التوبة منه، والواجب تعظيم هذا المنصب الشريف ومعرفة مكانه من الدين، فيه بعث رسول الله صلعم، ووردت في شرفه آثار، وما جاء فيه من التغليظ إِنَّمَا هو في حق من يقضي بالجور أو بلا علم، أو من يرغب فيه لترتفع به منـزلته(60).
هذا ما قاله العلماء في هذا الأمر، أسأل الله التسديد في فصل الأحكام، وأن يعفو عني فيما أخطأت فيها ممَّا مضت به الليالي والأيام. فيجب على من ابتلي ـ مثلي ـ بالقضاء أن يستعيـن بالله، وأن يعتبره من الجهاد في طاعة الله قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾(61) قال ابن عاصم من المالكية:
وذلك لـمّا أن بليـت بالــقــضـــــــا بعد شبـاب مـرّ عني وانقضـــــى
وإنني أسـأل مـن رب قــــضـــــى به عليّ الرفق منـه في القــضـــــا
والحمـل والتـوفيق أن أكـــــــونا من أمـة بـالـحـق يــعـــــــدلـــــونـــــا
حتى أرى مـن عدد الــثـــــــــــلاث وجنـة الفـردوس لي ورّاثـــــــــــــي
والحمل: القوَّة، والورّاث: التراث(62). كما أنَّ الرأي العدل والمنهج الْحَقّ أن لا يطلب المرء العاقل منصب القضاء بنفسه، ولكن إذا ابتلي به ويجد في نفسه كفاءة ومقدرة عليه فليستعن بالله، عملاً بالحديث الشريف: «من طلب القضاء واستعان عليه بالشفعاء وكل إليه، ومن لم يطلبه ولم يستعن عليه أنزل الله ملكاً يسدده»(63).
وقـد قال صلعم لعبد الرحمن بـن عوف رضي الله عنه: «لا تسأل الإمـارة، فإنك إن أعطيتهـا عن مسـألة وكلت إليها، وإن أعطيـت عن غيـر مسألة أعنت عليها»(64).
قال صاحب الأكمام الشيخ سيف بن حمد الأغبري:
وحكمـه فرض كفايــــة فَلا تطلبـه إن قـام به من عــــدلا
وإن يـكـن عليك قــــد تـــعيّنا فقـم بـه واستعـن الــمــهيمنـا
فـإنـما خطـره عـــظـــيـــــــــــــــــم وهـكـذا ثـوابه جــســيـــم(65)
ويقول الشيخ خميس بن سعيد الشقصي في منهج الطالبين: “والذي نقوله ونحبّه لمن ناصحنا في الله أنه إذا أراد الدخول في الأحكام أن ينظر أهل زمانه، ومن كان في عصره من إخوانه، فإن كان يرى أن غيره أقوى منه علما، وأحدّ فهما، وأضبط حزما في الأمور منه، أن يعتذر ويستعفي من أراد منه الدخول في الحكام، نظرا منه لله ولعباده، فيما يراه أقرب للحق وأعزّ.
وإن كان يرى أنه في زمانه وعصره، المقدّم في إخوانه من أهل مصره، ويفوقهم علماً وفهماً، وضبطاً في الأمـور، أن لا يتعذر من الدخول، ويترك الأحكام ضائعة، وأمور الإسلام غير جامعة، وسبل الحق دارسة، وشوارع الدين طامسة، رغبة في الراحة العاجلة، وعوضا من الحياة الباقية الآجلة.
وليكن دخوله في الأحكام احتسابا لله، وابتغاء مرضاته، لا رغبة في الدنيا ولا طلبا في الرياسة، ولا لاستخدام الناس، وصرف وجوههم إليه، واستجلاب نفعهم له، ويكون اعتقاده انه متى ما وجد من هو أعلى منه منزلة في العلم أن يعتذر إليه ويستعفيه، ويطلب منه المعذرة بسلامة صدر وطيب نفس.
فإن دخل على هذه الصفة ولم يقض إلاَّ بحقّ وعلم، فنرجو له من الله السلامة، ولا يضيع عند الله إحسان محسن نصح لله وأعطى لله وتورَّع عن محارم الله، واجتنب ما يسخط الله، فإنّ الله لا يضيع أجر من أحسن عملاً”(66).
إِنَّهَا كلمات من أروع ما قيلت في هذا المقام، فهي كالميزان، يعرف بها الإنسان أمر نفسه حينما يعرض عليه أمر تولّي القضاء، كلمات في طيّها نصح وإرشاد، وتوجيه لمن أراد أن يسلك طريق السداد.

السلف والقضاء
وقف السلف الصالح  حول القضاء والولاية العامة وقفة ترتعد منها الفرائص، وتنخلع معها القلوب، وكانوا حذرين من الوقوع في أمر يتمنون أن لو كُفُوا عنه، وذلك لخطورة في شأنه وعظم أمره، ومع ذلك فهم محصّنون بالعلم والورع والتقوى، قال عمر رضي الله عنه: “وددت أن أنجو من هذا الأمر كفافاً لا لي ولا عليَّ”(67)، ودعا رضي الله عنه رجلاً ليوليه القضاء فأبى فجعل يديره على الرضا فيأبي، حتى قال: أنشدك الله يا أمير المؤمنين، أيّ ذلك تعلم خيراً لي، قال: أن لا تلي، قال: اعف عنّي، قال: قد فعلت(68). وقال أبو قلابة: “مثل القاضي العالم كمثل السابح في البحر الأخضر، فكم عسى أن يسبح حتى يغرق”(69).
وهذا ابن عمر يتحاور مع الخليفة عثمان بن عفّان في أمر القضاء حينما طلبه ليولّيه القضاء فأبى، وانتهى الأمر إلى إعفائه منه، ففي المصنّف: قال عثمان لابن عمر: لتقضينَّ، قال: لا. قال:فإن أباك كان يقضي. قال: إن أبي كان إذا أشكل عليه شيء سأل النبيّ صلعم، فإن أشكل على النبيّ صلعم سأل جبريل  وإني لا أجد من أسأل، فإنه بلغني أنَّ القضاة ثلاثة: رجل جائر فهو في النار، ورجل قضى بجهل فهو من النار، ورجل اجتهد فأصاب فذلك كفاف، لا عليه ولا له، ثُمَّ قال: سمعت رسول الله صلعم يقول: «مَن عاذ بالله فقد عاذ بمعاذ». قال عثمان: بلى.
قال: فإني أعوذ بالله أن تستقضيني، فأعفاه، وقال: لا تجبرنَّ أحدا (70). قال أحد الأدباء:
وليتُ القضـاءَ وليْت الــقــــضــــــا ءَ لم يـكُ شيئـاً تـــــوَلّــيــتُــــــــــــــــه
وقد ساقني للقضاء الــــقــــضـــا ومـا كنتُ قـدماً تــمــنــــيــتُــه(71)
ويروى عن حميد بن خميس بن علي الحجري كان عالماً ومفتياً، وعليه مدار الفتوى في قرية الواصل من بديّة بعمان، وقد طلب منه أهل البلد أن يقضي بين الخصوم فامتنع، وقال لهم: أما تكفيكم الفتوى، لا أقدر على غلّ اليدين بين القبر والمحشر، وكان هذا الرجل لا يهدأ في الليل، إذ يقضيه في درس القرآن والتسبيح والتهليل، وكان له أختان يجلس لهما بعد صلاة الظهر يحفّظهما القرآن، وكانتا تقولان له: لا تتخلّف علينا عن هذا المجلس، نأنس بك فلا توحشنا، وكان يجلس معهما من النساء العابدات فيحدّثهنّ من وراء حجاب(72).
ويروى أنَّ أحد العلماء بنزوى لـمّا بلغه موت القاضي صيّر نفسه كالمجنون يمشي في الطرقات يجرّ عرجونا حتى لا يطلبه الإمام فيوليه القضاء.
وقد دُعي الإمام أبو حنيفة إلى القضاء فلم يجب حتى ضُرب ثلاث مرات، في كلّ مـرَّة ثلاثين صوتا، فقال في الثالثة: حتى أستشير أصحابي، فاستشار أبا يوسف، فقال: لو تقلّدت لنفعت الناس! فنظر إليه شبه المغضب، وقال: أرأيت لو أمرتُ أن أعبر البحر سباحة أكنت أقـدر عليه! وكأني بـكَ قاضياً، وعُرض القضاء على مُحمَّد بـن الحسن صاحب الإمـام فأبى حتى حبـس وقُـيّد فاضطرَّ فتقـلَّد حينئذ(73).
هذا، وإن ذكرنا موقف كثير من السلف امتناعهم عن تولّي القضاء فإَّنما ذلك خشـية ورهبة من الجهل والجور وعظم الأمر وخطورته، ولكن في المقابل تولاه الكثير مـن الصحابة والتابعيـن والعلمـاء والفقهـاء ليقيموا العـدل، وينشروا الحق، ويرفعوا الظلم.
ففي الحديث الشريف: «ليوم واحد من إمام عادل أفضل أو خير من عبادة ستين سنة، وحدّ يقام في أرض بحقه أزكى من مطر أربعين خريفاً»(74)، ولهذا قال سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه: “القضاء فريضة محكمة وسنة متبعة”(75).
وقال ابن مسعود رضي الله عنه: “لأن أجلس قاضيا بين اثنين أحبّ إليّ من عبادة سبعين سنة”(76).
قال مسروق بن الأجدع التابعي: “لأن أقضي بقضية فأوافق الحق أحبّ إليّ من رباط سنة في سبيل الله”(77).
ولذلك كان تولي القضاء فـرض عين على من وجب عليه (78)، ويؤخذ به جبراً خشية ضياع الأحكام، وفساد الأمور. سئل الإمام مالك: أيجبر الرجل على ولاية القضاء؟ قال: نعم، إذا لم يوجد منه عوض. قيل: أيجبر بالضرب والحبس؟ قال: نعم(79).
أما أحكام طلب وظيفة القضاء فإنها خمسة:
1- واجب، إذا كان من أهل الاجتهاد أو من أهل العلم والعدالة، ولا يكون هناك قاض، أو يكون ولكن لا تحل ولايته، وكذلك إن كان القضاء بين من لا يحل بقاؤه عليه، ولا سبيل إلى عزله إِلاَّ بتصدي هذا للولاية.
فيتعيّن عليه التصدي لذلك والسعي فيه، إذا قصد بطلبه حفظ الحقوق وجريان الأحكام على وفق الشرع.
2- مباح، إذا كان الطالب للقضاء فقيرا وله عيال، فيجوز له السعي في تحصيله ليسدّ خلّته، وكذلك إن كان يقصد به دفع ضرر عن نفسه، فيباح له أيضا.
3- مستحب، إذا كان هناك عالم خفي علمه عن الناس فأراد وليّ الأمر أن يشهره بولاية القضاء، ليعلّم الجاهل ويفتي المسترشد، أو كان هو خامل الذكر لا يعرفه وليّ الأمر ولا الناس، فأراد السعي في القضاء ليعرف موضع علمه، فيستحب له تحصيل ذلك والدخول فيه بهذه النية، قال بعضهم: وقد يستحب لمن لم يتعيّن عليه، ولكنه يرى أنه أنهض به، وأنفع للمسلمين من آخر تولاّه وهو مِمَّن يستحق التولية ولكنه مقصّر عن هذا.
4- مكروه، إذا كان سعيه في طلب القضاء لتحصيل الجاه والاستعلاء على الناس، فهذا يكـره له السعي، ولـو قيل: إنـه يحرم كـان وجهه ظاهرا، لقوله تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾(80).
قلت: التحريم هنا واضح دليله، قويّ برهانه. ويكره أيضا إن كان غنيّا عن أخذ الرزق على القضاء، وكان مشهورا لا يحتاج أن يشهر نفسه وعلمه.
5- حرام، إذا سعى في طلب القضاء وهو جاهل، ليس له أهلية القضاء أو يسعى فيه وهو من أهل العلم، لكنه متلبّس بما يوجب فسقه، أو كان قصده بالولاية الانتقام من أعدائه، أو قبول الرشوة من الخصم(81).

شروط تولّي القضاء في الفقه
هناك شروط ذكرها الفقهاء لتولّي القضاء، منها ما هو متفق عليه، ومنها ما اختلف فيه، نبيّنها فيما يأتي:
1- الإسلام (82), لقوله تعالى: ﴿وَلَن يَجْعَلَ اللّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾(83).
قال الماوردي: “القضاء ولاية، ولا ولاية للكافر على مسلم، والقاضي المسلم يجعل نصب عينيه مراقبة الله عز وجل له في قضائه، والحكم بشريعته، والكافر ليس له دين يردعه عن الجور والحيف، ولأنَّ الفاسق من المسلمين أحسن حالا من الكافر لجريان أحكام الإسلام عليه، فلمّا منع الفاسق من ولاية القضاء فإنه أولى أن يمنع منه الكافر”(84).
2- البلوغ (85): فلا يصحّ تولية الصبي القضاء؛ لأنَّه غير مكلّف، قال صلعم: «رفع القلم عن ثلاثة: عن المجنون حتى يفيق، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن النائم حتى يستيقظ»(86).
3- العقـل (87): فـلا يصـح القضاء من مجنون أو معتوه، قال القطب رحمه الله: “ويكفي من العقل صحّة التمييز، وجودة الفطنة، والبعد من السهو والغفلة”(88)، وقال ابن فرحون المالكي: “لا يكفي بالعقل المشروط في التكليف، بل لابدّ أن يكون صحيح التمييز، جيّد الفطنة، بعيدا عن السهو واللغط”(89).
4- العـدالة (90)، وهـي شرط عند جمهـور الفقهـاء، قال القطب ـ رحمه الله ـ: “ولا الفاسـق ـ أي لا يولّى الفاسق ـ لأنه غير مأمون على الأحكام، ولا يوثق به (91). والعدالة: هي صفة العدل، والعدل هو الذي لم يرتكب كبيرة ولم يصرّ على صغيرة، واجتنب ما يخلّ بمروءة أمثاله.
وتتحقق العدالة كمـا يقول الماوردي: بكون الشخص صادق اللهجة، ظاهر الأمانة، عفيفاً عن المحارم، متوقياً المآثم، بعيداً عن الريب، مأمونا في الرضا والغضب، صاحب مروءة(92).
وفي المذهب تشديد على مسالة العدالة وشرطيتها في تولي القضاء حتى جعلوا الورع شـرطاً للصحة، قال القطب ـ رحمه الله ـ: والتحقيق أن العلم والورع هما شـرط صحة، وقـال: الورع تـرك الحرام والشبهات، والتوقف في الأمور والتثبّت فيها، ولا يشترط الورع الزائد عن ذلك (93)، وذلك بعد أن حكى قول العاصمي من المالكية.
ويستحبّ العلم فيــــــه والــــــورعْ مع كونه الحديث للفقه جمعْ(94)
وفي منهج الطالبين: “وقيل في بعض الآثار: إنه لا يجوز القضاء إلاَّ لمن جمع العلم والحلم والتقوى والورع والفهم”(95).
وقال نور الدين السالمي في جوهره:
يـختار للقضاء فتى ذا علـــــــــم فيما قضى عن ذنبهم ذا حــلـم
محتمـلا للـوم عفّــــــــــــــا ذا ورعْ لـم يتحـركنَّ قـطُّ لــطــــــمَعْ(96)
أمَّا الأحناف فإنَّ العدالة ليست شرط صحة عندهم، قال الكاساني: العدالة ليست بشرط لجوار التقليد، لكنها شرط الكمال، فيجوز تقليد الفاسق وتنفيذ قضاياه، إذا لم يجاوز فيها حدّ الشرع(97).
وقال صاحب معين الحكام: والعدالة ليست شرط الأهلية، بل هي شرط الأولوية، حتّى أنَّ الفاسق يصحّ قاضيا، ولكن الأفضل أن يكون القاضي عدلاً(98).
والحقيقة أنَّ الفسق علَّة مانعة، وداء خطير، فكيف يؤتمن الفاسق على دماء الناس وأعراضهم وأموالهم، أم كيف ترجى العدالة مِمَّن فقدها في نفسه، ولم يجعل لها قدراً في دينه.
5- سلامة السمع وسلامة القدرة على الكلام(99)، فلا يصحّ أن يتولّى الأبكم والأصمّ القضاء؛ لأنَّ الأبكم لا يمكنه النطق بالحكم، ولا يفهم جميع الناس إشارته، والأصم لا يسمع كلام الخصوم والشهود، ولا يستطيع التمييز بين المقرّ والمنكر.
قال القطب ـ رحمه الله ـ: لا تنعقد ولاية الأصمّ والأبكم والأعمى، ويجب عزلهم، ولو طرأ عليهم، لعدم المقصود من الفهم والإفهام(100).
ويقول القاضي أبو الوليد من المالكية: وعندي أنه ـ أي الأصم ـ ممنوع لما يحتاج إليه من سماعه دعوى الخصوم، وسماعه أداء الشهادة، وليس كل شاهد يمكنه أن يكتب شهادته فيعرضها عليه، فمنهم من لا يكتب(101).
6-الذكورة، واشترطها الجمهور وهم الإباضية والمالكية والشافعية والحنابلة والظاهرية وزفـر من الحنفية، والزيـدية والإمامية(102)، واستدلُّوا بقوله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾(103).
تدلّ الآية على القوامة في الأسرة، ولكن هذه القوامة أعطيت الرجال، فلو كانت المرأة على قدرة الرجل في تحمُّل المسؤولية لأعطيت القوامة في الأسرة، فإذا لم تعطها وهـي على مجموعة صغيرة، فكيف يجوز لها ولاية القضاء، وهي من أنواع الولايات العامة.
كما استدلوا بقوله صلعم: «لن يفلح قوم ولّوا أمرهم امرأة»(104)، فالنهي عن تولية المرأة القضاء المستفاد من هذا الحديث ليس لذات القضاء، إذ هو مشروع، وإنما هو لما يجاوره من مظنة التقصير في الحكم، بسبب نقصها الطبيعي عن الرجل، وانسياقها وراء العاطفة، وبسبب العوامل الطبيعية التي تعتريها بتوالي الأشهر والسنين من حمل وحيض وولادة وإرضاع، فتؤثر في انتظام قيامها بالقضاء وفي إصابة الْحَقّ.
