النصوص الشرعية وحماية البيئة

النصوص الشرعية وحماية البيئة *

 إعداد: د. مصطفى تسيريتش 

 (مفتي عام البوسنة والهرسك)

 

 

تقديم

الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على نبيّنا محمّد المرسل رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

إنّ الله جعل مصر هبة النيل، وجعل بلاد الرافدين هبة دجلة والفرات، وجعل شبه الجزيرة العربية هبة البحار المحيطة بها، ابتداء بالبحر الأبيض المتوسط حيث يصبّ نهر النيل، ومرورا  بالبحر الأحمر فبحر العرب فالمحيط الهندي وانتهاء بالخليج العربي حيث يصب نهرا دجلة والفرات.

فمن أين تأتي هذه الأنهار الطيبة، ومن أين تأتي تلك البحار الرائعة؟ إنها في الحقيقة هدايا وهبات من الله ـ سبحانه وتعالى ـ، بل إن تلك الأنهار وتلك البحار تمثل واقعا حياتيا ملموسا في كوكبنا. ولا تنبع أهمية الماء فقط من قول قدماء العرب بأنّ الماء والخضرة والوجه الحسن، تكشف هموم الناس وتزيل أحزانهم، بل إن أهمية الماء حقيقة؛ لأنّ الله تعالى يقول في كتابه الكريم: ﴿… وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ…﴾([1])، لذا يجب على الإنسان أن يعلم أن الماء هو المفتاح لبقاء الحياة في الأرض واستمرارها إلى ما شاء الله.

في الواقع، نحن في موقف نقرأ فيه تلك الآيات القرآنية الجميلة والرائعة عما يحمله الماء لنا من جمال وقوّة، ونشأة للحياة والسعادة. فلنستمع إلى كلام الله في القرآن الكريم:

–    ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً، وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا للهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾([2]).

–    ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لآَيَات لِقَوْمٍ يَعْقِلُون﴾([3]).

–    ﴿وَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لآَيَات لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾([4]).

–    ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾([5]).

–    ﴿وَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآَيَات لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾([6]).

–           ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ﴾([7]).

–    ﴿وَالَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ. يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآَيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ. وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآَيَات لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ. وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآَيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ. وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ. وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلاً لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ. وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ. أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ. وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ. وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ. وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ. أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ. إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآَخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ. لاَ جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ. وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ. لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾([8]).

لقد جلبت انتباهكم إلى هذا الاستشهاد الطويل بالآيات القرآنية الكريمة، لكي أظهر مدى متانة صلة المسلم بالطبيعة، وأبرز الجوانب المختلفة لهذه الصلة، والتي يشكل الماء أكثر جوانبها وضوحا. فالماء في القرآن سبب حياة كل شيء، ولكنه ليس أسطورة مبتدعة، كبرعم زهرة اللوتس المضيئة عند قدماء المصريين. فالماء لم يكن يُعبَد على ذلك النحو، بل كان الإنسان يستخدمه لعبادة الله الواحد الأحد، للوضوء قبل الصلاة خمس مرات في اليوم، وللاغتسال بعد الاتصال الجنسي. والماء، بعد ذلك، يشكل جزءا لا يمكن الاستغناء عنه في الحياة الإسلامية الصحيحة، وهو بذلك، نوع من الثقافة التعبديّة عند المسلمين، التي كان لها تأثير كبير في تشكيل بنية الحضارة الإسلامية. وبعبارة بسيطة، يمكنني القول إنّ المسلمين بدون الماء، وأعني هنا الماء النظيف، لا يمكنهم أن يشعروا بالاطمئنان الذي يحتاجونه لتحقيق احتياجاتهم الأخلاقية الدينية اليومية.

ربما يعجب المرء في المنطق البشري، عندما يرى رسول الله صلعم، وهو ينشر دعوته من قلب الصحراء العربية، قد جعل من الماء ضرورة من الضرورات الدينية لأتباعه. أما المسلمون فلا يجدون في ذلك غرابة البتة؛ لأنّ تعاليم رسول الله صلعم لا تأتي منه بوصفه كائنا بشريا، بل تأتي من الله سبحانه وتعالى، على لسان رسوله. وبالتالي ، فإنّ الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم، والغيوم، والرياح، والجبال، والمطر، والأنهار، والبحار، والمحيطات، والفاكهة، وأنواع لا تحصى من المخلوقات الموجودة في الطبيعة المحيطة بنا، ليست سوى آيات جليّة لقوم يعقلون. أضف إلى ذلك، أن تلك المخلوقات قد سُخّرت لخدمة الإنسان، ولتحقيق مصالحه، إذا عرف الإنسان كيفية استخدامها لتحقيق الخير ضد الشر، ولنصرة الحقّ ضد الباطل، ومن أجل الجمال ضد القبح، ومن أجل السعادة ضد الحزن.

