أحكام المياه وتصاريفها الشرعية

أحكام المياه وتصاريفها الشرعية
من خلال كـتابي: المـصنف وبـيـان الـشرع

إعداد: ناصر بن خلفان بن خميس البادي

(الواعظ المكلف برئيس قسم الوعظ والإرشاد بمسندم، سلطنة عمان)

  

مقدمة

الحمد لله وكفى، والصلاة و السلام على النبيَّ المصطفى، وعلى آله وأصحابه وأتباعه أهل الوفا.

أما بعد: فهذه الورقة في أحكام المياه وتصاريفها الشرعية من خلال كتابي بيان الشرع والمصنف. تلك المسألة الفقهية المهمة، والتي تناولها الكتابان الموسوعيان بشكل مفصل وموسع. ففي بيان الشرع تناول ما يزيد على خمسة وعشرين جزءا  أبوابا تتحدث في أحكام المياه، وفي المصنف تناولت ما يزيد على خمسة عشر جزءا أبوابا تتحدث في أحكام المياه أيضا. فكان من الأهمية بمكان الكتابة في هذا الموضوع، إبرازا للجانب الحضاري في الفقه العماني.

لقد جاءت هذه الورقة في تمهيد وثلاثة مباحث. تحدث التمهيد في أهمية الماء في حياة الإنسان والكائنات الحية والجمادات. وتحدث المبحث الأول في التعريف بالكتابين ومؤلفـيهما. وتحدث المبحث الثاني في أقسام المياه وأحكام كل قسم، وفي أحكام الآسار ورطوبات بني آدم، وفي مسائل متفرقة عدة تناولت أحكام الآبار، والماء الجاري والماء الراكد، وحالات الماء مثل الفقد أو الغصب أو الشراء. وأورد المبحث الثالث نماذج من الفقه الحضاري المتعلق بالمياه من خلال كتاب المصنّف وبيان الشرع، فأورد نموذجا في مواصفات الماء الصالح، ونموذجا ثانيا في مصادر المياه، ونموذجا ثالثا في أهم استعمالات المياه، ونموذجا رابعا في طرق المحافظة على المياه، ونموذجا خامسا في سبل توفير المياه ورعاية مصادرها.

ويلاحظ أن الورقة اعتمدت بشكل أساس على استخراج أحكام المياه من خلال كتابي بيان الشرع والمصنّف، دون التطرق إلى مراجع أخرى، وذلك لظروف الوقت المتاح، وكون الموضوع المطلوب قد حدد بالكتابين سلفا.

كما أنني حاولت التمهيد في كل جزئية بالحكم العام المشهور فيها، ثم بعد ذلك أتناول الخلاف الذي أورده المؤلفان في تلك الجزئية إن كان ثمة اختلاف، معضدا حديثي بنقولات من الكتابين إن أمكن، وإلا أشرت في الهامش إلى موضع المسألة في الكتابين في حالة ضيق المجال عن نقل التفاصيل بنصها من الكتابين. وحاولت قدر جهدي الإشارة المختصرة إلى بعض الألفاظ الغريبة التي ترد في النص المنقول، والترجمة للشخصية الواردة، وعزو الآيات، وتخريج الأحاديث في مسند الإمام الربيع بن حبيب وحده، بسبب اعتماد المؤلفين عليه أساسا في الاستدلال بالأحاديث الشريفة. كما حاولت في بعض المواضع التعليق قبل أو بعد أو في الهامش على النص المنقول من الكتابين.

لقد اقتصرت في هذه الورقة على إيراد الأحكام العامة المتعلقة بالمياه، دون الخوض في التفاصيل، نظرا لأن المجال هنا ليس مجالا للتفصيل، وظهر ذلك الاختصار في إيراد المسائل، حيث كنت أكتفي أحيانا بإيراد الرأي الذي ألمح ميل المؤلف إليه، دون إيراد الخلافات والتشعيبات الكثيرة في المسألة، وبالتالي ستجد أن مسائل قد فاتت، وستجد أن تفصيلات لم يُـشـر إليها. وسيلاحظ العموم في المبحث الثالث بشكل أكبر، حيث الهدف من ذلك المبحث إيراد إشارات فقط، لما يمكن أن يلمح في الكتابين من اهتمام حضاري بمسألة المياه.

واللهَ أسأل التوفيق والسداد.

*            *               *

تَمـهـيـد: أهمية الماء

يعتبر الماء من أهمّ الأسباب التي تحفظ بقاء الكائنات الحية وغير الحية في هذا الوجود، فهو سبب لحياة كل شيء كما يشير إلى ذلك قول الله تعالى في سورة الأنبياء: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾([1])، ولذلك فهو يشكل ثلاثة أرباع مساحة الكرة الأرضية، ومتوسط نسبة الماء من وزن الكائنات الحية 80%([2]). وقد أشارت الدراسات العلمية المتخصصة إلى أن الماء كذلك يدخل في تكوين وتشكيل الجمادات، مثل الصخور والمعادن، ولا تقتصر أهميته على حياة الكائنات الحية فقط([3]). فالماء هو سرّ الوجود، ولذلك كثر وجوده.

تأتي أهمية الماء للإنسان من حيث تعدد استعمالاته، فهو يستخدمه للشرب وصنع الطعام ومضغه. كما يستخدم جسم الإنسان الماء لتحليل المواد الغذائية وتوصيلها إلى مختلف أجزاء الجسم. وكذلك يستخدم الإنسان الماء للطهارة والنظافة وإزالة الأدران والجراثيم التي تضر بالبدن. كما أن الشرع الشريف شرع للإنسان رفع الحدث بالماء أو بديله للتمكن من أداء بعض الأركان والعبادات. فالإنسان لا يستغني إطلاقا عن الماء، إذ حياته المادية والنفسية قائمة عليه.

والماء أساس كذلك لحياة الحيوان والنبات، اللذان هما زينة وغذاء للإنسان في الحياة. فالحيوانات بعضها يحتاج للماء في الشرب وهضم الطعام والتخلص من الفضلات، وهي الحيوانات البرية، وبعضها يحتاج للماء للعيش فيه، وللحصول على الغذاء والهواء من خلاله، وهي الحيوانات المائية. والنبات يحتاج للماء للتزود بالغذاء والسوائل والمعادن من التربة، ومن ثم توصيلها إلى مختلف أجزاء النبات. فالحيوان والنبات لا ينموان إلا بالماء.

ويشكل الماء في الحياة طابعا جماليا وزينة. فهو الذي يجري في الأنهار التي تنشأ على ضفافها الحضارات الرائعة. وهو الذي يترقرق في الينابيع والجداول فيعطي للنفس بهجة وانتعاشا. وهو الذي يتبخر في الهواء فيعطي للجو لطافة واعتدالا. وهو الذي يتماوج في البحار التي تمد الإنسان بالغذاء والحلية وسهولة التنقل بين القارات. وهو الذي يشكل السحب التي ترسل رشات المطر الذي يخضّـر الأرض، ويجلو غبار الجو ودخانه. فالماء روح الحياة وبهجتها النفسية.

وبما أن للماء أهمية كبرى سواءً في الجانب الحيوي أو الجانب الحضاري، فإن الشريعة الإسلامية اهتمت به اهتماما بالغا، عبر نصوص القرآن الكريم ونصوص السنة النبوية المطهرة واجتهادات العلماء. حيث نظمت النصوص الشرعية المختلفة واجتهادات علماء الإسلام طرق استخدام الماء، وطرق التعامل معه على حسب حالاته المختلفة، وعلى حسب احتياجات الإنسان له. ومن ذلك الاهتمام الكبير: ما نجده في الحضارة العمانية العريقة التي نظـم علماؤها الأفذاذ أحكام المياه وفقهها بدقة متناهية، تتناول التفاصيل كبيرها وصغيرها، من أجل تقنين التعامل مع المياه بصورة حضارية تنطلق من القواعد الشرعية الرصينة في هذا المجال. وهنا في هذا البحث سوف أتناول هذه المسألة من خلال كتاب بيان الشرع للمؤلف العلامة محمد بن إبراهيم الكندي من علماء عمان في القرنين الخامس وأول السادس الهجري، وكتاب المصنّف للمؤلف العلامة أبي بكر أحمد بن عبدالله بن موسى الكندي من علماء القرن السادس الهجري.

*            *               *

المبحث الأول: التعريفات

أولا: التعريف بكتاب بيان الشرع

اسمه كتاب “بيان الشرع الجامع للأصل والفرع”([4])، سماه جامعه ومرتبه الشيخ أبو بكر أحمد بن موسى الكندي صاحب المصنّف بهذا الاسم([5]).

وهو موسوعة ضخمة ومتكاملة في علوم الشريعة الإسلامية، يعتبر من أشهر مؤلفات إباضية المشرق، ويعدّ مرجعا هاما لكل الفقهاء والمؤلفين الذين جاؤوا من بعد([6]). قال عنه صاحب المصنّف في تقديمه له: “حسن في العلم تصنيفه، وازدهر في الأعين تأليفه، وفاق في الكتب وضعه، وجاوز كثرتها جمعه، بوفورة مسائله، وسهولة مداخله، واتضاح مناهجه، وبيان مخارجه، ووثيق أصوله وأسبابه، وكثرة فروعه وأبوابه، حوى جواهر الآثار المشهورة، والجوامع المأثورة، والسير المؤلفة، والكتب المصنّفة، فجاء بحمد الله سالما من الدخل، صحيحا من السقم والزلل”([7]).

اختـلف في عدد أجزائه، والأشهر أنها واحد وسبعون جزءا، ويقال: إنَّه فـقد منه جزءان، أحدهما الجزء السابع عشر من الكتاب، وهو في الزكاة، وقد أبدله الشيخ مداد بن عبدالله بن مداد الناعبي (ق 9- 10هـ)، والثاني منهما الجزء الرابع والعشرون، وهو في أحكام الحج، وقد أبدله الشيخ عبدالله بن عمر بن زياد الشقصي (ق 10هـ)([8]).

ويذكر أن للشيخ أبي بكر أحمد بن عبدالله بن موسى الكندي صاحب المصنّف الفضل في جمع وترتيب كتاب بيان الشرع، فقد كان هذا الكتاب مبعثرا في أوراق متفرقة، وغير مرتب على أجزاء أو أبواب، فرتبه صاحب المصنّف، وأصلح خلله، وأكمل النقص في بعض أبوابه بما وجده من قطع مكتوبة بخط مؤلفه، وقدم له بمقدمة بليغة تدل على مكانة كتاب بيان الشرع ومؤلفه([9]). ويذكر أن الشيخ محمد الكندي صاحب بيان الشرع توفي قبل أن يرتب كتابه بيان الشرع([10]).

ومن حيث المادة فقد حوى الكتاب في مادته أصول وفروع الشريعة الإسلامية، فقد تحدث المؤلف في الجزء الأول عن العلم وما يتعلق به، وتحدث في أصول الفقه كالاستدلال وأصول الفتوى والتقليد، وتحدث في القرآن وما يتعلق به من علوم كالمحكم والمتشابه والناسخ والمنسوخ. وتحدث الجزء الثاني في أسماء الله تعالى وصفاته وتوحيده، وفي العقل والجهل والتكليف. وتحدث في الجزء الثالث في الولاية والبراءة، وفي الفرق والمذاهب والاختلاف. وفي الجزء الرابع في الولاية والبراءة مرة أخرى، وفيما يسع جهله وما لا يسع. وتحدث في الجزأين الخامس والسادس عن شيء من السنن والأخلاق الحسنة والسيئة. وتحدث في الخامس عن التوبة، وتحدث في السادس عن النية والتقية والسلطان. وتحدث في السابع في النجاسات وأحكامها. وفي الثامن والتاسع في المياه والطهارات والوضوء والغسل. وفي الأجزاء من العاشر إلى الخامس عشر في الصلاة وأحكامها. وفي السادس عشر في الأموات والقبور. وفي الأجزاء من السابع عشر إلى التاسع عشر في الزكاة. وفي الجزأين العشرين والحادي والعشرين في الصيام وزكاة الفطر. وفي الأجزاء من الثاني والعشرين إلى الرابع والعشرين في الحج. وفي الخامس والعشرين في النذور. وفي السادس والعشرين في الأيمان. وفي السابع والعشرين في الذكاة والصيد والأطعمة والأشربة. وفي الثامن والعشرين في القاضي والقضاء. وفي التاسع والعشرين في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وفي الثلاثين في الأحكام والدعاوى. وفي الحادي والثلاثين والثاني والثلاثين في الشهادة. وفي الثالث والثلاثين في اليمين والوكالة. وفي الرابع والثلاثين والخامس والثلاثين في الدعاوى والأحكام. وفي السادس والثلاثين في الطرق والأشجار والدواب. وفي السابع والثلاثين في المساجد والأوقاف. وفي الثامن والثلاثين في الشفعة. وفي التاسع والثلاثين في البحار والآبار والأفلاج والنخيل والطرق والمنازل. وفي الأربعين في العمل والعمال والإجارات. وفي الحادي والأربعين في المشتركات والشركاء. وفي الثاني والأربعين إلى الخامس والأربعين في الربا والبيوع. وفي السادس والأربعين في العتق. وفي السابع والأربعين إلى الثالث والخمسين في النكاح والفراق. وفي الرابع والخمسين في الحيض والنفاس. وفي الخامس والخمسين في الإماء والعبيد. وفي السادس والخمسين في الولد والوالدين. وفي السابع والخمسين في معاملات اليتيم واللقيط والمفقود والغائب والأصم وأحكامهم. وفي الثامن والخمسين في الإقرار والعطية. وفي التاسع والخمسين إلى الثاني والستين في الوصية والموصي. وفي الثالث والستين في الميراث. وفي الرابع والستين في الأمانة والهدية واللقطة والسرقة والغصب. وفي الخامس والستين في الضمان والمظالم. في السادس والستين والسابع والستين في القتل والقصاص. وفي الثامن والستين إلى الحادي والسبعين في الإمامة والجهاد والدعوة والحدود.

ومن حيث الخصائص: فإن الكتاب يتميز بقوة اللغة، وسعة العرض للموضوعات، وتفصيل المسائل وتناولها من جوانب مختلفة، وإيراد أقوال العلماء حتى من علماء غير المذهب، والمقارنة والترجيح في كثير من الأحيان، ويناقش ويطرح رأيه ويعلق. كما يلاحظ وجود الاستدلال بالنصوص الشرعية، والاستنباط والانطلاق منها. ويلاحظ كثرة إيراد الآثار عن السلف في القضية الواحدة. كما أن الكتاب يتميز بدقة نسبة الأقوال والآثار إلى أصحابها. ويتناول الكتاب كثيرا من اللطائف اللغوية. ويلاحظ في الكتاب تكرار بعض المسائل والموضوعات والأبواب وتداخلها أحيانا. كما يظهر أن النساخ زادوا كثيرا في مسائل الكتاب، ومما يدلل على ذلك وجود مسائل لعلماء متأخرين في الكتاب، ولعل ذلك راجع إلى أن صاحب الكتاب لم يرتبه في حياته، وإنما كان منثورا في الأوراق.


ثانيا: التعريف بمؤلف كتاب بيان الشرع([11]):

1- اسمه ونسبه: هو أبو عبدالله محمد بن إبراهيم بن سليمان بن محمد([12]) بن عبدالله بن المقداد الكندي([13])، من أهل سمد بنزوى.

2- فترة حياته: ولد العلامة أبو عبدالله الكندي في القرن الخامس الهجري، ولكن لم تذكر التراجم التي اطلعت عليها سنة ولادته. وامتدت حياته إلى أوائل القرن السادس الهجري، حيث توفي عشية الثلاثاء 10 رمضان 508هـ الموافق لـ 7 فبراير 1115م، وقيل: ليلة الأربعاء لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر رمضان سنة 508هـ الموافق لـ 9 فبراير 1115م([14]).

3– نشأته العلمية: نشأ أبو عبدالله الكندي في مدينة نزوى العريقة، حيث العلم والعلماء، مِمَّا كان له أبلغ الأثر في تكوين شخصيته العلمية، فقد كانت المدينة آنذاك تمثل المركز الفكري والعلمي لعمان، وتزخر بحلقات العلم والمعرفة، وقد انعكست تلك الحياة على الشيخ، فأصبح مجدا في طلب العلم، حريصا على مجالسة العلماء.

4- مكانته العلمية: كان الشيخ أبو عبدالله الكندي شخصية علمية موسوعية، فقد كان ضليعا في اللغة العربية، وعالما موسوعيا في الفقه الإسلامي، وقاضيا، وناظما للشعر، وعالما متمكنا في العقيدة والفلسفة والتاريخ والتفسير وغيرها من العلوم المتنوعة التي تناولها في مؤلفاته. وكان دقيق النظر والفهم، واسع الاطلاع على ما دونه العلماء من قبله، سواء من علماء المذهب الإباضي أو من غيره. وكل هذا أهـله لأن يكون مرجع المسلمين وإمامهم في وقته، وقد عبر عن هذه المكانة تلميذه أبو بكر أحمد بن عبدالله الكندي في تقديمه لكتابه بيان الشرع([15]) حيث قال: “فهذا كتاب صنفه الثقة الفقيه، العالم النبيه، أبو عبدالله ابن إبراهيم بن محمد بن سليمان الكندي السمدي، كرم الله مثواه، وجعل الجنّة إن شاء الله مأواه، وحسن في العالم تصنيفه، وازدهر في العلم تأليفه”([16]). كما عبر عنها أبو بكر أحمد بن محمد المعلم([17]) حينما قال: “قدوة زمانه وعصره ومصره”([18]).

5- صفاته وأخلاقه: كان حريصا على استغلال أوقاته والتفاني في حفظ العلم وتدوينه([19]). وصفه تلميذه الشيخ أبو بكر أحمد بن عبدالله بن موسى الكندي بالتقى والبر والجود والحلم والشجاعة وسمو الأدب، والاحتراس من المكاره والزلات([20]).

6- شيوخه: تتلمذ على يد القاضي الشيخ أبي علي الحسن بن أحمد بن محمد بن عثمان النزوي([21]).

7- تلامذته: من تلامذته العلامة الفقيه أبو بكر أحمد بن محمد بن صالح النزوي الغلافقي([22]).

8- إنتاجه العلمي: تعدد إنتاجه العلمي بين الكتب والنظم والمسائل والأجوبة والردود  والتفسيرات لبعض الآثار. فمن نتاجه: موسوعته الشرعية الشهيرة كتاب “بيان الشرع” الذي زاد على سبعين جزءاً، حوى أصول الشرع والأديان والأحكام والأخلاق، و”العبيرية”، وهي قصيدة في وصف الجنة، و”النعمة”، وهي أرجوزة طويلة في أصول الشريعة وفروعها. وله مسائل وأجوبة وردود كثيرة([23])، وله كتاب “اللمعة المرضية في أصول الشرع وفروعه”، وله تفاسير لبعض الآيات القرآنية الكريمة ضمنها في كتاب بيان الشرع([24]).

ثالثا: التعريف بكتاب المصنّف:

كتاب المصنّف موسوعة ضخمة في علوم الشريعة الإسلامية، في الأصول والفروع، يتألف من واحد وأربعين جزءا. وهو من أشهر مؤلفات إباضية المشرق، ويعتبر مرجعا للفقهاء والعلماء الذين أتوا من بعد.

ومن حيث المادة فقد حوى الكتاب أصول وفروع الشريعة، فقد تحدث المؤلف في الجزء الأول في العلم والعلماء والحجج والفتيا. وفي الجزء الثاني في السنن والأخلاق والحقوق. وفي الجزء الثالث في النجاسات والطهارات. وفي الجزء الرابع في الوضوء والغسل. وفي الجزء الخامس في الصلاة. وفي السادس في الزكاة. وفي السابع في الصوم وزكاة الفطر. وفي الثامن في الحج. وفي التاسع في الاعتكاف والنذور والأيمان والكفارات والذبائح. وفي العاشر إلى الثاني عشر في الإمامة والجهاد والحدود والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وفي الثالث عشر إلى السادس عشر في القضاء والولاة والأحكام والدعاوى والشهادة والأيمان والوكالة. وفي السابع عشر إلى التاسع عشر في البحر والأفلاج والطرق والمزارع والدور والمساجد. وفي العشرين في الدواب والضمان والوكالة والديون. وفي الحادي والعشرين في العمل والعمال والإجارات. وفي الثاني والعشرين في الأمانة والوديعة واللقطة. وفي الثالث والعشرين في الأولاد واللقطاء واليتامى والبلوغ والغائب والمعاق. وفي الرابع والعشرين إلى السادس والعشرين في البيوع. وفي السابع والعشرين والثامن والعشرين في الإقرار والعطية والوصية. وفي التاسع والعشرين في الوصي والميراث. وفي الثلاثين في العبيد والإماء. وفي الحادي والثلاثين في الموت والقبور. وفي الثاني والثلاثين إلى الثامن والثلاثين في النكاح والفراق. وفي التاسع والثلاثين في الحيض والنفاس. وفي الأربعين في الحدود. وفي الحادي والأربعين في القتل والقصاص. 