تقول لجنة الفتوى بالأزهر الشريف: “إن رسول الله صلعم لا يقصد بهذا الحديث مجرد الإخبار عن عدم فلاح القوم الذين يولّون المرأة أمرهم؛ لأنَّ وظيفته عليه الصلاة والسلام: بيان ما يجوز لأمته أن تفعله حتى تصل إلى الخير والفلاح وما لا يجوز لها أن تفعله حتى تسلم من الشرّ والخسار، وَإِنَّمَا يقصد نهي أمته عن مجاراة الفرس في إسناد شيء من الأمور العامة إلى المرأة، وقد ساق ذلك بأسلوب من شأنه أن يبعث القوم الحريصين على فلاحهم وانتظام شملهم على الامتثال، وهو أسلوب القطع بأن عدم الفلاح ملزم لتولية المرأة أمراً من أمورهم، ولا شك أن النهي المستفاد من الحديث يمنع كل امرأة في أي عصر من العصور أن تتولى أي شيء من الولايات العامة وهذا العموم تفيده صيغة الحديث وأسلوبه، كما يفيده المعنى الذي من أجله كان هذا المنع، وهذا هو ما فهمه أصحاب الرسول صلعم وجميع أئمة السلف لم يستثنوا من ذلك امرأة ولا قوما، ولا شأنا من الشئون العامة، فهم جميعا يستدلون بهذا الحديث على حرمة تولي المرأة الإمامة الكبرى، والقضاء، وقيادة الجيوش، وما إليها من سائر الولايات، وهذا الحكم المستفاد من هذا الحديث، وهو منع المرأة من الولايات العامة ليس حكما تعبديا، يقصد مجرد امتثاله، دون أن تعلم حكمته، وَإِنَّمَا هو من الأحكام المعللة بمعان واعتبارات لا يجهلها الواقفون على الفروق الطبيعية بين نوعي الإنسان ـ الرجل والمرأة ـ ذلك أن هذا الحكم لم ينط بشيء وراء الأنوثة التي جاءت كلمة “امرأة” في الحديث عنوانا لها، وإذن فالأنوثة وحدها هي العلة، وواضح أن الأنوثة ليس من مقتضاها عدم العلم والمعرفة، ولا عدم الذكاء والفطنة حتى يكون شيء من ذلك هو العلة؛ لأنَّ الواقع يدل على أن للمرأة علما وقدرة على أن تعلم كالرجل، وعلى أن لها ذكاء وفطنة كالرجل، بل قد تفوق إحداهنّ الرجل في العلم والذكاء والفهم، فلا بدّ أن يكون الموجب لهذا الحكم شيئاً وراء ذلك كله، إن المرأة بمقتضى الخلق والتكوين مطبوعة على غرائز تناسب المهمة التي خلقت لأجلها، وهي مهمة الأمومة، وحضانة النشء وتربيته، وهذه قد تجعلها ذات تأثر خاص بدواعي العاطفة، وهي مع هذا تعرض لها عوارض طبيعية، تتكرر عليها في الأشهر والأعوام، من شأنها أن تضعف قوتها المعنوية، وتوهن من عزيمتها في تكوين الرأي والتمسك به، والقدرة على الكفاح والمقاومة في سبيله، وهذا شأن لا تنكره المرأة من نفسها، ولا تعوزنا الأمثلة الواقعية التي تدل على أن شدة الانفعال والميل مع العاطفة من خصائص المرأة في جميع أطوارها وعصورها…”(105 ).
وذهب الحنفية إلى جواز تولي المرأة القضاء في الأموال قياسا على قبول شهادتها في ذلك(106). وأجاز ابن حزم وابن جرير توليتها القضاء مطلقا(107), وقالوا: إن الأصل هو أنّ كل مـن يأتي منه الفصـل بين الناس فحكمه جائز، إلاّ ما خصّه الإجماع من الإمامة الكبرى(108).
واستدل مجيزو تولّي المرأة القضاء بأدلّة:
أـ الأصل في الأشياء الإباحة ما لم يقم دليل على المنع، فكلّ من يصلح للفصل في الخصومة فإنه يجوز وتصلح ولايته للقضاء، والمرأة صالحة وقادرة على الفصـل في الخصومة، وليس بها مانع من ذلك، وعليه تصح توليتها القضاء؛ لأن أنوثتها لا تحول دون فهمها للحجج وإصدار الحكم.
وأجيب: بأن دليل المنع قائم، وقد أخرج المرأة من أصل الإباحة.
بـ المرأة يجوز أن تكون مفتية فيجوز أن تكون قاضية.
ويجاب عن هذا الدليل: بأن هناك فارقا بين الإفتاء والقضاء، فالإفتاء ليس من باب الولايات، فهو إخبار عن حكم شرعي لا إلزام فيه، أما القضاء فهو إخبار مع الإلزام، وهـو مـن باب الولايات، فليس هناك جامع معتبر بينهما حتى يصح الإلحاق والقياس.
ج ـ القياس على الحسبة، فقد روي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ولّى امرأة تدعى أم الشفاء الحسبة على السوق، فيجوز أن تتولى القضاء؛لأن كلاّ منهما من الولايات العامة.
ويجاب عن ذلك: بأنه لم يصح عن عمر رضي الله عنه ذلك، فقـد قال أبو بكر بن العـربي: هـذا لم يصح فلا تلتفتوا إليه، وَإِنَّمَا هو دسائس المبتدعة في الأحاديث(109).
ويؤيد ذلك أمران: أحـدهما أنـه مخالف للحديث المتفق على صحته وهو قوله صلعم: «لن يفلـح قوم ولّوا أمرهم امرأة»، ومحال أن يخالف عمر رضي الله عنه هذا الحديث. والآخر: أن فكرة الحجاب في الإسلام، هي في الأصل فكرة عمر رضي الله عنه، حيث أشار بها على رسول الله صلعم بالنسبة لنسائه، فنزل الوحي من السماء بموافقة رأيه فيها وصارت تشريعا للأمة، فيستحيل بعد ذلك أن ينقض هذه الفكرة بتوليته امرأة على السوق لتظل طوال اليوم تخالط الرجال.
هذا ما ذكره الفقهاء حول مذهب الحنفية في تولّي المرأة القضاء، وقد بيّن بعض الباحثين مذهب الحنيفة أنه على العكس من ذلك، فتولية المرأة القضاء لا يجوز عندهم أيضا كما هو رأي الجمهور، ويأثم مَن ولاَّها ذلك، فإن قضت على هذا التولية، أو بناء على تحكيم شخصين إيّاها في نزاع بينهما نفذ قضاؤها في غير الحدود والقضاء إذا وافق الكتاب والسنة، ونصُّ تحقيقه في المسألة:
وقد أخطأ البعض في فهم مذهب الحنفية، فنسبوا إليهم أنهم يقولون بجواز تولية المرأة القضاء في غير الحدود والقصاص، أو كما يقول ابن رشد في الأموال(110)، وهذا خطأ آخر، والدليل على ذلك أمران:
الأول: نصّت كتب المذهب علـى تأثيـم مولّي المرأة القضاء، فهذا صاحب تنـوير الأبصار يقول ما نصه “والمرأة تقضي في غير حد وقود وإن أثم المولّي”(111)، وهو صريح في عدم جواز توليتها، إذ لا إثم إلا بارتكاب غير المشروع، كما أنه صريح في أن قضاءها لا ينفذ في الحدود والقصاص، وينفذ في غيرهما.
وهذا شيخ المحققين الكمال بن الهمام يقول ردا على استدلال الجماهير بحديث: «لن يفلح قوم ولّوا أمرهم امرأة» على عدم توليتها، وعلى عدم نفاذ حكمها لو وليت ما نصه”. والجواب أن غاية ما يفيده منع أن تستقضي وعدم حله، والكلام فيما لو وليت، وأثم المقلد بتوليتها، أو حكّمها خصمان فقضت قضاء موافقا لدين الله أكان ينفذ أم لا؟ لم ينهض الدليل على نفيه بحد موافقته ما أنزل الله”(112)، وهو صريح أيضا في موافقة الحنفية غيرهم في القول بعدم حل تولية المرأة القضاء، والخلاف بينهم وبين غيرهم إنما هو في نفاذ الحكم الموافق للحق بعد إثم المولّى لها، فالحنفية يقولون بنفاذ الحكم في غير الحدود والقصاص، ويقول غيرهم بعدم النفاذ.
والآخر: أن رئيس القضاة كان في أكثر العصور حنفيا، وكان إليه تقليد القضاة في جميع أنحاء البـلاد الإسلامية، ولم يؤثـر عنه قط تقليـد امرأة، ولـو كان ذلك عنـه الحنفية جائزا لا إثم فيه لوقع مرة في تلك العصور المتطاولة.
أما منشأ الخطأ في فهم مذهب الحنفية، فهو عبارة وردت في الهداية والفتح والعناية وغيـرها نصها “ويجوز قضاء المرأة في كل شيء إِلاَّ في الحدود القصاص”(113)، ففهم البعض أن المراد بلفظ القضاء التولية والتقليد، فحكى عنهم القول بجواز توليتها القضاء، وفهم بعض آخر أن المراد بالقضاء الحكم، ولما كان حكمها جائزاً نافذا كانت توليتها جائزة، إذ جواز الحكم ونفاذه فرع جواز التولية وصحتها، وإذن فيلزم من جواز الحكم ونفاذه جواز التولية والتقليد.
وتلك أفهام خاطئة فليس المراد بالقضاء في العبارة المذكورة التولية والتقليد؛ لأنَّ التولية فعل المولّي والقضاء فعل القاضي، فلا يدل أحدهما على الآخر لاختلافهما، كما أنه لا يلزم من جواز حكمها ونفاذه جواز توليتها إذا قد تكون توليتها غير جائزة، ويكون قضاؤها بناء على هذه التولية جائزا بناء على أصول الحنفية وموقفهم من النهي ومقتضاه، ذلك أنهم يقولون: “إن النهي عن الشيء إذا لم يكن لذاته، بل كان لأمر مجاور له أفاد المشروعية مع الكراهية التحريمية”، بمعنى أن المكلف لو فعل الشيء المنهي عنه فإن فعله يكون صحيحاً تترتب عليه الأحكام الشرعية مع الإثم، فمثلا النهي عن الوطء حال الحيض ليس لذات الوطء ـ لأنَّ وطء الزوجة حلال، وإنما هو لما يجاوره من الأذى، فإذا وقع وطء في الحيض أثم الزوج لارتكابه المحرّم، ولكن يتـرتب على هذا الوطء جميع أحكام الوطء المشروعة من ثبوت النسب، وحلها للزوج الأول، وتكميل المهر، وثبوت حرمة المصاهرة، ونحو ذلك، والنهي عن التولية المرأة القضاء المستفاد من قوله صلعم: «لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة» من هذا القبيل، فإن النهي عن توليتها ليس لذات القضاء، إذ هو مشـروع، وإنما هو لما يجاوره من مظنة التقصير في الحكم بسبب نقصها الطبيعي عـن الرجل، وانسياقها وراء العاطفة، وبسبب العوامل الطبيعية التي تعتريها بتوالي الأشهر والسنين من حيض وحمل وولادة وإرضاع، فتؤثر في انتظام قيامها بالقضاء وفي إصابة الحق، وتطبيقاً للقاعدة المذكورة عند الحنفية لو ولّى وليّ الأمر المرأة القضاء أثم بهذه التولية، لارتكابه أمرا غير مشروع، ولكن يكون قضاؤها صحيحاً نافذا في غير الحدود والقصاص وإذا وافق الحق، ويتبين من هذا أنه لا يلزم من جواز قضائها ونفاذه جواز تقليدها وتوليتها.
ويخلص مِمَّا تقدم أن الحنفية مع الجمهور في القول بأنه يحرم تولية المرأة القضاء، وأن الخلاف بينهم وبين الجمهور إِنَّمَا هو في نفاذ حكمها بعد إثم موليها، فالجمهور يقول: لا ينفذ حكمها مطلقاً، والحنفية يقولون ينفذ حكمها بشرطين:
ـ أن يكون ذلك في غير الحدود والقصاص.
ـ أن يوافق قضاؤها الكتاب والسنة.
وبغيرهما معا لا ينفذ لها حكم، هذا هو حقيقة مذهب الحنفية، وكل فهم له على غير هذا فهو خطأ محض.(114)
ومن هنا يتبين لك رأي الجمهور، لما يلي:.
-قـوة الأدلة التي استندوا إليها في قولهم، وحكى بعضهم الإجماع على ذلك.
-عدم صلاحية المرأة لهذه المهمة من نواح عدة:
أـ إن مهمة القضاء مهمة عظيمة خطيرة تستلزم من القاضي أن يخالط الخصوم، والشهود ويسمع منهم الدعوى والبينات، ويناقشهم فيها، وينفـرد بكاتبه أو مـزكي الشهود، والمرأة منهية من أن تخالط الرجال وتخلو بهم.
ب ـ القضاء فرع عن الإمامة العظمى، والتي يُختار لها الأكمل والأنسب؛ لأنَّ القضاء متعلق بأموال الناس ودمائهم وأعراضهم وحقوقهم، ويجب أن يبعد عنه كل ما ينوء بحمله؛ حتى تصان هذه الحقوق وتحمى.
ج ـ إن الله ـ تبارك وتعالى ـ أوكل إلى المرأة مهمة أصيلة عظيمة القدر، ينبغي عليها أن تقوم بها وتؤديها على أكمل وأتم وجه، ألا وهي: رعاية البيت وطاعة الزوج وتربية الناشئة، فإن انشغلت بمهمة أخرى أضاعت هذه الأمانة، ويترتب على هذا ضياع البيوت، وهذا مرفوض في الشريعة الإسلامية، والتي جاءت لبناء الأسرة والبيت والمجتمع بناءً قويّاً رصيناً.
وهذا لا يعني حجر المرأة عن العمل بصورة مطلقة، وَإِنَّمَا المقصود ألا تعمل فيما يتعارض مع فطرتها ومهمتها التي أوكلت إليها، فهناك عمل التدريس والطب لبنات جنسها.
د- طبيعة المرأة الفطرية، والتكوينية مانعة من ذلك (115)، فالمرأة بطبيعتها أكثر شفقـة، وأسـرع انفعالا وتسـرعاً في الأمـور وتعتريها أمور فطرها الله ـ تعالى ـ عليها تجعلها عاجزة عن أداء هذه المهمة خير أداء.
فقد عقد المحامى كمال إمام أحمد فصلا في كتابه: “ولاية المرأة القضاء”(116) أورد فيه العديد من الدراسات المعاصرة والتي تثبت عدم صلاحية المرأة لهذه المهمة وخلاصة ما ذكره:
– المرأة يعتريها في فترة الحيض صداع وأرق وخفقان واضطرابات نفسية كالاكتئاب، وفي أثناء الحمل يحدث لها تغيرات في الجهاز العصبيّ كالأرق والخمول والاضطراب العصبي.
– تحدث للمرأة في سن اليأس اضطرابات جسمانية في الجهاز العصبي والهضمي.
– المرأة شديدة التأثر بما حولها من وقائع، وما يدور بخلدها من أفكار، ولذلك تحدث لها اضطرابات نفسية كالحزن على موت قريب، أو خوف من حمل أو غيره.
– في فتـرة النفاس تتعرض المرأة لاكتئاب وقد يستمر معها فترة من الزمن.
ثم أورد بعض الدراسات التي أجريت على طبيعة المرأة التكوينية وأثرها على عملها وسلوكها كالدراسة التي قامت بها د. سوسن الغزالية في الإرهاق والإنجاب، والدراسة التي قام بها علماء أمريكيون في المعهد الطبي الأمريكي حول ” الفروق البيولوجية بين الرجل والمرأة وأثر تلك الفروق”.
وخلاصتها: أن الفروق أعمق مِمَّا كان يتصورون، وأن الاختلافات بينهما تصل لمستوى الخلية البشرية، والرجال والنساء يختلفون حتى في أنماط مرضهم ودورة حياتهم، وأن هذه الاختلافات من شأنها أن تحدث فرقا في استجابة الذكور والإناث للأدوية(117).
كذلك ما جاء في بحث: “المعجزة العلمية في قوله تعالى: ﴿ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى﴾(118)” للدكتور عبد الوهاب الراوي، حيث أعد هذا البحث وبين فيه حقائق كثيرة يجب الوقوف عليها وخلاصة ما ذكره:
• كانت هناك حالات محدودة من النساء اللاتي تفوّقن ـ استثنائيا ـ على الرجال في بروزهن في مناصب الإدارة العليا، ولكن كانت نسبة هذه الحالة في التاريخ الحديث جزئية استثنائية إلى نسبة الرجال، والمنطق القياسي لا يسمح باستخراج قاعدة في حالات استثنائية جزئية، ثم ذكر أمثلة لذلك.
• تمكنت مجموعة من علماء الجهاز العصبي في أمريكا من التوصل إلى استنتاجات عميقة، حيث تبين أن دماغ الذكر والأنثى مختلفان، فالرجال يركزون على أداء عمل معين، ولا يصرف انتباههم عن ذلك معلومات طارئة أو زائدة، بعكس النساء، فقابلية التركيز معهن أقل من الرجال، فيغلب التشتت على تفكيرهن مِمَّا يزيد درجة النسيان.
• ثم ذكـر عـن بروفسـور فلسفة بأمـريكا أنه كتب يقول: “أدركت أن معظم النساء يجدن في الأمومة رضا تاما… فوقوف المرأة الأم على إطعام الجيل وكسائهم، وتعليمهم، وتربيتهم، هي مهمة رفيعة نبيلة، ترقى على مهمة كسب المال من خلال العمل”.
