فقه المهاجرين في مواجهة التحدِّيات المادِّية

فقه المهاجرين في مواجهة التحدِّيات المادِّية*

 إعداد: أ. د. عبد المجيد النجار

 (الأمين العام المساعد للمجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث)

 

تمهيد:

إذا كان المهاجرون المسلمون إلى الغرب على وجه الخصوص يتطوّر وجودهم على نسق سريع في كمّه وكيفه، فإنّ الأهداف المطروحة عليهم والآمال المستقبلية التي يستشرفونها سوف يطالها هي أيضا التغيّر والتطوّر، فتلك الأهداف والآمال لَمَّا كان هذا الوجود يتمثّل في عدد قليل من المسلمين لم يكن للأسر ولا للأجيال الناشئة حضور ذو بال ليست هي ذات الأهداف والآمال، ولَمَّا أصبح هذا العدد يُعدّ بعشرات الملايين من بينهم العدد الكبير من الأسر والأجيال الجديدة. وكذلك فإنّه لَمَّا كان هذا الوجود الإسلامي يعتبر نفسه وجودا عارضا غايته العودة إلى بلاد المنشأ لم تبق تلك الغاية هي ذاتها لما أصبح يعتبر نفسه وجودا مواطنا ثابتا يشكّل مكوّنا أساسيا من مكوّنات المجتمع الأوروبي.

وهذا التطوّر في أهداف الوجود الإسلامي بالغرب وآماله، يستلزم بالضرورة تطورا في الفقه الإفتائي الذي يوجهه، ليكون وجودا محقّقا لتلك الأهداف والآمال وفق أحكام الدين ومقاصده. فطبيعة الإفتاء للمهاجرين المسلمين باعتبارهم أفرادا يقف طموحهم عند حدّ أن يحافظوا على دينهم في ذوات أنفسهم خلال وجودهم في مجتمع غريب عنهم ريثما يعودون إلى بلادهم الإسلامية ولم ينقص من دينهم شيء ليست هي طبيعة الفقه الإفتائي لمهاجرين مسلمين أصبحوا مواطنين في المجتمع الأوروبي بصفة جماعية، يهدفون إلى أن يكون لها شأن حضاري في ذلك المجتمع، فذلك إفتاء ذو طبيعة جزئية تعتمد إلى حدّ كبير على منزع الترخيص لِما يعالج من وضع صفته الاستثنائية، وهذا إفتاء ينبغي أن يكون ذا طبيعة كلية تأسيسية لما يعالج من وضع ينزع إلى الاستقرار والديمومة.

وإذا كان الاختلاف في طبيعة الإفتاء بين هذا وذاك اختلافا متأسّسا على اختلاف الأحوال والأوضاع فإنّه باعتبار تداخل تلك الأوضاع والأحوال في المرحلة الانتقالية التي تمرّ بها الأقلية المسلمة بأوروبا على وجه الخصوص، قد يقع هو أيضا في بعض التداخل فيُفتى إذن للمرحلة الجديدة بما حقّه أن يُفتى به للمرحلة القديمة والعكس، وهو ما من شأنه أن يحدث ارتباكا في التوجيه الشرعي للأقلّية المسلمة في نموّها بحسب مقتضيات الحالتين المتداخلتين، ومن شأنه أن ينعكس سلبا على الأهداف والآمال في المرحلة الجديدة.

وهذا الأمر يدعو أهل الذكر إلى رؤية واضحة لما يتصدون له من إفتاء فقهي للأقلّيات المسلمة إفتاء يساعدها على تحقيق أهدافها، ويواكب تطوّرات تلك الأهداف حتى لا تبقى الفتاوى في واد الماضي والأهداف والآمال المستشرفة للمستقبل في واد آخر، فتتعطّل إذن مسيرة الأقلّية المهاجرة في تطوّرها من حال إلى ما هو أفضل منها إذا ما وقفت عند الفتاوى الموضوعة للحال الأولى، أو تتطوّر إلى ما تستشرفه من مستقبل، ولكن على غير هدي ديني تكفّل الإفتاء بأن يكون هو هدفه المبتغى. وبالنظر إلى هذا الوضع الذي يجد أهل الذكر أنفسهم مفتين فيه لأقلية مسلمة في الغرب هي في حال تطوّر من مرحلة إلى أخرى فإنّه أصبح من الضروري أن تكون القرارات والفتاوى الفقهية مستهدية بخطّة استراتيجية تأخذ بعين الاعتبار هذه المرحلة الانتقالية فيما هي مشدودة فيه إلى وضع سابق، وما هي مستشرفة إياه من وضع مستقبلي، ليكون الهدي الديني الذي يتصدّى له المفتون في شأن الأقلّية مساعدا لها على هذا الانتقال بما يحقّق أهدافها المتطوّرة دونما اضطراب أو انحراف.

وبالنظر إلى ما تقدّم فلعلّ السؤال المهمّ الذي يطرح نفسه في بناء استراتيجية الفقه الإفتائي للأقليات المسلمة المهاجرة هو: كيف يمكن إقامة معادلة صحيحة لبناء فقه للأقلّيات المسلمة المهاجرة إلى الغرب، بين ما تقتضيه المرحلة العرضية من فتوى تميل إلى الترخيص بحكم الطبيعة الاستثنائية لتلك المرحلة، وبين ما تقتضيه مرحلة المواطنة من فتوى تميل إلى التأسيس على العزائم بحكم طبيعتها المستقرّة؟ إنّ الجواب على هذا السؤال يقتضي شرحا أوفى لطبيعة المرحلتين في أبعادهما المختلفة، وبيانا لطبيعة ما تقتضيه كلّ منهما من الفقه الإفتائي، حتى يتمّ بعد ذلك بناء المعادلة بين فقه الترخيص وفقه العزائم كخطّ أساسي من خطوط الاستراتيجية الهادية لفقه الإفتاء في شأن الأقليات المسلمة المهاجرة([1]).

1- المهاجرون بين عهدين

إنّ الوضع الذي يمرّ به الوجود الإسلامي بأوروبا هو وضع انتقالي بين مرحلتين: مرحلة عرضية سابقة، ومرحلة مستقرّة لاحقة. ولا تخطئ عين الدارس لهذا الوضع الانتقالي مظاهرَ وتمثّلاتٍ لهاتين المرحلتين، تؤول المتعلّقة منهما بالمرحلة الأولى إلى التناقص شيئا فشيئا، لتحلّ محلّها المظاهر المتعلّقة بالثانية. وكما هي السنّة في هذا الشأن، فإنّ بين المنصرف والمقبل نزاعا يضيف للمشهد عنصرا جديدا ينبغي دوما أخذه بعين الاعتبار في الوصف، ليؤخذ بعين الاعتبار في العلاج.

أ ـ الهجرة المؤقَّتة:

لَمَّا بدأ المسلمون يتوافدون إلى أوروبا في الهجرة التي هم فيها الآن لم يكن يخطر ببالهم إلاّ أن يأتوا إليها من أجل قضاء مأرب وقتي، هو في الأغلب تحصيل مكسب اقتصادي في الأكثر أو علمي في الأقلّ، ثمَّ العودة إلى بلادهم الإسلامية التي وفدوا منها بغنائمهم المكتسبة ليؤسّسوا حياتهم وحياة أبنائهم في ظروف أفضل، وحتى أولئك الذين طال بهم المقام في الديار الأوروبية كانت العودة إلى بلادهم هي الحلم الأكبر الذي حالت دونه في الغالب ظروف قسرية، فكانت أجسامهم في أوروبا وآمالهم وأشواقهم معلّقة ببلادهم.

وعلى أساس ذلك فإنّ حياة هؤلاء المهاجرين انبنت على أساس الظرفية في كلّ مجالاتها. ومن ذلك أنّ هجرتهم لم تكن تشمل الأسر إلاّ على سبيل الندرة، إذ الأسرة هي عنوان الاستقرار، والاستقرار المأمول إنما يكون في البلاد الأصلية، فكان معظم المهاجرين يعيشون في أوروبا عزّابا من عمال وطلبة ومضطهدين سياسيين. والأعمال التي كانوا يتعاطونها كانت أعمالا ذات طابع ظرفي في أغلبها، وهي لا تعدو أن تكون إجارة لليد العاملة في الأكثر، أو أنشطة مهنية في الأقلّ. ولم يكن تملّك البيوت أو المتاجر داخلا في حسبان المهاجرين إلاّ نادرا، إذ هو من مقتضيات الاستقرار الذي لم يكن مطروحا عليهم.

وقد أدّى هذا النمط الظرفي من حياة المهاجرين إلى أن يكون البعد الجماعي في علاقاتهم ببعضهم كمسلمين بعدا ضعيفا إلى درجة كبيرة، إذ الشعور السائد بينهم هو الشعور بأنّهم مسلمون أفرادا وليسوا جماعة، فكانت العلاقات الجارية بينهم تقوم في أغلبها على ذلك الأساس؛ ولهذا السبب فإنّ المؤسّسات والهيئات التي تشير إلى البعد الجماعي لم يكن لها وجود يتجاوز العدد القليل من المصلّيات التي يقتصر دورها تماما على أداء صلوات يتفرّق المسلمون بعدها أفرادا.

