نظرة إلى فقه رعاية الأطفال والأيتام

نظرة إلى فقه رعاية الأطفال والأيتام *

في ضوء موقف الفقهاء المسلمين من تأصيل مفهوم الشخصية

 إعداد: أ. د. إبراهيم كافي دُونْمَز

 (كلية الإلهيات، جامعة مَرْمَرَة ، إستانبول ، تركيا)

 

مدخل:

لقد احتلَّت التأكيدات على أهمّية الزواج ومؤسسة الأسرة، والترتيبات المتوافقة مع هذه الرؤية الأساسية والمستمدة منها، والتي وردت مفصَّلة في القرآن الكريم وسنّة الرسول صلعم المصدرين الأساسيين للفقه الإسلامي، احتلت مكانة واسعة في تراث الفقه الإسلامي، وفي دراسات معاصرة متعددة. وقضية رعاية الأطفال (والأمومة المتصلة به اتصالا وثيقا) لها مكانة مهمَّة أيضا ضمن المسائل المدرجة في هذه الدراسات. وكما أولى كثير من علماء الإسلام المعروفين بدراساتهم في مجالي الفلسفة والأخلاق اهتماما خاصا بهذا الشأن من زوايا مختلفة، فإن الأحكام الفقهية المتعلقة بالأطفال (وأحكام الجنين الذي لا يزال في بطن أمه) قد تَمّ دراستها بشكل موسع في جميع كتب أصول الفقه وفروعه. وقد أفرد بعض العلماء المتقدمين مؤلفات مستقلة حول الأحكام الفقهية الخاصة بالأطفال، وكذلك قام الباحثون المعاصرون بإعداد دراسات مستقلة في هذا الموضوع. وأما حقوق الأيتام ورعايتهم والاهتمام الخاص بهم، فموقف الكتاب والسنة في هذا الجانب وما استنبط العلماء من الأحكام منهما حول هذا الموضوع كان واضحا ومتميزا جدا، وبكيفية لا يمكن أن نجد مثله في أي دين آخر أو ثقافة أخرى.

وكذلك أولى الفقهاء اهتماما خاصا لمسائل الولاية والوصاية لما لهذين الموضوعين، من تلازم وثيق بحماية الأيتام والأطفال، منطلقين في ذلك من نصوص الكتاب والسنة.

وخلاصة القول: أن ما جاء في القرآن والسنة من أحكام ومبادئ واستنتاجات العلماء في ضوئهما، ولا سيما الموروث الفقهي في هذه المسائل، لا تزال كلّ ذلك مصدر إلهام ليس فقط للأمة الإسلامية بل للعالم أجمع. ومن أوضح الأدلة على ما قلنا إعجاب أصحاب الأديان والثقافات الأخرى بالمؤسسات والترتيبات التي وضعها المسلمون في مجال رعاية الأطفال والأيتام إلى عهود قريبة، والتي احتوت على نماذج مثالية في هذا الصدد.

ونحن في ورقتنا هذه لن نتطرق إلى المعلومات التعريفية المنتظمة حول رعاية الأطفال والأيتام (وما ورد في القرآن والسنة من الأدلة والأحكام الفقهية المستنبطة منها والعرض المفصل لآراء المذاهب واختلافاتها) تاركين هذا الأمر إلى المنشورات والمقالات المدوّنة، والأوراق التي من المحتمل إعدادها وفق هذا الإطار. وسنركـّز على مفهوم “فقه الإنسان” الذي يعتبر محور الموضوع لنتناول في هذا السياق وجهات نظر الفقهاء المسلمين حول تأصيل مفهوم الشخص والشخصية، محاولين لفت الانتباه إلى أهمية مصادر أصول الفقه الحنفي في العهود الأولى من حيث تطوير المفاهيم المتعلقة بهذا الموضوع، إذ أن الأحكام الفقهية المتعلقة برعاية الأطفال والأيتام مستلهمة من تلك الآراء المتعلقة بجوهر الموضوع وأساسه.