وعقـد الدكتور رشدي شحاتة أبو زيد كذلك في آخر كتابه: “تولية المرأة القضاء” مبحثا ذكر فيه آراء علماء الطب وعلماء النفس في تكوين المرأة، ذكر فيه التأثيرات الكبيرة التي تتأثر بها المرأة أثناء الحمل، والرضاع، والحيض والنفاس، والعدة وسن اليأس، وذكر أن هذه التغيرات النفسية والبيولوجية تؤثر على ذاكرة المرأة وقدرتها العقلية على استيعاب الحوادث، ثم ختم مبحثه بقوله: “ولا شك أن هذه الحقائق الطبية العلمية تتفق تماما مع مبادئ الشريعة الإسلامية والتي تمنع المرأة من تولي المرأة الولايات العامة ومنها القضاء في أي عصر من العصور”(119).
وإذا كانت المرأة لا تصلح للقضاء في فترة الحيض ولا فترة النفاس ولا فترة الحمل ولا فترة الإرضاع ولا فترة العدة ولا في سن اليأس فمتى تصلح؟ وصدق الله العظيم القائل: ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى﴾( ).
-عدم نجاح تجربة المرأة في مجال ولايتها القضاء في بعض الدول، وهذا راجع أصلا لعدم صلاحيتها لهذه المهمة، وقد ذكر بعض الباحثين العديد من المواقف التي تؤيد ذلك منها:
• عقد المحامي كمال إمام أحمد في كتابه “ولاية المرأة القضاء” عدة فصول تحت هذا المعنى، أحـدها بعنوان: “وقائع تكشف ضعف النساء عن العمل بالقضاء”(120) وذكر فيه العديد من المواقف التي تؤيد ذلك، وآخر بعنوان: “أداء النساء القاضيات لا يدل على كفاءتهن في هذا المجال”(121)، وآخـر بعنوان: “عدم صلاحية المرأة للقضاء من واقع العلم التجريـبي”(122) ومن المواقف التي ذكرها: فشل قاضية أمريكية في تطبيق القانون، حيث أصدرت أمرا يحظر على الزوج الاتّصال بزوجته وطفله مع استقرار حياتهما!.
• ذكر الدكتور مجيد محمود أن وزارة العدل العراقية اختارت نخبة من النساء اللاّتي يحملن شهادة الحقوق، وفتحت لهن أبواب المعهد العالي للقضاء إلى جانب الرجال، وقلدت مجموعة من خريجات المعهد منصب القضاء، وبعد خمس سنوات قامت وزارة العدل بعزل جميع القاضيات، وأغلقت أبواب المعهد، وفصلت من كنّ فيه بتاريخ 1/9/1984م، وذلك بعد فشل التجربة تماماً، وعجز المرأة عن القيام بأعباء هذه المهمة مع ما أتيح لهن مـن فرص التعليـم والتدريب قـدراً مساوياً لما أتيح للرجال، ورغم أن بعضهن تفوقت في الجانب النظري، غير أن الجانب العمليّ كان بعكس ذلك(123).
• الدكتور مُحمَّد رأفت عثمان في كتابه “النظام القضائي في الفقه الإسلامي” أورد ما نشرته صحيفة الاتحاد (أبو ظبي 23/2/1988م) أن قاضية في روما أصيبت بالإغماء عند سماعها تفاصيل جريمة قتل(124).
– في بعض القضايا كالزنا مثلا ـ كيف يقبل أن تستجوب المرأة الجاني، ويذكر لها جريمته بكامل تفاصيلها!؟ ومنـصب القضاء يلزمه الهيبة والإجلال والوقار، فكيف تكون الهيبة لمن طبيعته الرقة!؟.
فالقضاء عمل شاق، ومهمـة عصيبة، وهي إحـدى الولايات التي رأت الشريعة الإسلامية أن الرجال أقـدر عليها، لا لشـرفها ومنصبها، وإنما لقوتها وثقـل حمل أمانتها، فإقصاء المرأة عـن توليتها القضاء ليـس إنزالا من قدرها، أو حطَّا من شأنها، ولكنه رحمة وإنصاف لها .
7- الحرية: وهي شرط من شروط تولّي القضاء، وقد انقضى زمن العبودية، فلا داعي لإطالة الكلام في هذا الشرط.
8- البصر: واشترطه الجمهور وهم الحنفية والمالكية والحنابلة والشافعية على الراجح معهم، وأحد قولي الإباضية، وأكثر الشيعة(125).
معلّلين بأن الأعمى لا يعرف المدعي من المدعى عليه، والمقرّ من المقَرّ له، والشاهد مـن المشهود له، والحـاكم مضطرّ إلى أن ينظـر لكل من يطلب عنـده مطلبا مـن مطالب الْحَقّ، والأعمى وإن كان يميّز الأصوات، فإنه لا يُمّيز إلاَّ الصوت المتكرّر عنده.
وقيل: بجواز تولية الأعمى، وعليه بعض الإباضية(126) وقـول مرجـوح عن الشافعية(127)، قال ابن أبي الدم الحموي الشافعي: واحترزنا بالبصر عن الأعمى، فلا يصح تقليده القضاء على المذهب الصحيح، وحكى الجرجاني قولا قديما بعيداً أَنَّه يصـح تـوليته وهـو قـول غريب، لم أر أحـداً حكـاه غيره، ومثله لا يعدّ في المذهب(128).
وقـال العلاّمة أبـو بكر أحمد بن عبد الله بـن موسى الكندي صـاحب المصنّف: قيل: كـان مسبّـح بن عبد الله أعمى، وكـان يقضي في نزوى بين الناس في أيّام غسَّان الإمام.(129)
قال نور الدين السالمي في جوهره:
والخلف في الأعمى فقيل يــقــضـي بينهما وقيـل ليـس يـــــــقــضــــــــــي
إذ لا يكـون حاكما مَن لم يكن يصلح شاهدا على وصف زكــن
لأنـما الحكم علـى الأشخــــــاص يـحتاج للإبـصار والإشــــــخـــــــاص
والمنـع ظاهـر إذا ما كــــانـــــــــــــــــا هنـاك جبـر يلـزم الإنــــــســـــــانــــــا
أمـا إذا لم يـك فيـه جــــــبـــــــــــــــــــر فليـس للمـنـع مـحـلّ يــعـــــــــــــــــــرو
لأنـما كـلامـــــــــــــــه مـــــــوجّــــــــــه في الحكم في الدعوى التي توجّـه
وذاك كالإفـتاء هـل مــن مــانــــــــع لـه مـن الإفتاء بـأمـر نـــــافـــــــع (130)
وأدلة المجيزين لتولّي الأعمى القضاء أنَّ شعيباً  كان أعمى، والقضاء بعض وظائف الرسل.
وردّ: بأنَّ عمى شعيب لم يثبت، ولا هو مِمَّا يتفق وصفات الرسل.
ومن أدلتهم: أنَّ النبيّ صلعم ولّى ابن أمّ مكتوم على المدينة أثناء غيابه، والقضاء يندرج في الإمارة.
وردّ: بأن استخلافه كان في إمامة الصلاة، والإمارة أسندت إلى أبي لبابة(131)، والحقيقة أنَّ شرط سلامة حاسة البصر لمن يولّى القضاء ضرورية في هذا العصر لما ذكره الجمهور، ولما يقتضيه من مطالعة الأوراق المقدمة في الدعوى وقراءتها وفحصها، التي كثرت في عصرنا الحاضر، وامتلأت ملفات المحاكم بها، من أول ما تقدم الدعوى وإلى تنفيذ الحكم الصادر فيها، ثُمَّ إنه من قواعد الفقهاء في هذا المجال قولهم: “السلامة من الآفات أهيب لذوي الولايات”(132).

9- الاجتهاد:
وعرّفه الوارجلاني بـ”استفراغ الوسع في طلب علم الحادثة”(133)، وقال العوتبي في تعريفه: “الاجتهاد بذل المجهود في طلب حكم الحادثة”(134)، ومن النصوص الضابطة لشروطه ما قاله الوارجلاني: “إن الذي يجوز له الرأي والاجتهاد في النوازل، من كان عارفا بوضع الأدلة مواضعها من جهة العقل والشرع والتوقيف فيها، ويكون عالما بأصول الديانات وأصول الفقه، وعالما بأحكام الخطاب في فنون الشريعة من العموم والخصوص، والأوامر والنواهي، والمفسّر والمحمل، والمنصوص والمنسوخ. ويعلم من النحو واللغة وما يفهم به معاني الكلام، كلام العرب، فإنه يحتاجهما للقرآن والسنة والآثار، ويحتاج في السنة والآثار إلى طريقهما، فإنه لا غنى للسنة والآثار عن تصحيح طرقهما، وعوفينا في القرآن من ذلك؛ لأنَّ الله تعالى تولّى حفظه، وأجمعت الأمة على متنه، فإن حرم المجتهد شيئاً من هذه الشروط كان راوية لا عارفا، ومتفقهـا لا فقيها، ويكـون صحيح الأمـانة، مأمـون الخيانة، سليم الديانة”(135).
وقد اختصر الغزالي شروط الاجتهاد كلها في اثنين:
أ ـ الإحاطة بمدارك الشرع، والقدرة على الاستنباط.
ب ـ العدالة، واجتناب المعاصي القادحة(136).
واشترط بعض العلماء حفظ القرآن والسنة ومعانيها، وآثار من قبله من المسلمين، ورجّح نور الدين السالمي عدم اشتراط ذلك(137).
والقدرة على الاجتهاد شرط في تولي القضاء عند الإباضية في القول الراجح وعند الشافعية والحنابلة والظاهرية وجمهور المالكية(138).
مستدلين بقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللّهُ وَلاَ تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيمًا﴾(139). وقوله: ﴿ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾(140). ففي الآية الأولى بيان أن النبيّ صلعم كان يقضي بين الناس بما أوحى الله إليه بالنص الصريح أو الاجتهاد. وفي الآية الثـانية أمر بردّ التنازع إلى كتاب الله وسنته، ولا يكون ذلك إلا من مجتهد.
وذهب بعض العلماء إلى عدم اشتراط الاجتهاد، فيجوز أن يولّى المقلّد القضـاء(141),قال القطب ـ رحمه الله ـ وأهل القضاء: عدل، ذكر، فطن، مجتهد إن وجد، وإلاّ فأمثل مقلدّ(142).
وهذا القول هو أنسب لزماننا، فأين من يملك أدوات الاجتهاد في هذا العصـر، ولكن لا يجوز أن يولّى الجاهل الذي لا يعرف القدر الكافي من الأحكام، وليس عنده من اللغة العربية ما يفهم بها الكلام، فالجاهل يفسد أكثر ممّا يصلح، والله المستعان.
قال المازري في اشتراط كون القاضي نظّارا(143): هذه المسائل تكلم عليها العلماء الماضون لـمـّا كان العلم في أعصارهم كثيراً منتشراً، وشغل أكثر أهله بالاستنباط والمناظرة على المذاهب، وأما عصرنا هذا فإنه لا يوجد في الإقليم الواسع العظيم مفت نظّار، قد حصّل آلة الاجتهاد، واستبحر في أصول الفقه ومعرفة اللسان والسنن والإطلاع على ما في القرآن من الأحكام، والاقتدار على تأويل ما يجب تأويله، وبناء ما تعارض بعضه على بعض، وترجيح ظاهر على ظاهر، ومعرفة الأقيسة وحدودها وأنواعها وطرق استخراجها وترجيح العلل والأقيسة بعضها على بعض، هذا الأمر زماننا عار منه في إقليم المغرب كله، فضلاً عمن يكون قاضياً على هذه الصفة، فالمنع من ولاية المقلد القضاء في هذا الزمان تعطيل للأحكام وإيقاع للهرج والفتن والنزاع، وهذا لا سبيل إليه في الشرع، ولكن تختلف أحوال المقلدين، فربما ولّى ولاة الأمر عامّـيّا لغناه عما في أيدي الناس، وتحليه باسم العدالة وسَمْت الوقار، ولكنه ليس معه من التخصيص ومجالسة العلماء ومطالبة ما يخرجه عن أهل الغباوة والجهل ويلحقه بطبقة من يفهم ما تقول الخصوم بين يديه، فهذا لا ينبغي أن يولّى قضاءً ولا يُوثَقُ به فيه، انتهى، وكانت وفاة المازري سنة ست وثلاثين وخمسمائة.(144)
هذا وقد ذكر الفقهاء شروطاً أخرى لتولّي منصب القضاء، وأطلقوا عليها شروط الكمال وهي:
1- الكتابة: وهي في الحقيقة تعتبر في عصرنا من الشروط الواجبة، فالأمّية في الكتابة تكاد غير موجودة، وقد تعدت الكتابة باليد إلى الكتابة بجهاز الحاسوب وغيره، والذي لا يجيدها فهو أمّيّ في هـذا العصر بمفهوم التقدم العلمي والتكنولوجي.
2- أن يكون غير محدود، أي لم يقم عليه حدّ شرعي لارتكابه ما يوجب ذلك.
3- أن لا يكون مطعونا عليه في نسبه بولادة لعان أو زنى، حتى لا تقلّ قيمته بين الناس إذا عرفوا عنه ذلك، فيبقى محتقراً عندهم.
4- أن لا يكون فقيراً، وهكذا كفلته الأنظمة الحديثة التي أعطت القضاة رواتب مجزية في كلّ الدول.
5- أن يكون غير مستضعف، لأهمية شخصيته في المجتمع.
تلك خمسة أوصاف ينتفي عنها، وخمسة أخرى لا ينفك عنها:
1- الفطنة. 2- النزاهة. 3- المهابة.
4- الحلم. 5- استشارة أهل العلم والرأي.
ومن الصفات المستحبة في القاضي:
1- أن يكون ورعا؛ لأنَّ الورع يحمله على تحرّي الْحَقّ.
قال ابن حبيب من المالكية: إن لم يكن علم فعقل وورع، فبالعقل يسأل، وبـالورع يقف، فإن الورع ترك الحرام والشبهات، والتوقف في الأمور والتثبت فيها(145).
وقد مرّ ما رجّحه القطب ـ رحمه الله ـ من أن الورع شرط صحّة لا كمال.
2- أن يكون كامل المروءة فإن كمال المروءة يجعله مبتعدا عن سفاسف الأمور، متقبَّل الأحكام عند الناس، لما له من هيبة واحترام.
3- أن لا يكون مدينا لأحد؛ لأنَّ في الدين منّة على المدين.
4- ألا يكون محدوداً.
5- أن يتخذ أعوانا من أهل الصلاح ليخبروه بما يسمعونه عنه وعن شهوده.
6- أن يؤدب من يسئ إلى مجلس قضائه.
7- ألا يباهى بماله من جاه أو مال.
8- أن يكون جميل الهيئة ظاهر الأبهة، وقور المشية والجلسة.
9- أن يجتنب فضول الكلام.
10-أن يكون قليل الإشارة بيده عند تكلمه.
11- أن يكون ضحكه تبسّما.
12- أن يكون نظره فراسة، وإطراقه تفهّما.
13- أن يرتدي دائما أجمل زيّه.
روى الشعبي أن رجـلاً كان يهـدي كل عـام جزورا إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه وذات يوم خاصم رجـلا فرفع أمرهما إلى عمر رضي الله عنه فلما مثلا بين يديه، قال صاحب الجزور موجها الكلام للخليفة: يا أمير المؤمنين، اقض بيننـا قضاء فصـلا كما يفصل الرجـل من سائر الجـزور، فقضى عمر عليـه، وكتب إلى عمـّاله: ألا إنّ الهدايا هي الرشا فلا تقبلُنَّ من أحد هدية.
14- أن يتأنى في إصدار الحكم، فقد قال صلعم: «إذا تأنيت أصبت أو كدت تصيب، وإذا استعجلت أخطأت أو كدت تخطئ».
ومن الصفات المستحبة أيضا في القاضي سلامة أطرافه، وبهجة صوته، وزيادة ورعه وزكاته وتقواه، وحسن الأحدوثة عنه ـ أي الحديث حسَن عنه بين الناس ـ وخلوّه عن الشبهات في الاعتقادات، وتضلّعه في علم الشروط ـ علم الصكوك الشـرعية والكتابة العدلية ـ، والأقضية والحكومات، فإنها أمر وراء الفقه، واستمداده من علم الأدب المانـع من اللحن والسقط، واتصافـه بكل جميلة تزيده هيبة في النفوس، وعظمة في القلوب، وخلوّه من كل ما ينقص قدره ومنزلته في أقواله وأفعاله (146).
وعن الربيع بن حبيب عن رجل من أهل مكة يقال له: المنهال بن صالح عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: إذا كان في القاضي خمس خصال فقد كمل أمره، وإن كانت أربع فوصمة، يعني عيباً، أو ثلاث فوصمتان، قيل، وما هي يا أمـير المؤمنين؟ قال: علم ما كان قبلـه من الآثار، والتنـزّه عن المطامع، والحلم عـن الخصوم، وعـدم الاستخفاف بالأئمة في خلاف الْحَقّ، ومشاورة أولي الرأي والدين(147).
وقال الزهري: ثلاث إذا كنَّ في القاضي فليس بقاض “إذا كره اللوائم، وأحبَّ المحامد، وكره العدل”(148).
وقال موهب قاضي عمر على فلسطين: إذا لم يكن للقاضي ثلاث خصال فليس بقاض: يشاور وإن كان عالما، ولا يسمع شكيَّة أحد وليس معه خصمه، ويقضي إذا علم(149).