ومن حيث الخصائص: فإن الكتاب يتميز بقوة اللغة، وإيراد اللطائف والمعاني اللغوية لكثير من المفردات التي ترد في المسائل الفقهية، كما يتميز الكتاب بسعة العرض للموضوعات، وتفصيل المسائل وتناولها من جوانب مختلفة، وإيراد أقوال العلماء حتى من علماء غير المذهب، والمقارنة والترجيح في كثير من الأحيان، ويناقش ويطرح رأيه ويعلق. كما يلاحظ وجود الاستدلال بالنصوص الشرعية، والاستنباط والانطلاق منها. ويلاحظ كثرة إيراد الآثار عن السلف في القضية الواحدة. ويلاحظ في الكتاب تداخل بعض المسائل والموضوعات والأبواب. كما أن المؤلف يسوق الشواهد الشعرية والمعلومات الطبية والفلسفية والتاريخية اللطيفة أحيانا، مما يثري الموضوع الفقهي المطروح.

رابعا: التعريف بمؤلف كتاب المصنّف([25]):

1- اسمه ونسبه: هو أبو بكر أحمد بن عبدالله بن موسى بن سليمان بن محمد بن المقداد الكندي السمدي النزوي([26])، المعروف بالأعرج الفلوجي([27])، وابن عم الشيخ محمد بن إبراهيم الكندي مؤلف بيان الشرع.

2- فترة حياته: يعتبر الشيخ أبو بكر أحمد بن عبدالله الكندي من علماء القرن السادس الهجري، حيث ولد في أواخر القرن الخامس الهجري([28])، دون أن أقف على سنة ميلاده. وأما تاريخ وفاته فقد توفي عشية الاثنين لخمس عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الآخر سنة 557هـ، بعد أن عرض له المرض وهو بسوني([29])، فانحدر إلى أهله بنزوى، ولبث عندهم عشرة أيام ثم توفي، وقبر بالمض من سمد نزوى([30]).

3- نشأته العلمية: ولد بنزوى، وفيها كانت نشأته وحياته، في بيت علم اشتهر بثلاثة من كبار العلماء، أولهم ابن عمه الشيخ محمد بن إبراهيم الكندي مؤلف كتاب بيان الشرع، وثانيهم عمّه الشيخ محمد بن موسى بن سليمان الكندي صاحب كتاب الكفاية وكتاب جلاء البصائر، وثالثهم هو([31]). وتتلمذ في نزوى على علماء وجهابذة عصره([32]).

4- شيوخه: تتلمذ الشيخ كما قلنا على جهابذة علماء عصره، منهم أبو بكر أحمد بن محمد بن صالح([33]) النزوي الغلافقي([34]).

5- مكانته العلمية: تمتع الشيخ بمكانة علمية رفيعة بين أهل زمانه، تدلّ عليها غزارة إنتاجه العلمي، ومشاركاته الاجتماعية والسياسية في عصره، وردوده على بعض العلماء، وشهادة العلماء له.

فمن ناحية الإنتاج العلمي كثرت آثاره العلمية وتنوعت في الفقه واللغة والنحو وعلم الكلام والمعاملات والشعر والأدب، كما سنرى في الفقرات اللاحقة، مِمَّا يدلّ على موسوعيته واجتهاده وتحقيقه.

ومن ناحية المشاركات الاجتماعية والسياسية في عصره، فقد وصل إلى المشاركة في أخطر القضايا السياسية والاجتماعية، وهي المشاركة في تنصيب الأئمة، فقد شارك في تأييد إمامة الإمام محمد بن أبي غسان، وكانت له سيرة سماها “سيرة البررة” يناظر فيها عنه ويحتجّ له([35]). كما عقد الإمامة للإمام محمد بن خنبش في سوني (العوابي) سنة (556هـ)، وحضر معه بمعية جماعة المسلمين، وأقام عنده ستة أشهر، قبل أن يعرض له المرض الذي توفي فيه([36]). وهذا يدلل على مكانته بين علماء عصره، واعتباره مرجعا من المراجع.

ومن ناحية الردود على العلماء فقد رد على شيخه أبي بكر أحمد بن محمد بن صالح في السيرة التي كتبها الأخير ينكر فيها على أحداث الإمام محمد بن أبي غسان، فكان الرد من أبي بكر الكندي بليغا كما يقول الإمام نور الدين السالمي في تحفته([37]). وهذا الرد البليغ يدل على رسوخه العلمي من جهة، وخاصة السياسة الشرعية، ويدل على شجاعته الاجتماعية ومكانته من جهة أخرى.

ولا غرو أن تجد العلماء يشهدون له بالتفوق العلمي، ومن ذلك شهادة الإمام السالمي له في معرض ذكر رده على شيخه أبي بكر أحمد بن محمد بن صالح في إمامة الإمام محمد بن أبي غسان، فقال السالمي: “ورد هذا التلميذ على شيخه ردا بليغا مسلما لو سلم صحة أصل الإمامة”([38]). وشهد له بمثل ذلك مرة أخرى عند وصفه لكتابه الاهتداء، فقال: “وركبه على قواعد مبتكرة وفروع معتبرة”([39]). وقد أثنى على العلامة أبي بكر الكندي جملة من العلماء، مبينين رسوخ قدمه في العلم، وعلو كعبه فيه([40]).

6- إنتاجه العلمي: بسبب المكانة العلمية السامقة التي تمتع بها الشيخ أبو بكر أحمد بن عبدالله الكندي، واحتكاكه بكبار علماء عصره، وسعة اطلاعه، فقد كثرت منتجاته العلمية وتنوعت بين الموسوعات والكتب والأجوبة والأشعار الأدبية والفقهية، منها موسوعته في علوم الشريعة كتاب “المصنّف” الذي يزيد على أربعين جزءاً، ومنها “التخصيص” في الولاية والبراءة، وكتاب “الاهتداء” ألفه في افتراق أهل عمان إلى نزوانية ورستاقية، وكتاب “التسهيل” في الفرائض، وكتاب “سيرة البررة”، وكتاب “التيسير” ألفه في النحو،  وكتاب “الجوهر المقتصر” ألفه في علم الكلام، وكتاب “التقريب” في اللغة، وكتاب “الذخيرة”. كما يرجع له فضل جمع كتاب بيان الشرع وتسميته بهذا الاسم، بعد أن كان مبعثرا في أوراق، وغير مرتب على أجزاء وأبواب، فرتبه وأصلح خلله، وأكمل النقص في بعض أبوابه([41]). كما أن له سيرة فيها ردّ على من اعترض على الإمام محمد بن أبي غسان في حربه لأهل العقر بنزوى([42]).

*            *               *

المبحث الثاني: أحكام المياه من حيث الطهارة والنجاسة من خلال كتابي بيان الشرع والمصنّف

أولا: أقسام المياه وأحكام كل قسم:

ينقسم الماء باعتبار الطهورية من عدمها إلى ثلاثة أقسام موجودة في الطبيعة، وقد خصّص الشرع الحنيف لكلّ قسم من هذه الأقسام أحكاما خاصة من حيث الاستعمال.

1- الماء الطهور:

الطهور: هو الذي يطهر الشيء، وهو الفعول للطهارة([43]). وهو الماء الباقي على أصل خلقته، ويلحق به عند جمهور الفقهاء ما تغير بطول مكثه([44])، أو بما هو متولد منه كالطحلب، أو بطاهر ينفك عنه كالملح وورق الأشجار والتراب([45]). وهو الموجود على صورة الماء النازل من السماء، أو النابع من الأرض، مثل ماء الأمطار والعيون والأنهار والبحار والآبار وماء الثلج والبرد([46])والماء المتكاثف من البخار. قال صاحب المصنّف: (والماء المطهر باتّفاق الأمة: ماء السماء وماء البئر وماء العيون وماء البحر) ([47]).

وقد أورد صاحب بيان الشرع تعريفا ووصفا للماء الطهور: بأنه هو الماء المطهـر، وهو ماء السماء وماء البئر وماء العيون وماء البحر. قال: (ومن كتاب أبي محمد([48]): فأما من الكتاب فقوله: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء طَهُورًا﴾([49]) يعني: مطهـرا، لأن الطهور في اللغة: هو الفعول للطهارة)([50]). وقال في موضع آخر: (فالماء المطهر ما نزل من السماء، وما خرج من الأرض، لا خلاف بين الناس في ذلك قبل أن يخلط بغيره، أو يضاف إلى شيء يعرف به([51])). وقال من كتاب أبي محمد أيضا: (والماء الطاهر: هو المطهر باتفاق الأمة ماء السماء وماء البئر وماء العيون وماء البحر) ([52]).

وبنفس المنهجية أورد صاحب المصنّف تعريفا للماء الطهور، وخاصية الطهورية، ولعله ساق نفس الأدلة والآثار الموجودة في كتاب بيان الشرع([53]). قال: (وفي موضع: والطهور في اللغة هو الفعول للطهارة، وهو الذي يعرف منه تطهير الشيء بعد الشيء، والماء الذي لا يطهر الأشياء لا يستحقّ هذا الاسم)([54]).

ويُـفهم من بيان الشرع أن هذا القسم من الماء طاهر في ذاته، مطهر لغيره([55])، وهو المطهر الأساسي للنجاسات، ولا يجزئ غيره ولو كان طاهرا، كما يذهب إلى ذلك بعض العلماء، وإن كان آخرون يرون جواز إزالة النجاسات بالماء المضاف ولكن بشرط عدم وجود الماء المطلق الطهور، ومنهم صاحب بيان الشرع([56]). ويفهم من المصنّف أن الماء الطهور يرفع الحدث ويزيل الخبث، وإن كان الماء المضاف يزيل الخبث ولا يرفع الحدث([57]).

ويمكن تلخيص الأقوال التي أوردها صاحب بيان الشرع في هذه المسألة إلى ثلاثة أقوال للفقهاء: قول: يقول بعدم ثبوت الطهارة بغير الماء الطهور. وقول: يقول بثبوت الطهارة بالماء المضاف في حالة فقدان الماء الطهور. وقول: يقول بالطهارة بالماء المضاف إلى أن يجد الماء الطهور فيتطهر به. ويظهر أن صاحب بيان الشرع يميل إلى القول الأخير كما يُـفهم ذلك من مسألة أوردها: (ومعي أنه يخرج في معاني قولهم أنه إن كان في حال عدم وجود الماء، كان ذلك طهارته في حالة العدم، فإذا وجد الماء غسله ولزمه غسله، ويفرق بين عدم الماء ووجوده، فعلى معنى هذا القول لموضع ثبوت زوال النجاسة بمعنى ما يشبه الطهارة من الماء وعدم الماء، كان ذلك عذرا وخارجا من النجاسة طهر، فإذا وجد الماء لزمه حكمه، وقبل أن يجد الماء فهو بحال الطهارة) ([58]).

ماء البحر:

ماء البحر طهور، لقول النبيّ صلعم: «هو الطهور ماؤه الحل ميتته»([59])، ومن الناحية العقلية المنطلقة من القواعد الفقهية الخاصة بأحكام المياه أنَّ ماء البحر عظيم أعظم من اليابسة وما فيها، ومن الصعب أن تغلب عليه نجاسة، فيبقى بذلك طاهرا. وقد أورد صاحب بيان الشرع مسائل واستدلالات في طهورية ماء البحر نقلها عن طائفة من العلماء([60]). ومن ذلك قوله: “قال أبو سعيد: معي إن معاني الاتفاق يوجب في قول أصحابنا إثبات إجازة التطهر بماء البحر، وإنه من الماء الطهور المطهر، ولا معنى للمعارضة للقول في ماء البحر؛ لأن الماء كله ماء ما لم يثبت ما مضى”([61])، وممن قال بطهورية ماء البحر مِمَّن ذكرهم صاحب بيان الشرع: أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وابن عباس وعقبة بن عامر وعطاء وطاووس والحسن البصري ومالك وأهل المدينة وسفيان الثوري وأهل الكوفة والأوزاعي وأهل الشام والشافعي وأحمد بن حنبل([62])، وأصحابنا الإباضية([63]).

ولكن هنالك قول آخر يورده صاحب بيان الشرع عن عبدالله بن عمر، وعبدالله بن عمرو بن العاص([64]) بعدم إجزاء الوضوء والغسل بماء البحر، وأن التيمم أحبّ إليهما منه([65])، ولكن هذا القول رُدّ عليه بأن ماء النهر كذلك مضاف إلى النهر، ومع ذلك مجمع على طهوريته، فكذلك ماء البحر، كما رُدّ على هذا القول بالحديث النبوي السابق الذكر في طهورية ماء البحر([66]).

وعلى نفس الأقوال وعلى نفس الاستدلالات والاستشهادات يعتمد صاحب كتاب المصنّف في القول بطهورية ماء البحر، كما يشير كذلك إلى القول المخالف الذي قال به ابن عمر وعبدالله بن عمرو بن العاص([67]). ولا داعي لتكرار تلك النصوص التي تشابهت عند صاحبي الكتابين.

الماء الماكث طويلا:

يرى صاحب بيان الشرع طهورية الماء الذي طال بقاؤه، ويورد هذا الرأي عن ابن سيرين والحسن البصري ومالك وابن المبارك والشافعي وأبو عبيدة وإسحاق([68])، وأورد مثل ذلك عن الإمام أبي سعيد الكدمي، قال: “قال أبو سعيد: ما ثبت اسم الماء وجوهره على ما وصفنا فلا يضيره إبطاؤه في الإناء، ولا غيره من البقاع، وهو ماء طهور؛ لأنه اعتراض لقول يزيله عن حكمه بذلك من المعاني ولا لغيرها”([69]).

2- الماء المضاف:

وهو الماء غير المطلق، الذي لا يعرف إلا بما أضيف إليه، وهو ماء فقد طهوريته باختلاطه بطاهر ينفك عنه. وحكمه أنه يزيل الخبث ولا يرفع الحدث([70]). مثل ماء الورد والعصير وماء الزعفران. قال في بيان الشرع: “طاهر في نفسه، غير مطهر إلا أحداثا لا تزول إلا به”([71]). وقال صاحب المصنّف: “ولا أعلم أن أحدا أجاز التطهر إلا بالماء المطلق، وَإِنَّمَا الخلاف بين الناس في الماء المستعمل”([72]).

وينقسم الماء المضاف إلى ثلاثة أقسام:

1- مضاف إلى الخارج منه: مثل ماء الأشجار والثمار.

2- مضاف إلى الواقع فيه: مثل الماء الذي خلط به زعفران أو ورد أو نحوه.

3- مضاف إلى مكان: مثل ماء النهر وماء البحر وماء البئر. وهذا النوع مطلق وطهور، ويمكن أن يسمى ماءً إطلاقا بدون إضافة. والحديث هنا عن الماء المضاف لا يشمل هذا القسم.

ويورد صاحبا كتابي بيان الشرع والمصنّف هذه التقسيمات الثلاثة وأحكامها في إحدى المسائل، قالا: “ومن الكتاب([73]): والأمواه ثلاثة، فماء مضاف إلى الواقع فيه، وماء مضاف إلى الخارج منه، وماء مضاف إلى مكان يقوم به. فالماءان المتقدم ذكرهما لا يجوز التطهر بهما، وإن كانا طاهرين، إذ اسم الماء لا يقع عليه ماء مطلقا، فالماء الذي ورد الشرع به هو الذي استحق اسم الماء مطلقا، ألا ترى إلى قول الله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ﴾([74])؟ وماء لا يخرج عن حد الماء المطلق، إذ الماء لا يقوم إلا في محل”([75]).

ويرى صاحب بيان الشرع أن هذا القسم من الماء وإن كان طاهراً، إلا أنه غير مطهر([76])، إلا في حالة فقدان الماء المطلق الطهور، فإنه يُـستخدم لإزالة النجس، إلى أن يوجد الطهور. ويورد أن بعض العلماء يرون إجزاء إزالة النجاسة به: “قال بشير([77]): كذلك من غسل دما من ثوب ببصاق حتى يسيل البصاق في الأرض، مثل ما لو غسله بالماء أنه يجزئه، وشبه النجاسات مثل الدم في هذا المعنى. قال: وكذلك إن غسله بالدهن وبالخل وباللبن وبالنبيذ أنه يجزئه. قال غيره: نعم، قد قيل هذا. وقيل: لا يطهر إلا بالماء”([78]). ويرى صاحب المصنّف أن الماء المضاف لا يجزئ في الطهارة، وذلك ما يظهر من إيراده لمسألة في هذه القضية، قال: “مسألة: ولا يجوز الوضوء بماء مضاف إلى صفة غير الماء المطلق، كماء الورد، والزعفران، والباقلاء، وماء الأشجار، ولا يجوز إلا بماء مطلق يقع عليه اسم الماء، وعلى هذا أجمع أهل العلم”([79]). ويورد قولا بجواز إزالة النجاسات به، قال: “مسألة: ولا يتوضأ بالخل ولا باللبن ولا الدهن ولا الريق ولا الدموع. وقيل: إنه يطهر النجاسات”([80]).

وبنفس الطريقة في الماء الطهور، يمكن تقسيم الأقوال التي أوردها صاحبا كتابي بيان الشرع والمصنّف في تطهير الماء المضاف للنجاسات إلى ثلاثة أقوال([81]):

–             قول يقول بعدم تطهير الماء المضاف للنجاسات مطلقا.

–             وقول يقول بتطهيره للنجاسات في حالة عدم وجود الطهور.

–             وقول يقول بتطهيره للنجاسات مطلقا.

ويورد صاحب بيان الشرع في ذلك مسألة تـبرز هذه الأقوال الثلاثة، قال: “مسألة: قلت له: ماء الورد والدهان وماء الأشجار، هل تقوم مقام الماء أو لم يكن في جميع الطهارات من النجاسة وغيرها مما لا تقوم إلا به؟ قال: فمعي أنه قد قيل في جميع ما ذكرت أنه لا يطهر النجاسات عند وجود ولا عدم. وإنما يطهرها الماء الطهور الذي سماه الله طهورا، وهذا ماء طاهر ليس بمطهر. وأحسب أن بعضا قال: إنه يجزئ عند الاضطرار والعدم للماء المطهر. وأحسب أن بعضا قال: يجزئ ذلك على كل حال، لأن هذا مثله، ومثل الشيء منه. ويعجبني القول الأول. وإن استعمل عند العدم فهو أحب إلي”([82]). كما يورد صاحب المصنّف مسألة أيضا تبرز تلك الأقوال، قال: “مسألة: أبو سعيد: وإذا وجد الماء المطلق الطهور، ووجد الماء المشبه له، لمعنى يستدل به: أنه يزيل معنى ما يزيل الماء الطهور، أو يقوم مقامه في غسل نجاسة، أو وضوء، فلا معنى لتركه بعد وجوده؛ لأنّه قد أشبهه بالاسم، أو المعنى المراد به. ويلحقه بذلك معاني الاختلاف، أن يكتفي به دون التيمم، أو يستعمل مع التيمم، ويعجبني في الاحتياط أن يستعمل التيمم”([83]).

الماء المستعمل:

الماء المستعمل يلحق بالماء المضاف. وهو الذي استهلك في الوضوء أو الغسل، أو غسل شيء من الأشياء الطاهرة التي تستهلكه. وهو طاهر في نفسه، يزيل الخبث، ولا يرفع الحدث. قال في بيان الشرع: (قال أبو سعيد: يواطئ قول أصحابنا يخرج في الماء المستعمل في الغسل من الجنابة والوضوء للصلاة، وما أشبه هذا من المراد به الفرائض فكان بالاعتبار مستهلكا في ذلك، أنه لا يجوز استعماله بعد ذلك لأداء الفرائض من وضوء ولا غسل ولا تطهير نجاسات، وهو طاهر يجوز شربه واستعماله في الطهارات([84]))([85]). وقال صاحب المصنّف: (ولا يجوز التطهر للصلاة بالماء المستعمل، ولو كان في نفسه طاهرا) ([86]). وقال: (ويجوز استعمال الماء المستعمل في إزالة النجاسات؛ لأنّه يزيل النجاسة لطهارته في نفسه)([87]).