*            *               *

مفهوم الشخص

الشخص كمصطلح فقهي وقانوني يعني: من هو أهل للحقوق والالتزامات، أي هو الكائن الذي له حقوق والتزامات. والحديث عن الحقوق والالتزامات التي تعتبر من المفاهيم الأساسية في التشريعات مرتبط بوجود كائن يسمّى شخصا. والشخص بعبارة أخرى عنصر ضروري لاكتساب الحقوق وتحمل الالتزامات. وإن كانت بعض النظريات تقول عند تفسيرها لبعض حقوق الارتفاق المتعلقة بالأموال غير المنقولة من أن صاحب الْحَقّ هو المال غير المنقول، وليس الشخص إِلاَّ أن المقصود هنا ليس عدم وجود عنصر “الشخص” في العلاقة المذكورة، بل معناه كون الشخص غير معين([1]).

وكلمة “الشخص” في المصطلح القانوني (بالإنكليزية والألمانية “person” وبالفرنسية “personne”) يعني الكائن الذي اعترف له النظام القانوني بالقدرة والصلاحية لاكتساب الحقوق، مِمَّا يعني أن هذا المفهوم يعبّر عن كائن قانوني وليس طبيعي. واستعمال القانون الروماني للدلالة على الشخص كلمة “persona”([2]) التي تعني القناع الذي يرتديه الممثل على وجهه عند اعتلاء المنصة للعرض المسرحي ويبدله حسب الأشخاص الذين يمثلهم، يعني في وجهة نظر البعض بأن الرومانيين كانوا يعتبرون قدرة الكينونة الشخصية بمثابة قناع ألبسه النظام القانوني للكائنات حسب مجموعات معينة ينتمي إليها الكائن. ([3])ونجد في أدبيات الفقه الإسلامي اعتبارا من كتب أصول الفقه المؤلفة في العصور المبكرة أنه قد تَمّ تناول موضوع الشخصية وفق أسس وجودية (أنطولوجية)، وأنه قد رُبطت الأهلية التي تعتبر الفقرة العمودية للشخصية بمفهومي “الإنسان” و”الآدمي” واعتبرت الإنسانية الشرط الوحيد لأهلية الحقوق والالتزامات.

وفي صدد تأصيل جانب إنشاء الأهلية للحقوق والالتزامات بإرادة الشخص، نرى في هذه المؤلفات الاستدلال بالآيات التي ركزت على خاصية الإنسان من حيث إنّه كائن متحمل للمسئولية، وأن ما يصدر منه من البيانات والألفاظ التي تنبئ عن إرادته تتعلق بها نتائج وأحكام([4]).

ولدى التطرق إلى موضوع الأهلية في كتاب “تقويم الأدلة” الذي يعتبر من أوائل كتب أصول الفقه الحنفي، وكذلك في المؤلفات الأصولية التي جاءت بعده وانطلاقا من مفاهيم “الأمانة” و”الذمة” و”العهد” التي جاءت في الآيات القرآنية نرى بأن العصمة (قرينة البراءة الأصلية) والحرية وحقوق الملكية تذكر ضمن الحقوق الممنوحة للإنسان منذ الولادة (حقوق الله) وضمن الثوابت الوجودية الضرورية المتعلقة بكرامة الإنسان (الكرامات) كما يرد في تلك الكتب تحليلات دقيقة ومعمقة حول الأسس الفكرية لمفهوم الشخصية من ناحية الحقوق والالتزامات الدينية/القانونية([5]).

وموضوع الأهلية الذي يكتسي أهمية خاصة من ناحية التكليفات الدينية إلى جانب تعلقه بكافة المجالات القانونية، قد تَمّ دراسته في كتب أصول الفقه على شكل نظرية. كما أن المسائل المتفرعة عنه والأحكام المتعلقة بحقوق الأشخاص تناولته كتب الفقه وفق المنهج الخاص بها تحت عناوين مختلفة مثل “الحجر والمأذون والبيع/البيوع والنكاح والطلاق والنفقة والنسب والولاية والوصاية والوقف والإرث/الفرائض… “.

وكان كتاب محمد قدري باشا الذي عنوانه “الأحكام الشرعية في الأحوال الشخصية” أوّل كتاب مدوّن في حقوق الأشخاص في إطار عمليات التقنين التي شهدتها البلدان الإسلامية في القرن التاسع عشر. وهذا الكتاب الذي أُلف كمسودة قانون، وتناول الأحكام المتعلقة بحقوق الأشخاص مع قانون الأسرة وأحكام المواريث، وإن لم يتم إقراره كقانون إِلاَّ أَنَّه قد تَمّ نشره من قبل الحكومة المصرية وحصل على اعتماد شبه رسمي.

