العربيةEnglishFrançaisItalianoDeutsch

السلوك الفردي والبيئة في الإسلام

السلوك الفردي والبيئة في الإسلام*

  إعداد:  أ. على عبد الباقي شحاته

 (الأمين العام لمجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف، الجمهورية المصرية)

 

مقدمة:

الحمد لله القائل ﴿وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا﴾([1])، والصلاة والسلام على النبيّ الخاتم سيّدنا مُحمَّد وعلى آله وصحبه ومن والاه… وبعد؛

فمما لا شكّ فيه، أن قضايا البيئة المختلفة تطرح نفسها على علماء الأمة الإسلامية في الوقت الحاضر لمناقشتها، لأسباب يأتي في مقدمتها سرعة التغيرات التي تطرأ في الكون وفي أحوال الناس.

وحسناً ما أقدمت عليه وزارة الأوقاف والشئون الدينية بسلطنة عمان من اختيار موضوع البيئة للتحاور حول السلوك الفردي والبيئة في الإسلام.

إن اختيار هذا الموضوع يصبح من الأهمية بمكان، إذا علمنا أن الله I خلق الإنسان وكرمه وزوده بالملكات والحواس وفضله على سائر المخلوقات، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً﴾([2])، وميزه بأن جعله خليفة الله في الأرض قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾([3])، وكلّفه بعمارة الأرض قال تعالى: ﴿هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾([4]).

ولقد اهتمَّ الإسلام بالإنسان، فصاغ حركته على الأرض عبر وسائل واقعية تراعي طبيعة الإنسان ومتطلباته وغاياته، وقد شاءت إرادة الله عزّ وجل أن تتضمن النفس البشرية جوانب الخير والشرّ، فعلى الرغم من قوة العقل وإرادة الخير، فالإنسان كائن ضعيف قد تغلبه شهوات نفسه ورغباتها فتعميه عن الحقيقة، وقد تؤدِّي به إلى الخروج عن النهج الذي أراده الله، والذي يحقّق فيه الانسجام مع قوانين البيئة التي خلقها الله، فيسيء بجهله وشهواته إلى بيئته، وبالتالي إلى نفسه، قال تعالى: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ﴾([5]).

لذا كانت الشريعة الإسلامية عاصمة للإنسان من اتباع الهوى, ومن هنا اكتسبت تلك الندوة الميمونة كل هذه الأهمية البالغة؛ لأنَّها ستلقي الضوء على منظومة التوازن البيئي التي حبانا الله عزّ وجل بها، وكيف نظرت الشريعة الإسلامية لموضوع الندوة، في ضوء قول الحق عزّ وجل: ﴿وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ﴾([6]).

ولقد استمتع الإنسان بهذا التوازن فترة طويلة حتَّى ظهور الثورة الصناعية والتي تسببت في حدوث تفاعل ديناميكي بين الإنسان وبيئته، فحدثت الزيادة الرهيبة في استخدام المبيدات الكيماوية السامة في الزراعة، كما ازداد انبعاث الملوثات الصناعية والتي أصبح لها تأثير سام على المحتوى الحيوي مِمَّا أفسد حياة الإنسان، قال تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾([7]).

وإذا كانت الحضارة الحديثة قد أفرزت هذا التلوث دون التفكر في كيفية معالجته، فإن الإسلام قد وضع قوانين علاجه، قبل أن ينتشر بهذا الحجم الذي نراه اليوم.

إننى آمل أن تكون هذه الورقة إضافة في ترسيخ السلوك البيئي، على ضوء هدى الشريعة الإسلامية… والله من وراء القصد وهو يهدى إلى سواء السبيل.

أهمية الموضوع:

إن ظاهرة التلوث البيئي تعدّ من أعظم التحديات التي تواجه الإنسانية في العصر الحديث، وتزداد خطورة هذه الظاهرة نتيجة رغبة الإنسان المستمرة في كشف حقائق الكون المحيط به، محاولة منه في الوصول إلى ما يحتويه من أسرار، وكشف ما به من كنوز، وهذا الأمر يدفعه بالطبع إلى اختراع الوسائل التي يستطيع بها تحقيق هذا الهدف، من إقامة المصانع واختراع وسائل جديدة للاتِّصال، والبحث عن مصادر جديدة للطاقة، مِمَّا يزيد حدّة ظاهرة التلوث، لكثرة ما ينتج عن هذه الوسائل من ملوثات وحتى لا تقف مشكلة التلوث حائلاً دون تحقيق هذا الهدف، لابد من مواجهتها على المستوى الفردي والقومي والدولي.

ولا شك أن مواجهة المشكلة يتطلب وضع قواعد لتغيير السلوك الفردي في التعامل مع البيئة، كما يتطلب بالضرورة الوقوف على هذه القواعد حتَّى يمكن الالتزام بها.

تهدف هذه الورقة إلى بيان المبادئ العامة التي تضبط سلوك الفرد تجاه البيئة وسوف تحتوي على:

- التعريف اللغوي لكلمة البيئة.

- مدلـول البيـئة في الإسـلام.

- التـوازن البيئي في الإسـلام.

- تعسّف الإنسان في استغـلال البيئة.

- دعوة الإسلام إلى الحفاظ على البيئة.

- سلوك الفرد البيئي في منظور الشريعة الإسلامية.

- ملوثات البيئة الفكرية.

- الخاتمـة والتوصيـات.

 *            *               *
المبحث الأول:

التعريف اللغوي للبيئة

“البيئة” و”المباءة” في اللغة أسماء بمعنى المنزل الذي يأوي إليه الإنسان أو الحيوان ويقيم فيه، وهي مشتقة من الفعل “بوَّأ” بتشديد الواو، فيقال: أباءه منزلاً وبوَّأه إياه، وبوَّأه له وبوَّأه فيه، بمعنى هيأه له وأنزله ومكن له فيه؛ قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُم مِّنَ الْجَنَّةِ غُرَفاً تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾([8]).

والبيئة في العلوم الكونية تعني مصطلح يتسع مدلوله ليشمل مجموع الظروف والعوامل الخارجية التي تحيط بالكائنات وتؤثر في العمليات الحيوية التي تقوم بها، ويرتبط مدلول مصطلح (البيئة) بنمط العلاقة بينها وبين مستخدميها، فرحم الأم بيئة الإنسان الأولى، والبيت بيئة، والمدرسة بيئة، والحي بيئة، والكرة الأرضية بيئة، والوطن بيئة، والكون كلّه بيئة، أي أن بيئة الإنسان تكبر وتتسع مع نموه واتساع خبراته.

من ناحية أخرى، يمكن النظر إلى تعريف البيئة على: أنها علاقة الإنسان بالإنسان، أو هي مجموعة من الظروف والمواد والتفاعلات التي تجتمع في الحيز الذي توجد فيه الحياة.

إذن البيئة تعني: الإطار الذي يعيش فيه الإنسان ويمارس فيه نشاطه الزراعي والصناعي والاقتصادي والاجتماعي.

وتتكوّن البيئة من عنصرين الأوّل: العنصر الطبيعي، والثاني: هو العنصر الصناعي.

1) العنصر الطبيعي: يتمثل في مجموعة الأشياء التي لا دخل للإنسان فيها، فهذه الأشياء لم تتدخل إرادة الإنسان في صنعها، بل ووجودها سابق على وجوده، مثل الهواء والماء والتربة والنبات والحيوان والبحار والمعادن، كما يشمل العنصر الطبيعي أيضاً مجموعة من التفاعلات الكلية مثل دورات الرياح والتغيرات المناخية.

هذه الأمور قد خلقها الله I بإتقان وإبداع، فكلّ هذه الأشياء تؤدِّي وظيفتها التي من أجلها قد خلقت، كما أن هناك توازناً دقيقاً في أداء مكونات هذا الوسط… بحيث يقوم بعضها بخدمة البعض الآخر… والأمثلة على ذلك كثيرة، منها:

  • قيام النبات في عملية التنفس بامتصاص ثاني أكسيد الكربون وطرد الأوكسجين، في حين يحدث العكس في الإنسان، ومعلوم أن غاز ثاني أكسيد الكربون سام، وبالتالي يقوم النبات بحماية طبيعية للبيئة من آثاره.
  • هناك بعض الكائنات تكون عدوا للبعض الآخر، بحيث يظهر التوازن الدقيق بينها.

2) العنصر الصناعي: فيشمل مجموعة الأشياء التي استحدثها الإنسان للسيطرة على مكونات العنصر الطبيعي والاستفادة منها وتسخيرها في خدمته، فمنذ الأزل سعى الإنسان جاهداً لكشف أسرار الكون الذي يعيش فيه، والبحث عن مصادر جديدة للثروة ليشبع بها حاجاته ويحقق عن طريقها رغباته، وقد وصله ذلك إلى إقامة المصانع واختراع الآلات الحديثة.

*            *               *

المبحث الثاني:

مدلول البيئة في الشريعة الإسلامية

ينظر الفقهاء المسلمون إلى البيئة باعتبارها الكون الذي نعيش فيه، بما فيه من إنسان وحيوان ونبات وماء وهواء وتربة.

ولقد استمد الفقهاء هذا التصور من خلال نظرة القرآن الكريم إليها وحديثه عنها، ولفت الأنظار إليها لفتاً بارعاً، بياناً لأهميتها، وإرشاداً إلى ضرورة حمايتها باعتبارها خلق من خلق الله يحتم علينا ديننا ضرورة المحافظة عليه، والعمل على استمراريته وبقائه.

والدليل على أن البيئة خلق من خلق الله I قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾([9]).

وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ﴾([10]) أي: خلقنا السموات والأرض وما بينهما من المخلوقات([11]).

وقوله تعالى: ﴿وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ ﴾([12]).

ومعنى الآية: أنّه ما من حيوان يمشى على الأرض ولا طائر يطير في الجو بجناحيه إلا طوائف مخلوقة مثلكم، خلقها الله وقدر أحوالها وأرزاقها([13]).