وينقسم الماء المستعمل إلى قسمين:

1- الماء المستعمل في الوضوء أو الغسل:

والماء المستعمل في الوضوء أو الغسل له حالتان:

أ) المستعمل الذي فارق البدن: بحيث يتم استهلاكه في الوضوء ثم يسقط من البدن في إناء أو غيره. وفي حكم استخدامه للوضوء والغسل مرة أخرى ينقسم العلماء إلى قسمين، كما أورد ذلك صاحبا بيان الشرع والمصنّف:

– قول: لا يجوز استخدامه للوضوء والغسل. وهو قول مالك والأوزاعي والشافعي وأصحاب الرأي، وقول عند الثوري، وقال به أبو سعيد الكدمي وأصحابنا([88]). قال في بيان الشرع: (ومن الكتاب من جامع أبي جعفر: وكل ماء استعمل، فلا يجوز أن يستعمل للغسل ولا للوضوء مرة أخرى) ([89]). وقال صاحب المصنّف: (وقال محمد بن محبوب: إذا توضأ رجل بماء، فاجتمع ذلك في إناء، فتوضأ به رجل للصلاة، وصلى به، فإنه ينتقض صلاته) ([90]).

– قول آخر: يجوز استخدامه للوضوء والغسل. وهو قول بعض أصحابنا كما يظهر، وقول علي وابن عمر وأبي أمامة وعطاء بن أبي رباح والحسن البصري والنخعي ومكحول والزهري، وقول عند أبي ثور([91]). قال في بيان الشرع: (قال أبو محمد عبدالله بن محمد بن بركة([92]): أما أخذ الماء مما قد استعمل به المتوضؤون، فإن استعماله لما ينساه، أو لجارحة أخرى، فبين أصحابنا في جواز ذلك خلاف) ([93]).

ب) المستعمل الذي لم يفارق البدن: وهو الماء أو البلل الباقي في أعضاء الوضوء أو الغسل بعد الوضوء أو الغسل. وينقسم العلماء كذلك إلى قسمين في حكمه، كما يورد ذلك صاحب بيان الشرع:

–    قول: لا يجوز استخدامه لما نسي من الأعضاء بدون غسل. وروي هذا القول عن الثوري.

–     قول آخر: يجوز استخدامه لما نسي من الأعضاء بدون غسل. وذهب إلى هذا القول علي وابن عمر وأبو أمامة وعطاء بن أبي رباح والحسن البصري والنخعي ومكحول والزهري، ومحمد بن محبوب من أصحابنا الإباضية. قال في بيان الشرع: (مسألة من كتاب الأشياخ: وعن محمد بن محبوب ـ رحمه الله ـ فيمن نسي مسح رأسه حتى جف وضوؤه أن عليه إعادة الوضوء والصلاة، وإن كان شيء من وضوئه لم يجف، فإنما عليه أن يمسح رأسه، فإذا كان في لحيته ماء فأخذ منه ومسح به رأسه أجزأه، وكذلك إن كان في جارحة من حدود الوضوء موضع لم يصبه الماء، وكان في بدنه شيء من الماء فرطبه أجزأه)([94]).


2- الماء المستعمل في غسل شيء من الأشياء غير الوضوء والغسل أو طبخ طعام أو شراب: وهو الذي  استخدم في غسل إناء من طعام، أو طبخ فيه طعام، أو طبخ هو وشيء من الأشربة، أو نـقع فيه شيء من الأوراق أو الثمار. وحكمه عند العلماء كما يورد صاحبا كتابي بيان الشرع والمصنّف، أنه طاهر في نفسه، غير مطهر لغيره لا يصلح للوضوء ولا للغسل، ولكن يصلح لإزالة النجاسات([95]). قالا: (وعن أبي الحواري([96]): وعن رجل يتوضأ أو يغسل بماء قد استعمل لجارحة أخرى، أو بماء قد غسل به جرجرا ووضع فيه غزلا نسج به، أو إناء غسل به من طعام أو غيره، أو ماءٍ قد طبخ فيه بسر([97])، أو ماء زق فيه خوص([98]) أو غضف، ولم يجد ماءً غيره، أو قد وجد غيره، وتوضأ به وصلى. فعلى ما وصفت، فلم يجيزوا أن يتوضأ بالماء المستعمل، مثل الذي يقطر من الوضوء والغسل، وكذلك الذي يغسل به الإناء ويطبخ به البسر، فلا يجوز الوضوء بذلك) ([99]).

مسألة: إذا لم يوجد الماء الطهور ووجد الماء المستعمل، فهل يجزئ استخدام المستعمل للوضوء والغسل؟

يورد صاحبا كتابي بيان الشرع والمصنّف  في هذه المسألة ثلاثة أقوال عند أصحابنا الإباضية، قالا: (قال أبو سعيد: فإذا عدم الماء الطهور ووجد الماء المستعمل، فعندي يخرج فيه معاني الاختلاف من قولهم([100]): فبعض يجيز استعماله مع التيمم. وبعض يجيز استعماله عند عدم الماء، وأرجو أنه لا يوجب معه تيمما. ولعل في بعض القول لا يرى استعماله باستهلاكه، ويرى التيمم أولى منه)([101]).


3- الماء النجس:

هو الذي خالطته نجاسة فغيرت أحد أوصافه الثلاثة، الطعم أو اللون أو الرائحة. أما إذا كان قليلا دون القلتين فإنه يتنجس بمخالطة النجاسة له ولو لم يتغير أحد أوصافه عند بعض العلماء، للحديث النبوي الشريف: «إذا كان الماء قدر قلتين لم يحتمل خبثا»([102])، بينما يرى آخرون عدم تنجس الماء القليل ما دام لم يتغير أحد أوصافه([103]). وبطبيعة الحال فإنّ هذا القسم من الماء لا يرفع الحدث ولا يرفع الخبث.

ويرى صاحب بيان الشرع في هذه المسألة أن الماء سواءً كان أكثر من القلتين أو دونها، فإنه لا يتنجس إلا إذا تغيـر أحد أوصافه الثلاثة، حيث يورد في ذلك عددا من المسائل وأقوال العلماء، ومن ذلك ما أورده بقوله: (وأما قول من لا يرى قليل الماء ينجس بحلول النجاسة فيه إلا أن يغير طعم الماء ولونه أو ريحه، فالماء طاهر بحاله بوقوع ذلك وقع فيه، وبه نقول)([104]). كما يورد في المقابل أقوال من قال بنجاسة الماء إذا كان دون القلتين ولو لم يتغير أحد أوصافه، حيث أورد آراء مجوعة من الفقهاء في ذلك([105]). ويفهم من كتاب المصنّف نفس الرؤية، حيث يرى بأن الماء سواء كان قليلا أو كثيرا فلا ينجسه إلا ما غلب عليه. قال في المصنّف: (وحكم الماء طاهر حيث وجد، جاريا أو راكدا، صافيا أو كدرا، قليلا كان أو كثيرا، حتى يصح حلول نجاسة فيه تنقله عن حكمه، وتغيره عن وصفه) ([106]).

لا نجاسة إلا بغلبة: الماء طاهر لا ينجسه إلا ما غلب عليه([107]) بطعم أو لون؛ لأنّ الحكم حكم الأكثر([108])، كما يرى صاحب بيان الشرع. ولو كان هذا الماء قليلا([109]).

ويورد صاحب المصنّف ما يورده صاحب بيان الشرع، من أن الماء لا ينجسه إلا ما غلب عليه فغير أحد أوصافه. قال: (وفي خبر: الماء الطاهر لا ينجسه إلا ما غلب عليه) ([110]). ويفهم من مسألة أخرى أوردها أن هذا الماء ولو كان قليلا، فإنه لا ينجسه إلا ما غلب عليه، قال: (مسألة: والماء قبل حلول النجاسة فيه فطاهر بإجماع، ومختلف فيما حلت فيه النجاسة، ولم تغير له طعما ولا لونا ولا ريحا. فلا يجوز إفساد ما أجمعوا على طهارته إلاَّ بإجماع مثله، أو خبر لا معارض له) ([111]).

لا نجاسة إلا بيقين: يرى صاحب بيان الشرع أن الماء لا يتنجس إلا بيقين؛ لأنّ حكمه حكم الأصل، حتى يثبت تغير الأصل، وقد أورد في ذلك مجموعة من المسائل والأقوال، منها قوله: (مسألة: ومن صبّ عليه ماء في أيام النيروز فهو طاهر، حتى تعلم نجاسته)([112])، وقال: (وكل ماء وجد متغيرا، ولم يعلم أن تغيره من نجاسة، فهو محكوم له بحكم الطهارة؛ لأنّا على يقين من أنه طاهر، ولسنا على يقين من أنه قد صار نجسا، وليس شكنا في زوال الطهارة عنه بموجب لثبوت النجاسة فيه) ([113]). كما أورد رأيا يقول بأنه لا يقبل قول من أخبر بتنجس بئر إلا أن يكون ثقة، وعلى قول أبي سعيد([114]) أنه لا يقبل مِمَّن قال بتنجيسها حتى يفسر صفة ذلك([115]).

وعند صاحب المصنّف نفس الرؤية، حيث يرى أنه لا نجاسة للماء إلا بعلم يقين. وقد أورد في ذلك مجموعة من المسائل كذلك، من ذلك قوله: (مسألة: وقيل عن أبي عبدالله([116]) في خبّ([117]) فيه ماء، ترده الصبيان والعيال ويشربون منه، فلا بأس بكل ذلك، ولا بالوضوء منه حتى يستيقن على نجاسة بعينها. وقال أيضا: في وعاء فيه ماء بين يدي حجام يرطب للناس به، ومسني من مائه، قال: لا بأس حتى تعلم فيه فسادا)([118]).

الماء القليل:

الماء الطاهر ولو كان قليلا لا ينجس، إلاّ إذا تغير أحد أوصافه الثلاثة بنجاسة، لدلالة السنة النبوية الشريفة على ذلك؛ فعن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبيّ صلعم قال: «الماء طهور، لا ينجسه إلا ما غير طعمه أو لونه أو رائحته»([119]). 

واختلف العلماء في نجاسة الماء القليل إذا وقعت فيه نجاسة ولم تغلب عليه، ولم تغير شيئا من أوصافه الثلاثة. وقد تناول بيان الشرع هذه المسألة بالتفصيل، حيث أورد قول القائلين بطهارة الماء القليل الذي أصابته نجاسة ولم تغيره، وأورد رأي الآخرين القائلين بنجاسة الماء القليل الذي أصابته نجاسة ولم تغيره، كما أورد ردود الفريق الأول على الفريق الثاني في هذه المسألة، وقد تابعه صاحب المصنّف وبنفس المنهجية وبنفس المسائل في هذه المسألة([120]). وملخص ما أورداه([121]):

قول بطهارة الماء القليل إذا أصابته نجاسة ولم تغير شيئا من أوصافه الثلاثة. ويظهر من مسألة أوردها صاحب المصنّف أنه يميل إلى هذا القول([122]). وكذلك يظهر من حديث صاحب بيان الشرع أنه يميل إليه([123]).

وقول آخر: بنجاسة الماء القليل إذا أصابته نجاسة ولم تغير شيئا من أوصافه الثلاثة. ولعلهم استدلوا بأحاديث نبوية شريفة وردت تدل على تنجس الماء القليل إذا خالطته نجاسة ولو لم تغلب عليه؛ فعن جابر بن زيد قال: قال رسول الله صلعم :«إذا كان الماء قدر قلتين لم يحتمل خبثا»، وفي رواية أخرى: «قدر قلتين ماءً لا ينجسه شيء»([124])، فيفهم من هذا الحديث بمفهوم المخالفة أن الماء إذا كان أقل من قلتين فإنه يتأثر بالنجاسة, ولو لم يتغير طعمه ولا ريحه ولا لونه.

ورد أصحاب القول الأول على الفريق الآخر: بأن السنة النبوية دلت على عدم تنجس الماء إلا بما غير أحد أوصافه الثلاثة. وأن الله تعالى سمى الماء طهورا، والطهور هو الذي يطهر الشيء بعد الشيء، فما لحقه من نجاسة يلحقها التطهير. وأن المسلمين أجمعوا على طهارة الماء إذا لم تغير النجاسة شيئا من أوصافه، واختلفوا في حدود الماء، وما اختلف فيه مِمَّا لم يرد فيه وحي فليس لأحد أن يضع به حدا يتعلق به حكم.


حكم الانتفاع بالماء النجس في الطهارة وأشباهها:

يورد صاحب المصنّف أن الماء المتنجس إذا استخدم لعجن طحين أو ما شابهه، فإن هنالك خلافا بين أهل العلم في استخدام ذلك العجين: فقول يطعمه الدجاج والبهائم وبه قال مجاهد والشافعي ومالك. وقول يطعم ما لا يؤكل لحمه. وقول لا يطعم شيئا. وقول يطعم الأطفال وممن قال به أبو سعيد الكدمي من أصحابنا الإباضية([125]). قال: (مسألة: أبو سعيد: أكثر ما قيل إن هذه الأشياء إذا تنجست، من العجين والطبيخ وما أشبه ذلك، أنه لا وجه إلى تطهيرها، ويدفن ولا يطعم شيئا من الدواب، ولا أحدا من الناس، صغيرا ولا كبيرا، ولا تباع، ولعله يخرج: ولا توهب؛ لأنّه إذا ثبت أنه لا ينتفع بها بوجه، بطل بيعها وهبتها؛ لأنّه محرم، فلا يغير. وقول: أنها وإن ثبت أن لا وجه إلى طهارتها، فإنه يطعم الدواب، ولو كان نجسا؛ لأنّ الدواب لا إثم عليها ولا تعبد. وقيل: يجوز أن يطعم ذلك الدواب والأطفال من الناس، وكل من لا إثم عليه؛ لأنّه يقع لهم موقع النفع، وليس عليهم منه مضرة، ولا إثم عليه)([126]).

ويرى صاحب المصنّف أن الماء النجس لا يصح الانتفاع به، ولا يباع ولا يشترى، إلا في حال الضرورة التي لا محيص عنها([127]).

ويرى صاحب بيان الشرع عدم جواز الانتفاع بالماء المتنجس لا في إزالة النجاسة ولا في رفع الحدث، من خلال إيراد مسائل في ذلك عن بعض العلماء، من مثل قوله: (قال غيره: نحب إذا علم بالبئر أنها نجسة لا ينتفع بها حتى يعلمه من يأتي أنها نزحت) ([128]). كما يطرح رأيا بإعادة صلاة من صلى بوضوء من ماء بئر متنجس([129]). ولا يصح كذلك استخدام الماء المتنجس في شرب ولا طعام([130])، إلا في حال الاضطرار الذي لا محيص عنه([131]). وكذلك أورد رأيا بعدم إطعام البهائم مأكولة اللحم مِمَّا هو متنجس، وإن كان هنالك قول بجواز ذلك([132])، وقول آخر بجواز إطعام الأطفال مما عارضته نجاسة؛ لأنهم غير متعبدين بترك النجس([133]). أما في سقي الأشجار فيفهم من صاحب بيان الشرع جواز سقيها بما هو نجس، من خلال إيراد مسألة عن محمد بن محبوب ـ رحمه الله ـ في جواز سمد الأشجار بالنجس([134])، والماء مثل السماد في ذلك. وإن كان يورد قولا آخر في موضع آخر بتنجس الشجرة إذا سقيت بماء نجس، حتى تسقى بماء طاهر مرة أو مرتين أو ثلاثا، على حسب الخلاف([135]).

وبالتالي فإن ما حرم تناوله أو الانتفاع به حرم بيعه وشراؤه، إلا على قول من قال بجواز الانتفاع به في بعض الجوانب مثل إطعام أو سقي الدواب المأكولة والأطفال من المتنجس نجاسة عارضة ليست أصلية([136]). وإن كنا لا نتفق مع رأي القصد إلى سقي وإطعام البهائم المأكولة والأطفال مِمَّا هو متنجس نجاسة غير أصلية، لعلة قذارة النجاسة ودنسها وتأثيراتها الصحية التي ظهرت في العصر الحديث، وكذلك للنواحي التربوية المتعلقة بالأطفال.

ما ينجس الماء:

1- النجاسات الخارجة من بني آدم، مثل البول والغائط والمني والمذي والدم والحيض والقيء([137]). قال في بيان الشرع: (قال أبو سعيد: ولا أعلم بينهم([138]) تفريقا في قليل البول وكثيره، إلا أنه مفسد، إذا ثبت فساده يفسد قليله وكثيره، لمعاني قولهم عندي) ([139]). وقال: (ومن الكتاب([140]): ثبت أن رسول الله صلعم أمر بغسل المذي من البدن… إلى أن قال: قال أبو سعيد: معي أنه يخرج معاني الاتفاق في قول أصحابنا على القول الأول. ولا أعلم بينهم اختلافا، إلا أن فيه الغسل من البدن والثوب، قليله وكثيره، وأنه نجس ما كان من قليل أو كثير)([141]). وقال: (قال أبو سعيد: معاني الاتفاق من أصحابنا يخرج معي أن المني نجس قليله وكثيره، في البدن والثوب)([142]). وقال صاحب المصنّف: (مسألة: أنجس الأنجاس عندنا البول، ثم العذرة، ثم الدم، ثم الجنابة. والأبوال كلها نجسة لأن الله تعالى حرم كلها، وسمى الرسول صلعم البول من ابن آدم خبيثا، فإذا صح بالكتاب والسنة تحريم بعض البول وجب تحريم البول كله، والله أعلم)([143]).

2- ميتة ذوات الدم من جميع الحيوانات البرية([144]).

3- ميتة ذوات الدم من الحيوانات التي تعيش في الماء وفي البر إذا ماتت في البر، مثل الضفدع([145]).

4- أبوال جميع الحيوانات البرية. قال في بيان الشرع: (قال أبو سعيد: معي أنه يخرج في معاني الاتفاق من قول أصحابنا أن أبوال الأنعام كلها وما أشبهها مِمَّا هو مثلها من اسمه أو جنسه، أن أبوال ذلك كله مفسد، لا نعلم بينهم اختلافا في ذلك) ([146]). وقال في المصنّف: (اختلف أصحابنا في أبوال الدواب، واتفقوا على أن بول الخنزير وبول ابن آدم نجس. والأبوال عندنا كلها نجسة، بدليل قول الله عزّ وجل: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ﴾([147])، والأبوال كلها مِمَّا يخبث، وهي في حيز الخبائث)([148]).

5- ميتة وآسار ورطوبات وأرواث الحيوانات النجسة، مثل الكلب والخنزير والحية. قال في بيان الشرع: (ومن جامع أبي محمد: الخنزير مجموعه محرم، ولا يجوز الانتفاع بشيء منه)([149]). وقال: (والحيات والأماحي والخنازير مفسد سؤرهن وما متن فيه وخبثهن)([150]). وقال صاحب المصنّف: (الخنزير مجموعه محرم، ولا يجوز الانتفاع بشيء منه)([151]).

6- آسار السباع، على قول من قال بنجاسة سؤرها. قال في بيان الشرع: (قال أبو سعيد: وقد قيل: إنّ آسارها فاسدة، ولعل ذلك يخرج على معنى قول من يفسد لحومها للنهي عن ذوات الناب من السباع)([152]).

7- ميتة ذوات الدم المجتلب، مثل البعوض والبراغيث والقردان والحلم. فإذا عرفت أنها تجتلب دما، فهي نجسة تلحقها أحكام النجاسات([153]). قال في المصنّف: (وقال بشير([154]): دم البراغيث الصغار السود والضمج الذي يكون في البيوت لا بأس به. وأما الذي يلدغ ويكون في مرابط الدواب وغيرها، والحلم والقراد فجميعه مفسد)([155]).

8- دماء جميع الحيوانات البرية. قال في المصنّف: (وعن أبي سعيد في [كتاب] الاستقامة: والمجتمع عليه أن الدم المسفوح من الأنعام الذكية([156])، دم المذبحة ودم المنحر، وما تبع ذلك ما لم تغسل المذبحة، وهي ما به صارت ذكية، فهو رجس، قليله وكثيره، في البدن والثوب، حرام في المأكولات والمشروبات، من جميع الدواب والطير، من ذوات الدماء الأصلية غير المجتلبة) ([157]).

9- ذرق الطيور على قول من قال بفساده([158]).

ما لا ينجس الماء:

1- لا يتنجس الماء إذا اختلطت به نجاسة ولكنها لم تغير شيئا من أوصافه الثلاثة([159])، لدلالة السنة الشريفة على ذلك، ومن ذلك ما رواه الربيع عن جابر بن زيد عن ابن عباس عن النبيّ صلعم قال: «الماء طهور لا ينجسه إلا ما غير طعمه أو لونه أو رائحته»([160]). قال صاحب بيان الشرع: (مسألة من كتاب الأشياخ([161]): وعمن أخذ أن الماء لا ينجسه إلا ما غلب عليه، أهو عدل لمن اضطر إلى ذلك، أم غير عدل عندك؟ قال: بل هو عدل؛ لأنّ السنة دالة عليه، أن الماء لا ينجسه إلا ما غير لونه أو طعمه أو عرفه، فعلى هذا جائز لمن أخذ بذلك مع الاضطرار، وقد أخذوا بذلك مع الاختيار) ([162]).

