الفقه الإسلامي والاهتمام بحقوق الإنسان وحرياته

الفقه الإسلامي والاهتمام بحقوق الإنسان وحرياته *

(حقوق الله وحقوق الآدميين)

إعداد: د. سعيد بنسعيد العلوي

 (باحث وأكاديمي من المملكة المغربية)

 

تمهيـد:

يذهب الفكر الإسلامي المعاصر في النظر إلى العلاقة بين الإسلام وبين حقوق الإنسان مذاهب شتّى، مذاهب نرى أن النظر فيها يحملنا على تصنيفها في موقفين اثنين متمايزين. موقف أول: يرى أن في الشرع الإسلامي، متى أمعنا النظر، قولاً بحقوق الإنسان على النحو المتعارف عليه عالمياً، بل إن الإسلام كان سباقاً إلى إقرار المبادئ والكليات التي تؤصل تلك الحقوق، وترسي الدعائم التي تقوم عليها. وموقف ثان: يقف على الطرف النقيض، يذهب إلى أن منظومة حقوق الإنسان، على النحو الذي تنجلي فيه في الخطاب الغربي المعاصر، منظومة تتصل بالعالم الغربي وتطوره مجتمعاً ودولة وفكراً، وتذهب إلى أن بوناً شاسعاً يقوم بين تشريع يكون فيه الخالق عزّ وجل المرجع والأساس وتشريعٍ آخر لا يقرّ بوجود الإلهية ويحكم بآدمية الإنسان مرجعاً وحيداً ومطلقاً في إقرار الحقوق والواجبات، وتعيين المبادئ والكليات التي ينتظم الوجود البشري بناء عليها. قد يلزم التنبيه أن هذا الرأي عنه ينتج عنه عند الغلاة (دعاة التطرّف الأقصى الحامل على اقتراف الإرهاب) موقف يقول بالتناقض التام والمطلق بين الشرع الإسلامي، وبين الحقوق التي تقرها المواثيق والبيانات العالمية لحقوق الإنسان.

الحقّ أن في الموقف الأخير انحرافاً عن الإسلام في كليته، وابتعاداً عن الخطاب القرآني وروحه، وخروجاً عن النهج النبوي فضلاً عما فيه من رفض أعمى لكل ما أقره فقهاء الإسلام ثمرة اجتهادات تتوافر لها شروط الصحة الشرعية، وما ذهب إليه النابهون من مفكري الإسلام. ولكن الحقّ أيضاً أن جوانب من النقص والقصور تشوب كلا الموقفين المشار إليهما، مِمَّا يستدعي تنقيحاً وتوضيحاً تطمح ورقتنا هذه إلى الإسهام في بعض منه، في الوقت الذي ترى أن خطاب الغلوّ الأعمى لا يقتضي عناء التنبيه إليه، أو إن ذلك مِمَّا يبعدنا عن القصد المطلوب.

نريد لورقتنا هذه أن تكون تدليلاً على مواطن قوية من الاهتمام بالإنسان في إطلاقه في الفقه الإسلامي، والانشغال بأمور كان المعتقد أن الانشغال بها يكفل للإنسان الحرية والكرامة، ويضمن له بالتالي الحقوق الإنسانية الأولية. ثُمَّ إن طبيعة المعالجة التي نقوم بها، وكذا النظرة التي تصدر عنها تقتضيان منا وقفة أولى عند مغزى الإنسان وحقوقه في المنظومة العالمية لحقوق الإنسان (ما دام القول في حقوق الإنسان اليوم يستدعي معرفة المنظومة على حقيقتها أولاً والقول فيها ثانياً برأي واضح).

ووقفة ثانية: يكون بها استخلاص المضامين الكبرى للحقوق الإنسانية في خطاب التشريع الإسلامي في كلياته الأساس: الكتاب، السنة، والإجماع، ثُمَّ في أصول التشريع الفقهي أو في الخطاب الأصولي الفقهي.  ووقفة ثالثة: هي جوهر البحث ومداره، عند فقه التشريع الإسلامي للحقوق والحريات في الإسلام.

فإذا كان ذلك فنحن نحبذ إلقاء نظرة تأملية على جوانب من التاريخ الإسلامي العيني حيث كانت الحقوق والحريات في محك التجربة لنخلص، في نهاية البحث، إلى خاتمة إجمالية تكون فيها الإبانة عن الرأي الذي نعتقده.

1 – حقوق الإنسان في المنظومة العالمية: المفهوم والدلالة

نقصد بالمنظومة العالمية لحقوق الإنسان مجموع الإعلانات والمواثيق العالمية، وأخصها عندنا أربعة: الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والمواطن الصادر يوم 24/8/1789.

-وثيقة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادرة عن الأمم المتحدة في 10/12/1948م.

-جملة الإعلانات المتصلة بحقوق الطفل الصادرة منذ مطلع عشرينات القرن الماضي وكان إعلان يوم 20/11/ 1959 تتويجاً لها.

-معاهدة إلغاء كل أشكال التمييز ضد المرأة المصادق عليها في الجمع العام للأمم المتحدة في 18/12/1979م).

ولا يتعلق الأمر في هذه الوقفة بعمل تحليلي يتناول مضامين مكونات المنظومة المذكورة ويشرح مقتضياتها التشريعية كما أنه، بطبيعة الحال، لا يستهدف المقارنة بينها بالكشف عن جملة الشروط التاريخية والاجتماعية والفكرية التي كانت تحيط بكل جزء من مكوناتها تنشد إلقاء أضواء كاشفة، تتوخى الإيجاز والتركيب، قصد إبراز مفهوم «حقوق الإنسان» والكشف عن دلالته والإبانة عن الوحدة العضوية الموجودة أو المفتقدة التي تربط بين أجزائه ومكوناته.

يقتضي استخلاص دلالة مفهوم «حقوق الإنسان» النظر في التاريخ الغربي الحديث والمعاصر في كافة الجوانب التي تتصل بالوجود السياسي والاجتماعي والمعرفي. يفيد هذا النظر حدوث تحولات كيفية شملت الأصعدة الثلاثة المذكورة كان عنه انبثاق الأزمنة الحديثة في معانيها الشاملة. نشير إلى العلامات الأكثر تأثيراً في الوجود السياسي والاجتماعي والمعرفي فنذكر الخطوط العريضة التالية:

–    الحروب الأهلية التي عرفتها كل من فرنسا وبريطانيا وهولندا وتكون المدن والكيانات الجديدة (ألمانيا، إيطاليا، بلجيكا…)؛ 

–    الصراع بين الكنيسة والطبقة الأرستقراطية من جانب، والطبقة البورجوازية الحاملة لقيم جديدة في السياسة والاجتماع والمعرفة من جانب آخر. 

–    الصراع، داخل الكنيسة المسيحية، بين الكاثوليكية والبروتستانية-وهو الصراع الدموي العنيف الذي كان عند نشوء مبدأ التسامح (أحد القواعد الكبرى التي تحكم الممارسة الدينية في الغرب الأوروبي منذ مطلع القرن السابع عشر). 