فالله عزّ وجل قد خلق السموات والأرض وما بينهما من جميع المخلوقات ثمَّ اقتضت حكمته أن يستخلف الإنسان على هذه المخلوقات؛ لأنَّه أرقى هذه المخلوقات وحتى تحقق الخلافة فقد سخر الله له هذه المخلوقات وجعلها مذللة له فلا تستعصي عليه.

فالمشيئة العليا أرادت أن تسلم لهذا الكائن الجديد في الوجود زمام هذه الأرض، وتطلق فيها يده، وتكل إليه إبراز مشيئة الله في الإبداع والتكوين والتحليل والتركيب والتبديل، وكشف ما في هذه الأرض من قوى وطاقات وكنوز وخامات. وكذا إبراز التناسق بين النواميس التي تحكم الأرض مع الكون كله حتَّى لا يقع التصادم بين هذه المخلوقات وتلك([14]).

لقد وضع القرآن الكريم تصوراً شاملاً للبيئة شمل الإنسان والحيوان والنبات والجماد والماء والهواء، وجعل الإنسان على قمة هذه السلسلة وسخرها جميعاً لخدمته قال تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ﴾([15]).

وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَاباً ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنزَلْنَا بِهِ الْمَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْموْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾([16]). وقال تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾([17]).

مِمَّا سبق يتّضح أن الله I خلق كل مخلوق ليؤدّي دوراً معيناً في الحياة فبقاؤه واستمراره أمر طبيعي، وذلك حتَّى يتم حفظ التوازن بين هذه المخلوقات، خصوصاً وأن الإسلام اهتم كثيراً بحفظ النوع والسلالة في جميع المخلوقات الحية، وحتى يتحقق هذا الغرض خلق الله عزّ وجل من كلّ زوجين اثنين، قال تعالى: ﴿وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾([18]). وذلك حماية لها من الانقراض، وهذا يفيد ضرورة اتخاذ الإجراءات اللازمة لحفظ النوع والسلالة في الكائنات الحية.

إن حفظ الحياة لا يتم إلا بحفظ مكونات البيئة، حيث إنّها عامل ضروري لاستمرار الحياة، ولما كان حفظ الحياة واجب كان الحفاظ على عناصر البيئة واجب أيضاً، من هنا أوجب الله على الإنسان الذي استخلفه على البيئة وملكه لها بأن يحافظ عليها.

*            *               *

المبحث الثالث:

التوازن البيئي من المنظور الإسلامي

يحفل القرآن الكريم بالكثير من الآيات التي تؤكد على أنّ الله هو وحده خالق البيئة ومنظمها، وهو الذي وضع النواميس التي تكفل حفظ التوازن البيئي.

قال تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاء بِنَاء وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾([19]).

وقال تعالى: ﴿أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّمَاء بَنَاهَا * رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا * وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا * وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا * أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءهَا وَمَرْعَاهَا * وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا * مَتَاعاً لَّكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾([20]). وقال تعالى: ﴿فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ * أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاء صَبّاً * ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقّاً * فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبّاً * وَعِنَباً وَقَضْباً * وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً * وَحَدَائِقَ غُلْباً * وَفَاكِهَةً وَأَبّاً * مَّتَاعاً لَّكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾([21]). وقال تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾([22]). وقال تعالى: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ﴾([23]). وقال تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾([24]). وقال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَنظُرُوا إِلَى السَّمَاء فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ * وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ * تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ * وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُّبَارَكاً فَأَنبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ * وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ * رِزْقاً لِّلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً كَذَلِكَ الْخُرُوجُ﴾ ([25]).

مِمَّا سبق يتبين لنا، أن الإسلام طالب الإنسان أن يتعامل مع البيئة من منطلق أنها ملكية عامة يجب الحفاظ عليها، حتَّى يستمر الوجود. قال تعالى: ﴿وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾([26])، وذلك حتَّى يؤدّي كلّ ما في الكون وظيفته ولكي يبقى التناسق والانسجام.

لقد نهى الإسلام عن الفساد وإتلاف الطبيعة قال تعالى: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ﴾([27]).

والباحث في السنة النبوية يجد أن النبيّ صلعم قال: «من قطع سدرة صوَّب الله رأسه في النار»([28]) تأكيداً على المحافظة على مقومات البيئة الطبيعية لما توفره من حفظ التوازن بين المخلوقات وما يمثله الاعتداء عليها من فقدان بعض العناصر المهمة لسلامة الحياة.

ولقد حضّت السنة النبوية الشريفة على الاهتمام بالنباتات ورعايتها.. فعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلعم: «ما من مسلم يغرس غرساً، أو يزرع زرعاً؛ فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إِلاَّ كان به صدقة»([29]).

كما اهتمت السنة النبوية بالحيوان ومنعت التعدي عليه وتعذيبه أو تعريضه للهلاك والرفق به باعتباره جزء من البيئة وجزء من الكون. فعن أبى هريرة رضي الله عنه قال: «قالوا: يا رسول الله، وإن لنا في البهائم أجراً؟ قال: في كل ذات كبد رطبة أجر»([30]).

وقد جاء في وصية أبى بكر الصديق لأسامة بن زيد عندما وجهه إلى الشام قوله: (ولا تقطعوا شجرة مثمرة، ولا تذبحوا شاة ولا بقرة ولا بعيراً إلا لمأكله). ويتضح من تلك الوصية دعوة الإسلام للحفاظ على الحياة البرية من نبات وحيوان وطير وبهذا فإنها لا تمثل تشريعاً متقدماً للمحاربين في أسلوب الحفاظ على البيئة من الإتلاف والتدمير والقطع والحرق والقتل، الأمر الذي يدل على عظمة الإسلام وسموه ورقيه في مجال التشريعات.

*            *               *

المبحث الرابع:

تعسف الإنسان في استغلال البيئة

إن العامل الأول من عوامل التلوث يتمثل في الاستخدام غير المنضبط من جانب الإنسان لعناصر البيئة.. إذ أن الإنسان هو نتاج البيئة وهو مبدعها في نفس الوقت، وهي التي تمده بالمقومات الأساسية لنموه الذهني والأخلاقي والاجتماعي والروحي([31])، وبفضل التقدّم السريع والمذهل الذي وصلت إليه الإنسانية علمياً وتكنولوجيا، أصبح الإنسان يملك القدرة على تغيير بيئته بدرجة لم يسبق لها مثيل.

إن القدرة التي يملكها الإنسان اليوم على تغيير الوسط الذي يعيش فيه إذا استخدمت بوعي وإدراك سليمين يمكن أن تعود على الشعوب بالنفع والارتفاع بمستوى المعيشة، أما إذا استخدمت بطريقة تعسفية أو طائشة فإنها يمكن أن تسبب للجنس البشري وبيئته أضراراً لا يمكن حصرها.

إن تأثير الإنسان على توازن البيئة بدأ منذ ظهوره على سطح الأرض، وقد ظهر هذا التأثير في قيام الإنسان منذ الأزل بإشعال الحرائق في الغابات للقيام بعمليات الصيد، أو بهدف استصلاحها وزراعتها بأنواع أخرى من النباتات دون أن ينتبه إلى الآثار البيئية والاجتماعية التي يمكن أن تحدث نتيجة لذلك، لاعتقاده أن الموارد الطبيعية لا يمكن أن تنفذ لكثرتها.

وإذا كان هذا الأسلوب قد سلكه الإنسان في سياسته مع البيئة في الماضي فما زالت البيئة تعاني من آثاره في الوقت الحاضر. حيث لم يترك الإنسان النظم البيئية ثابتة، بل استغلها بطريقة غير عقلانية وذلك عن طريق:

1-  إلقاء مياه الصرف الصحي في مياه الأنهار، مِمَّا أفسد المياه وجعلها بيئة غير مناسبة لحياة كائنات حية عديدة.

2- إلقاء مخلفات المصانع المقامة على ضفاف الأنهار، الأمر الذي زاد من كمية الانبعاث الحراري الناتج من إلقاء هذه المخلفات مذابة في مياه ساخنة حيث يقل الأكسجين.

3- استخدام المبيدات الكيميائية في مقاومة الأعشاب والقواقع وبعض الحشرات كالبعوض، فضلاً عن استخدام بعض الصيادين للمواد السامة في صيد الأسماك.

4-  حرق مخلفات الزراعة (قش الأرز) مِمَّا يسبب كثيرا من أمراض الصدر والحساسية وقد أدّى ذلك إلى:

1-  انتشار الأمراض وخاصة أمراض الجهاز الهضمي، نظراً لاستخدام مياه النهر في الشرب والزراعة، وذلك بسبب تزايد احتمال وجود الجراثيم المسببة لأمراض الكوليرا والتيفود والدوسنتاريا وغيرها.

2-     انتشار الطفيليات.

3-  هلاك أنواع من الهائمات النباتية والتي لها دور مهم في البيئة حيث تعتبر مصدراً مهماً؛ لإنتاج الأكسجين، فضلاً عن كونها غذاء للأسماك.

4-     تناقص الأكسجين الذائب في الماء مِمَّا يؤدّي إلى موت كثير من الأسماك.

5-     موت الطيور والحيوانات البحرية أو ضعف سلالتها.

6-     تشجيع تكاثر القواقع التي تعمل كعامل وسيط لكثير من الطفيليات.

وفي ضوء ما تقدم يتبين لنا أن الإنسان قد عبث بكل عناصر البيئة الإنسانية، حيث شمل الماء والهواء والتربة، الأمر الذي جعل من مشكلة التلوث مشكلة عالمية بالإضافة إلى كونها مشكلة إقليمية.

فالتلوث الناتج عن النشاط الضار الذي تمارسه الدول أو الأفراد، ينتقل آثاره الضارة إلى الأفراد والدول المجاورة. إذاً الأمر جدّ خطير؛ لأنَّ مشكلة العبث بعناصر البيئة تهدد الإنسان نفسه؛ لأنَّ تأثر عناصر البيئة بهذا العبث يعني زوال حقّ الحياة، وهو من أسمى الحقوق الإنسانية وأعظمها على الإطلاق، وما عداه من حقوق يدور في كنفه ويهدف إلى صيانته([32]).