2- جميع ما لا دم فيه في الأصل ولا دم فيه مجتلب من الطير والدواب مثل الجراد والعقارب والذباب فإنه طاهر حيا وميتا وكل ما خرج منه طاهر([163])، ولا ينجس الماء إذا وقع فيه. قال في بيان الشرع: (وأما العقرب والدبي([164]) فإنه لا يفسد الماء، ولا ينجسه إذا مات فيه. وكذلك كل دابة ليس فيها دم فإنها لا تنجس ما ماتت فيه) ([165]). وقال في المصنّف: (قال أبو الحسن: وأما العنكبوت والعقرب والذباب لا يفسد، والله أعلم) ([166]). وقال: (وموت ما ليس له دم سائل في الماء لا يفسده) ([167]).

3- الحيوانات التي تعيش في الماء وفي البر سواء، لا تنجس الماء إذا ماتت فيه، قال صاحب بيان الشرع: (قال([168]): فإذا ماتت الضفدع في الماء لم تنجسه، وإذا ماتت في غير الماء نجسته) ([169]). وقال صاحب المصنّف: (قال([170]): إن كان يأكل الضفادع في الماء فعندي أن بعضا يقول: موتها في الماء لا يفسده، فعلى هذا هي بمنزلة الصيد([171])، والصيد لا يفسد بالاتفاق، ميتته ولا دمه، بتأكيد السنة عن النبيّ صلعم)([172]).

 4- الحيوانات مأكولة اللحم لا تنجس الماء إذا وقعت فيه ولم تمت فيه: قال في بيان الشرع: (قال([173]): إذا وقعت الشاة وأشباهها في بئر ثم خرجت حية لم تنزف البئر)([174]).

5- آسار الدواب مأكولة اللحم لا تنجس الماء، وكذلك مكروهة اللحم سؤرها مكروه عند بعض، ولا بأس به عند آخرين([175]). كما سيأتي تفصيله في فقرة لاحقة.

6- آسار السباع على قول بعض العلماء، كما يورده صاحب بيان الشرع([176]) لا تفسد الماء. قال في بيان الشرع: (قال أبو سعيد: وأما السباع فيخرج في معاني قولهم: كراهيتها من غير فساد بمعاني الاتفاق) ([177])، وسيأتي ذلك في فقرة لاحقة.

7- الدواب التي تعيش في الماء وحده دون البر، مثل السمك، فإنها لا تفسد الماء، حية وميتة، سواءً ماتت في الماء أو في خارجه. قال في بيان الشرع: (ويدل على ذلك ما روي عن النبيّ صلعم أنه سئل عن الوضوء بماء البحر، فقال: «هو الطهور ماؤه والحل ميتته»([178])، يعني أنها لا تفسد الماء، فإنما يفسده لو مات فيه ما لا يعيش فيه، والله أعلم) ([179])، وقال: (وأما الضفدع ونحوه كالسلحفاة التي تعيش في الماء وتموت فيه، فلا يفسد هذا الماء بموتها، كالسمك الذي في البحر، موته فيه ذكاته، كذكاة صيد البر الذبح) ([180]). وقال في المصنّف: (مسألة: وأما السمك الذي لا يعيش في البر، ولا يشبه ذوات البر فدمه طاهر. والذي لا يعيش في البر وهو مشبه لذوات البر؛ فعلى ضربين: فما أشبه الأنعام والصيد، فقول ميتته حلال لأنه صيد بحر، وقول يذكى لشبهه بما يذكى، وما أشبه الخنزير فهو يسمى خنزيرا، فقول إنه حرام ودمه تبع له، وقول ليس بحرام. وهو أصح؛ لأنّه كله صيد البحر، ولم يستثن الله منه شيئا) ([181]).

8- بعض الحيوانات التي تعم بها البلوى، ولا يمكن التحرز منها، مثل الفأر والبرص، إذا وقعت في الماء ولم تمت فيه، فإنها لا تنجسه. قال في بيان الشرع: (مسألة: وسألته عن الفأرة واللغ أو شيء من الدواب يقع في الماء أو في الدبس أو شيء من الطهارات فيخرج منه وهو يتحرك بعد لم يمت. فيموت من حين ما أخرج أم هو طاهر؟ قال: نعم، ما لم يمت فهو طاهر ليس به بأس)([182]). وقال صاحب المصنّف: (وسؤر الفأر وبعره فيه قول أنه نجس، وقول طاهر)([183]).

9- رطوبات المؤمنين من بني آدم من غير النجاسات لا تنجس الماء، مثل العرق والسؤر والريق والمخاط([184]). وسيأتي تفصيل ذلك في فقرة لاحقة.

10- أرواث الحيوانات المأكولة اللحم، وبعض الحيوانات مكروهة اللحم مثل الحمير. قال في بيان الشرع: (من كتاب المعتبر([185]): ولا بأس بسؤر الخيل والإبل والبقر والحمير والغنم من الماء وغيره، وأرواثها، ولا نعلم أنه مفسد) ([186])

ثانيا: الآسار ورطوبات بني آدم وأحكامها:

1- الآسار وأحكامها:

السؤر: هو ما تبقى من بعد الشرب. والسؤر له أحكامه الخاصة بالطهارة والنجاسة، وذلك تبعا للشارب، فإن كان الشارب نجسا كان السؤر نجسا، وإن كان طاهرا فطاهر، وإن كان مكروها فمكروه. والتفصيل التالي يوضح ذلك.

الآسار الطاهرة:

وهي آسار المؤمنين من بني آدم، وآسار الحيوانات مأكولة اللحم، مثل الغنم والإبل والبقر والدجاج. وآسار الطيور غير مأكولة اللحم، وسؤر ما لا يحترز منه مثل السنور والفأر، وآسار الخيل والبغال والحمير على قول. وقد أورد بيان الشرع مسائل في ذلك، منها قوله: (قال أبو سعيد: يواطئ قول أصحابنا يخرج عندي على تطهير آسار الدواب كلها من الأنعام والخيل والبغال والحمير من الماء وغيره من الأشياء وما يشبه هذه الدواب كلها من الأنعام وخرج مخرجها، فهذا عندي يخرج على ظاهر قولهم، وقد يخرج عندي كراهية سؤر الخيل والحمير وما أشبههما لموضع كراهية لحومها)([187]). وقال: (وما حل أكل لحمه لم يفسد سؤره، إلا أن يكون رآه أكل نجاسة ثم مس الماء قبل أن يأكل شيئا أو يغيب عنه) ([188])، وقال: (ولم ير المسلمون بأسا بسؤر السنور)([189])، وقال: (قال([190]): والدجاج لا يفسد سؤره إلا أن يرى في منقاره نجاسة) ([191]). وقال: (وأما سؤر ما لا يؤكل لحمه كالحمار الأهلي وما لا يؤكل لحمه من الطير، ورخص فيه أشياخنا لأجل أنه لا يمتنع منه في البيوت كنحو الفأر والسنور وما جرى مجراها، وأيضا فإن الطير يأخذ الماء بمنقاره فلا يتيقن اختلاط لعابها بالماء، ولا تأخذ بألسنتها مثل السباع) ([192]). وقال: (من كتاب المعتبر([193]): ولا بأس بسؤر الخيل والإبل والبقر والحمير والغنم من الماء وغيره) ([194])، وقال: (وكذلك سؤر الطير جميعا وخزقه لا نبصر فيه فسادا إلا الحمام الأهلي) ([195]).

وينحو صاحب المصنّف منحى صاحب بيان الشرع في هذه المسألة، ويورد نفس الأقوال والاستشهادات، ومن ذلك قوله: (مسألة من [كتاب] المعتبر: وسؤر الطير جميعا وخزقه لا نبصر فيه فسادا) ([196]). وقوله: (ولم ير أصحابنا بأسا بسؤر الدجاج ما لم ير على منقاره قذر)([197]). وقوله: (وسؤر الفأر وبعره فيه قول أنه نجس، وقول: طاهر)([198]). وقوله: (وأما الجعلان([199]) وشبهها من الخنافس، ما لا دم فيه من الطائر والدواب بالاتفاق على الشبه، أنه طاهر لا بأس بسؤره)([200]). وقوله: (مسألة: وقيل سؤر الرخم والغراب والعقاب والسنور لا بأس به، إلا أن نراه يأكل الجيفة ويرد الماء، فذلك مفسد)([201]). وقوله: (قال الربيع([202]): آسار الدواب كلها، الجمل والحمار والبقر والغنم نشرب منه ونتوضأ منه، إلا الجلالة)([203]).

الآسار النجسة:

وهي آسار الحيوانات النجسة، مثل الخنزير والكلب والحيات، وآسار السباع على قول، وآسار بعض الطيور الجارحة على قول. ومما أورده صاحب بيان الشرع في ذلك، قاعدة أن ما حرم لحمه فسؤره فاسد. قال: (قال أبو سعيد: لأنه كل ما فسد لحمه ففي الاعتبار أنه مفسد سؤره) ([204]). وقال: (قال أبو سعيد: وأما السباع فيخرج في معاني قولهم: كراهيتها من غير فساد بمعاني الاتفاق. وقد قيل: إنّ آسارها فاسدة، ولعل ذلك يخرج على معنى قول من يفسد لحومها للنهي عن ذوات الناب من السباع)([205])، وقال: (مسألة: سألت أبا سعيد عن سؤر الكلب من الماء إذا لعق بلسانه ولم يمسه شيء من شربه هل ترى به بأسا؟ قال: سؤر الكلب نجس. هكذا قال) ([206])، وقال: (وعندي أن لحم جميع السباع حرام وسؤرها نجس، إلا السنور فإن سؤره ليس بنجس) ([207])، وقال: (والحية سؤرها نجس) ([208])، وقال: (وشدد من شدد من المسلمين في سؤر الرخم والغراب) ([209]).

وينحو صاحب المصنّف هذا المنحى، فمعه أن ما حرم لحمه فسؤره فاسد. قال: (مسألة: ودليلنا على من وافقنا في تحريم السباع وخالفنا في سؤرها، أن سؤرها نجس: أنا لما رأينا الخنزير حرام لحمه ولبنه، وسؤره نجس بإجماع، وجب أن يكون كل ما حرم لبنه ولحمه من السباع فسؤره نجس) ([210]). قال: (الخنزير مجموعه محرم، ولا يجوز الانتفاع بشيء منه) ([211]). وقال: (مسألة: والحيات والأماحي([212])والحتار([213]) مفسد سؤرهن) ([214])، وإن كان يورد أقوالا بعدم فساد سؤرهن([215]). وكذلك يورد أن ما يتغذى على النجس فسؤره فاسد([216]).

الآسار المكروهة:

وهي آسار ما كره لحمه مثل الحمير والبغال والخيل على قول، وآسار السباع على قول، وآسار ما لا يحترز منه مثل السنور والفأر على قول، وآسار ما يتغذى على النجاسة في حالة الشكّ أن في منقاره نجاسة، أما إذا علمت نجاسة منقاره فسؤره نجس. ومما أورده بيان الشرع في ذلك قوله: (قال أبو سعيد: وكل ما كره لحمه فكذلك يخرج في الاعتبار كراهية سؤره)([217]). وقال: (قال أبو سعيد: وقد يخرج عندي كراهية سؤر الخيل والحمير وما أشبههما لموضع كراهية لحومها)([218]). وقال: (قال أبو سعيد: وأما السباع فيخرج في معاني قولهم: كراهيتها من غير فساد بمعاني الاتفاق)([219]). وقال: (وقد اختلف في سؤر السنور والفأر، فبعض كرهه)([220]).

وعند صاحب المصنّف نفس النظرة في هذه القضية، ويضيف قولا آخر: إنّ ما كان يخلط في طعامه النجاسة مثل الدجاج فسؤره مكروه في حالة الشك، أما في حالة اليقين بتنجس منقاره فيفسد سؤره. ومن ذلك قوله: (وكره بعض سؤر الدجاجة؛ لأنّها تخلط الأنجاس، فلا يؤمن من كون النجاسة على منقارها، وإن لم تكن متيقنة، والاحتياط في ترك سؤرها أولى على قول من كرهه)([221]).

ما ولغ فيه الكلب:

الكلب حيوان نجس، وقد اختلف العلماء في سؤره إذا ولغ في إناء. وقد أورد صاحب بيان الشرع أقوالا عدة في تنجيس الكلب للماء إذا ولغ فيه، فهنالك قول يقول بعدم تنجس الماء إلا بما غلب عليه، وسؤر الكلب كباقي النجاسات. وقول ثانٍ يقول بتنجس الماء مطلقا، وذهب إلى ذلك أصحابنا([222]) والشافعي وأبو عبيد وأبو ثور وأصحاب الرأي. وقول ثالث يقول بإمكانية أن يُـتوضأ به إذا لم يوجد غيره، ويُـتيمم بعده، وبهذا قال مالك والأوزاعي وابن سلمة وابن الماجشون. وقول رابع يقول بإمكانية الوضوء به إذا لم يوجد غيره مع عدم اشتراط التيمم بعده، وبه قال الزهري([223]). ويرى صاحب بيان الشرع الرأي القائل بنجاسة الماء من ولوغ الكلب فيه، وأورد مسألة وجهت لأبي سعيد الكدمي في ذلك، قال: (مسألة: سألت أبا سعيد عن سؤر الكلب من الماء إذا لعق بلسانه ولم يمسه شيء من شربه هل ترى به بأسا؟ قال: سؤر الكلب نجس. هكذا قال)([224]).

أما صاحب المصنّف فقد أورد قولين في المسألة، قول بنجاسة سؤر الكلب، وقول بطهارته. قال: (اتفق أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة ومالك بن أنس على إجازة سؤر الكلب، وطهارة فضل مائه، وكذلك سائر السباع)([225]). كما أورد مسألة الكلب المكلـب والاختلاف في طهارة سؤره ونجاسته. قال: (وسؤر السباع كلها مفسد، إِلاَّ الكلب المكلب، ولا يقطع الصلاة، فإنه قيل: لا يفسد سؤره، ولا من مسه وهو رطب. قال أبو محمد([226]): عندي: أن الكلب لا ينتقل لصيانة أهله من حكم الكلاب، من أن يكون سبعا، وأنه يقطع الصلاة، وينجس سؤره، والله أعلم) ([227]).

أما في مسألة الاختلاف في فضل الكلب هل يتوضأ به أو لا، فإن صاحب المصنّف يورد الخلاف السابق الذي أورده صاحب بيان الشرع([228]).

2- رطوبات بني آدم وتأثيرها على طهارة الماء:

فضل الرجل وفضل المرأة:

الفضل: هو الماء المتبقي من بعد الوضوء أو الغسل. وهو طاهر، سواءً فضل الرجل أو فضل المرأة؛ لأنّ الماء طاهر في الأصل ما لم تخالطه نجاسة وتحوله عن حكم الطهارة. وقد أورد صاحب بيان الشرع تفصيلا في ذلك عن بعض العلماء: قول بجواز تطهر كل من المرأة والرجل بفضل صاحبه، وممن قال به مالك والثوري والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي. وذهب إلى ذلك أصحابنا([229])، قال في بيان الشرع: (قال أبو سعيد: ولا علة تدخل على الماء الطهور فسادا، ولا شيء يحيله عن أحكامه ما لم تصح نجاسته)([230]).

وقول بجواز تطهر الرجل بفضل المرأة غير الحائض دون فضل شرب ووضوء الحائض، وَمِمَّن قال به ابن عمر وأحمد.

وقول بجواز تطهر كل من الرجل والمرأة بفضل صاحبه ما لم يكن أحدهما جنبا، وَمِمَّن قال به الأوزاعي.

وقول بعدم جواز تطهر الرجل بفضل المرأة الحائض، وَمِمَّن قال به الحسن وابن المسيب وغنيم بن قيس.

وقول بكراهية تطهر الرجل بفضل المرأة الحائض كراهة تنزيه، وهو قول عند أصحابنا الإباضية، قال في بيان الشرع: (قال أبو سعيد: ولكن ما أتى من قول أصحابنا أنهم كرهوا للرجل أن يتوضأ بفضل وضوء الحائض وغسلها، وأما إن كانت جنبا وفي سائر أحوالها، فلا أعلم في قولهم في ذلك كراهية، وإنما هذه كراهية ليست بحجر، ولا معنى لهذه الكراهية إلا على معنى التنزيه)([231]).

ولكن نقول: ما دام الكل متفق على طهارة بدن الحائض من غير موضع النجاسة، فلمَ يقال بعدم طهارة فضل الحائض ما دام لم يختلط بنجاسة؟ وخاصة إذا قلنا: إنّ الماء لا ينجس بملامسة النجاسة له إذا لم تغلب عليه، وهنا في هذه الحال تكون الحائض كذلك ملامسة بشيء من بدنها الطاهر الماء، فكيف تفسده؟ ويعضد هذا مسألة أوردها صاحب المصنّف، قال: (مسألة: ولا بأس بفضل وضوء المرأة وغسلها، … إلى أن قال: وكذلك أجازوا بفضل شربها)([232]).


عرق الحائض والجنب ورطوباتهما من غير النجاسات([233]):

جسد الجنب والحائض طاهر، وَإِنَّمَا النجاسة في موضعها، وأمرهما بالغسل تعبدي محض لا لأجل النجاسة. وبالتالي فإنّ عرق ورطوبات الجنب والحائض طاهرة، فإذا أدخلا في الماء أيديهما أو شيئا من بدنهما رطبا بعرق، أو غيره مما لم تلحقه نجاسة، فإن ذلك الماء طاهر. ويذهب صاحبا بيان الشرع والمصنّف إلى هذا الحكم([234])، ويورد صاحب بيان الشرع الاتفاق عليه من مسائل وأقوال العلماء، ومن ذلك قوله: (ومن غيره([235]) عندي: أنه يخرج في معاني الاتفاق من قول أصحابنا، وأرجو أنه من قول قومنا: أن عرق الجنب والحائض وريقهما وجميع ما مسهما من الرطوبة، أو مساه، وما خرج من أنفهما، وجميع ما كان يخرج منهما، أنه لا فرق بينه وبين الطاهر في ذلك من الرجال والنساء، أن ذلك منهما كله طاهر، إلا ما مس من ذلك شيئا من موضع الأذى من النجاسة من دم، أو جنابة) ([236])، ويورد استدلالا على ذلك بحديث النبيّ صلعم أورده بعض العلماء الذين نقل عنهم في كتاب بيان الشرع في هذه المسألة([237])، وهو قوله صلعم لعائشة: «ليست حيضتك في يدك»([238]). وأورد صاحب المصنّف مثله، قال في المصنّف: (مسألة: أبو سعيد: يخرج شبه الاتفاق بطهارة الريق، لا فرق بين الناعس واليقظان، وكل ما جاء من الإنسان من رطوباته مِمَّا خرج من فمه، أو من مناخره، أو من حلقه، أو من رأسه، أو من صدره، مما لم يأت من جوفه، أو من قبله، أو من دبره، من غير الدم وما أشبهه، فذلك كله من الإنسان من جميع أهل الإقرار، من الصغار منهم والكبار، والحائض والجنب، فكل ذلك يخرج عندي على معنى الطهارة، ما لم يخصه حكم شيء من النجاسة بحكم)([239]).

سؤر الحائض والجنب:

بناءً على المسألة السابقة، بطهارة بدن الجنب والحائض إلا موضع النجاسة منهما، فإن سؤر الجنب والحائض طاهر، يصح للشرب والوضوء. وقد ذهب إلى هذا الحكم صاحب بيان الشرع([240])، حيث أورد عددا من مسائل وأقوال العلماء في ذلك، مع التفصيل([241])، فالجنب سؤره طاهر للشرب والوضوء، والحائض سؤرها طاهر للشرب، وطاهر للوضوء عند الأغلب وقال من قال بأن مكروه للوضوء كراهة تنزيه([242])، وتعظيما لأمر الصلاة([243]). ومن ذلك قوله: (ومن غيره عندي([244]): وكذلك سؤرهما ـ أي الحائض والجنب ـ من الماء والطعام من شرابهما ووضوئهما يخرج في معاني الاتفاق أنه طاهر، جائز للشراب منه والوضوء والاغتسال، إلا سؤر الحائض من الوضوء عند الاستنجاء والغسل، فمعي: أنه كره من كره سؤرهما، وفضل وضوئهما من هذا الوجه لا من شرابهما للوضوء والغسل، ولم يكن يكره للشراب وغير ذلك من الطهارات، ولا معنى عندي لذلك، ولا فرق بين ذلك عندي في الوضوء، ولا غيره، ولا يخرج ذلك عندي إلا على وجه التنزه) ([245])، إلى أن قال: (وإن أفرده مفرد في معنى الوضوء للصلاة، فليس ذلك ببعيد لتعظيم أمر الصلاة) ([246]). وعند صاحب المصنّف مثل ذلك.

