فقه الجيران والضيوف

فقه الجيران والضيوف *

فقـه البيت لسكنى الضعفاء ، الخــــانات ، دور الضيافة

إعداد: الشيخ محمّد أيوب صدقي

 (أستاذ العلوم الإسلاميـة، بمؤسسة عمي سعيد بغـرداية، بالجمهورية الجـزائـرية)

 

– 1 –

الجيـــــران

قال الله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَىا وَالْيَتَامَىا وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَىا وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾([1]).

وفي الحديث قال رسول الله صلعم:  «الجيران ثلاثة: فجار له حقّ واحد، وهو أدنى الجيران حقًّا، وجار له حقّان، وجار له ثلاثة حقوق؛ فأمّا الذي له حقّ واحد فجار مشرك لا رحم له، له حقّ الجوار، وأمّا الذي له حقّان فجار مسلم، له حقّ الإسلام وحقّ الجوار، وأمّا الذي له ثلاثة حقوق فجار مسلم ذو رحم، له حقّ الإسلام وحقّ الرحم [وحقّ الجوار]»([2]).

وفي المرجعية اللغوية “أجاره: أنقذه، استجاره: سأله أن يجيره، الجار القريب في السكن جمعه جيران وجيرة. الجوار العهد والأمان([3]).

ومن الاستدلال بالقرآن في هذا الصدد: ﴿وَإِن اَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىا يَسْمَعَ كَلاَمَ اللَّهِ﴾([4]). وهو في معـنى الأمان. ﴿ وَهُوَ يُجِيرُ وَلاَ يُجَارُ عَلَيْهِ﴾([5])  وهو في معنى الحماية.

 ومن الاستشهاد الأدبي قول السموأل في معنى الحماية:

وما ضرَّنا أنّا قليل وجــارنــــــا             عـزيز، وجار الأكثرين         ذلــيــل

وقول أبي فراس الحمداني في معنى الإنقاذ:

    أنا الجار لا زادي بطيء عليهم       ولا دون مالي في الحوادث باب

ومن شواهد ابن عقيل، وهو في معنى التجاور السكني:

    وما نبالي إذا ما كنتِ جـارتنا          أن لا يجـاورنــــــــا إلاكِ دَيَّــــــــار

وفي لسان العرب: “في التهذيب عن ابن الأعرابي: الجار الذي يجاورك بيت ببيت، والجار النقِّبح هو الغريب، والجار: الشريك في العقار. والجار المقاسم، والجار: الحليف، والجار: الناصر، والجار: الشريك في التجارة، فوضى كانت التجارة أو عنانًا، والجارة امرأة الرجل وهو جارها… الخ إلى أن يقول: قال الأزهري: لَمَّا كان الجار في كلام العرب محتملا لجميع المعاني التي ذكرها ابن الأعرابي لم يجز أن يفسّر قول النبيّ صلعم: «الجار أحقّ بصقبه»: أنّه الجار الملاصق إلاّ بدلالة تدلّ عليه، فوجب طلب الدلالة على ما أريد به، فقامت الدلالة في سنن أخرى مفسّرة: أنّه أراد بالجار الشريك الذي لم يقاسم، ولا يجوز أن يجعل المقاسم مثل الشريك”([6]).

والواقع أنّ ورود هذه المعاني كلّها عند العرب في تفسير المراد بالجار يرمز إلى أنّ ما استقرّ في العرف الشرعي: أنّه المجاور في السكن، ولا يبعد المرء أن يستحضر أهميّة ما أثبته الإسلام من القيم الحضارية في المجاورة السكنية، وسمّاها حقوقًا ليرسم في ذهن كلّ مسلم أنّ رعايته لجاره ليست تفضّلا منه، وإنّما هي أداء لبعض واجباته نحوه، وبالتزام كلّ المتجاورين لهذا المبدأ المثالي يستقرّ الأمن في المجتمع وتزول منه الأحقاد والإحن.

والحقّ أنّ المجتمع الذي يشخّصه القرآن: ﴿يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُوثِرُونَ عَلَىآ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾([7]). معبِّرًا عن تلك الأريحية التي يتمتّع بها سكان المدينة المنورة بقيادة الرسول صلعم والذي يجلي هذه الحقيقة بأَعلى مظاهرها، ولعلّ تأصيل الإخاء الذي أسّس عليه النبيّ الترابط الاجتماعي، والجوار الذي يبنى عليه التعايش السكني -كما تفيده كتب السيرة النبويّة- يفسّر هذه الظاهرة الخلقية الاجتماعية النموذجية، مِمَّا لم تستطع هذه التجارب السلوكية البشرية فيما يسمّونه النظام الاشتراكي أو الشيوعي أن تحقّق شيئًا كهذا أو يقرب منه، ذلك أنّ تفاعل المجتمع مع القيادة على أساس من القيم التي يؤمن بها أبلغ أثرًا، وأشدّ تثبيتا من التي تفرض على النّاس بأسلوب قهريٍّ تسلطي، ولا سيّما من السلطة التي هي أصلا لا تؤمن بها. وهذا ما يوضّح لنا قول الرسول صلعم: «ما زال جبريل يوصيني بالجار حتّى ظننت أنّه سيورثه»([8]). وقوله: «الجار أحقّ بصقبه»([9]). ولا نرى موجبا للشبهة التي أثارها الأزهري -فيما حكاه عنه ابن منظور- في احتمال كلمة الجار في أصلها اللغوي وتعدّد مفاهيمها، ورأى أنّه لا يتحقّق مراد حديث الصفقة إلاّ على الجار غير المقاسم، فالجار جار، ومنافعه وأضراره تتحقّق في الجميع.