إن الخطورة في مشكلة التلوث أنها ترتبط بعمليات التنمية والتي تسعى إليها الدول لرفع مستوى شعوبها الاقتصادي والاجتماعي، دون أن تأخذ في الاعتبار الآثار الجانبية التي يمكن أن تلحق بالبيئة الإنسانية نتيجة لهذه العمليات.

 *        *          *

المبحث الخامس:

الإسلام ودعوته إلى الحفاظ على البيئة

إنّ موارد البيئة هي من أجل نعم الله على البشر، وأن الله قد أعطانا جميعاً حق الانتفاع بها، فلا يحق لطائفة الاستئثار بها دون غيرها، والإنسان وصيّ على البيئة؛ وليس مالكاً لها، فعليه من هذا المنطق أن يأخذ منها بقدر مع أداء حق هذه النعمة وشكرها بالمحافظة عليها.

إن شكر النعمة عامل من عوامل استدامتها. قال تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾([33])، وكفران النعم مدعاة لزوالها، قال تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللّهِ فَأَذَاقَهَا اللّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ﴾([34]).

إن المحافظة على مكونات البيئة جزء من عقيدة المؤمن، قال صلعم: «الإيمان بضع وسبعون شعبة أو بضع وستون شعبة فأفضلها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان»([35]).

لقد حذر الإسلام من كل تغيير كمّي وكيفي في مكونات البيئة الحية وغير الحية؛ لأنَّ ذلك سوف يؤدّي إلى عدم مقدرة الأنظمة البيئية على استيعابها دون أن يختلّ توازنها، وبالتالي حدوث التلوث البيئي، ولقد خلق الله I الكون وفيه توازن بيئي متكامل بين الكائنات الحية وغير الحية([36])، قال تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾([37]).

كما أنّ السنَّة المطهرَّة تزخر بِما يؤكّد هذا التصوّر الإسلامي بين الإنسان وما تَحتويه بيئته من موجودات حية وغير حية، فقد كان رسول الله صلعم يقول عن جبل أحد وهو يدللـه تدليل الصديق: «هذا جبل يُحبّنا ونحبه» ([38]) ومن البين أن افتقاد البشرية لهذا البعد الإيماني والشعور النفسي القائم على المعرفة الصحيحة لطبيعة العلاقة بين الإنسان والبيئة قد أفقدهم تحقيق الأمن البيئي([39]).

إن ما يحدث في عصرنا الحديث من أشكال التلوث البيئي المختلفة يجب النظر إليه على أنه اعتداء أثيم على توازن البيئة المحكم، وتشويه متعمد لشكلها الجمالي الذي جعلها الله عليه، ومن ثمَّ يكون العمل على حماية البيئة من مختلف أشكال التلوث والفساد والإبقاء على الجمال في صفحات الكون مطلباً إسلامياً تستحث لأجله الهمم وتستثار العزائم([40]).

لقد أوصى رسولنا الكريم صلعم الإنسان بنظافة بدنه حماية له من الأمراض؛ فعن أبى هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلعم: «من بات وفي يده ريح غمر فأصابه فلا يلومن إِلاَّ نفسه»([41])، وريح الغمر أثر الأطعمة والدهون العالقة بيد الإنسان.

هنا يأمرنا الرسول صلعم بالنظافة لحماية بيئتنا الذاتية الشخصية خصوصاً، وأن هناك بعض الحشرات التي تبحث عن الطعام وتجذبها رائحة الدهون والفضلات التي هي عالقة بأيدي الإنسان.

وعنه صلعم أنه قال: «اتَّقوا الملاعن الثلاث: البراز في الموارد، وقارعة الطريق، والظلّ»([42]).

ولقد نهى القرآن الكريم عن الإخلال بالنظام البيئي وإحداث خلل في التكامل البيئي قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾([43]).

لقد أكّد الإسلام على أن الإنسان هو أهم عناصر البيئة الفكرية ففساده الذاتي إفساد للبيئة الفكرية، ومن ثمَّ يجب العمل على عدم تلوث بيئته الذاتية الأصلية، فإذا ما لطخت ذاته من الجهل والاستبداد وهيمنت عليه روح اللهو والاستخفاف بعناصر البيئة، فيجب العمل على بعث تطعيمه الفكري، ثمَّ العمل بعد ذلك على إعداده إعداداً فكرياً مناسباً وذلك عن طريق تذكيره بواجباته التالية:

1-  عدم التبذير والإسراف في الاستهلاك.

2-  عدم تعطيل الموارد وإتلافها بدون وجه مشروع.

3-   عدم الإضرار بالبيئة الطبيعية وعدم إفسادها وتلويثها وتشويهها بأي وجه من الوجوه.

4-   إن ملكية عناصر البيئة حق مشترك بين أفراد الجماعة الإنسانية، فمن حقّ كلّ فرد أن ينتفع منها بقدر حاجته دون أن يعطل أو يبطل حق انتفاع الآخرين، قال تعالى: ﴿وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاء قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ﴾([44]).

إن إعمال النظر في قوله تعالى: ﴿قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ﴾ من الناحية اللغوية([45]) لا تكون إِلاَّ في الأشياء الشائعة أو المشتركة. التي لا تعرف النصب المحدد لصاحبه فيها.

وجاء بالسنة المطهرة قول النبيّ صلعم: «الناس شركاء في ثلاث: الماء والكلأ والنار»([46]).

لقد تكلّم الحديث الشريف صراحة عن الشراكة والمشاركة، فالناس شركاء في الماء والكلأ والنار. ولفظ الكلأ ذو معنى واسع يشمل كل المزروعات التي تعيش عليها الكائنات الحية، وهي من الموارد الرئيسية للبيئة البرية.

وهكذا عرف الإسلام فكرة الحق المشترك أو التراث المشترك للإنسانية في الموارد البيئية الشائعة، والتي لا يمكن حيازتها وأهمها الهواء والماء.

وهذا مِمَّا يدعم اعتبار موارد البيئة الطبيعية تراثاً مشتركاً للإنسانية يجب الالتزام بالآداب الإسلامية في تنميتها ودفع الضرر والفساد عنها، مع الأخذ في الاعتبار أن تلك الموارد لها ثلاث وظائف هي:

الوظيفة الأولى:

تعبدية، وهي ذات شقين: الأول، ويخص موارد البيئة ذاتها، فهي مخلوقات تسبح بحمد خالقها وتسجد له ودليل على قدرة الخالق I قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ﴾([47]).

أَمَّا الشقّ الثاني، فيخصّ الإنسان الذي سخرت لخدمته تلك الموارد، فهذه الأخيرة هي مجال لتأمل الإنسان وإعمال فكره حول مبدعها وخالقها، قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأُوْلِي الألْبَابِ﴾([48])، وقوله تعالى: ﴿قُلِ انظُرُواْ مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾([49])، وقوله تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾([50])، وقوله تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾([51])، وقوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا﴾([52]).

الوظيفة الثانية:

وظيفة جمالية ترفيهية، ذلك أن الله تعالى خلق موارد الطبيعة مختلفة الألوان والأشكال، وذلك لإدخال البهجة والسرور على نفس من استخلفه في عمارة الأرض. قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ * وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ﴾([53]).

وقال تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾([54]).

الوظيفة الثالثة:

حياتية معيشية، قوامها الانتفاع بالموارد الطبيعية في تدبير الطعام وطعام الأنعام، وأن يتخذ منها الإنسان ملبسه ومسكنه ووسيلة انتقاله دون جور على حقوق الغير، ما دام ذلك في حدود الشرع.

إن طابع “التراث المشترك” لموارد البيئة يوجب على كلّ بني البشر أياً كانت مواقعهم الجغرافية أو مشاربهم السياسية، أن يحافظ على تلك الموارد؛ لأنَّ في إهدارها واستنزافها على غير مقتضى الشرع تعطيل للمهمة التي أناطها الله تعالى بها، وبالتالي تعطيل للحياة ذاتها على الأرض، وهذا منهيّ عنه شرعاً؛ لأنَّ استمرار الحياة والحفاظ عليها مقصد أساسي من مقاصد الشريعة الإسلامية، ولما كانت القاعدة الفقهية أن “ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب” وبناءً على ذلك فإن الالتزام بالحفاظ على البيئة ومواردها هو التزام أو “واجب”، والواجب كأحد أقسام الحكم الشرعي التكليفي وهو ما يثاب على فعله ويعاقب على تركه.

إن الطغيان على موارد البيئة المشتركة وإفسادها وتخريبها هو من الأعمال المحرمة شرعاً، ومعروف في أصول الفقه الإسلامي أن (المحرم) هو ما طلب الشرع الكف عنه طلباً جازماً، وفرض على فاعله العقاب حتماً، سواء أكان ذلك الفعل المحرم محرماً لذاته، أم كان محرماً لغيره([55]).

لقد طور الإسلام علاقة الإنسان مع بقية الكائنات الحية وذلك حماية لمكونات أساسية في البيئة، وحفاظاً على النظام البيئي من التدهور، فعن عبد الرحمن بن عبد الله عن أبيه رضي الله عنه قال: كنا مع رسول الله صلعم في سفر فانطلق لحاجته؛ فرأينا حُمَّرَة([56]) معها فَرخان، فأخذنا فرخيها، فجاءت الحمّرة فجعلت تفرش، فلما جاء رسول الله صلعم قال: «من فجع هذه بولدها ؟ ردّوا ولدها إليها»([57]).