غسل المرأة والرجل من إناء واحد:

غسل المرأة والرجل من إناء واحد جائز، ولا يلحق الماء من ذلك حجر على أحدهما، وذلك لحديثٍ ورد عن السيدة عائشة ـ رضي الله عنها ـ فعن جابر بن زيد عن عائشة أنها قالت: «كنت أغتسل أنا ورسول الله صلعم من إناء واحد»([247]). وسواء في ذلك كان الرجل جنبا والمرأة حائض، أو سواهما جنب. ويرى صاحب بيان الشرع هذا الحكم في هذه المسألة، وحكى الاتفاق عليه، قال: (وأما غسل المرأة وزوجها بالإناء الواحد، فلا معنى يدل على منع ذلك، بل ذلك خارج في معنى الاتفاق أنه جائز، من جهة كان غسلهما من جنابة، أو هي من حيض وهو من جنابة)([248]).

رطوبات المشركين وتأثيرها على طهارة الماء:

المشرك نجس، لقول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾([249]). واختلف العلماء في ماهية هذه النجاسة، فبعض يرى أنها نجاسة حسية بدنية، ويرى آخرون أنها نجاسة معنوية لما هو عليه من الشرك. فمن قال: بأن المشرك نجس نجاسة حسية، قال بنجاسة جميع رطوباته وسؤره، ويجب عليه أن يغتسل إذا أسلم. ومن قال بالنجاسة المعنوية قال غير ذلك. وقد أورد صاحب بيان الشرع هذا الاختلاف في أقوال ومسائل العلماء في هذه المسألة([250])، ومن ذلك قوله: (ومن كتاب الإشراف([251]): واختلفوا في الكافر يسلم، فكان مالك بن أنس يرى أن يغتسل، وأوجب ذلك أبو ثور وأحمد بن حنبل، وقال الشافعي: أحب أن يغتسل، فإن لم يكن جنبا أجزأه أن يتوضأ) ([252]). وقوله: (ودليل آخر  قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾([253]) فهو نجس بقول الله تعالى جل ذكره، ومن يثبت له اسم نجس لم يكن متطهرا، ولم يستحق اسم متطهر مع استحقاقه اسم النجس، والله أصدق المسمين، وبه التوفيق)([254]).

ويورد صاحب بيان الشرع أن الكتابي مثل المشرك في النجاسة. قال: (قلت له([255]): فما الفرق بين المأمون الثقة في دينه من أهل الكتاب، وبين الفاجر من أهل القبلة الذي يؤمن ويجوز أن يؤمن على النجاسة؟ ولم يجز أن يؤمن اليهودي على النجاسة بشركه؟ قال: لا يؤمن على النجاسة عندي، وهو نجس، وأحكامه أحكام النجاسة) ([256]).

وكذلك صاحب المصنّف يشير بشكل أوضح إلى خلاف العلماء في نجاسة المشرك، ونجاسة أهل الكتاب، من حيث كونها حسية أو معنوية. قال: (مسألة: قال أبو محمد([257]): اختلف أصحابنا في معنى تسمية الله عزّ وجل للمشركين أنجاسا، فقول: معناه الشتم لهم، كما سماهم قردة وخنازير، وليس هم في الحقيقة قردة وخنازير. وقول: سماهم أنجاسا لملامستهم للأنجاس وقلة توقيهم لها. قال أصحابنا: هم أنجاس في أنفسهم. ولم أعرف وجه قولهم، إن النجاسة التي سماهم الله بها وجبت لأعيانهم أو أفعالهم؟ فإن كانت العين نجسة، فلا تزول النجاسة ما كانت العين موجودة، كالدم والبول والعذرة، وإن كانت بفعله الذي هو اعتقاده للشرك، يزول بزواله، ويثبت بثبوته)([258]). كما أشار بشكل واضح كذلك إلى الخلاف في نجاسة أهل الكتاب، هل هم كالمشركين أم غير ذلك؟ وأورد مسائل للعلماء تبين خلافهم في بعض الجزئيات المتعلقة بهذه المسألة. قال: (اختلف المسلمون في رطوبة أهل الكتاب، فقال بعض بنجاستهم، واحتج بقول الله تعالى: ﴿ إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾([259]). وقال بعض بطهارتهم، واحتج بأن هذه الآية نزلت في مشركي العرب ألا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم ذلك، وأن الله تعالى قد خصهم بتحليل طعامهم، وطعامهم يكون رطبا ويابسا، وأن عمر t توضأ من جرة نصرانية. وأنكر ذلك بعض، ولم يصححه على عمر t، وتأول الآية في طعامهم أنه ذبائحهم، والله أعلم) ([260]).

ثالثا: مسائل متفرقة في أحكام المياه:

الماء الجاري والماء الراكد:

يرى صاحب بيان الشرع أن الماء الجاري لا تؤثر فيه النجاسة سواءً كان قليلا أو كثيرا([261]). وهذا بلا شك إذا كانت النجاسة لم تغلب عليه. وأما الماء الراكد فإنه يرى فيه أنه ما لم تغلب عليه النجاسة فهو طاهر، وما غلبت عليه النجاسة فهو نجس([262]).

وأما صاحب المصنّف فيورد اختلافا في الماء الجاري إذا وقعت فيه نجاسة من ذوات الأعيان، ولكن يظهر أن نهايته تؤول إلى القول بعدم تنجس الماء الجاري إلا بما غلب عليه. قال: (مسألة: فيمن طرح نجاسة من الذوات([263])رطبة في ماء جار، ينجس أو لا ينجس؟ فقد اختلف في مثل هذا إذا وقع فيه الاحتمال من الطهارة والنجاسة، فقول: يكون نجسا؛ لأنّه يحتمل النجاسة، وإنما صار بسبب وقوعها. وقول: إنه طاهر حتى يعلم أنه نجس، لطهارة أصل الماء، والنجاسة لم تغلب عليه فتنقله، وطهارته أشبه عندنا بالآخرة لمعان كثيرة غير الاحتمال) ([264]).


الآبار:

أحكام مياه الآبار من حيث الطهارة والنجاسة لا تختلف عن أحكام المياه التي تناولناها سابقا، ما عدا في بعض الجزئيات. وسوف نتناول تلك الجزئيات في النقاط التالية:

1- أنواع الآبار:

أ) البئر المستبحرة: وهي كثيرة الماء، التي فيها عين تطرح الماء بقوة، فيتجدد بسرعة، بحيث لا يمكن استنفاده([265]).

ويورد صاحب بيان الشرع أقوالا في حدّ البئر المستبحرة: فبعض قال: ولو كانت تنقص حتى يخرج نصف الدلو أو ثلثه فتلك مستبحرة ما لم تفرغ. وبعض قال: إذا نزع منها أربعون دلوا ولم يفرغ ماؤها فتلك مستبحرة. وقال آخرون: ولو نقصت ما لم يفرغ ماؤها فتلك مستبحرة([266]). وكذلك صاحب المصنّف يورد مثله، فيقول: (وقد قالوا: البئر المستبحرة التي لا تنزحها الدلاء، وقول: التي فيها قامتا ماء، وقول: إذا كان من الماء أربعون قلة. وقول: إذا كانت لا تنزح كثيرة الماء، لا يذهب في ذلك إلى حد من القامة ولا عدد من القلال، إلا قول: إذا كانت لا تنزح). ([267])

والبئر المستبحرة لا ينجسها شيء إلا ما غلب عليها. ويورد صاحب بيان الشرع مسألة في البئر إذا كانت بها عين تطرح، قال: (وسألته عن الطوي إذا كان فيها عين تطرح فيها، كلما حفرت أصيبت تلك العين، هل تكون هذه الطوي جارية لا ينجسها شيء؟ قال: إذا صح أنها كذلك، تدخلها عين معروفة، فهي جارية، لا ينجسها إلا ما غلب عليها) ([268]). ويقول صاحب المصنّف: (والبئر الكثيرة الماء التي لا تنزح فإنه لا ينجسها شيء) ([269]). ويقول: (وإذا وقع الجنب في بئر قبل أن يغسل الأذى، واغتسل فيها ولبس ثيابه. فإن كانت هذه البئر مستبحرة لم يفسدها، وإن كانت غير مستبحرة فقد أفسدها). ([270])

ب) البئر غير المستبحرة: وهي قليلة الماء. وأحكامها من حيث الطهارة والنجاسة كأحكام “الماء القليل” الذي تحدثنا عنه سابقا. ويرى صاحب بيان الشرع أن البئر القليلة الماء إذا تنجست أُخرجت منها النجاسة، ونـزح جميع مائها([271]). وصاحب المصنّف يورد في ذلك خلافا: فقول: تخرج النجاسة وتنزح. وقول: تنزح وليس عليهم أكثر من ذلك. وقول: يحفر طينها ثم تنزح. وقول: إذا لم تخرج عين النجاسة تدفن حتى يغلب الطين على مائها فيستهلكه، ثم تحفر ثم تنزح([272]).

2- حالات وقوع شيء في البئر:

أ) حالة إذا بقي الواقع في البئر حيا: رأينا في فقرة “ما لا ينجس الماء” أن ما وقع في الماء من الحيوانات غير النجسة ولم يمت فيه فإنه لا ينجس الماء، وكذلك في البئر، مثل الإنسان المؤمن والأنعام والفئران والسنور والدجاج، فإن البئر لا ينجس بذلك. قال صاحب بيان الشرع: (قال([273]): إذا وقعت الشاة وأشباهها في بئر ثم خرجت حية لم تنزف البئر) ([274])، وقال: (مسألة: وسألته عن الفأرة واللغ([275]) أو شيء من الدواب يقع في الماء أو في الدبس أو شيء من الطهارات فيخرج منه وهو يتحرك بعد لم يمت. فيموت من حين ما أخرج أو هو طاهر؟ قال: نعم، ما لم يمت فهو طاهر ليس به بأس) ([276]). وقال صاحب المصنّف مثل ذلك: (والوزغة إذا وقعت في الماء ولم تمت لم تنجسها، فإن ماتت في بئر لا تنزحها الدلاء لم تنجسها، وكذلك الفأرة إن وقعت في بئر وهي حية لم تفسدها، وكذلك الدجاجة) ([277]).

ب) حالة موت الإنسان أو الحيوان في البئر: إذا وقع حيوان أو إنسان في بئر فمات فيها، فإنها تنجس بذلك. قال صاحب بيان الشرع: (ومن جامع أبي محمد: فإذا وقع في بئر أو غيرها إنسان فمات فيها، أخرج ونزح ماؤها كله، أو مقدار ما فيها من الماء إذا لم يقدر على نزح مائها كله، لما روي عن ابن عباس وابن الزبير أنهما نزحا زمزم من زنجي وقع فيها فمات) ([278]).

جـ) حالة وقوع النجاسات في البئر وعدم التأثير فيها: إذا وقعت عين نجسة في بئر كثيرة الماء، مثل البول والغائط والدم والكلب والميتة والخنزير والحية، فإن البئر تلحقها أحكام المياه من حيث الطهارة والنجاسة. فإن غلبت عليها النجاسة أو غيرت أحد أوصافها تنجست، وإن لم تغلب عليها النجاسة ولم يتغير شيء من أوصافها اعتبرت طاهرة. وإن كانت البئر قليلة الماء وهلكت فيها عين النجاسة، ولم يتغير الماء، اعتبرت طاهرة كذلك. وهذا الحكم هو المستفاد من حديث صاحبي بيان الشرع والمصنّف عن أحكام الآبار([279]). قال في بيان الشرع: (مسألة: عن أبي الحواري: وعن بئر وقعت فيها ميتة أو عذرة، فتركها أصحابها كما هي، ولم يخرجوا منها الميتة ولا العذرة، وهجروها ما شاء الله، إلى أن أصاب الغيث وكثر ماؤها، هل يجوز أن يستقى منها للوضوء والصلاة؟ وقلت ما تقول إن قل ماؤها بعد ذلك، هل يجوز أن يتوضأ منها ويشرب منها؟ فعلى ما وصفت فإذا استبحرت جاز لهم أن يستقوا منها – وإن قلت بعد ذلك – فقد طهرت أو يستقى منها، إلا أن يتغير ماؤها بطعم أو ريح، إلا أن تكون الميتة قائمة بحالها والعذرة، فإذا قلـت فسدت، وإذا كثرت البئر طهرت. فإن كانت العذرة والميتة قد هلكا، لم تضرها القلة بعد الكثرة) ([280]).

3- مقدار الماء الواجب نزحه من البئر المتنجسة:

يرى صاحبا كتابي بيان الشرع والمصنّف أن البئر إذا تنجست وجب إخراج عين النجاسة منها ما أمكن، ثم النزح من مائها بمقدار ما يزول التغير الحاصل في أحد الأوصاف إذا كانت كثيرة الماء، أما إذا كانت قليلة الماء أُخرجت النجاسة، ونـزح جميع الماء([281]). ويورد صاحب بيان الشرع مسألة في ذلك عن الشيخ أبي سعيد الكدمي، قال: (قال أبو سعيد رحمه الله: أن البئر إذا كانت لا تنزح فلا تنجس إلا أن يغلب عليها حكم النجاسة بلون أو عرف أو طعم، فإذا غلب عليها حكم النجاسة ينزح منها الماء بغير ما غلب عليها من حكم النجاسة، ليس لذلك حد في قلة ولا كثرة، إلا زوال ذلك الغالب، ولو بدلو واحد أو ألف دلو) ([282])، وهذا مذهب حسن ووسط يجمع بين الأقوال، والتي أوردها صاحبا كتابي بيان الشرع والمصنّف في مقدار ما ينزح من البئر المتنجسة.

بديل الماء عند عدم وجوده:

إذا لم يجد المسلم الماء، أو لم يقدر على استعماله بسبب مرض أو خوف أو نحوه، فإن الشرع الشريف جعل التراب بديلا عنه في رفع الحدث. وقد دلت النصوص الشرعية على ذلك، فمن القرآن الكريم قوله تعالى: ﴿ فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا﴾([283])، ومن السنة النبوية ما رواه جابر بن زيد عن أبي هريرة عن النبيّ صلعم قال لأبي ذر: «التيمم يكفيك إن لم تجد الماء عشر سنين»([284]).

وقد تحدث صاحبا بيان الشرع والمصنّف في هذه المسألة بالتفصيل في مواضع عديدة من كتابيهما، وخلاصة ما قالاه: أنّ التيمم بديل عن الماء في حالة فقدان الماء، أو العجز عن استخدامه([285]). ومن ذلك على سبيل المثال لا الحصر قول صاحب بيان الشرع: (ومن جامع أبي محمد: الطهارة بالصعيد واجبة عند عدم الماء، لقول الله عزّ وجل: ﴿فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا﴾([286])، والصعيد في كلام العرب: هو التراب. وقيل: هو أيضا هو ما صعد على وجه الأرض منها. ومعنى قوله طيبا: الطاهر منها والحلال، والله أعلم)([287])، وقال: (مسألة: ومن جامع أبي محمد t: وإذا عدم الجنب الماء، أجزأه التيمم في الحضر، وفي السفر، فإذا وجد الماء اغتسل، ولم يكن عليه إعادة ما صلى بالتيمم، لقول النبيّ صلعم لأبي الدرداء([288]): «الصعيد الطيب طهور يكفيك ولو إلى السنين، فإذا وجدت الماء فامسسه جلدك»([289]))([290]). وقول صاحب المصنّف: (التيمم فرض في كتاب الله عزّ وجل عند عدم الماء، لا لعذر لمن جهله عند لزومه. قال الله تعالى: ﴿ فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا﴾([291])، والصعيد: ما صعد على وجه الأرض، والطيب: هو الحلال الطاهر، فامسحوا بوجوهكم وأيديكم. والتيمم رحمة من الله لعباده، ورخصة لهم في دينهم، إذ أمرهم به عند عدم الماء. قال أبو المؤثر([292]): ومن سنة الوضوء لمن لم يجد الماء التيمم، وهو فريضة من الله تعالى ورخصة) ([293]).

وجوب طلب الماء:إذا حضرت الصلاة وأراد المسلم أن يصلي فعليه أن يطلب الماء ويبحث عنه، ويجتهد في ذلك، ولا يتيمم حتى ييأس من وجود الماء. وقد تناول صاحب المصنّف هذه المسألة، وقال فيها بوجوب طلب الماء فرضا بنص الآية الكريمة. قال: (وأما إذا صار المسافر في موضع اليائس من وجود الماء، وحضرت الصلاة، فالمأمور به أن يطلب الماء، ويجتهد في بغيته، ولا بد من الطلب والملاحظة، يمينا وشمالا، ويسأل أصحابه إن كان معه ناس، والطلب فريضة، لقول الله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا﴾([294])، فلم يبح التيمم إلا بعد العدم من الماء، والعدم لا يكون إلا بعد الطلب والاجتهاد. فإن جهل الطلب مع إياسه من وجود الماء، وتيمم وصلى فعليه البدل، وأخاف أن تلزمه الكفارة([295])، لتركه المفروض عليه)([296]).

شراء الماء للوضوء والغسل:

إذا لم يجد المسلم الماء للوضوء إلا بثمن يشتريه به أو يشتري الوسيلة التي تأتي به مثل الحبل الذي يجذب به الماء من البئر، فهل يشتري الماء أو الوسيلة؟ ذلك مِمَّا اختلفت في آراء العلماء.

وقد تناول صاحبا كتابي بيان الشرع والمصنّف هذه المسألة، وأوردا فيها تفصيلا للعلماء كما يلي([297]):

–             الحالة الأولى: إذا وجد الماء بثمن مثله، ولم يكن الثمن مجحفا في حقه: يشتريه اتفاقا.

–     الحالة الثانية: إذا وجد الماء بثمن مثله، وكان الثمن مجحفا في حقه: لا يشتريه، ويتيمم. وذهب إلى ذلك أصحابنا الإباضية.

–     الحالة الثالثة: إذا وجد الماء بثمن أعلى من ثمنه، ولم يكن الثمن مجحفا في حقه: قول: يشتريه، وبه قال مالك وأحمد. ويظهر أنه قول عند أصحابنا الإباضية. وقول: لا يشتريه، ويتيمم. وبه قال الشافعي والأوزاعي وإسحاق وأصحاب الرأي والثوري. ويظهر أنه قول عند أصحابنا الإباضية أيضا.

–     الحالة الرابعة: إذا وجد الماء بثمن أعلى من ثمنه، وكان الثمن مجحفا في حقه: لا يشتريه قولا واحدا. إلا أَنَّ الحسن البصري ذهب إلى أن على الذي لا يجد الماء إلا بالثمن أن يشتريه ولو بماله كله. 

قال في بيان الشرع: (قال أبو سعيد: أما شراء الماء للوضوء، فيخرج عندي في قول أصحابنا في بعض ما قيل: إنه ليس له أن يشتريه بأكثر من ثمنه وقيمته. وفي بعض قولهم: إنه إذا كان يقدر على ثمنه، ولا يخاف الضرر على نفسه، كان عليه أن يشتريه إذا وجده للوضوء والغسل. فأما إذا خاف على نفسه الضرر، لم يكن عليه أن يشتريه في معنى قولهم، وجده بثمنه وأقل من ثمنه، وتيمم) ([298]). وقال صاحب المصنّف: (مسألة: ومن وجد مع رجل ماء فلم يعطه إلا بثمن، فلا يأخذه منه قهرا، ولكن يجوز له التيمم).

الماء المغصوب:

يورد صاحب المصنّف قولين عند أصحابنا الإباضية في الوضوء والغسل بالماء المغصوب والمسروق: قول بجواز الطهارة بالماء المغصوب. ولكن بعض العلماء علل هذا القول بتعليل آخر، قال في المصنّف: (قال([299]): وعندي أن الإجازة فيه منصرفة إلى ماء الآبار، إذ لا يقع عليه غصب ولا ملك، والمنع المنصرف إلى ما غصب أو سرق بعد نزعه من الآبار، وحصوله في يد مالك له)([300]). وقول بعدم جواز الطهارة بالماء المغصوب؛ وذلك لأن الله تعالى نهى الغاصب والسارق عن استعمال ما غصبا وسرقا، والمستعمل لذلك عاص لله عزّ وجل، فلا يمكن أن يكون فعل واحد، يوقع في عين واحدة، من فاعل واحد، في حالة واحدة، فيكون طاعته لله ومعصيته. وقد أمر الله تعالى المتعبد أن يتقرب إليه بالماء الذي أباح استعماله، فإذا ترك ما أمر به، واستعمل ما نهى عنه، استحق العقاب على المخالفة، ومن استحقّ العقاب على فعل لم يجز أن يكون ذلك الفعل قربة لله، ولم تحصل له بها طهارة([301]).