وقد كتب الإمام علي ـ كرَّم الله وجهه ـ إلى عامله في مصر الأشتر النخعي يضع له الشروط التي يجب أن تكون فيمن يختاره للقضاء، ويبيّن له الصفات الواجبة والمستحبّة في القاضي: “ثم اختر للحكم بين الناس أفضل رعيتك في نفسك، مِمَّن لا تضيق به الأمور، ولا تمحكه الخصوم، ولا يتمادى في الزلّة ولا يحصر (أي يضيق صدره) من الفيء إلى الحق إذا عرفه، ولا تشرف نفسه على طمع، ولا يكتفي بأدنى فهم دون أقصاه، وأوقفهم في الشبهات، وآخذهم بالحجج، وأقلّهم تبرّما بمراجعة الخصم، وأصبرهم على تكشّف الأمور، وأصرمهم عند اتّضاح الحكم، مِمَّن لا يزدهيه إطراء، ولا يستمليه إغراء، وأولئك قليل، ثم أكثر تعاهد قضائه، وأفسح له في البذل بما يزيل علته، وتقلّ معه حاجته إلى الناس، وأعطه من المنزلة لديك مالا يطمع فيه غيره من خاصتك، ليأمن بذلك اغتيال الرجال له عندك فانظر في ذلك بليغاً”(150).

شروط تولّي القضاء في القانون
أمَّا في عصرنا الحاضر وبخاصة في بلدنا عمان فإن قانون السلطة القضائية في مادته الواحدة والعشرين حدّدت شروط متولّي القضاء بكونه:
1- مسلما، عماني الجنسية: لأن الشريعة الإسلامية هي أساس التشريع، وهو ما نصَّ عليه النظام الأساسي للدولة الصادر بالمرسوم السلطاني 101/1996 م وذلك في المادة الثانية منه ” الإسلام دين الدولة، والشريعة الإسلامية هي أساس التشريع”(151).
وكونه عمانياً ذلك لأنَّ القضاء مظهر من مظاهر سيادة الدولة، ويمارس هذه السيادة من هو فرد من أفرادها، ومرتبط بها برابطة الجنسية، وقد استثنت المادة (22) من قانون السلطة القضائية في حالة عدم وجود عماني أن يولّى القضاء من ينتمي بجنسيته إلى إحدى الدول العربية من المسلمين.
2 ـ كامل الأهلية: أي يتمتع بأهليته الكاملة التي لا يشوبها نقص أو عـدم مـن صغر أو جنون أو سفه أو عته أو غفلة.
3- محمود السيرة حسن السمعة: وهذا الشرط من الأهمية بمكان، فحتى يكون القاضي في موضع الثقة والاحترام والقبول لابدّ له من سيرة حميدة، وسلوك حسن، وسمعة مشرّفة، مبتعداً عن كل ما يخرم عدالته، ويشين مروءته.
4- حاصلاً على شهادة في الشريعة الإسلامية، أو قانون من إحدى الجامعات، أو المعاهد العليا المعترف بها.
5- ألاَّ يكون قد صدر ضدّه أحكام جزائية أو تأديبية، لأسباب ماسّة بالذمة والشرف، ولو كان قد رُدَّ إليه اعتباره.
وهذا الشرط في غاية النزاهة والحيطة من أن يتولّى القضاء شخص لوَّث سمعته بأعمال مشينة أوجبت معاقبته وتأديبه.
6-أن يجتاز الاختبارات والمقابلات التي تعقد لهذا الغرض.
وهـذا تتولاَّه لجنة مختصة معقودة لهذا الغرض، فيها من الأعضاء الشرعيين والقانونين، كلّ في مجال اختصاصه، تختبر المتقدمين لشغل وظيفة القضاء، تحريرياً وشفوياً، وتجري معهم مقابلة شخصية، ومن قبل في هذا العمل عُيّن في وظيفة قاض مساعد، وخضع لتدريب نظريّ وعملي مدَّة سنتين، فإذ لم يجتز التدريب بنجاح زيد مدة لا يتجاوز مجموع تدريبه ثلاث سنوات، وإذ لم يجتز التدريب خلال هذه المدة كلها نقل إلى وظيفة غير قضائية كل ذلك عملا بالمادة (23) من قانون السلطة القضائية.
روي عن يحي بن أكثم ـ رئيس القضاء في عصره ـ أَنَّه يمتحن من يريدهـم للقضاء، فـقال لواحد منهم: ما تقـول في رجلين زوَّج كـلّ واحد منهما أمَّه بصاحبه، فولد لكلّ واحد من امرأته ولد، ما قرابة ما بين الولدين؟ فلم يعرفهما المسئول.
فقال يحيى بن أكثم:كلُّ واحد من الولدين عمّ الآخر لأمّه.
وقيل: دخل رجل من أهل الشام على عبد الملك بن مروان، فقال: إني تزوَّجت امرأة وزوَّجت ابني أمّها، ولا غنى لي عن رفدك.
قال له عبد الملك: إن أخبرتني ما قرابة ما بين الولدين إذا ولدتاهما؟
فقال: يا أميـر المؤمنين: هـذا حميد بن مجيـد قلّدته سيفـك وولّيته ما وراء بابك، فاسأله، فقال: يا أمير المؤمنين ما قدَّمتني على العلم بالأنساب، ولكن على الطعن بالرماح، أحدهما عمّ الآخر، والآخر خاله(152).
وقيل: إنَّ امرأة أتت إلى عمر رضي الله عنه ـ فقالت: يا أمير المؤمنين إن زوجي يصوم النهار ويقوم الليل وما أحبّ أن أشكوه وهو في طاعة الله، فلم يفهم عمر.
فقال: ليس من شيء أن أمنع أحداً من عبادة ربه، وكان حاضراً عنده كعب بن سور، وقيل: إنه من أهل عمان. فقال: يا أمير المؤمنين إن هذه تقول لك: إنه ليس لها من زوجها نصيب، فقال له عمر: قد فهمت قصتها فاحكم بينهما.
فجلس الرجل للحكم بينهما، وحضرا بين يديه فقالت المرأة:
يا أيهـا القاضي الحكيم أرشده ألهى حليلي عن فراشـي مسجده
زهّـده في مضجعـى تـــعــــــبّـــــــده وخوف رب باليقيــــن يــــعــــبـده
مفتـرشا جبينـه يـــكـــــــــــــدّده نـهاره وليلـه مـــــا يـــــــــــــرقـــــــــده
ولست في أمر النساء أحــــمــده فاقض القضا يا كعب لا تـردّده
فقال كعب للزوج: ما تقول أنت؟ فقال:
إني امرؤ أوجلنى ما قد نــــــزل في سورة النور وفي السبع الطول
وفي كتاب الله تخويف جـــلل أزهدني في فرشهـا وفي الحجل
فحثها يا ذا على خير العـــمــــــل مـن طاعة الله ومـن برّ الــبــــعل
ففي القرآن واعظ لــمــن عقل
فقال كعب:
إن لها حقّاً عليـه يـــا رجــــــــــــل واحدة مـن أربـع لِمن عـــــــــقـــل
اجعل لها ذاك ودع عنك العلـــل وأنت من أمر الثلاث في مهــــل
إذاً فصنهن وقمهـن وصـــــــــــــل لا ينفـع القول بتضييع العمـــل
ثُمَّ التفت إلى عمر وقال: يا أمير المؤمنين، إن الله قد أحل من النساء مثنى وثلاث ورباع، فله ثلاثة أيام ولياليهن يعبد فيهنّ ربه، ولها يوم وليلة.
فقال عمر: والله لا أدري من أيّ أمريك أعجب، من فهمك أم من حكمك، اذهب فقد ولَّيتك قضاء البصرة. وقيل: لَمَّا قدم طلحة والزبير وعائشة البصرة، دخل كعب إلى بيت وطيّن عليه، وجعل كوّة يتناول منها طعامه وشرابه، اعتزالاً للفتنة.
فقيل لعائشة ـ رضي الله عنها ـ: إن كعب بن سور إن خرج معك لم يتخلّف من الأزد أحد، فركبت إليه فنادته فلم يجبها، فنادته الثانية فلم يجبها.
فقالت: يا كعب ألست بأمك، ولي عليك حقّ؟! فكلّمها، فقالت: إِنَّمَا أريد أن أصلح بين الناس فخرج فأخذ المصحف، ومشى بين الصفين يدعوهم لما فيه، فجاء سهم غرب فقتله، وكان خيّراً صالحاً وليس له عقب.
فأنَّى لنا اليوم بعقل راجح وفطنة متوقّدة مثل هؤلاء، وليس عندهم شهادات أكاديميَّة أو دورات تدريبيّة، فكم من حامل شهادة في هذا العصر ويتقدّم لطلب وظيفة القضـاء وهو لا يعرف من القضاء أبجدياته، ولا يستطيع صعود سلَّم مستوياته.
هذا، ويمكن أن يتولّى وظيفة القضاء مباشرة دون الدخول في تدريب وغيره حسبما نصّت عليه المادة (25) من قانون السلطة القضائية وذلك مِمَّن اشتغل بتدريس الشريعة الإسلامية أو القانون، في الجامعات والمعاهد العليا المعترف بها، أو مارس مهنة المحاماة مدة لا تقل عن:
أ ـ ثلاث سنوات، إذا كان التعيين في وظيفة قاض.
ب ـ ستّ سنوات، إذا كان التعيين في وظيفة قاضي ابتدائية ثان، منها بالنسبة إلى المحامين سنتان أمام المحاكم الابتدائية.
ج ـ ثماني سنوات، إذا كان التعيين في وظيفة قاضي ابتدائية أوَّل، منها بالنسبة إلى المحامين ثلاث سنوات أمام المحاكم الابتدائية.
د ـ اثنتي عشرة سنة، إذا كان التعيين في وظيفة قاضي محكمة استئناف، منها بالنسبة إلى المحامين سنتان أمام محاكم الاستئناف.
هـ ـ سبع عشرة سنة إذا كان التعيين في وظيفة قاضي المحكمة العليا، منها بالنسبة إلى المحامين سنتان أمام المحكمة العليا.
كما أعطت المادة (26) من القانون نفسه الجواز لتولي القضاء من مضى على اشتغاله بأعمال نظيرة مدة لا تقل عن:
أ ـ خمس سنوات، إذا كان التعيين في وظيفة قاض.
ب ـ ثماني سنوات، إذا كان التعيين في وظيفة قاضي محكمة ابتدائية ثان.
ج ـ عشر سنوات، إذا كان التعيين في وظيفة قاضي محكمة ابتدائية أول.
د ـ أربع عشرة سنة، إذا كان التعيين في وظيفة قاضي محكمة استئناف.
هـ ـ تسع عشرة سنة، إذا كان التعيين في وظيفة قاضي المحكمة العليا
والأعمال القانونية النظيرة حدّدها القرار الوزاري (128/2001م) الصادر من وزير العدل، وهي:
ـ أعمال التحقيق والإفتاء وإبداء الرأي في المسائل القانونية.
ـ أعمال العقود ومراجعتها، أعمال البحوث القانونية، أعمال التوثيق.
ـ إعداد ومراجعة مشروعات القوانين واللوائح والقرارات ذات الطابع التنظيمي.
ـ الأعمال شبه القضائية بالمحاكم، وتشمل: الصكوك والتركات وأمناء السرّ.
ـ أعمال اللجان ذات الاختصاص القضائي.
ـ أعمال التحكيم في المواد المدنية والتجارية.
ـ أعمال التحقيق وجمع الاستدلالات التي يقوم بها ضبّاط الشرطة (153).
منهجيّة عمل القاضي
رسائل مأثورة في عقود التولية والأعمال التي يسير عليها القاضي
لقد حفل الفقه الإسلامي بمجموعة من عقود التولية، تبيّن المنهجية التي يسير عليها القاضي في عمله، ويسترشد بها في أداء مهمته، فهي بمثابة الدستور الذي ينطلق منه في تعامله مع نفسه والخصوم والمجتمع، فضلاً عمَّا سبق الحديث عنه حول عليّ ومعاذ حينما وجهّهما صلعم إلى اليمـن، وأنار طريقهما بما يجب أن يكونا عليه، وبما يلزم أن يحكما به.
ثُمَّ إن أبا بكر الصدّيق رضي الله عنه قال لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: اعلم أنه ليس شيء أعظم عند الله من الحكم، وما عظّمه فهو عظيم، وأنه صلعم لـمَّا أمر بالحكم صاح صيحة واشتّد عليه، ثم سكن لأمر الله فوفّقه، فحكم بما أمره، وأنت اليوم يا عمر إنما تحكم برأيك، وليس لك أن تترك حقوق الناس، ولا تلبس عليهم، فاحكم بما أمرتك به، وما أشكل عليك فأرجعه إليَّ، فإن الله يوفقني كما أخبرني صلعم.
وتحاكم إليه يهوديّ ومسلم فرأى الحق لليهوديّ فقضى له، فقال: إن جبريل وميكائيل على لسانك، أحدهما عن يمينك والآخر عن شمالك، فقال له: ما يدريك لا أمّ لك؟، فقال: إنها مع كلّ قاض قضى بالحق، فإذا تركه عرجا عنه، ووكلاه إلى شياطين الإنس والجن، فقال عمر: إنِّي أحسبه كما قال(154).
وهذه “رسالة القضاء” من أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى أبي موسى الأشعري، حفظها لنا التأريخ فوق أربعة عشر قرنا، احتذى بها قضاة الإسـلام، وصدَّر بها العلماء كتبهم في موضوع القضاء، وقد أفردت لها شروح وتعليقات ودراسات، فهي بصدق رسالة من حقها أن تكتـب بماء الذهب، ونصّها:
“بسم الله الرحمن الرحيم، من عمر أمير المؤمنين إلى أبي موسى الأشعري: سلام عليك، فإني أحمد الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد: فإن القضاء فريضة محكمة وسنة متبعة، فافهم إذا أدلي إليك وأنفذ إذا تبيّن لك، فإنه لا ينفع تكلم بحق لا نفاذ له، سوّ بين الناس في وجهك ومجلسك وعدلك، حتى لا ييأس الضعيف من عدلك، ولا يطمع الشريف في حيفك، والبينة على المدعي، واليمين على من أنكر، والصلح جائز بين المسلمين إلا صلحاً أحل حراما أو حرم حلالا، لا يمنعك قضاء قضيته بالأمس ثم راجعت فيه نفسك وهديت فيه رشدك أن تراجع الحق، فإن الحق ومراجعته خير من الباطل والتمادي فيه، والفهم الفهم فيما تلجلج في صدرك مما لا يبلغك في الكتاب والسنة، اعرف الأمثال والأشكال وقس الأمور عند ذلك، واعمد إلى أحبها إلى الله وأشبهها بالحق فيما ترى، اجعل للمدعي حقا غائباً أو بينة أجلا ينتهي إليه، فإن أحضر بينة أخذت بحقه، وإلا وجهت عليه القضاء، فإن ذلك أجلى للعمى، وأبلغ في العذر، والمسلمون عدول بعضهم على بعض، إلا مجلودا في حدّ، أو مجرّبا عليه شهادة زور، أو طعينا في ولاء أو نسب، فإن الله تعالى تولى منكم السرائر، وردّ عنكم بالبينات والأيمان، وإياك والقلق والضجر والتأذي بالناس والتنكر للخصـوم عند الخصومات في مواطن الحق التي يوجب الله بها الأجر ويحسن بها الذخر، فإنه من يصلـح ما بينه وبين الله ولو على نفسه يكفيه الله ما بينه وبين الناس، ومن تزين للناس بغير ما يعلم الله منه شانه الله، فما ظنك بثواب الله في عاجل رزقه وخزائن رحمته والسلام” (155).
وكتب عمر إلى أبي موسى أيضا:
“أقـم الْحَقّ ولو ساعة من نهار، وأخف الفساد، واجعل لهم يدا يدا، ورجْلا رجْلا، وآس بين الناس، وتعاهد رعيتك، وإيَّاك يا عبد الله بن قيس أن تكون بمنـزلة البهيمة، إذا مرَّت بواد خصيب فلم تكن لها همَّة إلاَّ السِمَن، وَإِنَّمَا حتفها في سمنها”(156).
وقال لعمَّار بن ياسر لَمَّا أراد أن يبعثه إلى الكوفة: اسمع ما أقول لك يا عمَّار: إن أول أمرك كان ما علمت: تعبد الأصنام، وتذبح للأوثان، أضلّ الضالين، وأجهل الجاهلين، ثُمَّ استنقذك الله من ذلك، فعبدته وحده، وجاهدت في سبيله، وكنت خير أصحابك.
وَإِنَّمَا كنت تلي نفسك، وقد ولّيتك أمة من الأمم، في دمائهم وأموالهم، وعيالهم وذراريهم، تحكم فيهم برأيك، فطوبى لك إن أنقذتهم، وعدلت فيهم، وكدت أحد الرجلين، أصلحت نفسك وصاحبك، وبؤساً لك إن أفسدت نفسك، وأفسدت صاحبك.(157)
وكتب عمر رضي الله عنه أيضا كتاباً لعتبة بن غزوان:
“إني قد استعملتك على كبير الهند، وهي حومة من حومات العدو، وكفاك الله ما حولها، وأعانك عليها، وقد أمرت العلاء بن الحضرمي: أن يمدك بعرفجة بن هزيمة الأزدي، وهو ذو مجاهدة للعدو، وقد بلي وبلوت، ورجوت وجرّبت، فإذا قدم عليـك فأنت أميره، وهو على جنده، يطيعك ولا يتعدى أمرك، فاستشره وقرّبه؛ فإنه خير وزير مع أمير. وادع إلى الله، فمن أبى فالجزية على صغر وذلّة، وإلا فالسيف في غير هوادة، واتق الله فيما ولّيت، وإياك أن يقدمك إلى كبير، وأن يفسد عليك أخرى لك؛ فإنك صحبت رسول الله صلعم، إذ صاحبته قليلاً فنمّاك بالخير، ونما بك بعد الضعف والذلة، حتى صرت أميراً مسلّطا، وملكا مطاعاً، تقول فيسمع لك، وتأمـر فيطاع أمرك، فيا لها نعمة، إن لم ترفعك فوق قدرك، وتطُل من دونك. احتفظ من النعمة احتفاظك من المعصية، فو الله لهي أخوفها عندي عليك أن يَستدرجك ويخذلك وتقول: إن لك فأضيق من عدلك، وأرتفع فتسقط سقطة فتهوي به في نار جهنم(158).