وعن أبى هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلعم: «بينما رجل يمشى بطريق اشتد عليه العطش فوجد بئراً فنزل فيها فشرب منها ثمَّ خرج فإذا هو بكلب يلهث يأكل الثرى من العطش، فقال: لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي بلغ بي، فنزل البئر فملأ خفه ماء ثمَّ أمسك بفيه ثمَّ رقى فسقى الكلب فشكر الله له فغفر له»، قالوا: يا رسول الله، وإن لنا في البهائم أجراً ؟ قال: «في كل كبد رطبة أجر»([58]) بل إن شربة ماء لكلب كانت سبباً في مغفرة ذنب بغي من بغايا بني إسرائيل حيث كان سببا لها في توبتها وإنابتها إِلَى الله تعالى.

وفي المقابل عذّبت امرأة قائمة صائمة في هرّة كما في الحديث الوارد عن أبى هريرة قال قال رسول الله صلعم: «إن امرأة عذبت في هرة أمسكتها حتَّى ماتت من الجوع لم تكن تطعمها ولم ترسلها فتأكل من حشرات الأرض، وغفر لرجل نَحّى غصن شوك عن الطريق»([59]).

وتعذيب الحيوان سبب للعن، فعن سعيد بن جبير قال: خرجت مع ابن عمر في طريق من طرق المدينة فإذا غلمة يرمون دجاجة، فقال ابن عمر: من فعل هذا؟ فتفرقوا فقال: إن رسول الله صلعم: «لعن من يمثل بالحيوان»([60]).

وجاء الحثّ على رحمة الحيوان وأن فيه الأجر العظيم، فقد قال صلعم: «من رحم ولو ذبيحة عصفور رحمه الله يوم القيامة»([61]).

ومن صور الرحمة للحيوان ما جاء في حديث خالد بن معدان قال: قال رسول الله صلعم: «إن الله تبارك وتعالى رفيق يُحبّ الرفق ويرضى به ويعين عليه ما لا يعين على العنف فإذا ركبتم هذه الدواب العجم فأنزلوها منازلها، فإن كانت الأرض جدبة فانجوا عليها بنقيها، وعليكم بسير الليل فإن الأرض تطوى بالليل ما لا تطوى بالنهار، وإياكم والتعريس على الطريق فإنها طرق الدواب ومأوى الحيات»([62]).

وعن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلعم: «إذا كنتم في الخصب فأمكنوا الركب أسنتها، ولا تعدوا المنازل، وإذا كنتم في الجدب فاستنجوا، وعليكم بالدلجة فإن الأرض تطوى بالليل فإذا تغولت بكم الغيلان فبادروا بالأذان، ولا تصلوا على جواد الطرق، ولا تنزلوا عليها فإنها مأوى الحيات والسباع، ولا تقضوا عليها الحوائج فإنها الملاعن»([63]).

ومن علل النهي عن البول في الجحر أنه قد يؤدّي إلى إيذاء الحيوانات التي بداخله، فعن عبد الله بن سرجيس رضي الله عنه قال: «نهى رسول الله صلعم أن يبال في الجحر»([64]).

أظنّ أنه من غير المتعذر إدراك أن الإسراف والتبذير والاستغلال الجائر للموارد البيئية يؤدّي إلى الإخلال بالنسب والمقادير التي قدرها الله تعالى بين مفردات تلك الموارد وهو ما يستتبع تدهورها والحد من إنتاجها، وينعكس سلبياً على حياة الإنسان والكائنات الأخرى.

إن التدهور والتلوث الذي ظهر في موارد البر والبحر والجو، ينذر بقدوم حالة انتحار جماعي ـ وإن كان بطيئاً غير محسوس ـ لكل المخلوقات على كوكبنا الأرضي. ومن هنا كانت الدعوة إلى تجنب أسبابه، ولن يكون ذلك إلا باتباع المبادئ والتعاليم والقيم الإسلامية المتعلقة بتنظيم سلوك الإنسان في تعامله مع موارد البيئة الطبيعية، وتغير ذلك السلوك هو المقدمة الأولى لتدارك العواقب الوخيمة لما أحدثته يد الإنسان من فساد في موارد البيئة، ذلك ﴿إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ ﴾([65]).

إن القصد والاعتدال يجب أن يكون سلوكاً إسلامياً يلتزم به ويحترمه الجميع؛ لأنَّ الوسطية هي منهج المسلمين في كل شيء، حتَّى في العبادات.

فعلى كلّ إنسان أن يقف مع نفسه، ويقوم سلوكه البيئي ويرعى الله فيما أنعم عليه من موارد الطبيعة.

*            *               *

المبحث السادس:

سلوك الفرد البيئي من منظور الشريعة الإسلامية

لقد اهتمّت الشريعة الإسلامية بتقرير المبادئ التي تهدف إلى نظافة البيئة، وذلك تمشياً مع أهداف الشريعة الغراء التي تجعل من النظافة عنواناً لها، والتي جاء رسولها صلعم ليحل للناس الطيبات ويحرم عليهم الخبائث، وقد اتجهت الشريعة في ذلك إلى تهذيب سلوك الفرد وتعويده على حب النظافة وترغيبه فيها، وذلك عن طريق الاغتسال، سواء كان هذا الاغتسال لأعضاء معينة أو لجميع جسم الإنسان، وذلك بفرضية الطهارة للصلاة.

والوضوء من الآداب الهامة في الشريعة الإسلامية؛ لأنَّه يحتوى على فوائد عظيمة، إذ أن الأنف ـ مثلاً ـ مزرعة خصبة لنمو الجراثيم، ومن ثمَّ فقد ورد الحث على الاستنشاق في أحاديث كثيرة منها ما أخرجه البخاري عن أبي هريرة عن النبيّ صلعم أنه قال: «من توضأ فليستنثر، ومن استجمر فليوتر»([66]).

ومنها ما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبيّ صلعم أنه قال: «إذا استيقظ أحدكم من منامه فليستنثر ثلاث مرات، فإن الشيطان يبيت على خياشيمه»([67]).

قال القاضي عيّاض ـ رحمه الله ـ يحتمل أن يكون قوله صلعم: «فإن الشيطان يبيت على خياشيمه» على حقيقته، فإن الأنف أحد منافذ الجسم التي يتوصل منها إلى القلب… ويحتمل أن يكون على الاستعارة، فإن ما ينعقد من الغبار ورطوبة الخياشيم قذارة توافق الشيطان([68])، والغسيل المتكرر يزيل هذه القذارة ويحمى الإنسان من أضرارها.

وهذا يوضح مدى ما في الوضوء من آداب جمة تهدف إلى المحافظة على نظافة الإنسان، حيث لا يكاد يعلق بالجسم بعض إفرازاته أو شيء من الأتربة أو القاذورات إلا ويأتي الوضوء على عجل فينزعها عن جسم الإنسان فيسلم بدنه ويألفه من يجاوره ولا يتأذى من قذارته، وهكذا نجد أن الوضوء مسلك حكيم لنظافة البدن ونضرته وصفائه([69]).

وبالإضافة إلى الوضوء سنّ الإسلام الغسل، وجعله واجباً في بعض الأحوال كالغسل من الجنابة للصلاة، ومن حيض ونفاس، وأحياناً بين في حالات اختلاط الناس واجتماعهم كغسل الجمعة والإحرام والعمرة.

وترجع العناية بالغسل بسبب أن الإنسان معرض يومياً في أجزاء مختلفة من جسده للتلوث، وقد يعلق بهذه الأجزاء من الميكروبات والجراثيم ما يفتك به إذا لم يتخلص منها، لذلك طلب الإسلام من المسلم إزالة كل مستقذر علق به([70])، ويكون ذلك أوكد عند اختلاطه بالناس، وذلك حتَّى لا يتأذى واحد بالآخر، حرصاً على ظهور جماعة المسلمين بمنظر جميل.

ولذلك جاءت الأحاديث تحث على الغسل عند الاختلاط(·)، فقد أخرج البخاري عن عبد الله بن عمر ـ رضي الله عنهما ـ أن رسول الله صلعم قال: «إذا جاء أحدكم الجمعة فليغتسل»([71]).

وروى مسلم عن عروة بن الزبير عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ أنها قالت: كان الناس ينتابون يوم الجمعة من منازلهم من العوالي فيأتون في العباء ويصيبهم الغبار فتخرج منهم الريح، فأتى رسول الله صلعم إنسان منهم وهو عندي، فقال: «لو أنكم تطهرتم ليومكم هذا»([72]).

كما اهتمت الشريعة الإسلامية بكل ما يتعلق بتهذيب سلوك الفرد وتعويده على حب النظافة وسنن الفطرة، وهي ما يتعلق بحسن الهيئة والنظافة، حيث يحصل بها البقاء على أصل الكمال التي خلق الله الإنسان عليها، وبقاء هذه الأمور وترك إزالتها قد يشوه الإنسان ويقبحه بحيث يستقذر ويجتنب فيخرج عما تقضيه الفطرة الأولى فسميت هذه الخصال فطرة لهذا المعنى([73]).

وقد ورد الحث على هذه الخصال في الحديث الذي رواه مسلم من طريق عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت: قال رسول الله صلعم: «عشر من الفطرة: قص الشارب وإعفاء اللحية والسواك واستنشاق الماء وقصّ الأظفار وغسل البراجم ونتف الإبط وحلق العانة وانتقاص الماء». قال زكريا: قال مصعب ونسيت العاشرة إلا أن تكون المضمضة([74]).

قال الخطابي: البراجم: العقد التي في ظهور الأصابع، والرواجب: ما بين البراجم، ومعناه تنظيف المواضع التي تتسخ ويجتمع فيها الوسخ([75]).

وإلى هذه الآداب أشار الإمام الغزالي عند حديثه عن الفضلات الظاهرة من حيث تنظيفها، فقال إنها أوساخ وأجزاء، والأوساخ والرطوبات المترشحة وهي ثمانية:

1- ما يجتمع في شعر الرأس من الدرن؛ فالتنظيف عنه مستحب بالغسل والترجيل والتدهين إزالة للشعث.

2- ما يجتمع من الوسخ في معاطف الأذن والمسح يزيل ما يظهر منه.

3- ما يجتمع في داخل الأنف من الرطوبات ويزيلها الاستنشاق.