 وكذلك فقد كانت علاقتهم بالمجتمع الأوروبي الذي يعيشون فيه علاقة محدودة جدا، لا تكاد تتجاوز المعاملات المتعلقة بإجراءات الإجارة التي كانت عمل أغلب المهاجرين، أمّا الوشائج الاجتماعية والثقافية والاقتصادية فضلا عن السياسية فقد كانت أمرا غير وارد على المهاجرين أن ينخرطوا فيها بحكم ما يحملونه من شعور بظرفية وجودهم في المهجر، فلم يكن لها إذن وجود في الواقع إِلاَّ على سبيل الندرة.

هكذا كانت إذن أوضاع الأقلّيات المسلمة المهاجرة إلى الغرب عموما، وإلى أوروبا خصوصا منذ بدأت الهجرة إليها قبل أكثر من قرن، وقد ظلّت على ذلك النحو ما يقارب ثلاثة أرباع القرن: هجرة فردية، مرتّبة على أساس أنّها ظرفية محكومة بالتوقّي إلى العودة، متخفّفة من كلّ مقتضيات الاستقرار في ممارسة الأعمال وفي الوضع الأسري، ومنطبعة بالطابع الفردي الذي يخلو أو يكاد من الشعور بالوجود الجماعي للجالية المسلمة، ومحدودة إلى درجات كبيرة في تفاعلها مع المجتمع الذي تعيش فيه على مختلف أوجه الحياة.

ب ـ الهجرة المستقرةّ:

إنّ مرحلة الظرفية الآنفة البيان بدأت تغزوها منذ ما يقارب عقدين أو ثلاثة من الزمن مرحلة أخرى مقابلة لها، وهي مرحلة الوجود المستقرّ الثابت للمسلمين المهاجرين، إذ قد بدأ كثير منهم يرتّب أمره على أساس أن يكون هذا المهجر هو مستقرّ الحياة، ودار القرار، وعلى أنّ البلد الأصلي الذي هاجروا منه أو هاجر منه آباؤهم لم يبق إلاّ ذكريات بعيدة لا يتجاوز التوقّي إليها زيارتها على سبيل السياحة، أو التواصل مع من بقي فيها من ذوي الأرحام. وما فتئت أعداد هذا الصنف من المسلمين تزداد يوما بعد يوم حتى أصبحت تزاحم أعداد أولئك المنتسبين للمرحلة الظرفية.

وفي هذه المرحلة أصبح العدد المتزايد من المسلمين يوجّه حياته تحقيقا للاستقرار نحو بناء أسري بدل العزوبة، حتى امتدّت الأسر إلى جيل ثان وطلائع لثالث، ويوجّهها نحو أعمال دائمة بتعاطي ضروب من التجارة وتأسيس المقاولات والشركات بدل أعمال الإجارة الظرفية، بل بدأ يوجّهها نحو تملّك العقارات والمنشآت بيوتا وأبنية وأراضين وحقوقا تجارية، وذلك مؤشّر على الاتّجاه القوي نحو الاستقرار بدل العبور والعرضية.

وقد صحب ذلك نموّ سريع للشعور بالمعنى الجماعي للمسلمين، وهو شعور جعل يدفع إلى تحقّقات عملية تمثّلت في تكاثر المؤسّسات التي يلتقي فيها العدد الكبير منهم، لممارسة حياتهم الجماعية، وتدارس مشاكلهم والبحث لها عن حلول، وهو ما تجاوز تأسيس الأعداد الكبيرة من المساجد إلى تأسيس المراكز والنوادي والجمعيات والمدارس والمعاهد الجامعية وما هو شبيه بها، وكلّها محاضن لحياة جماعية بدأت تتّجه إليها الأقلّية المسلمة على مستوى شعوري ثقافي، وعلى مستوى ممارسة فعلية.

وبدأت العلاقة بالمجتمع تنحو في طالع هذه المرحلة منحى التواشج في مستويات متعدّدة، فقد انخرط كثير من المسلمين في الدورة الاقتصادية تجارة وأعمالا، وانخرط آخرون في مؤسّسات ومنظمات اجتماعية مختلفة، وأصبح جيل بأكمله من المسلمين يؤمّون المدارس والجامعات العامّة، ويتخرّجون منها بثقافة المجتمع الأوروبي، وثمّة طلائع من المسلمين بدأت تنخرط في العمل السياسي في مستويات متعدّدة. وهكذا بدأ المسلمون في دورة من الاندماج في المجتمع بدل ما كان سائدا من مسلك التمايز منه، والابتعاد عنه إلاّ بمقدار ما تحتّمه الضرورة من قضاء حاجات آنية.

وإذا كانت هذه المرحلة قد بدأت في مظهر عملي هو أقرب إلى أن يكون عفويا، إلاّ أنّها منذ بعض الزمن بدأت تبحث لها عن سند نظري تأصيلي، وتتّخذ شعارات معبّرة عنها، بل ترسم أهدافا وغايات تسعى إلى أن تنتهي إليها. ومن ذلك ما أصبح يروج من مصطلح الاندماج المقصود به تفاعل المسلمين مع مجتمعهم الأوروبي تفاعلا يكونون به جزءا منه ومكوّنا من مكوّناته، وليسوا مفصولين عنه واقعين على هوامشه وأطرافه. وما أصبح يروج أيضا من مصطلح المواطنة المقصود به أن يصبح المسلمون في المجتمع الأوروبي مواطنين فيه، لهم ما لسائر المواطنين من الحقوق وعليهم ما عليهم من الواجبات، وأن يكونوا مخلصين لوطنهم الأوروبي، غيورين عليه، عاملين على تحقيق مصالحه، ودفع الضرر عنه.

ولعلّ من أهمّ الأهداف التي أصبحت مطروحة اليوم على الوجود الإسلامي في مرحلته الجديدة هو هدف الشراكة الحضارية، وهو هدف يعني أنّ المسلمين في أوروبا ينبغي أن يكون وجودهم فيها غير مقتصر على الاستهلاك في ميدان الإشباعات المادِّية، والإشباعات العلمية والمعرفية، وَإِنَّمَا يجب أن يكونوا مسهمين في تطوير المجتمع وترشيده ومعالجة مشاكله، وفي دفع مسيرته الحضارية نحو الازدهار والتقدّم، وذلك من جهة كونهم مسلمين يتوفّرون على مدد ثري فيما يتعلّق بالقيم الروحية والأخلاقية والاجتماعية. وإذا كان هذا الهدف لم يحتلّ بعد في وعي الأقلّية المسلمة موقعا واسعا عميقا، إلاّ أَنَّه يبدو أَنَّه يتّجه نحو أن يكون هو الموجّه الأساسي لهذه المرحلة من الوجود الإسلامي بأوروبا بأكملها.

ج ـ المرحلة الانتقاليَّة:

إنّ التغيّر في المجتمعات لا يحدث بصفة حدّية تتمايز فيها المراحل بالمفاصلة، وإنما يتمّ فيها الانتقال من مرحلة إلى أخرى بالتداخل، بحيث تحدث بينهما مرحلة انتقالية تأخذ من هذه ومن تلك حتى يتمّ الانتقال بصفة قاطعة أو شبه قاطعة. ووضع الوجود الإسلامي بأوروبا هو اليوم يمرّ بهذه المرحلة الانتقالية منذ ما يقارب العقدين من الزمن، إذ هو يجمع الواقع فيه بين مشاهد من مرحلة الوجود الظرفي، ومشاهد من الوجود المواطن المستقرّ أو النازع إلى الثبات والاستقرار.

ففي هذا الوجود الإسلامي في وضعه الراهن قسم من الناس ما زالوا يعتبرون أنفسهم مهاجرين لظرف مؤقّت، ويرتّبون حياتهم على أساس العودة إلى مواطنهم الأصلية؛ ولذلك فإنّ صلتهم بالبلاد التي يقيمون فيها صلة محدودة، وتفاعلهم مع المجتمع بما فيه المكوّن الإسلامي من مكوّناته تفاعل ضعيف. ومنه قسم آخر أكثرهم من الشباب رتّبوا حياتهم على أنّ أوروبا هي موطنهم، وكثير منهم لا يعرفون لهم موطنا غيره؛ ولذلك فإنهم قطعوا أشواطا مهمّة في الاندماج الاجتماعي، واتّخذوا من أسباب الاستقرار جملة مقدّرة: أعمالا ثابتة، وملكيات متنوّعة، ومؤسّسات اجتماعية وثقافية وسياسية، ومن مجموع ذلك أصبحوا يتصرّفون على أنّهم مواطنون مثل سائر المواطنين الأصليين.

وهذا التداخل في الفترة الانتقالية بين مظاهر من مرحلة سابقة ومظاهر من أخرى لاحقة من شأنه أن يجعلها متفاوتة في الخصائص، غير منضبطة في التوصيف، فالمراحل الانتقالية في الحياة الاجتماعية تتمخّض دوما على تعقيدات، وتنطوي على ملابسات قد تبلغ درجة الأزمات، وذلك على غير الوضع الذي تكون عليه المراحل العادية، وهو ما من شأنه أن ينعكس صعوبة إضافية فيما يبتغيه الفقهاء من إفتاء للأقليات المسلمة كي تتوفّق أوضاعهم لمقتضيات الدين؛ فما تكون به الفتوى لوضع ينتمي إلى المرحلة الظرفية قد لا يكون مناسبا لما تكون به الفتوى للمرحلة التي تستشرف المواطنة والاستقرار، بل قد يكون مناقضا له أحيانا.

