فقه الإنسان في التراث الإسلامي

فقه الإنسان في التراث الإسلامي*

تأصيل المصطلح واستبطان الرؤية

 إعداد: د. فيصل عبدالسلام الحفيان

 (منسق برامج معهد المخطوطات العربية القاهرة)

 

 

مهاد لغوي:

ليس للجذر اللغوي (فقه) سوى معنى واحد في العربية، هو ما يعبر عنه ابن فارس بالأصل الواحد، ويدور حول (إدراك الشيء والعلم به).

فالفقه ـ إذن ـ: الفهم والفطنة والعلم بإطلاق، ثمَّ صار علما على العلم الذي يختصّ بالحلال والحرام، ينصرف ـ إذا ما أطلق ـ إليه وحده، لا يشركه فيه علم آخر. ويعد من أهم علوم الدين الإسلامي، وللمسلمين فيه نتاج عظيم، لا توازيهم فيه أمّة أخرى، وربما استخدم بديلا للفظ (علم)، فقيل مثلا: فقه العربية، وأرادوا: علم العربية، وفقه البدن، وأرادوا: علم البدن.

و(الإنسان) في العربية مأخوذ ـ في رأي فريق كبير من اللغويين العرب ـ من الأنس، خلاف الوحشة، فهو يأنس بغيره، ويحب الاجتماع والأنس مفهوم معنوي، مرتبط بالنفوس أو بالأرواح، لا بالأجساد، والاجتماع مفهوم حسّي، لكنه لا يتحقق بصورة إيجابية إِلاَّ إذا كان مبنيا على الأنس، فرجع المفهومان (الأنس والاجتماع) إلى مصدر واحد.

هذه المقاربة اللغوية الخاطفة للفظي (فقه) و(إنسان) مقصودة قصدا. وستجد مصداق ذلك في بسط الكلام الذي يأتي.

-1-

تأصيل المصطلح

1: السياق المصطلحي: 

شهدت العقود الأخيرة انتشار تراكيب كثيرة تتضمنه، ولا أدلّ على ذلك من الندوة التي نحن في رحابها. هذا التردد يذكرنا بلفظ آخر (ثقافة) الذي يتردد ـ أيضا ـ بكثرة لافتة، ثقافة السلام، ثقافة الحرية، حَتَّى على صعيد التراث: ثقافة المحقق، ثقافة المفهرس.. وليست التراكيب التي ورد بها لفظ (فقه) رؤوساً على علوم، كما هو الحال في ذلك العلم المختصّ بالحلال والحرام، وكذلك الحال مع (فقه الإنسان) فهو ليس علما على علم، وليس بالإمكان النظر إليه على أنه كـ «علم الإنسان» الذي يقوم بدراسة الإنسان من حيث علاقته بمنجزاته، أو يعنى به بوصفه كائنا اجتماعيا، ويدرس ظواهر حياته الاجتماعية الإنسانية دون تحديد زماني أو مكاني، ومن ثمَّ فإنّ فقه الإنسان حَتَّى الآن ليس جزءا من منظومة العلوم الإنسانية، التي تذكر في مقابل العلوم الأساسية والتطبيقية. ولذلك فربما لا نجد كتابا يحمل عنوان (فقه الإنسان) بل إن ظهوره ما زال ظهورا على استحياء، وتردده محدودا بسياقات معينة من الدراسات والأبحاث الدينية، بين بعض الباحثين المعنيين بالشأن الإسلامي، وبخاصة في مجال الدعوة.

إن المصطلح مرشح ـ في تقديرنا ـ لحضور قويّ في المستقبل القريب، ولكنّ السؤال الأهمّ، هو: لماذا ظهر في السنوات الأخيرة، وما هي السياقات الموضوعية التي دفعت به لنبحث اليوم في شأنه؟

2: السياق الموضوعي:

الإنسان هو قضيّة الخلق جميعا، ومحور الكون، سخر الله تعالى له كلّ شيء، فليس أعظم منه مخلوقا، وذلك على الرغم من أخطائه وتناقضاته وعصيانه وتمرده.