وعلى هذا الأساس تدرك الحكمة في شرعية الشفعة للجار المقاسم وغيره، عند من يرى ذلك من العراقيين والإباضية، لحديث ابن رافع عن النبيّ صلعم أنّه قال: «الجار أحقّ بصقبه». وهو حديث متّفق عليه، وما أخرجه أبو داود وصحّحه الترمذي «جار الدار أحقّ بدار الجار»([10]). وذلك حينما يكشف أنّ جاره لم يكن ناصحًا له، فلم يستشره في بيع ملكيته حتّى تسربت لجار جديد تحسّبًا لضرر محتمل، مع أنّه قد يكون أحسن جوارًا من القديم، لكن تجاوزه لحقّ جاره في إعلامه بهذه الرغبة أعطاه شرعية الشفعة في الحصول على تملك هذا العقار المبيع بالثمن الذي تمّ به البيع حقيقة، وعلى ضوء هذا التصور ندرك أهمية الوعيد الذي صرحت به الأحاديث فيمن رفض الشفعة أو حال دون تحقيقها لمستحقّها، مثل قوله صلعم: «قاطع الشفعة لا يريح رائحة الحنّة»([11]). علما بأنّ ما يستبيحه بعضهم من تعسف في هذا الحقّ الشرعي لا يجيز له أن يستمسك بشراء العقار بالثمن المصرّح به في وثيقة العقد مع علمه بأنّ الصفقة تَمّت بأعلى من ذلك بكثير.

إنّ التوصية القرآنية التي صدّرتُ بها كلمتِي بصيغة الأمر في بدايتها ﴿…وَاعْبُدُوا اللَّهَ…﴾ وبصيغة المصدر النائب عن فعله أثناءها ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا…﴾ لم تترك مجالا للتردّد في اعتبار الإحسان واجبًا أخلاقيا يحرّض الإسلام أتباعه على التحلّي به. ثمّ ما ورد في الحديث من مختلف الأساليب يؤكّد أهميته، مثل حديث أبي شريح الخزاعي مرفوعًا «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليحسن إلى جاره»([12]). وما نقل عن الصحابة في الحرص على تنفيذه، مثل ما روى البخاري في الأدب المفرد عن عبد الله بن عمر t “أنّه ذبح له شاة فجعل يقول لغلامه: أهديت لجارنا اليهودي، أهديت لجارنا اليهودي؟ سمعت رسول الله صلعم يقول: «مازال جبريل يوصيني بالجار حتّى ظننت أنّه سيورثه»، وعقّب صاحب المنار على هذا النص بقوله: فهذا دليل على أنّ ابن عمر فهِم من الوصايا المطلقة في الجار أنّها تشمل المسلم وغير المسلم، وناهيك بفهمه وعلمه([13]). وممّا ورد في الحديث من التنديد بإيذاء الجار. «أتدرون ما حقّ الجار؟ والذي نفسي بيده لا يبلغ حقّ الجار إلاّ من رحمه الله، وأوّل خصمين يوم القيامة جاران، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت، ولا يؤذ جاره أبدًا». وعقّب عليه القطب اطفيش ـ رحمه الله ـ بقوله: “والمراد في ذلك ونحوه من كان مريدًا للإيمان الكامل فليكن كذلك. ويتحصّل من ذلك أنّ من كان كامل الإيمان فهو متصف بالشفقة على خلق الله قـولا بالخير، أو سكـوتا عن الشرّ، أو فعلا لِما ينفع أو تركا لِما يضر” اهـ([14]).

ثمّ نجد تشجيع العلماء في تشخيص هذا الإحسان الواجب. وكان مِمَّا روي في ذلك ما نقله القطب ـ رحمه الله ـ في التيسير: “أتدرون ما حقّ الجار؟ إن افتقر أغنيته، وإن استقرض أقرضته، وإن أصابه خير هنّأته، وإن أصابه شرّ عزيته، وإن مرض عدته وإن مات شيّعت جنازته”([15]). ونحو من هذا حديث أخرجه القطـب أيضا في كتابه جامع الشمل، قال رسول الله صلعم: «حقّ الجار إن مرض عدته، وإن مات شيّعته، وإن استقـرضك أقرضته، وإن أعـور -أي ارتكب أمرًا تعيبه- سترته، وإن أصابه خير هنّأته، وإن أصابته مصيبة عزيته، ولا ترفع بناءك فوق بنائه، فتسُدّ عليه الريح، ولا تؤذيه بريح قِدرك إلاّ أن تغرف له منها»([16]). وحديث أورده القطب أيضا في شرح النيل «حرمة الجار على جاره كحرمة دمه، وليس المؤمن من بات شبعانا وجاره جائعا. وما من امرئ بات شبعانا وجاره طاو -وروي طاويًا- وعلم به ولم يطعمه إلاّ كان الله بريئًا منه وأنا بريء منه»([17]). ومن الإحسان بالجار الإهداء إليه، ودعوته إلى الطعام، وتعهده بالزيارة والعيادة([18]). وقال الشيخ السالمي رحمه الله([19]):

         وليس حقّ الجار أن تكفّا          عنه الأذى وتبسطَ   الأكفا

         بل حقّه أن تحــمــــلــــن           أذاه وتدفعن عــنــــه الــــذي   آذاه

         وقيل: من بجاره استــعــانا        في جائز يلزم أن يــــعــــانــــــا

         إن اشتريت طرفا استِرها([20])     وواجب تعطيه إن تظهرهــا

         وهكذا إذا طبخت    قِدرا          أنِلْه، أو فأخْــــــف ذاك سرّا

         وإنّه لا يسع  الإنــــــســــــانا      أن يمنع الأرحام والــجــيرانا

         من نفع بيته بغير حــــــــــــقٍّ     وإنّما المنع لــمــــســتــحــــــــق

         وقيل فيمن يصلنَّ رَحِــمه:        وصلَه الباري به ورحِــمَــــــه

         وهكذا فيمن أجار جــاره          أغاثه الخالق أو أجــــــــــــــاره

ولتعدّد صيغ هذه التوصيات وأساليب التنديد بالمخالفة اختلفت آراء العلماء في تحديد المعنيِّ بهذا الجوار؟ وإلى أيّ مسافة تمتد هذه المجاورة؟ وأقرب الآراء في ذلك إلى الواقعية من حدّده بثلاثة جيران: اثنان عن يمين المنزل والثالث عن يساره. ورووا في هذا الصدد استرشادا من عائشة ـ رضي الله عنها ـ تستفتي الرسول أنّ لها جارين فأيّهما تُهدي إليه؟ فأحالها إلى أقربهما بابا للبيت([21]). وأغرب هذه الآراء: الجار: قدر ما يبلغ صوت الْمِغرَف!وهذا يفترض وجود بيوت متلاصقة ومرهفة الحواجز جدًّا، وإلاّ فصوت المغرف قد لا يسمع من خارج المطبخ ولو مِن غُرفٍ داخلَ المنزل. ويبدو أنّ أولى الآراء بالاعتبار ما أشار إليه صاحب المنار بقوله: “والصواب عدم التحديد، والرجوع في ذلك إلى العرف، والأقربُ حقُّه آكد”([22]).