المبحث الثالث: نماذج من الجوانب الحضارية المتعلقة بالمياه من خلال كتابي بيان الشرع والمصنّف

في هذا المبحث سوف أورد أمثلة على حضور الجانب الحضاري المتعلق بالمياه في كتابي بيان الشرع والمصنّف، وهي عبارة عن خمسة نماذج توضح ذلك. ولا يفوتني أن أشير إلى أن هذا الجانب لم يُـعبر عنه صراحة، وإنما يمكن ملاحظته عند تتبع الأبواب والمسائل المتعلقة بأحكام المياه، وإليكم تلك النماذج:

النموذج الأول: مواصفات الماء الصالح:

يمكن أن نلمح من الكتابين اهتماما ـ ولو بصورة غير مباشرة ـ بوضع مواصفات الماء الصالح الذي يمكن استخدامه في الطهارات أو الشرب أو غير ذلك، وعلى سبيل المثال نجد شرطين ليكون الماء صالحا للاستخدام الآدمي:

1- أن يكون الماء بذاته طاهرا لم تخالطه نجاسة. وقد فصّـل صاحبا كتابي بيان الشرع والمصنّف في تطهير مصادر المياه من النجاسات والمياه المتنجسة، ومن ذلك عندما تحدثا عن نزح الآبار المتنجسة([302]).

2- أن يكون مصدر الماء بعيدا عن المجاري النجسة (مثل البواليع والكـنـف)، حتى لا تتسرب إليه النجاسات والقاذورات. وقد وضع صاحبا كتابي بيان الشرع والمصنّف في سبيل ذلك شروطا وحدودا لحفر الآبار، وهي أن تكون بعيدة عن الكنف والبواليع بمقدار لا تتسرب معه المياه النجسة إلى المياه الصالحة، حتى أنهما أورد مسائل لتحديد المسافة بالذراع بين البئر والبالوعة، وبين البئر النجسة والبئر الطاهرة([303]).

النموذج الثاني: أهم مصادر المياه:

تعتبر الآبار والأفلاج من المصادر الرئيسة للمياه في عمان، تأتي بعدها مياه العيون والمياه المتجمعة من الأمطار والأودية، ولذلك نجد اهتماما كبيرا بالمصدرين الأولين الرئيسين في كتابي المصنّف وبيان الشرع، حيث أكثر المؤلفان من الأبواب والمسائل التي تحدد أحكام هذين المصدرين، وقواعد الانتفاع بمائهما، فانظر معي إلى الأمثلة التالية:

1- الآبار:

–     عند بيان الشرع: تحدث صاحب بيان الشرع عن أحكام الآبار كثيرا في كتابه، وعلى سبيل المثال لا الحصر: تحدث في الجزء السابع عن أحكام طهارة الآبار ونجاستها وتطهيرها إذا تنجست. وتحدث في الجزء الثامن والثلاثين في شفعة الآبار. وتحدث في الجزء الأربعين عن الأجرة على حفر الآبار. وتحدث في الجزء الحادي والأربعين في قسمة الآبار. وتحدث في الجزء الحادي والستين عن الوصية للآبار.

–     عند المصنّف: تحدث كذلك بسعة في أحكام الآبار، ومن ذلك على سبيل المثال: تحدث في الجزء الثامن عشر عن قواعد الانتفاع بماء الآبار. وتحدث في الجزء السادس والعشرين عن قسمة الآبار. وتحدث في الجزء الثامن والعشرين عن الوصية للآبار.

2- الأفلاج:

–     في بيان الشرع: تحدث كثيرا في مسائل وأحكام الأفلاج وقواعد توزيعها، ومن ذلك على سبيل المثال: تحدث في الجزء السادس والثلاثين في صرف المضار عن السواقي. وتحدث في الجزء السابع والثلاثين في طناء([304]) ماء الفلج. وتحدث في الجزء الثامن والثلاثين في الشفعة في السواقي. وتحدث في الجزء الحادي والستين في الوصية للأفلاج. وتحدث في الجزء الخامس والستين في قواعد الانتفاع بمياه لأفلاج.

–     في المصنّف: تحدث كثيرا أيضا في مسائل وأحكام الأفلاج، ومن ذلك على سبيل المثال: تحدث في الجزء السادس عشر عن اليمين في السواقي. وتحدث في الجزء الثامن عشر عن الانتفاع من الأفلاج. وتحدث في الجزء الحاي والعشرين في العمل في الأفلاج وحفرها. وتحدث في الجزء السادس والعشرين في الشفعة في الأفلاج. وتحدث في الجزء الثامن والعشرين في الوصية للأفلاج.

النموذج الثالث: من  استعمالات المياه:

يعتبر الماء سرّ الحياة، يستخدمه الإنسان في أنشطة حيوية مهمة مختلفة، وقد تناول الكتابان أهمّ استخدامات المياه، ووضعا أحكام وقواعد وضوابط لتلك الاستخدامات، ومن الأمثلة على ذلك:

1- الشرب: إذا أردنا أن نستدل على تقدم الفقه الحضاري العماني في هذه المسألة، فإننا سنجد شواهد وأدلة باهرة على ذلك، من خلال الجهد الفقهي الجبار الذي بذله الفقهاء العمانيون لتقنين وترتيب مسألة الشرب. ومن ذلك ما بذله صاحبا كتابي بيان الشرع والمصنّف في هذا المجال، حيث تناولا هذه المسألة في مواضع عديدة من كتابيهما، وكمثال على ذلك:

–     عند صاحب بيان الشرع: أورد أحكام ماء السقيا في السفينة في البحر، ومن ذلك قال: (في رجل ركب مع أهل السفينة فليس له أن يستأثر عليهم في الماء إذا أراد صاحب الفنطاس أن يؤثره، ولا يشرب برأيه إذا كان سقيهم واحدا، فلا يزيد على أهل السفينة ولا يستأثر عليهم ولو عطش) ([305]).

–     عند صاحب المصنّف: بين أحكام الشرب والانتفاع من الآبار([306])، ومن ذلك قال: (مسألة: وعن الخروس([307]) التي على الطرق، قال([308]): ما أظن أنها تجعل على الطريق إِلاَّ للشرب، فلا بأس على من شرب منها)([309]).

2- رفع الحدث: من أهمّ استخدامات الماء عند المسلم، استخدامه في رفع الأحداث للتمكن من أداء العبادات. مثل الغسل للمشرك إذا أسلم، والغسل من الجنابة، والوضوء، وغسل الميت، والغسل من الحيض والنفاس، والأغسال المسنونة في بعض العبادات مثل صلاة الجمعة والعيدين والإحرام. وهذه الاستخدامات تعد من القربات والعبادات لله تعالى.

وقد تحدث صاحب بيان الشرع في هذا الجانب بإفاضة في عدة مواضع. وكمثال على ذلك حديثه عن الوضوء والغسل وأحكامهما في أبواب كثيرة، وعلى سبيل المثال قوله: (وإنما فرض الله الوضوء والغسل دينا وتقربا إلى الله بهما؛ لأنّ الطهارة إنما جعلها الله للصلاة) ([310]). ومن ذلك إيراده لمسألة اغتسال المشرك والمرتد إذا أسلما، قال: (قال أبو سعيد: معي أن معنى الاتفاق من قول أصحابنا يخرج معناه على أن على جميع من أسلم من مشرك من كتابي أو غيره من جميع المشركين الغسل، لثبوت قول الله تعالى: ﴿ إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾([311])، وكذلك عندي يخرج معاني قولهم في المرتد بقول أو عمل ما يشبه الاتفاق على ثبوت الغسل عليه إذا أسلم بعد ردته) ([312]).

وكذلك تحدث صاحب المصنّف بسعة في كتابه عن رفع الأحداث بالأغسال والوضوء([313])، ومن ذلك قوله: (مسألة: والمتوضئ يقول تمسحت، والمسح خفيف الغسل؛ لأنّ الغسل للشيء تطهير له بإفراغ الماء، والمسح له تطهير بإمرار الماء)([314]).

3- التنظف ورفع النجاسة:

من أهم استخدامات الماء التنظف به والتطهر من القاذورات والنجاسات والأوساخ. وقد تحدث صاحبا كتابي بيان الشرع والمصنّف  في أحكام هذه المسألة كثيرا في مواضع عدة من كتابيهما، وقد تناولا هذا الموضوع في صور شتى ومسائل مختلفة. فقد بيـّنا أحكام المياه المزيلة للنجاسات وغير المزيلة، كما رأينا ذلك في المبحث الأول. وتحدثا عن تنظيف الثياب والأواني والأرض والطعام بالماء. ومن الأمثلة على تلك المسائل في هذا الجانب: ما أشار إليه صاحب بيان الشرع من أن بول الشاة وقيء الصبي يُـصب عليهما الماء لإزالتهما([315]). وكذلك الجرح الذي سال منه دم يطهر بغمسه في الماء([316])، وكذلك يستخدم الماء في غسل اللحم والذبيحة([317]). وغسل وتطهير الثياب من النجاسات([318]). وقال: (ومن قول أبي سعيد الكدمي: لأن الصب والنضح بالماء الطهور إذا ثبت على النجاسة في غير الذوات ثبت مستهلكا لها؛ لأنّه مزيل لها في الاعتبار إذا ثبت طهورا) ([319]). وقال: (مسألة: وسألته([320]) عن ثوب قرضه الفأر هل تجوز الصلاة فيه قبل أن يغسل بالماء؟ قال: لا، حتى يغسل)([321]). وقال: (مسألة: وعن فأرة أصيبت في الحب ميتة، فأرجو أني كتبت إلى أبي الحواري أسأله عن ذلك، فكتب إلي أن تغسل ما مست الميتة من الحب) ([322]). وقال: (أحسب عن أبي الحسن محمد بن الحسن وسألته عن دابة أكلت حبا كثيرا، ثم إن الدابة ماتت، شاة كانت أو غيرها، فأخرج ذلك الحب من بطنها، هل لهم أن يغسلوه ويأكلوه؟ قال: نعم. قالوا: يغسل ثم يروّح([323]) حتى ييبس ثم يجعل في الماء الطاهر بمقدار ما لبث في بطنها ميتة ثم يؤكل) ([324]). وقال: (ومن جامع أبي محمد: وسؤر السباع وسائر النجاسات كالبول وغيره مِمَّا لا عين له قائمة، فإنها تطهر بثلاث غسلات) ([325]). وقال: (من قول أبي سعيد: وأما الأبدان والثياب فلا أعلم في قولهم أنه يطهر بغير الغسل، إلا أنه إذا عدم الماء فإزالة النجاسات من البدن والثوب بما قدر عليه من تراب أو غيره ثابت في معنى ما يشبه الاتفاق من قول أصحابنا؛ لأنّه إذا عدم الماء ثبت معنى التيمم عن حكم الطهارات في الوضوء ولمعنى الطهارة من النجاسات مع إزالتها بما يمكن([326])).

وصاحب المصنّف تناول الموضوع أيضا في كتابه في مواضع شتى منه، ومن ذلك قوله: (فالماء طهور الأبدان، وغسول الأردان([327]))([328])، وقوله: (في الأرض يصيبها البول أو غيره من النجاسات، فحكم المكان نجس به حتى يصب الماء عليه، أو تذهب عينه بغيرها) ([329]).

4- الرّي:

من أهم استخدامات الماء ريّ المزروعات به. وقد تناول صاحب بيان الشرع هذه المسألة في عدة مواضع في كتابه، بل وصلت دقة الأمر عنده إلى تحديد مساحة الجيل([330]) الذي تستحقه الشجرة، والمدة الزمنية بين نوبات سقيها، وكمية الماء اللازم([331]). كما تناول بدقة أيضا أحكام السواقي التي تسقي المزروعات وحدودها وضوابطها. وكذلك تناول مسألة سقيا النباتات بالنجاسات التي يقصد بها التسميد وأحكام ذلك([332]). وعلى سبيل المثال قال: (فإذا كان الماء وسطا من ذلك وضمت ثم أخرج لكل نخلة ثلاثة أذرع يدور جذعها، ثم تسقى شربة أو شربتين حتى يعلم أنها توطت أرضها. ثم تترك من بعد ذلك أن تشرب إلى آدها([333])وما تسقى مثلها. ثم يساق إليها الماء في وقت معروف) ([334]).

ونحى صاحب المصنّف نفس المنحى حيث تحدث عن عملية سقي الأشجار والمزارع وأحكامها، ومن ذلك حديثه عن أحكام مياه الأفلاج وتنظيم قواعد السقي بها، وما يجوز من ذلك وما لا يجوز، قال مثلا: (مسألة: محمد بن إبراهيم([335]): في الماء الذي ينطلق من الإجالة([336]) ولا يقدر صاحبه على سده، أنه إن انتفع به صاحبه بطناء أو بيع أو هبة أو غير ذلك، فهو أولى به، وإن لم ينتفع به فقول محمد بن محبوب أنه يجوز لغيره أن ينتفع به، وقول لا يجوز ذلك. قال: فإذا انطلق ماء من فلج أعلى غلبه إلى فلج أسفل، فعلى قول محمد بن محبوب: لصاحب الأسفل أن يسقي بفلجه، ولا ضمان عليه، وقد يكون قليلا أو كثيرا) ([337]).

5- مال تـقـوّم به الأشياء:

من الاستخدامات التي تقع على الماء اعتباره مالا يمكن البيع والشراء به. وقد تناول صاحب بيان الشرع إلى هذه المسألة في كتابه: فقد اعتبر أن الماء مال يجري عليه ما يجري على المال من إمكانية الإيصاء به بعد الموت في حدود الثلث، ومن إمكانية اعتباره مهرا، ومن إمكانية التصدق به، ومن إمكانية بيعه وقبض ثمنه، ومن أنه لا يجوز التصرف في ماء الغير لا بالوصية ولا بغيرها([338]).

وتناول كذلك صاحب المصنّف هذا الجانب، فقد تحدث مثلا عن مسألة بيع الماء من الأنهار، وبيع نصيب الأيتام والأغياب من الماء، وماء الآبار والاختلاف في جواز بيعه من عدمه، وأم الماء ملك من الأملاك([339]). ومن ذلك قوله: (وكذلك إن وقع على البئر ضرر “فلا ضرر ولا ضرار في الإسلام” ولا نحب أجرة ذلك، ونأخذ في هذه البئر بقول من يقول: أنه لا تجوز أجرتها، لذلك فإن فعل ذلك لم نقل إنه أخذ حراما محجورا؛ لأنّه ملك يتولد منه أسباب الأملاك، ويقع عليه الحجر والبيع والشراء) ([340]).

النموذج الرابع: من طرق المحافظة على المياه ومصادرها:

من النماذج التي تدلّ على تقدم الفقه الحضاري العماني نموذج المحافظة على المياه ومصادرها، وقد تناول الكتابان أهم تلك الطرق بصورة غير مباشرة في مواضع عديدة، ومن أمثلة ذلك:

1- صيانة المياه من التلوث والتنجس:

من أهم طرق حماية المياه ومصادرها حمايتها من التلوث والتنجس، حتى تبقى طاهرة نقية بعيدة عن القاذورات التي تسلبها الطهورية، وتسلبها صلاحية الاستخدام. وبما أن الإسلام جاء لمصلحة الإنسان الدينية والدنيوية فإنه اعتنى بحماية المياه ومصادرها من التلويث والتنجيس من خلال مجموعة من الإجراءات الأخلاقية الراقية، وقد اعتنى صاحبا كتابيّ بيان الشرع والمصنّف بهذا الجانب عناية قيمة، من خلال آرائهما المبثوثة في الكتابين، ومن ذلك:

–     إذا تنجس مصدر من مصادر المياه كالآبار وجب على المسلمين إزالة النجاسة، وتطهير ذلك المصدر، حتى يعود طاهرا نقيا صالحا للاستخدام. حيث يظهر ذلك من خلال تناول الكتابين لمسألة تطهير الآبار ونزحها عندما يتنجس ماؤها([341]).

–   إذا تنجس ماء معين في إناء وعُـلم بنجاسته، وجب إراقة ذلك الماء([342]).

–     إذا تنجس مصدر من مصادر المياه فلا يصح استخدام مائه حتى يعود إلى طهارته وصلاحيته. ويظهر ذلك في بيان الشرع من خلال مسألة عدم جواز الانتفاع بماء البئر النجسة للطهارة والشرب حتى تنزح وتطهر([343]). وكذلك عند صاحب المصنّف حينما تحدث عن أن من علم بنجاسة ماء فلا يستخدمه حتى يعلم يقينا أنه قد طهر([344]). قال في المصنّف: (مسألة: ومن رأى في بئر نجاسة، ثم غاب، ثم رجع ورأى أصحابها يسقون منها، لعله لم يقع عليها حكم الطهارة عنده حتى يعلم أنها قد طهرت) ([345]).

–     أن من نَجّـس مصدرا من مصادر المياه فعليه أن يخبر الناس حتى لا يستخدموا مياهاً نجسة، وكذلك عليه أن يسعى لتطهير ذلك المصدر المائي، أو أن يطلب ممن يساعده أن يقوم بذلك، كنزح بئر ونحوها. ويظهر ذلك في بيان الشرع من خلال مسألة أن من تسبب في تنجيس بئر فعليه أن يخبر أهلها ليتجنبوا استخدام المياه النجسة ولينزحوها([346]).

–     من نجس بئر قوم فعليه أن يزيل النجاسة، وإن لم يطلب منه أصحاب البئر. قال صاحب المصنّف: (مسألة: قال أبو الحواري: من ألقى النجاسة في بئر قوم، فإنه يلزمه إخراجها، إن كلفوه، ويخرج النجاسة بلا رأيهم، ولا ينزحها إلا برأيهم؛ لأنّ الماء لهم، وهو أولى به) ([347]).

–     يجب إبعاد مصادر المياه الصالحة عن مجاري المياه النجسة، وقد فصّـل صاحبا كتابي بيان الشرع والمصنّف في المسافة التي يجب أن تؤخذ في الحسبان بين البئر وبين المجاري النجسة عند إرادة حفر بئر جديدة، كما بينا فساد ماء البئر التي تسربت إليها المياه النجسة من البواليع والكنف([348]).

–     لا يصحّ للمسلم أن يقضي حاجته بالقرب من مصادر وموارد المياه، صيانة لها من التنجس والتلوث. وقد أورد صاحب بيان الشرع استدلالا بحديث نبوي شريف على ذلك، قال: (مسألة: منه([349]): وفي الحديث: «اتقوا الملاعن وأعدوا النبل» النبل: بضم النون وفتح الباء، وهي الحجارة للاستنجاء، والملاعن: قيل المواضع التي لعن من يبرز فيها. وفي حديث آخر: «الملاعن الثلاث، وهي الموارد، والطرق، والظل») ([350]).

–     يؤمر المسلم عندما يستيقظ ألا يغمس يده في الإناء، وذلك خوفا من أن تكون يده لامست نجاسة أثناء النوم فتختلط بالماء فتنجسه، ويورد صاحب بيان الشرع([351]) مسألة من جامع أبي محمد([352]) يذكر فيها الحديث النبوي في ذلك: «إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثا، لا يدري أين باتت يده»([353]).

–     يُـنهى المسلم إذا كانت به نجاسة أن يغتسل في مورد الماء إذا كان راكدا بحيث تغلب عليه النجاسة، حتى لا يفسد على الناس مواردهم، كما أشار إلى ذلك بيان الشرع والمصنّف([354]). قال صاحب بيان الشرع: (مسألة([355]): وإن كانت عين صغيرة ولا يستطيع أن يغرف منها، ولا يقع فيها فيفسدها على نفسه، وعلى غيره؟ قال محمد بن المسبح([356]): إلا أن يقدر على الماء فيناله إذا كان كفاه نظيفتين فيغسل الأذى من نفسه، ثم يقع في الماء فيغسل. حدثنا هاشم بن غيلان([357]) بذلك، ولا ينجس على الناس مواردهم) ([358])

–     إذا تنجَّس إناء من آنية الماء، مثل الأواني المصنوعة من الطين، أو غيرها، فعلى المسلم أن يطهرها طهارة تذهب بعين النجاسة وأثرها، قبل أن يستخدمها للماء الطاهر. ويظهر ذلك عند صاحب بيان الشرع حينما أورد بابا كاملا في تطهير الأواني التي تمتص الماء([359])، حيث بين طريقة تطهير الأواني التي تصنع من الطين إذا وقعت فيها نجاسة([360]).

–     ينهى من أراد أن يحدث بالوعة ـ وهي تجمع المياه النجسة وقد تتسرب إلى المياه الصالحة ـ أن يحدثها إذا كانت تضرّ بالغير، ولو كان ذلك في ملكه([361]).

2- ترشيد استهلاك المياه:

عند صاحب بيان الشرع: (مسألة منه([362]): ويستحب الاقتصاد في الماء، ويكره السرف فيه)([363]). وعند صاحب المصنّف نفس النص، قال: (ويستحب الاقتصاد في الوضوء، ويكره السرف) ([364]).