4- ما يجتمع على الأسنان ويزيله السواك.

5- ما يجتمع في اللحية من الوسخ ويستحب إزالة ذلك بالغسل والتسريح.

6- وسخ البراجم وهي معاطف ظهور الأنامل.

7- تنظيف الرواجب، وهي رؤوس الأنامل وما تحت الأظفار من وسخ.

8- الدرن الذي يجتمع على جميع البدن برشح العرق وغبار الطريق ويزيله الغسل.

كما أمر الإسلام المسلم باجتناب الروائح الكريهة وعدم إيذاء الناس بها، خاصة عند الاجتماع. فقد روى مسلم عن جابر بن عبد الله عن النبيّ صلعم أنه قال: «من أكل من هذه البقلة (الثوم) ـ وقال مرة: من أكل البصل والثوم والكرات ـ فلا يقربن مسجدنا، فإن الملائكة تتأذى مِمَّا يتأذى به بنو آدم»([76]).

والحديث فيه إشارة واضحة إلى أن الروائح فيها إيذاء للناس، وهذا في حد ذاته يفيد ضرورة تجنبها، والعمل على حماية البيئة الإنسانية منها، وإذا كان هذا وارد في رائحة الثوم، فبلا شك أنه يشمل غيره من كل ما له رائحة كريهة. واجتناب الروائح الكريهة، يعني في مجمله حماية البيئة من التلوث الجوي.

ولهذا حرص الإسلام على نظافة جسد الإنسان وثوبه، حرصاً على نظافة بيته، وبيئته على وجه العموم.

الأمر باجتناب الخبائث:

في إطار تقويم سلوك الفرد تجاه البيئة، رغبت الشريعة الإسلامية في كلّ طيب حلال، ورهبت من كل مستقذر حرام، ونفرت من الأشياء الخبيثة، وأمرت باجتنابها سواء كانت مطعوماً أو مشروباً، وهذا أصل عام من أصول الشريعة الإسلامية، والآيات الواردة في هذا كثيرة، قال الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾([77]).

قال الطبري في تفسير هذه الآية: ﴿قُلْ أُحِلَّ لَكُم الطَّيِّبَات﴾ أي: ما ليس بخبيث منها، وهو ما لم يأت تحريمه في كتاب أو سنة أو قياس مجتهد، أو أحلّ لكم ما يستلذ ويشتهى عند أهل المروءة والأخلاق الحميدة.

واعلم أنّ الأصل في الأعيان الحل؛ لأنَّها خلقت لمنافع العباد واستثنى من ذلك الأصول:

1-ما نص الكتاب على تحريمه.

2-ما نصت السنة على تحريمه، كتحريم الحمر الأهلية والبغال والحمير.

3-ما هو في معنى المنصوص عليه كالنبيذ فإنه مسكر كالخمر.

4-ما أمر بقتله من الحيوانات كالحية والفأرة والغراب والكلب والحدأة.

5-ما ورد النهي عن قتله فهو حرام.

6-الاستطابة والاستخباث والمعتبر استطابة.

7-لا يجوز أكل الأعيان النجسة في حال الاختيار، وكذا أكل الطاهر إذا نجس بملاقاة النجس.

8-لا يجوز أكل ما يضر كالزجاج والسمّ.

وعلى ذلك فإن الشريعة الإسلامية تحرم كل خبيث ضار استناداً إلى قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾، وأيضاً لما ورد في السنة عن النهي عن الضرر والضرار. سواء كان ضاراً للبدن أو للدين من مطعومات ومشروبات، سواء كانت حرمته لعينة أو لسبب طارئ عليه.

وعلى هذا الأصل يحرم تناول الطعام والشراب الملوث؛ لأنَّه يدخل تحت تناول ما هو ضار، وفي ذلك حماية للبيئة من أن تسودها الأمراض، كما أن فيه حفاظاً على الصحة العامة.

وعلى ذلك فقد حرمت الشريعة الإسلامية الميتة والدم ولحم الخنزير، وحرمت تناول كلّ ما يضر، وإذا نظرنا إلى هذه المحرمات وجدنا أن لها علاقة كبيرة بموضوع التلوث، فالإسلام نهى عن بعضها لأسباب صحية وقائية بحتة، حيث إنّ الميتة تتكاثر فيها الجراثيم والدم أيضاً سريع التلف، كما أن الخنزير من الحيوانات التي تأكل القمامة والقاذورات([78]).

كما نهى الإسلام عن تناول لحوم الحيوانات التي تتغذى على النجاسة والقاذورات مع أنها في الأصل حلال، وذلك حفاظاً على الصحة العامة، وقد جاء هذا النهي فيما رواه أبو داود في سننه عن مجاهد عن ابن عمر قال: «نهى رسول الله صلعم عن أكل الجلالة وألبانها»([79]).

وإذا كانت الشريعة الإسلامية قد حرمت ما يتغذى على القمامة كالخنزير بالاتفاق، أو ما يكون أكثر طعامه القمامة كالجلالة ـ مع الخلاف بين القول بالحرمة والقول بالكراهة ـ فإن ذلك يفيد التنفير من تراكم القمامة في الشوارع والطرقات؛ لأنَّه مستخبث وكل مستخبث يجب اجتنابه. وهذا يعني ضرورة المحافظة على نظافة البيئة، يضاف إلى ذلك أن الشريعة الإسلامية قد أمرت بحفظ الأطعمة والأشربة ورغبت في نظافتها.

فالطعام أمر ضروري وهام في استمرار حياة الإنسان، وله تأثير كبير على صحته، إن كان نظيفاً طاهراً قويت به الصحة وعوفي به الإنسان، وإن كان خبيثاً قذراً هزلت به الصحة العامة وسقم بسببه.

وقد وضعت الشريعة الإسلامية له آداباً جمة، منها أنها نهت عن النفخ فيه وعن التنفس في الإناء، ورغبت في تغطية الأواني وحفظها خوفاً من أن ينزل بها آفة تؤذي صاحبها وفي هذه الآداب وردت الأحاديث الآتية:

روى مسلم عن عبد الله بن قتادة عن أبيه «أن النبيّ صلعم نهى أن يتنفس في الإناء».

وعن أنس رضي الله عنه «أنّ رسول الله صلعم كان يتنفس في الإناء ثلاثاً».

وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: «نهى رسول اللهصلعم عن الشرب من ثلمة القدح، وأن ينفخ في الشراب».

وثلمة القدح: موضع الكسر منه، وإنما نهى عنها؛ لأنَّ موضعها لا يناله التنظيف التام، وفي الحديث عدة آداب، منها:

أن تردد أنفاس الشارب يكسب الماء زهومة ورائحة كريهة يعاف لأجلها، كما أن الشرب من ثلمة القدح والنفخ في الشراب فيه عدة مفاسد.

وَمِمَّا جاء في ذلك ما رواه بن ماجه في سننه عن أبى الزبير عن جابر، قال: «أمرنا النبيّ صلعم أن نوكئ أسقيتنا ونغطي آنيتنا»([80]).

وما رواه مسلم عن جابر بن عبد الله، قال: سمعت رسول اللهصلعم يقول: «غطوا الإناء وأوكئوا السقاء فإن في السنة ليلة ينزل فيها وباء لا يَمرّ بإناء ليس عليه غطاء، أو سقاء ليس عليه وكاء إِلاَّ نزل فيه من ذلك الوباء».

*            *               *

المبحث السابع:

ملوثات البيئة الفكرية

البيئة الفكرية من حيث هي ليست سوى الوسط الفكري الذي تتحرك فيه الأفكار، وتتفاعل مع الواقع المعيش بجميع مكوناته، وتؤثر في صياغة الأفكار والقرارات، وتحدد المواقف من الحياة ومشاكلها على تنوع مناحيها وموضوعاتها، سواء كان هذا الموقف متصلاً بالواقع أو منفصلاً عنه وفق ما أملته تصورات هذا الإنسان أو ذاك.

ولهذا ستبقى البيئة الفكرية أهم عناصر تهيئة الظروف الموضوعية؛ لإنشاء الأنموذج الإنساني المتوخى.

من هذا المنطلق، تظهر أهمية الحديث عن ملوثات البيئة الفكرية والسؤال الذي يفرض نفسه، هو كيف يكون الإنسان الفرد عنصراً مهماً من عناصر التأسيس للبيئة الفكرية وحائلاً دون تلويثها.


مظاهر التلويث الفكري:

لا يمكننا حصر كلّ المكونات الفكرية ولكن تجدر الإشارة إلى الآتي:

1- بلبلة الأفكار واضطراب الأفهام، وإثارة الخلافات والمنازعات بين الناس بطريقة قد تؤدِّي إلى نشر العداوة والبغضاء فيما بينهم، قال تعالى عن هؤلاء: ﴿هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ﴾([81]).

وقد وضح سبحانه أن اتباع الزائفين للمتشابه من القرآن إِنَّمَا القصد من وراءه هو ﴿ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ﴾ أي: طلباً لفتنة المؤمنين في دينهم وتشكيكهم في عقيدتهم وإثارة الريب في قلوبهم بأوهام يلقونها حول المتشابه الذي جاء به القرآن(* )، فالمقصود بلفظ الفتنة في هذه الآية هو إثارة الشكوك حول الحقّ، وبلبلة الأفكار واضطراب المفاهيم وإشاعة كلّ ما يؤدّي إلى التنازع والاختلاف.

2- الإشاعة الكاذبة، من أجل تفرق كلمة المجتمع، وتشكك في نوايا أفراد الأمة الأمر الذي سيؤدّي لا محالة إلى الهزيمة النفسية والسياسية والأمنية والاقتصادية، قال تعالى في حق من يفعل ذلك: ﴿لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً ولأَوْضَعُواْ خِلاَلَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ * لَقَدِ ابْتَغَوُاْ الْفِتْنَةَ مِن قَبْلُ وَقَلَّبُواْ لَكَ الأُمُورَ حتَّى جَاء الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ﴾([82]).