ومردّ هذه المكانة إلى أمرين: الأول: تلك الجوهرة الغالية التي منحها الله تعالى له، فميّزه بها عن ثلاثة أجناس من الخلق الذي نعرف: الحيوان، والنبات، والجماد. ونعني العقل.

والثاني: الحرية، حرية الاختيار، وما تستتبعه من مسؤولية، وميزه بذلك ـ أيضا ـ عن الخلق العظيم (الملائكة) ولم يشركه فيها ـ في ما نعلم ـ إِلاَّ الجنّ، ذلك الخلق الذي يجتمع مع الإنس في الحرية والمسؤولية، ويجتمع مع الملائكة في أنه غيب، فنحن لا نراهم جميعا.

ويكتسب مصطلح فقه الإنسان أهميته وبريقه من ارتباطه المباشر بالإنسان في شموله وكليته وذاته وعلاقته بنفسه وبمن حوله، وبالكون.

ما عاش الإنسان يوما على الأرض إِلاَّ كانت لديه مشكلة، وما مر زمان إِلاَّ قامت فيه حروب، وما غابت عن المشهد أبدا صورة الظالم والمظلوم.

لقد قتل الإنسان (قابيل) في وقت مبكر جدا أخاه (هابيل) حقداً وطمعا، واحتار يومها كيف يواريه التراب، فتلقى أول درس في حياته من مخلوق آخر (غير عاقل) هو الغراب، ودفن أخاه، لكنه لم يتعلم من خطيئته، وظل يقتل كل يوم.

وعبر التاريخ بعث الله الأنبياء والرسل لتقويم اعوجاج الإنسان، والأخذ بيده إلى الطريق القويم، فارعوى فريق، وسدر الأغلبية في الغيّ. وفي كثير من الأحيان لم تستطع الأديان السماوية أن تفعل شيئا مع هذا المخلوق الغويّ، ولم تقو الدعوات الإصلاحية على أن تضع له حدا.

إذا كان الإنسان قد قتل في زمن غابر جدا واحدا، فإنه في القرن الماضي قتل مئات الآلاف في لحظة واحدة (هيروشيما ونجازاكي) وفي القرن الجديد (الواحد والعشرين) الذي ما زال في أوله، تراه يشعل الحروب في كل مكان من عالمه، ويحصد الملايين.

والحروب اليوم ليست التي نعرف فحسب. وعلى كل فإن حروب السلاح والقتل القديم اتسعت فيها مساحات القتل، وصارت الأرقام بالآلاف أو بالملايين. أما الحروب الأخرى (منزوعة السلاح) فلا تقل خطورة عن تلك، حروب الاقتصاد وضحاياها الفقراء، وحروب الاجتماع وضحاياها المهمّشون، وحروب الفكر وضحاياها المعزولون المنكفئون على أنفسهم، وداخل حيواتهم الخاصة.

بات معروفا أنَّ الحروب هذه المنزوعة السلاح (وبخاصة الثقافية والدينية) هي التي ستغيّر العالم، ويراهن كثيرون على أنه لابد من كسب المعركة فيها، لصالح ثقافة بعينها، ونظام عالمي (جديد) وهو ما تدعو إليه وتحرض عليه نظرية صراع الحضارات (هنتنغتون)، أو تستشرفه وتصادر المستقبل من أجله نظرية نهاية التاريخ (فوكوياما).

يعيش الإنسان اليوم في عصر شديد التعقيد، والمشكلات فيه تحولت إلى الأزمات، والخلافات أصبحت صراعات كبيرة، سواء على مستوى الوحدات الاجتماعية الصغيرة (الأسر والجيران والفرق والطوائف)، أو على مستوى الوحدات السياسية الكبيرة (الدول) والبطل هو الإنسان أبدا، والضحية هو ـ أيضا ـ الإنسان وغيره من مخلوقات الله.