إنني أعتقد، أننا قد اجتمعنا في هذه البلدة الطيبة، لنسأل أنفسنا ما إذا كنا نعيش في سلام مع الطبيعة، أم أننا في حالة حرب معها؟ هل الطبيعة تخافنا، أم أننا نحن الذين نخاف الطبيعة؟ وهل أننا ماضون في تدمير الطبيعة خدمة للشر، أم أننا سنحافظ عليها من أجل الخير؟

نحن لسنا في حالة حرب مع الطبيعة؛ لأنّ الطبيعة لا تحبّ الحرب، ولكننا لسنا في سلام معها أيضا؛ لأننا نتصرف مثل الأطفال الذين يحبون اللعب بالألعاب الخطيرة، وهذا يخيف الطبيعة. إن الطبيعة في الواقع تخشى الإنسان الآن أكثر مِمَّا كان الإنسان يخاف الطبيعة في الماضي، بناء على مزاعم من يقول بأنّ الدين نشأ نتيجة خوف الإنسان من قوى الطبيعة، مفضلا تعليل ذلك بالعلم، بدلا من التعاليم الإلهية.

حسنا، ومع احترامي التام لما يقدمه العلم من تفسير لبعض تصرفات الطبيعة، فإننا ما نزال قلقين بشأن مصير مستقبل حياتنا على الأرض، ولا نزال في حالة خوف، ولكن خوفنا في هذه المرّة ليس من قوى الشرّ في الطبيعة، ولكن من قوى الشر في النفس البشرية، إننا نخاف من أن يتخذ الإنسان العلم أداة يغتصب بها دور الحياة، أو ليتلاعب بالطبيعة المسالمة. وبطبيعة الحال، فإنّ الطبيعة تعرف كيف تدافع عن روحها الطيبة ضدّ روح الشر الكامنة عند الإنسان، ولكن ثمن هذه المعركة بين الإنسان والطبيعة سوف يكون باهظا؛ لأنّ كل ما ينتجه الإنسان من نفايات في شكل مواد كيميائية سامة أو غير ذلك، يخلّ بالتوازن الذي تقيمه الطبيعة بنفاياتها الذاتية. إنني أريد القول إن نفايات الطبيعة هي في ذات الوقت غذاء ضروري للطبيعة نفسها، في حين أن النفايات التي ينتجها الإنسان عن طريق العلوم التي توصل إليها، إِنَّمَا هي سلاح فتاك مُوَجَّهٌ ضد الطبيعة.

إنّ الجنس البشري يواجه اليوم تحدّيا حاسما لم يعرف له مثيل في تاريخ كوكبنا، ويتعين اتخاذ القرار بشأن موقفنا من الطبيعة، هل سيكون معها أم ضدها، هل سيكون مع مياهها النظيفة أم مع سوائلها القذرة ، مع بحارها الزاخرة بالحياة أم مع النباتات المحتضرة، مع محيطاتها المفتوحة للإبحار أم مع فضاء لإجراء التجارب النووية، مع هوائها الصحّي أم مع الضباب والدخان الخانق.

هل لدينا فعلا خيار آخر، غير خيار العمل من أجل إنقاذ بيئتنا؟! لا، ليس لدينا خيار آخر. وربما بات الوقت متأخرا إلى حد ما، لكن الوقت لم يَفُتنا بعد لندرك أن مياه النيل ودجلة والفرات، وغيرها من الأنهار والبحار والمحيطات، التي تربط الأصقاع والقارات بعضها ببعض، تعلمنا ضرورة التواصل بين بني البشر الذين يستخدمون تلك المياه للشرب والغسيل، والإبحار، والسباحة، وهم بالتالي يستمتعون بالحياة، مِمَّا يوجب علينا جميعا أن نشكر الله سبحانه وتعالى، ربَّ السماوات والأرض وما بينهما.

إنني آمل لهذه الندوة أن توجّه رسالة واضحة للعالم أجمع بأننا جميعا نعيش في سفينة نوح، بغض النظر عن انتماءاتنا الدينية، وجنسياتنا وأعراقنا، وبغض النظر أيضا عن وجهات نظرنا الفلسفية أو السياسية، وبالتالي، إما أن ننجو جميعا، أو نهلك جميعا في كوكب الأرض.

وفي اعتقادي، إنه من الأفضل أن ننجو جميعا من أجل خير هذا العالم، حتى يكون لدينا جميعا أمل بالنجاة في الآخرة.

أسأل الله عزّ وجل أن يستجيب دعاءنا جميعا، وأن يبارك فينا أجمعين، آمين!

وصلى الله وسلّم على نبينا محمد المرسل رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.


[1]) سورة الأنبياء: 30.

[2]) سورة البقرة: 22.

[3]) سورة البقرة: 164.

[4]) سورة الأنعام: 99.

[5]) سورة يونس: 24.

[6]) سورة الرعد: 4.

[7]) سورة الحِجر: 22.

[8]) سورة النحل: 10-25.

 

* ندوة تطور العلوم الفقهية فِي عمان “ الفقه الحضاري، فقه العمران”

 المنعقدة خلال الفترة: (18-21) ربيع الثاني 1431هـ / (3-6) إبريل 2010م:

سلطنة عمان- وزارة الأوقاف والشؤون الدينية 

هذه المقالة تحتوي على تعليق (1)

تعليق واحد ل “النصوص الشرعية وحماية البيئة”

  1. arbi lyousfi says:

    limad yt7dato lisalam 3la farida lmiyah

أكتب تعليقك هنا

نرجو أن تضع المادة أسفله
الإسم
إيميل
موقع
تعليقك