–           تنامي الدعوة إلى الفصل بين مجالات السلط الكبرى الثلاث: التشريعية، القضائية، التنفيذية. 

–    القول بين التمايز، في الوجود السياسي، بين المجتمع الديني (= الإكليروس والنظام الكنسي التراتبي الذي يجعل سلطة البابا على رأس الهرم الديني) والمجتمع المدني
(= تمييزاً له عن المجتمع الديني، وليس المجتمع المدني في المعنى المتداول اليوم الذي يفيد التمايز عن الدولة من جهة وعن المجتمع السياسي من جهة أخرى). كما يقوم، في الوجود الروحي والمعرفي، على التمييز بين مجال العقل والإيمان. 

–    القول بآدمية السلطة السياسية (وهو ما يعني نفي الطبيعة القدسية عنها)، إقرار مبدأ تداول السلطة على أساس التوافر على الأغلبية الذي يجيز امتلاك السلطة التنفيذية من جانب وإعطاء الحق في مراقبتها للأقلية من جانب آخر. والأمران معاً (آدمية السلطة السياسية وتداولها) يقوم بموجب قاعدة التعاقد الاجتماعي بين الأطراف السياسية المتصارعة ضرورة. 

إذا ما ألقينا بعد ذلك نظرة سريعة على أقدم النصوص التي تتصل بحقوق الإنسان ومراعاتها في الأزمنة الحديثة (والقصد به “الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والمواطن”) فنحن نجد جملة نقط تستقطب انتباه مؤرّخ الفكر نوجزها كما يلي: 

–    نقرأ في الديباجة أن السبب الأساس في الشقاء العام للإنسان، وفي فساد الحكومات يؤدّي إلى نسيان وجهل أو تجاهل حقوق الإنسان. وهذا القول يستوجب منا إثارة الانتباه إلى أن نقلة نوعية تحدث في الإعلان المشار إليه. ذلك أن المعتاد، عند فلاسفة القانون ورجال التشريع في العهود السابقة على الثورة الفرنسية (الإعلان المذكور أتى أربعين يوماً بعد الحدث الرمزي المتمثل في الاستيلاء على سجن الباستيل في 14 يوليوز 1789) هو الحديث عن حقوق البشر أو، بالأحرى، حقوق الناس ـ وبالتالي فإن “حقوق الإنسان” خطاب جديد يتجاوز الألفاظ نحو معاني جديدة. وإدراك الجدة في المعاني يقوم في التعرف على المضامين التي يحملها حديث التعاقد الاجتماعي عند فلاسفة القرنين السابع عشر والثامن عشر (جون لوك، باروخ اسبينوزا، طوماس هوبز، جان جاك روسو). أخص تلك المضامين: القول بالحقوق الطبيعية للإنسان، وهي حقوق لا تقبل التفويت، إرجاع السيادة في التعاقد الاجتماعي للإنسان باعتباره كائناً حراً، عاقلاً.. وبالتالي مواطناً.. وهذا القول الأخير لا يستقيم إلا متى تَمّ الاتفاق على أن السلطة السياسية سلطة آدمية، غير مقدسة ولا خالدة. 

–    تنصّ المادة الثالثة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على مركزية الإنسان في الكون، وهذا ما يكسب القول أن السيادة توجد في الإمكان دلالته التامة، يتأكد هذا المعنى في الحديث عن الإرادة العامة واعتبار القانون الأسمى تعبيراً عن تلك الإرادة على النحو الذي يخصص له الإعلان مادة كاملة. 

–    نقول على سبيل الإيجاز: إن أغلب المواد الأخرى تدور حول مبادئ المواطنة والحرية في تجلياتها السياسية والمذهبية والاجتماعية. 

وإذا ما نظرنا بعد ذلك نظرة فاحصة في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (1948)، وطلبنا من المفاهيم ما كان جديداً، لم يذكره الإعلان المصاحب للثورة الفرنسية، والتمسنا من العلامات ما يشي بحدوث نقلة نوعية جديدة فكانت تعبيراً عن الضمير الإنساني عامة (الغربي خاصة) بعد أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها، فنحن نسجل ما يلي:

–           حديثاً عن العائلة البشرية (= الإنسانية)؛ 

–           الصداقة بين الأمم؛ 

–           المساواة في الحقوق بين الرجال والنساء؛ 

–           الاحترام العالمي والفعلي لحقوق الإنسان والحريات العامة؛ 

–           إدانة الرقّ والتعذيب؛ 

–           الاعتراف بالشخصية القانونية للفرد؛ 

–    المساواة أمام القانون والحق في المحاكمة العادلة أمام قضاء غير متميز مع إقرار مبدأ البراءة الأصلية ما لم تثبت التهمة؛ 

–    حماية الحرية الشخصية (العائلة، المسكن، المراسلات)، حرية التنقل، الحق في حمل جنسية معلومة وكذا الحق في تغييرها، الحق في الفرار من الاضطهاد وطلب اللجوء إلى بلد آخر غير البلد الأصلي؛ 

–    ضمان جملة الحريات التي تتصل بتكوين أسرة، والمشاركة في الحياة العامة، والحق في التعبير والرأي والاعتقاد. 

وحيث إن المقام قد سمح لنا في لقاء الدورة الماضية بالوقوف عند أهم المواثيق التي تتصل بالمرأة في المنظومة العالمية لحقوق الإنسان (وكذا بحقوق الطفل من حيث ارتباط تلك الحقوق بحقوق المرأة) فنحن نكتفي باستخلاص النتائج الكبرى التي ننتهي إليها من النظر إلى الإنسان وحقوقه في الناظم الذي يجمع بينها في كل من الفكر الحقوقي الوضعي الحديث والفكر الحقوقي الوضعي المعاصر، فيجعل منها منظومة واحدة وكلاً منسجماً. أخصّ تلك النتائج عندنا ثلاث:

–           مصدر التشريع وغايته في المنظومة العالمية لحقوق الإنسان هو الإنسان ذاته. 

–    تعكس المنظومة العالمية لحقوق الإنسان تطور الوعي الإنساني بالروابط الحقوقية بين بني الإنسان. فهي، من جهة أولى، تعبير عن تاريخية ذلك الوعي وتطوره (إلغاء التعذيب، التأكيد على ممارسة الحريات العامة كاملة، القول بالحق في الجنسية وفي المحاكمة العادلة حين المقاضاة… كلها مفاهيم لم تكن واردة في الإعلان العالمي الأول “حقوق الإنسان والمواطن”)، وهي، من جهة ثانية، احتجاج ظلم الظلم والطغيان في مختلف أشكالها وفي مختلف أنماط الوعي بهما. وهي، من جهة ثالثة وأخيرة، تعبير عن تطلع الإنسان إلى غد أكثر عدلاً وإنصافاً وتكريماً للإنسان.