[وبجدر بنا هنا أن نستطرد فنقول: إن غاية حفظ وإقرار النظام في المجتمع للقانون، وكون المجتمع متكونا من الناس يستلزم أن يكون الإنسان هو الكائن الوحيد الذي يوصف بالشخص حسب النظام القانوني. ولكن استثناءً من هذا المبدأ كان هناك بعض الناس ـ مثل الأرقاء ـ لا يُعتبرون أشخاصا في تاريخ الشرائع كما تَمّ اعتبار بعض التجمعات المستقلة والمنفصلة عن الناس أشخاصا تحت مسمى “الشخصية القانونية” وبناءًا عليه ظهرت حاجة إلى توسيع شمولية مفهوم الشخص. وتبني فكرة ” الشخص المعنوي ” لا يتعارض مع المبادئ الإسلامية في رأي معظم الفقهاء المعاصرين، حتى إن كثيرا من المفاهيم والترتيبات الفقهية تحتوي على هذا الفهم([6]). ولكن ليس من الصحيح اعتبار هذه النتيجة المتأتية من الحاجة العملية إهمالا أو تغييرا للنظرة الفقهية الأساسية والدقيقة التي أدت إلى بناء “الشخصية” على مفهوم ” الإنسان” (الآدمي)].

ورغم كون اعتبار الإنسان شخصا مبدأ ليس له استثناء في القوانين المعاصرة([7])، فإننا نجد أمثلة عديدة في تاريخ الشرائع بأن بعض الناس لم يعاملوا كأشخاص. وتأتي على رأس هذه الأمثلة مؤسسة الرق القديمة التي عرفتها البشرية منذ أقدم العصور والتي ينظر فيها إلى الرقيق على أَنَّه ليس صاحب حق بل يعتبر موضوعا للحقوق مثله مثل الأموال. وقد ظلت هذه المؤسسة موجودة حتى القرون الوسطى ثم تطورت على شكل اتخاذ الأسرى والنظام الإقطاعي، واستمرت بهذه الصور في مختلف بقاع العالم إلى نهايات القرن التاسع عشر.

وكان الناس في القانون الروماني ينقسمون إلى أحرار وعبيد. كما أن بعض من كانوا في الحقيقة أحرارا كان وضعهم القانوني يشبه نوعا ما وضع العبيد، وذلك لعدم امتلاكهم حق الأهلية بسبب بقائهم تحت سيادة أب العائلة أو رئيسها (pater familias). وفي بعض الأنظمة القانونية كان الرهبان والمعاقبون بعقوبة التجديف والمنفيون لا يعتبرون أشخاصا من الناحية القانونية.

فعلى سبيل المثال فإن مؤسسة الموت المدني التي بقيت حتى سنة 1850 كمؤسسة قانونية داخل التشريع الفرنسي، كانت تقوم بإلغاء شخصية هذه الفئات من الناس وكثير من الحقوق المرتبطة بها. ولاعتبار هؤلاء أمواتا قانونيا كانوا يفقدون أهلية الحقوق والالتزامات ولا يتمتعون بالحقوق السياسية، وتنقطع صلاتهم الزوجية إن كانوا متزوجين وتنتقل أموالهم أيضا إلى ورثتهم. كذلك القانون الروماني في عهوده الأولى كان يُنظر فيه إلى الأجانب أي غير المواطنين الرومانيين على أنهم ليسوا أشخاصا من الناحية القانونية. ولم يكن الوضع مختلفا في القانون الجرماني من حيث التمييز بين المواطن والأجنبي ([8]).

إن الاستثناء الوحيد في الفقه الإسلامي من مبدأ اعتبار كل إنسان شخصا هو الإقرار بمؤسسة الرق. إِلاَّ أنه من الواضح جليا بأن جميع النصوص والأحكام الواردة في المصدرين الأساسين للفقه الإسلامي حول هذه المؤسسة كان لها هدفين، يمكن تلخيصهما بإلغاء هذه المؤسسة تدريجيا بالدرجة الأولى ومنح العبيد حقوقا وضمانات مع الإلحاح الشديد على أن تكون معاملاتهم إنسانية إلى أقصى درجة ممكنة إلى أن يحين الوقت المناسب لإلغاء هذه المؤسسة.