وكذلك كتب إلى معاوية بن أبي سفيان:
“أما بعد، فإني كتبت إليك كتاباً في القضاء لم أرَ لك لنفسي فيه خيراً، الزم خمس خصال يَسْلم لك دينك وتأخذ منه بأفضل حظّك؛ إذا تقدم إليك الخصمان فعليك بالبيّنة العادلة واليمين القاطعة، وأدْن إليك الضعيف حتى ينشط قلبه ولسانه، وتعاهده فإنك إن لم تعاهده ترك حقه ورجع إلى أهله، فإنما ضيّع حقه من لم يرفع له رأساً، وعليك بالصلح بين الناس فيما لم يتبين فيه فصل القضاء”(159).
وكتب الإمام علي ـ كرم الله وجهه ـ إلى مالك بن الحارث بن الأشتر حين وجهه إلى مصر كتاباً عظيماً، لم يدع له صغيرة ولا كبيرة إلاَّ بيّنها له، فقد خطّ له الخطط، وأوضح له المنهج، وأنار له السبيل، وهداه إلى أقوم الطريق: “هذا ما عهد به عليّ أمير المؤمنين إلى مالك بن الحارث الأشتر، حين وجهه إلى مصر، لجباية خراجها، أو مجاهدة عدوها، وإصلاح أمرها، وعمارة بلادها، أمره بتقوى الله وإيثار طاعته، وإيثار ما أمر به في كتابه، ومن فرائضه وسننه، التي لا يسع أحداً إلا اتباعها، ولا يشقى أحد إلا مع جحودها وإضاعتها، وأن ينصر الله بنيته ويده ولسانه، فإنه قد تكفل بنصره وهو لا يخلف الميعاد. إني قد وجهتك إلى بلاد قد جرت عليها دول قبلك من عدل وجور، وإن الناس ينظرون قبلك من أمورك، فما كنت تنظر فيه من أمور الولاة قبلك، ويقولون فيك مثل ما كنت تقول فيهم.
وَإِنَّمَا يستدلّ على الصالحين بما يجري لهم على ألسن عباده، فليكن أحب إليك العمل الصالح، بالقصد فيما ترعى به رعيتك.
واملك هواك تسخ نفسك، فإن سخاء النفس الإنصاف منها فيما أحبت وكرهت، وأشعر قلبك الرحمة للرعية، واللطف والإحسان إليهم، لا تكن عليهم سيفا مسلولاً تنتقم، فإنّهم صنفان: إما أخ لك في الدين، وإما نظير لك في الخلق، تفرط منهم الزلة، وتعرض لهم العلل، ويؤتى على أيديهم في العمد والخطأ، فأعطهم من عفوك مثل الذي تحب أن يعطيك الله من عفوه؛ فإنك ووالي الأمر عليك فوقهم رتبة، والله فوقك وفوق من ولاّك أمره، وهو ابتلاك بهم.
لا تندمنّ على عفو، ولا تبتهجنّ بعقوبة، ولا تسرعنّ إلى بادرة وجدت عنها مندوحة؛ فإن ذلك مهلكة في الدين وتقرّب في العثر، فإذا أعجبك ما أنت فيه من سلطانك، فحدثت لك به تهمة ومخيلة، فانظر إلى عظم ملك الله وقدرته منك، على ما تقـدر عليه من نفسك، فإن ذلك يكسر من جناحك، ويطأطئ من طماحك، ويكفّ من غرذتك، ويفئ إليه من غرب عقلك. إياك ومساواة الله في عظمته والتشبه به في جبروته؛ فإن الله يذلّ كل جبار، ويهين كل مختال.
وليكن أحبّ الأمور إليك أوسطها في الحق، وأعمها في العدل، وأجمعها للرعية؛ فإن سخط العامة يجحف برضا الخاصة، وسخط الخاصة يغتفر برضى العامة، وليس أحد من الرعية أثقل من الوالي مؤنة في الرخاء، وأقلهم معونة في البلاء، وأكره للإنصاف، وأسأل بالإلحاف من الخاصة، وإنما عماد الدين وجماع المسلمين والعدة على الأعداء العامّة من الأمة.
وليكن أبعد رعيتك منهم أطلبهم لمعايبهم؛ فإن للناس عيوبا، فلا تكشف عما غاب عنك؛ فإن الله يحكم عليهم. ولا تعجلنّ إلى تصديق ساع، وإن تشبّه بالناصحين، إن شد وزراؤك من قبلك للأشرار وزيراً فلا تكوننّ لك بطانة تشركهم في أمانتك، كما أشركوا في سلطان غيرك؛ فإنهم أعوان الظلمة وخُوّان الأئمة.
جالس أهل الورع والصدق وذوي العقل والإحسان، ثُمَّ ارضهم على أن لا يطروك، ولا يمدحوك بباطل لم تفعله، فإن كثرة الإطراء تحدث الرهَق، وتدني من الغرّة.
وأكثر مدارسة العلماء، ومناقشة الحكماء في تثبيت ما صلح عليه أهل بلادك، وإقامة ما استقام به الناس قبلك؛ فإن ذلك يحق الحق ويبطل الباطل.
واعلم أن الرعية طبقات، لا يصلح بعضها إلا ببعض.
منها: جنود الله. ومنها: كتّاب العامة والخاصة. ومنها: قضاة العدل. ومنها: عمّال الإنصاف. ومنها: أهل الخزنة والخراج، ومسلمة للناس.
ومنها: التجار وأهل الصناعات.
ومنها: الطبقة السفلى من ذوي الحاجة، وكل قد سمى الله سهمه في كتابه، وشرحه لنبيه في سنته صلعم.
فالجنود حصون الرعية، ودين الولاة، وعزّ الدين، ولا قوام للرعية إِلاَّ بالجنود الذين يكونون من وراء حاجتهم، وبهم يصلون إلى عدوهم، وصلاح هؤلاء بالعمال والكتّاب، والقضاة، بما يجمعون من المنافع، ويؤمنون عليه من خواص الأمور وعوامها.
تفقّد أمـور رعيتك، ولا يعظمـنّ في نفسـك شيء قويّتهـم به، ولا تحقرنّ لطيفـا تعاهدتـهم بـه وإن قـلّ؛ فإنـه داعية لهم إلى بذل النصيحة، وحسن الظنّ بك.
ولا تدع لطيف أمورهم اتكالا على حسمها، فإن لليسير من لطفك موضعا ينتفعون به، وللحسيم موقعا لا يستغنون عنه.
ليكن….. جندك من واساهم في معونتك، وأفضل عليهم ببذلها يشبع من وراءهم من… وأهليهم، حتى يكون همهم همّا واحداً، في جهاد عدوك وعدوهم، التكرمة والإرصاد بالتوسعة، وحقق ذلك بحسن الفعال، واخصص أهل النجـدة، وأفسـح في آمالهم إلى منتهى مالك لديهم من النصيحة بالبذل وحسن التعهد والثنـاء؛ فـإن الذكر منك بحسن فعلهم يهزّ الشجاع، ويحرّض الناكل.
اعرف لكل منهم ما أبلى، ولا تضمر بلاء أمر إلى غيره، ولا تقصر به دون غاية بلائه، ثم انظر في أمر عمالك، واستعملهم اختياراً، ولا توّلهم محاباة ولا أثرة، وأوسع عليهم في الرزق؛ فإن في ذلك قوة لهم على استصلاح أنفسهم، وغنى عن تناول ما تحت أيديهم، وحجة عليهم إن خالفوا أمرك، ويسلمون أمانتك، ثم تفقدهم بالإشراف عليهم، فإن أحد بسط يده إلى خيانة بسطت عليهم عقوبتك في بدنه، وأخذته بما أصاب في عمله، ثم نصبته بمقام الذلة، ووسمته بالخيانة، وقلّدته عار التهمة منها.
وليكن نظرك في عمـارة الأرض أبلغ من نظرك في استجلاب الخراج، فإن الجلب لا يـدرك إلا بالعمارة، ومـن طلب الخراج بغيـر عمارة أخرب البلاد وأهلك العباد.
ولا يثقلنّ عليك شيء خففت به عنهم المؤنة؛ فإنه ذخر يعدّونه لعمارة البلاد، وتزيّن لولايتك والعمران…. ما حملته، ويكون خراب البلاد من عوز أهلها، وعوزهم لظن سوء الولاة بالبقاء.
واعمل عمل من يحب أن يدّخر حسن الثناء من الرعية والمثوبة من الله، والرضا من الإمام. واجعل لذوي الحاجة منـك قسما، تفرّغ لهم شخصك وذهنك، ثم تأذن لهم عليك، وتجلس لهم مجلساً تتواضع فيه لله الذي رفعك.
واخفض لهم جناحك في مجلسك، وألن لهم كفك في مراجعتك، حتى يكلمك متكلمهم، غير متعتع؛ فإني سمعت رسول الله صلعم يقول: لا تقدّس أمة إلا بأخذ الضعيف منها حقه غير متعتع.
واحتمل الخرج منهم والفيء، ونحّ عنك الضيق والأنفة، يبسط الله عليك أكناف رحمته، ويوجب لك ثواب أهل طاعته. وأعط ما أعطيت هنيئا، وامنع في إجمال وإعزاز.
وليكن أكرم أعوانك عليـك ألينهم جانباً، وأرحمهم بالضعفاء، ثم امض لكل عمله؛ فإن لكل يوم ما فيه.
واجعل لنفسك فيما بينك وبين الله تعالى أفضل تلك المواقيت، ولا يطولنّ احتجابك عن رعيتك؛ فإن احتجاب الولاة عن الرعية شعبة من الضيق، وقلة علم بالأمور، والاحتجاب يقطع عنهم ما احتاجوا دونه، فيصغر عندهم الكبير، ويعظم الصغير، ويشاب الحق بالباطل، وإنما الوالي بشر، لا يعرف ما توارى الناس به عنه من الأمور، وليست على القول سمات، تعرف بها ضروب الصدق من الكذب. وَإِنَّمَا الناس رجلان: رجل سخت نفسه بالبذل للحق، ففيم احتجابك من واجب حق تقتضيه، أو خلق كريم تسديه، وإما مبتلى بالمنع، فما أسرع كف الناس عن مسألتك، إذا تبينوا منك ذلك، مع أن كثرة حاجات الناس ما لا مؤنة فيه عليك، من شكاية مظلمة، أو طلب إنصاف.
وامتنع بما وصفت لك، واقنع فيه على حظك ورشدك، وإن ظنّت الرعية بذلك حيفا فاصحر بهم بغدرك؛ فإن تلك رياضة لنفسك، وارفق برعيتك، إن تبلغ به حاجتك من تقويمهم على الحق في خفض واحتمال.
لا تدعنَّ صلحا دعاك إليه عدوّ لله فيه رضا؛ فإن في الصلح دعة لجنودك، وراحة لهمومك، وأمنا لبلادك، فإن وقعت بينك وبين عدوك قضية، عقدت له بها صلحاً، وألبسته بها ذمة.
فحُطْ عهـدك بالوفاء، واردع ذمتك بالأمانة، واجعل نفسك جُنّة دون ما أعطيت، ولا يدعونَّك ضيق أمر لزمك فيه عهد الله إلى فسخه؛ فإنَّ صبرك على ضيق صدر ترجو فيه انفراجه، وفضل عاقبته خير من غدر تخاف تبعته.
وإيّاك والإعجاب بنفسك، والثقة بها، وحب الإطراء؛ فإن ذلك أوثق فرص الشيطان، ليمحو به إحسان المحسن.
وإياك والمنّ على رعيتك، والخلف لها بوعدك، والسرع إليها بلسانك؛ فإن في المنّ تبطيل الإحسان، والخلف يوجب المقت.
املك حميّة أنفك، وسَورْة غضبك، وسطوة يدك، وعزمة لسانك، واحترس من كل ذلك بكف التأذية وتأخير السطوة(160).
كما كتب أمير المؤمنين الحكم المستنصر بالله كتاباً فيه عهد ولاية القضاء إلى مُحمَّد بن السليم عام 353هـ، ونصه:
“بسم الله الرحمن الرحيم، هذا الكتاب أمر به أمير المؤمنين الحكم المستنصر بالله مُحمَّد بن إسحاق السليم ولاه خطة القضاء واختاره للحكم بين جميع الناس ودفعه إلى أعلى المراتب عنده في تنفيذ الأحكام، غير مطلق يده إلا بالحق، ولسانه إلا بالعدل، ورسم له في كتابه رسوماً، بدأ فيها بأمانة الله عزّ وجل، وجعل الله الشهيد بها عليه، أمره بتقوى الله العظيم، الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، وأن يجعل كتاب الله أمامه، ينظر فيـه نظر المتفكر المعتـبر، فـإنه عهد الله الذي بعث بـه نبيه صلعم، فأحلّ حلاله وحرم حرامه وأمضى أحكامه، وفارق الأمة على أنهم لم يضلـوا ما اتبعـوه، فهـو العروة الوثقى، والطريقـة المثلى، والنهج المنيـر، ودين الله القويم.
– وأمره أمير المؤمنين أن يقتدي بسنة رسول الله صلعم التي بها عملت الأئمة، وعليها اتفقت الأمة، فالحق معروف والباطل مكشوف، وبينهما متشابهات، فيها يحمد التوقف، وعندها يشكر التثبت، ففي كتاب الله تعالى رسمه، وسنة نبيه صلعم أصل الـدين وفروعه، ودليله وتأويله، ومن يرد الله به خيرا يفقهه للإقتداء بهما والاقتباس منهما.
– وأمره أن يصلح سريرته فيها يصلح الله علانيته، وأن يبرأ من الهوى فإنه مضلة عن طريق الحق، وأن يجعل الناس في نفسه سواء إذا جلس للحكم بينهم حتى لا يطمع فيه الشريف، ولا ييأس منه الضعيف .
– وأمره أن يعتبر أمره وما قلده، فيعلم أنه راكب طريقاً منتهاها إلى الجنة أو إلى النار، ليس عن أمرهما مصرف، ولا بينهما موقف، فحق لمن أراد النجاة أن يستكثر من الحسنات، ويمنع دينه مِمَّن أراد أن يدنسه في الشبهات، ويعلم إنه حاكم في ظاهره، محكوم عليه في باطنه، تطوى كل يوم صحيفته على ما أودعها، حتى ينظر فيها غدا بين يدي الله عزّ وجل (ثم توفّى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون)(161) فمن حاسب نفسه في الدنيا كان أيسر حساباً في الآخرة.
– وأمره أن يتحفّظ في حين رفع الشهادات عنه، فلا يقضي بين المسلمين منها إلا بما أقامه به التحقيق على ألسنة العدول ذوي القبول، وإن استراب في شهادة أحدهم وقتامّا فعليه أن يبحث عنها، فإن ثبت أنه ارتشى أو شهد بالهوى فله أن يسقط شهادته، ويخل عدالته تنكيلا له وتشديداً لمن خلفه، وأن يحمل على الناس معاريض الوكلاء على الخصومات ويطرح أهل اللدد الظاهر منهم، ولا يحمل فضل حجاجهم عمن لا يقوم بهم.
– وأمره أن يحترس بأموال اليتامى، ولا يوصي عليها إلا أهل العفاف عنها وحسن النظر فيها، وأن يجدد الكشف والامتحان عن أموال الناس والأحباس واليتامى، يمنع قبالتها إلا على وجوهها، مما لابد منه من التنفيذ وطلب الزيادة عند ذوي الرغبة في قبالتها.
– وأمـره أن يختبـر كاتبه وحاجبـه، ويتفقـد عنهم أحوالهم إذا غابوا عن بصره.
– وأمره أن لا يعجل في أحكامه، فمع العجل لا يؤمن الزلل، وأن يرفع إلى أمير المؤمنين ما أشكل عليه الفصل منه، ليصدر إليه من رأيه ما يعتمد عليه إن شاء الله، والله يسأل أمير المؤمنين التوفيق بمنّه وفضله(162).
وكتب المسترشد بالله أمير المؤمنين إلى قاضي القضاة ببغداد علي بن الحسن الزينبي:
“لمّا تأمل في طريقته ووجده عند الاختبار راجعاً إلى عقل رصين، ودين متين، وأمانة مشكورة، ونزاهة مخيورة، وعلم وافر، وحين راعى فيه موروث النسب فقلده قضاء القضاة بمدينة السلام وسائر الأمصار:
– أمره بتقوى الله باستشعار خشية الله.
– وأمره بتلاوة كتاب الله، وأن يجعله إماما يقتفيه، وموئلا يستند إليه في سائر أحكامه.
– وأمره بدراسة السنن النبوية وتتبع ما يتداخلها من الأخبار والفحص عن طرقها وإسنادها، وتميز قوتـها.
– وأمـره بمجالسة العلماء، ومباحثـة الفقهاء، ومناقشـة ذوي البصيرة والفهم، ومشاورتهم في عوارض الأمور المشكلة، وما زالت الشورى مقرونة بالإصابة.
– وأمره أن يختار للحكم الأماكن الفسيحة الأرجاء، ويوصل إليهم كافة الخصوم، وأن يولّي كلاّ من المقبلين عليه ما يكون بينهم مساويا.
– وأمره بالتثبت في الحدود، والاستظهار عند إقامتها بما يسكن إلى قوله من الشهود، وأن يدرأ من الحدود ما اعترضت الشبهة دليله ﴿ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾(163).
