القواعد الشرعية وحماية البيئة

القواعد الشرعية وحماية البيئة

 إعداد: أ. أفلح بن أحمد الخليلي

 (رئيس قسم الدراسات والبحوث بمكتب الإفتاء، وزارة الأوقاف والشؤون الدينية، سلطنة عمان)

 

 

تقديم:

الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على سيد الأولين والآخرين محمَّد بن عبد الله وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد:

فقد حظيت بدعوة كريمة للمشاركة في هذه الندوة المباركة المعنونة بـ: “تطور العلوم الفقهية في عمان: الفقه الحضاري، فقه العمران“، حول موضوع: “القواعد الشرعية وحماية البيئة” فطابت نفسي ونشطت من عقالها إلى المشاركة ببضاعتي المزجاة.

وقسّمت البحث إلى نقاط، ليسهل تصوره بإذن الله.

ومهّدت قبل ذلك بتمهيد يشكل القاعدة التي يقوم عليها صرح البناء في قواعد الشريعة([1]) التي تصان بها البيئة.

ومن الله جل وعلا أستمد العون والتوفيق وآمل القبول، ثم منك –أخي القارئ- ألتمس التوجيه وخالص الدعاء.

تمهيد:

شرع الله طرق كلّ مسألة وحلّ كلّ معضلة، وهذا يتطلب منا عمق النظر في الأدلة الشرعية بمختلف وجوهها، بالإضافة إلى إدراك الواقع؛ لأنَّ نظام الشريعة لم ينزل لتتردد همساته حبيسة في عالم الخيال، وَإِنَّمَا هي هداية تبدأ بقلب الإنسان مارة بجوارحه معرجة على مجتمعه مصلحة لأرضه وسمائه، منتهية بآخرته التي يسعد فيها حتى يتبوأ مبوأ صدق عند مليك مقتدر حال استقامته عليها.

وهذا الموضوع يشكل أهمية سامقة لاسيما في هذا العصر، بعد أن أسبغ الله على عباده وسائل العلم التجريبي الذي يتسنى لهم به إفساد الأرض كما يتسنى لهم إعمارها، إذ العلم سلاح ذو حدين، ويؤكد ذلك استحضارنا لِما يلي:

  • أن 90% من الأمراض التي تعاني منها البشرية عملت فيها يد الإنسان بسبب فسادهم في الأرض.
  • Ø أن الولايات المتحدة ألقت في فيتنام ما يصل إلى 44 مليون لتر من مادة لماجان أورانج ـ وهي خليط من مبيدات تحتوي على الديوكسين ـ فطمست خيرات الأرض.
  • Ø التشوّه الخلقي في اليابان وفيتنام حتى أن كثيرا من أبناء الفيتناميين أصيبوا بأمراض كمرض المنغولية، وامتد تأثير تلك المواد حتى شمل الكرومزومات الوراثية.

ولهذا نجمل بعض المقدمات المهمة للموضوع.

الإعجاز التشريعي:

اشتملت الشريعة على أبدع نظام عرفته البشرية عبر أدوراها التأريخية، حتى أن العقل يقف عاجزا عن إدراك كثير من تلك الأسرار، وعامل الزمن له أهميته البالغة في كشف الغطاء عن بعضها، ولهذا قد يُخفي الله سرا من أسرار تشريعاته عن علماء الحقب الأولى ويتجلى بعد ذلك، ومن ينزل بالشريعة في الميدان تتجلى له بعض تلك الأسرار شيئا فشيئا، وجانب البيئة ليس بعيدا عن الجوانب الأخرى فتبرز فيه أسرار لا يسوغ غض الطرف عنها، ولهذا يمكن أن تكون الدراسات في هذه الجوانب روافد لدراسة الإعجاز التشريعي في الأحكام عموما ـ البيئة وغيرها ـ، كما قد تسقي بجداولها الإعجاز العلمي، إذ ومضات الإعجازين تضيء نفس المواقع أحيانا.

منهج الشريعة:

تضمن الكتاب العزيز وسنة النبيّ صلعم على جميع ما تفرز الدنيا من قضايا إلى أن يرث الكون مكونه، لكن تلك القضايا على ضربين فمنها ما نصت عليه الشريعة نصا صريحا، ومنه ما يستلهم من تضاعيف الأدلة، فهل مسائل البيئة من الضرب الأوّل أو الثاني؟

وأخال الجواب عن السؤال لا بد أن يعيه القارئ الكريم قبل أن يلج أبواب الإعجاز التشريعي جميعا أو أبواب المستجدات الفقهية، وذلك لأن الجواب في غالبها واحد فيما أتصور. وخلاصته: أن الشريعة نصت نصا قاطعا على قواعد عامة لا يسوغ المساس بها كحرمة الفساد في الأرض، وذكرت بعض التطبيقات العملية على هذه القاعدة، وكثير من تلك التطبيقات لا تتعدى حدود الظن، لكن يحصل القطع بالنص على القواعد العامة، ويزداد وهجا بتلك التطبيقات التي لا يتعدى بعضها الظن، لكن يمكن القياس عليها، وجانب العمل يستعان فيه بالأدلة التبعية مع الأدلة الأصلية، وفي بعض تلك التفصيلات قد يقع تباين وجهات نظر أهل العلم؛ لأنَّ الشارع فتح لهم نافذة الاجتهاد فيها.

أهمية تحقيق المناط في أحكام البيئة:

مع ما اشتمل عليه شرع الله من دقّة النظام، فإن هذا النظام يفتقر إلى مهارة في تنزيله إلى أرض الواقع، وهو ما يعرف عند الأصوليين بتحقيق المناط، وهو ضرورة ملحة تفرضها أحكام الشريعة، ويقتضيها التطور الإنساني، وكانت تطبيقات النبيّ صلعم نبراسا في تحقيق المناط، فما على من أراد تحقيق مناط شيء من الأحكام إلاّ الاستنارة بنبراسه u، مع تصور الواقع الذي يعيشه، والواقع قد تتشابك فيه قضايا متباينة، ويفتقر صاحبه إلى ملابسات متعددة، ولهذا قد يتعذر على الفقيه تحقيق مناط جملة من الأحكام إلا بعد النظر في كلام أهل الاختصاص، والبيئة من هذا القبيل، فصلاحها لا يتحقق إلا بنظر شرعي ممزوج ببعد تجريبي حتى تنزل الشريعة أرض الواقع، وهذا في كثير من الأحكام الدقيقة التي قد يتعسر إدراكها على غير المتخصصين فيها، بيد أن ثمة أحكاما يدركها غيرهم كحرمة التبذير وغيره.

مقدمات الشريعة:

تبدأ الشريعة عملها بإصلاح محرك الإنسان وسر إنسانيته، فتبدأ بقلبه، وهذه ميزة على قوانين الدنيا التي تملك ناصية الأمور بقوة صولجانها، فإذا انحسر سلطان قوتها تلاشت أنظمتها، بخلاف الشريعة الإسلامية فهي تبدأ من القلب، والدافع الداخلي لا ينحسر عند ذبول قوّة الدولة، أو بعد المكلف عن أعين القائمين عليها، وذلك لأنّ القلب هو مصدر الاستقامة والهداية، فـ”إن صلح صلح الجسد كلّه، وإن فسد فسد الجسد كله”.

مدلول المصطلحات:

من المعلوم بأن الحكم على الشيء فرع عن تصوره، ولهذا لابد من تصوّر مدلول مصطلحات العنوان قبل الخوض في غمار البحث، والعنوان يشتمل على أربع كلمات، ويمكن طيّ كلمتين منها، والاقتصار على كلمتين، وهي:

مدلول “القواعد”: وهي مشتقة من “قعد” واختزالا للمعنى اللغوي، أذكر ما يتعلق بمضمون المعنى الاصطلاحي، فقد جاء في اللسان: “والقاعِدَة أَصلُ الأُسِّ والقَواعِدُ الأساسُ وقواعِد البيت أساسُه، وفي التنزيل: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ﴾([2])، وفيه ﴿فَأَتَى اللّهُ بُنْيَانَهُم مِّنَ الْقَوَاعِدِ﴾([3])، قال الزجّاج: “القَواعِدُ أَساطينُ البناء التي تَعْمِدُه”([4]).

أمَّا المدلول الاصطلاحي فعرفه أهل العلم بتعريفات تلتقي في مضامينها، وإن تباينت عباراتها؛ فقد عرفها الجرجاني بقوله: “قضيّة كلية منطبقة على جميع جزئياتها“([5])، وثم تعريفات تشارك هذا التعريف في مدلولها، وبذلك يظهر التآخي بين المعني اللغوي والاصطلاحي؛ إذ القاعدة أسّ تقوم على صرحه فروع كثيرة.

والشريعة المنسوبة إلى الشرع من قرآن وسنّة، تشمل القواعد القرآنية والنبوية، ما دار في فلكها كالقواعد الأصولية والفقهية والعقدية، وتخرج القواعد الوضعيّة بشتى أنواعها، وفي هذا السياق تستحضر القواعد الفقهية دون غيرها؛ لأنَّ الفقه مدار التفصيلات التي تعلق بأحكام البيئة وغيرها.

وثمة مدلول آخر للقواعد الشرعية، وهو: الركائز المعرفية المستقاة من الشريعة قرآنا وسنّة الموجهة للسلوك القويم، سواء أكانت الركائز فكرية أو فقهية أو غيرها، ولعلَّ هذا المدلول ألصق بموضوع البيئة، فلذا آثرت أن أوجه سعيي نحو تجلية تلك الركائز مع العناية في الوقت ذاته بالقواعد الفقهية، والاستشهاد بها عند الحاجة إليها جمعا بين المشترك في حقيقتيه إن صحّ التعبير، وإن كانت عرى البحث أوثق بالمدلول الثاني.

مدلول “البيئة”: عرفت البيئة بتعريفات متعددة منها، ومجملها أنها المحيط الذي يحيط بالإنسان وغيره، فيشمل مأكله ومشربه ومسكنه وما إلى ذلك”، وهي ممتزجة بعلم البيئة، وقد عرِّف “بأنه علم يبحث علاقات الكائنات الحية مع بعضها البعض، ومع الوسط أو المحيط الذي تعيش فيه”، وتفرعت عن هذا العلم عدة فروع، مثل علم التبيؤ النباتي علم التبيؤ الحيواني علم التبيؤ البشري.

والمقصود بحماية البيئة صيانتها قبل تدنيسها والسعي لتنقيها بعد التدنيس فهو يشمل جانب الوقاية شموله لجانب العلاج، ويرعى في كلا الأمرين الواقع والمتوقع منهما، وذلك بالمحافظة على المكونات البيئية الطبيعية والمشيدة في حالتي التخطيط والتنفيذ لأيّ مشروع عمراني أو صناعي أو غيرهما. والآن نصل إلى بيت القصيد فنشرع بإذن الله تعالى في بيان القواعد ودورها في صيانة البيئة.