 ولعلّ هذه الصعوبة تمثّل إحدى أكبر التحدِّيات التي تواجه المتصدّين للإفتاء خلال المرحلة المقبلة، فكيف يمكن للفقه الإفتائي أن يواجه هذا التحدِّي؟ وكيف يمكنه التوفيق في الفتوى بين ما تتطلّبه هذه الفترة الانتقالية بمرحلتيها المتداخلتين لتمضي حياة الأقلّية المسلمة في أوروبا مستهدية بالهدي الديني فيما هي منتقلة منه وضعا ظرفيا إلى ما هي صائرة إليه استقرارا مواطنا؟

د ـ التحدِّيات التي تواجه المهاجرين:

يواجه المسلمون المهاجرون في مراحل وجودهم المختلفة تحديات كثيرة، يتنوع بعضها بتنوع المراحل، ويُستصحب بعضها الآخر في تلك المراحل كلها ليكون أحد أهمّ ما ينبغي أن يكون مأخوذا بعين الاعتبار في الفقه الذي يراد أن تعالج به أوضاع هؤلاء المهاجرين في المراحل المختلفة من وجودهم في الغرب للحفاظ على هويتهم الإسلامية، وليكونوا المسلمين ذوي العطاء القيمي الحضاري الذي يشهدون به على الناس لا مجرد المسلمين المستهلكين الذين يأخذون ولا يعطون، ويستهلكون ولا ينتجون.

ولعلّ من أهمّ تلك التحدِّيات المستصحبة عبر المراحل المختلفة أنّ المسلمين المهاجرين وأبناءهم النازعين إلى الاستقرار يجدون أنفسهم في الغرب بصفة عامة تحت سلطان قانوني ليس هو سلطان الدين الذي يؤمنون به، وَإِنَّمَا هو سلطان القانون الوضعي الذي يحكم المجتمعات التي يعيشون فيها، وهو القانون الذي يختلف في كثير منه بل في الأكثر عن المقتضيات الدينية الملزمة للمسلم، ليس فقط فيما هو مخير فيه من الأوضاع، وَإِنَّمَا أيضا في كثير مِمَّا هو واجب عليه فيما يتعلق ببعض العبادات وبعض الأحوال الأسرية وبعض المعاملات المالية.

وبالإضافة إلى هذا السلطان القانوني المناقض في كثير منه لسلطان الشريعة فإن المسلم في الغرب يجد نفسه أيضا تحت سلطان آخر قد لا يكون مكتسيا صبغة الإلزام، ولكنّ له تأثيرا كبيرا على الناس، وهو السلطان الثقافي الاجتماعي المتمثل في العادات والتقاليد ونمط الحياة في العلاقات والمعاملات، فكلّ ذلك يشكّل ضغوطا اجتماعية ثقافية ثقيلة أصبح المسلم في أوروبا يرزح تحتها سواء كان مهاجرا ظرفيا أو مواطنا مستقرا، وأصبحت تتحداه في هويته الإسلامية وفي تصرفاته العملية باعتباره مسلما.

ومن أهمّ التحدِّيات التي تواجه المسلم في الغرب التحدِّي المادِّي الضارب الذي يتخلل كل مناحي الحياة، بل الذي يمثل السمت العام لكل مظاهر الحياة. فمن المعلوم أنّ الحياة عند أهل الغرب سقطت منذ زمن في مادية كالحة على المستوى الفلسفي النظري، وعلى المستوى العملي السلوكي على حدّ سواء، وهو ما أدّى بالحياة الروحية القيمية الفردية والجماعية إلى القحولة والجفاف، كما يظهر جليا في العلاقات الأسرية، وفي العلاقات بين عموم الأفراد التي أصبحت قائمة على المصلحة المادِّية ولم تعد معاني الأخوة والصداقة تجد فيها مكانا إلا عند القليل من الناس.

ومن المظاهر المؤثرة تأثيرا مباشرا على المسلمين في الغرب من مظاهر هذا التحدِّي المادِّي تلك الغواية الشديدة الوطأة على جيل الشباب بصفة خاصة متعلّقة بالغريزة الجنسية، فبقدر ما تتشدّد شريعة الإسلام في تنظيم هذه الغريزة في اتجاه حصرها في المؤسسة الأسرية بطريق الزواج، ومنع كلّ لون من ألوان إشباعها خارج تلك المؤسسة، فإنّ الثقافة الغربية أطلقت لها العنان بدون قيود تذكر، وهو ما يمثّل تحديا كبيرا للمسلم الذي يعيش في الغرب، إذ تهاجمه الغواية في هذا الشأن من كل مكان وبكلّ الوسائل، فيجد نفسه عرضة للسقوط فيما جاء الدين يشدّد فيه الأحكام ويغلظ فيه العقوبة. وإذا ما استطاع أن يتفادى السقوط المباشر في هذا المنزلق فإنه يجد نفسه يبحث عن مبررات ظاهرها شرعي ولكنها تشتمل على الكثير من الشبه والمحاذير، من مثل الزواج العرفي والزواج المؤقت أو شبه المؤقت، وكلّ ذلك ابتلاء كبير يتعرض له المسلمون في الغرب.

ومن مظاهر التحدِّي المادِّي للمسلمين في الغرب أيضا ما هو فاشٍ في المجتمع الغربي من نزعة استهلاكية عارمة، حتى أصبح الاستهلاك للمصنوعات والمزروعات والمركوبات قيمة من القيم الاجتماعية والاقتصادية العليا في المجتمع، وناهيك في ذلك أنّ مقياس التقدّم الاقتصادي أصبح يقاس بمعدّل استهلاك الفرد، وذلك ما جعل التشجيع على الاستهلاك والدفع إليه سياسة قارّة في بعض الدول، فأصبح الاستهلاك إذن ثقافة قارّة في المجتمع الغربي، وهو ما يجعل المسلم ينزع نفس المنزع بما يستيقظ فيه من الشره لاقتناء ما هو في حاجة إليه وما هو خارج حاجته، مع ما يترتب على ذلك من نتائج سلبية نفسيا واجتماعيا واقتصاديا.

وَمِمَّا يؤجج هذا الشره الاستهلاكي ذلك الإغراء الواسع من الدعاية الإعلانية للإقبال على الاستهلاك والمزيد من الاستهلاك، بما فيه من التنوّع الفني والإخراج المبدع، وبما يُنفق فيه من الأموال الطائلة التي قد تساوي كلفة المستهلَك أو تفوقه، فكلّ ذلك من شأنه أن يثير الشهوات إلى الاستهلاك، مع ما ينتج عنه من أضرار نفسية بها تصبح به النفوس عبيدا للشهوة، ومن أضرار اقتصادية بها تصبح الأسر رازحة تحت المديونية، وبما يؤدي إليه هذا وذاك من خلل في الالتزام الديني في ذلك الهامش الذي تتركه الإلزامات القانونية خيارا للناس.

إن هذه الإكراهات المتعددة التي تتعرض لها حياة المسلمين في الغرب ينبغي أن تكون مأخوذة بعين الاعتبار في الاجتهاد الفقهي الذي يعالج أوضاع المسلمين المهاجرين في مراحل هجرتهم العرضية وفي مراحلها المستقرة على حدّ سواء، ولكن باختلاف في الفقه الإفتائي يقتضيه الاختلاف في الأحوال كما استقرّ عليه أئمّة الفقهاء، تدرجا بالمسلمين في الغرب من الرخص التي تناسب أوضاعهم الانتقالية إلى العزائم التي تناسب أوضاعهم المستقرّة فيما هم آيلون إليه، من وضع المواطنة في المجتمع الأوروبي الذي يكونون فيه شركاء في مسيرة التحضّر ومتحفزين فيه إلى أن يكونوا شهداء على الناس.

2 ـ فقه الترخيص للهجرة الظرفية

مبدأ الرخصة في الشريعة مبدأ معتبر، فكثير من الأحكام جاءت على وجه الاستثناء من الأحكام الأصلية العامّة، وهي أحكام العزائم، وذلك لسبب من الأسباب اقتضى ذلك الاستثناء. وتُبنى أحكام الترخيص على أساس أنّ الحكم العامّ قد يكون تنزيله على مناطه في ظرف من الظروف غير مؤدّ إلى تحقيق مقصده، بل قد يكون مؤدّيا إلى عكس ذلك المقصد من الضرر أو الحرج الشديد، فيكون حكم الترخيص إذن مؤدّيا إلى تحقيق تلك المقاصد باستثناء مناطاتها من أن ينطبق حكم العزائم عليها.

وقد يكون الترخيص حكما منصوصا عليه مثل الترخيص في التيمم عند تعذّر الوضوء، أو الترخيص في قصر الصلاة عند السفر، وقد يكون غير منصوص عليه ولكن يستحدث بالاجتهاد وفق قواعد فقهية مقرّرة، مثل الرخص التي تقتضيها قاعدة “الضرورات تبيح المحظورات”؛ ولذلك فإنّ مجال الترخيص في الشريعة مجال واسع، وفقه الرخص فقه دقيق يستلزم من النظر جهودا مضاعفة، ولذلك شاعت بين الفقهاء تلك المقولة المأثورة عن الإمام سفيان الثوري: “إِنَّمَا الفقه الرخصة من ثقة، أمّا التشدّد فيحسنه كلّ أحد”([2]).