بناء على ما تقدّم تقرّرت حقوق جوارية فرضها العرف، منعًا لأيّ تصرف يتأذّى به الجار. وعلى سبيل المثال: لا يسمح لأحد أن يفتح نافذة تطل على فناء جاره إلاّ بتغطية من أسفلها، بحيث يتعذّر النظر منها إلى ذلك الفناء.

ومن ذلك: ما هو مقرّر عندنا في مزاب وخاصّة في القصر القديم حيث تتلاصق الديار، وليس لها منفذٌ إلاّ الشباك المفتوح للأعلى في صحن الدار، علمًا بأنّ الديار كانت في معظمها مناسج يشتغل فيها السيّدات في المنازل، وعليه يحدّد رفع الحائط القبلي أو الغربي إلى مسافة معيّنة، لكي لا يتضرّر الجار بالحرمان من أشعة الشمس. فعلى من يرغب في إعلاء الجدار أكثر من المسموح به أن يحصل على إذن من جاره أو يترك له (حريمًا) من سطح منزله مساحة تعادل الارتفاع. وإن لم يفعل فللجار المتضرّر أن يرفع ضدّه دعوى قضائية، وينال حقّه بحكم المحكمة.

ومن ذلك: ما يوجد عندنا في الدروب المتواجدة في المحلات القديمة من حقّ مرور الماء إلى الشارع عن طريق الجيران، أو مسيل الماء إلى أرض الجيران. وحقّ متابعة الساقية لذلك.

ومن ذلك الأنابيب التي تنشأ لتصريف المياه الزائدة عن الحاجة، والتي يراد التخلّص منها كميازيب الأمطار إلى أن تصل إلى الطريق العام.

ومن ذلك: حقّ المرور إذا تعيّن أن يكون داخل أراضي الجار، للوصول إلى عقاره عن طريق ذلك الممرّ. فلا حقّ للجار أن يحول دون استعمال الجار حقّه في ذلك. وهكذا([23]).

وقد تعرّض الزحيلي إلى المرجعية الأصولية لأئمّة المذاهب ومواقفهم في ذلك. فذكر عن أبي حنيفة بمقتضى القياس والشافعية والظاهرية: أنّ صاحب الملك يتصرّف في ملكه كيف يشاء ولو أدّى إلى إضرار بغيره!!

وقال الصاحبان [أبو يوسف القاضي ومحمّد بن الحسن الشيباني]: إنّ ذلك مقيَّد بما لا يؤدّي إلى إضرار فاحش بالجيران. وهو المفتى به عند الحنفية، وذلك ما يؤذي الجار أذًى بالغًا. كأن يحوِّل داره إلى فرن أو مطحنة، أو يسبّب في توهين جدار الجار أو نحو ذلك.

وقال المالكية والحنابلة: يتقيّد استعمال المالك بأن لا يضرّ بالآخرين ولو بالنيّة والقصد. لكنّ المشهور عند المالكية أنّ الشخص لا يمنع إذا أراد أن يعلي بنيانًا يمنع جاره الضوء والشمس، ويُمنع إذا أراد أن يبني بنيانا يمنع الهواء. واتّفق المالكية على منع أنواع من الضرر المحدث هي: فتح كوّة أو طاقة يكشف منها على جاره فيؤمر بسدّها أو سترها.

“والخلاصة ـ في تعبير الزحيلـي ـ أنّ الاتجاه الأقـوى في الفقه الإسلامي يجيز للمالك أن يتصرّف في ملكه بما لا ضرر فيه على الجار. أمّا ما بان ضرره الفاحش أو أشكل فيه الحال فإنّه ممنوع”([24]).

ولا أتجاوز حديثي عن هذه الجزئية من الموضوع دون أن أشير إلى ما هو متعارف عليه في منطقتنا “ميزاب” ويعرف “بنظام القرعات”([25])، وذلك نتيجة التحرّج والإحساس بالتأثّم بسبب التقصير في الواجب. وخلاصته أن يسجل الموصي في وصيته إهداء قطع من اللحم للخلطاء في حياته ـ بما فيهم الجيران ـ كرمز من الموصي لطلب الصفح والعفو عمّا يكون من تقصير في حقّهم، ـ ويمكن للشخص أن يقوم بهذا الإهداء في حياته ـ فيلتزم الوكيل بتنفيذ هذا الإهداء، فمن قبل الهدية فهو تعبير ضمني منه أنّه لا يكنّ في قلبه مشاعر تذمّر نحو المتوفّى، وإن رفض الهدية فعلى الوكيل أن يتدخل بالاتصال بهذا الجار أو غيره من الخلطاء، ويتعرّف على السبب ويسعى في استخلاص العفو لصالح الميّت.

-2 –

الضيافــــة

يبدو أنّ إطلاق لفظة “البِرِّ” في المجال اللغوي يراد بها الصفاء النفسي في الإحسان للآخرين. ومن هنا كانت في الجاهلية تفوق في مدلولها معنى الكرم أو الجود؛ لأنّهما في معنى الارتياح إلى التفضّل الذي لا يخلو من الشعور بالفخر أو انتظار المكافأة، لذلك نرى لكلمة البر “معنى الصدق، والطاعة، والصلة، والإصلاح، والاتّساع في الإحسان إلى الناس، والرغبة في إسداء الخير لهم”([26])، لهذا نراها على سبيل المثال وصفا لإكرام المرء لوالديه؛ فهو بار عكس عاق.