والمعنى: لو خرج هؤلاء المنافقون معكم ـ أيها المؤمنون ـ إلى غزوة (تبوك) ما زادوكم إلا (خبالاً) أي: إلا اضطراباً في الرأي وفساداً في العمل وضعفاً في القتال.

وهذا هو شأن كلّ النفوس المريضة التي تكره الخير وتريد أن تلوث البيئة الفكرية بمثل هذه الأمور.

3- الخروج من الجماعة بغية قلب النظام العام: هؤلاء قال تعالى في حقهم: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذاً فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾([83]).

والمعنى أن الله تعالى عليم بحال الذين يخرجون من مجلس الرسول صلعم في خفاء واستتار بحيث يخرجون من الجماعة قليلاً قليلاً يستتر بعضهم ببعض حتَّى يخرجوا جميعاً.

فليحذر كلّ المنافقين في كل وقت وحين من الخروج على الجماعة المسلمة العادلة، من أن تصيبهم جائحة ومصيبة ونكبة يترتب عليها افتضاح أمرهم، وانكشاف شرّهم، وهتك سرهم، واختفاء سلوكهم، وجعلهم محل مقت كلّ عاقل وازدراء كل صاحب تفكير سليم.

4- اتباع هوى النفس: إن إتباع هوى النفس وتغليب المصلحة الخاصة على المصلحة العامة يعتبر من ملوثات البيئة الفكرية، ولقد ضرب الله لنا في القرآن أمثلة على ذلك، قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلاً كُلَّمَا جَاءهُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقاً كَذَّبُواْ وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ * وَحَسِبُواْ أَلاَّ تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُواْ وَصَمُّواْ ثُمَّ تَابَ اللّهُ عَلَيْهِمْ ثمَّ عَمُواْ وَصَمُّواْ كَثِيرٌ مِّنْهُمْ وَاللّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾([84]).

والمعنى: إن الله أرسل رسلاً كثيرين لهداية الناس، وأخذ الميثاق منهم على تصديقهم ولكن بني إسرائيل نقضوا العهود وعصوا الرسل، فكانوا كلما جاءهم رسول بما لا تشتهيه نفوسهم الشقية، وبما لا تميل إليه قلوبهم الردية، ناصبوه العداء فكذبوا بعض الرسل، ولم يكتفوا مع البعض الآخر بالتكذيب، بل أضافوا إلى التكذيب القتل لبعض الرسل.

وهكذا الأمم عندما تفسد عقولها وتسيطر الأطماع والشهوات على بعض منهم حتَّى ترى الحسن قبيحاً. فتقوم بمحاربة أهل الرشاد، وتخرج على رموز الأمة وتحاول أن تفرض رأيها بالقوة، فإن ذلك يعد من تلويث البيئة فكرياً.

5- الإيثار الشخصي عند التحدث في موضوع ما: يعتبر من ملوثات البيئة الفكرية، بحيث إنّه لم يعط الفرصة لغيره أن يعبر عن رأيه، فيا حبذا لو أعطى كل إنسان غيره فرصة للتعبير عن رأيه.

6- الخروج عن الدقة: يعتبر ملوثاً من ملوثات البيئة الفكرية. لذا فإن مراعاة الدقة والأمانة في الحديث يكسب الإنسان محبة السامعين واحترامهم.

7- القول بغير العلم: يعتبر أيضاً من ملوثات البيئة الفكرية ﴿وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولـئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً﴾([85]).

8- تجريح من يحاورك: خروج عن المألوف في الحديث ويعتبر من ملوثات البيئة الفكرية خصوصاً، وأن الحكمة تقول: “رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب” فإن كان الإنسان في حوار مع غيره حتَّى وإن أخطأ من يحاوره، فلا يحاول أن يجرحه أو يخجله ولا يتهكم عليه، بل يلفت نظره في إيجابية دون أن يحطمه، والإنسان الناجح هو الذي يكون هدفه من النقاش بيان الحق وليس في نيته إيقاع الهزيمة بمن يحاوره.

9- التعرض لخصوصيات الناس: يعد كذلك من ملوثات البيئة الفكرية، فيجب على كل إنسان ألا يعمد إلى كشف ما يريد الغير ستره أو إخفاءه؛ لأنَّ هذا قد يؤثر في نفسه ومزاجه العام ويعمل على تكدير صفوه.

10- المغالطة: تعد أيضاً من ملوثات البيئة الفكرية؛ لأنَّ المغالطة تفقد الإنسان احترام الناس، والإنسان المحترم هو الذي يلفت نظر الآخر في هدوء، بعيد عن التشهير.

11- إطالة الحديث بدون داع: تعد أيضاً من ملوثات البيئة الفكرية فعلى كل إنسان أن يحافظ على وقت محدثه، فلا يطيل الكلام في موضوع لا يستحق الإطالة فيه، ولا يطيل الحديث مع إنسان مشغول قد يمنعه خجله من قطع الحديث بطريقة قد تجرح المتكلم، خاصة إذا كان المستمع ذكيا ويفهم بسرعة، وليس في حاجة إلى توضيح أكثر، وإلا تصبح شروحات المتكلم وإطالته ضغط على أعصاب المستمع.

12- إن التفريق بين أبناء الوطن على أساس ديني: يعتبر من ملوثات البيئة الفكرية؛ لأنَّه يضرب في صميم الوحدة بين أبناء الوطن الواحد.

13- فوضى الفتاوى ممن هم غير مؤهلين للفتوى: يعتبر كذلك من ملوثات البيئة فكرياً؛ لأنَّه يزعزع عقيدة أنصاف المتعلمين تجاه المستجدات الفقهية (عوائد البنوك ـ استئجار الأرحام ـ نقل الأعضاء) وكذلك تبني الآراء الشاذة الموجودة في كتب الفقه القديمة لبعض علماء المذاهب الفقهية.

وعليه فإن أهمّ المعالم الجالبة للأمن الفكري والحافظة له في آن واحد، يمكن أن نوجزها في هذه النقاط: -

1- فهم الدين من خلال نصوصه الجزئية ومقاصده الكلية… فلا يغني الوقوف عند تفاصيل النصوص دون الوعي بمقاصد الدين ورؤاه الكلية.

2- الاعتبار بمصادر الاستدلال المعتبرة عند أهل العلم (والتي توافر عليها أئمتنا العظام) في فهم كليات الشرع بشمولها وتكاملها وتوازنها دون أن يعني هذا الوقوف عند أعيان المسائل الجزئية، بل القاعدة في هذا الارتباط بالأصل والاتِّصال بالعصر.

3- الأخذ من تراثنا دون تبخيس أو تقديس. ففي تراثنا جوانب غاية في الاستنارة والقدرة على التنوير، كما أن فيه أيضاً ـ مثل كل نتاج بشري ـ جوانب نقص وخصوصية لا تناسب زماننا.

4- فهم الواقع بأبعاده ومعطياته، مع التفريق بين مقتضيات العصر وأهواء العصر، بحيث لا نعيش غرباء في زماننا ولا نقع في (فخ الواقعية) الجامدة الذي يشدنا إلى الراهن دون أفق للتغيير والإصلاح.

5- مراعاة المرحلية والتدرج، وسنن التدافع الحضاري ـ فالله I أقام كونه وشرعه على هذا، وطبق نبيه الأعظم صلعم المنهج الإلهي خلال بضعة وعشرين عاماً مراعياً ظروف الناس وأحوالهم ونفسياتهم.

6- رعاية الأوليات وتحديد الأسبقيات، فلا يقدم المندوب على الواجب، ولا تسبق التكميلات والتحسينات الأساسيات، ولا يبدأ بالحواشي والفرعيات قبل استقامة المتون والأصول.

7- رعاية فقه الائتلاف، والالتزام بأدب الاختلاف.. فالتعاون بين أبناء الوطن والأمة واجب، دون أن يعني هذا صب الناس في قوالب فكرية أو اجتماعية صماء، لا تمايز بينها، فليست هكذا مشيئة الله تعالى في الخلق. بل.. نتعاون فيما اتفقنا فيه، ونتفهم جوانب الاختلاف، ونتعازر ونتعافى فيما بيننا.

8- النأي عن الوقوع في براثن التكفير والتضليل، فهذا باب الشر كله، ولا يستقيم تعاون وتعاضد بين أنداد يكفر بعضهم بعضاً، ولا يعترف أحدهم بحق الآخر في التفكير والاختلاف.

9- التفريق بين فقه تدين الفرد والجماعة والدولة والأمة.. فلكل سمات وخصائص ومجالات، ولكل مقامه من حيث الصواب والخطأ والعزائم والرخص.. وما إلى هذا من ضوابط الفكر والحركة.

10-  التفريق بين الدين والتدين، وبين الشريعة والفقه، وبين الإسلام وكسب المسلمين فالدين هو شرع الله عزّ وجل والتدين تجربة البشر في فهمه وتطبيقه.. وليست فيه آية حجة على الإسلام والشرع، بل هما الإسلام والشرع ـ حاكمان على التدين ومقومان له.

*            *               *

 الخاتمة والتوصيات

البيئة هي الموئل الذي يعيش فيه الإنسان، فهي تشمل الأرض التي يحيا عليها، والهواء الذي يستنشقه، والماء الذي يشربه، كما تشمل كل ما يوجد على الأرض من الأحياء والنبات والحيوان والطيور.

وقد خلق الله هذا الكون متكاملاً ومتوازناً لا قصور فيه ولا نقص، قال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً مَّا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِن فُطُورٍ﴾([86]).

هذا الكون العظيم قد سخره الله لنفع الإنسان، لذا ينبغي على الإنسان أن يحافظ عليه، وأن لا يفرط فيه، ولا يشيع فيه الفساد والشر، قال تعالى: ﴿وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً﴾([87]).

قال فخر الدين الرازي في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا﴾([88]) معناه: ولا تفسدوا شيئاً في الأرض فيدخل فيه المنع من إفساد النفوس بالقتل وقطع الأعضاء، وإفساد العقول بسبب المسكرات، وإفساد الأنساب، وذلك؛ لأنَّ المصالح المعتبرة خمسة النفس والمال والنسب والدين والعقل.