والعالم اليوم ـ كما قالوا ـ قرية صغيرة، لكنها ليست القرية التي نعرف، بحميميتها وترابطها وبساطتها، العالم/القرية: قرية فحسب في سرعة الحركة ووسائل الاتصال واختصار الزمن، وما إلى ذلك، لكنّه أكبر من أن يتخيل إذا ما قسنا الأمور بمقاييس الخلافات والأحقاد والتوجسات والتدابرات على مستوى الأفكار والمفاهيم والرؤى، وأيضا على مستوى التعامل على أرض الواقع، ولا أدلّ على الأول من نظريات الصراع ونهاية التاريخ ودلالاتها العميقة على الانقسام والأثرة وفساد بل خراب الدواخل، ولا أدل على الثاني من الحروب القائمة في كلّ مكان على سطح المعمورة.

3: اختلاف المفهوم:

إذا كان المصطلح نفسه غير ذائع، فإن مفهومه ما زال بعد غائما. يبدو أن المصطلح يحتاج إلى تراكم زمني ومعرفي، حَتَّى يذيع اللفظ، وينضج المفهوم، على أننا ينبغي أن نتنبه إلى أن الذيوع والنضج لا يعني الاتفاق على مفهوم واحد، فلا شك أننا سنرى أكثر من مفهوم، ربما ينحسر بعضها، أو يتراجع لصالح أخرى، وربما يموت تماما، وربما يعيش غير مفهوم معا.

ومهما يكن فإن تركيب فقه الإنسان إِنَّمَا يرد حينما يرد في سياقات دينية لا تخرج عن مجالين: مجال البدن نفسه أو التدين، ومجال الدعوة.

في السياق الأول يتوجه النظر إلى نظر الإنسان نفسه إلى ذاته، وضبطه لها، ومراقبته لحركتها، في ما يتصل بشأنه الديني، والاحتياط حَتَّى لا يقع في الخطيئة، وتوقي مغريات الدنيا، والانسياق وراءها، فيبتعد عن الدين، وتضعف صلته بخالقه.

وفي السياق الثاني ينفتح المعنى على بعد الخطاب الخارجي لهذا الإنسان، والوسائل التي عن طريقها يتحقق صلاحه، والرؤية للصلاح هنا ـ أيضا ـ مفتوحة، فالصلاح صلاح دنياه ومعاشه، وصلاح دينه، أو آخرته، فكما أن صلاح الدين أو الآخرة غاية، فإن صلاح الدنيا والمعاش ـ أيضا ـ غاية، وفي المعاش قضايا كثيرة معقدة ترتبط بهموم الإنسان ونفسه ومشكلاته.

السياق الأَوَّل ينطلق من منطلق ديني خالص، بل إن خطابه موجه أساسا إلى الإنسان المسلم، ليس ذلك فحسب، لكنه يضيق دائرة الدين ليتم التركيز على عنصر الإيمان، أي العلاقة بين الإنسان وخالقه، فما الغاية سوى وعي المسلم بقلبه الذي هو محل إيمانه، وبذلك يخرج غير المسلم، ويخرج كذلك غير القلب والدين، فهما (أي القلب والدين) واحد، إذ إن الثاني (الدين) محلّه في الأول (القلب)، وكأن هذا الاتجاه يستذكر الحديث النبوي بمفهومه القريب «ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب».

نحن في هذا السياق الضيق ننظر إلى الإنسان، على أنّه روح فقط، فحياته الروحية فقط هي مشغلته: إيمان وصلاح ومعرفة بحقوق خالقه واقتداء بالصالحين…

كما أننا نغفل عن أن الدين (الإسلام) نفسه يؤكّد مسألة الدنيا في حياة الإنسان ويجعل منه خليفة الله في الأرض، ويحمله أمانة عمارتها، والنصوص القرآنية في ذلك معروفة.