وفي بيان الشرع للعلاَّمة الكندي عهد لولاية قاض، أبان فيه كثيراً من آداب القضاء وأحكامه، بعد مقدّمة وعظيَّة مهمَّة ونصه: “بسم الله الرحمن الرحيم: عهد في ولاية قاضي وكتاب إليه إنّ أحق من آثر الحق وعمل به وراقب الله في سرائره وجهره واحترس من الزيغ والزلل في قوله وفعله، وعمل لمعاده ورجعته إلى دار فقره وفاقته، من جعل بين المسلمين حاكماً، وفي أمورهم ناظراً، فسفك الدماء وحقنها وحرّم الفروج وأحلها، وأعطى الحقوق وأخذها، ومن علم أن الله مسائله عن مقدار الذرة من عمله، وأنه ينقلب في قبضته في أيام حياته، ثم يخرج من دنياه كخروجه من بطن أمه، إما سعيدا بعمله وإما شقيا بفعله، وإنا لما وقفنا عليه من تسديد مذهبك، وحميد هديك وسيرتك، ورجونا فيك وقرباه عندك من سلوكك الطريقة المثلى واقتفاء آثار أئمـة الهدى، والعمـل بالحـق لا بالهوى، رأينا تقليدك القضاء بين أهل كذا وكـذا، وأمرناك بتقوى الله الذي لا يعجزه من طلب، ولا يفوته من هرب، وبطاعته الذي من آثرها سعد، ومن عمل بها حمد، ومن لزمها نجا، ومن فارقها هوى، وأن توصل الجلوس لمن يحضرك من الخصوم، صابرا نفسك على منازعتهم في الحقوق، ومرافعتهم في الأمور غير متبرّم في المراجعات، ولا ضجر في المخاصمات، فإنه من حلول إصابة فضل، ومواقعة حقيقـة الحكم، بغير مادة من حكم، ولا معونة من صبر، ولا سهم من كظم، لم يكن خليقا بالظفر بهما، ولا حريّا بالدرك لهما، وأن تقسم بين الخصمين إذا تقدما إليك، وجلسا بين يديك، بالسوية في لحظك ولفظك، وتعطي كل واحد منهما قسطه من إنصافك وعدلك، حتى ييأس القوي من ميلك، ويأمن الضعيف من حيفك، فإن في إقبالك بنظرك، وإصغائك بسمعك إلى أحد الخصمين دون الآخر مـا أظل الآخر عن حجته، وأدخل الحيرة على فكرته ورؤيته .
وأن تحضر مجلس قضائك من تستظهر برأيه ومعرفته، ومن له علم بوجوه الأحكام ومزاولة الخصومات، ومن يرجع إلى فهم وحجَّة ودعة وتقى، فإن أصبت أيّدك، وإن نسيت ذكّرك، وأن تقتدي في كل ما تعمل فكرك، وتمضي عليه حكمك، واستقضيتك بكتاب الله الذي جعله صراطا مستقيماً، ونورا مستبينا، فشرع أحكامه، وبيّن حلاله وحرامه، وأوضح مشكلات الأمور، فهو جلاء لما في الصدور، فما لم يكن في كتاب الله نصه، ولا فيما يؤثر عن نبي الله حكمه، اقتديت بسنته لا زائغاً عن شريعته، ولا حائداً عن طريقته، و ما لم يبيّن لك الكتاب، ولم يأتك عن الرسول صلعم حكمه، سلكت في سبيل السلف الصالح من أئمة الهدى ، الذين لم يألوا الناس اختيارا، ولم يدخروهم نصيحة واجتهادا، عالما لأنك تسعد بالعلم مِمَّن يعدل عليه، أحصى بإصابة الحق مِمَّن تصيبه فيه، لما يتعجل من جميل أحدوثته وذكره، ويدخر لك من عظم ثوابه، ويصرفه عنك من صوب ما يتقلدك وزره، وأن تكون من تحكم بشهادته أهل التقوى في أديانهم، والمعرفة بالأمانة في معاملاتهم، والموسومين بالصدق في مقالاتهم، والمشهورين بالفضل في حالاتهم، فإنك جاعلهم بين الله عزّ وجل وبينك في كل أمر تصدره، وحكم تبرمه، وأنك حقيق لا ترضى لنفسك منه إلا بما رضي الله عنـك، وتعلم أنـك قـد أبليت عذرا في تخييره أن ذلك هو القصد من نيتك، والصحة من عقيدتك ومن نفسك ومن تحسن عليه معونتك ويحضرك التوفيق في قضيتك.
ويكون من تستعين به في المسألة عن أحوال هؤلاء الشهود ومذاهبهم وما يعرفون به، وما ينسبون إليه في مجالسهم ومساكنهم أهل الورع والأمانة والصدق والصيانة، أن تحدث المسألة عنهم في كل وقت، وتفحص عن خبرهم في كل فتنة، ثم لا يكون سقوط عدالة من كنت قدمت عليه تعديله من استقبال الواجب في مثله واستعمال الصحة في أمره.
وأن تشرف على أصحابك وأعوانك ومن تجري أمورك على يده من خلفائك وأنسابك، إشرافا يمنعهم من ظلم الرعية، وتقبض أيديهم من المآكل الردية، وتدعوهم إلى تقويم أودهم، وإصلاح فاسدهم، ويزيد في بصيرة ذوي الأمانة والقوة منهم والنزاهة، فمن وقف منهم على امتثال لمذهبك وقبول لأدبك واقتصاد فيما يتقلده لك أقررته وأحسنت مقالته ومؤنته، ومن تبينت منه حيفا في حكمه وتعديا في سيرته وبسط اليد إلى ما لا يجب له تقدمت في صرفه، والاستدلال به، وألزمته ما يلزمه.
وأن تختار لكتابتك من يعرف بالسداد في مذهبه، والاستقلال فيما يتقلده، والإيثار، ولتدين من تصحبه ومن تقدر عنده تقديما لنصحك فيما يجري على يده وتوخياً لصدقك فيما يحضرك، ويغيب عن مشاهدتك فإنك تأمنه من حكمك على ما لا يؤمن عليه إلا الأمين، وتفوّض إليه من حجج الخصوم من المرفوعين إليك ما لا يفوّض إلا إلى ذوي العفاف والديانة.
وأن تتفقد مع ذلك أمره وتتصفح عمله وتشرف على ما تحت يده بما يؤيدك إلى أحكامه وضبطه ويؤمنك من وقوع خلل فيه، وأن تختار لحجّابيك من لا يتجّهم الخصوم، ولا يختص بعضهم دون بعض بالوصول، وتوعد إليه في بسط الوجه، ولين الكنف في حسن اللفظ ورفع المؤنة وكف الأذية، فتقلد ما قلدناك، عاملاً فيه بالحق عليك لله، ومستعينا على أمرك كله، فإنا قد قلّدناك جسيما، وحمّلناك عظيما، وبرئنا إليك من وزره وأمره، واعتمدناك في توخي الْحَقّ وإصابته، وبسط العدل وإقامته، واقبض لأرزاقك وأرزاق كتّابك وأعوانك وثمن قرطاسك ومؤن سائر عملك وما يجري من ذلك على القضاة، فقد تقدمنا بإرادة عليك في أوقات استحقاقك إياه، و وجوبك له، وفي الشدّ على يدك، والتقوية لأمـرك، وضم العدة التي كانت تضم إلى القضاء، من الأولياء إليك وهو مفعول إن شاء الله تعالى”(164).

الآداب العامة للقضاء
تـمهيد:
ينبغي للقاضي أن يلتزم بآداب معيّنة تقتضيها مصلحة القضاء، وتستدعيها رسالة العدل، وتستوجبها المكانة العظيمة التي يرقى إلى منصَّتها شخص تحمَّل الفصل بين الخصوم، وحمل أمانة إيصال الحقوق إلى أصحابها، فبقدر ما يكون القاضي من الالتزام والاستقامـة وحسن السيـرة، وجميل السلوك يكون له من الثقة والقبول عند الناس.
قال صاحب معين الحكام: “واعلم على أنه يجب على من ولي القضاء أن يعالج نفسه على آداب الشرع وحفظ المروءة وعلوّ الهمة، ويتوقّى ما يشينه في دينه ومروءته وعقله، أو يحطه في منصبه وهمته، فإنه أهل لأن ينظر إليه ويقتدى به، وليس يسعه في ذلك ما يسع غيره، فالعيون إليه مصروفة، ونفوس الخاصة على الاقتداء بهديه موقوفة، ولا ينبغي له بعد الحصول في هذا المنصب سواء وصل إليه برغبته فيه وطرح نفسه عليه، أو امتحن به وعرض عليه، أن يزهد في طلب الحظ الأخلص والسنن الأصلح، فربما حمله على ذلك استحقار نفسه لكونه مِمَّن لا يستحق المنصب، أو زهده في أهل عصره ويأسه من استصلاحهم واستبعاد ما يرجو من علاج أمرهم وأمره أيضا لما يراه من عموم الفساد وقلة الالتفات إلى الخير، فإنه إن لم يسع في استصلاح أهل عصره فقد أسلم نفسه وألقى بيده إلى التهلكة، ويئس من تدارك الله تعالى عباده بالرحمة، فيلجئه ذلك إلى أن يمشي على ما مشى عليه أهل زمانه، ولا يبالي بأيّ شيء وقع فيه لاعتقاده فساد الحال، وهذا من أشد مصيبة القضاء، وأدهى من كل ما يتوقع من البلاء، فليأخذ نفسه بالمجاهدة ويسعى في اكتساب الخير ويطلبه ويستصلح الناس بالرهبة والرغبة، ويشدّ عليهم في الحق، فإن الله تعالى بفضله يجعل له في ولايتـه وجميع أمـوره فرجا ومخرجـا، ولا يجعل حظـه من الولاية المباهاة بالرياسـة وإنفاذ الأوامر والتلذذ بالمطاعم والملابس والمساكن، فيكون مِمَّن خوطب بقوله تعالى ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا﴾( )، وليجتهد أن يكون جميل الهيئة، ظاهر الأبّهة، وقور المشية والجلسة، حسن النطق والصمت، محترزاً في كلامه من الفضول وما لا حاجة به، كأنما يعدّ حروفه على نفسه عدّا، فإن كلامه محفوظ وزللـه في ذلك ملحوظ، وليقلل عند كلامه الإشارة بيده والالتفات بوجهه، فإن ذلك من عمل المتكلفين وصنع غير المتأدبين، وليكن ضحكه تبسّما، ونظره فراسة وتوسّما، وإطراقه تفهّما، وليلزم من السمت الحسن والسكينة والوقار ما يحفظ به مروءته، فتميل الهمم إليه، ويكبر في نفوس الخصوم من الجرأة عليه، من غير تكبّر يظهره، ولا إعجاب يستشعره، وكلاهما شيْن في الـدين، وعيب في أخلاق المؤمنين(165).
وبعد هذه الوصيّة الجامعة المانعة التي تتعلق بالقاضي نفسيّاً وروحيّاً وأخلاقيّاً نذكر بعض الآداب الخاصة والعامة التي يجب على القاضي التحلّي بها:
1- عدم قبول الهدية إلاَّ من قريب أو صديق معتاد:
وقد قبلها سيّدنا عمر بن الخطّاب رضي الله عنه من إخوانه، وليس المراد إخوانه في النسب.
أمَّا عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه فقد ردّها، فقيل له: كان النبيّ صلعم يقبلها، فقال: كانت له هديّة ولنا رشوة؛ لأنَّه كان يُتَقَرَّب بها إليه لنبوّته لا لولايته، ونحن يتقرَّب بها إلينا لولايتنا(166).
روى أبو حميد الساعدي قال: قال صلعم: «هدايا العمّال غلول»(167).
والمقصود بالعمّال الولاة والقضاة وغيرهم مِمَّن ولي أمرا من أمور المسلمين، ويدخل في ذلك في هذا العصر كلّ موظّف في الدولة أخذ هديّة مقابل خدمة يقدّمها لمستحق.
وعنه قال: بعث النبيّ صلعم رجلاً من الأزد يقال له: ابن اللتبيّة على الصدقة، فقال: هذا لكم وهذا أهدي إليّ، فقام النبيّ صلعم فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: “ما بال العامل نبعثه، فيجيء فيقول: هذا لكم وهذا لي، ألا جلس في بيت أبيه، فينظر أيهدى أم لا؟، والذي نفس مُحمَّد بيده، لا نبعث أحداً منكم فيأخذ شيئا إلاَّ جاء به يوم القيامة يحمله على رقبته، إن بعيراً له رغاء، أو بقرة لها خوار، أو شاة تيْعَر، ثم رفع يديه حتى رأيت عفرة إبطيه، فقال «اللهم هل بلّغت ثلاثا؟».
قال نور الدين السالمي في جوهره:
وما لـه أن يقبض الــهـــدايــا إن أهـديت له من الرعــــــايـــــا
إلاَّ لمن كان لهم يــــهـــــادي قبل القضا مـن صاحب جـواد
وإن يكن قـد قبضوه جهلا تردّ للذي يكـون أهـــــــــــــــــلا
إمساكهـا عن أهلها حــرام أمسكهـا القاضي أو الإمـــام
إن تلفت فمثلــهـــــــــــا يـــــــردّ أو قيمـة الـمثل لهـم يــعـــــــــــدّ
وعمـر الثـاني وهـــــــو نــجــل عبـد العزيـز قـال لا تــحــــــــــلّ
قـد أهديت له فردّهــــا إلــى مـن كان أهداها وما تقبَّــــلا
قيـل لـه المختار مثلهــا قــبــل قال هـديّة لـه حتما تــحــــــــــــلّ
وإنـمـا في مثلنا رشـــــــــــــــــــاء بـردّها طـاب له الــثــــنـــــــــاء(168)
وقال الشيخ العلاَّمة خلفان بن جميّل السيابي في سلك الدرر:
وما له أن يقبل الــهــــــدايـــــا إلاَّ من الـمعتاد في الــبـــــرايــــا
لاسيمّا إن استـراب المعطى بأنه لبـاطـل قـد يــعــــطـــــــــــــــى
أمَّا قبولها على إبطـال حــقْ أو حقّ باطل فكفر يستحـقْ(169)
وأجاز أشهب من المالكية قبولها من غير الخصمين إذا كان صديقاً وكافأه عليها، أو كان قريباً.(170)
2- أن لا يجيب الدعوة الخاصة، وهي من العشرة فما دونها(171):
قال سحنون من المالكية: يجيب الدعوة العامة دون الخاصة، وتنزهه عن الدعوة العامة أحسن، إلاَّ أن يكون لأخ في الله، وخاصة أهله، أو ذوي قرابة، وكرَّه الإمام مالك لأهل الفضل أن يجيبوا كلَّ من دعاهم (172).
وفي فتح الأكمام:
فلا يجيب لطعام خُــصَّ بـه أهل الغنا والأقوياء فــانــتــبـــهْ
إلاَّ وليمة لعامة الــبــــشَـــــــــــرْ فإن أجاب أكلـه لم يحتجر(173)
قلت: يراعى في ذلك العادات الاجتماعيَّة، من إجابة دعوة خاصة أو عامة، ويبتعد القاضي عمَّا تحوم حوله الريبة أو الشكوك في ذلك.
3- تحريم أخذ الرشوة:
الرشوة هي: تلقّي موظّف عام أو عامل مالاً أو خدمة أو منفعة مقابل أداء عمل أو امتناع عن عمل يدخل ضمن واجباته(174).
وهي حرام باتّفاق للقاضي وغيره، قال تعالى: ﴿وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُواْ فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾(175).
قال القطب في تفسير الآية: أي لا يأكل بعضكم مال بعض، وقوله: ﴿بِالبَاطِلِ﴾ الوجه الباطل، أي لا يجيز العقل الصحيح استعماله ولا الشرع، أو يجيزه ولا يجيزه الشرع، كالرشوة والربا، وما يؤخذ على الزنى أو الكهانة أو السرقة والقمار والغصب والتطفيف وأجرة الغناء، وثمن الخمر والملاهي وشهادة الزور والخيانة في الأمانة.
والمراد بالأكل الأخذ، ولو بلا إتلاف؛ لأنَّ حبس المال عن مالكه بلا حق حرام، ﴿وتدلوا بها إلى الحكّام﴾ أي: ولا تدلوا بحكومتها بظاهر الأمر أو بحكم الجور فحذف المضاف ويدلّ لذلك قوله: ﴿إلى الحكّام﴾، إذ لا معنى لإلقائها إليهم، وإنما المراد الترافع بها إليهم بخصام الفجور، ليأخذها أو بعضها، أو يثقل الخصام على صاحبها فيتركها، أولاً تلقوها رشوة إليهم(176)، انتهى بتصرّف.
قال القرطبي: بعدما ذكر عدَّة معاني لقوله تعالى: ﴿وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ﴾، وقيل: المعنى لا تصانعوا بأموالكم الحكّام وترشوهم ليفصلوا لكم بأكثر منها، قال ابن عطية: وهذا القول يترجّح، لأنَّ الحكام مظنّة الرشا، إلاَّ من عصم وهو الأمل…
قال القرطبي: فالحكّام اليوم عين الرشا لا مظنّته، ولا حول ولا قوَّة إلاَّ بالله(177).
قلت: هذا زمان القرطبي المتوفى في ليلة الاثنين التاسع من شوَّال سنة ستمائة وإحدى وسبعين للهجرة، وهو يشكو من عمَّال زمانه، وصدق الشاعر:
كل من لاقيت يشكو دهره
فكيف بنا اليوم في عام 1431هـ في عصر خربت فيه الذمم، وقلَّت الأمانة، وصار الدرهم والدينار همَّ كلّ الناس ونار جميعهم، إلاَّ من رحم ربّك، ولا حول ولا قوة إلاَّ بالله.
قال صلعم: «لعن الله الراشي والمرتشي والرائش».
الرائش هو: الذي يسوّي الأمر بينهما .
4- شهود الجنازة وعود المريض:
لا بأس أن يشهد القاضي الجنازة ويعود المريض؛ لأنَّ ذلك من الحقوق التي تجب على المسلم فيما بينه وأخيه المسلم، وفي الحديث الشريف: «حق المسلم على المسلم خمس: ردّ السلام، وتشميت العاطس، وإجابة الدعوة، وعيادة المريض، واتباع الجنائز، وإذا استنصحك فانصح له»(178).
آداب تتعلّق بمجلس القاضي ومسكنه
1- صفاء ذهن القاضي واستقرار حالته النفسية:
قال صلعم: «إيَّاك والغضب والقلق». وقال: «لا يقضي القاضي وهو غضبان » وفي رواية: «لا يحكم الحاكم بين اثنين وهو غضبان»(179).