وهكذا تنهى الشريعة الإسلامية عن الفساد في الأرض، بمعنى النهي عن إدخال ماهية الإفساد في الوجود، سواء كان هذا الوجود براً أو بحراً أو هواءً، والمنع من إدخال ماهية الإفساد في الوجود يقتضى المنع من جميع أنواعه وأصنافه. قال تعالى: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ﴾([89]).

والنهي عن الفساد في الأرض مبدأ تقرره الشريعة الإسلامية حتَّى في حالة الحرب، فقد روي عن ابن عباس أَنَّه قال: كان رسول الله صلعم إذا بعث جيوشه قال: «اخرجوا باسم الله تعالى، تقاتلون في سبيل الله من كفر بالله، لا تغدروا ولا تغلوا ولا تمثلوا ولا تقتلوا الولدان ولا أصحاب الصوامع»([90]).

وعن يحيى بن سعيد: أن أبا بكر بعث جيوشاً إلى الشام فخرج يمشي مع يزيد بن أبى سفيان، وكان يزيد أمير ربع من تلك الأرباع وخرج أبو بكر رضي الله عنه معه يوصيه، ويزيد راكب وأبو بكر يمشي، فقال يزيد: يا خليفة رسول الله، إما أن تركب وإما أن أنزل، فقال: “ما أنت بنازل وما أنا براكب، إني أحتسب خطاي هذه في سبيل الله، يا يزيد، إنكم ستقدمون بلاداً يؤتون فيها بأصناف من الطعام فسموا الله على أولها واحمدوه على آخرها، وإنكم ستجدون أقواماً قد حبسوا أنفسهم في هذه الصوامع فاتركوهم وما حبسوا له أنفسهم، وستجدون أقواماً قد اتخذ الشيطان على رؤوسهم مقاعد يعني الشمامسه فاضربوا تلك الأعناق، ولا تقتلوا كبيراً هرماً ولا امرأة ولا وليداً ولا تخربوا عمرانا ولا تقطعوا شجرة إلا لنفع، ولا تعقرن بهيمة إلا لنفع، ولا تحرقن نخلاً ولا تغرقنه ولا تغدر ولا تمثل ولا تجبن ولا تغلل، ولينصرن الله من ينصره ورسله بالغيب إن الله قوي عزيز، أستودعك الله وأقرئك السلام”([91]). هذه النصوص قد دلت على حرص الإسلام على حماية البيئة الإنسانية من التغيير والإفساد حتَّى في حالة الحرب، وهذا يعني عدم شرعية اللجوء إلى الوسائل التي تؤدِّي إلى تدمير البيئة وتخريبها، كاستخدام الأسلحة النووية، واللجوء إلى أساليب الحرب الكيماوية، والتي تدمر البيئة وتلوثها.

وإذا كانت الشريعة الإسلامية نهت عن الفساد في الأرض فإنها من ناحية أخرى أمرت بحسن استثمارها والعمل على تنميتها، وقد جاء الترغيب في الشريعة بصفة خاصة على نوع معين من النشاط البشري في استغلال الأرض، وهو الترغيب في الغرس والزرع وزيادة المساحات الخضراء، مِمَّا يعتبره المهتمون بشئون البيئة اليوم وسيلة هامة من وسائل حمايتها من التلوث، وترجع هذه الأهمية في أن النباتات الخضراء تعمل على حفظ التوازن البيئي، حيث تمتص ثاني أكسيد الكربون الموجود بالجو وهو من الغازات السامة.

وقد رغبت السنة في أحاديث كثيرة في زراعة الأشجار، فقد روى مسلم عن عطاء عن جابر قال: قال رسول الله صلعم: «ما من مسلم يغرس غرساً إلا كان ما أكل منه له صدقة، وما سرق منه له صدقة، وما أكل السبع منه له صدقة، وما أكلت الطير فهو له صدقة، ولا يرزؤه أحد إلا كان له صدقة»([92]).

وإذا كانت هناك الأحاديث التي ترغب في زراعة الأشجار، فقد جاءت روايات أخرى تنهى عن قطعها بغير حق. من ذلك ما رواه أبو داود عن عبد الله بن حبشي قال: قال رسول الله صلعم: «من قطع سدرة صوب الله رأسه في النار». قال أبو داود يعني من قطع سدرة في فلاة يستظل بها ابن السبيل والبهائم عبثاً وظلماً بغير حق يكون له فيها، صوب الله رأسه في النار([93]).

والترغيب في استثمار الأرض وزراعتها بالأشجار هو من الوسائل التي تنادي بها الدول الآن لمعالجة تلوث البيئة، كما كان قطع الأشجار وحرمان البيئة منها من العوامل التي أدت إلى زيادة حدة مشكلة تلوث البيئة البشرية.

لقد قررت الشريعة الإسلامية حقاً أساسياً للإنسان في البيئة الصحية المناسبة التي تكفل له صحة طيبة، وتكفل له العيش في أمان واستقرار، ونجد هذا الحق واضحاً تماماً في الشريعة الإسلامية للأسباب التالية:

أولاً: إن الشريعة لا تعارض الإصلاح الذي يمكن أن تقود إليه أي قوانين؛ لأنَّها تقوم على المصلحة، وحيث وجدت تلك المصلحة فثم شرع الله.

ثانياً: إن لدى الفقه الإسلامي قدرة فائقة على الاجتهاد باستخدام مصادر وأدلة علم الأصول، وهي تمكن الفقهاء من إيجاد الحكم الشرعي لكل الحالات المستجدة باللجوء إلى القرآن والسنة والإجماع، ثمَّ استخدام القياس وتحكيم المصلحة والاستصحاب وسد الذرائع.

ثالثاً: إن الشريعة الإسلامية مليئة بقواعد وأحكام تحمي البيئة من التلوث، كما أنها تقرّ بضرورة التعاون والتضامن بين كل من يعيش في هذا الكون لتحقيق سلامته وأمنه وحماية بني الإنسان. ولذلك مثل الرسول صلعم الكون بسفينة في البحر، لا يمكن أن يترك لأحد العبث بها؛ لأنَّه بذلك يعرض سلامة كل ركابها للخطر.

إن المحافظة على البيئة وسلامتها قيمة إنسانية سامية لها جذور ضاربة في أعماق قيم وتعاليم وأوامر ونصوص وتراث الإسلام، حيث يعتمد المنظور الإسلامي للبيئة على أسس البنيان البيئي السليم مع الملاءمة مع المؤثرات المحيطة بتلك البيئة، والأخذ في الاعتبار مراعاة البعدين الاجتماعي والثقافي لتلك البيئة، من خلال عنصرين بيئيين أساسيين، هما: الحماية للموارد الحياتية، وأسباب وجودها ومنع الإفساد فيها، وصولاً للتنمية والبناء والنماء؛ ألا ترى أن الحديث النبوي الشريف دعانا إلى إعمار الأرض قال رسول الله صلعم: «لو قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فليزرعها»([94])، كما جعل الغرس والزرع حتَّى بدون بعد اقتصادي من الصدقات يقول صلعم: «ما من مسلم يغرس غرساً أو يزرع زرعاً فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له به صدقة»([95]).

كما اعتمدت النظرة الإسلامية على نظرية التوازن البيئي، وأن لكل مخلوق دوره الذي يستفيد منه لنفسه، وفي الوقت نفسه يخدم به الآخرين ليتخذ بعضنا بعضاً سخرياً.

إن الإسلام حين تحدث عن قضايا البيئة فإنه لا يقصر ذلك عن التلوث المادي للبيئة في صوره المتعددة، وَإِنَّمَا يقصد التلوث الأخلاقي والفكري، واعتبر الإسلام أن العبث بأيّ شكل من الأشكال، سواء صدر هذا العبث من فرد أو جماعة، وسواء صغر هذا العبث أو كبر، فإن ذلك يعدّ منكراً وجرماً يندرج ضمن المنكرات التي حث النبيّ صلعم على مكافحتها في قوله صلعم: «من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان»([96]). إن علاقة الإنسان بالبيئة علاقة وثيقة، إلا أن الإنسان حاول أن يغزو البيئة وحاول جاهداً من تغييرها والعبث بها، وقد أثر فيها تأثيراً سلبياً وثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن الإنسان إذا ما تدخل في شيء صنعه الله إلا أفسده، وما اكتشف شيئاً جديداً إلا ويحاول استخدامه في الفساد، وهذا ما يفعله في البيئة، ولعل أكثر الآيات القرآنية تعبيراً عن الفساد البيئي الذي نعيشه قوله تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾([97]). لذا نطالب بضرورة العمل على إنقاذ البيئة، وذلك من خلال: -

1-           الحد من تصاعد الغازات والأدخنة من المصانع باستخدام الطرق العلمية.

2-           منع قطع الأشجار والعمل على تشجير الصحارى؛ لأنَّ ذلك يساعد على نقاء الجو وتقليل تلوثه.

3-           الكف عن إلقاء النفايات في مصادر المياه مع منع التلوث المائي بكل أسبابه وصوره بقوانين صارمة.

4-           التقليل من حجم الضوضاء وكل ما يجرح شعور الآخر.

5-          الترشيد في استخدام المبيدات الحشرية سواء استخداماتها المنزلية أو الحقلية (رش الفاكهة).

6-          التقليل من استخدامات مكسبات الطعم والرائحة والمواد الحافظة التي تضاف إلى الأغذية بغرض تحسين الطعم والرائحة وزيادة فترة الصلاحية، واستعمال هذه المواد حسب النسب المقررة.

7-          التقليل من استخدام الأسمدة الكيماوية بعد أن ثبت أنها مواد ملوثة للتربة والمياه، ولها آثار سيئة على صحة الإنسان، والعمل على العودة إلى استخدام الأسمدة الطبيعية في تسميد الأراضي الزراعية.