كما نرى استعمالها في مضمار الحلف وصفا للملتزم باليمين، فيقال برّ بيمينه إذا لم يعد له أيّ تفكير في التنصل منه. علمًا بأنّ لليمين، خاصّة، مكانةً قيّمة عند الجاهليين. قال النابغة:

    حلفت فلم أترك لنفسك ريـبــــة

ولعلّ التحالف العسكري والتفاني القبلي في الالتزام به خير ما يفسّر هذه الظاهرة.

ولاشكّ أنّ ارتياح أهل الجنّة لِما يغدق عليهم من النعيم الخالص من الشوائب يجعلهم يتذكرون ماضيهم في الدنيا، ويعظُم استشعارهم للمنّة الإلهية المطلقة قائلين: ﴿إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ أَنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾([27]).

“ولا يخرج استعمال الفقهاء لهذا اللفظ عن معناه اللغوي فهو عندهم اسم جامع للخيرات كلّها، يراد به التخلق بالأخلاق الحسنة مع الناس، بالإحسان إليهم وصلتهم والصدق معهم، ومع الخالق بالتزام أمره واجتناب نواهيه…الخ”([28]).

هكذا رأينا كيف وظّفها الإسلام توظيفا رائعا للتعبير عن هذا التصوّر المثالي لمن يطعم الطعام على حبّه… قائلين: ﴿اِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لاَ نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَآءً وَلاَ شُكُورًا﴾([29]).

فالبرُّ إذن مثالية يعتبرها الإسلام برهانا على الإيمان الخالص “والصدقة برهان” وهذا ما نستشفه من آية ﴿لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّىا تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾([30]). وكلّما كـان الإنفاق في ظروف صعبة وخاصّة قبل أن تكون للإسلام كلمة عليا كـان برهانا على رسـوخ هذا الإيمان ﴿لاَ يَسْتَوِي مِنكُم مَّنَ اَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الذِينَ أَنفَقُوا مِنم بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَىا﴾([31]).

وحينما وجد السفهاء المشكّكون في مصداقية الوحي الجديد فرصةً في تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة. واستغلها اليهود بصفة خاصّة بالأرجاف والترويج لتشويه سمعة الدين الجديد مع أنّهم يتوقعون تحقيقها، مصداقا لما يجدونه عنها في كتبهم ﴿وَإِنَّ الذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ﴾([32])، زاعمين أنّ مظهر البرّ هو الوفاء لقبلة الأنبياء السابقين. وأنّ التوجه إلى مكة حنين شخصي لِمحمّد إلى موطنه الأصلي. وهذا تنكر للبر والفضيلة والوفاء للقبلة الأصيلة، كما أنّه تعبير عن انفصالية وبعدٍ عن حقيقة التديّن والبرّ في الوفاء للذين آووه ونصروه. فجاءت الآيات صريحة بأنّ الذين تنكّروا لهذه القبلة يعلمون قبل غيرهم أنّه تحقيق لِما يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل: ﴿الذِينَ ءَاتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَآءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾([33]).

إنّ الذين يستسيغون أن يتلاعبوا بالتوصيات الإلهية وهم يعلمون أنّه تزييف للحقيقة إنّما يتهرّبون من الاعتراف بما يزعمون الانتساب إليه ﴿فَلَمَّا جَآءَهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ﴾([34]). وكأنّ هذا ما يعنيه الرسول صلعم في المقارنة بين البرّ والإثم في حديثه المشهور: «البرّ ما اطمأنّت إليه النفس، والإثم ما حاك في الصدر وخفت أن يطّلع الناس عليه، استفت نفسك ولو أفتاك الناس وأفتوك»([35]).

لذلك جاءت الآيات حاسمة بحقيقة البرّ، وإحالة الناس إلى ضمائرهم لاستجلاء الحقيقة. فقضية القبلة التي أثاروا حولها زوبعة في كأس إنّما هي تنظيم للتوجه ومخبر للطاعة، ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ التِي كُنتَ عَلَيْهَآ إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَنْ يَّـتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَّنقَلِبُ عَلَىا عَقِبَيْهِ﴾([36]). وكانت مناسبة لتوضيح التصوّر الصحيح للبرّ وللبررة: ﴿لَيْسَ الْبِرُّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنِ الْبِرُّ مَنَ ـ امَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الاَخِرِ وَالْمَلآَئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيئِينَ وَءَاتَى الْمَالَ عَلَىا حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَىا وَالْيَتَامَىا وَالْمَسَاكِينَ وابْنَ السَّبِيلِ﴾([37]). لذلك حرص المؤمنون المتّقون أن يسترشدوا الوحي: ﴿ مَاذَا يُنفِقُونَ﴾ فجاءهم الجواب: ﴿قُلِ العَفْوَ﴾([38]). أي الفاضل عن الحاجة بدون تكلّف. وحين تكرّر السؤال كان الجواب على طريقة أسلوب الحكيم: ليس المهمّ ماذا تنفقون!فهذا راجع إلى أريحيتكم ورغبتكم في إسداء النفع لمن هو أهل له: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ؟ قُلْ: مَآ أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالاَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَىا وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ..﴾ ([39]).

ولابن السبيل في هذا المجال: البر أو المساهمة في النفع العام لفتة خاصّة سنتعرّض لها فيما بعد.

فإذا بالصحابة y يضربون أروع الأمثلة في هذه المبادرة والاستباق إلى الخير، ويجدر في هذا الصدد أن أقدم بعض العيّنات مِمَّا ذكره السيّد سابق لمزيد إفادة: “وفي رواية للبغوي: إنّها كانت لرجل من بني غفار عين يقال لها رومة، وكان يبـيع منها القربة بمد، فقال له النبيّ صلعم: «تبعنيها بعين في الجنّة؟» فقال يا رسول الله: ليس لي ولا لعيالي غيرها، فبلغ ذلك عثمان فاشتراها بخمسة وثلاثين ألف درهم. ثمّ أتى النبيّ صلعم فقال: أتجعل لي ما جعلت له؟ قال: «نعم، قال قد جعلتها للمسلمين».