أما السياق الثاني فإن النظرة فيه إلى الإنسان أكثر توازناً تجمع بين إقامة الدين وصلاح الدنيا، ففقه الإنسان فقه تفكيره، ومشكلاته النفسية والاجتماعية، وأهم من هذين فقه كيفية الوصول إليه عبر سبر حركته الفكرية ونوازعه ودوافعه، وصولاً إلى إقناعه بوسائل الخروج من أزماته، على أن ذاك لا يتم بمعزل عن الدين، ذلك أن الدين عامل رئيس ومهم، ليس على صعيد القلب وحده، بل على صعيد الحراك الحضاري أيضا.

هذه نظره شاملة ومتوازنة وعميقة، لا تختزل المصطلح ولا تصادر آفاق مدلولات ألفاظه. ولهذا فإننا نحسب أن المستقبل لهذا المفهوم، لأنه هو الذي يرجح من أكثر من جهة: جهة الانفتاح على الإنسان بوصفه إنساناً قبل الانتماء إلى دين أو اتجاه، أو فكر، أو مذهب، وجهة الغايات التي يفترض السعي لتحقيقها، وجهة المصطلح نفسه، أعني تركيبه اللفظي.

إن فقه الإنسان إذا ما تَمّ تأصيله مصطلحا، وحقق التراكم الزمني المعرفي تحوله إلى علم له موضوعه وقضاياه، ينبغي أن يوظف عناصر مختلفة من علوم مختلفة، يمكن أن نشير إليها على عجل:

–     النصّ الموحى به: قرآنا وسنّة صحيحة، وبخاصة ما يتصل بالرؤية التي تضمنها هذا النص للإنسان، سواء على مستوى بيان نوازعه واتجاهاته، أو على مستوى نهج خطابه.

–    فهم السلف من العلماء والصالحين وأرباب القلوب للنصّ، وما كتبوه في ما يخصّ الإنسان.

–    علوم التراث المرتبطة بالإنسان، ونعني علوم النفس والاجتماع بل وعلوم الجسد.

–    علوم النفس والاجتماع والإعلام الحديثة، وبخاصة في مقولاتها التي تنسجم مع الرؤية الإسلامية للإنسان.

بهذا يمكن فقه الإنسان فقها حقيقيا، فيتأسّس علم، ويخرج هذا المخلوق الشريف من أزمته.

-2 –

استبطان الرؤية

لسنا مع من ينظر إلى القرآن الكريم والسنّة على أنهما من التراث، فالفارق بينهما واضح، لكنا في الوقت نفسه لا نستطيع أن نغض الطرف عن أن الرؤية القرآنية تجري في التراث الإسلامي مجرى الدم في جسد الإنسان.

وأهمّ مفردات هذه الرؤية وعناصرها أنها تنظر إلى الإنسان من حيث هو إنسان، أعني أنها تتعامل معه مجرداً من أية صفة أخرى، سواء أكانت ذات صلة بالدين أم لم تكن، فهي تتحدث عنه وتخاطبه وتناديه في كثير من الآيات، وبالمناسبة فقد ذكر القرآن الكريم الإنسان (مفردا اسم جنس) 56 مرة، وذكره جمعاً (اسم جمع) (الناس) 241مرة، ولذلك دلالاته، التي لا تخفى، أولها وأقربها أن الإنسان (ابن آدم) مقصود هذه الرؤية وهدفها (قبل أن تلبس ثوب الإيمان) ولا أدل على ذلك من أنه مكرم من الله تعالى ذاته بصريح الآية بصفته ابن آدم، وبغض النظر عن كونه مسلما أو غير مسلم، ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً﴾([1]). الحمل: هو تسخير مخلوقين من مخلوقات الله (البر والبحر) بما فيهما وما عليهما لهذا الإنسان، وليس البر والبحر وحدهما، بل هناك مخلوقات كثيرة فضل الله تعالى ابن آدم عليها. صحيح أن القرآن يريد أن ينتقل بابن آدم إلى العبودية لله تعالى والتسليم له، لكن التكريم ـ كما رأيت ـ كان قبل تحقيق النقلة.