القواعد الكلية في حماية البيئة:

اشتملت الشريعة الربانية ـ بما أودع الله فيها من سرّ رباني يمخر بسفينة الهدى والصلاح والخير عباب الزمان والمكان ـ على قواعد أساسية تصون البيئة مما يكدر صفاءها، ولا تتقاطع في الوقت ذاته مع مصالح الإنسان المستخلف عليها، وهذه النظرة تمثل الطريق الوسط بين الإفراط والتفريط في تحديد المواقع، وفي ترتيب أوليات التعامل بين الناس وبيئاتهم، وحتى لا نسبح في عالم الخيال بعيدا عن أرض الواقع يجمل بنا أن ننظر في تحديد القواعد المحورية التي يقوم عليها بناء البيئة.

والشريعة لم تكتف بالعلاج بنظريات تحشى بها الأدمغة، وَإِنَّمَا راعت الأبعاد النفسية والعلاقة العاطفية التي تربط الإنسان بأرضه، فوظفها حتى يوجد الدافع الداخلي للتغيير؛ لأنَّ الإسلام يكبر القلب ودوره في أي تعديل كما سبق، ولهذا اشتملت آي الذكر الحكيم قواعد غيبية ونفسية وتشريعية، كلها تسقي بسلسبيل مائها دوحة البيئة حتى تبسق وتينع ثمارها.

وإليك بعض تلك القواعد، مع ملاحظة أنّي كررت بعض القواعد المتداخلة بعض الشيء لأهميتها، وحتى أنفي الاحتمال عنها ويكتمل بها بهاء صورتها بإذن الله:

  • حرمة الفساد في الأرض بشتى أنواعه: جاءت شرائع الأنبياء ـ عليهم الصلاة والسلام ـ لتصلح في الأرض وتجنب الناس الفساد وأسبابه، وقد قرر العلماء من قديم الزمان بأن مِمَّا اتفقت عليه الشرائع حفظ الدين والنفس والعقل والعرض والمال، وهي كما قررت ذلك حفظت الوسائل التي تكفل لها حفظ هذه المكنونات الغالية، والآيات القرآنية صريحة كلّ الصراحة في منع الفساد، والخطاب بحرمتها ما جاء خاصا بشريعة محمَّد صلعم، وَإِنَّمَا نادت حناجر الأنبياء قبله بحرمة ذلك، فالله تعالى حكى بعض نداءات الأنبياء؛ فمن ذلك ما حكاه عن شعيب في قوله جلّ شأنه: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾([6])، وورد مثل ذلك لبني إسرائيل فقال تعالى: ﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كلّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ كُلُواْ وَاشْرَبُواْ مِن رِّزْقِ اللَّهِ وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾([7])، وورد النهي ذاته لقوم عاد في سورة الأعراف، وسبق النهي لبني إسرائيل في ثنايا ذكر نعمة الشرب بعد انفجار العيون لِموسى u، وسياق قصّة عاد في نحت البيوت ولشعيب في سورة هود والشعراء في سياق تحذريهم من التمرغ في أوحال معاملات مالية محرمة، وورد عنه أيضا مثله في العنكبوت في سياق عقدي، والفساد على أنواع شتى إليك بعض الصور:

– فساد المعاصي: تقرر القواعد الشرعية المستقية من ينابيع النصوص أنّ كلّ معصية تنشب بمخالبها لتنهش شيئا من خيرات الأرض وتفسد فيها، وهذا البعد قررته كثير من الآيات، والذي ينظر في الآيات القرآنية يرى الفساد بشتّى أنواعه يجلب لأهله الخزي والعار، وهو مقدمة هلاك الأمم فالله تعالى يقول: ﴿ وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾([8])، والصلاح طريق معبد لراحتها في الدنيا قبل الآخرة ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيهِم مِّن رَّبِّهِمْ لأكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ سَاء مَا يَعْمَلُونَ﴾([9])، وإذا أكل الإنسان من فوقه ومن تحته فماذا يرجو بعد ذلك؟ وهذا الحكم لا يتفيأ ظلاله أهل التوراة والإنجيل فقط، بل يعمّ الأمم جميعا، فالله تعالى يقول: ﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ وَلَكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾([10])، وأولى الأمم بذلك أمة القرآن.

  • الآثار الغيبي للاستقامة: لا يجني المسلم ثَمرة الاستقامة في آخرته فحسب، بل يقطف ثمارها اليانعة في الدنيا: ﴿ وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُم مَّاء غَدَقاً * لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَن يُعْرِضْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَاباً صَعَداً﴾([11])، فهو منعم باستقامته معذّب بإعراضه، ونصت على ذلك آي الذكر الحكيم بالنصّ على القواعد العامة أو بذكر النماذج التي يتجسد فيها هذا الوعد.
  • حرمة الإسراف بشتى أنواعه: والواقع أنه ضرب من ضروب فساد المعاصي، إذ التمرّغ في الإسراف منهي عنه بنصوص القرآن والسنة، فلا يقتل حيوان إلا لمأكلة… ومن العجيب أن بعض من يتصور نقص الموارد عن حاجات البشر يطمسون خيرات الأرض ويبددونها محافظة على سعرها، مع أجل رفع أرصدتهم في البنوك، وأمم تتضور جوعا، وأطنان القمح ترمى في الصحاري أو في البحار، وبحيرات من اللبن تراق([12])، ومنع الإسراف ميزة شرعية تبقيها التصورات البشرية موزونة بالمصالح الدنيوية فحسب، فإن كان الإسراف لا يثقل كاهل صاحبه به فلا مانع منه، بخلاف النظرة الشرعية التي توصد أبواب الشرّ قبل استفحالها، ولهذا من حق الدولة ـ بل قد يكون من واجباتها ـ الحجر على المسرف والسفيه الذي لا يحسن التصرف في أمواله، وهو من مراعاة حق الأجيال اللاحقة في موارد الأرض، وهذا التحريم لا يقتصر دوره على وقت جفاف ينابيع الموارد، وَإِنَّمَا يحكم به حتى مع وفرتها. وضرر الإسراف بالغ فهو من ناحية يبدد الموارد، ونقصانها سهم صائب في قلب التوازن البيئي، بالإضافة إلى أضراره الأخرى، ومن ناحية أخرى يزيد النفايات؛ ففي أمريكا يطرح الفرد ما يساوي وزنه عشرين مرة في السنة، وفي فرنسا يطرح سنويا 750 ألف سيارة، و500 ألف متر مكعب من الأجهزة المنزلية العاطلة([13]).  ومثل الكهرباء يكون في السيارات وفي غيرها من الأشياء.
  • فساد الحروب: والشريعة جاءت ملتزمة بأخلاق السلم والحرب فلم ينبو قوسها عن الأخلاق في اشتداد العواطف، وسعت لتجنيب الكون فساد الحروب بما سنته من قوانين، ولذا قال تعالى: ﴿ وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ﴾([14])، فقبل الحرب ثمّ واجبات لا تتعدى وفي أثنائه أيضا، ومن ينظر في حروب النبيّ صلوات الله وسلامه عليه يتجلى له بوضوح سعيها للهداية لا للنكاية، فلهذا لم تتعد الأرواح التي أزهقت من طرفي المسلمين وخصومهم على ألف قتيل، نعم، وجد من ينتسب إلى الإسلام ونكص على عقبيه في التعامل مع خصومه في ميادين القتال، وذكر العلامة الدرجيني عن أحد أولئك الطواغيت وما عانته منه الأرض ومن عليها حتى أنّه أفسد في أفريقيا ثلاثين ألف قرية([15]).

ويمكن إيجاز ما تميزت به النظرة الإسلامية:

  • الشريعة لا تأذن إلاّ بالحرب الشرعية: فالله تعالى لم يأذن لنبيه والمؤمنين أن يشرعوا أسنتهم إلا بعد مدة من الزمن، والإذن لم يرد إلا على حرب مقدسة تكون فيها “لا إله إلا الله” منهجا لرفع السيف ولوضعه، وهو عكس الحروب الجاهلية يحركها امتلاء جوانب النفس حقدا وكراهية، ولهذا يقول تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاء وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُواْ نَارًا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾([16]).
  • النهي عن التعذيب بالنار: ومن المعلوم بأن الشرر أوار المحن التي تفسد في الأرض إنما يوري زنادها النار بشتى أنواعها فالقنابل وجملة من الصواريخ لأنها تشتمل على نار، ولهذا نهى النبيّ صلعم عن التعذيب بالنار، فقال u: «إني أمرتكم أن تحرقوا فلانا وفلانا بالنار، وإن النار لا يعذب بها إلا الله، فإن أخذتموهما فاقتلوهما»، وإن أجاز الفقهاء شيئا من ذلك في بعض الحالات فتلك أحوال مقصورة على حالة الاضطرار([17])، وأحيل إليك أخي القارئ الكريم المقارنة بين هذه التصورات والمبادئ وبين النيران التي اندلعت بسبب حروب تنشب بدعاوى الحرب على الإرهاب([18]).
  • إصلاح ما نتج من فساد في الحروب وفق قانون الموازنات: الحروب خصوصا في هذه الآونة بعد ما اكتشفت أسلحة الدمار الشامل والأسلحة النووية التي قد يبيد القليل منها أمما، ويهلك الحرث والنسل هذه الوسائل تعم الأرجاء في أثرها، فقد قيل بأن الخليج تأثرت تأثرا بالغا بالمخلفات من حرب الخليج الأولى والثانية وما تلاها، ولم يقتصر أثر ذلك على العراق وحدها التي نكبت النكبة الأليمة بسبب الاحتلال الأمريكي، وإنما عمت ما حولها من الأقطار، ولعل من مظاهر ذلك أن انتشرت الأوبئة في الخليج كله، ومن ذلك مرض السرطان الفتاك، وهذه الآثار لا تقتصر على هذا الجيل وحده بل تشمل الأجيال والأعقاب من بعدهم، وما إلقاء القنبلتين الذريتين في هروشيما ونجازاكي منا ببعيد؛ إذ شمل ضررهما الأجيال المتلاحقة إلى الآن وما زالت اليابان تعاني من ذلك، فانتقل الأثر إلى الأجيال اللاحقة، وعد من مكونات الخصائص الوراثية “الكرومزومات”
  • تجنب الإضرار بمن لا علاقة له بسبب الحرب: يذكر أن نابليون قال عندما دمّر مدينة آمنة: “لست واعظا، وَإِنَّمَا مهمتي أن أرفع رايات فرنسا، وقد فعلت ذلك”، فلم يبال بالدماء التي أريقت ولا بالأرواح التي أزهقت، بل يباهي بتحقيقه لغايته مهما كانت وسيلتها، والشريعة الإسلامية تمنع كلّ ذلك فلا يسوغ أن تزهق نفس إنسان لجرم غيره، فالله تعالى يقول: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كلّ شَيْءٍ وَلاَ تَكْسِبُ كُلّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُم مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾([19])، وإن كان سياق الآية الكريمة في الجزاء الأخروي لكن يستفاد عمومها من نظمها، ومن أدلة النهي عن الاعتداء، وهو ما جسدته وصيّة الصديق t.
  • المحافظة على مكوّنات البيئة: أنوار التشريع الرباني، وإن كانت ظروف البيئة السابقة وأحوالها تختلف اختلافا جذريا عن المواقع المشاهد في هذه الأيام، لكن مع ذلك وجدت لفتات مهمة تفتح لنا آفاقا لنعرف كيف تعامل المسلمون مع البيئة؟ بداية نجد أبا بكر الصديق t عندما وجه يزيدا وأملى عليه وعلى جنده وصيّته العظيمة وفيها: “…ولا تهدموا بيعة ولا تغرقوا نخلا ولا تحرقوا زرعا ولا تجسدوا بهيمة ولا تقطعوا شجرة مثمرة…”([20])، فهذه الوصية تعنى عناية بالغة بالبيئة، وتأمر هؤلاء الجند ـ وإن كانوا يجابهون عدوا لدودا أبى الاستكانة لحكم الله تعالى ـ أن يفسدوا في أرض ذلك العدو؛ لأن الحرب لا تسوّغ لهم الإفساد في الأرض، فـ”الأصل في الغاية أن لا تبرر الوسيلة”، وهذه العناية تشمل مكونات البيئة الطبيعية والمشيدة، فتعم البيع مع أنها موطن عبادة يجافي تعاليم الدين الحق، وتطول الأشجار ـ عملت فيها يد الآدمي أو لا ـ إذ لها حرمتها في النظرة الشرعية، وتشمل حيوانات هذه البسيطة أيضا، وإن كنا لا نعني بذلك حرمة قطع الأشجار مطلقا في الحروب، فالله تعالى يقول: ﴿مَا قَطَعْتُم مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾([21])، وهذا مربوط بما اقتضته غاية القطع ﴿وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾، وإذا كانت العناية الشرعية تشمل ظروف الحرب المقتضية للشدة والصرامة فتمنع المسلم من الانزلاق إلى حمأة تلك التصرفات الرعناء، فكيف يسوغ إبّان السلم من دون وجود الدوافع إلى تلك الأفعال؟