“وعن أنس t قال كان أبو طلحة أكثر أنصاري المدينة مالا. وكان أحبّ أمواله إليه “بيرحاء”([40])وكانت مستقبلة المسجد، وكان رسول الله صلعم يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب، فلمّا نزلت هذه الآية الكريمة: ﴿لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّىا تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾([41])، قام أبو طلحة إلى رسول الله صلعم فقال: إنّ الله تعالى يقول في كتابه: ﴿لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّىا تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ وإنّ أحبّ أموالي إليّ بيرحاء، وإنّها صدقة لله أرجو برّها وذخرها عند الله، فضعها يا رسول الله حيث شئت، فقال رسول الله صلعم: «بخ، ذلك مال رابح، ذلك مال رابح!قد سمعتُ ما قلت فيها، وإنّي أرى أن تجعلها في الأقربين. فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمّه»([42]).

“وعن ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ قال: أصاب عمر أرضا بخيبر فأتى النبيّ صلعم يستأمره فيها. فقال: يا رسول الله، إنّي أصبت أرضًا بخيبر لم أُصب مالا قطّ هو أنفس عندي منه فما تأمرني به؟ فقال له رسول الله صلعم: «إن شئت حبست أصلها، وتصدّقت بها» فتصدّق بها عمر؛ أَنّها لا تباع ولا توهب ولا تورث، وتصدّق بها في الفقراء وفي القربى وفي الرقاب وفي سبيل الله وابن السبيل والضيف. لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف ويَطعَم غير متموّل”. قال الترمذي: العمل على هذا الحديث عند أهل العلم من أصحاب رسول الله صلعم وغيرهم، لا نعلم بين أحد من المتقدمين منهم في ذلك اختلافا. وكان هذا أوّل وقف في الإسلام اهـ([43]).

تعتبر الضيافة مظهرا من مظاهر الجود والكرم عند العرب منذ الجاهلية وهي مصدر ضِفتُ الرجل ضيافة: نزلت عنده ضيفًا. وأضفتَه وضيّفتَه أنزلتَه عليك ضيفًا، فهي من الإضافة بمعنى الإمالة([44]). والمضيِّف يُميل إليه الضيف إكراما له وإيناسا به. وفي القرآن: ﴿فَأَبَوَا اَنْ يُّضَـيِّـفُوهُمَا﴾([45]). فكان من مفاخرهم إكرام الضيف، وتكريمه بكلّ ما يجعله يرتاح إلى الضيافة، ويطمئن إلى أنّه غير مستثقل. وممّا قيل في ذلك:

بشاشة وجه المرء خير من القِرى        فكيف بمن يأتي به وهو ضاحك

والقِرى: ما يقدّم للضيف ابتهاجًا بقدومه. ولعلّ في الإشارة القرآنية إلى سيّدنا إبراهيم وضيفه المكرمين: ﴿فَمَا لَبِثَ أَن جَآءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾([46]) صورة معبِّرة عن هذه المأثرة، وذلك ما تفرضه طبيعة بيئتهم التي تقتضيهم التنقّل. ومن مأثور ما نسب لحكيم العرب أكتم بن صيفي: “ذلّلوا أخلاقكم للمطالب، وقودوها إلى المحامد، وعلّموها المكارم، ولا تقيموا على خلق تذمونه من غيركم. وصِلُوا من رغب إليكم وتحلّوا بالجود يُكسبكم المحبّة. ولا تقتعدوا البخل فتعَجلوا الفقر”. أخذه شاعر فقال:

    أمن خوف فقر تــعــــجّــــلــــتَــــــه    وأخَّرت إنفــــــاق ما تــجــمــــــع؟

    فصرت الفقيرَ وأنت الغــنــــــــيُّ!     وما كنت تعـدو الذي تصنع([47])

ثمّ أكّد الإسلام كرم الضيافة، واعتبره من مكارم الأخلاق التي بُعث النبيّ صلعم لإتمامها، وفي الحديث «إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه»([48]). وروي «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، جائزته يوما وليلة ـ ويروى يومٌ وليلة ـ والضيافة ثلاثة أيّام وفوقها صدقة»([49]).

فالضيافة تنبني على الزيارات والاختيارات. وما يذكره الفقهاء من واجبات حسن الضيافة. كقولهم: “لا تَجُد بمفقود ولا تبخل بموجود”. كما لم يخل الموضوع من إرشاد الناصحين لكلّ من الضيف والمضيِّف لمراعاة آداب المناسبة. وقد سئلت أمّ المؤمنين عائشة عن آية ﴿فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانتَشِرُوا وَلاَ مُسْتَانِسِينَ لِحَدِيثٍ﴾([50]). فيمن نزلت؟ فقالت: نزلت في الثقلاء!وما أحسن ما قاله شاعر في هذا الصدد:

             لا تكن ضيفًا ثــقــيلا      يكره القوم لــقــــــاءك

             ليس من ذنب أنــــــاس    أن يكونوا أصــدقاءك

             فتحِلَّ الصبح فــــيــهم      واصِلا فيهم مـــــساءك

             أنت لا تدري إلى كــم      تزعج الخِــــــــــلّ إزاءك

             فعساه مــســتــعــيــــــــرًا لك من قومٍ عــشـــــاءك

             وعساه مــســتــمــــــــــدًا   لك من قوم غِــــطــــاءك

             إنّ في الفندق مـــأواك     وفي السوق غِــــــــــذاءك

             إن تزر فَلْيَكُ غِـــبًّـــــــــا   ثمّ لا تكثِــر بــقــــــاءك

             رُبَّ من يلقاك رحـــبًـــا   يكسر الزِّيــــرَ وراءَك!