واعتبر صاحب بيان الشرع أن الإسراف في استخدام الماء للوضوء تعديا وظلما، وذلك من خلال مسألة أوردها عن الإمام أبي سعيد الكدمي: (قال أبو سعيد: معي يخرج من كما قيل في معاني قول أصحابنا أو ما يشبهه أو ما هو داخل فيه وإن لم يكن يأتي فيه هذا النصّ عن النبيّ صلعم أنه من زاد على الثلاث فقد ظلم وتعدّى، ولكنه قيل عنه فيما يخرج من قولهم أنه قال في الوضوء واحدة لمن قل ماؤه، واثنتان للمستعجل، وثلاث فسرف، وأربع فسرف، والسرف معنا خارج إلى حال التعدي)([365]).

كما أورد صاحبا الكتابين مسائل وأقوالا في النهي عن الإسراف في استخدام الماء، ولو كان ذلك من أجل الوضوء والغسل([366]). ومن ذلك:

–             نهى النبيّ صلعم عن الإسراف في استخدام الماء([367]).

–             الاقتصاد في استخدام الماء من الأعمال المستحبة والقربات التي يثاب فاعلها([368]).

–             الإسراف في استخدام الماء يعد تعديا وظلما، ولو كان في العبادات مثل الوضوء والغسل([369]).

–     أوردا تحديدا لمقدار الماء الذي يستخدم للوضوء والغسل عن النبيّ صلعم، وهو ربع صاع من الماء للوضوء، وصاع واحد للغسل([370]). وإن كانا يوردا في مواضع أخرى أقوالا بأن تقدير كمية الماء المستخدمة للوضوء والغسل يرجع إلى طبيعة الشخص نفسه، حيث يختلف الناس في طريقة استخدامهم للماء على حسب ظروفهم، ولكن الأمر بألا يسرف أي شخص فوق حاجته الطبيعية التي تناسبه، بدون تحديد مقدار عام([371]).

– يوجد شيطان على الماء يقال له الولهان يولع الناس لكثرة صبّ الماء على الوضوء، وعلى الناس الحذر منه([372]).

– نهى الشرع الشريف عن التشكيك في الوضوء والغسل، وذلك مِمَّا يحفظ اقتصاد الماء، فإن المشكك يعيد غسل الأعضاء كرات ومرات، مما يؤدي إلى ضياع قدر كبير من الماء([373]).

النموذج الخامس: من سبل توفير  المياه ورعاية مصادرها:

تناول صاحبا كتابي بيان الشرع والمصنّف الوسائل التي يمكن للمجتمع من خلالها توفير مصادر المياه ورعايتها، ومن تلك الوسائل التي تناولاها: إصلاح مصادر المياه الموجودة والوصية والوقف لها لحفرها أو صيانتها.

–     ففي بيان الشرع: تحدث عن أحكام الوصية بحفر بئر، وأنه يجب إنفاذ وصية الموصي في حدود الثلث، وأنه إذا زاد المال الموصى به لحفر البئر فإن على الوصي أن يوقفه لخدمة تلك البئر، وأن الوصي يمكن له أن يصرف من الوصية في إصلاح بئر موجودة إذا لم تكن الوصية محددة([374]). وكذلك أشار إلى الوصية بخدمة الفلج والعمل في إصلاحه، وأن الموصي إذا أوصى بشيء من المال للفلج، ولم يمكن إنفاذه، فإنه يجزئ الوصي أن يعمل في الفلج بقدر ذلك المال([375]). كما يلمح من هذا السياق الذي ساقه المؤلف حقيقة تاريخية، وهي أسلوب عماني قديم في توفير المياه للناس، وهو حفر الآبار الموارد على طرقات عمان، يردها السيارة والمسافرون، وأن الناس كانوا يوصون بالأموال لحفرها وإصلاحها([376]). قال: (وقلت: ما تقول في رجل أوصى في ماله بمائتي درهم يحفر بها طوي مورد على بعض طرقات عمان، هل يجوز للوصي أن يجعلها في حفر طوي كانت قد حفرت من قبل، أو إنما يحفر بها طوي تقرح؟)([377]).

–     وفي المصنّف: تحدث عن أحكام صيانة الأفلاج، وأنه على من يستأجره أهل الفلج لصيانة الفلج أن يتم عمله، وعليهم أن يؤدوا حقه في المقابل([378]). وتحدث عن الوصية بحفر الآبار وإصلاحها وإصلاح الأفلاج، فمن أوصى بذلك، فعلى ورثته أن ينفذوا وصيته، وما بقي من المال يجعل لخدمة البئر الموصى بها أو الفلج([379]). كما يلمح من سياق كلامه تلك الحقيقة التاريخية من أن أهل عمان كانوا يحفرون الآبار التي يردها المسافرون على طرقهم، وأورد نفس النص الذي أورده سلفه صاحب بيان الشرع، قال: (وقلت: ما تقول في رجل أوصى في ماله بمائتي درهم يحفر بها طوي مورد على بعض طرقات عمان، هل يجوز للوصي أن يجعلها في حفر طوي كانت قد حفرت من قبل، أو إنما يحفر بها طوي تقرح؟)([380]).

*            *               *

خاتمة

من خلال البحث السابق رأينا اهتمام كتابي بيان الشرع والمصنّف بالجانب الحضاري والعمراني، من خلال دراسة موضوع الماء الذي تناوله الكتابان بالتفصيل، ويمكن أن نشير إلى بعض الاستنتاجات من ذلك:

–     حرص الفقهاء العمانيون المتقدمون على ربط الحياة كلها بالعبادة، ومن ذلك ربط أحكام المياه بالعبودية لله، وتناولها من جهة شرعية صرفة، فينبغي الاستفادة من ذلك المنهج في السعي لإيجاد أطر حضارية معاصرة للمسلمين منطلقة من الضوابط الشرعية، حتى ينطلق المؤمن في بناء الحضارة، بدافع من الإيمان، وكون ما يقوم به عبادة لله عزّ وجل.

–     هناك اهتمام كبير في كتب الفقهاء العمانيين المتقدمين بمسألة المياه وما يتعلق بها من أحكام وتصاريف، ويحتاج هذا الجهد الكبير إلى إبراز وإظهار، لنستفيد منه في الوقت المعاصر في التعامل المنضبط بضوابط الشريعة مع المياه ومصادرها، والذي يكفل بدوره الاستثمار الأمثل لمصادر المياه، والتغلب على مسألة هدرها والتعدي على مصادرها الطبيعية.

–     وجد لدى الفقهاء العمانيين ما يمكن أن نسميه اهتمام الإسلام بحماية البيئة، وإن لم يعبر عن ذلك صراحة، ولكنه يلمح من أبوابهم المتعلقة بالمياه، ويمكن أن تخصص دراسات مستفيضة لإبراز ذلك للاستفادة منه.

 *            *               *

 

المصادر والمراجع

1- الزحيلي، وهبة، الفقه الإسلامي وأدلته، دار الفكر المعاصر، بيروت، ط4. 1418هـ/1997م.

2- المعولي، المعتصم بن سعيد، المعتمد في فقه الصلاة، د. دار نشر، ط2. 1430هـ/2009م.

3- الوارجلاني، يوسف بن إبراهيم، كتاب الترتيب، مكتبة مسقط، ط1، 1424هـ/2003م.

4- السعدي، فهد بن هاشل، العمانيون من خلال كتاب بيان الشرع، وزارة الأوقاف والشؤون الدينية، سلطنة عمان، ط1، 1428هـ/2007م.

5- مجموعة باحثين، معجم مصطلحات الإباضية، وزارة الأوقاف والشؤون الدينية، سلطنة عمان، ط1، 1429هـ/2008م.

6- التيواجني، مهني بن عمر، أشعة من الفقه الإسلامي (3)، د. دار نشر، ط1، 1417هـ/1996م.

7- ندوة تطور العلوم الفقهية في عمان (الفقه العماني والمقاصد الشرعية)، مراجعة وتنسيق: الحاج سليمان بن إبراهيم بابزيز، وزارة الأوقاف والشؤون الدينية، سلطنة عمان، ط1، 1429هـ/2008م.

8- البوسعيدي، سالم، الرائع في التاريخ العماني، مكتبة الأنفال، مسقط، د. ط، د. سنة نشر.

9- الهادي، الهادي أحمد، والتيواجني، مهني عمر، واليحمدي حمد بن هلال، فقه العبادات، وزارة الأوقاف والشؤون الدينية، سلطنة عمان، د.ط ، 1422هـ/2001م.

10- صحيفة عمان، عدد (9670)، الجمعة 6 من صفر 1431هـ/22 من يناير 2010م.


[1])  سورة الأنبياء: 30.

[2])  الهادي واليحمدي والتيواجني، فقه العبادات، 1/45.

[3])  ر: النابلسي، موسوعة الإعجاز العلمي في القرآن والسنة (آيات الله في الآفاق)، ص191 وما بعدها.

[4])  ر: السعدي، العمانيون من خلال كتاب بيان الشرع، المقدمة ص ط.

[5])  الكندي، بيان الشرع، 1/6.

[6])  ر: السعدي، العمانيون من خلال كتاب بيان الشرع، المقدمة ص ط.

[7])  الكندي، بيان الشرع، 1/6.

[8])  السعدي، العمانيون من خلال كتاب بيان الشرع، المقدمة ص ط.

[9])  الكندي، المصنف، المقدمة 1/ ز.

[10])  السعدي، العمانيون من خلال كتاب بيان الشرع، المقدمة ص ط.

[11])  مصادر الترجمة: ر: السعدي، العمانيون من خلال كتاب بيان الشرع، ص هـ – ز. والكندي، بيان الشرع، 1/6-7. والكندي، المصنف، 1/ ز- ن. والتيواجني، أشعة من الفقه الإسلامي، 3/145. وصحيفة الوطن العمانية، عدد9670، مقال لناصر الحجري، ص12.

[12])  السعدي، العمانيون من خلال كتاب بيان الشرع، ص هـ.

[13])  الكندي، المصنف، 1/ ز.

[14])  السعدي، العمانيون من خلال كتاب بيان الشرع، ص ز.

[15])  وردت هذه المقدمة محكية في الجزء الأول من كتاب المصنف لأبي بكر الكندي.

[16])  الكندي، المصنف، 1/ ل.

[17])  فقيه عاش في القرن الخامس الهجري، له مسائل في الأثر، كان حيا إلى تاريخ 7 من ذي الحجة سنة477 هـ. ر: السعدي، العمانيون من خلال كتاب بيان الشرع، ص9.

[18])  السعدي، العمانيون من خلال كتاب بيان الشرع، ص هـ.

[19])  صحيفة الوطن العمانية، العدد9670، من مقالة لناصر الحجري، ص12.

[20])  الكندي، بيان الشرع، 1/6.

[21])  السعدي، العمانيون من خلال كتاب بيان الشرع، ص هـ.

[22])  ندوة تطور العلوم الفقهية في عمان (الفقه العماني والمقاصد الشرعية)، ص322.

[23])  ر: السعدي، العمانيون من خلال كتاب بيان الشرع، ص هـ – ز.

[24])  صحيفة الوطن العمانية، العدد9670، من مقالة لناصر الحجري، ص12.

[25])  مصادر الترجمة: ر: السالمي، تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان، 1/334، 338، 340، 349، 350. والكندي، المصنف، 1/ و- ز. والسعدي، العمانيون من خلال كتاب بيان الشرع، ص5. وندوة تطور العلوم الفقهية (الفقه العماني والمقاصد الشرعية)، ص322-324، 531-533. والتيواجني، أشعة من الفقه الإسلامي، 3/145.

[26])  الكندي، المصنف، 1/ و.

[27])  السعدي، العمانيون من خلال كتاب بيان الشرع، ص5.

[28])  الكندي، المصنف، 1/ ز.

[29])  هي بلدة العوابي قديما.

[30])  السالمي، تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان، 1/349-350.

[31])  الكندي، المصنف، 1/ ز.

[32])  الكندي، المصنف، 1/ ز. وندوة تطور العلوم الفقهية في عمان (الفقه العماني والمقاصد الشرعية)، ص322.

[33])  السالمي، تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان، 1/334.

[34])  ندوة تطور العلوم الفقهية في عمان (الفقه العماني والمقاصد الشرعية)، ص322.

[35])  السالمي، تحفة الأعيان، 1/338.

[36])  السالمي، تحفة الأعيان، 1/350.

[37])  السالمي، تحفة الأعيان، 1/340.

[38])  السالمي، تحفة الأعيان، 1/340.

[39])  ندوة تطور العلوم الفقهية في عمان (الفقه العماني والمقاصد الشرعية)، ص324، نقلا عن: السالمي: اللمعة المرضية، ص22.

[40])  ندوة تطور العلوم الفقهية في عمان (الفقه العماني والمقاصد الشرعية)، ص324.

[41])  ر: الكندي، المصنف، 1/ ز. و ندوة تطور العلوم الفقهية في عمان (الفقه العماني والمقاصد الشرعية)، ص322-323، 532.

[42])  السالمي، تحفة الأعيان، 1/340-341.

[43])  الكندي، بيان الشرع، 8/8.

[44])  ر: الكندي، المصنف، 3/314.

[45])  المعولي، المعتمد في فقه الصلاة، ص65.

[46])  الزحيلي، الفقه الإسلامي وأدلته، 1/264-265.

[47])  الكندي، المصنف، 3/363.

[48])  لعله يقصد حامع أبي محمد عبدالله بن محمد بن بركة.

[49])  سورة الفرقان: 48.

[50])  الكندي، بيان الشرع، 8/7.

[51])  الكندي، بيان الشرع، 8/14.

[52])  الكندي، بيان الشرع، 8/8.

[53])  ر: الكندي، المصنف، 3/312.

[54])  الكندي، المصنف، 3/311.

[55])  ر: الكندي، بيان الشرع، 7/56.

[56])  ر: الكندي، بيان الشرع، 7/20-26.

[57])  ر: الكندي، المصنف، 3/324-325.

[58])  الكندي، بيان الشرع، 7/21.

[59])  رواه الربيع في الجامع الصحيح، كتاب الطهارة، باب في أحكام المياه، برقم163.

[60])  ر: الكندي، بيان الشرع، 8/5-6.

[61])  الكندي، بيان الشرع، 8/5.

[62])  ر: الكندي، بيان الشرع، 8/5، نقلا عن شرح أبي سعيد الكدمي على كتاب الإشراف للنيسابوري.

[63])  ر: الكندي، بيان الشرع، 8/5-6.

[64])  ر: الكندي، بيان الشرع، 8/5، نقلا عن شرح أبي سعيد الكدمي على كتاب الإشراف للنيسابوري.

[65])  المصدر نفسه.

[66])  ر: الكندي، بيان الشرع، 8/5-6.

[67])  ر: الكندي، المصنف، 3/361-364.

[68])  ر: الكندي، بيان الشرع، 8/7، نقلا عن شرح أبي سعيد الكدمي على كتاب الإشراف للنيسابوري.

[69])  الكندي، بيان الشرع، 8/7.

[70])  ر: الهادي واليحمدي والتيواجني، فقه العبادات، 1/46.

[71])  الكندي، بيان الشرع، 8/8.

[72])  الكندي، المصنف، 3/368.

[73])  لعله يقصد جامع أبي محمد.

[74])  سورة النساء: 43.

[75])  الكندي، بيان الشرع، 8/13. والكندي، المصنف، 3/368.

[76])  عدا الماء المضاف إلى محل، فإنه طهور، مثل ماء البحر.

[77])  أحد العلماء، ولا أدري من يقصد، إذ يوجد أكثر من خمسة علماء بهذا الاسم ممن نقل عنهم في بيان الشرع. ر: السعدي، العمانيون من خلال كتاب بيان الشرع، 20-23.

[78])  الكندي، بيان الشرع، 7/20.

[79])  الكندي، المصنف، 3/372.

[80])  الكندي، المصنف، 3/372.

[81])  ر: الكندي، بيان الشرع، 7/25. والكندي، المصنف، 3/372-373.

[82])  الكندي، بيان الشرع، 7/25.

[83])  الكندي، المصنف، 3/373.

[84])  يقصد إزالة النجاسات.

[85])  الكندي، بيان الشرع، 8/11.

[86])  الكندي، المصنف، 3/382.

[87])  الكندي، المصنف، 3/383.

[88])  ر: الكندي، بيان الشرع، 8/11-12.

[89])  الكندي، بيان الشرع، 8/12.

[90])  الكندي، المصنف، 3/385.

[91])  ر: الكندي، بيان الشرع، 8/11-12.

[92])  عالم فقيه عماني، عاش في القرن الرابع الهجري، عاصر العديد من العلماء كالشيخ أبي إبراهيم محمد بن سعيد بن أبي بكر والشيخ أبي الحسن الذي كان يذاكره، والشيخ أبي سعيد الكدمي، وتدل الآثار عل وجود تلاميذ له. أثنى عليه الكثير من العلماء كالشيخ الأصم الذي وصفه بأنه صاحب الحجج البليغة، له العديد من الآثار العلمية مثل: الجامع، والموازنة في أصول الدين، والمبتدأ في أصول الدين، وكتاب التقييد، وشرح جامع ابن جعفر، وأجوبة متفرقة في كتب الأثر. للترجمة: ر: السعدي، العمانيون من خلال كتاب بيان الشرع، ص135.

[93])  الكندي، بيان الشرع، 8/12.

[94])  الكندي، بيان الشرع، 8/11-12.

[95])  ر: الكندي، بيان الشرع، 8/6، 16.

[96])  أبو الحواري محمد بن الحواري القري، من فقهاء القرن الثالث الهجري، له العديد من الآثار العلمية، منها كتاب الجامع. للترجمة: ر: السعدي، العمانيون من خلال كتاب بيان الشرع، ص220.

[97])  هو الرطب قبيل نضوجه.

[98])  أوراق النخيل.

[99])  الكندي، بيان الشرع، 8/16. والكندي، المصنف، 3/391.

[100])  أي قول أصحابنا الإباضية.

[101])  الكندي، بيان الشرع، 8/11. والكندي، المصنف، 3/390.

[102])  رواه الربيع في الجامع الصحيح، في كتاب الطهارة، باب في أحكام المياه، حديث رقم159.

[103])  ر: الزحيلي، الفقه الإسلامي وأدلته، 1/278-279. والمعولي، المعتمد في فقه الصلاة، ص67.

[104])  الكندي، بيان الشرع، 7/30.

[105])  الكندي، بيان الشرع، 7/29-30.

[106])  الكندي، المصنف، 3/314.

[107])  الكندي، بيان الشرع، 7/19.

[108])  الكندي، بيان الشرع، 7/15.

[109])  ر: الكندي، بيان الشرع، 7/30.

[110])  الكندي، المصنف، 3/313.

[111])  الكندي، المصنف، 3/314.

[112])  الكندي، بيان الشرع، 7/9.

[113])  الكندي، بيان الشرع، 8/13.

[114])  الكدمي أبو سعيد محمد بن سعيد من قبيلة النعب، من بلدة كدم بولاية الحمراء، فيها كانت حياته ووفاته، عالم محقق، وفقيه مدقق، وإمام في العلم، كثرت عنه النقول في كتب الأثر، ورع زاهد متواضع، لقب بإمام المذهب لمكانته السامقة في العلم والإفتاء، واشتهر بكنيته في كتب الأثر، فحيثما وردت هذه الكنية في كتب الأثر فهو المراد. ولا تشير المصادر إلى تاريخ ولادته، ولكن من المرجح أن يكون ولد في أوائل القرن الرابع الهجري. تلقى تعليمه بنزوى بيضة الإسلام، حيث تتلمذ على أبي الحسن محمد بن الحسن، وأبي عبدالله محمد بن روح بن عربي، وأبي عثمان رمشقي بن راشد، وأبي إبراهيم محمد بن سعيد بن أبي بكر، ومن تلامذته أحمد بن محمد بن الحسن، وعبدالله بن محمد بن زنباع، وابنه سعيد بن محمد بن سعيد، وموسى بن مخلد، عبدالله بن محمد بن زمام. وقد عاصر ابن بركة. ومن آثاره العلمية: كتاب أبي سعيد، وجوابات أبي سعيد، وجامع أبي سعيد، والاستقامة، والمعتبر، وتعليقات وشروح على كثير من الكتب مثل جامع أبي جعفر وكتاب الإشراف لابن المنذر النيسابوري وكتاب الفضل بن الحواري، وتفسير لبعض آيات القرآن الكريم، ومجموعة من الأشعار مثل قصيدة في الولاية والبراءة وجواب نظمي إلى ابنه سعيد. لم تحدد الآثار تأريخ وفاته، ولكنه كان حيا إلى يوم الأربعاء لثلاث عشرة ليلة خلت من ربيع الأول 361هـ، وهو تأريخ تقييد أحد تلامذته عنه. ر: السعدي، العمانيون من خلال كتاب بيان الشرع، ص226-230، باجو مصطفى صالح، بحث مقدم لندوة تطور العلوم الفقهية في عمان خلال القرن الرابع الهجري، ص271-274، آل ثاني سليم بن سالم،  بحث مقدم لندوة تطور العلوم الفقهية في عمان خلال القرن الرابع الهجري، ص317-325.