ونشير في هذا الصدد إلى أنّ فقه الترخيص في شأن أوضاع المهاجرين ليس فرعا مستثنى من الفقه العام فيما يقوم عليه من أسس الترخيص وقواعده، وَإِنَّمَا هو قائم على ذات تلك الأسس والقواعد، واستعماله في حال المهاجرين كاستعماله في أيّ وضع آخر من الأوضاع التي يتعرض لها المسلمون متصفة بشيء من الخصوصية، وإذ يعيش المسلمون المهاجرون حياة تواجههم فيها تلك التحدِّيات القانونية والمادِّية فإنهم في توفيق حياتهم إلى مقتضيات الشريعة يُراعى في أمرهم تلك الخصوصية في وضعهم بفقه ترخيصي لمعالجة بعض قضاياهم فيما يقوم عليه ذلك الفقه من القواعد، فإذا ما تغيرت أوضاعهم بزوال خصوصيتها مال الأمر في الفقه الإفتائي لهم إلى فقه العزائم الذي يناسب الأوضاع العادية المستقرة.

أ ـ مبرّرات فقه الترخيص:

السمت العامّ لفقه الترخيص هو سمت الاستثناء، إذ هو في عمومه تخصيص أحكام شرعية بمفردات من أعيان الأشخاص أو الأحوال استثناء لها من الأحكام الشرعية العامّة المتعلّقة بأجناس تلك المفردات، وذلك بسبب ملابسات تعلّقت بها تجعل المقصد من الحكم الشرعي العامّ لا يتحقّق فيها، فيُترخّص فيها إذن بحكم آخر يتحقّق به مقصد الشريعة، وذلك هو مراد الإمام الشاطبي في قوله: “إذا اعتبرنا العزائم مع الرخص وجدنا العزائم مطّردة مع العادات الجارية، والرخص جارية عند انخراق تلك العوائد”([3]).

وبناء على ذلك فإنّ فقه الترخيص إنما تشتدّ الحاجة إليه في الظروف التي تكون استثناء من مجرى الحياة العادية، كالحروب والمجاعات والقحط وما شابهها، فتلك الظروف تختلّ فيها كثير من الأنساق العادية لأحوال الناس فرادى وللعلاقات بينهم جماعات، فيكون للرخص مجال واسع لمعالجة تلك الأحوال والعلاقات الطارئة على المجرى العادي للحياة توخّيا لما تقصده الشريعة من رفع الحرج والمشقّة على المكلّفين، وتسهيلا عليهم أن يمضوا في التديّن بما تُيسّره الرخص، حذرَ أن ينكصوا عنه بما تسبّبه العزائم من الشدّة في تلك الظروف المستثناة من النسق العادي للحياة.

ولو تأمّلنا في وضع الأقلّيات المسلمة في أوروبا فإننا نجده وضعا يحمل من الاستثنائية قدرا كبيرا؛ فأحكام الشريعة يتّجه معظمها بالخطاب إلى المسلمين في المجتمع الإسلامي، وهو المجتمع الذي يخضع لسلطان القانون الشرعي، وتسود فيه الثقافة الإسلامية، وتنبني فيه العلاقات على أسس دينية، أما الأقلّيات المسلمة فهي خاضعة لسلطان قانوني غير إسلامي، وتعيش في مناخ ثقافي واجتماعي مخالف في أكثر أحواله للمقتضيات الدينية، وتتعرّض كلّ يوم لتحدّيات شديدة في تديّنها معتقدات وسلوكا بسطوة إعلامية قاسية، وبإلزامات قانونية نافذة، وقد تتعرّض أحيانا لهجومات ذات طابع عنصري وتمييز ديني.

وإذا كان هذا الوجه من الاستثنائية لوجود الأقليات المسلمة بأوروبا ناشئا عن كونها تعيش مرحلة هي فيها منتقلة في أغلبها من البلاد الإسلامية إلى مهاجرها الجديدة، وهو ما كانت به قلقة في وضعها أقلّياتٍ في مجتمع غير إسلامي، فإنّ وجها آخر من هذه الاستثنائية ناشئ من كونها تعيش في تلك المرحلة حالة من الظرفية والعرضية لما هي متحفّزة إليه من الدخول في مرحلة جديدة هي مرحلة المواطنة والاستقرار، فجمعت بذلك بين استثنائية من حيث مبدأ وجودها، واستثنائية من حيث صيرورته، وهو ما ينبغي أخذه بعين الاعتبار في النظر الفقهي المتعلق بهذه الأقلية.

وبالإضافة إلى ذلك فإنّ وضع الأقلّيات المسلمة بما هو وضع جماعي أو نازع إلى أن يكون جماعيا، وبما أنّ المطالب التي يطلبها هي مطالب جماعية في الكثير منها، فإنّ مستوى حاجاته قد ترتفع من كونها حاجات إلى مستوى كونها ضرورات، إذ الحاجات إذا كانت جماعية تُنزّل منزلة الضرورة من حيث كانت حاجات في وضع الأفراد، وذلك ما قرّره العزّ بن عبد السلام في قوله: “المصلحة العامّة كالضرورة الخاصّة”، وأقرّه وشرحه شرحا وافيا ابن عاشور في كتابه “مقاصد الشريعة”([4])، وهو ما يقوى به معنى الاستثنائية في وضع الأقلّيات المسلمة.

وبالنظر إلى كون الحال الاستثنائية للأقلّيات المسلمة ستظلّ حالا مستصحبة على مدى أجيال؛ فإنّ فقه الترخيص في شأنها سيظلّ أيضا مستصحبا طيلة ذلك المدى، ولكنّه فيما نقدّر ينبغي أن يكون ذلك الفقه متناسبا في حجمه وفي كيفه مع حجم الاستثنائية وكيفها في تلك الحال، فوجود الأقلّيات المسلمة بأوروبا لئن كان في مبدئه طارئا بالهجرة ذات الطابع الفردي؛ فإنّه بعد مرحلة كان فيها يتّصف بالظرفية والعرضية، بدأ يدخل في مرحلة أخرى أصبح يتّصف فيها بالمواطنة والاستقرار، وحجم الاستثنائية وطبيعتها في هذه غير حجمها وطبيعتها في تلك، وهو ما يدعو إلى إعادة النظر بين الفينة والأخرى فيما تقوم عليه منهجية فقه الترخيص المعتمدة في الإفتاء لتواكب التحوّل الواقع في الاستثنائية التي هو مبرّر الترخيص.

ب ـ منهجية فقه الترخيص:

بناء على ما تقدّم يمكن أن تتأسّس قواعد منهجية عامّة في فقه الترخيص الذي يعتمد في فقه المهاجرين. ولعلّ من بين ما يصلح أن يُدرج ضمن تلك القواعد ما يلي:

أوّلا ـ تأصيل الفتوى:

ونعني بالتأصيل أن يكون لكلّ رخصة يُفتى بها للمهاجرين المسلمين أصل تستند إليه من أصول الاجتهاد، نصّا من الوحي، أو ما هو عائد إليه من طرق الاستنباط. وإذا كان النصّ ظنّيا فإنّ للاجتهاد من أجل الترخيص فسحة بشرط أن يكون التأويل معتبرا تجيزه قوانين اللغة، وتدعمه قواعد الشريعة ومقاصدها.

وإذا كان الإجماع هو الخطّ الأحمر الذي ينبغي للاجتهاد من أجل الترخيص أن لا يتجاوزه، فإنّ اجتهادات الفقهاء في المذاهب المعتبرة تصلح أن تكون جميعا محلّ نظر من أجل الاستفادة منها في الترخيص، سوى أنّ الإجماع كثيرا ما كان يُدّعى في العديد من القضايا ويتبيّن بالبحث أنّه ادّعاء زائف، وهو ما يستدعي جهدا من التقصّي لتمييز ما هو مجمع عليه مِمَّا هو ليس كذلك في القضايا العارضة لشؤون الأقلّيات المسلمة.

وإذا ما استُبعد ما هو مجمع عليه من أن يطاله الاجتهاد من أجل الترخيص فإنّ اجتهادات الفقهاء فيما له علاقة بالقضايا المطروحة ينبغي أن تُعرض جميعا للنظر، دون استبعاد لأيّ منها بسبب تعصّب مذهبي، أو خلاف عقدي، أو انعدام تداول وشهرة، وحينما يكون السند العلمي لأيّ اجتهاد فقهي سندا معتبرا، فإنّ الترخيص يمكن أن يكون بتفضيل المرجوح على الراجح، والمغمور على المشهور، وما قال به الآحاد على ما قال به الجمهور، فإنّ في تراثنا الفقهي كنوزا مخفية، غمرها التعصّب، وغيّبتها المرجوحية، وطمسها التناسي، وناهيك في ذلك بما طاله النسيان أو التناسي من اجتهادات أئمّة عظام من أمثال الطبري وابن حزم وغيرهما من كبار الفقهاء.

إنّ كثيرا من هذه الاجتهادات إذا كانت غير مناسبة لحلّ مشاكل عصرها لملابسات تختصّ بها فطالها النسيان والإهمال، فإنه عند المراجعة يتبيّن أنّها أصبحت صالحة لمعالجة قضايا حدثت في عصرنا بملابسات أخرى غير تلك التي استبعدتها في الماضي، فينبغي الاستفادة منها في فقه الترخيص في شأن الأقلّيات ما تبيّن أنّ في ذلك مصلحة معتبرة.