ومن نوادر الضيافات والزيارات أقصّ هذه القصّة بالمناسبة نقلاً من كتاب العقد الفريد: “وقال الربيع بن زياد الحارثي: كنت عاملا لأبي موسى الأشعري على البحرين، فكتب إليه عمر بن الخطّاب t يأمره بالقدوم عليه هو وعماله، وأن يستخلفوا من هو من ثقاتهم حتّى يرجعوا. فلمّا قدمنا أتيت “يـرْفَأَ” [مولى لعمر] فقلت يا يرفأ إنّي سائل مسترشد، أخبرني أيّ الهيئات أحبّ إلى أمير المؤمنين أن يرى فيها عمّاله؟ فأومأ إلى الخشونة، فاتخذت خفين مطارقين، ولبست جبّة صُوف، ولُثْتُ رأسي بعمامة دكناء. ثمّ دخلنا على عمر، فصفَّنا بين يديه وصعَّد فينا نظره وصوَّب، فلم تأخذ عينه أحدا غيري، فدعاني فقال: من أنت؟ قلت: الربيع بن زياد الحارثي، قال: وما تتولّى من أعمالنا؟ قلت: البحرين، قال: فكم ترزق؟ قلت: خمسة دراهم في كلّ يوم، قال: كثير!فما تصنع بها؟ قلت: أتقوّت منها شيئا، وأجود بباقيها على أقارب لي، فما فضل منها فعلى فقراء المسلمين. فقال: لا بأس، ارجع إلى موضعك، فرجعت إلى موضعي من الصفّ. ثمّ صعَّد فينا وصوَّب فلم تقع عينه إلاّ عليَّ، فدعاني فقال: كم سنك؟ قلت: ثلاث وأربعون سنة، قال: الآن حين استحكمت، ثمّ دعا بالطعام وأصحابي حديثو عهد بلين العيش. وقد تجوعت له! فأُتي بخبز يابس وأكسار بعير، فجعل أصحابي يعافون ذلك وجعلت آكل وأجيد الأكل، فنظرت فإذا به يلحظني من بينهم، ثمّ سبَقتْ منّي كلمةٌ تمنّيت أنّي سُختُ في الأرض ولم ألفظ بها، فقلت يا أمير المؤمنين: إنّ الناس يحتاجون إلى صلاحك، فلو عمدت إلى طعام هو ألين من هذا؟ فزجرني وقال: كيف قلت؟ قلت: أقول لو نظرت يا أمير المؤمنين إلى قُوتك من الطحين، فيخبز لك قبل إرادتك إيّاه بيوم، ويطبخ لك اللحم كذلك فتؤتى بالخبز ليِّنًا وباللحم غريضا. فسكت من غربه. وقال: هذا قصدت؟ قلت: نعم! قال يا ربيع إنّا لو نشاء لملأنا هذه الرحاب من صلائق وسبائك وصناب، ولكنّي رأيت الله تعالى نعى على قوم شهواتهم، فقال: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُم بِهَا﴾ ثمّ أمر أبا موسى أن يقرّني على عملي، وأن يستبدل بأصحابي”([51]).

*            *               *


الضيافة من منظور فقـهي:

كان عمر رضي الله عنه يعتبر الضيافة حقًّا، ولذلك قال: “إذا مررتم براعي إبل أو راعي غنم فنادوه ثلاثا فإن أجابكم أحد فاستسقوه، وإلاّ فانزلوا واحلبوا واشربوا ثمّ صروا”، ولذلك فرضها على أهل الذمّة لمن مرّ بهم من المسلمين واعتبرها جزءًا من الجزية([52]).

– سئل مالك عن معنى الحديث (حديث إكرام الضيف المتقدِّم) فقال يكرمه ويتحفه يوما وليلة وثلاثة أيّام ضيافة فتلك أربعة.

– ومن حديث آخر «أجيزوا الوفود بنحو ما كنت أُجيزهم»([53]).

وقال ابن بطال: “الجائزة غير واجبة والضيافة واجبة، ومعنى الإجازة ما تتحفه به ولو عند انصرافه”.

– وفي النيل: “وندب لمن نزل به أن يكرمه ويقوم به (يخدمه) بنفسه، ومن حقّه أن يقدّم له أحسن ما في البيت ويسرع له بعيشه، ويحفظ له أوقات الصلاة ودابّته بعلف وسقي ولا يغيب عن وجهه.

والضيافة فرض كفائي على الحيّ بأجمعه، إن لم يقصد أحدا فيلزمه بخاصّته. ولا تطل سكوتًا عن أضيافك فيتوحشوا ولا تستخدمهم، ولا تُجلس معهم من يثقل عليهم”([54]).

– وقال القطب: “وممّن قال بوجوب الضيافة أحمد بن حنبل، وقال: إنّ الضيف يأخذ ما يكفيه من مال من نزل عليه أو على بستانه وزرعه من غير رضا. وقال جمهور قومنا: الضيافة غير واجبة، وحملوا الوجوب على أوّل الإسلام إذ كانت المواساة واجبة، وحملوا الأخذ من غير رضا على المضطر. ويغرم بدل ما أخذه. لأحاديث [منها]: «لا يحلُّ مال امرئ مسلم إلاّ عن طيب نفس»”([55]).

ومن إرشادات الفقهاء للضيوف:

لا يحلّ أن يقيم حتّى يقلق مضيِّفه، ولا يحقر ما قدّم له، ولا يرمي بصره لنواحي المنزل، ويدخل ويخرج بإذنه، ولا يخبر بسرِّ أهل البيت، ولا يجلب لربِّه معه غيره بلا إذنٍ إن دعاه.

ويعذر فقير لم يجد ما يضيِّف. ولا يحلُّ لضيف أن يقيم معه على ذلك، ولا يطالبه بما يشتهي إلاّ إن كان صاحب البيت يفرح بذلك([56]).

ومن اللياقة أن لا يفاجئه بالزيارة ـ وخاصّة في هذا العصر إذ يمكن الاتصال مسبقا بالهاتف ـ إلاّ إذا علم أنّه لا يتأذّى بذلك.

دون أن ننسى التنبيه إلى ما صمِّمت عليه الديار في ميزاب من اشتمالها على أجنحة خاصّة لاستقبال الضيوف.

وأشار معجم المصطلحات الإباضية([57]) إلى قسم من الأوقاف في عمان يطلق عليه وقف الضيافة، يجعل ريع هذا الوقف لإكرام الضيف الذي يفد على القرية، وعادة ما يكون هذا الوقف بيد من يمثّل القرية أو القبيلة كالشيخ، ويبدو أنّه عقارات تُستغل كراءً لفائدة هذه الطائفة الوافدة.