ووصية الصديق t كانت غرة في جبين الدهر، واستمر الفقهاء في متابعته على ذلك، ومن ذلك ما نجده عند الإمام الصلت بن مالك  t من الوصايا البالغة التي تحضّ على حسن مراعاة البيئة لوصيته لجنده عندما سيرهم لتحرير سقطراء من أيدي النصارى… وهذا الأمر كما يكون في حرب المشركين فهو في حرب المسلمين من باب أولى، ولهذا نجد الإمام أبا الخطاب المعافري t عندما قاتل أهل ورفجومه وحرّر الناس من وطأتهم لم يدفعه انتصاره إلى إفساد أي شيء من معالم البيئة؛ حتى أن امرأة عندما رأت جمعا من محاربيه بعد موتهم وبجنب كلّ واحد منهم سلاحه فقالت: “كأنهم رقود”، وذكر الشماخي القصة في “سيره” وأتبعها بقوله: “وخرجوا إلى زروعهم، فإذا كما هي كما كانت لم يقع فيها فسادٌ ولا مضرّةٌ لا بالناس ولا بالمواشي فتعجّب الناس من عدل أبي الخطاب وطاعة أصحابه له”([22])، وإذا كانت هذه التوجيهات ضرورية في مجتمع لا يملك الوسائل التي تفري أديم البيئة فكيف بعد أن استشرى ضرام الأسلحة الكيماوية وغيرها… لأنّ هذه الوسائل الجديدة في بعض الأحيان عندما لا تكون منضبطة بضوابط الأخلاق، ولا مقيدة بقيود الشرع تؤدّي إلى فساد في الأرض، ويطغى ضررها في بعض الأحيان على نفعها.

وللمحافظة على ذلك أشكال مختلفة أذكر بعضها:

v    منع ما يؤدِّي إلى ضرر بالطبيعة: تذكر مجلة “الآن”: أن غابة مويز كاليفورنيا تتنفس الصعداء عند انتهاء موسم السياحة مِمَّا تعانية من وطء على جذور الأشجار أو جذوعها أو لمس لها، أو رصّ التربة بوطء الأقدام مما يجعل امتصاص الماء والمواد المغذية أمرا صعبا([23])، وهذا الأمر قد حل في الشريعة، فقد جاء في الحديث عن النبيّ صلعم: عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد قال: بلغني عن رسول الله صلعم أنّه نهى عن المشي في الزرع، وقال: «لا يمشي فيه إلاّ ثلاثة: ساقيه أو ناقيه أو واقيه». قال الربيع: الواقي الحافظ، والناقي: الذي يخرج منه الكلأ”([24])، وهذا يندرج تحت قاعدة: “الضرر يزال“، و”لا ضرر ولا ضرار“.

v    منع العبث بمواطن الخيرات التي تغمر الأمم: ولذلك قرَّر جماعة من أهل العلم أن موارد الخير العام لا يدخل في حوزة الملكية الفردية، بل صرح بعضهم بأنه لا يندرج تحت ملكية الدولة فضلا عن غيرها، وفي ذلك يقول العلامة الشقصي: “وأمّا الأنهار الكبار، مثل دجلة والفرات والنيل، فلا يجوز بيعها أصلا؛ لأنَّها لا تجري عليها الأملاك”([25])، وبسط ذلك بصورة أوسع العلامة السبكي في فتاواه فقد قال: “إن الأَنْهَارَ الْمَذْكُورَةَ وَمَجَارِيهَا الْعَامَّةَ لَيْسَتْ مَمْلُوكَةً، بَلْ هِيَ مُبَاحَةٌ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ تَمَلُّكُهَا وَأَمَّا وَقْفٌ عَلَى جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ وَلَا شَكَّ أَنَّ الْأَنْهَارَ الْكِبَارَ كَالنِّيلِ وَالْفُرَاتِ مُبَاحَةٌ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْفُقَهَاءُ فِي كُتُبِهِمْ، وَلَا يَجُوزُ تَمَلُّكُ شَيْءٍ مِنْهَا بِالْإِحْيَاءِ وَلَا بِالْبَيْعِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ وَلَا بِغَيْرِهِ، وَكَذَلِكَ حَافَّاتُهَا الَّتِي يَحْتَاجُ عُمُومُ النَّاسِ إلَى الِارْتِفَاقِ بِهَا لأَجْلِهَا”([26])، وهذا القول له أثره في الميدان العملي، إذ يقلص دائرة التلاعب والتنافس على حيازة تلك الأراضي، وبيعها وما إلى ذلك، وذلك كله دفع للضرر المتوقع.

v          الحجر الصحي وإنشاء المحميات كما سيأتي بإذن الله تعالى.

بصمات الشريعة في الصناعة

v    بصمات الشريعة على الصناعة حتى تكون هذه الصناعة منسجمة مع مبادئ الدين، وحتى تحقق المبتغى منه؛ فأولا: نجد المصانع ونجد عناصر المكتشفات الحديثة أثرت هذا التأثير البالغ.

-فساد المصانع: يسّر الله على عباده سبيل تحقيق مبتغاهم بما أنتجته العقول المفكرة وطبقته الأيدي العاملة من الصناعات بمختلف مشاربها، وهي نعمة تتطلب شكرا لا كفرا، نعمة من الله جلاء، لكن هذه النعمة لا يمكن أن تستخدم في غير ما وضعت لأجله، بيد أن كثيرا من الصناعات والمصانع حادت عن غايتها في إسعاد الإنسان، وَإِنَّمَا كانت سبعا ينشب مخالبه في الطبيعة ـ والإنسان جزء لا ينفصل عنها يعاني لمعاناتها ـ ولمخلفاتها تأثير بالغ على الإنسان والبيئة معا، وبعض الدول المتقدمة ترمي مخلفات صناعتها ـ وبعضها يندرج ضمن المخلفات الخطرة ـ في الدول الفقيرة مع العلم بمنع ذلك وفق القوانين الدولية، فهي تهلك الحرث والنسل في البيئة الفقيرة، ولا تقبل المعاملة بالمثل في ذلك؛ لأنَّها تنظر إلى البيئة على أنها منفعة شخصية تحقق لها هي بنفسها، ومن العجيب أن المصانع التي تجتاز حدودها القانونية في الإضرار بالبيئة تشتري حصّة مصانع أخرى من دول نامية في نسبة تلك المخالفات([27])، ولا تنظر في أحوال الأمم الأخرى، وهذا يتعلق بقواعد ارتكاب أخفّ الضررين، وتقديم دفع المفسدة على جلب المصلحة، وفقه الموازنات عموما.

والشريعة تتميز في كلّ ذلك بالتالي:

  • أنّ الشريعة تنظر إلى الصناعة على أنها نعمة من الله تتطلب شكرا لا كفرا، ﴿سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُم مِّنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللّهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُ فَإِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾([28])، وذلك بنفسه يضمن لهذه الصناعة السير على الطريق الصحيح، ويؤكد حاجتنا إلى استحضار نعمه تعالى أن 50% من العلماء والمهندسين متورطون بوجه أو بآخر في سباق التسلّح([29]).
  •  حرمة إلقاء مخلفات المصانع في الدول الأخرى؛ لأنَّ الشريعة تحترم أرض العدو؛ لأنَّها ملكيتها الحقيقية لله ﴿ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللّهِ وَاصْبِرُواْ إِنَّ الأَرْضَ لِلّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾([30])، وإن حسبت الدول الكبرى لهذه القضية حسابها لنقص التلوث بصورة كبيرة.
  • مع حضّ الشريعة على عمارة الأرض ﴿هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ وهو يقتضي قدح زناد الفكر ووري زناد الهمّة إلا أن ذلك لا يسوغ الاعتداء على الأرض، بل هو مربوط بخاتمة الآية الكريمة ﴿فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ﴾([31]).
  • أن الشريعة تحرم الصناعة التي تفسد في الأرض، فتحرم التدخين وصناعته، وكلّ ما يفسد، و”الوسائل لها حكم مقاصدها”، وذلك يشمل المحرمات إن كانت تقود الناس قسرا إليها.
  • حرمة تغيير خلق الله: دلّ قوله تعالى: ﴿وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللّهِ﴾([32]) على مكائد إبليس، وأنه المتكفل بالسعي الدؤوب لطمس معالم خلق الله تعالى بدعوة من يستجيب لندائه بكل تغيير، والآية الكريمة لم تكتف بالنهي عن التغيير بل بينت أنه دعوة شيطانية تولى كبرها إبليس نفسه، وفي ذلك دعوة إيمانية إلى مجانبة سبيله، وعامة ما يقع… لا يمكن أن يخلط بين ما هو صالح، وليست الآية الكريمة ضد إبداع العقول النيرة وابتكاراتها، وَإِنَّمَا هي تدفع فساد ما أنتجته العقول.
  • الإنسان مستخلف في الكون ومؤتمن عليه: والاستخلاف كلمة ربانية جاءت إيذانه تعالى للملائكة قبل خلق أبي البشرية آدم u، فالله تعالى قال: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾([33])، والله تعالى قدم الأرض على خليفته فيها؛ لأنَّ الأرض هي محور خلافته، وإن كان للإنسان صلاحية استغلال ما وراء الأرض؛ لأنَّ الله سخر له الكون بجميع مكوناته كما سيأتي بإذن الله، وثم متطلبات لهذا الاستخلاف لا بد من استحضارها حتى تتجلى علاقة الإنسان بالكون الذي يربع كرسي عرشه، لكن آثرنا أن نعدها قواعد مستقلة لأهميتها.
  • حسن العلاقة بين الكون والإنسان: يربط التصور الإسلامي بين الإنسان والكون ربطا وثيقا، ولهذا يقول بعد ذكر خروج آدم إلى هذه البسيطة: ﴿ قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ﴾([34])، وهذا القانون شامل لجميع البشر لأنه سطرت صفات نوره لأصل البشر وزوجه لتشمل عبارته الأولين والآخرين، وقال أيضا في سياق قصة موسى مع طاغوت عصره فرعون: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى ﴾([35])، وهذا يمتد رأسيا ليشمل حياة البشرية كلها من عهد آدم إلى أن يرث الكون مكونه حياة وموتا وبعثا، ويمتد خطه أفقيا ليعم الكرة الأرضية بأقطارها وأوطانها مهما تباعدت، وطول الانسجام جعل خلايا هذا الكون تشعر بعمق الارتباط بينها وبين المؤمن فالله تعالى يقول في داود: ﴿يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾([36])، وذلك لعمق الارتباط بينه وبينها، وقد أكّد بعض علماء الطبيعة أن للجمادات نسبة من الشعور ـ والله أعلم بما قالوه لكن إن صحّ قد يحمل عليه قول النبيّ صلعم: «أُحُد جبل يُحبّنا ونحبه»، وفي مَحمل الحديث كلام لأهل العلم([37])؛ لأنَّ الاكتشافات ـ إن ثبتت ـ قد ترجح جانب الظاهر([38])، وقد ناقش بعض المعاصرين جوانب الشعور في الجمادات… قال المحقق الخليلي:

    أعاينُ تسبيحي بنـــورِ جــنــاني        فأشهدُ مني ألفَ ألفِ لســــان

    وكلُ لسان أجتلي من لُــغــاتِه          إذا ألفُ ألفٍ من غريب أغاني

    ويهدى إلى سمعي بكل لُــغــية         هدى ألفِ ألفٍ من شتيت معاني

    وفي كلّ معنى ألفُ ألفِ عجيبة        يقصر عن إحصائها الثقـــــلان

    ولم أذكر الأعداد إلا إشــــارة          كأني في أوصاف ميططراني([39])

وهذا الأمر لا يقتصر على جانب الانسجام، بل الانسجام والمحبة لا تقتصر على هذا الجانب، وَإِنَّمَا ذلك لأنّ المؤمن ينظر في كلّ عناصر الوجود لأنها آية من آيات الله تعالى العظمى؛ فالله تعالى يقول: ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾([40])، فهو عندما يقلب نظره ذات اليمين وذات الشمال يبصر من آيات الله تعالى المتجلية في الأنفس وفي الآفاق، ولذلك نجد الله تعالى في كتابه يثبت أهم عقائد الدين بما في الأنفس وفي الآفاق فيقول جلّ شأنه في ذلك: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾([41])، ثمّ قال بعد ذلك ذاكرا بعض مكونات البيئة التي تدل على وحدانية الله تعالى، وانفراده جل شأنه بالألوف فقال: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللّهُ مِنَ السَّمَاء مِن مَّاء فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخِّرِ بَيْنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾([42]).

  • استغلال ثروات الكون: فتح الله تعالى للإنسان آفاقا رحبة ليسبح في خضمها، ويؤكد ذلك بصورة واضحة قوله جل شأنه: ﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً﴾([43])، ولم يقتصر على فتح رحاب خيرات الأرض بسهولها وجبالها بل أمطر عليه وابلا من خيرات السماء([44])، ففي الآية السابقة عطف على ذلك استواؤه إلى السماء فقال: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾([45])، فهل القيد في “لكم” شامل للجملة الثانية شموله للجملة الأولى؟ يحتمل ذلك كما ذكرته في دلالة الاقتران([46])، وإن كانت هذه الدلالة ينتابها الاحتمال فالله صرح بذلك في قوله جل شأنه: ﴿وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لَّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾([47])، فـحال “ما” في السماء كحال “ما” في الأرض مسخّر لهذا الإنسان، والمتعاطفات هنا من قبيل المفردات فلا يمكن من استغناء إحداهما عن قيد “لكم”، ومكن له أن يجوز آفاقها بحثا عما يحقق طموحه العلمي بالإضافة إلى منافعة المادية ما لم يفسد فيها، والله تعالى جعل من غايات بقاء الإنسان في هذه استعمار الكون قال تعالى: ﴿هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ﴾([48])، والاستعمار يشمل العمارة الحسية والمعنوية، وكذا الاستفادة العلمية تتنقل الناظر في مسرح هذا الكون إلى إدراك صفات صانعه، والإسلام لا يسبح في عالم الخيال، فلا يطوي صفحة حاجات الناس بل يأمرهم بالتنقيب في خزائن الكون تلبية لتلك الحاجات، فهو يباين الرهبانية التي لبست أثواب الديانات الهندوسية والنصرانية([49]) وغيرها، وذلك من واقعية الدين، لكن ذلك لا تحقق فوائده المرجوة إلا باستحضار كفاية خيرات الأرض؛ لأن الإنسان قد يبالغ في استلال ما يستطيعه متصورا جذب الخيرات فلا تفي بالمتطلبات.
  • خيرات الأرض كافية: ثمّ تصرفات قام بها ذوو المطامع المادية بحثا عن موارد أخرى؛ لأنهم يخشون من أن تتقلص دائرة، ونشأت تصورات متعددة عندهم منها التصور الذي تبناه مالتوس وسار على ركبه أتباعه، وهو أن الموارد لا تفي بحاجات البشر جميعا، إذ الموارد تزيد بمتواليات عددية (1، 2، 3، 4، 5، وهكذا)، بينما السكان يزدادون بمتواليات هندسية (1، 2، 4، 8، 16، وهكذا) ([50])، مع أن النصوص الشرعية قررت بصورة واضحة أن الخيرات المسكنة في الأرض من السماء، قال تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ﴾([51])، وإذا كان قدر الماء كافيا فقدر الأقوات يفي بحاجات البشر، فالله تعالى يقول: ﴿ وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ﴾([52])، وتقديره جلَّ شأنه بقدر معلوم ﴿ إِنَّا كُلّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾([53]) كيف لا وهو الحكيم العليم، وهذه هي مقدمة كثير مِمَّن ينادون بالأزمة السكانية وعلاج انفجارهم فيما يقولون ـ وهذا لا يقلص دائرة النشاط الإنساني في الاستفادة من الأرض، وَإِنَّمَا يلجمه بلجام يقوده إلى التعامل معها فلا تعاني منه البشرية.
  • صلاح الأرض: خلق الله الأرض صالحة لا يشوبها فساد، ولهذا ورد في سياق النهي عن الفساد تأكيد صلاحها فقال تعالى: ﴿بَعدَ إِصْلاَحِهَا﴾ في موطنين بالأعراف، ولا تقوى المخلوقات البسيطة التي فيها على إفسادها؛ لأنّ الله سيرها بما يتلاءم مع البيئة، بحيث تنتفع من البيئة منه وينال حظه من الانتفاع منها، حتى النباتات التي لا تعمل فيها يد الإنسان تأخذ من تربة الأرض وتعوضها تعويضا عادلا، بحيث لا ينقص ذرة من المواد العضوية بتلك التربة لسنّة التبادل بين هذه الكائنات، وهكذا بالنسبة للحيوان فكل شيء خلق بقدر، وكلّ نبات أثمر ثمرا موزونا، وكلمة الصلاح هنا تخط أنامل العقول والعلوم بشتى أنواعها حروف شرحها ولا توفيها حقها؛ لأنَّ الصلاح يشمل ذرات التربة والحجارة والنبات والطبقات الجوية وغيرها، وجميع ذلك لا تمحى مظاهر صلاحه إلا بفساد الإنسان، ولا يقتصر فساده على موطن سكناه، بل تئن من وطأته أسماك البحر ﴿ ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾([54])، والنقطة التي تليه تزيده توضيحا.
  • حرمة الأرض جميعا: تؤكد الدلائل الشرعية أن لأيّ أرض حرمة حتى أرض العدوّ حتى عند اشتداد لهيب المعارك، ولهذا لا يسوغ طمس معالمها ولا تدنيس خيراتها، ولهذا قال الصديق t: “ولا تغرقوا نخلا ولا تحرقوا زرعا ولا تجسدوا بهيمة ولا تقطعوا شجرة مثمرة” كما سبق…، في وصيّة الإمام الصلت بن مالك ما يستوقف القارئ حتى أنه ليخال في تأصيل قانوني دقيق لحقوق الناكثين للعهد لا في مقام كلام قائد يسعى لإلهاب حماس جنده لشنّ الغارة عليهم([55])، وقد نص الفقهاء على أن حيوانات العدو لا تتلف إِلاَّ لضرورة، وهو مستق من حديث: «لا يقتل حيوان إلا لِمأكلة» وكذا بالنسبة للنبات، أمّا إن اقتضى الأمر ذلك فلا حرج فيه، وهو ما صرح به قوله جلّ شأنه: ﴿مَا قَطَعْتُم مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ ﴾([56])، فيجوز ما يخزي الفاسقين، وما مدلولها هل خاصة بالمشركين؛ لأن كلمة التوحيد جنة تقي أموالهم السلب والغنيمة، لكن إن اقتضته ضرورة لا محيص عنها ساغ، والله أعلم، لا غير، وبهذا يباين التصور الإسلامي النظرات الرأسمالية التي تلقي نفاياتها في الدول الفقيرة فتتجرع غصصها، وتنشب الأمراض فيها مخالبها، وفي أوقات الحروب حدث ولا حرج، إذ تبيح الأرض كلّها بلا ضمير.
  • دقَّة نظام الطبيعة: جعل الله الطبيعة التي خلق الكون عليها متصفة بالتوازن بين مواردها ونفقاتها ـ إن صح التعبير ـ فلهذا لا يغلب جانب منها على حساب غيره، ولهذا قصة الأجناس وتزايدها إنما يكون وفق حكمة دقيقة لا تخرق هذا الناموس، ولهذا يقول: ﴿وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كلّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ﴾([57]) عجائب التربة وما بعدها، بل لا يقتصر الأمر على الأحوال الطبيعية بل البرق الذي يأخذ البصر وقد يحرق المدن يجود بالنيتروجين على حسب احتياج المناطق بدقة أبدعها الحكيم الخبير، فجاءت في تلافيف البرق المرعب، وكون الطبيعة بهذه الدقة العجيبة لابد أن يقف العالم بجميع تخصصات ذويه وقوف التلميذ أمام التربة ودقة نظامها والبرق وأهدافه، والنبات وأسراره حتى يأخذ تصوره من مصدر معتبر، ويحاول أن يساير النظام الكوني في تعامله معه([58])، وقد أجاد المحقق الخليلي حينما قال:

     فكانت جميع الكائنات   مصاحفا           لهم تهب السر المصون المكتما([59])

  • التعلم من الحيوان: ولا يقف الأمر عند التعلم من الجمادات في نظامها، وَإِنَّمَا يقف العالِم فضلا عن من دونه وقوف الطالب أمام فلاسفة الحيوان، وهذا المعنى صوره الله تعالى حينما قال: ﴿فَبَعَثَ اللّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ﴾([60])، وإن كانت الآية جمعت بين ذمّ الابن على تمرغه في أوحال الدم، لكنها لم تنتقد الاستفادة من الغراب، بل الشريعة أوجبت مواراة الأموات تحت الترب، بل قد يقال بأنّ الآية أشارت إلى علة المواراة، وهي وجود السوءات أينما كانت، والدفن مظهر واحد من مظاهر المواراة، وهذا الدفن يكون لفضلات الإنسان كما في الكلام عن النظافة، وهذا منهج يسير عليه القط… لكن إن أدى ذلك الدفن إلى مفسدة طهرت الأرض منها، كما هو الحال في بعض المواد الكيماوية…
  • حماية الأجناس: دلّت الشريعة الربانية على حماية الأجناس، ولهذا جاء الأمر الرباني لنوح u في وقت احولكت فيه الظلمات واستحكمت فيه حلقات الشدائد، فالله تعالى يصوّر ذلك عندما قال: ﴿ حَتَّى إِذَا جَاء أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِن كلّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ﴾([61])، ﴿فَإِذَا جَاء أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا مِن كلّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ﴾([62])”، فنوح u في وقت عصيب بين سخرية قومه وانتظار الطوفان يصنع سفينة السلامة بأمر ربه، والاضطهاد النفسي يعمل عمله في نفسه، ولهذا نوح لا بد أن يكيف السفينة تتسع لهذا الكم الهائل من الحيوانات، فشتان بين سفينة تكفي لعدد قليل من المؤمنين بنصّ آي الذكر الحكيم وبين أخرى تضمّ بين جنباتها أجناس الحيوانات جميعا، ومع ذلك فنوح مخاطب شرعا بأن يجمع تلك الأجناس جميعا بحيث إن وجد حمارا ولم يجد أنثاه “الأتان” وجب عليه البحث عنها، وهذا الحكم ينسحب على جميع الحيوان؛ لأنَّ الأمر “اِحمِل” يستلزم البحث و”ما لا يتم الواجب إلاّ به فهو واجب” على أنه مخاطب بحمل ما تحتاجه من شراب وطعام؛ لأن الأمر يتطلب فعل ما لا تحقق غاية الأمر إلاّ به، وهنا لا تتحقق غاية الفعل إلا باتخاذ وسائل سلامة تلك الحيوانات حتى تصل بر الأمان بسلام، ومن ذلك اتخاذ الحواجر بين الحيوانات المفترسة وما تفترسه من حيوانات… حفظ الجنس الأعلى إنما يفعل ذلك الذين لا يعلمون، وقد ذكر العلامة محمَّد بن الحواري قصَّة تشد الناظر، وخلاصتها: أن بعض السفهاء في جيش أبي مروان حرَقوا دورا لبني الجلندى فاضطرمت النيران فيها، وفي الدور دواب من البقر وغيرها فندب أحد الجنود نفسه لإنقاذ الدواب، فكان يبل ثوبه وبدنه بالماء ثمّ يجتاز مهالك النيران ليقطع حبال الدواب حتى تنجوا بنفسها([63])، ولم يذكر أن أحدا من أهل العلم أنكر فعله، مع أنّ الذي خط بيراعه هذه القصة من أهل العلم، ولم ينكر هذا التصرّف، وَإِنَّمَا أنكر ما رآه يخدش صرح الدين من التعدي بحرق البيوت بعد هزيمة عدوهم، فإذا ساغ إنقاذ نفس الحيوان بتعريض صاحبه لبعض المخاطر ـ مع اتخاذ كافة الوسائل للسلامة ـ فكيف بما هو دون ذلك؟
  • ·     العضّ بالنواجذ على القواعد العلمية: وهو من أهم أركان الاستخلاف، ولهذا بعد آية الاستخلاف ذكر الله تفضيل آدم على الملائكة بتمكينه له من ناصية العلوم، فقال تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * قَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ * قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَآئِهِمْ فَلَمَّا أَنبَأَهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ﴾([64]) ، ﴿ وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ ﴾([65])، والعلم لا يقتصر على مدلولات الأسماء فقط، وإنما معرفة الوسائل ومعرفة ما نتائجها وأضرارها. 
  • فقه البدائل: بما أن الله خلق للإنسان ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه فقد يسر له سبل البدائل المتاحة، وقد كان القرآن الكريم والسنة المطهرة على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى التسليم يفتحان العقل على أسرار الكون، ويمخران به عباب مكوناته، فإذا لم تنفع بعض المواد في حل أمر ما فثمة مواد تحقق المبتغى ولا ترتب أضرارا عليها.
  • النظافة: مكون أساسي في الدين له أبعاده العقدية بالإضافة إلى البعد الفقهي، فتعبدنا بتطهير بيوت الله تعالى، وقام خليل الرحمن إبراهيم u بهذه المهمة بنفسه خير قيام، فالله تعالى يخاطبه بقوله: ﴿أَن لَّا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾([66])، وإذا كان الله اختار ذلك لخليله u فلا شكّ في قداسة هذه المهمة، وشاركه في هذه الوظيفة المقدسة ابنه الذبيح إسماعيل ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾([67])، بل كان ينذر بعض الأتقياء بتقريب أبنائهم قربانا لخدمة بيوت الله تعالى بما يشمل نظافتها، وبذلك ديننا يباين التصورات الدينية التي تعد الطهارة جرما لا يتدنس العابد به، وبذلك ناقض دينهم فطرة الله التي فطر الناس عليها، وهي على أقسام: طهارة البدن… وغيرها. والشريعة عالجت مظاهر البيئة، وأهم بداية ننظرها نجد أن الشريعة أمرت بالنظافة وحثت عليها، فالمؤمن لابد أن يكون نظيفا متصفا بالنظافة في نفسه متصفا بها في ثوبه، متصفا بها في بيته متصفا بها في مكان صلاته وفي عبادته ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ…﴾([68])، فالطهارة أساس للمؤمن «إن الله جميل يحب الجمال طيب يحب الطيب»، فلابد من الاتصاف بالنظافة في كلّ شيء، وهذا يطهر الإنسان ويمنع انتشار الأوبئة والأمراض، قال الشيخ سليمان باشا الباروني في وصيّته للحجاج: “…واعتنوا بالنظافة في مأكلكم ومشربكم وملبسكم ومسكنكم وأبدانكم؛ فإنّ في ذلك وقاية من الأمراض بإذن الله و«النظافة من الإيمان»، ولأنفسكم عليكم حق فحافظوها من كلّ ما يعود عليها بالضرر، ولا أضرّ من الأوساخ… والله الواقي”([69])، فهذه الأخلاق تشكّل سياج التعامل مع الطهارة الحسية والمعنوية في وطنه وفي غيره لا سيما في أماكن الزحام. وقد نصّ الشيخ الشماخي على صورة مشرقة لمجتمع يراعي النظافة ويجسدها في واقع حياته، فقد قال عن منطقة “تَجديت”: “ودخلها ـ أي تجديت ـ عامل لصنهاجة ورأى كثرة العزَّابة وكثرة الخلق وضيق الموضع فاعتقد أنهم يدنسون وجه الأرض بالخلاء والسماد، فدار فيها وحولها فلم يظفر بشيء مِمَّا تكرهه عينه وتعابه نفسه، فقال ـ ومدّ يده بسيفه ـ: “ما يخاف الناس إلاّ من هذا أو من الله، فهذا ـ يعني السيف ـ ليس هذا موضعه، وما منعهم من ذلك إلا خوف الله”، وكانوا يحفرون ويدفنون حاجاتهم، ومن أدبهم التبعد والحفر والدفن”([70])، وأتبع ذلك بتجنب دخول جنات الآخرين المحاطة، وبعمق الحفرة التي تستخدم لقضاء الحاجة حتى لا تنفذ منها رائحة تؤذي القاعد، وقال: “ورائحته تضرّ البواسير”، ولا أعرف تحقق ذلك من الناحية العلمية من عدمه لكنه نظر عميق إلى الطهارة ـ طهارة التربة وطهارة الجوّ حتى لا يكدر صفاءه بتلك الرائحة ـ وأهميتها، وقد سبق بيان أن الدفن وسيلة من وسائل مواراة السوءات، وقد أدرك الفقهاء أهمية النظافة، فلهذا قال الربيع بكراهية الاستنجاء في النهر، وكره بشير البصق فيه، وذلك من أجل المحافظة على طهارة النهر ونقائه، وقال عمر بن المفضل: رأيتُ بعض الناس لا يلفظ الماء الذي يتمضمض به في الفلج([71])، وإذا كان الاستنجاء والبصق والتمضمض مِمَّا يذكر صفاء الفلج (النهر الصغير) فكيف بما ينجسه حقيقة أو يدنسه بمواد مضرّة، وقرر الفقهاء أهمية تنظيف مجرى الفلج نفسه، حتى أنهم اشترطوا على من ملك أرضين بينهما جدول مياه إن شيّد بناء فوقه لا بد أن يترك سعة لدخول من يقوم بتنقيته من شوائبه.
  • تقديس مهمة التطهير: ليست هذه المهمة مُحتقرة في دين الله تعالى، بل هي وظيفة مقدّسة نيطت بأنبياء الله تعالى وأوليائه، وهذا يباين التصور القابع على كثير من الأذهان بحقارة هذه المهام حتى ينظر إلى ذويها نظر ازدراء واحتقار، ولذلك أثر بالغ على العامل في هذا الحقل، إذ يطير صاحب هذه الوظيفة فرحا بنيل الثواب منها قبل حضوته بنيل أجرته في التصور الإسلامي، ولهذا يخلص لمهمته ولا يكبل تفكيره فيها بقيود الضيق الذي يحاصر فكره دون الإبداع، ويسوقه للبحث عن فرص للانتقال.
  • اعتبار الجمال في الطبيعة: أكدت الله تعالى في صفحات كتابه أن الكون خلق في أبدع صورة جمالية، فالله تعالى ذكر الإنسان فقال فيه: ﴿ يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ﴾([72]) ، وقال في النجوم: ﴿ إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاء الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ﴾([73])، وهذا الجمال يملّ الحيوان الأعجم فيقول فيه جلّ شأنه بعد ذكر خلق الأنعام وهي أكثر الحيوانات تعاملا مع الإنسان: ﴿ وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ﴾، وأكد في السياق ذاته أن الزينة غاية من غايات الخلق فقال بعد ذلك: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾([74])، والجبال تعددت ألوانها لهذه الغاية ذاتها بالإضافة إلى أنها مظهر من مظاهر إبداع الله في صنعه فالتنوع آية من آياته: ﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ ﴾([75])، وهذا الجمال يشمل ذرات الأرض فالله تعالى يقول: ﴿ إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا﴾([76])؛ لأنَّ “ما” الموصولة هنا([77]) من صيغ العموم، وهذه الزينة مربوطة بالابتلاء ﴿ لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ﴾([78])، فأداء حقها واجب ديني، ومراعاة أصل الجمال مطلوب، ومن ينظر يبحث عن الجمال، وكثير من الناس لا ينشد الجمال في الطبيعة ويتصور جمال سكناه أو مكتبه أو غيره عندما يباين الطبيعة الأصلية التي خلقت عليها تلك الأشياء، ولهذا قد يطمس معالمها بسوء صنيعه معها، والجمال يدفع الناس إلى المحافظة على مكونات الجمال الذي أبدعه الله تعالى، وعلى تنوعه إذ ذاته يعد مظهرا تتجلى فيه الإبداع الرباني حسب طاقة العقل البشري في الإدراك، وذلك كله يدفع الإنسان إلى أن يشد يدا حتى بذلك الجمال، ولكن الجمال وإن كان مقصدا ـ لاسيما إن اعتبر أن “زينة” في قوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا﴾([79]) مفعولا لأجله كما احتمله علماء الإعراب([80]) ـ لا يسوغ أن يحول دون انتفاع الناس بخيرات الأرض بدعوى حفظ الجمال، وإن سعت بعض الدول للمحافظة على تراثها بأن تَمنع أهل تلك المناطق من تشييد بنائهم الذي يملكونه من جديد، وأصحاب تلك الأملاك يتضررون، ولهذا إن أرادت الحكومات ذلك فعليها بالتعويض المجزئ حتى يرتفع الضرر، ومقصد الجمال لا يمكن أن يعود على مقصد الانتفاع بالإبطال.