وبغض النظر عن انعكاس هذا المبدأ الأساس على الساحة العملية، فإن الدراسات الفقهية المستمدة من القرآن والسنة قد بذلت جهودًا نظرية لم يسبق لها مثيل في تاريخ القانون من أجل إفساح المجال للتصرفات التي تحث على تحرير العبيد، وطُورت أوضاع وقواعد قانونية مثل “المكاتب وأم الولد والمدبّر..” لتُمهد السبيل أمام تحقُّق الهدفين المذكورين.

*            *               *

انعكاسات المواقف والتحليلات الفقهية حول موضوع أهلية الأداء على رعاية الأطفال والأيتام

لقد وقع التفريق في الفقه منذ البداية بين اعتبار الإنسان أهلا للحقوق والالتزامات، وبين أهليته في إنشاء الحقوق والالتزامات بإرادته وفعله، خاصة وأن علماء الأصول من المذهب الحنفي في بلاد ما وراء النهر قد بذلوا جهودا كبيرة جالبة للانتباه، لوضع اصطلاحات لهذه الفكرة وتحليل هذه المصطلحات. وقد قام علماء الأصول المذكورون بتقسيم الأهلية إلى قسمين كما هو في الدراسات القانونية المعاصرة، وقابلوا مصطلح “أهلية الْحَقّ” في القانون المعاصر بمفهوم “أهلية الوجوب”، بينما استعملوا مفهوم “أهلية الأداء” في مقابل المصطلح المعاصر”أهلية الفعل”([9]).

وركـّز علماء الأصول عند حديثهم عن ماهية أهلية الأداء وأقسامها ـ كما هو الشأن في الدراسات القانونية المعاصرة ـ على مرحلة التطوّر الجسمي والروحي للإنسان بعد ولادته والأوضاع الخاصة المحيطة به بعد بلوغه مرحلة معينة في حياته. ومن الممكن أن يكون المرء محدود الأهلية أو فاقدا لها لبعض الأسباب رغم وصوله إلى مرحلة معينة (البلوغ أو الرشد). إِلاَّ أن عوارض الأهلية ما عدا “الصغر” لا تدخل ضمن إطار الموضوع الذي نتحدث عنه.

وأُولى المراحل التي يمرّ بها الإنسان بعد ولادته هي مرحلة الطفولة قبل التمييز. ومفهوم “قدرة التمييز” في القانون يمثــّل خطا فاصلا لانتقال الصغير إلى حالة قانونية جديدة من حيث أهلية الأداء، كما أَنَّه يعتبر معيارا لتحديد نوعية أهلية الأداء لدى كل الأشخاص في كافة الشرائح العمرية. ولكن الخاصية الثانية لهذا المفهوم ليست داخلة في إطار بحثنا هذا، فالذي يهمنا هنا هو انتقال الصغير من مرتبة “فاقد الأهلية” إلى مرتبة “ناقص الأهلية” من حيث أهلية الأداء.  إن مفهوم “قدرة التمييز” الذي حظي باهتمام خاص من قبل علماء الأصول الأحناف في بلاد ما وراء النهر([10])، قد تَمّ إدراجه لأوّل مرة ضمن المصطلحات القانونية المعاصرة عن طريق القانون المدني السويسري.

وخلاصة القول: إن التمييز هو امتلاك الشخص القدرة على فهم نتائج أفعاله مسبقا (الإدراك) وامتلاكه قدرة التصرف وفق ذلك الفهم (الاختيار). والصغير غير المميـِّز الذي لا يمتلك هذه القدرة يعتبر أهلية الأداء في حقه منعدمة (فاقد الأهلية). بينما يُعتبر الطفل الذي يتمتع بهذه القدرة (الصغير المميـِّز) شخصا ناقص الأهلية من حيث الأداء.