ابن السبيل وحكمـة التسمية:

أمّا كلمة “ابن السبيل” التي نجدها في مناسبات البرّ العام من مصاريف الزكاة، والحضّ على الإنفاق، وإيتاء الحقوق، وتقسيم الفيء وخمس الغنائم، فهي أدقّ تعبيرًا في الدلالة على تصوير حاجات التنقل وما يتعرّض له المسافرون من أتعاب في وسائل النقل والإيواء. وما يعانيه البعيد عن أهله ووطنه من تكاليف الغربة، وقلق الابتعاد، وخاصّة ظروف التنقل لمن تقطعت بهم الأسباب بعيدًا عن أوطانهم القريبة والبعيدة، وحينئذ تبدو لنا بوضوح أهمية تسميتهم “ابن السبيل” كما يُطلق “ابن البلد” على الذي يُعرف بين أهله وذويه وهو مرتاح بين قومه. وقديمًا قال المثل الشعبي “بْلادَكْ بنَاسَكْ، وبْلادْ الناسْ بَلْبَاسَكْ” أي قيمتك في بلدك بقومك، وفي أوطان الناس بلباسك. وقريبا من هذا المعنى قولهم: “لباسك يكرمك عند نزولك وعلمك يكرمك بعد نزولك”. وفي معنى الارتياح إلى الأوطان قول الشاعر:

    فألقت عصاها واسقرّ بها النوى        كما قرَّ عينًا بالإيّاب المسافـر

وهنا تظهر أهمية المرافق العامّة من تحسين الطرقات وتعميم الفنادق ومصايف الشباب والخانات، ووكالات الحمامات ونظائرها مِمَّا يخفّف على المسافر الكثير من هذه الأعباء. مع ما نعلم من ترغيب الإسلام الناس في الضرب في الأرض: ابتغاء الرزق وطلب العلم والسير في الأرض للاستطلاع، والاعتبار بمصائر الأمم الغابرة والتفتّح الفكري، إلى غير ذلك من الدواعي التي تحثّ عليها نصوص كثيرة في القرآن والحديث.

وتفهّم تعليل هذه التسمية “ابن السبيل”، وهو في تعريفه عمومًا:

عند الإباضية: المنقطع عن أهله خارجا عن أمياله لا عنده مال ولم يجد قرضا ولا تدينا([58]). وعند جمهور العلماء ـ كما أفاده القرضاوي ـ كناية عن المسافر الذي يجتاز من بلد إلى بلد([59]).  ويروى عن الطبري عن مجاهد، قال: لابن السبيل حقّ في الزكاة وإن كان غنيًّا إذا كان منقطعا به. وعن ابن زيد قال: ابن السبيل المسافر كان غنيًّا أو فقيرا إذا أصيبت نفقته أو فُقدت أو أصابها شيء أو لم يكن معه شيء فحقّه واجب([60]).

واشترط بعض المالكية والشافعية أن لا يجد من يقرضه أو يسلفه في ذلك الموضع الذي هو فيه. وخالفهم آخرون من علماء المذهبين.

ورجح ابن العربي والقرطبي أن يُعطى الزكاة ولو وجد من يسلفه، وفي رأيهما أن لا يدخل تحت مِنَّة أحدٍ فقد وجد مِنَّة الله ونعمتَه.

وقال الحنفية: الأَوْلى له أن يقترض إن قدر ولا يلزمه ذلك لجواز عجزه عن الأداء.

والجمهور على أنّه الغريب عن بلده، ولو كان ذَا يسار في بلده؛ لأنّه عاجز عن الوصول إليه والانتفاع به فهو كالمعدوم في حقّه.

وقد نوّه القرضاوي بهذه المنشأة من قِيم الإسلام وممّا قال في ذلك: “إنّ عناية الإسلام بالمسافرين الغرباء والمنقطعين لهي عناية فذّة، لم يعرف لها نظير في نظام من الأنظمة أو شريعة من الشرائع، وهي لون من ألوان التكافل الاجتماعي فريد في بابه، فلم يكتف النظام الإسلامي بسدّ الحاجات الدائمة للمواطنين في دولته، بل زاد على ذلك برعاية الحاجات الطارئة التي تعرض للناس لأسباب وظروف شتّى كالسياحة والضرب في الأرض، وخاصّة في عصور لم تكن في طرق المسافرين بها فنادق أو مطاعم أو محطات معدّة للاستراحة كما في عصرنا”([61]).

وحين اقتضت الضرورة تنقّل الميزابيون للتجارة خارج منطقتهم (مزاب) وفي كلّ أنحاء الوطن الجزائري حرَّضَت القيادةُ الاجتماعية من عزَّابة وأعيان المحسنينَ للتبرّع بما تجود به أريحيتهم لشراء محلات تكون مأوى للمسافرين أثناء تنقلاتهم في الطريق، ومقرّات لتجمعاتهم في البلد الذي يوجدون فيه بكثرة حيث يجتمعون لإقامة الصلوات جماعة، واستغلال المناسبات للتوعية، وهكذا أصبحت أوقافا تتزايد باستمرار حين ثبت جدواها على مرور الأجيال. وأطلق عليها عرفيا “ديار العرش” (والعرش يُقصد به الشعب)، ثمّ امتدّت هذه المقرات والمصليات إلى خارج الوطن، فكانت للمزابيين ديار معروفة في الحجاز بمكَّة والمدينة وجدّة، وفي فرنسا بباريس ومرسيليا وغيرها. ولا تكاد الآن مدينة من الحواضر في كبريات المدن الجزائرية شمالا وجنوبًا إلاّ وفيها مقرات معروفة للميزابيين. وكان ـ ولا يزال ـ لها دور كبير في تسهيل مهمّات التنقل، وخاصّة للعائلات والإيواء، ومساعدة الوافدين في قضاء مصالحهم بتلك المدينة، وخاصّة حينما توسعت نشاطات الأمّة إلى فتح مؤسّسات ثقافية ومدارس، وهذا من أحسن ما ساهم به المحسنون في مشاريع ابن السبيل([62]).

ربّنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.


[1]) سورة النسَاء: 36. الآيات في هذا البحث ذكرها برواية ورش عن نافع.

[2]) رواه البزار وأبو الشيخ في الثواب وأبو نعيم عن جابر. انظر: جامع الشمل في حديث خاتم الرسل للقطب اطفيش، ج2، ص476.