لم تقتصر القواعد الشرعية التي استنشقت عبق النصوص على مجال التأثير النفسي العاطفي أو جاوزت ذلك لتصحح مهيع العقل في النظر إلى البيئة، بل أوجدت المقدمات التي تصحح مسلكه في التطبيق أيضا، وهنا أسطر بعض المقدمات الفقهية التي أشارت إليها نصوص الشرعية، وأوجزها في الآتي:

  • الربط بالقواعد الأصولية: من المعلوم بأن البناء الفقهي يبنى صرحه على القواعد الأصولية، ولهذا إذا نظرنا إلى القواعد الأصولية تجلى لنا أثرها في تسيير دفة فقه البيئة، ولهذا نجد من القواعد الأصولية المحورية قاعدة سدّ الذرائع، وهو من قواعد الاحتياط المهمة، فإذا كان يوصل في نهاية أمره إلى المفاسد نهى الشارع عنه.
  • فتح أبواب الاجتهاد في الحفاظ على البيئة: أحكم الله كتابه ﴿الَر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾([81])، ومن ضمن مظاهر إحكامه جلَّ وعلا لكتابه أن جعله مشتملا على أوجه متعددة للدلالة، وكثير من تفاصيل الأحكام لم ينصّ عليها كتابه جلّ وعلا ولا سنّة نبيه صلعم، وَإِنَّمَا أحيلت إلى أولي الأمر ليمعنوا النظر فيها، وكما قرر الفقهاء أن “تصرف الإمام على الرعية منوط بالمصلحة“([82])، والظاهر أن القاعدة لا يُمكن أن تقصر على الإمام بمفرده؛ لأنَّ إدارة الدولة لاسيما في هذه الآونة يتعذر أن تدار الحكومات إلاّ بجهاز إداري يقوى على تحمل الأمانة المنوطة على كاهله، فتدخل في ذلك قرارات الجهات التشريعية والتنفيذية جميعا ما دامت ميممة تجاه المصالح المعتبرة شرعا.
  • قوانين الشريعة تملك ناصية القلوب قبل الجوارح فتستطيع أن تسيرها كما قدمنا، وإذا تملكت القلوب تبعتها الجوارح، ومن ينظر في السور المكية ـ والقرآن كله شفاء ـ يجدها معنية بالدرجة الأولى بتصفية القلب من الشوائب، بينما القوانين الأخرى فقوتها بقوة صولجان دُوَلِها، فإذا ضعفت رقابة الأجهزة الإدارية أو زالت هيبتها تبخرت قوانينها التطبيقية، وإن بقت مرسومة في دفاترها، ولهذا نجد كثيرا من الدول الغربية ـ مع أن قوانينها تمنع الجناية على البيئة ـ تسعى للتخلص من نفاياتها في دول أخرى لا قوانينها لا تجرم ذلك، أو لا سلطة لها على تطبيق قوانينها على الدول القوية، مع أن التخلص من النفايات برميها في الدول الأخرى ممنوع دوليا، وبذلك يجمع بين امتصاص خيرات تلك الدول من ناحية وطمس مقومات الحياة فيها بإفساد بيئتها من ناحية أخرى، وإذا كانت الدول المطالبة بفرض النظام العالمي الوحيد تسعى للتخلص من قبض هذا النظم نفسه عندما تراه يكبل مصالحها الشخصية، وهذه صورة فضيعة من صور الأنانية الممنوعة في الإسلام، وقد تقدم أن الإسلام يحرم الفساد حتى في أرض العدو إبان الحرب، فكيف بتعاليمه حال السلم؟ وهذا كما يكون في الدول يكون في الأفراد من باب أولى فمن لم يستشعر المراقبة، وقصة عامل صنهاجة مع أهلِ “تجديت” تؤكد ما نقوله، وفي مقابل ذلك صور معاكسة لكثير من المعاصرين الذين يتساهلون في أنظمة الصرف الصحّي وغيره وحاجة المجتمع ماسّة إلى مثل تلك الأنظمة.
  • القانون لا يجرّم إلا وفق مادة منصوص عليها، بينما الإسلام يجرم وإن لم توجد مادة منصوصة واضحة مباشرة، وَإِنَّمَا يجرم لأن كلّ من انضوى تحت محرم ينطبق عليه حكمه، ولذلك قال الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز t: “تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من فجور”([83])، ولهذا إن ابتكرت وسيلة تطمس بها خيرات البيئة ففي القانون الوضعي يبارك فعل المجرم إلى صدور قانون المنع المجرم للفاعل.
  • إنشاء المحميات الطبيعية: جاءت النظرة التشريعية لصيانة الإنسان وما يحتاجه، فلذا أنشأت ما يمكن أن يسمى بـ”المحميات الطبيعية”، وذلك في مكة المكرمة والمدينة المنورة، وقد نصّ القرآن على بعض صور المنع، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاء مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ…﴾([84])، وأكّد هذا المعنى حديث المصطفى صلعم يوم فتح مكة: «إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السموات والأرض فهو حرام بحرمة الله، لا يعضد شوكه ولا ينفر صيده ولا يلتقط لقطته إلا من عرفها، ولا يختلى خلاه». فقال العباس: يا رسول الله، إلا الإذخر فإنّه لقينهم ولبيوتهم. قال: «إلاّ الإذخر»([85])، وفي رواية: «ولا يعضد شجرها، ولا تشرع فيها الأسنة»، وقد نصّ القرآن على حرمة مكة في ذلك: ﴿ وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاء الْكَافِرِينَ﴾([86])، ودلّت السنة النبوية على لحوق حكم المدينة بمكة بروايات متعددة، بل منعت حمل السلاح فيها لقتال، وإن كانت تلك المحميات تختلف في غايتها عمّا ابتكرته عقول أهل هذا الزمان، لكن يجمع بينهما الصيانة لذلك المكان، ولا أعلم قبل الإسلام وجود محميات لغايات شريفة، وَإِنَّمَا الذي اطلعت عليه وجود محميات مقصورات على أفراد يستأثرون بخيرات الله في أرض الله، مع أن النبيّ صلعم قرر أن الناس شركاء في ثلاثة، ومن مَحمياتهم قصر الأرض على قبيلة معينة، وهو أمر له اعتباره الشرعي بخلاف الأول، لكن لا يشبه ما نحن بصدد الحديث عنه، والمحميتان يتباين حكمهما الشرعي في بعض الجوانب كما بينه أهل العلم، لاسيما في الجزاء عند بعض الفقهاء، وتحريم الحرمين ليس تحريما اجتهاديا وإنما هو تحريم نصي، فلا يتغير بتغير الزمان، وعلى العموم حرم العضد، وحمل السلاح، ولو أبيح أكل صيد الحرم وعضد شجره لَما قامت لبيئته قائمة؛ إذ ستتلف كلّ مكوناتها لكثرة المرتادين في الحج والعمرة، لكن هل يمكن للحاكم إقامة مَحميات أخرى حذرا من الفساد بشتى أنواعه كمنع قطع شجرها أو صيدها منعا مطلقا، أو مقيدا بوقت أو نوع أو ما شاكل ذلك؟ الظاهر جواز ذلك إن كان مبنيا على مصلحة؛ لأن “تصرف الإمام على الرعية منوط بالمصلحة“، لكن لا يكون قانوناً دائماً، وَإِنَّمَا تراعى فيه الأحوال والظروف فقد يغيره الحاكم نفسه، وقد أنشأ عمر بن الخطاب t بعض المحميات لخدمة بعض المصالح العامة، وجعلها كلأ للفقراء دون الأغنياء، فجاء في وصيته لِمن استعمله على الحمى: “…وأدخل ربّ الصريمة ورب الغنيمة وإياي ونعم ابن عفان وابن عوف فإنهما إن تهلك ماشيتهما يرجعان إلى المدينة إلى زرع ونخل، وإن ربّ الصريمة والغنيمة إن تهلك ماشيته يأتني ببنيه فيقول: يا أمير المؤمنين يا أمير المؤمنين، أفتاركهم أنا لا أبا لك، فالماء والكلأ أيسر عليّ من الذهب والورق…”([87])، ومنع رعي ماشية الأغنياء، وسمّى عثمان وعبد الرحمن بن عوف ليظهر بكلّ وضوح أن المنع إنما هو لمصلحة المحتاجين.
  •  قاعدة تقييد المباح: نصّ العلماء على أن للحاكم صلاحية تقييد المباح، والظاهر والله أعلم أن بعض صور هذه المسألة ينبغي أن يعاد فيها النظر، إذ هل يبقى وصف الإباحة ساري المفعول فيها بعد تحقق ضررها المادي أو المعنوي، ووليّ الأمر ـ وتدخل الجهات التشريعية والتنفيذية في هذا المدلول ـ محتسب ينظر في المصالح ويسعى لدفع المفاسد، وثم صور أخرى هي تقييد فعلي للمباح، وإن كانت مرتبطة بوجه أو آخر بالمصالح أيضا، وهذا التقييد من شرطه أن لا يعود على أصل الإباحة بالإبطال وأن لا تكون الإباحة في الفرد المقيد من تشتد حاجة الناس إليه، وثمّ شروط لا بد من اعتبارها، فمثلا دلّ الدليل الشرعي على إباحة الصيد، وهو ما نصّ عليه قوله تعالى: ﴿ أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِيَ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴾([88])، إلا أن الصيد قد يجاوز حدود الاعتدال، ويكون أداة إفساد يختل بها التوازن الطبيعي… الصيد الجائر كثير من الناس يستخدمونه استخداماً سيئاً، حتى أن ذلك يقودهم إلى صيد آلاف الأطنان من الأسماك وكثير منها صغير الحجم، حتى أن الناس لا يستخدمونه في أكلهم فترمى تلك الأطنان الهائلة بسبب أن تلك الشباك صغيرة جداً لا يمكن أن يخرج منها إلا الصغير، وهذا ظلم لا يجوز وإسراف محرم مقيت يؤدِّي إلى تقليل ثروات الله تعالى التي منّ بها على خلقه، ويؤدِّي إلى الإضرار بالآخرين، ومن المعلوم شرعاً أنّ الضرر بالآخرين لا يجوز، وقد ترمى ـ كما سمعت من بعض الأخوة المعايشين لهذا الأمر ـ في الشبك الواحد ما يصل إلى طنين، وهذان الطنان في هذا الوقت يصلان إلى هذا المقدار، وإذا امتدت المدة فتلك الأسماك تكبر، وربما بعد أربعة أشهر أو خمسة أشهر عندما يحين وقت صيدها كانت ستبلغ ما يربو على عشرة أطنان أو ما يقارب ذلك، والأدهى والأمر أن بعض الشركات الكبيرة تصيد نوعاً معينا من السمك عندما تراه مجتمعاً، ثمّ إذا ذهبت ومعها ذلك الصيد وقد مات كله رأت سمكاً أغلى ثمناً منه ألقت السابق من مَخازنها حتى تتسع المخازن للصيد الجديد الذي هو أغلى ثَمناً، وبذلك ترمى أطنان من السمك، وفي كلّ ذلك ضرر لا يخفى، وبذلك يضيع التوازن البيئي الذي منّ الله تعالى به على خلقه في هذا الوجود، إذ جعل لكل حيوان ما يقابله حتى يبقى التوازن ﴿إِنَّا كُلّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾([89]).
  •  وإذا تدخل الإنسان وغلّب جانباً من الجوانب فذلك يؤدِّي إلى اختلال هذه الموازنة، وضياع المنهج الذي سنه الله تعالى لهذا الكون، وتلك الشباك من الشباك المحرمة دولياً أو الممنوعة دولياً، أخبرني أهل منطقة مُحُوت عن معاناة عظيمة يقاسيها أهلها بسبب ذلك الإفساد.
  • الأمر بالحجر الصحِّي: أنشأ الإسلام المجتمع المغلق عندما تستشري الأدواء والأسقام في بعض المناطق، ولهذا قال النبيّ صلعم: «فرّ من المجذوم فرارك من الأسد»، وقال صلعم: «لا يرد هام على مصحّ»، وهذه صورة مشرقة من صور الوقاية البيئية حتى لا تنتشر الأمراض في البيئات الأخرى، وأصرح من ذلك حديث الطاعون عندما قال صلعم: «إذ نزل الطاعون بأرض فلا تدخلوها، وإذ نزل بأرض وأنتم فيها فلا تخرجوا منها»، وذلك من أجل صيانة البيئات الأخرى عن انتشار هذه الأوبئة والأمراض التي تؤدي إلى الفساد في الأرض، وهذا لا يقتصر على الأمراض البشرية فحسب، بل قد يلحق بها قياسا ـ بالإضافة إلى العمومات ـ ما إذا انتشرت أوبئة في تربة أرض، أو في أشجارها، صغيرة أو كبيرة، فيمتنع استيرادها أو استيراد بذورها ـ إن كان المرض ينتشر بها ـ حتى لا تنتشر عدواها.
  • التوازن بين المصالح: في كلّ تصرف من التصرفات حتى تسير سفينة الحياة وهي تنتقل من حسن إلى أحسن، واعتبار المصالح ليس بالنظرة الفردية وَإِنَّمَا بالنظر في مصلحة البشرية كلها.