–    المنظومة العالمية لحقوق الإنسان (مع الناظم الذي يجمع بينها) لا تمثل كلاًّ واحداً نهائياً، بل هي اجتهاد مفتوح له تجليات مختلفة وتعبيرات قانونية شتى.

–    اجتهاد في توضيح معنى العدل ذاته، بل وفي الدلالة الأخيرة للمعاني التي يحملها المفهوم ذاته: حقوق الإنسان.

2 – حقوق الإنسان في كليات التشريع الإسلامي

كليات التشريع الإسلامي عندنا هي، بطبيعة الأمر، أصول أدلة الأحكام أو أصول الفقه كما يقال في الاصطلاح. إنها، في عبارة أخرى، الكتاب والسنة والإجماع والاجتهاد من حيث هي المرجعيات العليا في التشريع باعتبار ترتيب تصاعدي من الأدنى (= الاجتهاد أو إعمال العقل الفقهي)، إلى الأعلى (= القرآن الكريم). ولكن كليات التشريع هي، في نظرة مغايرة لأصول أدلة الأحكام تتوخى الوقوع على «روح القوانين»، الخطاب القرآني، الخطاب النبوي، الخطاب الأصولي (= نسبة إلى أصول الفقه).

في ضوء هذا التمييز (أو بالأحرى: التدقيق) الجديد يكون لنا أن نطرح السؤال المزدوج التالي: ما صورة حقوق الإنسان في كليات التشريع الإسلامي، وما نحو أو أنحاء تمايزها عن المنظومة العالمية لحقوق الإنسان؟


أ – حقوق الإنسان في الخطاب القرآني

يميز علماء الأصول في الخطاب بين أربعة أنواع: خطاب عام يراد به عام. وخطاب خصوص يراد به خصوص. وخطاب عموم يراد به خصوص. وخطاب خصوص يراد به خصوص. ومنطق القول يقضي بأن النوع الأول من الخطاب يكون مطلقاً شاملاً، والشأن كذلك في القرآن الكريم إذ يتعلق الأمر بالجنس البشري. ذلك أن كلما تعلق بالإنسان من حيث هو جنس، أو بما كان جمعاً وهو «الناس» فإنه يكون مطلقاً يشمل الإنسانية جمعاء، يعني أبناء آدم من حيث هذه النسبة، ولا يكون منحصراً في فئة المؤمنين ولا يخصّ به المسلمون. ونحن، إذ ننظر اليوم في حقوق الإنسانية وما اتصل بهذا المعنى فنحن نجد أن الخطاب الرباني يأتي دوماً في صيغة العام المطلق العمومية.

أوّل الحقوق الإنسانية، ولا شكّ في ذلك، هو الحقّ في الحياة، والنفس الإنسانية، من حيث هي كذلك، واحدة يتساوى في التوافر عليها المؤمن والكافر، والمسلم وغير المسلم. يقول تعالى ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا([1]). والخطاب هنا للإنسان مطلقاً، أياً كان دينه وديدنه. وعن هذا الحق الأول يكون حق ثانٍ، أو أقلّ إنه الوجه الآخر للحق السابق، وهو الحق في التساوي في الإنسانية ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ([2]). ثُمَّ إن حقاً ثالثاً، أو قل إن شئت إنه الحقان الأولان في اجتماعهما وقد تمت صياغتهما في حق واحد، وهو الحقّ في المساواة في الحقوق الإنسانية بين المسلمين وغيرهم. يقول عز من قائل: ﴿ إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللّهُ وَلاَ تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيمًا، وَاسْتَغْفِرِ اللّهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا، وَلاَ تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا([3]) والمفسرون يذكرون في أسباب نزول الآيتين حكاية معروفة تفيد أن جيراناً مسلمين لأحد اليهود سرق درعاً، أيّام النبيّ  صلعم، وأراد أن يلصق التهمة باليهودي، وإذا بدا من الرسول الكريم ميل إلى إلصاق التهمة باليهودي؛ فعاتبه الله تعالى على النحو الذي نقرأ في الآيتين الكريمتين.

والقرآن الكريم يقرر حقاً رابعاً هو حق المساواة في الحقوق القانونية والقضائية. يقول عزّ وعلا: ﴿ إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ([4]). وغني عن البيان أن الخطاب في الآية خطاب عموم يراد به عموم. ونحن إذ نتدبر في معاني الآية الكريمة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ([5])، فنحن نتبين أن الخطاب فيها، وإن كان منحصراً في دائرة المؤمنين وحدهم، فإنه مطلق العموم من حيث فحواه. والمولى يقرن التقوى بإقامة العدل حتى وإن كان من «قوم» (أي من بعض الناس، مؤمنين كانوا أو كفاراً) يحمل ظلمهم على غير ذلك.

جماع القول: إن الخطاب القرآني، كلما كان الأمر متعلق بمراعاة الإنسان وحفظ حقوقه من حيث هو كذلك، يكون خطاباً عاماً مطلق العمومية يشمل الإنسانية جمعاء على النحو البليغ الذي تفيده آية التكريم: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّن خَلَقْنَا تَفْضِيلاً([6]).

ب – حقوق الإنسان في الخطاب النبويّ

تكشف قراءة الأحاديث الصحيحة عن احتفال بالإنسان من حيث هو كذلك، بغض النظر عن نوعه وجنسه ودينه. فالناس في الخطاب النبوي متساوون في الإنسانية، وهم سواء أمام الحقوق التي يكفلها لهم القرآن الكريم والسنة النبوية، أولاً وأساساً، توضيح لكتاب الله وتفصيل لمطلقه وعامه بسن القواعد العامة والمبادئ الكلية المستمدة من القرآن، وتقديم الأدلة بالسلوك الفعلي العملي. من الطبيعي أن ما في السنة من الكليات والمبادئ العامة التي تتصل بالسلوك البشري وتعيين وضع الإنسان ومكانه في الكون هو ما في القرآن الكريم. غير أننا نجد السنة (حديثاُ وفعلاً) ما يضفي على القول في الإنسان وما له من الحقوق التي تتصل بماهيته الإنسانية مزيد وضوح وارتباط بالسلوك البشري. ونود في هذه الفقرة أن نقتصر على ذكر حديث (أو طرف منه بالأحرى)، وأن نقف عند دلالة فعل نبوي كريم أقرته كتب الصحيح (أو أحدها كصحيح البخاري).

ورد عن النبيّ الكريم صلعم، قوله: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه». والفهم الضيق للأخوة، في الحديث الشريف، يحصر الإخوة في دائرة الاشتراك في الإسلام، وفحوى الخطاب يجعل الشرط ممتداً فيشمل الإنسانية جمعاء على نحو ما يذهب إليه أحد علماء مقاصد الشريعة الإسلامية وهو المرحوم علال الفاسي في كتابه “مقاصد الشريعة الإسلامية ومكارمها“([7]).