إنّ مسألة التصنيف المسبق أو التمييز بين بني آدم غير واردة، على حين تصادر الرؤى الأخرى (سماوية كانت أو بشرية) الإنسان قبل أن تخاطبه غالبا. ثمَّ إن من يتأمل الآيات الكثيرة التي تحدثت عن الإنسان، يدرك نفاذ هذه الرؤية في تشريح أعماقه النفسية، وتشخيص أدواته، فهذا الإنسان ضعيف، وضعفه ليس طارئا، بل هو في أصل خلقه ﴿وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا﴾([2])، وهو عجول ﴿وَكَانَ الإِنسَانُ عَجُولاً﴾([3])، بل إنه خلق من العجلة ﴿خُلِقَ الْإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾([4])، وكفور يتنكر للنعمة فينساها ويجحدها ﴿وَكَانَ الإِنْسَانُ كَفُورًا﴾([5])، حَتَّى إن القرآن ليتعجّب من كفره ﴿قتل الإنسان ما أكفره﴾([6])، وينعته بأنه كنود ﴿ إِنَّ الْإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾([7])، ولذلك فهو يقابل النعمة بالكفران ﴿ وَإِذَآ أَنْعَمْنَا عَلَى الإِنسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ﴾([8])، وهو جبان إلى حدّ الهلع، يطير قلبه فزعا مما قد يصيبه ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً﴾([9])، إنه مخلوق يعاني من كفره وجهله ضعفه وهلعه وجبنه.. إلخ، فهو في كبد دائم ﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ﴾([10])، وهو أيضا بخيل في أعلى درجات البخل ﴿وَكَانَ الإنسَانُ قَتُورًا﴾([11])، وهو إلى هذه الخلال مكابر جدل، لا يسلم بالحق ﴿ وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً﴾([12])، فهو جاهل، بل جهول، حَتَّى لما يصلح حاله وينفعه. ويقرن القرآن بين حقيقتي الجهل والظلم، ليدل على أن جهله يصبّ في ظلمه، أو ينبع منه، لا فرق ﴿ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولاً﴾([13]).

وخلاصة ذلك كله: أنّ الله تعالى وحده الذي خلق، هو الذي يعلم أدواء هذا الإنسان، ما جلّ منها وما صغر ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾([14]). وإذا كانت الرؤية القرآنية هي رؤية الخالق، أدركنا مدى خطر هذه الرؤية في فقهه من ناحيتين: فقه الداء، وفقه الدواء، في آن واحد، الداء الذي رأيت، وهو داء ينعكس بالتأكيد على الإنسان نفسه، وعلى بني جنسه، وعلى الكون حوله. وإذا كان الداء ضعفاً وعجلة وكفراً وهلعاً وبخلاً وجدلا وجهلا وظلما، فإن القرآن حذره من نفسه وأهوائها ووسوساتها، ولفته إلى الشيطان وعداوته، وأكد اختياره ومسؤوليته، وذكره بحاله قبل أن يكون شيئا، وبعد أن خلقه الله، ثمَّ بما سيؤول إليه بعد أن تنتهي حياته.

-3-

الانعكاس التراثي

استقرّت في وعي المسلمين تلك الرؤية القرآنية، وبذلوا محاولات جادة لفهمها وتحليلها ودرسها، وفقهوا الإنسان من خلالها، وتجلى ذلك أول ما تجلى في إدراكهم الواعي للتركيبة المعقدة له، وضرورة تحقيق التوازن بينها، فكان أن عنوا بجسده، ونفسه، وعقله.

عنوا بِجسده حَتَّى لا يقع في المرض (العضوي) وانتشرت في كتبهم مصطلحات في هذا الاتجاه، منها حفظ الصحة، الذي يوازي اليوم الطبّ الوقائي، وعنوا بنفسه حتى ينأوا به عن المرض (النفسي) أيضا، وتجاوزوا ذلك فوعوا الارتباط بين الجسد والنفس وتبادلهما التأثير صحّة ومرضا، وعنوا بعقله؛ إذ هو مناط التكليف، وألفوا في ذلك جميعا.