الخاتمة:

بعد التطواف السريع في حدائق القواعد الشرعية الحامية للبيئة، والحافظة لها لعلّ من المناسب أن أسطّر بعد الاقتراحات العملية التي تقلّل الفساد في الأرض، وإليك أهمها:

1.   أن علاج البيئة لا يتمّ إلاّ بنظرة الدين، فلا يمكن فصل البيئة ومحاولة علاجها دون نظر في الأدلة الشرعية؛ لأنَّ ذلك يؤدِّي في النهاية إلى الخصام الوهمي النكد بين الدين والعلم.

2.   بثّ المقدمات الدينية التي تعالج البيئة في وسائل الإعلام المختلفة حتى يتقرب العباد إلى الله بصيانة بيئتهم، والعبادة أقوى عظة تمكن من حسن التطبيق.

3.   منع التدخين كلية لصيانة الهواء من التلوث، وحفظ النفوس من الأسقام.

هذا ما أردت تبينه فإن يك صوابا فمن الله وله الحمد عليه، وإن يك بخلاف ذلك فمن نفسي ومن الشيطان، وما أبريء نفسي إن النفس لأمارة بالسوء، وأستغفر الله وأتوب إليه، وأسأله جلَّ وعلا التوفيق لصالح العمل وصادق القول.

وصل اللهم وسلم على سيدنا محمَّد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

المراجع:

  1. ابن حجر، أحمد بن علي العسقلاني، فتح الباري (بيروت: دار المعرفة، 1379هـ).
  2. ابن حزم، علي، الفصل في الملل والأهواء والنحل (القاهرة: مكتبة الخانجي، د. ت).
  3. ابن عاشور، محمَّد الطاهر، التحرير والتنوير (بيروت: مؤسسة التاريخ، طبعة جديدة، 1420هـ 2000م).
  4. ابن منظور، محمَّد بن مكرم، لسان العرب (بيروت: دار صادر، ط1).
  5. أبو الحواري، محمَّد بن الحواري، جامع أبي الحواري، (سلطنة عمان: وزارة التراث القومي والثقافة، 1405هـ 1985م).
  6. الباجي، المنتقى (المكتبة الشاملة).
  7. الجرجاني، علي بن محمَّد، التعريفات، تحقيق إبراهيم الأبياري (بيروت: دار الكتاب العربي، ط1، 1405هـ).
  8. الحسيني، محمَّد، البيئة (بيروت: مؤسسة الوعي الإسلامي، ط1، 1420هـ 2000).
  9. الخليلي، أحمد بن حمد، البعد السياسي للفقر.

10.  الخليلي، أحمد بن حمد، جواهر التفسير (مكتبة الاستقامة، 1409هـ 1988م).

11. الخليلي، سعيد بن خلفان، ديوان الشيخ سعيد بن خلفان الخليلي، تحقيق: عادل المطاعني (عمان: مؤسسة الوراق للنشر والتوزيع، ط1، 1414هـ 2003م).

12.  الدرجيني، أحمد بن سعيد، طبقات المشائخ بالمغرب، تحقيق: إبراهيم طلاي (دون بيانات).

13. رسالة للشيخ سليمان باشا الباروني إلى الشيخ سالم بن محمَّد الرواحي مؤرخة في 4 شوال 1347هـ متضمنة نصائحه للحجاج.

14.  الزمخشري، محمود، الكشاف (الأسكندرية: دار الريان للتراث، ط3، 1407هـ-1987م).

15.  السالمي، عبد الله بن حميد، تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان (مكتبة الاستقامة، د.ط، د.ت).

16.  السالمي، عبد الله بن حميد، شرح مسند الإمام الربيع.

17. السالمي، عبد الله بن حميد، معارج الآمال على مدارج الكمال، تحقيق: الحاج سليمان بابزيز وآخرين (سلطنة عمان، لبنان: مكتبة الإمام السالمي، دار الراشد، ط1، 2008م).

18. السالوس، على أحمد، الاقتصاد الإسلامي والقضايا الفقهية المعاصرة (الدوحة: دار الثقافة، مؤسسة الريان، ط1، 1416هـ 1996م).

19.  السبكي، علي بن عبد الكافي، فتاوى السبكي، (المكتبة الشاملة).

20.  الشقصي، خميس بن سعيد، منهج الطالبين وبلاغ الراغبين (سلطنة عمان: وزارة التراث القومي والثقافة).

21. الشماخي، أحمد بن سعيد، كتاب السير، تحقيق الدكتور محمَّد حسن (بيروت: دار المداد الإسلامي، ط1، 2009م).

22.  العبادي، عبد السلام، الملكية في الشريعة الإسلامية (بيروت: مؤسسة البشير، ط1، 1421هـ/ 2000م).

23.  العكبري، عبد الله بن الحسين، إملاء ما من به الرحمن (دار الفكر، إعادة 1414هـ1993م).

24. علاء الدين علي بن حسام، كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال، تحقيق: بكري حياني، صفوة السقا (مؤسسة الرسالة، ط5، 1401هـ 1981م).

25. القرافي، أحمد بن إدريس، نفائس الأصول في شرح المحصول، تحقيق:عادل أحمد وعلى محمَّد (نزار مصطفى البار، ط1، 1416هـ 195م).

26.  كلشني، مهدي، من العلم العلماني إلى العلم الديني (بيروت: دار الهادي، ط1، 1424هـ 2003م).

27.  مجلة الآن العدد السادس.

هيكل، محمَّد خير، الجهاد والقتال في السياسة الشرعية (بيروت: دار البيارق، ط1، 1414هـ1993م).