ثانيا ـ استثنائية الطابع:

حينما يُفتى في شأن الأقلّية على أساس فقه الترخيص ينبغي ـ فيما نحسب ـ أن تكون الفتوى حاملة في ذاتها لمعنى الاستثنائية التي هي مبرّر الفتوى بها من الوضع الذي وقع فيه الإفتاء، بحيث يستقرّ في ذهن المسلم أنّ تلك الفتوى إِنَّمَا هي متعلّقة بالوضع الذي هو فيه من وجوده في أوروبا، وليست متعلّقة بذلك الوجود في ذاته، فإذا ما تغيّر ذلك الوضع فإنّ تلك الفتوى يمكن أن تفقد مشروعيتها ليحلّ محلّ الفتوى بالترخيص الفتوى بالعزيمة حتى وإن استمرّ الحال على الوجود كأقلّية ولكن بتغيّر الأوضاع في ذلك الوجود.

ويمكن أن يُشرب هذا المعنى المتمثّل في روح الاستثنائية في صياغة الفتوى ذاتها، أو في توجيهات تتخلّلها، أو في تنبيهات تصحبها أو في تذييلات تعقبها، وذلك كلّه من أجل أن لا تنبني حياة المسلمين في أوروبا نفسيا وواقعيا على أساس الرخص، وتستمرئ ذلك وتستمرّ عليه، فيصبح الترخيص القائم على الاستثناء هو الأصل، والحال أنّ الأصل هو أن تجري الحياة على العزائم لا على الرخص.

إنّ وجود الأقلّيات المسلمة بأوروبا لئن كان في وضعه الحالي يحتاج إلى أن يُعالج في بعض من قضاياه بفقه الترخيص بالنظر إلى استثنائيّة أوضاعه، فإنّه ينبغي أن يكون متّجها نحو التخفّف من تلك الاستثنائية شيئا فشيئا، وحينئذ فإنّ الاتّجاه في معالجته الفقهية ينبغي أن يكون هو أيضا ناحيا منحى عزائم الأحكام. وإذا ما سادت في حياة المسلمين ثقافة الترخيص، وجرت حياتهم على استمرائها فإنّ ذلك سوف يدفعهم إلى التقاعس عن العمل من أجل تطوير حياتهم في اتّجاه الاستقرار بديلا من الاستثنائية، وفي ذلك ضرر بأهدافهم المستقبلية كما شرحناها سابقا.

إنّ فقه الترخيص ينبغي أن يؤطّر بإطار الظرفية، وأن يحمل في ذاته ما يمكنه به أن يتجاوز نفسه لينتهي إلى فقه العزيمة، فيكون له ذلك منهجا يقيه من الوضع الذي يصبح فيه هو الأصل المستقرّ فيعيق حياة الأقلّيات عن التطوّر. فإذا أُفتي مثلا على سبيل الترخيص بجواز القرض البنكي من أجل شراء البيوت([5]) فإنّ ذلك يجب أن يكون استثناء مقترنا بوجوب أن يسعى المسلمون سعيا حثيثا إلى استحداث المؤسسات التي تقرض على أساس غير ربوي، وإذا أُفتي ترخيصا بجواز التأمين في بعض الصور التي يكون فيها الغرر، فينبغي أن يكون ذلك مشروطا بالسعي في استحداث المؤسسات التي تؤمّن بغير غرر، وهكذا تتربّى الأقلّية على أنّ فتوى الترخيص إِنَّمَا هي مشروطة بالسعي في إزالة أسبابها من الظروف التي ألجأت إليها، ومن شأن هذه الثقافة أن تكون عامل تطوير لحياتها في سبيل تحقيق أهدافها.

ثالثا ـ اعتبار المآل:

إنّ الفتوى بالترخيص للأقلّيات المسلمة المهاجرة لئن كانت مبنية على مقصد تيسير الحياة ورفع الحرج الناشئ من ظروفها الاستثنائية، فإنه ينبغي أن يُنظر فيها بدقّة إلى المآل الذي تؤول إليه، بحيث لا يكون ذلك المآل مناقضا لما ابتُغي منها من مقصد. فإذا ما عُلم بأغلب الظنّ على الأقلّ بأنها قد تنتهي إلى ذلك التناقض، فربما وقع العدول عنها إلى الإفتاء بالعزيمة اعتبارا للمآل كي لا يعود على المقصد بالبطلان.

ويستلزم هذا الاعتبار للمآل أن يكون الإفتاء بالترخيص جاريا وفق خطّة تقوم على استشراف للمستقبل في وضع الأقلّيات المهاجرة من حيث ما هو متطوّر إليه من مصير، وما هو مرسوم له من أهداف، فيكون إذن مستهديا بخارطة مستقبلية تستبين فيها المسارات الصحيحة التي تؤدّي إلى الهدف المقصود، فإذا ما تبيّن بذلك الاستشراف ومن خلال تلك الخارطة أنّ الترخيص في قضية ما من القضايا قد ينتهي إلى مصير يخالف ذلك الهدف عُدل عن الرخصة إلى العزيمة دفعا لأقوى المفسدتين أو جلبا لأقوى المصلحتين. والإفتاء بالرخصة بصفة تلقائية عفوية لا تنظر إلا إلى الوضع الراهن، ولا تستهدي بالخارطة المستقبلية من شأنه أن يوقع وجود الأقلّيات في إرباك ينعكس سلبا على مسيرته المستقبلية.

وإذا كان وجود الأقلّيات المسلمة بأوروبا قد وضع هدفا له أن يُصبح وجودا مواطنا مستقرّا يُسهم في المسيرة الحضارية للمجتمع الأوروبي إسهاما حقيقيا باعتباره أصبح مكوّنا من مكوّنات المواطنة فيه، فإنّ الإفتاء بالترخيص يجب أن يضع نصب عينيه هذا الهدف، ويكون مستهديا به، وذلك حتى لا يقع هذا الإفتاء في ترخيصات من شأنها أن تناقضه، بما تفضي إليه من تكريس دائم لحالة الظرفية والاستثنائية من حيث كان المراد هو تحقيق المواطنة والاستقرار والشراكة الحضارية.

 لقد وقع الاتجاه في مسألة اللحوم إلى الإفتاء بعزيمة الذكاة، وهو ما جرى عليه الأمر منذ عقود، ويبدو أنّ الإفتاء الفقهي ماض فيه أيضا، وكان يمكن أن يُفتى فيه بالرخصة لتوفّر أسبابها الواقعية والفقهية، وقد تبيّن أنّ الإفتاء فيه بالعزيمة كان هو الأصوب، إذ قد نشأت منه في أوروبا سوق كبيرة للحلال أسهمت بقدر كبير في فوائد اقتصادية للمسلمين، كما أسهمت في الحفاظ على شخصيتهم وهويتهم الثقافية والاجتماعية.

وفي مقابل ذلك فإنّ البعض يرون جواز الإفتاء بالترخيص في بيع المحرّمات من خمر وخنزير وغيرها في البلاد الأوروبية بناء على قول بعض الفقهاء بجواز التعامل بالعقود الفاسدة في البلاد غير الإسلامية، فهذا الإفتاء من شأنه أن يجعل المسلمين يسهمون في إفساد المجتمع لا في إصلاحه، وهو ما يتناقض مع هدفهم في المواطنة الصالحة والأنموذجية الحضارية الداعية. وهكذا يتبيّن أنّ الإفتاء بالترخيص ينبغي أن ينظر إلى المآل المتعلّق بالهدف المستقبلي للوجود الإسلامي بأوروبا، فيترتّب الإفتاء على أساس ما يقتضيه ذلك الهدف من رخصة أو عزيمة.

رابعا ـ المعادلة بين الفردية والجماعية:

إنّ الأقلّيات المسلمة في أوروبا هي أقلّيات تمثّل جماعة من المسلمين لا مجرّد أفراد مشتّتين، وهم يترابطون فيما بينهم بروابط اجتماعية ذات خصوصية بالنسبة للمحيط الذي يعيشون فيه، وهذا البعد الجماعي يتأكّد يوما بعد يوم بتوسّع الأقلّيات وتناميها، وبنزوعها إلى وضع الاستقرار والمواطنة. وكذلك فإنّ هذه الأقليات تعيش ضمن مجتمع أوروبي تتفاعل معه تفاعلا يوميا، وتطمح إلى أن تندمج فيه مستقبلا اندماجا إيجابيا بحيث تصبح واحدا من مكوّناته الفاعلة، فالوجود الإسلامي بأوروبا هو إذن وجود جماعي على مستوى ذاته وعلى مستوى موضوعه، وهذه الخاصّية هي علامة فارقة بين الأقلّيات المسلمة والعديد من الأقلّيات الأخرى، إذ ثمّة مجموعة من الأقلّيات اقتحمت المجتمع الأوروبي بصفة الفردية التي لا يرتبط فيها الأفراد برابطة ذات شأن، فظلّت الفردية خاصّيتها، وانتهى أمرها أو سينتهي إلى ذوبانها أفرادا في المجتمع، ويُنسى وجودها في صفة الأقلّية الجماعية.

ولكن مع هذا البعد الجماعي للأقلّية المسلمة فإنّها أقلّية متكوّنة من أفراد، وبالرغم من انخراط هؤلاء الأفراد في الجماعة المسلمة فإنّ معنى الفردية قائم فيهم، وهو ذلك المعنى الذي يجعل بعضا من الأفراد ينفرد بمشكلات خاصّة قد لا تكون هي مشكلات الجماعة، أو يجعل بعضا آخر لا تمثّل مشكلات الجماعة مشكلات له. وهكذا فإننا نجد أنفسنا أمام مستويين في ظاهرة الأقلّية المسلمة، مستوى يتعلّق بالأفراد، ومستوى يتعلّق بالجماعة.