وفي رسالة عمر بن الخطاب رضي الله عنه لأبي موسى الأشعري السالف ذكرها: “إيَّاك والغضب والقلق والضجر والتأذّي بالناس، والتنكر لهم عند الخصومة”.
وعن ميمون بن مهران قال: بعثني عمر بن عبد العزيز ـ يعني على القضاء ـ وقال: لا تقضي على غضب ولا ضجر، وليكن من رأيك الحلم عن الخصوم، واعلم أنه لا خير في قضاء إلاَّ بفهم، ولا خير في فهم إلاَّ بحكم، ولا خير في حكم إلاَّ بفصل، ولا خير في فصل إلاَّ بعدل”(180).
ويدخل في معنى الغضب كلّ ما شغل النفس من الهم والنعاس والجوع المفرط والعطش، والتخمة، والخوف والمرض، وشدة الحزن والسرور ومدافعة الأخبثين.
قال صاحب معين الحكام: ومنها ـ أي الآداب ـ أن لا يجلس على حال تشويش من جوع أو غضب أو همّ؛ لأنَّ الغضب يسرع مع الجوع، الفهم ينطفئ مع الشبع، والقلب يشتغل مع الهمّ، فمهما عرض له ذلك لم يجلس للقضاء، وإن عرض في المجلس انصرف(181).
2- من الآداب أيضا ما قـاله العلاّمة مُحمَّد بن إبراهيم الكندي صاحب بيان الشرع:
وإذا انتهى الإمام أو القاضي في مجلسه صلى ركعتين، ثم سأل الله العافية له ولهم، وسأله العون والتوفيق، ثم ليجلس لحكم وعليه السكينة والوقار، وينبغي للقاضي إذا صار إلى مجلسه أن يسلّم على القوم لقول رسول الله صلعم: «ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم، افشوا السلام»(182).
وقال قطب الأئمة في شرح النيل: وإذا أراد أن يقضى جلس مستقبلاً، وبسمل واستعان بالله، وصلى على النبيّ صلعم، وسأل الله أن يهدي قلبه، ويثبت لسانه(183).
روي عن عمر عبد العزيز رضي الله عنه إذا جلس مجلسا قال: “بسم الله الرحمن الرحيم، لا حول ولا قوّة إِلاَّ بالله العليّ العظيم، استمسكت بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها، والله سميع عليم، وتعزّزت بالله العزيز الحكيم، وتوكلت على الله ربّ العرش العظيم، ﴿أفرأيت إن متعناهم سنين ثُمَّ جاءهم ما كانوا يوعدون، ما أغنى عنهم ما كانوا يمتّعون﴾(184) ثمَّ تَمثّل بقول ابن عبد الأعلى:
نسـرّ بـما يبلـى ونفـرح بالــمــــنى كمـا سرَّ باللذّات في النـوم حالم
نهارك يا مغـرور سهو وغــفـــــــلــة وليـلك نـوم والـردى لـــــــك لازم
وتشغل عمَّا سـوف تذكر غـبّـــه كـذلك في الدنيـا تعيش البهائم
فلا أنت في اليقظان يقظان حازم ولا أنـت في النّـوام نـاج وســـالم
ثم يقول: كم من مستقبل يوما وليس بمستكمله، ومنتظر غدا وليس من أهله، ولو رأيتم الأجل ومسيره لأبغضتم الأمل وغروره(185).
وقيل:إن شريحا قاضي عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان كلّما قعد إلى الحكم نظر في رقعة مكتوب فيها: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾(186).
3- المشورة:
يندب للقاضي أن يستشير ويستعين في ما يجهل من الأحكام أو يشكل عليه من القضايا(187).
قال تعالى مخاطبا نبيه مُحمَّدا صلعم: «وشاورهم في الأمر”(188) فامتثل أمر ربه وشاور أصحابه في كثير من المواقف، قال أبو هريرة رضي الله عنه: “ما رأيت أحدا أكثر مشورة من رسول الله صلعم لأصحابه”. وقال تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾(189)، قال الحسن البصري في هذه الآية: والله ما شاور قوم قط إِلاَّ وفقهم الله تعالى لأفضل ما بحضرتهم (190)، يعنى ما في اجتهادهم من الحكم.
وقد ذكر الفقهاء أنه يندب أن يجلس مع القضاء جماعة من الفقهاء للمشورة، قال صاحب منهج الطالبين: “وإذا تهيّأ رجلان يجالسانه من أهل العلم والورع يحضران الحكم، فـإن زلّ أرشداه، وإن غفل عن الحق أخبراه، ويقوّمان الخصوم، فهو أسلم له دنيا وأخرى”(191).
وهذا لا يتأتى في هذا العصر، الذي أخذ نظام المحاكم طابعاً خاصا، وكذلك نظام المرافعات، وأصبح القاضي يجلس على منصّة الحكم، لا يسمح لغيره أن يجلس معه، ولكن يمكن أن يستشير في غير جلسة الحكم بالطريقة المناسبة التي يراها، وقد سهّلت وسائل الاتّصال الحديثة هذا الأمر، وأصبح التحدث مع القريب والبعيد عبر زرّ يضغط، أو إشارة أو نداء فقط.
4- يجلس للقضاء في مكان فسيح بارز، يصل إليه كل أحد، ويكون في وسط البلد الذي يقضي فيه، ويكون في مجلسه مستقبل القبلة (192).
يمكن تطبيق هذه الأمور في عصرنا باختيار المحكمة في مكان بارز يصل إليه الناس بسهولة، وأن يكون مبنى المحكمة لائقا بالقضاء ومهابته، من حيث سعته وجمال تصميمه، ليضفي مهابة ومكانة مرموقة، وأن تجعل قاعات المحاكمة يستقبل القاضي فيها القبلة مهما أمكن ذلك، ففي الحديث الشريف: «لكل شيء شرف، وإن أشرف المجالس ما استقبل به القبلة».
5- لا يتضاحك القاضي في مجلسه، ويلزم العبوس من غير غضب، ويمنع من رفع الصوت عنه، ولا ينبغي أن يمازح أحداً في مجلس القضاء(193).
هذه الصفات كلها أو الآداب تورث القاضي والقضاء هيبة في نفوس الخصوم والحاضرين، إذ لا يليق بالقاضي أن يكون متضاحكا في مجلس القضاء، أو يلقي النكت ليضحك بها الآخرين.
6-لا يتشاغل بالحديث في مجلس قضائه، إن أراد بذلك إجمام نفسه(194). أي يريد دفع الإرهاق والتعب عنها، وَإِنَّمَا أن يرفع الجلسة حتى يستعيد نشاطه، ويواصل عمله.

آداب تتعلق بسيرة القاضي مع الخصوم
1- التسوية بين الخصمين في المجلس والإقبال(195).
قال العلامة الكندي صاحب بيان الشرع: “وإذا قعد الخصمان فينبغي به أن يقبل بوجهه إليهما، ويساوي بينهما في النظـر إليهما والإقبال عليهما، وينصف كل واحد منهما من الآخر في الكلام والإقبال عليه”(196).
وقال العلامة الشقصي في المنهج: “وإذا جلس إليه ـ أي القاضي ـ أعرض عنهم هنيهة حتى تجترئ قلوبهم، وتنشط ألسنتهم، ويذكرون حجتهم، ويجلس الخصمان بين يديه، ويساوي بينهما في المجلس، ولا يرفع أحدهما على الآخر(197).
قال صاحب معين الحكَّام: إذا حضر الخصمان بين يديه فليسوّ بينهما في النظر إليهما والتكلم معهما، ما لم يَلدَّ أحدهما، فلا بأس أن يسوء نظره إليه تأديبا له، ويرفع صوته عليه، لما صدر منه من اللدد ونحو ذلك، وهذا إذا علم الله تعالى منه أنه لو كان ذلك من صاحبه فعل به مثل ذلك، ويحضّهما عند ابتداء المحاكمة على التودد والوقار، ويسكّن جأش المضطرب منهما، ويؤمّن روْع الخائف والحصر في الكلام حتى يذهب عنه ذلك، ويقعدهما بين يديه ضعيفين كانا أو قويين، أو ضعيف مع قويّ، ولا يقرّب أحدهما إليه، ولا يقبل عليه دون خصمه، ولا يميل إلى أحدهما بالسلام فيخصّه به ولا بالترحيب، ولا يرفع مجلسه، ولا يسأل أحدهما عن حاله ولا عن خبره، ولا عن شيء من أمـورهما في مجلسهما ذلك، ولا يسارّهما جميعا ولا أحدهما، فإن ذلك يجرّئهما عليه ويطمعهـما فيه، وما جرّ إلى التهاون بحدود الله فممنوع، ويسوّي بينهما(198).
وفي هذا العصر نظّم مكان جلوس الخصمين بين يدي القاضي، فنصب لكلّ واحد منهما كرسيّ يجلس عليه، فلا مجال لأن يتقدَّم أحد منهما أو يتأخر.
ولكن يبقى الحديث حول المساواة بينهما في النظر والنطق والإشارة وغيرها فهذا تلزم العدالة فيه، ولا يلقّن أحداً منهما حجّة، ولا يكلّم أحدهما بلغة لا يعرفها الآخر..
ومـمَّا ورد من الآثار حول هذه الآداب ما رواه الشعبي قال: “كان بين عمر بن الخطاب وأبيّ بن كعب ـ رضي الله عنهما ـ تدارؤ في شيء، فجعلا زيد بن ثابت بينهما فأتياه في منزله، فقال له عمر: أتيناك للحكم بيننا، وفي بيته يؤتى الحكم”.
وقيل: إن عمر بن الخطاب ـ رحمة الله عليه ـ عنته منازعة في شيء، وهو يومئذ أمير المؤمنين فاجتمع هو وخصمه إلى أبيّ بن كعب، فلما دخل عليه قال له: جئتك مخاصما، فطرح إليه وسادة فجلس عليها، ثم قال عمر: هذا أول جورك، أنا أقول لك: جئتك مخاصما وأنت تطرح لي وسادة أجلس عليها؟!.
ثُمَّ قام عمر فجلس مع الخصم فنازع خصمه، فرأى أبيّ عليه اليمين، فقال له: أتحلف؟ فقال عمر: نعم، فقال أبيّ للخصم: اعف أمير المؤمنين عن اليمين، ومضى عمر في اليمين حتى انتهى(199) . وأتى الأشعث بن قيس شريحاً في مجلس القضاء، فظن شريح أَنَّه أتاه مسلّما فقرّبه وأجلسه إلى جنبه، ومع الأشعث خصم.
فقال خصم الأشعث: إِنَّمَا جئتك معه لأخاصمه إليك.
فالتفت شريح إلى الأشعث فقال: كذلك؟. قال: نعم.
قال: تحوّل مع خصمك، فتغيّر وجه الأشعث، ثُمَّ قـال: عهدي بك يا شريح وشأنك.
فقال له: يا أشعث، جهلك نعمة الله عليك، وعقوبتهما على غيرك، إني كذا كنت.
فقال الأشعث: والله لأرضينه من حقّه، ثم لا أخاصم.
فقال له: أنت وشأنك، فقام من عنده مغضبا.
ويقال: إن ابن عمّ شريح أتى شريحاً، وهو من بني عدي، فقال له: يا أبا أمية، إن لي قرابة وحقا، وإني أريد أقدّم إليك خصما لي وأحب أن تقضي لي عليه.
فقال شريح: نعم، إن شاء الله إن استطعته.
فلما كان من الغد أتى الأعرابي بخصمه إلى شريح فاختصما إليه، فتوجه القضاء على الأعـرابي، فلما رأى الأعرابي شريحاً يتجاهل عليه، قال: يا أبا أمية أين ما وعدتني؟!.
قال: الْحَقّ حال بيني وبين ذلك، ثُمَّ قضى على الأعرابي(200).
تلك أمثلة رائعة من عدالة شريح، ساوى فيها بين الخصمين، دون ميل إلى قريب أو حبيب، أو رئيـس أو مرؤوس، كذا فليسر القضاة على هذا النهج، تحقيقا للعدالة.
2- أن لا يكثر من القضاء جدّا حتى يأخذه النعاس والضجر، فإنه إذا عرض له ذلك أحدث ما لا يصلح (201).
قلت: إنَّ مـمَّا يؤسف له أن يجعل القاضي مائة دعوى وأكثر في جلسة واحدة في هذا العصر، ليقال عنه: إنه منجز فيستحق الثناء والتقدير الإيجابي، وجلُّ تلك الأحكام تنقض أو تعدَّل، فمن أين يسع الوقت في ساعات محدودة وقد لا تتجاوز خمساً أن يسمع القاضي كلام الخصمين وحججهما، ويقرأ أوراق الدعوى، ويستوعب القضيّة فيشكّل حكماً صائباً فيها، وهل العبرة بالكمّ أم بالكيف؟ وإذا كان العذر كثرة القضايا وقلَّة عدد القضاة، فإن هذا لا يبرر المسير على هذا المنهج السقيم، فالأمر لله من قبل ومن بعد.
3- معاونو القاضي:
نظراً لِما للعمل الكبير الذي يتحمّله القاضي، والمسؤولية الملقاة على عاتقه، فإنه لا يتأتى له القيام بهذه المهمة على أكمل وجه ما لم يكن بجانبه من يعينه، ويهيّئ له الظروف المناسبة لذلك، فهو إذا محتاج إلى معاونين من كتّاب ومحضرين وخبراء وموظفين في المحكمة، للقيام بالأعمال المساعدة التي يحتاج القاضي إليها .
وقـد بحث الفقهاء قديماً وحديثاً هذا الأمر، وذكروا أَنَّه من ضروريّات العمل القضائي(202) .
قال القطب: العون واحد أعوان القاضي، الذين يدفعون الخصوم ويرفعونهم، ويحضرون الخصم، ويفعلون مثل ذلك، والأصل أن تكون أجرته من بين المال، إلاَّ إن لم يتيسّر ذلك(203).
وقال: ينبغي أن يتخذ ـ القاضي ـ كاتباً أميناً عالماً فهماً ورعاً حرّا بالغا، ويقعد عن يسـار الحاكم، مـن حيث يـراه الحاكم ويعلم ما يكتب كلام الخصمين، ويكتب ما حكم به… ويتخذ ترجمانا عارفاً باللغات…. ولا يكون الترجمان إلاَّ مِمَّن تجوز شهادته(204).
ثُمَّ ذكر الخلاف في إجزاء الترجمة من اثنين أو واحد.
وقال ابن أبي الدم الشافعي عندما عدَّد آداب القاضي: الخامس: أن يرتّب له أعوانا، وهم المسمّون بالأجرياء، المرتّبون لإحضار الخصوم إذا استعدي عليهم، وينبغي أن يكونوا من ذوي الدين، وأهل الثقة والأمانة والتعفّف، والبعد عن الطمع(205).
قال صاحب معين الحكام الحنفي، يجب أن يكون أعوان القاضي في زيّ الصالحين، فإنما يستدلّ على المرء بصاحبه وغلامه، ويأمرهم بالرفق والليـن في غير ضعف ولا تقصير(206).
ومن أعوان القضاة “الجلواز”، وجمعه جلاوزة، وقد سمّوا بذلك لجلوزتهم، وهي: شدّة سعيهم بين الأمير.
قال صاحب البدائع الكاساني الحنفي: هو ـ الجلواز ـ من يقف على رأس القاضي، لتهذيب المجلس، وبيده سوط يؤدب المنافق وينذر به المؤمن، ويقال له: صاحب المجلس في عرف ديارنا(207).
وفي الفتاوى الهنديّة: إذا جلس القاضي لفصل الخصومات ينبغي أن يقوم بين يديه رجل يمنع الناس من التقدم بين يديه في غير وقتهم، ويمنعهم عن إساءة الأدب، ويقال له: صاحب المجلس، وله أسام كالشرطي والعوين والجلواز، وينبغي أن يكون معه سوط الأدب، وأن يكون أمينا غير طمَّاع، حتى لا يرشى فيميل إلى بعض الخصوم، ويترك تأديبه إذا أساء(208).
والجلواز أو الشرطي يحفظ نظام جلسة المحاكمة بالداخل، ولابدّ منه قديماً وحديثاً.
ومن أعوان القاضي “المحضِر” وهو: موظف من موظفي المحكمة مهمته القيام بتبليغ الأوراق الصادرة عن المحكمة إلى أصحابها(209).
ويكون محضر إعلان ومحضر تنفيذ، كلّ في مجال اختصاصه(210).
أمَّا كاتب الجلسة فهو ما يسمّى الآن بـ “أمين السرّ”، ونصَّ قانون الإجراءات المدنية والتجارية في المادة الخامسة والعشرين منه على ما يلي: “يجب أن يحضر مع هيئة المحكمة في الجلسات وفي جميع إجراءات الإثبات أمين سرّ، يتولّى تحرير المحضَر ويوثّقه مع رئيس الجلسة، وإلاَّ كان العمل باطلا”.
ومن أعوان القاضي أيضا “الخبراء”، والخبرة هي: “تحقيق قضائي اختياري طارئ في مسائل فنية تعتـبر مـن الوقائع، في مـوضوع نزاع معروض على القضاء للبتّ فيه”(211).
فالخبرة يحتاج إليها القاضي لإيضاح بعض الجوانب الفنية المتعلقة بالدعوى، والتي لا يحيط القاضي بها علما، فالخبرة تساعده على الوصول إلى الحقيقة.
وقد نصت المادة (99) من قانون السلطة القضائية الصادر بالمرسوم السلطاني 90/1999م على أن: “يصدر قرار من وزير العدل بتنظيم أعمال الخبرة أمام المحاكم، ويحددّ حقوق الخبراء وواجباتهم، وطرق مسـاءلتهم وكل ما يتصل بشؤونهم الوظيفية”.
ويصنف الخبراء إلى ثلاث فئات:
أ ـ خبراء الجدول وهم: الذين يتقدمون للتسجيل فيه باختصاص معيّن وفق شروط معيّنة.