أما الفعل النبوي الدال على تكريم الإنسان وتعظيم الروح الإنسانية فإنني أستمده من الحديث الذي أخرجه البخاري في “صحيحه” في كتاب الجنائز إذ يروي عن معاذ بن فضالة فيقول «مرّت بنا جنازة فقام لها النبيّ صلعم وقُمنا به فقلنا: يا رسول الله: إنها جنازة يهودي. قال: إذا رأيتم الجنازة فقوموا». ويروى في حديث آخر عن عبد الرحمن بن أبي ليلى أنه قال: «كان سهل بن حنيف وقيس بن سعد قاعدين بالقادسية فمروا عليهما بجنازة فقاما، فقيل لهما: إنها من أهل الأرض، أي من أهل الذمَّة فقالا: إن النبيّ صلعم مرت به جنازة فقام، فقيل له: إنّها جنازة يهودي فقال: أليست نفساً؟».

النفس الإنسانية واحدة، نفس يهودي كانت أو غير ذلك، ومن حيث هي كذلك فهي تستحق الإجلال والتعظيم لشأنها، وعلامتهما الوقوف لها حين مرور جنازتها بالقوم وهم جالسون. لعلّ في هذين النموذجين من الخطاب النبوي (فعل النبيّ خطاب دال، وفعل النبيّ الكريم يعادل ما صح عنه من قول سواء بسواء كما نعلم) ما يجعل الصورة واضحة، صورة حقوق الإنسان ومراعاتها في الخطاب النبوي.


ج – حقوق الإنسان في الخطاب الأصولي

يجوز القول إجمالاً إن مدار التعليل في استنباط حكم الشرع (فيما لم يكن فيه نص قطعي الدلالة من كتاب ولا سنة ولم يعقد عليه إجماع من المتقدمين من علماء الأمة) هو توخي المصلحة، مصلحة الخلق. القاعدة الذهبية يلخصها قول المجتهد «حيثما كانت المصلحة فتم شرع الله». من البديهي أن المصلحة العليا للخلق لا تتصل البتة مع ما كان حراماً، ولا تلتقي إطلاقاً مع ما يمكن إلى ارتكاب ما كان قول الشرع فيه بالتحريم قاطعاً. ثُمَّ إن اطمئناننا إلى هذه القاعدة الذهبية يكون مع إحضار مبدأ عام آخر، هو مِمَّا يتصل به بدوره بروح التعليل. (تعليل الأحكام التي يسلمنا إليها الاجتهاد الشرعي، الاجتهاد على شروطه المعلومة)، هذا المبدأ هو شمولية الدعوة الإسلامية للبشرية جمعاء، فذلك الشمول والإطلاق هي جوهر الخطاب القرآني (على النحو الذي ألمحنا إليه في حديثنا، أعلاه، عن حقوق الإنسان في الخطاب القرآني). يقول أبو إسحاق الشاطبي في هذا المعنى:

«الشريعة بحسب المكلفين عامة، بمعنى أنه لا يختص بالخطاب بحكم من أحكامها الطلبية بعض دون بعض (…) والدليل على ذلك ـ مع أنه واضح ـ أمور: أحدها: النصوص المتضافرة كقوله تعالى ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا([8]). وقوله: ﴿ قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا([9]). وقوله عليه السلام: «بُعثت إلى الأحمر والأسود»، وأشباه هذه النصوص مِمَّا يدل على أن البعثة عامة لا خاصة…). والثاني: أن الأحكام إذا كانت موضوعة لمصالح العباد، فالعباد بالنسبة إلى ما تقتضيه من المصالح مرآة، فلو وضعت على الخصوص لم تكن موضوعة لمصالح العباد بإطلاق»([10]) .

متى تبينا أن المقصد الأسنى للشرع توخّى مصلحة العباد، وتيقناً أن البعثة المحمدية تحمل على العموم لا على الخصوص، وأنها مطلقة شاملة في خطابها إلى الإنسانية، فهي في ذلك على هدى الخطاب القرآني وهي تفسيره الواضح وهي تفصيل ما ورد فيه مجملاً – أمكننا أن ندرك أمراً جديداً ينبني على ما سبق وكان في إمكان فهمنا البشري أن يدرك قاعدة كلية أخرى، قاعدة يجوز القول فيها إنها تلقي على “المصلحة” أضواء كاشفة فتكون جلية لا لبس فيها ولا تردد في فهم معانيها.

«الأفعال بالنسبة إلى حق الله تعالى وحق الآدمي ثلاثة أقسام. أحدها: ما هو حق الله خالصاً كالعبادات، وأصله التعبد (…) والثاني: ما هو مشتمل على حق الله وحق العبد والمغلب فيه حق الله. والثالث: ما اشترك فيه الحقان وحق الله هو المغلب، وأصله معقولية المعنى»([11]) .

لا يخفى أن هذا القول يقتضي أمرين اثنين؛ أولهما: إقرار التمييز الفقهي الثلاثي في الحقوق القاضي بأن الحقوق ثلاثة أنواع: حقوق الله، حقوق العبد، حقوق مشتركة بين الله والعبد. وثاني الأمرين: اقتضاء التمييز الفقهي الثلاثي استحضار القاعدتين الذهبيتين المذكورتين أعلاه: شرع الله الذي ينشده الاجتهاد (من حيث إنه يتوخى الفهم عن الله وعن رسوله الكريم حتى تدرك روح الشرع) يكمن حيث تكون المصلحة. عموم الدعوة المحمدية وإطلاقها، فهي تشمل البشرية جمعاء. إذا تقررت لنا هذه الأمور كلها أمكن لفهمنا البشري أن يرتقي فيدرك فحوى قاعدة كلية ذهبية جديدة تقتضي بأن الشريعة تتوخى حفظ كليات خمس هي: الدين، العرض، المال، العقل، النفس.

الحقّ أننا، أمام القواعد الثلاث المتقدمة، (إطلاق الدعوة المحمدية وشموليتها، اقتران شرع الله بوجود مصلحة الخلق، التمييز الثلاثي في الحقوق وتعيين الروابط بينها) «روح قوانين» تشرع الكليات العامة السامية لمبدأ «حقوق الإنسان ومراعاتها» كذلك يكتمل حقل حقوق الإنسان في كليات التشريع الإسلامي، ويتحدد مجاله وتتوضح آفاقه ومسالكه.