وهذه الازدواجية التي تنبني عليها الأقلّية المسلمة ينبغي أن تؤخذ بعين الاعتبار في معالجة شؤونها بفقه الترخيص؛ ذلك لأنّ شأن الجماعة يختلف عن شأن الأفراد حتى وإن كان عددهم يزيد على عدد أفراد الجماعة، إذا لم تكن تربطهم رابطة جماعية مهما يكن من اشتراكهم في الانتماء إلى ذات الدين أو الثقافة أو العرق، فربّ نازلة أُفتي فيها بترخيص لأفراد ولا يُفتى فيها بذلك للجماعة، والعكس صحيح؛ لأنّ الفتوى بالرخصة أو بالعزيمة للأفراد أفرادا لا تتعدّى آثارها ذات أولئك الأفراد، بينما الفتوى بذلك للجماعة جماعة تمتدّ الآثار فيها إلى أفرادها وإلى الروابط التي تربط بينهم.

ولذلك فإنّ فقه الترخيص الذي نحن بصدده ينبغي أن يكون شديد المراعاة لهذين المستويين، فلا يُفتى برخصة ذات بعد جماعي في نازلة هي من خصوصيات فرد أو جماعة قليلة من الأفراد، كما لا يفتى بالترخيص لفرد بفتوى يقصرها عليه، والحال أنّ النازلة التي تطلبتها هي نازلة جماعية. وإذا لم تقع مراعاة ذلك فإنّ الفتوى بالرخصة قد لا تصيب هدفها، بل قد تصيب هدفا غير هدفها فتسبّب إرباكا كبيرا، ولنا أن نتصوّر مقدار ذلك الإرباك على سبيل المثال لو عُمّم الترخيص بالزواج العرفي الذي قد يُفتى به في حالات نادرة تستوجبه، أو لو خُصّص الترخيص بتطليق القاضي غير المسلم ببعض الحالات الفردية، إذ تعميم الأول يفضي إلى فوضى عارمة في أحوال الأسرة، وتخصيص الثاني يفضي إلى الحرج الشديد.

وربّما يكون من الأجدر بوضع الأقلّيات المهاجرة أن يميل الإفتاء بالترخيص فيه نوعَ ميل نحو الجانب الاجتماعي، فيولى الأهمية الكبرى في هذا الشأن، وتُرجّح فيه الفتوى بالرخصة على الفتوى بها فيما يتعلق بالأفراد إذا كان بينهما تعارض؛ وذلك في سبيل تدعيم الكيان الجماعي للوجود الإسلامي بأوروبا ليكون قادرا على النهوض بأهدافه التي لا يقدر على النهوض بها الأفراد بصفتهم الفردية، فلو أُفتي بالترخيص للجمعيات الإسلامية في شراء المدارس والمراكز والمساجد بالقروض البنكية دون الأفراد على اعتبار أن الحاجة الفردية قد تصبح ضرورة جماعية؛ لكان في ذلك تغليبا للمصلحة التي تحصل لجماعة المسلمين على ما قد يحصل للأفراد منها.

ويندرج ضمن هذا البعد الاجتماعي في فتوى الترخيص المجتمع الموسّع الذي يعيش فيه المسلمون، والذي يضمّ مسلمين وغير مسلمين، فهذا المجتمع ينبغي أن لا تناله فتاوى الترخيص بضرر بدعوى ما يحصل منها من مصلحة للمسلمين، وما أقبح تلك الفتاوى التي يصدرها بعض الأغرار الجهلة بالترخيص في استحلال أموال غير المسلمين، أو بالترخيص في مخالفة القوانين المنظمة لشؤون المجتمع، أو غير ذلك من التراخيص المخلّة بالمجتمع الموسّع الذي يعيش فيه المسلمون.

3- فقه العزائم لتأسيس المواطنة

أشرنا سابقا إلى أنّ الوجود الإسلامي بأوروبا يمرّ بمرحلة انتقالية من وجود ظرفي عرضي إلى وجود مستقرّ مواطن، وهذه المرحلة التي هو نازع إليها ومتقدّم فيها تقتضي مقتضيات وترتّب واجبات والتزامات غير تلك التي تقتضيها وترتّبها المرحلة العرضية المتناقصة لفائدة مصير الاستقرار والمواطنة، إذ حينما يصبح المسلمون مكوّنا أساسيا من المكوّنات المواطنة بأوروبا، فإنّ ذلك يقتضي أن يكون الوجود الإسلامي مسهما حقيقيا في الحركة الحضارية للمجتمع الأوروبي، يعطي كما يأخذ، ويفيد كما يستفيد، ويرشّد المسار الحضاري العام، ويشترك في حلّ مشاكله وأزماته.

وهذا المصير الذي سينتهي إليه الوجود الإسلامي، والذي هو الآن متّجه إليه بسرعة، وما يقتضيه من مقتضيات ويترتّب عليه من واجبات يستلزم من الإفتاء أن يتعامل معه بنظر فقهي غير النظر الفقهي الذي يتعامل به معه في مرحلته الظرفية التي هي الآن المظهر الأبين في حياته، والتي يبدو أنّ الإفتاء قضى السنوات الماضية في معالجة قضاياها ومشاكلها بفقه تغلب عليه فتاوى الترخيص تناسبا مع صفتها الظرفية من طرفي البداية والنهاية.

وبما أنّ هذا الوجود الإسلامي بأوروبا آيل إلى المواطنة والاستقرار فإنّ النظر الفقهي في شأنه ينبغي فيما نحسب أن يتّجه في ذات اتّجاهه، فيكون فقها سمته العامّ هو سمت التأسيس لوجود إسلامي مواطن مستقرّ، بدل ذلك السمت العامّ الذي طبع فقه المرحلة السابقة بطابع الترخيص تلاؤما مع طبيعة المرحلة الظرفية، علما بأنّ هذه التقسيمات تحمل شيئا من الاعتبارية، إذ المراحل متداخلة، والاستثنائية في حياة الأقلّية سوف يبقى قسط منها قائما حتى في حال المواطنة والاستقرار، وذلك ما يترتّب عليه أن فقه الترخيص سوف يكون له استمرار في تلك الحال، فيكون المقصود إذن بمقاربتنا هذه هو أن يتّجه الإفتاء في المرحلة المقبلة إلى نظر فقهي مؤسّس للوضع الإسلامي المواطن، مع استصحاب الإفتاء بالرخصة فيما سوف يبقى من مظاهر الحياة يتّصف بصفة الاستثنائية.

– مدلول فقه التأسيس العمراني:

في شرحنا لمفهوم فقه التأسيس نستحضر أنّ مدلول الفتوى يمكن أن يتسع من مدلول يغلب عليه معنى الجزئية والظرفية إلى مدلول يشمل الإفتاء في كبريات القضايا التي تتعلّق بمصير المسلمين في مجتمعهم الأوروبي، ومنهجهم في التفاعل معه، وانخراطهم في حركته الحضارية الشاملة، وإسهامهم في تطويره وترشيده اجتماعيا وأسريا وروحيا وبيئيا، ووصلهم بينه وبين العالم الإسلامي من أجل التعارف الحضاري، وتحقيق السلام والأمن بين الشعوب والأمم.

هل يمكن أن تكون هذه القضايا وأمثالها مِمَّا هو متعلّق بمستقبل المسلمين في أوروبا مناطا للإفتاء الفقهي، فيكون هذا الإفتاء متّجها إذن إلى فقه يؤسّس لذلك المستقبل، أم أنّ هذا الدور يبقى محصورا في إفتاء فقهي يتصدّى لمعالجة النوازل الجزئية وشبه الجزئية التي تجري بها الحياة اليومية للمسلمين؟ إنّه فيما نرى إذا كان الإفتاء فيما تجري به الحياة اليومية من النوازل أمرا لا مناص من أن يكون مستمرّا لتجدّد تلك النوازل باطّراد، فإنّ المسلمين فيما هم متّجهون إليه من مصير المواطنة المستقرّة ينتظرون من الاجتهاد الفقهي أن يفتيهم أيضا في هذه القضايا المصيرية الكبرى التي هم مقبلون عليها، والحال أنّهم يتشوفون إلى أن تكون حياتهم كلها موجهة بفقه شرعي يرشدهم إلى ما ينبغي أن يصيروا إليه وفق مقاصد الدين، وليكن معنى الإفتاء إذن معنى موسّعا يشمل معنى الإفتاء في القضايا الحضارية العامّة إلى جانب معنى الإفتاء في النوازل الجزئية وشبه الجزئية، وليكن الفقه الذي يحكم هذه المرحلة هو فقه التأسيس على العزائم لحياة مستقرة مسهمة في البناء الحضاري للمجتمع الذي يعيشون فيه.