كان علم الطبّ ثمرة للعناية بجسده، وكان علم النفس ثمرة للعناية بنفسه، والباب في هذا العلم واسع، فلدينا مؤلفات كثيرة تندرج تحت عناوين الزهد والتصوف والأخلاق والحكمة وغيرها، ونرى تردد صدى الكلام في العقل عند العلماء المسلمين؛ فقهاء ومحدثين ومتكلمين وفلاسفة: أحمد بن حنبل والمحاسبي والتميمي، والماوردي وابن الجوزي وغيرهم، وقد ألف الحارث بن أسد المحاسبي كتابا مستقلا في (ماهية العقل وحقيقة معناه) وعرض له في كتبه، ومنها (فهم القرآن) وبنى حوله نظرية، فثمّ عقل غريزة، وعقل فهم، وعقل بصيرة، والعاقلون عنده أربع فرق: فرقة عقلت فأطاعت، وفرقة عقلت ثمَّ جحدت كبرا، وفرقة عقلت ثمَّ طغت فعميت، وفرقة عقلت ولكنها عصت وضيعت، الأولى متفاوتة في درجة عقلها، فمنها من خاف الله، ومنها من خاف منه واجتمع في قلبه اليقين والدين، فهذا كامل العقل، وللعقل أدلته: العيان الظاهر، والخبر القاهر وطريقة عمله من استحضار وجمع، وألف الكندي رسالة في العقل، وتحدث الغزالي عن العقل في كتبه، ومنها: معيار العلم… إلخ.

وبغضّ النظر عن الزوايا التي عرض كل فريق من خلالها للعقل، فإن هذا الاهتمام يدلّ على مكانة هذا المكون الرئيس للإنسان في التراث الإسلامي.

إن فقه الإنسان في التراث تجده في تلك الكتب التي تندرج من وجه تَحت علم الطبّ، ونخصّ تلك الكتب والموضوعات التي تتصل بحفظ صحته، ولدينا سلسلة من الكتب في هذا الاتجاه، كما نجدها في تلك المؤلفات والموضوعات التي تتصل ـ على حدّ التعبير التراثي ـ بِمصالح الأنفس، وأيضا في ما يتصل باتجاهاته العقلية ونوازعه الفكرية، ومسالك تدبره لأموره.

*            *               *

إنّ فقه الإنسان هو الذي يصل بنا في نهاية الأمر إلى أن له كرامة، وحقوقا، وحرمات، بعيدا عن التمييز والتصنيف والتقييم، وإن فقه الإنسان لنفسه ووعيه بها هو الكفيل بتصحيح سلوكه ورؤيته للآخر وللوجود من حوله، وهو ما ينتهي به إلى حلّ إشكالية العصر الذي نعيش، إشكالية التواصل بين الأجناس والطوائف والجماعات الإنسانية، والحدّ من درجة الصراع الذي يتوتر يوما بعد يوم.


[1]) سورة الإسراء: 70.

[2]) سورة النساء: 28.

[3]) سورة الإسراء: 11.

[4]) سورة الأنبياء: 37.

[5]) سورة الإسراء: 67.

[6]) سورة عبس: 17.

[7]) سورة العاديات: 6.

[8]) سورة الإسراء: 83. وفصلت: 51.

[9]) سورة المعارج: 19.

[10]) سورة البلد: 4.

[11]) سورة الإسراء: 100.

[12]) سورة الكهف: 54.

[13]) سورة الأحزاب: 72.

[14]) سورة ق: 16.

 

* ندوة تطور العلوم الفقهية فِي عمان “ الفقه الحضاري، فقه العمران”

 المنعقدة خلال الفترة: (18-21) ربيع الثاني 1431هـ / (3-6) إبريل 2010م:

سلطنة عمان- وزارة الأوقاف والشؤون الدينية 

هذه المقالة تحتوي على لا تعليق

أكتب تعليقك هنا

نرجو أن تضع المادة أسفله
الإسم
إيميل
موقع
تعليقك