[3]) دائرة معارف القرن العشرين لفريد وجدي، مادة جار، ج3، ص274.

[4]) سورة التوبـة: 6.

[5]) سورة المؤمنون: 89.

[6]) ابن منظور: لسان العرب المحيط، مادة: جور.

[7]) سورة الحشر: 9.

[8]) انظر: تفسير المنار، ج5/ص92.

[9]) انظر: الشوكاني: نيل الأوطار، ج5/ص354.

[10]) ابن رشد: بداية المجتهد، ج2/ص256، وانظر: الإيضاح، ج8/ص11.

[11]) انظر: الشماخي: الإيضاح، ج8/ص11.”هامش”.

[12]) انظر: تفسير المنار، ج5/ص92.

[13]) نفس المصدر والصفحة.

[14]) انظر: شرح النيل للقطب اطفيش، ج5/ص113.

[15]) التيسير للقطب، ج3/ص220. وعلى هامشه: رواه المنذري في كتاب الحقوق.

[16]) انظره ج1/ص476. ومن تعليقات المخرج على هامشه: قال ابن حجر هذا حديث روي بأسانيد واهية لكنّ اختلاف مخرجيها يشعر بأنّ الحديث له أصلا، اهـ.

[17]) شرح النيل، ج5/ص112.

[18]) انظر: المنار، ج5/ص92. 

[19]) جوهر النظام، ج4/ص320.

[20]) لعلّه خطأ مطبعي والمفروض حسب القاعدة النحوية والوزن العروضي زيادة فاء الجزاء فاسترها. جوهر النظام، ج4/ص320.

[21]) انظر: شرح النيل، ج5/ص124.

[22]) انظر: المنار، ج5/ص92. وقارن بالتحرير والتنوير لابن عاشور، ج5/ص51.

[23]) انظر: الفقه الإسلامي وأدلته، ج6/ص4557.

[24]) انظر: الزحيلي، الفقه الإسلامي وأدلته، طبعة دار الفكر، ج6/ص4681 وما بعدها.

[25]) وتسمّى “تِيسقَّارْ” أو “تيسَغْرِينْ” باللفظ البربري: انظر: معجم مصطلحات الإباضية، ج2/ص848. غير أنّها تعتبر هدية وليست صدقة لأنّها تدفع حتّى للأغنياء وغير المسلمين، ولئلاّ يرفضها من لا يقبل الصدقة.

[26]) انظر: الدكتور محمود عبد الرحمن عبد المنعم، معجم المصطلحات والألفاظ الفقهية، ج1/ص370.

[27]) سورة الطور: 25-27.

[28]) انظر: الدكتور محمود عبد الرحمن عبد المنعم، المصدر نفسه، ج1/ص370.

[29]) سورة الإنسان: 9.

[30]) سورة آل عمران: 91.

[31]) سورة الحديد: 10.

[32]) سورة البقرة: 144.

[33]) سورة البقرة: 146.

[34]) سورة البقرة: 89.

[35]) رواه أحمد بن حنبل والدارمي، المعجم المفهرس للحديث، مادة بر، ج1/160.

[36]) سورة البقرة: 142.

[37]) سورة البقرة: 177.

[38]) سورة البقرة: 217.

[39]) سورة البقرة: 213.

[40]) بستان من نخل بجوار المسجد النبوي.

[41]) سورة آل عمران: 92.

[42]) وأضاف السيّد سابق أي جعلها وقفًا على أقاربه. وهذا هو أصل الوقف الأهلي.

[43]) السيّد سابق، فقه السنّة، ج3/ص518. وما بعدها. وانظر: شرح النيل، ج12/ص454 وما بعدها.

[44]) انظر: كامل محمّد الجزار، المعجم الفريد لمعاني كلمات القرآن المجيد، مادة: ضيف، ج1/ص613.

[45]) سورة الكهف: 77.

[46]) سورة هـود: 69.

[47]) انظر: العقد الفريد لابن عبد ربّه، ج1/ص226.

[48]) نفس المصدر، ص225.

[49]) شرح النيل، ج5/ص193 وما بعدها.

[50]) سورة الأحزاب: 53.

[51]) ابن عبد ربّه، العقد الفريد، ج1/ص14، 15. وفي القصة عبر كثيرة عن سيرة عمر وصرامته مع عماله، وتقشفه، ولا تخلو من ذكاء بعض الموظفين وبراعتهم لاستبقاء مناصبهم.

[52]) انظر: موسوعة فقه عمر بن الخطاب، للدكتور محمد رواس قلعه جي، ص475.

[53]) رواه النسائي.

[54]) انظر: شرح النيل، ج5/ص193. وما بعدها

[55]) نفس المصدر، ص206.

[56]) نفس المصدر، ص216 بتصرف.

[57]) معجم المصطلحات الإباضية، ج2/ص1091.

[58]) انظر: شرح النيل، ج5/ص192.

[59]) القرضاوي نقلا عن تفسير الطبري.

[60]) القرضاوي، فقه الزكاة، ج2/ص680. وفيها يذكر دار الدقيق لعمر بن الخطاب وما وضع لذلك في طريق مكة والمدينة. وأيضا لعمر بن عبد العزيز.

[61]) انظر: فقه الزكاة للأستاذ القرضاوي، ج2/ص656 وما بعدها وهو بحث قيّم في موضوعه.

[62]) انظر: الحاج سعيد، تاريخ بني مزاب، ط2، ص69.

 

* ندوة تطور العلوم الفقهية فِي عمان “ الفقه الحضاري، فقه العمران”

 المنعقدة خلال الفترة: (18-21) ربيع الثاني 1431هـ / (3-6) إبريل 2010م:

سلطنة عمان- وزارة الأوقاف والشؤون الدينية 

هذه المقالة تحتوي على تعليق (1)

تعليق واحد ل “فقه الجيران والضيوف”

  1. سليمان خرازي says:

    شكرا لكم أستاذي الكريم على مثل هذه المواقع المفيدة

أكتب تعليقك هنا

نرجو أن تضع المادة أسفله
الإسم
إيميل
موقع
تعليقك