[1]) أقصد الشريعة جميع أحكام الدين العقدية والعملية والأخلاقية، لأنا كما نستقي أحكام العبادات (المحضة) والمعاملات من ينابيع كتاب الله الصافي فكذلك ننهل من نفس المعين في التصورات العقدية: ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاء وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ﴾ [الشورى: ١٣].

[2]) سورة البقرة: ١٢٧.

[3]) سورة النحل: ٢٦.

[4]) ابن منظور، محمد بن مكرم، لسان العرب (بيروت: دار صادر، ط1)، ج3 ص357.

[5]) الجرجاني، علي بن محمد، التعريفات، تحقيق إبراهيم الأبياري (بيروت: دار الكتاب العربي، ط1، 1405هـ)، ص219.

[6]) سورة الأعراف: ٨٥.

[7]) سورة البقرة: ٦٠.

[8]) سورة الإسراء: ١٦.

[9]) سورة المائدة: ٦٦.

[10]) سورة الأعراف: ٩٦.

[11]) سورة الجن: ١٦ – ١٧.

[12]) ينظر سيدي الوالد، الخليلي، أحمد بن حمد، البعد السياسي للفقر. العبادي، عبد السلام، الملكية في الشريعة الإسلامية (بيروت: مؤسسة البشير، ط1، 1421هـ 2000م)، ج1 ص93.

[13]) ينظر: الحسيني، محمد: البيئة، (بيروت: مؤسسة الوعي الإسلامي، ط1، 1420هـ 2000م)، ص224.

[14]) سورة البقرة: ١٩٠.

[15]) الدرجيني، أحمد بن سعيد: طبقات المشائخ بالمغرب، تحقيق: إبراهيم طلاي (دون بيانات)، ج1 ص101.

[16]) سورة المائدة: ٦٤.

[17]) ينظر: كلام الفقهاء: هيكل، محمد خير: الجهاد والقتال في السياسة الشرعية (بيروت: دار البيارق، ط1، 1414هـ1993م)، ج2 ص1347-1361.

[18]) أنكر أهل العلم بعضا مِمَّا وقع من ذلك. ينظر: السالمي، عبد الله بن حميد، تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان (مكتبة الاستقامة، د.ط، د.ت)، ج1 ص112-113.

[19]) سورة الأنعام: ١٦٤.

[20]) علاء الدين علي بن حسام: كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال، تحقيق: بكري حياني، صفوة السقا (مؤسسة الرسالة، ط5، 1401هـ 1981م)، برقم 11411، ج4 ص475، وفي بعض الروايات برقم 30268 وصيته لأسامة بن زيد: “ولا تذبحوا شاة ولا بقرة ولا بعيرا إلا لمأكلة”، ج10 ص 579.

[21]) سورة الحشر: 5.

[22]) الشماخي، أحمد بن سعيد، كتاب السير، تحقيق الدكتور محمد حسن (بيروت: دار المداد الإسلامي، ط1، 2009م)، ج2 ص252.

[23]) مجلة “الآن” العدد السادس، ج6 ص88.

[24]) رواه الإمام الربيع في جامعه، رقم 692.

[25]) الشقصي، خميس بن سعيد، منهج الطالبين وبلاغ الراغبين (سلطنة عمان: وزارة التراث القومي والثقافة).

[26]) السبكي، علي بن عبد الكافي، فتاوى السبكي، (المكتبة الشاملة)،ج2 ص390، وص 394 توجد تفصيلات مهمة للمسألة، وينظر: العبادي، الملكية،ج1 ص262.

[27]) استفدت هذه المعلومة من الأخ بدر… العبري

[28]) سورة البقرة: ٢١١.

[29]) كلشني، مهدي: من العلم العلماني إلى العلم الديني (بيروت: دار الهادي، ط1، 1424هـ 2003م)، ص158.

[30]) سورة الأعراف: ١٢٨.

[31]) سورة هود: ٦١.

[32]) سورة النساء: ١١٩.

[33]) سورة البقرة: ٣٠.

[34]) سورة الأعراف: ٢٥.

[35]) سورة طه: ٥٥.

[36]) سورة سبأ: ١٠.

[37]) ينظر خلاف العلماء في ذلك: ابن حجر، أحمد بن علي العسقلاني، فتح الباري (بيروت: دار المعرفة، 1379هـ)، ج6 ص87، ج7 ص378، السالمي، عبد الله بن حميد، شرح مسند الإمام الربيع.

[38]) أما وجود شيء من الشعور كالخوف والتسبيح فقد دلت عليه أي الذكر الحكيم، وقد نصّ بعض أهل العلم على تأويلها عن مدلولها، والصحيح حملها على الحقيقة، وإن كنا نجهل كيفية التسبيح، وقد ناقش سيدي الوالد كلام ابن حزم الذي أنكر فيه وجود شيء من الإدراك عند الجمادات، والصحيح خلافه. ينظر الخلاف: ابن حزم، علي، الفصل في الملل والأهواء والنحل (القاهرة: مكتبة الخانجي، د. ت)، ج1 ص71، الزمخشري، محمود: الكشاف (الإسكندرية: دار الريان للتراث، ط3، 1407هـ-1987م)، ج3، ص149، القرافي، أحمد بن إدريس، نفائس الأصول في شرح المحصول، تحقيق: عادل أحمد وعلي محمد (نزار مصطفى البار، ط1، 1416هـ 195م)، ج2 ص753، ابن عاشور، محمد الطاهر، التحرير والتنوير (بيروت: مؤسسة التاريخ، طبعة جديدة، 1420هـ/ 2000م)، ج17 ص164، الخليلي، أحمد بن حمد، جواهر التفسير (مكتبة الاستقامة، 1409هـ 1988م)، ج3 ص468-475.

[39]) الخليلي، سعيد بن خلفان، ديوان الشيخ سعيد بن خلفان الخليلي، تحقيق عادل المطاعني (عمان: مؤسسة الوراق للنشر والتوزيع، ط1، 1414هـ 2003م)، ص52.

[40]) سورة الذاريات: 20-21.

[41]) سورة البقرة: 163.

[42]) سورة البقرة: 164.

[43]) سورة البقرة: ٢٩.

[44]) استشكل ظاهر الآية لأنه يشعر بالعموم مع أن كثيرا مِمَّا في الأرض يعد مهلكا للإنسان، إلا أن هذا الإشكال سرعان ما تنقشع غيمته حينما يعلم أن ما في الأرض يمكن أن يستغل استغلالا نافعا. ينظر في ذلك: جواهر التفسير، ج2.

[45]) سورة البقرة: ٢٩.

[46]) ص155.

[47]) سورة الجاثية: ١٣.

[48]) سورة هود: ٦١.

[49]) راجع الموسوعات في تلك الأديان.

[50]) السالوس، على أحمد: الاقتصاد الإسلامي والقضايا الفقهية المعاصرة (الدوحة: دار الثقافة، مؤسسة الريان، ط1، 1416هـ 1996م)، ص38.

[51]) سورة المؤمنون: ١٨.

[52]) سورة فصلت: ١٠.

[53]) سورة القمر: ٤٩.

[54]) سورة الروم: ٤١.

[55]) انظر الوصية…

[56]) سورة الحشر: ٥.

[57]) سورة الحجر: ١٩.

[58]) استفاد أهل العلم كثيرا من النظام الكوني بكل ما فيه، فنظام سير الطائرات والسفن والغواصات يستلهم من الطيور والأسماك وغيرها، كما لا يخفى.

[59]) الخليلي: ديوان الشيخ سعيد بن خلفان الخليلي، ص45.

[60]) سورة المائدة: ٣١.

[61]) سورة هود: ٤٠.

[62]) سورة المؤمنون: ٢٧.

[63]) أبو الحواري، محمد بن الحواري: جامع أبي الحواري، (سلطنة عمان: وزارة التراث القومي والثقافة، 1405هـ 1985م)، ج1 ص56.

[64]) سورة البقرة: ٣١ – ٣٣.

[65]) سورة البقرة: ٣٤.

[66]) سورة الحج: ٢٦.

[67]) سورة البقرة: ١٢٥.

[68]) سورة الحج: 26.

[69]) رسالة للشيخ سليمان باشا الباروني إلى الشيخ سالم بن محمد الرواحي، مؤرخة في 4 شوال 1347هـ متضمنة نصائحه للحجاج، ملحقة بآخر البحث.

[70]) الشماخي، كتاب السير، ج2 ص696.

[71]) السالمي، عبد الله بن حميد: معارج الآمال على مدارج الكمال، تحقيق: الحاج سليمان بابزيز وآخرين (سلطنة عمان، لبنان: مكتبة الإمام السالمي، دار الراشد، ط1، 2008م)، ج1.

[72]) سورة الانفطار: ٦ – ٧.

[73]) سورة الصافات: ٦.

[74]) سورة النحل: ٦، ٨.

[75]) سورة فاطر: ٢٧.

[76]) سورة الكهف: ٧.

[77]) قد تخرج “ما” الموصولة عن الدلالة العمومية، لكن السياق هنا يؤكد العموم كما لا يخفى.

[78]) سورة الكهف: ٧.

[79]) سورة الكهف: ٧.

[80]) العكبري، عبد الله بن الحسين، إملاء ما من به الرحمن (دار الفكر، إعادة 1414هـ1993م)، ص395.

[81]) سورة هود: ١.

[82]) هذه القاعدة متردد في جنبات كتب الفقه بعبارات مختلفة، كلها تصب في المصب ذاته.

[83]) انظر: الباجي: المنتقى (المكتبة الشاملة)، ج4 ص66.

[84]) سورة المائدة: ٩٥.

[85]) رواه الربيع بن حبيب، باب المواقيت والحرم، برقم 398. والبخاري باب إثم الغادر للبر والفاجر، برقم2951، واللفظ له، ومسلم باب تحريم مكة وصيدها وخلاها وشجرها ولقطتها إلا لمنشد على الدوام، برقم 2412، وكثير من علماء الحديث.

[86]) سورة البقرة: ١٩١.

[87]) رواه مالك في الموطأ، باب ما يتقى من دعوة المظلوم، برقم 3673.

[88]) سورة المائدة: ٩٦.

[89]) سورة القمر: ٤٩.

 

* ندوة تطور العلوم الفقهية فِي عمان “ الفقه الحضاري، فقه العمران”

 المنعقدة خلال الفترة: (18-21) ربيع الثاني 1431هـ / (3-6) إبريل 2010م:

سلطنة عمان- وزارة الأوقاف والشؤون الدينية 

هذه المقالة تحتوي على تعليق (1)

تعليق واحد ل “القواعد الشرعية وحماية البيئة”

  1. صالح says:

    اكثر من ممناز جزاكم الله خير الجزاء

أكتب تعليقك هنا

نرجو أن تضع المادة أسفله
الإسم
إيميل
موقع
تعليقك