8-           لابد من وضع البرامج العلمية لتقليل انبعاث الغازات من المصانع وعوادم السيارات.

9-           المحافظة على الأراضي المزروعة من التدهور بسبب الأبنية السكنية.

10-         استخدام طرق غير ضارة بالبيئة لمكافحة الآفات، مثل النظافة العامة والتخطيط المعماري للمساكن بما يقلل من دخول الآفات وتربية النباتات المقاومة للحشرات والأمراض، مع اختيار المواعيد المثلى لزراعة النباتات ومقاومة الحشائش.

11-        توعية الأفراد بالمفاهيم البيئية الخاصة بالتربة وطرق المحافظة عليها.

12-        تنمية المهارات في متابعة القضايا البيئية والتنبؤ بما قد يحدث من مشكلات.

13-        تشجيع إجراء البحوث المتعلقة بمختلف النواحي البيئية.

14-        تشجيع استثمار رجال الأعمال في مشروعات تحسين البيئة والعمل على تذليل كافة الصعوبات أمامهم.

15-        العمل على القضاء على ظاهرة المقالب المفتوحة (القمامة) لما لها من آثار ضارة سواء على صحة الإنسان أو الحيوان.

16-        إنشاء هيئات متخصصة للتعامل مع القمامة من الجمع والنقل أو التخلص.

17-       حث الناس على الإقلاع عن التدخين لما له من آثار ضارة على الصحة والبيئة.

18-        تنمية الوعي البيئي في مناهج التعليم.

19-        تجريم كافة الأفعال والتصرفات التي تحمل أية أضرار بالبيئة أو إساءة إليها عن طريق إصدار التشريعات اللازمة لذلك.

20-     الإكثار من الصناعات (صديقة البيئة) ودعمها بكافة الطرق الممكنة.

21-     البث المنظم لمخاطر البيئة في وسائل الإعلام.

22-     التخطيط السليم لإنشاء المصانع في أماكن بعيدة عن المدن المزدحمة أو التجمعات السكانية.

23-     خفض معدلات إلقاء الفضلات والمخلفات في الصحارى حتَّى لا تلوث الجوّ في حالة الرياح.

24-     ينبغي التنبيه والاحتياط للتقليل من تأثيرات الكوارث الطبيعية على الإنسان والبيئة كالفيضانات والسيول وغيرها.

25-     تنمية الوعي بخطورة المسكرات والمخدرات في وسائل الإعلام، وفي كل وسائل التوعية الدينية.

تنمية الوعي بضرورة حماية الحيوانات والرفق بها في كلّ وسائل الاتِّصال.


[1]) سورة الأعراف: 56.

[2]) سورة الإسراء: 70.

[3]) سورة البقرة: 30.

[4]) سورة هود: 61.

[5]) سورة المؤمنون: 71.

[6]) سورة الحجر: 19.

[7]) سورة الروم: 41.

[8]) سورة العنكبوت: 58.

[9]) سورة الأنبياء: 33.

[10]) سورة ق: 38.

[11]) العلامة الألوسي، روح المعاني في تفسير القرآن الكريم والسبع المثاني، 26/129.

[12]) سورة الأنعام: 38.

[13]) صفوة التفاسير، محمد على الصابوني، ص389.

[14]) سيد قطب، في ظلال القرآن الكريم، 1/ 56.

[15]) سورة الحجر: 22.

[16]) سورة الأعراف: 57.

[17]) سورة الحديد: 25.

[18]) سورة الذاريات: 49.

[19]) سورة البقرة: 22.

[20]) سورة النازعات: 23-33.

[21]) سورة عبس: 24-32.

[22]) سورة لقمان: 10.

[23]) سورة الرعد: 8.

[24]) سورة القمر: 49.

[25]) سورة ق: 6-11.

[26]) سورة الأعراف: 85.

[27]) سورة البقرة: 205.

[28]) سنن البيهقي، 6/139.

[29]) رواه البخاري ، 3/135، مسند أحمد ، 3/143.

[30]) رواه البخاري ، 3/147، ج8 ص11.

[31]) الإعلان العالمي للبيئة.

[32]) حماية البيئة من التلوث في الشريعة الإسلامية، د. رأفت عبد الفتاح حلاوة.

[33]) سورة إبراهيم: 7.

[34]) سورة النمل: 12.

[35]) صحيح مسلم ، 1/63 رقم 58/35.

[36]) حمدي السعداوي: التلوث البيئي والإعجاز العلمي في القرآن الكريم، مجلة الوعي الإسلامي.

[37]) سورة القمر: 49.

[38]) صحيح البخاري ج2 ص155.

[39]) د. أحمد فؤاد باشا: البيئة ومشكلاتها من منظور إسلامي، مجلة الأزهر، الجزء السابع، نوفمبر/ديسمبر 1996، ص9-10.

[40]) المرجع السابق، ص 102.

[41]) سنن الترمذي، رقم 1860

[42]) سنن ابن ماجه ، 1/119 رقم 328 من حديث مطول.

[43]) سورة البقرة: 11.

[44]) سورة القمر: 28.

[45]) جاء في مختار الصحاح للشيخ محمد بن أبى بكر عبد القادر الرازي ص535 أن (القسم) بالفتح مصدر (قسم) الشيء (فانقسم). وقاسمه المال (وتقاسماه) و(اقتسماه) بينهم والاسم (القسمة) وهي مؤنثة.

[46]) رواه أبو داود في سننه بإسناد صحيح.

[47]) سورة الحج: 18.

[48]) سورة آل عمران: 190.

[49]) سورة يونس: 101.

[50]) سورة الزخرف: 9.

[51]) سورة العنكبوت: 61.

[52]) سورة الحج: 46.

[53]) سورة فاطر: 27-28.

[54]) سورة آل عمران: 14.

[55]) حسين حامد حسان: الحكم الشرعي عند الأصوليين.

[56]) حُمّرة: طائر صغير كالعصفور. ومعنى تفرش: ترفرف بأجنحتها.

[57]) رواه أبو داود في سننه، كتاب (الجهاد)، رقم (2675) وفي كتاب (الأدب) رقم (5268).

[58]) رواه البخاري كتاب (المساقاة)، رقم (2234). ومسلم كتاب السلام، رقم (2244).

[59]) رواه الترمذي في تفسير القرآن برقم (3114) وأحمد في المسند وكذلك برقم (25656).

[60]) رواه البخاري ومسلم.

[61]) رواه البخاري في الأدب المفرد، والطبراني وحسنة الألباني في الصحيح الجامع (6261).

[62]) رواه البخاري في المساقاة برقم (2196)، وفي الشهادات برقم (2476) وفي الأحكام برقم (6672)، وفي التوحيد برقم (6892)، ومسلم في الإيمان برقم (157)، والنسائي في البيوع برقم (4386)، وأبو داود في البيوع برقم (3014)، وابن ماجه في التجارات برقم (2198) وفي الجهاد برقم (2761)، وأحمد في المسند برقم (7131)، و(9836).

[63]) رواه أحمد في باقي مسند المكثرين.

[64]) رواه أحمد 5/82، وأبو داود (29) والنسائي 1/33.

[65]) سورة الرعد: 11.

[66]) صحيح البخاري، ج1، ص42.

[67]) صحيح البخاري ج4 ص153.

[68]) صحيح مسلم بشرح النووي، ج3، ص127.

[69]) أ.د. عبد الفتاح الشيخ، اهتمام الإسلام بالماء والنظافة، مجلة كلية الشريعة والقانون، العدد الثاني، 1986، ص13.

[70]) المرجع السابق، ص 16.

  • ·) الاختلاط: اجتماع الناس.

[71]) صحيح البخاري، ج1، ص157.

[72]) صحيح مسلم بشرح النووي، ج6، ص132.

[73]) عبد الرحيم بن الحسين العراقي، طرح التثريب في شرح التقريب، دار الفكر العربي، ج2، ص73.

[74]) صحيح مسلم بشرح النووي، ج3، ص147.

[75]) أبو عبد الله بن قدامة، المغني، ص87-88.

[76]) صحيح مسلم بشرح النووي، ج5، ص 50.

[77]) سورة المائدة: 4.

[78]) ابن قيم الجوزية، الطب النبوي.

[79]) الحافظ ابن الأشعث السجستاني الأزدي، سنن أبي داود، ج3، ص 329.

[80]) الحافظ بن عبد الله القزويني، سنن ابن ماجه، ج1، ص 129.

[81]) ) سورة آل عمران: 7.

*) انظر: موقف المسلم من الفتنة في ضوء الكتاب والسنة، د. محمد سيد طنطاوي شيخ الأزهر.

[82]) سورة التوبة: 47-48.

[83]) سورة النور: 63.

[84]) سورة المائدة: 70-71.

[85]) سورة الإسراء: 36.

[86]) سورة الملك: 3.

[87]) سورة الأعراف: 56.

[88]) سورة الأعراف: 56.

[89]) سورة البقرة: 205.

[90]) الشوكاني، نيل الأوطار، ج9، ص 151-154، كما أخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد، ج5 ص316.

[91]) رواه البيهقي في السنن الكبرى، 9/9، رقم 17929.

[92]) صحيح مسلم بشرح النووي، ج1، ص 215.

[93]) ابن الأشعث السجستاني، سنن أبي داود، ج4، ص 361.

[94]) مسند أحمد ، 3/191.

[95]) مسند الإمام أحمد ، 3/147، صحيح البخاري ، 3/135.

[96]) صحيح مسلم ، 1/69 رقم 78/49.

[97]) سورة الروم: 41.

 

* ندوة تطور العلوم الفقهية فِي عمان “ الفقه الحضاري، فقه العمران”

 المنعقدة خلال الفترة: (18-21) ربيع الثاني 1431هـ / (3-6) إبريل 2010م:

سلطنة عمان- وزارة الأوقاف والشؤون الدينية 

هذه المقالة تحتوي على لا تعليق

أكتب تعليقك هنا

نرجو أن تضع المادة أسفله
الإسم
إيميل
موقع
تعليقك