ب ـ خبراء الدائرة وهـم: خبراء موظفون في وزارة العدل، تستعين المحاكم بخبراتهم.
ج ـ خبراء الجهة وهم: خبراء الجهات الحكومية الاختصاصيّون فيها، وتلجأ إليهم المحاكم بالاتّفاق مع الجهة التي يتبعونها للاستعانة بخبراتهم(212).
والله ولي التوفيق.
* * *
المراجع والمصادر:
1) ابن منظور: جمال الدين مُحمَّد بن مكرم، لسان العرب، دار صادر، بيروت، لبنان، ط1، 2000م.
2) الطبري، مُحمَّد بن جرير، أبو جعفر، جامع البيان في تفسير القرآن، دار الفكر، بيروت، لبنان، 1408هـ ـ 1988م .
3) القرطبي، أبو عبد الله مُحمَّد بن احمد الأنصاري، الجامع لأحكام القرآن، دار الفكر للطباعة والنشر، بيروت، 1405هـ ـ1985م .
4) الفراهيدي، الخليل بن أحمد، العين، تح: د. هادي حسن حمودي .
5) وهبة الزحيلي، التفسير الميسّر، ط10، دار الفكر المعاصر، بيروت، دار الفكر، دمشق .
6) الفيروز أبادي، القاموس المحيط .
7) الفضيلات، جبر محمود، القضاء في الإسلام وآداب القضاء، دار عمار، الأردن ـ عمّان، ط1، 1412هـ ـ1991م .
8) ابن فرحون، برهان الدين إبراهيم بن علي، تبصرة الحكام في أصول الأقضية ومناهج الأحكام، مكتبة الكليات الأزهرية، القاهرة، مصر، ط1، 1416هـ ـ 1986م.
9) اطفيش، مُحمَّد بن يوسف، شرح كتاب النيل وشفاء العليل، مكتبة الإرشاد ـ جدة ـ المملكة العربية السعودية، ط3، 1405هـ/1985م.
10) الشيخ نظام وجماعة من علماء الهند، الفتاوى الهندية، دار الكتب العلمية ـ بيروت ـ لبنان.
11) شمس الدين مُحمَّد أبو العباس، الشهير بالشافعي الصغير، نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج، دار الفكر ـ بيروت ـ لبنان، 1404هـ /1984م.
12) البهوتي، منصور بن يونس، كشاف القناع عن متن الإقتناع، تح: مُحمَّد حسن مُحمَّد حسن إسماعيل، دار الكتب العلمية ـ بيروت ـ لبنان، ط1، 1418هـ/1997م.
13) الصنعاني، مُحمَّد بن إسماعيل، سبل السلام شرح بلوغ المرام من جمع أدلة الأحكام، دار الكتاب العربي، بيروت ـ لبنان، ط6، 1412هـ /1991م.
14) الإمام الخميني، تحرير الوسيلة، ط1، مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني، 1421هـ /2000م.
15) أ.د مُحمَّد نعيم ياسين، نظرية الدعوى بين الشريعة الإسلامية وقانون المرافعات المدنية والتجارية، ط1، دار النفائس، 1419هـ/1999م، الأردن، عمّان.
16) د. سعـود بن سعد آل دريب، التنظيم القضائي في المملكة العربية السعودية في ضوء الشريعة الإسلامية ونظام السلطـة القضائية، جامعـة الإمام مُحمَّد بن سعود، الرياض، السعودية، 1419هـ/1999م.
17) الجمل، سليمان بن عمر العجيلي الشافعي، الفتوحات الإلهية، المكتبة التجارية بمصر.
18) ابن قدامة، أبو مُحمَّد عبد الله بن أحمد بن قدامة المقدسي، المغني، تح: عبد الله بن علي بن المحسن وعبد الفتاح مُحمَّد، هجر للطباعة والنشر، القاهرة، 1410هـ/1990م.
19) الخطيب، مُحمَّد الشربيني، مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج، ط1، دار إحياء التراث العربي ـ بيروت، 1422هـ /2001م
20) الطرابلسي، الإمام علاء الدين أبو الحسن علي بن خليل، معين الحكام فيما يتردد بين الخصمين من الأحكام، ط2، 1393هـ/1973م.
21) الأغبري: سيف بن حمد بن شيخان الأغبري، فتح الأكمام عن الورد البسّام في رياض الأحكام، وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان، 1401هـ / 1981م
22) الكندي، أبو بكر أحمد بن عبد الله، المصنّف، وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان، 1404هـ /1984م.
23) الخصيبي، مُحمَّد بن راشد، الزمّرد الفائق في الأدب الرائق، وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان، 1408هـ، 1987م.
24) الحسام الشهيد، عمر بن عبد العزيز، شرح أدب القاضي لأبي بكر الخصّاف، تحقيق: الشيخ أبو الوفاء الأفغاني والشيخ أبو بكر مُحمَّد الهاشمي، دار الكتب العلمية ـ بيروت ـ لبنان، ط1، 1414هـ /1994م.
25) الحريري، الدكتور إبراهيم مُحمَّد، القواعد والضوابط الفقهية لنظام القضاء في الإسلام، دار عمَّار للنشر والتوزيع، ط 1، 1420هـ /1999م .
26) ابن حزم، علي بن أحمد بن سعيد، المحلّى بالآثار، دار الكتب العلمية ـ بيروت .
27) الماوردي، أبو الحسن علي بن مُحمَّد بن حبيب، الحاوي الكبير، تح: محمود مطرجي، دار الفكر للطباعة والنشر، بيروت، 1414هـ.
28) النووي، محي الدين يحيى بن شرف، روضة الطالبين، دار الفكر، للطباعة والنشر، بيروت.
29) السالمي، عبد الله بن حميد، جوهر النظام في علمي الأديان والأحكام، ط10، 1405هـ /1984م.
30) عبد الله بن مفتاح، أبو الحسن، المنتزع المختار من الغيث المدرار المعروف بـ ” شرح الأزهار”، مكتبة التراث الإسلامي، صعـدة، اليمن، 1424هـ /2003م، الطوسي، أبو جعفر مُحمَّد بن الحسين بن علي، المبسوط في فقه الإمامية، الشرق الأوسط، بيروت، لبنان، طبعة عام 1992م.
31) كمال إمام أحمد، ولاية المرأة القضاة.
32) عبد الوهاب الراوي، المعجزة العلمية في ﴿ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى﴾( )، بحوث المؤتمر العالمي السابع للإعجاز العلمي في القرآن والسنة، طبعة شركة صحاري للهدايا والطباعة، ط:2006، 1.
33) رشدي شحاتة أبو زيد، تولية المرأة القضاء.
34) مجيد محمود أبو حجير، المرأة والولايات العامة.
35) مُحمَّد رأفت عثمان، النظام القضائي في الفقه الإسلامي.
36) الطبطائي، آية الله السيد علي، رياض المسائل في بيان الأحكام بالدلائل، دار الهادي، بيروت، ط1، 1412هـ.
37) الماوردي: أبو الحسن علي بن مُحمَّد، الأحكام السلطانية، دار الكتب العلمية ـ بيروت.
38) السمناني، أبو القاسم علي بن مُحمَّد، روضة القضاة وطريق النجاة، تح: د صلاح الدين الناهي، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1404هـ /1984.
39) الوارجلاني، أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم، العدل والإنصاف في معرفة أصول الفقه والإختلاف.
40) العوتبي، سلمة بن مسلم، الضياء.
41) السيابي، سالم بن حمود، هدي الفاروق.
42) نهج البلاغة، 2/97.
43) الجريدة الرسمية، العدد (587) السنة 25، التأريخ 15/11/1996 م
44) الجريدة الرسمية، العدد 697، السنة 30، التأريخ 15/6/2001م.
45) كرم، د. عبد الواحد كرم، مجموعة مصطلحات الشريعة والقانون، ط2، 1418هـ /1998م.
46) الصنعـاني، مُحمَّد بن إسماعيل، سبل السلام، مطبعة مُحمَّد علي صبيح، 1345 هـ.
47) السجستاني، أبو داود، سليمان بن أشعث، مطبعة السعادة، ط2، 1369هـ /1950م.
48) اطفيش، مُحمَّد بن يوسف، تيسير التفسير للقرآن الكريم، وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان.
49) أبو فارس، مُحمَّد عبد القادر، القضاء في الإسلام.
50) فيصل محمود الذيب، أعوان القضاة ودورهم في القضاء بين الماضي والحاضر، (ماجستير) 2000م، الجامعة الأردنية، كلية الدراسات العليا.
51) قانون الإجراءات المدنية والتجارية العماني، الصادر بالمرسوم السلطاني رقم 29/2002م.
52) د. مُحمَّد واصل، حسين بن علي الهلالي، الخبرة الفنية أمام القضاء (دراسة مقارنة)، مسقط، 2004م.
53) البيهقي:أحمد بن الحسين بن علي الناموسي، (و:384 هـ/994 م، ت:458 هـ/1066 م)، (سنن البيهقي الكبرى)، تح:مُحمَّد عبد القادر عطا، مكتبة دار الباز، مكة المكرمة، 1414 هـ/1994 م.
54) الحصكفي: إبراهيم بن أحمد بن علي(ت1088هـ/1677م)، (الدر المختار)، مطبوع مع حاشية رد المحتار لابن عابدين، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، (د.ط، د.ت).
55) الحطاب:مُحمَّد بن مُحمَّد بن عبد الرحمن، (و:902 هـ/1497 م، ت:954 هـ/1547 م)، (مواهب الجليل شرح مختصر خليل)، (ط2)، دار الفكر, بيروت, لبنان، 1398 هـ/1978م.
56) الدارقطني:علي بن عمر البغدادي أبو الحسن، (و:306 هـ/919 م، ت:385هـ/995م)، (سنن الدارقطني)، تح:عبد الله هاشم يماني المدني، دار المعرفة، بيروت, لبنان، 1386 هـ/1966م.
57) الزيلعي، عبد الله بن يوسف, (762هـ1360م), (نصب الراية تخريج أحاديث البداية), تح:شمس الدين أحمد, (ط1), دار الكتب العلمية, بيروت, 1412هـ/1992م.
58) السالمي:عبد الله بن حميد، (طلعة الشمس على الألفية)، وزارة التراث القومي، سلطنة عمان، 1405هـ/1985م.
59) السيابي:خلفان بن جميّل، (سلك الدرر الحاوي غرر الأثر)، (ط1)، مكتبة دار الكتب بمصر، القاهرة، 1380هـ/1961 م.
60) الشربيني:مُحمَّد بن أحمد الخطيب، (ت:977 هـ/1570 م), (مغني المحتاج إلى معرفة ألفاظ المنهاج)، تح:مُحمَّد خليل عيناتي، (ط1)، دار الفكر للطباعة والنشر، بيروت, لبنان، 1415 هـ/1995 م.
61) الشوكاني: مُحمَّد بن علي، (نيل الأوطار، شرح منتهى الأخيار)، دار الفكر بيروت، (د.ط، د.ت).
62) العسقلاني:أحمد بن حجر (فتح الباري، شرح صحيح البخاري)، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط2-1402هـ/1982م.
63) العيني:محمود بن أحمد، (و:762 هـ/1361 م، ت:855 هـ/1451م، (البناية في شرح الهداية)، (ط2)، دار الفكر بيروت, لبنان، 1411هـ/1990م.
64) الغزالي:أبو حامد مُحمَّد بن مُحمَّد, (450هـ/1058م ـ505هـ/1111م), (المستسصفى من علم الأصول), (ط3), دار إحياء التراث العربي, بيروت, 1414هـ1993م.
65) الفراهيدي:الربيع بن حبيب، (ت:175هـ/791م), (الجامع الصحيح), ضبطه مُحمَّد إدريس, راجعه:عاشور بن يوسف كسكاس, دار الحكمة, بيروت, دمشق, مكتبة الإستقامة, سلطنة عمان, (ط1), 1415هـ/1995م.
66) القشيري:مسلم بن الحجاج النيسابوري، أبو الحسين، (و:204 هـ/820م، ت:261هـ/874م)، (صحيح مسلم)، تـح:مُحمَّد فـؤاد عبد الباقي، دار العربي، بيروت، (د، ت)، 1402 هـ/1981م.
67) الكوهجي، حسن الحسن عبد الله بن الشيخ، (زاد المحتاج بشرح المنهاج)، تح:عبد الله بن إبراهيم الأنصاري، إدارة إحياء التراث الإسلامي، قطر، ط2، (د.ت).
68) مالك بن أنس, (الموطأ), تح:مُحمَّد فؤاد عبد الباقي, (د.ط)، دار إحياء التراث العربي, مصر, (د,ت).
69) الميرغناني:أبو الحسن، (الهداية شرح بداية المبتدي)، المكتبة الإسلامية، (د.ت) (د.ط).
70) النسائي:أحمد بن علي بن شعيب، (و:215 هـ/830 م، ت:303هـ/915م)، (السنن الكبرى)، تح:د. عبد الغفار سليمان البغدادي، (ط 1)، دار الكتب العلمية، بيروت، 1411هـ/1991م.
71) النووي، يحي بن شرف، (المجموع، شرح المهذب)، دار الفكر للطباعة والنشر، (د.ط، د.ت).
72) الوارجلاني، أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم, (ت:570هـ/1175م)(العدل والإنصاف في أصول الفقه والاختلاف), وزارة التراث القومي والثقافة, سلطنة عمان, 1404هـ/1984م، شعبان، 456 هـ/15 من يوليو/1064 م)، (المحلى بالآثار)، تح:أحمد بن مُحمَّد بن شاكر بن عبد الرحمن، (ط1)، دار التراث القاهرة، 1419 هـ/1998م.
73) ابن حنبل:أحمد بن مُحمَّد بن حنبل الشيباني أبو عبد الله، (و:164 هـ/780 م، ت:241هـ/855 م)، (مسند أحمد بن حنبل)، تح:شعيب الأرنؤوط وعادل مرشد, مكتبة الإيمان، المدينة المنورة، 1412 هـ/1992م، (د.ط).
74) أبو داود:سليمان أبو داود بن الأشعث الأزدي, السجستاني, (202-275هـ), (سنن أبي داود), تح:مُحمَّد محي الدين عبد الحميد, دار الفكر, بيروت, لبنان, (د, ت)، (د.ط).
75) الآبي الأزهري، صالح عبد السميع، (جواهر الإكليل شرح مختصر خليل)، دار إحياء الكتب العربية، عيسى البابي وشركاؤه، القاهرة، (د.ط، د.ت).
76) الباجي:سليمان بن خلف، (ت:474 هـ/1081 م)، (المنتقى شرح الموطأ)، (ط3), دار الكتاب العربي، دار الفكر, 1992.
77) البخاري:مُحمَّد بن إسماعيل بن إبراهيم، (و:194 هـ/810 م، ت:256هـ/870م)، (صحيح البخاري)، تح:د. مصطفى ديب البغا، (ط 3)، دار ابن كثير، اليمامة، بيروت، 1407هـ/1987م.
78) ابن العربي:مُحمَّد بن عبد الله أبو بكر، ( 468 هـ/1076 م- 543 هـ/1148 م)، (أحكام القرآن)، تح:مُحمَّد عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت, لبنان، (د.ت)، (د.ط).
79) ابن الهمام:مُحمَّد بن عبد الواحد بن عبد الحميد السيواسي، (و: 790 هـ/1388م ت:861 هـ/1457 م)، (شرح فتح القدير)، (ط 2)، دار الفكر، بيروت, لبنان، (د، ت).
80) ابن ماجه:عبد الله بن يزيد القزويني, (ت:275هـ/888م), (سنن ابن ماجه), تح:مُحمَّد فؤاد عبد الباقي, دار الريان للتراث, (د,ط.د,ت).
81) ابن رشد:مُحمَّد بن أحمد بن مُحمَّد القرطبي، (بداية المجتهد ونهاية المقتصد)، تح:علي مُحمَّد معوض وعادل أحمد عبد الموجود، (ط1), دار الكتب العلمية، بيروت,1416هـ/1996.
82) ابن عابدين مُحمَّد أمين بن عمر بن عبد العزيز، (1198هـ/1784 م/1252هـ/1836م)، (حاشية ابن عابدين المسماة رد المحتار على الدر المختار)، المكتبة التجارية، مكة المكرمة، (د، ت)، (د.ط).
83) ابن قدامة:عبد الله بن أحمد بن مُحمَّد، (641 هـ/1146 م، 620 هـ/1223 م)، (المغني)، تح:عبد السلام مُحمَّد شاهين، (ط 1)، دار الكتب العلمية بيروت، لبنان، 1414 هـ/1994 م.
84) ابن نجيم:زين الدين ابن نجيم الحنفي، (980هـ/1562م) (البحر الرائق شرح كنز الدقائق)، (ط3), دار المعرفة، بيروت، 1414هـ/1994م.
85) ابن حزم:علي بن أحمد بن سعيد بن حزم، الظاهري أبو مُحمَّد، (و:يوم الأربعاء، آخر يوم من شهر رمضان المبارك، 384 هـ/7 من نوفمبر/994م، ت:28، شعبان، 456 هـ/15 من يوليو/1064 م)، (المحلى بالآثار)، تح:أحمد بن مُحمَّد بن شاكر بن عبد الرحمن، (ط1)، دار التراث القاهرة، 1419 هـ/1998م.
86) الكاساني:أبـو بكر بـن مسعـود عـلاء الدين، (ت:587 هـ/1191 م)، (بدائع الصنائع)، (ط2) دار الكتاب العربي، بيروت, لبنان.

 

* ندوة تطور العلوم الفقهية فِي عمان “ الفقه الحضاري، فقه العمران”

 المنعقدة خلال الفترة: (18-21) ربيع الثاني 1431هـ / (3-6) إبريل 2010م:

سلطنة عمان- وزارة الأوقاف والشؤون الدينية 

هذه المقالة تحتوي على لا تعليق

أكتب تعليقك هنا

نرجو أن تضع المادة أسفله
الإسم
إيميل
موقع
تعليقك