والآن ما الشأن، بعد هذه التمهيدات الضرورية، في فقه التشريع الإسلامي للحقوق والحريات في الإسلام-مدار بحثنا هذا وجوهره؟


3 – حقوق الإنسان في فقه التشريع الإسلامي

لا غرو أن الفقيه الشافعي أبا الحسن الماوردي يمثل في كتابه الأشهر “الأحكام السلطانية” الصورة الأكثر قوّة وجلاء لما يصح نعته بفقه التشريع الإسلامي. وقد يلزم أن نوّجه الانتباه إلى سمتين اثنتين قَلَّ احتفال الدارسين بهما مع كثرة الرجوع إلى الماوردي وإلى “الأحكام السلطانية“. فأمّا السمة الأولى فهي: أن في الكتاب استيعاباً تاماً لما نعتناه في القسم السابق بكليات التشريع الإسلامي. ذلك أنّ قراءة الكتاب ومتابعة أبى الحسن الماوردي في تشريعاته لأحكام الإمامة العظمى والوزارة (بنوعيها: التفويض والتنفيذ) وأحكام الإمارات المختلفة، وكذا في الأبواب الأخرى التي تتصل بأحكام الأرض ونظم استغلالها، ثُمَّ في الباب الاختتامي الجامع المخصص لأحكام الحسبة – قراءة الكتاب تشي بامتلاك صاحبه لناصية فقه الأصول، وتمكنه من تمثله على النحو الذي يجعل منه مجتهداً من الطراز العالي، بل رائداً يحمل، عن جدارة، لواء السبق والريادة. الكليات والمقاصد والنظريات في سماء أصول الفقه تغدو، في ممارسة التقعيد الفقهي العملي للأحكام التي تتصل بالوجود العيني للبشر في المحيط الإسلامي، فقهاً عملياً وتشريعاً مفرغاً في ضوابط وقوانين دقيقة وواضحة معاً. وأما السمة الثانية فهي: أن صاحب “الأحكام السلطانية” يوفق، أقصى علامات التوفيق، في صياغة بناء هندسي دقيق الإحكام شديد التماسك من جهة الفقه التشريعي. أحكام المؤسسة السياسية العليا (مدار البناء وقاعدته)، أي الخلافة. ثُمَّ أحكام السلطة السياسية التي تجمع بين أطراف من السلطة العليا (تنالها من الخلافة تفويضاً)، وتلك هي وزارة التفويض، والأحكام الضرورية لممارسة التنفيذ على النحو الذي تتصدى له وزارة التنفيذ (وهذه تقبل التوزيع في وزارات تتعدد مهامها حسبما تقتضي الأحوال ذلك)، ثُمَّ أحكام الإمارات المختلفة (القضاء، الجيش، الشؤون المالية)، فأحكام التنظيمات الاقتصادية، حتى نبلغ القاعدة العريضة للبناء الهرمي، أي تلك التي تتصل بالتشريع لأحكام الوجود الاجتماعي في الحياة اليومية في المدينة الإسلامية على النحو الذي توجد عليه: من حيث إنها تضم أقواماً من المسلمين وغير المسلمين مِمَّن يساكنونهم.

لا شكّ أن تبيّن حال حقوق الإنسان وحرياته والحكم، سلباً أو إيجاباً، على انشغال الفقه الإسلامي بتلك الحقوق والحريات يكون بالتقصي الكامل لتلك الحال في مختلف محطات التشريع: انطلاقاً من أحكام الإمامة العظمى، وانتهاء بأحكام الحسبة. إنها، لا شك في ذلك، تُطْلَبُ في تضاعيف الأبواب العشرين التي تنتظم في “الأحكام السلطانية“. غير أننا لا نرى فائدة عظمى في ذلك في مقال صغير مُحَدَّدِ القصد والأهداف، إذ إن أقل ما يترصد محاولة مماثلة من الأخطار هو ابتعادها عن جوهر المطلب ودقة الموضوع وفرارها إلى عمومات ليس من شأنها أن تسعفنا في الاقتراب من قضية حقوق الإنسان من حيث إنها تتصل، من جهة أولى، بالإنسان مطلقاً (أيّاً كان دينه واعتقاده) وتتصل، من جهة ثانية، وهو الآكد، بالوجود العيني يعنى بالحياة اليومية، وبالمعيش المشترك. الحق أن جلاء هذه المعاني كلها، وتقديم الأدلة العملية على قوة وحضور الاحتفال بالإنسان وحقوقه أو الحكم بقصور ضعف (وربما اختفاء) ذلك الحضور كل ذلك يسعفنا به النظر في الحسبة وأحكامها.

يعطي فقهاء الإسلام (وليس الماوردي وحده) التعريف العام التالي للحسبة: “أمر بالمعروف إذا ظهر تركه، ونهي عن المنكر إذا ظهر فعله”. وغني عن البيان أن ترك المعروف واتباع المنكر يتصلان بالسلوك الإنساني، سلوك الفرد وسلوك الجماعة داخل المدينة الإسلامية. إنه، كما ذكرنا في الفقرة أعلاه، حال (فعل أو ترك للمعروف أو للمنكر) يتصل باليومي والمعيش، كما نقول في لغتنا اليوم. يمكن القول، في عبارة أخرى، إنه يتصل بالوجود العيني للبشر، وليس أبلغ في التعبير عن حال الحريات ومراعاة حقوق الإنسان أو التفريط فيها (إن لم نقل التنكر لها والإساءة إليها) من السلوك البشري، داخل الاجتماع البشري، في المدينة الواحدة حيث تختلط الأقوام والفئات والجماعات، وتتضارب المصالح، وتتقاطع الملل والنحل وتختلف الديانات.

يقول الماوردي في بسط معنى الحسبة ودلالتها: «فأما الأمر بالمعروف فينقسم ثلاثة أقسام: أحدها: ما يتعلق بحقوق الله تعالى، والثاني: ما يتعلق بحقوق الآدميين، والثالث: ما يكون مشتركاً بينهما»([12]) .

قد نكون، توطئة للتحليل، في حاجة إلى توضيح مفهومي يتّصل بلفظ «الآدميين».

رُبَّ سائل يتساءل: لماذا يأتي الحديث عند فقهاء الإسلام عامة عن “الآدميين” ولا يرد لفظ الإنسان، مع ورود الكلمة في كلا الخطابين القرآني والنبوي؟ والجواب عندنا لا يكمن في الإتيان بشروح وتفسيرات نعتمد فيها دلالة اللفظ العربي لغة وبلاغة، بل إننا نريد للجواب أن يكون تنبيهاً إلى حمولة عبارة “حقوق الإنسان” في المنظومة العالمية، ذلك أن “الإنسان”، في المنظومة المذكورة هو (كما نبهنا على ذلك سابقاً) مصدر التشريع ومداره. وفي هذا، ولا شك في ذلك، اختلاف جوهري مع ما الشأن عليه على النحو الذي وقفنا عنده في القسم المخصص للقول في “كليات التشريع الإسلامي”. “الآدميون” لفظة تحمل معنى لا يخفى، لا من حيث إنها تحيل إلى آدم، أول الكائنات البشرية فحسب، بل من حيث إنها تنطق بأن آدم مخلوق من الله تعالى. يمكن القول إذن إن عبارة “حقوق الآدميين” تقتضي إفادة الحمولة التي لا تنفك العبارة عنها: حقوق الكائنات البشرية باعتبارها مخلوقات تقتضي وجود الخالق. ومن حيث هذا الاقتضاء فهي تحمل على القول بحقيقة أخرى، وهي أن المرجع الأعلى في التشريع يكون هو الخالق، وهو الله تعالى.