– منهج فقه التأسيس على العزائم:

قد تكون التوجّهات المنهجية للإفتاء التأسيسي تختلف بعض الاختلاف عن تلك التي تتعلّق بالإفتاء الترخيصي، وذلك لاختلاف الوضع الذي يقع الإفتاء له، فحينما يكون الوضع المفتى فيه وضعا ظرفيا، ونوازله نوازل جزئية فإنّ منهج الإفتاء الذي يناسبه هو المنهج الذي وصفنا بعضا من خصائصه آنفا متّجها وجهة التيسير بالرخصة، والتفصيل بالتجزئة، والاهتمام بالنوازل الفردية مع الجماعية. وأمّا حينما يكون الوضع الذي يُراد الإفتاء له هو وضع المصير العامّ للمسلمين، ووضع المواطنة الفاعلة المنتظرة منهم، والتي هي هدف وجودهم المستقبلي، فإنّ الإفتاء لهذا الوضع قد يقتضي منه ذلك أن يكون متّجها في منهجية الإفتاء وجهة أخرى تتّفق مع الوجهة الأولى في بعض الخصائص، وتنفرد بخصائص أخرى لعلّ من أهمّ عناصرها ما يلي:

 أولا ـ التوجّه المستقبلي:

إنّ الوجود الإسلامي بأوروبا هو وجود شديد النزوع للمستقبل، فهو كما ذكرنا سابقا يضع هدفا له أن يكون مكوّنا أساسيا من مكوّنات المجتمع الأوروبي، ومسهما من المسهمين في مصيره؛ ولذلك فإنّه لئن كان يتحسّس حاضره ليعالج فيه المشاكل الآنية الناجمة عن وضعه الظرفي، وليواجه الابتلاءات التي تفرزها الحياة اليومية، فإنه يرنو إلى ذلك المستقبل الذي سيكون له فيه شأن في الشراكة الحضارية مع سائر المكوّنات الأوروبية، وهذا ما أصبح اليوم ظاهرا في خطاب طلائع الدعاة والمفكرين المسلمين بأوروبا، ويبدو أنّ هذا الأمر أصبح يتقدّم بسرعة في وعي الأقلّيات المسلمة، وفي الأجيال الجديدة منها على وجه الخصوص.

إنّ التفكير في الوضع المستقبلي للأقلّيات المسلمة في أوروبا لئن كان في وجوبه يشمل أصنافا من المهتمّين بالوجود الإسلامي ربما يكون على رأسهم المفكّرون الاستراتيجيون وعلماء المستقبل، إلاّ أنّ التفكير الفقهي يجب أن يكون مواكبا لهذا التفكير العام بصفة أساسية؛ وذلك لأنّ الأوضاع المستقبلية التي ستؤول إليها الأقلّيات المسلمة ينبغي أن تكون أوضاعا محكومة بأحكام الشرع ومحقّقة لمقاصده، وأن تكون مبنية على ذلك في مقدّماتها التي هي الآن قيد التشكّل لتجري المراحل اللاحقة على توجيه فقهي يؤسس لمستقبل، فتتّجه إذن منذ نشأتها على سمت شرعي، وهذه مهمّة لا يمكن أن يقوم بها إلاّ فقه يؤسّس للمستقبل الذي ينشده المسلمون في هذه البلاد. وليس من شأن هذا الفقه أن يكون أرأيتيا نظريا على نحو ذلك الجدل الذي حدث في تاريخ الفقه الإسلامي، وَإِنَّمَا هو نظر فقهي في قضايا المستقبل التي هي ناشبة بداياتها في الحاضر، ليكون فيها توجيه شرعي يواكبها في سيرورتها، ويعصمها من الانحراف الذي تكثر مغرياته وأسبابه.

 كيف ستكون المشاركة السياسية للمسلمين في المستقبل، بل كيف ستكون مشاركتهم في الحكم إذ هو أمر وارد؟ وكيف سيكون وضعهم ودورهم غدا في نطاق الوحدة الأوروبية الشاملة التي هي قيد التشكّل الآن؟ وكيف سيكون المسلمون الأوروبيون حلقة وصل متينة فاعلة بين أوروبا وبين العالم الإسلامي؟ وكيف سيكون اندماجهم في المجتمع الأوروبي اندماجا يقوم على معادلة دقيقة بين الحفاظ على هويتهم والتفاعل مع المجتمع؟ وبصفة عامة كيف ستكون شراكتهم العمرانية مع المجتمع الذي يعيشون فيه؟ تلك نماذج من القضايا المستقبلية التي يمكن أن يكون فيها توجيه فقهي مؤسّس لمستقبل المسلمين.

ثانيا ـ التأسيس على العزائم:

بما أنّ المرحلة التي هي محلّ الإفتاء بفقه التأسيس هي مرحلة للوجود الإسلامي بأوروبا تنزع إلى الاستقرار والاستمرار، فإنّ الفقه المناسب لها لعلّه يكون الفقه الذي يغلب عليه منزع العزائم من الأحكام بديلا من ذلك المنزع الترخيصي الذي كان يغلب على الإفتاء لمرحلة الوجود العرضي كما شرحناه؛ وذلك لأنّ الوجود المستقرّ للمسلمين كمواطنين يجعلهم يؤسّسون حياتهم على حال طبيعية أو أقرب إلى الطبيعية، سواء في أعمالهم أو في أسرهم، أو في علاقاتهم بالدولة وبمؤسّسات المجتمع، فتكون إذن تلك الحياة راسية في كلّ وجوهها أو في أغلبها على وضع من التمتع بحقوق المواطنة والتحمل لواجباتها.

وهذا الوضع لئن كان معنى الاستثنائية فيه سيظلّ قائما باعتبار إسلاميته الخاضعة لقانون غير إسلامي إلاّ أنّ مساحة الأحكام بالعزائم فيه من المناسب أن تتسع شيئا فشيئا على حساب مساحة الرخصة لما هو متّجه فيه إلى صيرورة الدوام، فالحالات التي تستمرّ على وضع عادي أحرى أن تعالج بالعزيمة، بينما تُعالج الحالات التي تنخرق فيها العادات بالرخصة كما أشار إليه الشاطبي في مقولته الآنفة الذكر، فكلّما آلت الأوضاع إلى مستقرّ العادة كانت العزائم بها أليق، وكلّما آلت إلى انخراقها كانت الرخص بها أليق، وبما أنّ وضع الأقلّيات المسلمة بأوروبا متّجهة إلى المواطنة العادية فإنّ الاتّجاه بالفقه الذي يعالجه إلى العزيمة يكون هو الأنسب له.

وعلى سبيل المثال: فإنّ الترخيص بالقرض البنكي لشراء البيوت كما أفتى بذلك المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث إذا كان مناسبا للمرحلة التي تكون فيها الأقلّية في ظروف عرضية، فإنّه في مرحلتها المقبلة التي هي مرحلة الاستقرار ينبغي أن يتّجه الإفتاء الفقهي إلى البحث عن الصور التي يتمّ بها شراء البيوت بطرق غير ربوية، وتقديم مقترحات في ذلك قائمة على حكم العزيمة بمنع الربا. وفي نفس هذا الاتجاه ينبغي أن يتّجه الإفتاء لما هو متأكّد أشدّ التأكيد مِمَّا يتعلّق بالتمويل من أجل إقامة المشاريع التجارية، وذلك بأن تقدّم مقترحات تقوم على فقه يؤسّس لبدائل غير ربوية تلبّي هذه الحاجة المؤكّدة للأقليات المسلمة دون الاكتفاء بموقف الإفتاء بالمنع والوقوف عند ذلك المنع دون حلول.

وعلى سبيل المثال أيضا، فإنه إذا كان التقاضي في أحوال الأسرة رُخّص فيه أن يكون تقاضيا إلى قاض غير مسلم، فإنّه ينبغي البحث عن صور أخرى يرجع الأمر فيها إلى العزيمة كصورة التحكيم الذي تجيزه بعض البلاد الأوروبية ويتمّ من خلاله التقاضي على الوجه الشرعي عزيمة في غير مناقضة للقانون. وهكذا يكون الاجتهاد الفقهي مدعوّا إلى أن يساعد الأقلّية المسلمة في حلول مشاكلها بتجاوز موقف إجازة الرخصة، أو موقف الاكتفاء بمنعها تمسّكا بالعزيمة، إلى موقف آخر يتمسّك بالعزيمة ولكنّه يبيّن سبلها، ويقترح الأشكال التي تتمّ وفقها، فيكون إذن مشرّعا لفقه تأسيسي يقوم على عزائم الأحكام بدل التراخيص.

ثالثا ـ التوجّه المؤسّسي:

إذا كانت الفتوى في شؤون الأفراد من المسلمين والحالات الخاصّة من حالاتهم سيكون لها استمرار باعتبار تعلّقها بتجدّد الحياة اليومية وابتلاءاتها فإنّ الحياة التي سينخرط فيها المسلمون في مستقبل وجودهم سوف تكون حياة تأخذ فيها المؤسّسة حيزا كبيرا منها؛ ذلك لأنّ المجتمع الأوروبي هو مجتمع يقوم على المؤسّسات اقتصاديا على وجه الخصوص واجتماعيا وسياسيا، ففعالية الفرد في المجتمع إنما تمرّ بانخراطه الفاعل في المؤسّسة، إذا كان سياسيا ففي الأحزاب، وإن كان اقتصاديا ففي الشركات، وإن كان مثقفا ففي المؤسسات العلمية الثقافية، وهكذا تكون المؤسسة هي المحرّك الأكبر لحياة المجتمع، والفرد إنما يفعل من خلالها.

وليس بوسع المسلمين أن يكون لهم دور في المجتمع إلا إذا انخرطوا في آليته الكبرى التي تحرّكه وهي آلة المؤسسة، سواء كانت مؤسّسة ذات خصوصية إسلامية من مراكز ثقافية وشركات تجارية ومنظمات اجتماعية وغيرها، أو مؤسّسة عامّة تجمع جميع المواطنين كالأحزاب السياسية والمنظمات الإنسانية والحقوقية، والشركات الاقتصادية والخدمية وغيرها. فمن خلال هذه المؤسسة يمكن أن يقوم المسلمون بدورهم المطلوب منهم في مآلهم من الاستقرار والمواطنة.