[115])  الكندي، بيان الشرع، 7/10.

[116])  لم أقف عليه، ولعله يقصد محمد بن محبوب، أو محمد بن إبراهيم صاحب بيان الشرع، أو غيرهما.

[117])  منخفض من الأرض فيه ماء مجتمع.

[118])  الكندي، المصنف، 3/314.

[119])  رواه الربيع في الجامع الصحيح، في كتاب الطهارة، باب في أحكام المياه، برقم 158.

[120])  ر: الكندي، المصنف، 3/312-313.

[121])  ر: الكندي، بيان الشرع، 8/8-10. والكندي، المصنف، 3/312-313.

[122])  ر: الكندي، المصنف، 3/314.

[123])  ر: الكندي، بيان الشرع، 7/15، 30.

[124])  رواه الربيع في الجامع الصحيح، في كتاب الطهارة، باب في أحكام المياه، برقم 159.

[125])  ر: الكندي، المصنف، 3/40.

[126])  الكندي، المصنف، 3/40-41.

[127])  ر: الكندي، المصنف، 3/45.

[128])  الكندي، بيان الشرع، 7/30.

[129])  الكندي، بيان الشرع/ 7/31.

[130])  ر: الكندي، بيان الشرع، 7/154-161.

[131])  ر: الكندي، بيان الشرع، 7/161-165.

[132])  ر: الكندي، بيان الشرع، 7/153-154، 159.

[133]) ر: الكندي، بيان الشرع، 7/159.

[134])  الكندي، بيان الشرع، 7/154.

[135])  ر: الكندي، بيان الشرع، 7/181-184.

[136])  ر: الكندي، بيان الشرع، 7/159-160. والكندي، المصنف، 3/40-44.

[137])  ر: الكندي، المصنف، 3/84-103.

[138])  أي بين الإباضية.

[139])  الكندي، بيان الشرع، 7/53.

[140])  أي من شرح كتاب الإشراف للنيسابوري للشيخ أبي سعيد الكدمي.

[141])  الكندي، بيان الشرع، 7/53.

[142])  الكندي، بيان الشرع، 7/55.

[143])  الكندي، المصنف، 3/27.

[144])  ر: الكندي، بيان الشرع، 7/77-81. والكندي، المصنف، 3/104-105.

[145])  ر: الكندي، بيان الشرع، 7/88.

[146])  الكندي، بيان الشرع، 7/56.

[147])  سورة الأعراف: 157.

[148])  الكندي، المصنف، 3/88.

[149])  الكندي، بيان الشرع، 7/67.

[150])  الكندي، بيان الشرع، 7/251.

[151])  الكندي، المصنف، 3/111.

[152])  الكندي، بيان الشرع، 7/107.

[153])  ر: الكندي، بيان الشرع، 7/256. والكندي، المصنف، 3/100.

[154])  لم أقف على من المقصود بالضبط، فهناك غير واحد من العلماء الذين نقل عنهم اسمهم بشير.

[155])  الكندي، المصنف، 3/100.

[156])  أي المذبوحة.

[157])  الكندي، المصنف، 3/95.

[158])  ر: الكندي، المصنف، 3/136.

[159])  ر: الكندي، بيان الشرع، 8/7.

[160])  رواه الربيع في الجامع الصحيح، في كتاب الطهارة، باب في أحكام المياه، برقم 158.

[161])  هو كتاب موسوعي في الشريعة الإسلامية، قام بتأليفه مجموعة من علماء عمان الأفاضل في القرن الثالث الهجري، هم: أبو زياد، وسعيد بن محرز، ومحمد بن هاشم، ومحمد بن محبوب، وغيرهم، وكان ذلك في عهد الإمام غسان بن عبدالله (192-207). ر: البوسعيدي، الرائع في التاريخ العماني، 1/296.

[162])  الكندي، بيان الشرع، 8/7.

[163])  ر: الكندي، بيان الشرع، 7/255.

[164])  نوع من الحشرات، ربما يقصد به الزنابير؛ لأننا نقول في اللهجة المحلية الدبي بالياء ومفرده الدبية، ونقصد به الزنابير.

[165])  الكندي، بيان الشرع، 7/88، 149.

[166])  الكندي، المصنف، 3/101.

[167])  الكندي، المصنف، 3/109.

[168])  لم يشر المؤلف إلى القائل.

[169])  الكندي، بيان الشرع، 7/88.

[170])  أي أبو سعيد الكدمي.

[171])  يقصد صيد البحر.

[172])  الكندي، المصنف، 3/146.

[173])  أي الإمام محمد بن محبوب بن الرحيل أبو عبدالله، قاض فقيه وعالم نزيه، من أعلام عمان العظام في القرنين الثاني والثالث الهجريين. للترجمة: ر: السعدي، العمانيون من خلال كتاب بيان الشرع، ص247.

[174])  الكندي، بيان الشرع، 7/88.

[175])  ر: الكندي، بيان الشرع، 7/29-37. والكندي، المصنف، 3/138.

[176])  ر: الكندي، بيان الشرع، 7/107.

[177])  الكندي، بيان الشرع، 7/107.

[178])  سبق تخريجه.

[179])  الكندي، بيان الشرع، 7/149.

[180])  الكندي، بيان الشرع، 7/149.

[181])  الكندي، المصنف، 3/97.

[182])  الكندي، بيان الشرع، 7/149.

[183])  الكندي، المصنف، 3/142.

[184])  ر: الكندي، بيان الشرع، 9/106.

[185])  للشيخ أبي سعيد الكدمي.

[186])  الكندي، بيان الشرع، 7/220.

[187])  الكندي، بيان الشرع، 7/107.

[188])  الكندي، بيان الشرع، 7/87.

[189])  الكندي، بيان الشرع، 7/87.

[190])  لم يشر المؤلف إلى القائل.

[191])  الكندي، بيان الشرع، 7/88.

[192])  الكندي، بيان الشرع، 7/219.

[193])  للشيخ أبي سعيد الكدمي.

[194])  الكندي، بيان الشرع، 7/220.

[195])  الكندي، بيان الشرع، 7/233.

[196])  الكندي، المصنف، 3/138.

[197])  الكندي، المصنف، 3/140.

[198])  الكندي، المصنف، 3/142.

[199])  نوع من الخنافس.

[200])  الكندي، المصنف، 3/142.

[201])  الكندي، المصنف، 3/144.

[202])  الربيع بن حبيب بن عمرو أبو عمر الفراهيدي: إمام فقيه ومحدث نبيه وسياسي محنك، عاش في آخر القرن الأول وأكثر القرن الثاني الهجري، عاش في البصرة، ,وأصله من غضفان بالباطنة من عمان، أخذ عن علماء البصرة كالإمام جابر بن زيد والإمام أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة وضمام بن السائب وغيرهم، وأخذ عنه محبوب بن الرحيل وموسى بن أبي جابر، وبشير بن المنذر وأبو صفرة ومحمد بن المعلى الكندي، كان تقيا ورعا أمينا داعية إلى الله، له مسائل كثيرة في كتب الأثر. للترجمة: ر: السعدي، العمانيون من خلال كتاب بيان الشرع، ص76.

[203])  الكندي، المصنف، 3/165. والجلالة: هي التي تأكل النجاسات.

[204])  الكندي، بيان الشرع، 7/107.

[205])  الكندي، بيان الشرع، 7/107.

[206])  الكندي، بيان الشرع، 7/93.

[207])  الكندي، بيان الشرع، 7/218.

[208])  الكندي، بيان الشرع، 7/88.

[209])  الكندي، بيان الشرع، 7/239.

[210])  الكندي، المصنف، 3/197.

[211])  الكندي، المصنف، 3/111.

[212])  مفردها: محاة، وهي نوع من الثعابين.

[213])  لم أقف عليه، ولعله نوع من الزواحف الثعبانية.

[214])  الكندي، المصنف، 3/149.

[215])  ر: الكندي، المصنف، 3/150-151.

[216])  ر: الكندي، المصنف، 3/140.

[217])  الكندي، بيان الشرع، 7/107.

[218])  الكندي، بيان الشرع، 7/107.

[219])  الكندي، بيان الشرع، 7/107.

[220])  الكندي، بيان الشرع، 7/243.

[221])  الكندي، المصنف، 3/140.

[222])  حكى ذلك أبو سعيد الكدمي، ر: الكندي، بيان الشرع، 7/106.

[223])  ر: الكندي، بيان الشرع، 7/106.

[224])  الكندي، بيان الشرع، 7/93.

[225])  الكندي، المصنف، 195.

[226])  لم أقف عليه.

[227])  الكندي، المصنف، 3/195.

[228])  ر: الكندي، المصنف، 3/201-202.

[229])  ر: الكندي، بيان الشرع، 8/41-42.

[230])  الكندي، بيان الشرع، 8/41.

[231])  الكندي، بيان الشرع، 8/41.

[232])  الكندي، المصنف، 3/366.

[233])  وكذلك النفساء كالحائض.

[234])  ر: الكندي، بيان الشرع، 9/105-107. والكندي، المصنف، 3/127-135.

[235])  أي من غير كتاب المعتبر للإمام أبي سعيد الكدمي.

[236])  الكندي، بيان الشرع، 9/106.

[237])  ر: الكندي، بيان الشرع، 9/105-106.

[238])  رواه الربيع في الجامع الصحيح، في كتاب الطلاق والخلع والنفقة،  باب في الحيض، برقم551.

[239])  الكندي، المصنف، 3/131.

[240])  ر: الكندي، بيان الشرع، 9/105-107.

[241])  ر: الكندي، بيان الشرع، 9/105-107.

[242])  ر: الكندي، بيان الشرع، 9/106.

[243])  ر: الكندي، بيان الشرع، 9/107.

[244])  أي من غير كتاب المعتبر للشيخ أبي سعيد الكدمي.

[245])  الكندي، بيان الشرع، 9/106.

[246])  الكندي، بيان الشرع، 9/107.

[247])  رواه الربيع في الجامع الصحيح، في كتاب الطهارة، باب في كيفية الغسل من الجنابة، برقم 144.

[248])  الكندي، بيان الشرع، 9/107.

[249])  سورة التوبة: 28.

[250])  ر: الكندي، بيان الشرع، 7/121-127.

[251])  من شرح كتاب الإشراف للنيسابوري، شرح الإمام أبي سعيد الكدمي.

[252])  الكندي، بيان الشرع، 7/121.

[253])  سورة التوبة/28.

[254])  الكندي، بيان الشرع، 7/125.

[255])  لم يشر إليه.

[256])  الكندي، بيان الشرع، 7/127.

[257])  لم أقف عليه.

[258])  الكندي، المصنف، 3/76.

[259])  التوبة/28.

[260])  الكندي، المصنف، 3/76.

[261])  ر: الكندي، بيان الشرع، 7/183.

[262])  ر: الكندي، بيان الشرع، 7/183.

[263])  أي لها ذات وعين.

[264])  الكندي، المصنف، 3/30.

[265])  الهادي واليحمدي والتيواجني، فقه العبادات، 1/48.

[266])  الكندي، بيان الشرع، 7/34.

[267])  الكندي، المصنف، 3/335.

[268])  الكندي، بيان الشرع، 7/34.

[269])  الكندي، المصنف، 3/334.

[270])  الكندي، المصنف، 3/335.

[271])  ر: الكندي، بيان الشرع، 7/29-37.

[272])  ر: الكندي، المصنف، 3/348.

[273])  أي الإمام محمد بن محبوب بن الرحيل.

[274])  الكندي، بيان الشرع، 7/88.

[275])  الوزغ أو البُـرص.

[276])  الكندي، بيان الشرع، 7/149

[277])  الكندي، المصنف، 3/338.

[278])  الكندي، بيان الشرع، 7/35.

[279])  ر: الكندي، بيان الشرع، 7/29-37. والكندي، المصنف، 4/334-357.

[280])  الكندي، بيان الشرع، 7/36-37.

[281])  ر: الكندي، بيان الشرع، 7/29-37. والكندي، المصنف، 3/342-353.

[282])  الكندي، بيان الشرع، 7/32.

[283])  سورة النساء: 43.

[284])  رواه الربيع في الجامع الصحيح، في كتاب الطهارة، باب في فرض التيمم والعذر الذي يوجبه، برقم 171.

[285])  انظر على سبيل المثال: الكندي، بيان الشرع، 9/97-101، 167-206. والكندي، المصنف، 4/239-272.

[286])  النساء/43.

[287])  الكندي، بيان الشرع، 9/171.

[288])  لعله يقصد أبا ذر وليس أبا الدرداء، ووقع تحريف عند النسخ، كما يظهر ذلك عند تخريج الحديث في مسند الإمام الربيع.

[289])  رواه الربيع في الجامع الصحيح، في كتاب الطهارة، باب في فرض التيمم والعذر الذي يوجبه، برقم170.

[290])  الكندي، بيان الشرع، 9/97.

[291])  النساء/43.

[292])  هو الصلت بن خميس، أبو المؤثر، عالم عماني فقيه عاش في القرن الثالث الهجري، تتلمذ على الإمام محمد بن محبوب، وأبي زياد الوضاح بن عقبة، ومن تلاميذه أبو الحواري محمد بن الحواري. ومن آثاره العلمية: قصيدة في التوحيد والولاية والبراءة، وكتاب الوصايا، وكتاب البيان والبرهان، وكتاب الأحداث والصفات، وتعليقات على مسائل من جامع ابن جعفر. للترجمة: ر: السعدي، العمانيون من خلال كتاب بيان الشرع، ص111.

[293])  الكندي، المصنف، 4/240-241.

[294])  النساء/43.

[295])  على قول من قال بالكفارة على تضييع الصلاة قياسا على كفارة تضييع الصوم.

[296])  الكندي، المصنف، 3/50.

[297])  ر: الكندي، بيان الشرع، 8/39-40. والكندي، المصنف، 3/405-407.

[298])  الكندي، بيان الشرع، 8/40.

[299])  يقصد أبا محمد، ولم أقف عليه.

[300])  الكندي، المصنف، 3/399.

[301])  ر: الكندي، المصنف، 3/399.

[302])  ر: الكندي، بيان الشرع، 7/29-37. والكندي، المصنف، 3/342-353.

[303])  ر: الكندي، بيان الشرع، 7/39-40. والكندي، المصنف، 3/359-360

[304])  بيع حصة من ماء الفلج.

[305])  الكندي، بيان الشرع، 6/112.

[306])  ر: الكندي، المصنف، 18/83-92.

[307])  جمع خرس: وهي الأواني الفخارية التي يوضع فيها الماء.

[308])  أي أبو سعيد الكدمي.

[309])  الكندي، المصنف، 18/86.

[310])  الكندي، بيان الشرع، 7/124.

[311])  التوبة/28.

[312])  الكندي، بيان الشرع، 7/121.

[313])  ر: الجزء الثالث والرابع من المصنف.

[314])  الكندي، المصنف، 4/15.

[315]) الكندي، بيان الشرع، 7/9.

[316])  الكندي، بيان الشرع، 7/17.

[317])  الكندي، بيان الشرع، 7/18.

[318])  ر: الكندي، بيان الشرع، 7/43، 137-146.

[319])  الكندي، بيان الشرع، 7/56.

[320])  لم يشر إليه، ولعله يقصد ابا المؤثر.

[321])  الكندي، بيان الشرع، 7/89.

[322])  الكندي، بيان الشرع، 7/90.

[323])  يبسط وتسلط عليه الشمس.

[324])  الكندي، بيان الشرع، 7/101.

[325])  الكندي، بيان الشرع، 7/113.

[326])  الكندي، بيان الشرع، 7/188.

[327])  كذا في الأصل، و لعله يريد الأدران، وحصل تحريف.

[328])  الكندي، المصنف، 3/309.

[329])  الكندي، المصنف، 3/26.

[330])  يقصد بها الحوض من التراب الذي يحيط بالشجرة ليحفظ لها الماء عندما تسقى.

[331])  ر: الكندي، بيان الشرع، 49/90-91.

[332])  ر: الكندي، بيان الشرع، 7/179-184.

[333])  الآد: وحدة قياس زمنية لتوزيع مياه الأفلاج بعمان، تقدر بالساعات الفلكية.

[334])  الكندي، بيان الشرع، 49/90.

[335])  محمد بن إبراهيم الكندي صاحب بيان الشرع.

[336])  أحواض تجمع فيها المياه للسقي. أو هي الجيل (الحوض الترابي) الذي يجعل حول الشجرة لسقيها فيه.

[337])  الكندي، المصنف، 18/90.

[338])  ر: الكندي، بيان الشرع، 60/255.

[339]) ر: الكندي، المصنف، 25/24-30.

[340])  الكندي، المصنف، 25/26.

[341])  ر: الكندي، بيان الشرع، 7/29-37. والكندي، المصنف، 3/334-353.

[342])  ر: الكندي، بيان الشرع، 7/217.

[343])  ر: الكندي، بيان الشرع، 7/30-31.

[344])  ر: الكندي، المصنف، 3/32-35.

[345])  الكندي، المصنف، 3/33.

[346])  ر: الكندي، بيان الشرع، 7/31، 35.

[347])  الكندي، المصنف، 3/340.

[348])  ر: الكندي، بيان الشرع، 7/39-40. والكندي، المصنف، 3/359-360.

[349])  أي من كتاب الضياء للعوتبي، العلامة الفقيه سلمة بن مسلم العوتبي الصحاري من فقهاء القرن الخامس الهجري. للترجمة: ر: السعدي، العمانيون من خلال كتاب بيان الشرع، ص97.

[350])  الكندي، بيان الشرع، 7/51.

[351])  ر: الكندي، بيان الشرع، 7/113.

[352])  عبدالله بن محمد بن بركة.

[353])  رواه الربيع في الجامع الصحيح، كتاب الطهارة، باب في آداب الوضوء وفرضه، حديث رقم88، عن أبي هريرة.

[354])  ر: الكندي، بيان الشرع، 9/9، 29، 114، 115. والكندي، المصنف، 3/329.

[355])  هذه المسألة عن جامع ابن جعفر.

[356])  هو محمد بن المسبح بن عبدالله، أبو عبدالله، عالم فقيه عاش في القرن الثالث الهجري، من آثاره العلمية تعليقات على جامع ابن جعفر، وله مسائل في كتب الأثر. للترجمة: ر: السعدي، العمانيون من خلال كتاب بيان الشرع، ص254.

[357])  هو هاشم بن غيلان، أبو الوليد، عالم فقيه، عاش في أواخر القرن الثاني الهجري. للترجمة: ر: السعدي، العمانيون من خلال كتاب بيان الشرع، ص308.

[358])  الكندي، بيان الشرع، 9/114.

[359])  الباب السابع والثلاثون من الجزء السابع، بعنوان في تطهير الأواني التي تنشف بالماء.

[360])  ر: الكندي: بيان الشرع، 7/133-136.

[361])  ر: الكندي، بيان الشرع، 7/169.

[362])  أي من كتاب الضياء للعوتبي.

[363])  الكندي، بيان الشرع، 8/59.

[364])  الكندي، المصنف، 4/27.

[365])  الكندي، بيان الشرع، 8/73.

[366])  ر: الكندي، بيان الشرع، 8/83، 133. والكندي، المصنف، 4/27-28.

[367])  ر: الكندي، بيان الشرع، 8/59. والكندي، المصنف، 4/27.

[368])  ر: الكندي، بيان الشرع، 8/59-60. والكندي، المصنف، 4/27.

[369])  ر: الكندي، بيان الشرع، 8/73.

[370])  ر: الكندي، بيان الشرع، 8/83. والكندي، المصنف، 4/27.

[371])  ر: الكندي، بيان الشرع، 9/28-29. والكندي، المصنف، 4/28.

[372])  ر: الكندي، بيان الشرع، 8/133.

[373])  ر: الكندي، بيان الشرع، 8/133.

[374])  ر: الكندي، بيان الشرع، 61/16.

[375])  ر: الكندي، بيان الشرع، 61/14.

[376])  ر: الكندي، بيان الشرع، 61/16.

[377])  ر: الكندي، بيان الشرع، 61/16.

[378])  ر: الكندي، المصنف، 21/135-136.

[379])  ر: الكندي، المصنف، 28(1)/22-27.

[380])  الكندي، المصنف، 28(1)/22.

 

* ندوة تطور العلوم الفقهية فِي عمان “ الفقه الحضاري، فقه العمران”

 المنعقدة خلال الفترة: (18-21) ربيع الثاني 1431هـ / (3-6) إبريل 2010م:

سلطنة عمان- وزارة الأوقاف والشؤون الدينية 

هذه المقالة تحتوي على لا تعليق

أكتب تعليقك هنا

نرجو أن تضع المادة أسفله
الإسم
إيميل
موقع
تعليقك