بعد هذا الاستطراد التوضيحي الذي اقتضاه سياق القول في دلالة الحسبة (نقول مرة أخيرة: من حيث إنها تتصل باليومي والمعيش داخل المدينة الإسلامية، في الوجود العيني للبشر) نتابع بسط الماوردي لأحكام الحسبة (ندع جانباً ما كان متصلاً بحقوق الله تعالى). نقرأ: «فأما الأمر بالمعروف في حقوق الآدميّين فضربان: عام وخاص».

«فأمَّا العام فكالبلد إذا تعطل شربه، أو استهدم سوره، أو كان يطرقه بنو السبيل من ذوي الحاجات فكفوا عن معونتهم. فإن كان في بيت المال مال، لم يتوجه عليهم فيه ضرر أمر بإصلاح شربهم، وبناء سورهم، وبمعونة بني السبيل في الاجتياز بهم لأنها حقوق تلزم بيت المال دونهم».

«وأما الخاص فكالحقوق إذا مُطِلَتْ، والديون إذا أخرت، فللمحتسب أن يأمر بالخروج منها مع المكنة إذا استعداه أصحاب الحقوق، وليس له أن يحبس بها لأن الحبس حكم، وله أن يلازم عليها لأن لصاحب الحق أن يلازم. وليس له الآخذ بنفقات الأقارب لافتقار ذلك إلى اجتهاد شرعي»([13]) .

النظر بمنظار الكليات الخمس (التي كان قصد الشارع حفظها) في الحقوق المتضررة يسلمنا إلى القول بأنها، في جانب منها تتصل بحفظ النفس (الخطر المترتب عن تعطل الشرب والتوافر على الماء، استهدام السور) وفي آخر تتصل بحفظ العرض (السور المتهدم)، وفي ثالث بحفظ الدين (الماء المتعذر الحصول عليه من عوائق التعبد الكامل من حيث اقتضاء الطهارة شرطاً) وفي جميعها تتصل بحفظ المال. ثُمَّ إن التأمل في حقيقة الحقوق المعطلة (وصاحب “الأحكام السلطانية” يأتي بأمثلة أخرى كثيرة ومتنوعة) يجد أنها تتصل بالإنسان مطلقاً، فلا تعلق لها بالانتساب إلى دين دون غيره ( فليس الإسلام شرطاً)، وإنما الضرر، في الوجود العيني في المجال الاجتماعي المعيش في الحياة اليومية، يتعلق بالآدميين مطلقاً.

إذا ما أجرينا النظر بعد ذلك في الشق الثاني من الاحتساب (= النهي عن المنكر متى ظهر فعله) فنحن نجد، بطبيعة الأمر، القسمة الثلاثية ذاتها (حقوق الله، حقوق الآدميين، حقوق مشتركة). ثُمَّ إننا، إذ نقف عندما كان متعلقاً بحقوق الله تعالى فإن المثال التالي يسترعي انتباهنا: «إذا جاهر رجل بإظهار الخمر، فإن كان مسلماً أَرَاقَهَا عليه وأدَّبه، وإن كان ذِمِّياً أدَّبَهُ على إظهارها»([14]) . (الضمير يعود على المحتسب). يسترعي المثال انتباهنا من جهتين في الواقع. جهة تتصل بوظيفة الحسبة في اختلافها عن كل من القضاء (= إصدار الأحكام الشرعية) وعمل الشرطة (= إمضاء الأحكام وتنفيذها) فهي غير بالنسبة إلى كليهما وإن كانت تتصل بكل منهما. المحتسب مسؤول عن أمور الدين من حيث صلة تلك الأمور بالآداب العامة، وليس من حيث تعلقها بممارسة الشعائر الدينية، ولكن المحتسب مسؤول عن توفير الشروط الضرورية لممارسة تلك الشعائر (سلامة البناء في المساجد، التوافر على الماء والإنارة وحسن الرعاية والنظافة، وجود الإمام الراتب والمؤذن والحارس… إلخ). والمحتسب مسؤول عن توافر الشروط الضرورية لممارسة الشعائر من جهة الدين الذي يكون الانتماء إليه في المدينة الإسلامية (الحرص على توفير الأمن والحراسة لديانات أهل الذمَّة وكف الأذى عنهم).

لنتأمل الآن هذا النصّ المتعلق بالحقوق المشتركة بين حقوق الله وحقوق الآدميين. نقرأ في “الأحكام السلطانية“: «وأما ما ينكر من الحقوق المشتركة بين حقوق الله تعالى وحقوق الآدميين، فكالمنع من الإشراف على منازل الناس. ولا يلزم من علا بناؤه أن يستر سطحه وإنما يلزم أن لا يشرف على غيره. ويمنع أهل الذمَّة من تعلية أبنيتهم على أبنية المسلمين. فإن ملكوا أبنية عالية أقروا عليها، ومنعوا من الإشراف منها على المسلمين. وأهل الذمَّة بما شرط عليهم في ذمتهم من لِبْسِ الْغِيار، والمخالفة في الهيئة، وترك المجاهرة بقولهم في الْعُزَيْرِ والمسيح، ويمنع عنهم من تعرض لهم من المسلمين بسب أو أذى، ويؤدب عليه من خالف فيه»([15]) .

ثلاثة قضايا في النص الدال أعلاه تستوجب الوقوف عندها بالتسجيل والملاحظة. القضية الأولى تتّصل بخطاب العموم في النص والعموم، كما نبهنا على ذلك المرة تلو الأخرى، يقضي بوجوب اعتبار الإنسان (أو الناس) في الخطاب، الإنسان مطلقاً (مسلماً أو ذميا أو غير ذلك). فالقول بالمنع من الإشراف على بيوت الناس، وقول «من»، والحديث عن «الغير» يفيد الشمول والإطلاق. والقصد في النص واضح لا لبس فيه فهو يتصل بأحد الكليات الخمس وهي حفظ العرض وإن لم يرد التصريح بذلك (في الإشراف على “الغير” من عَلٍ انتهاك لحق من الحقوق التي يتوخى الشرع الحفاظ عليها).

القضية الثانية تتصل بوضع أهل الذمَّة. والوضع عند الفقيه المشرع هو «ما شرط عليهم في ذمتهم». والرجوع، من جانب أول، إلى الكتب التي تشرع أحكام أهل الذمَّة، تفيد كلها ما يقرره أبو الحسن الماوردي في النص أعلاه (البقاء على هيئة معلومة في البناء والكنائس وفي الهيئة واللباس) والمنع من المجاهرة بالقول إن عزيرا ابن الله، على نحو ما يقول اليهود، والقول ببنوة المسيح لله، على النحو المقرر في العقيدة النصرانية). ثُمَّ إن الرجوع، من جانب ثان، إلى كتب التاريخ التي تتحدث عن الأوضاع الاجتماعية والثقافية لأهل الذمَّة يفيد ـ لا شك في ذلك ـ حال صَغَار عند أهل الذمَّة (وهذه مسألة سنرجع إليها).