إنّ انخراط المسلمين في النظام المؤسّسي للمجتمع الأوروبي سيجعلهم يواجهون أوضاعا ويمارسون معاملات لم يكن لهم بها عهد من قبل، وذلك لأنّ الثقافة الاجتماعية في البلاد الإسلامية لم تكن قائمة على المؤسّسية، وقد استصحبوا ذلك في مجتمعهم الأوروبي في مرحلتهم الظرفية، ولكنّ اندماجهم المجتمعي الذي هم متّجهون إليه سيجعلهم في مواجهة مع تلك الأوضاع في التعامل المؤسّسي. وهذا الوضع يقتضي من الاجتهاد الفقهي أن يتّجه في فقه الأقلّيات وجهة يتناول بالفتوى فيها المعاملات المؤسّسية التي ستواجه المسلمين بكثافة في المرحلة المقبلة، والتي ستستغرق شطرا كبيرا من مناشطهم، والتي أيضا ستتوقّف عليها إلى حدّ كبير فعاليتهم الاجتماعية، ومشاركتهم في التنمية، وذلك بالإضافة إلى نجاحهم في أنموذجيتهم الإسلامية المرصودة من قِبل المجتمع.

كيف سيشارك المسلمون في العمل السياسي ضمن المنظمات السياسية؟ وكيف سيتعاطون مع هذه المؤسّسات؟ وكيف سينخرطون في المؤسّسات الاقتصادية ويمارسون أعمالهم من خلالها؟ وكيف سيتصرّفون في المؤسّسات والشركات الخاصّة بهم سواء باعتبارهم شركاء أو باعتبارهم مديرين ومسيّرين؟ وهكذا سوف تظهر أسئلة كثيرة في هذا الشأن تتطلّب كلّها أجوبة فقهية من شأنها أن تكون فتاوى مؤسّسة لوجود إسلامي يتّجه وجهة الاستقرار على حياة تشغل المؤسّسات شطرا كبيرا من مناشطها، وتتوقّف النجاعة إلى حدّ كبير عليها.

المطلوب من الفقه التأسيسي في هذا الشأن أن تستحضر أمّهات القضايا فيه، استرواحا من الواقع، واستشرافا لما يكون للمسلمين فيه إسهام فاعل، ويقع درسها الدرس المستفيض، ثمَّ تقرّر فيها الأحكام الفقهية التي من شأنها أن تجعل المسلمين عند الأخذ بها يتقدّمون في تنمية كيانهم الإسلامي، وتنمية المجتمع بأكمله من خلال ذلك. وما أخال الاهتمام الفقهي الكبير منذ بعض الزمن بمؤسسة الأسرة، والاهتمام بالمشاركة السياسية للمسلمين في أوروبا، وما عُقد في ذلك من مؤتمرات وما أُلّف فيه من مؤلّفات إلاّ نتيجة لوعي مبكّر من المهتمين بهذا الشأن بأهمّية التأسيس الفقهي للعمل المؤسّسي.

رابعا ـ الشراكة الحضارية:

ذكرنا سابقا أنّ المسلمين في أوروبا باتوا يهدفون في وجودهم المستقبلي إلى أن يكونوا شركاء حضاريين لمكوّنات المجتمع الذي يعيشون فيه بما أنهم أصبحوا مواطنين من مواطنيه، وهو ما يعني أنّه كما من حقّهم أن يستفيدوا من المقدَّرات المادِّية والمعنوية الموفورة في هذا المجتمع فإنّ من واجبهم أن يكونوا مسهمين فيه بالتطوير والتنمية والترشيد وحلّ المشاكل ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا.

وهذه الشراكة الحضارية أخذا وعطاء إذا كانت أمرا مطلوبا، وهي أمر مقدور عليه من حيث الإمكان، فإنّها من حيث الإنجاز يتعلّق بها وجه شرعي يحتاج إلى اجتهاد فقهي تستبين به الوجوه المشروعة دينا والمجدية فعلا، إذ قد تختلط فيها السبل بين جائز في الدين وممنوع، سواء في طرف الأخذ أو في طرف العطاء، وذلك مثل المضيّ في الاستفادة من المجتمع بكلّ الطرق التي هي جائزة في قوانينه وهي ممنوعة في أحكام الشريعة من معاملات ربوية، وتأمينات قائمة على الغرر وما شابه ذلك، ومثل المضيّ في إفادة المجتمع بذات تلك الطرق من انخراط في مواقف معادية للأمّة الإسلامية أو لغيرهم من المستضعفين في الأرض، أو ما شابه ذلك من القضايا.

ولهذا فإنَّ الاجتهاد الفقهي يكون مطلوبا منه أن ينير السبيل للمسلمين فيما تقتضيه هذه الشراكة الحضارية المطلوبة منهم في طرفي الأخذ والعطاء من التزام فيها بأحكام الشريعة، فيجتهد إذن في القضايا المندرجة فيها ليقرّر أحكاما هادية يستنير بها المسلمون في مسيرتهم المستقبلية في هذه الطريق، مفرّقا في وضوح بين ما هو من القوانين التي ارتضاها المجتمع نظاما لحياته موافقا لأحكام الشرع فيمارسون الشراكة الحضارية من خلالها، وبين ما هو مناقض له فيجتهد في التعامل معه بما لا يخلّ بالمقتضيات الدينية.

ومن البيّن أنّ الاجتهاد الفقهي في هذا الشأن سوف يكون متجاوزا ما فيه مصلحة المسلمين بصفة مباشرة إلى ما فيه مصلحة المجتمع الأوروبي بصفة عامّة، إذ المسلمون مطلوب منهم أن يقدّموا لمجتمعهم ما فيه صلاحه، والفقه مطلوب منه أن يرشّد بالفتوى الفقهية ذلك العطاء، فيكون هو أيضا منخرطا في التشريع لما فيه خير لذلك المجتمع بصفة مباشرة، وربّما يكون هذا المنحى متطلّبا لنظر فقهي غير ما كان معهودا من إفتاء يتعلّق بجماعة المسلمين ويحلّ مشاكلهم الخاصّة مهما يكن من أنّ ذلك يتعدّى صلاحه إلى كافّة المجتمع، فيكون الإفتاء إذن في هذا الفقه معنيا بمصلحة المجتمع الأوروبي، وذلك باعتبار أنّ هذه المصلحة هي همّ من هموم المسلمين المطلوب منهم العمل لأجل مصلحة مجتمعهم كشركاء حضاريين فيه.

ماذا وكيف على المسلمين أن يقدّموا لمجتمعهم الأوروبي في مجال الابتكار والريادة العلمية، وفي مجال الترابط الأسري والاجتماعي، وفي مجال الإشباع الروحي، وفي مجال العلاقة مع العالم الإسلامي والاستفادة من مقدّراته، وفي مجال مقاومة العنف والمخدّرات والإجرام، وفي مجال معالجة الأزمة البيئية، وفيما يشبه ذلك من القضايا؟ إن الأمر يحتاج إلى إفتاء فقهي عميق في جوانب كثيرة من تلك القضايا، من شأنه أن يتأسّس عليه الوجود الإسلامي في مرحلته المقبلة.

إن الإفتاء للأقليات المسلمة في الغرب بفقه ينحو في طابعه العامّ منحى الترخيص لمعالجة الوضع الاستثنائي لهذه الأقليات إذا كان سمة للمرحلة التي كان فيها وجود هذه الأقليات وجودا مهاجرا على سبيل الظرفية العارضة، فإنّه في المرحلة المقبلة يجدر به أن يضيف إلى ذلك منهجا يقوم على الإفتاء بفقه تأسيسي ينحو منحى العزائم، ويتناسب مع تطوّر وجود الأقليات الذي أصبح يتّجه نحو المواطنة المستقرّة، فيعمل على معالجة قضايا هذه المواطنة ومقتضياتها، وهو ما يتطلّب اجتهادا فقهيا ذا صفة عمرانية يؤسّس لهذه الأقليات في وضعها الجديد أن يكون لها دور فاعل في المجتمع الأوربي، تصبح فيه شريكا حضاريا في هذا المجتمع، تستفيد من كسبه، وتسهم في تنميته وتطويره وترشيده.

 والله وليّ التوفيق.


[1]) راجع في هذا الموضوع كتابنا: فقه المواطنة للمسلمين في أوروبا:89 وما بعدها (من إصدارات المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث) وقد اقتُبس بعض ما ورد في هذا البحث منه.

[2]) ذكره ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله، 2/ 26[2].

[3]) الشاطبي: الموافقات، 1/ 264 (ط دار الكتب العلمية، بيروت د.ت).

[4]) راجع: ابن عاشور: مقاصد الشريعة، 299 (ط المركز المغاربي للبحوث والترجمة، لندن 2004).

[5]) راجع فتوى المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث في: قرارات وفتاوى المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث، ص146، المجموعة 1،2 (ط دار التوزيع والنشر الإسلامية، القاهرة 2002).

 

* ندوة تطور العلوم الفقهية فِي عمان “ الفقه الحضاري، فقه العمران”

 المنعقدة خلال الفترة: (18-21) ربيع الثاني 1431هـ / (3-6) إبريل 2010م:

سلطنة عمان- وزارة الأوقاف والشؤون الدينية 

هذه المقالة تحتوي على لا تعليق

أكتب تعليقك هنا

نرجو أن تضع المادة أسفله
الإسم
إيميل
موقع
تعليقك