وأمّا القضية الثالثة والأخيرة: فتفيد مراعاة الحق في ممارسة الاعتقاد لأهل الذمَّة، والمراعاة تلك هي الترجمة الأمينة لأحد المقاصد الخمسة التي يتوخى الشرع حفظها، وهي حفظ الدين. ليس لحفظ الدين، في الوجود العيني للناس في المدينة الإسلامية، معنى آخر غير كف أذى المخالف عنهم. وللمخالف لأهل الذمَّة نعت واضح معلوم فالماوردي لا يتردد في ذكره (=المسلمون).

تلك هي الصورة التي ترتسم لحقوق الإنسان والحريات في فقه التشريع العملي على النحو الذي نقف عليه عند أحد كبار الفقه السياسي والاجتماعي في الإسلام، وفي نص يشغل من ذلك الفقه مكان المحور والصدارة. على أن اكتمال الصورة ووضوحها يقتضيان منا التوجه بالسؤال إلى التاريخ العيني في الإسلام، وليس بالاكتفاء بالوقوف عند حدود القول النظري. ولعل وقفة تأمل ومساءلة تجعل من القضية الثانية المذكورة أعلاه (حال أهل الذمَّة في التاريخ العيني في الإسلام، من خلال أمثلة دالة على الأقل)، لعل من شأن تلك الوقفة أن تساعدنا على تبين الصورة التي ننشد الوصول إليها.


4 – حقوق أهل الذمَّة في الإسلام: جوانب من التاريخ العيني

لا شكّ أن حال أهل الذمَّة، متى نظرنا إليها بعين الإنسان اليوم، كان حال دونية وصغار كما كان فقهاء الإسلام يعبرون عن ذلك. فالتمييز عن المسلمين بلباس معين، وكذا «المخالفة في الهيئة». في عبارة صاحب “الأحكام السلطانية” ومنعهم من «تعلية أبنيتهم على أبنية المسلمين» علامات على الدونية والصغار. لكن الحق أيضاً أن أموراً عديدة، كانت تتم في القرون القليلة الماضية تعتبر اليوم في أكثر الدول الغربية دعوة إلى الإنصاف وأخذاً بالديمقراطية من المنكرات التي يندى لها الجبين. قد يكفي أن نذكر أن ما كان يسمى في العصور الوسطى بعقد أو «ميثاق الخضوع» كان يجيز للمحارب الذي يتمكن من خصمه في المعركة أن يقتله ولم يكن يبقي عليه حياً إلا بموجب الميثاق المشار إليه الذي يقر فيه المهزوم بعبوديته الأبدية للمنتصر في مقابل الاحتفاظ بالحياة. لو أنا نظرنا في حال الزوجة (والمرأة عموماً) في القرن التاسع عشر لألفيناها على حال لا تبعد كثيراً عن واقع العبودية من وجوه شتى. قد يلزم أن نتجاوز قول الفقيه المشرع في النصّ الذي قرأناه في القسم المتقدّم «وأهل الذمَّة بما شرط عليهم في ذمتهم»، نتجاوز ذلك القول فننظر، كما نقترح في واقع الوجود العيني لأهل الذمَّة. وإذ نفعل ذلك فنحن ننتهي إلى تسجيل جملة ملاحظات والخروج بجملة نتائج واضحة الدلالة.

1 – لم يكن لأهل الذمَّة في عهود السيطرة الإسلامية واتساع رقعة الدولة أحياء ومناطق خاصة بهم، يرغمون بكيفية أو بأخرى على البقاء فيها، بل كانوا يساكنون أهل الإسلام في الأزقة والدروب والأحياء جميعها. ذلك أنّ ظاهرة “الملاح” في المغرب العربي أو “حارة اليهود” في مصر والشام وبلدان المشرق العربي عامة ظاهرة متأخرة من الناحية التاريخية. يذكر المؤرخ الفرنسي الواسع الاطلاع على تاريخ الإسلام، (كلود كاهن) أن «لا مكان في العصر الوسيط الإسلامي لِما يمكن اعتباره، بكيفية أو أخرى، عداء للسامية»([16]) . ويلاحظ، إثر مقارنة بين واقع أهل الذمَّة في الشرق الإسلامي في الفترة الواقعة بين القرنين الخامس والسابع للهجرة (= الحادي عشر والثالث عشر الميلاديين) والحال التي كان عليها الذميون اليهود «في الإمبراطورية البيزنطية المجاورة»، ينتهي إلى الاستنتاج بأن وضع هؤلاء الأخيرين كان أكثر سوءاً ([17]) .

ننظر في الوجود الاجتماعي في الأندلس فنتبيّن أن ما تقرره المنظومة العالمية لحقوق الإنسان من الحقوق الواجب الاعتراف بها عالمياً هو، وإن كان مخالفاً لذلك (أو مختلفاً عنه على الأقل) لأسباب تتصل بالتطور الفكري والمعرفي للإنسان، وترجع إلى ما أشرنا إلى البعض منه (القسم الأول) من معطيات الصراع السياسي والاقتصادي والاجتماعي – إنه وإن كان كذلك فإن في الأندلس علامات ناصعة تدل على قطع أشواط بعيدة على درب اكتساب الحقوق. التجربة الأندلسية، في إجماع الباحثين، صورة مشرقة من صور التعايش بين أهل الديانات ونموذج يقول عنه الفكر السياسي الغربي الحديث إنه «التسامح»أو مخ

 (tolérance) في مظاهر عديدة منه.

2 – لم يكن أهل الذمَّة ـ في التاريخ العيني وفي واقع الممارسة الاجتماعية ـ مرغمين على الاقتصار على مزاولة مهن دون غيرها (تعبيراً عن الدونية والصغار)، بل فلم يكن هناك تمييز بين الناس في الاشتغال بحرفة من الحرف بالنسبة إلى الانتساب إلى الدين الإسلامي أو غيره. ونحن إذ ننظر في التاريخ، كما نصفه، فنحن نجد أن مناصب في الدولة كان يشغلها الذميون خارج المسؤوليات التي تمت إلى الشرع الإسلامي بصفة، بطبيعة الأمر. لقد كان من المألوف أن التراجمة كانوا في الأغلب الأعم من أهل الذمَّة، مثلما كانت التجار عموماً، وتجارة المعادن النفيسة والسلع الغالية الثمن تعرف حضوراً قوياً للساكنة اليهود في المدن الإسلامية.

3 – لم يكن أهل الذمَّة فحسب يشغلون مناصب عليا في الدولة الإسلامية، بل إنّهم كانوا، في بعض الأحيان، يبلغ أسمى المناصب مثل الوزارة، ولم تكن الأندلس وحدها نموذجاً لذلك. لا، بل يجب القول أيضاً إن المشرع الإسلامي ذاته، كان يقبل ذلك ويقره في بنائه النظري والشأن كذلك عند المنظر السياسي، التشريعي الأكبر في الإسلام. يقول أبو الحسن الماوردي في حديثه عن أحكام وزارة التنفيذ: «ويجوز أن يكون هذا الوزير من أهل الذمَّة، وإن لم يجز أن يكون وزير التفويض منهم»([18]) .

لا يجوز الفقيه المشرع إسناد وزارة التفويض إلى ذميّ؛ لأنَّ هذه الأخيرة متعلقة بالأحكام الشرعية بأكثر من سبب، بل إنها لا تقل في الواقع عن رتبة الإمامة العظمى إلا من حيث انتفاء شروط يجب توافرها في المرشح للخلافة.

الحقّ أن الفقيه المشرع يمضي، في التسوية في الحق في تولي وزارة التنفيذ، خطوة كبيرة إلى الإمام إذ يقول: «فإن كان هذا الوزير (=وزير التنفيذ) مشاركاً في الرأي احتاج إلى (…) الحنكة والتجربة التي تؤديه إلى صحة الرأي وصواب التدبير، فإن في التجارب خبرة بعواقب الأمور، وإن لم يشارك في الرأي لم يحتج إلى هذا الوصف وإن كان ينتهي إليه مع كثرة الممارسة، ولا يجوز أن تقوم بذلك امرأة، وإن كان خبرها مقبولاً لما تضمنه معنى الولايات المصروفة عن النساء (…) ولأن فيها من طلب الرأي وثبات العزم ما تضعف عنه النساء، ومن الظهور في مباشرة الأمور ما هو عليهن محظور»([19]).


خاتمة:

حقوق الإنسان في المنظومة العالمية، وحقوق الإنسان في كليات التشريع الإسلامي ثُمَّ في فقه التشريع السياسي والاجتماعي تكشف عن وجود نظامين اثنين متمايزين؛ يتمايزان، على نحو ما بينا، في المصدر والمرجعية مثلما يتمايزان في المنهجية والمضامين. المرجع في المنظومة العالمية لحقوق الإنسان هو الإنسان في تاريخيته، وبالتالي فيما عرفه من أنواع من الصراع السياسي والاجتماعي والإيديولوجي فكانت الحقوق تنتزع انتزاعاً من وجه أول، وكانت مضامينها متبدلة من وجه ثانٍ، وكانت من وجه ثالث وأخير، ناقصةً غير مكتملة، فهي تتوق دوماً إلى الاكتمال وهي دوماً بصدد اكتشاف حقوق جديدة لم تكن من قبل موضع تفكير فيها (المقارنة بين الإعلانات المتعاقبة منذ الثورة الفرنسية إلى ثمانينات القرن الماضي-على نحو ما أشرنا إليه في القسم الأول). والمرجع، في التشريع الإسلامي، هو الشرع الإسلامي بمكوناته الكبرى (القرآن، السنة، أصول الفقه)، ثُمَّ هو فقه الأحكام من حيث استمداده من هذه المكونات الأخرى. ومن حيث إنّ المرجع كذلك فإنه يتصف بصفة الثبات، والاكتمال، والإطلاق. وإذا كانت كذلك فإن “حقوق الإنسان”، على النحو الذي هي عليه في الخطاب الدستوري والسياسي المعاصر تقبل (في اجتهاد جماعي واعٍ يستهدف التجديد في الدين على النحو المدعو إليه شرعاً، بدلالة حديث التجديد في الدين) الاستمداد من تلك الكليات مثلما تقبل حقوق غيرها أن تستمد منها.

ما الدلالة العملية لهذا الرأي الذي ننتهي إليه في خاتمة نظرنا الاستعلامي في فقه التشريع السياسي والاجتماعي والإسلامي من جانب أول، وفي ضوء المقارنة بين المنظومة الحاصلة عن اجتماع مكونات التشريع الإسلامي (الكليات الثلاث، فقه التشريع العملي في اجتماعهما) والمنظومة العالمية لحقوق الإنسان، من جانب ثان؟

الجواب عندنا: أنه لا تعارض بين النظامين-مع تمايزهما واختلافهما في المرجعية والمصدر- في قراءة للإسلام تتوخى الفهم عن الله وعن رسوله الكريم، والوقوع على المعنى الذي كان علماء المقاصد الشرعية يقصدون إليه. لا تعارض عندنا بين التأكيد على تاريخية الإنسان وتقلبه في تبدل الأحوال واضطرابها وبين القول بحكمة شرعية لا تدقّ عن الفهوم متى كان العقل سراجاً هادياً ومتى أدركنا المعنى العميق الذي يكمن في القول النبوي الكريم: «إن هذا الدين يسر فأوغل فيه برفق».

والحمد لله ربّ العالمين.


[1]) سورة المائدة: 32.

[2]) سورة الحجرات: 13.

[3]) سورة النساء: 105-107.

[4]) سورة النساء: 58.

[5]) سورة المائدة: 8.

[6]) سورة الإسراء: 70.

[7]) علال الفاسي، مقاصد الشريعة الإسلامية ومكارمها، مكتبة الوحدة العربية، (د. ت)، الدار البيضاء، ص231-234.

[8]) سورة سبأ: 28.

[9]) سورة الأعراف: 158.

[10]) أبو إسحاق الشاطبي، الموافقات في أصول الشريعة، (أربعة مجلدات)، دار المعرفة، (د. ت)، بيروت، 2/245.

[11]) المرجع السابق، ص319.

[12]) أبو الحسن الماوردي، الأحكام السلطانية والولايات الدينية، نشرة النعساني، القاهرة، الطبعة الأولى، 1909،
ص243.

[13]) المرجع السابق، ص246.

[14]) المرجع السابق، ص251.

[15]) المرجع السابق، ص256.

[16]) انظر: Claude Cahen, Notice « Dhimma ». Encyclopédie de L’islam, nouvelle éditions, éditions Maisonneuve et Larose, Paris, 1977, Tome II, p. 236.

[17]) المرجع السابق، صص234-235.

[18]) أبو الحسن الماوردي، الأحكام السلطانية…، سبقت الإشارة إليه، ص27.

[19]) نفس المرجع والصفحة.

 

* ندوة تطور العلوم الفقهية فِي عمان “ الفقه الحضاري، فقه العمران”

 المنعقدة خلال الفترة: (18-21) ربيع الثاني 1431هـ / (3-6) إبريل 2010م:

سلطنة عمان- وزارة الأوقاف والشؤون الدينية 

هذه المقالة تحتوي على لا تعليق

أكتب تعليقك هنا

نرجو أن تضع المادة أسفله
الإسم
إيميل
موقع
تعليقك