وأهم نتيجة شرعية لذلك ـ في رأي أغلب الفقهاء ـ هو صحّة تصرف الصغير بإرادته الحرة فيما يتعلق بالتصرفات النافعة له نفعا محضا، وصحّة تصرفه بموافقة (إذن/إجازة) ممثله القانوني (الوليّ/الوصيّ) فيما يتعلّق بالتصرفات الدائرة بين النفع والضرر([11]). لم تحدد القوانين المعاصرة عادة ـ ما عدا بعض المستثنيات ـ بداية من سنّ التمييز. وكذلك الشأن بالنسبة للفقهاء، إذ أنهم لم يقوموا بتحديد سن للتمييز على العموم، إلا أن هناك آراء تقول بإمكانية الاعتماد على إكمال السن السابعة كمعيار موضوعي من أجل تسهيل حسم الخلافات المتعلقة بحقوق الأيتام من جانب، وبالاستئناس من حديث الرسول صلعم حول سنّ تعليم الصلاة للأطفال من جانب آخر.

وهناك حالة قانونية أخرى ذات أهمية تتعلق كذلك بهذه المرحلة من حياة الإنسان (مرحلة الصغير المميز) وهو مفهوم “الأهلية الموسعة” حيث يسمى من كان في هذه الحالة من الصغار في المصطلح الفقهي بـ”المأذون”. والموافقة على هذا الوضع موقف له أهميته من حيث إعداد الأيتام، والصغار للحياة، وإكسابهم مهنا أو صناعات وتدريبهم على الاعتماد على أنفسهم. كما أن لهذا الموقف جانب آخر ملفتا للانتباه، وهو مراعاة فكرة الاحترام للإنسان من جهة، والأخذ بعين الاعتبار حقائق الحياة والواقع المعاش من جهة أخرى.

واعتبار بداية سنّ التمييز في وقت مبكر ـ وفي إطار معقول ـ (كإكمال سبع سنوات) أمر مهمّ للغاية لحماية الأطفال والأيتام، إذ أَنَّه يعكس النظرة الأساسية للنظام القانوني تجاه الإنسان ونموّ الأطفال، ويسلـّط الضوء على مدى اهتمامه بحرية الإرادة ومدى إتاحته الفرص لتنمية الشخصية لدى الإنسان. وهناك تشابه كبير بين أحكام الفقه الإسلامي منذ البداية وبين الترتيبات القانونية المعاصرة التي تعطي الأولية للحريات والقيم الشخصية. وفي المقابل نلاحظ في الأنظمة القانونية الاشتراكية القائمة على الاقتصاد الجماعي، إهمالا للحريات الفردية ولتنمية الشخصية. وعلى سبيل المثال: كان القانون السوفيتي السابق يحدد سنّ التمييز بـ15 سنة، وظل القانون المدني الروسي الذي دخل حيز التنفيذ في سنة 1995م متأثرا بتلك النظرة السابقة في الأحكام المتعلقة بمراحل عمرية مختلفة للصغار (المواد 26 و27 و28).

هذا، ولئن كان الوصول إلى سنّ البلوغ الذي يُعتبر نقطة تحوّل مهمَّة ضمن مراحل حياة الإنسان من الناحيتين العقلية والبدنية، فإنّ القرآن الكريم قد اشترط ثبوت الرشد (استئناس الرشد) لامتلاك حقّ التصرّف في الأموال([12]) بالنسبة إلى الفرد، حيث عبّر القرآن عن مستوى النضج الفكري المطلوب لتحمـّل المسؤوليات في الحياة من جميع النواحي والقيام بكافة المعاملات القانونية بشكل مستقل، واستعمل في ذلك عبارة منفصلة وهي ” الرشد” مما كان له بالغ الأثر على تطوير نظرية الأهلية والمصطلحات المبتكرة في هذا الإطار([13]).

*            *               *

الخاتمة:

ولئن صحّ القول بأنّ الطفل له أهمية وقيمة خاصة في نظر الوالدين تفرضها الفطرة، وبالتالي فإنَّه لا حاجة لدعم حماية الأطفال بقوانين وقواعد النظام الاجتماعي، إِلاَّ أنّ المشاكل المطروحة ضمن مسيرة الحياة الطبيعية من جهة وحدوث ضعف وانحراف أخلاقي في مجتمعاتنا مِمَّا نشاهده اليوم من تهرّب أفراد الأسرة بمن فيهم الوالدين من أداء واجباتهم، وسعيهم فقط إلى استعمال حقوقهم بشكل متعسف من جهة أخرى، كلّ ذلك أدى إلى معالجة موضوع حقوق الأطفال على المستوى الدولي، كما تسبب في اتجاه الإنسانية إلى وضع تشريعات مفصلة لتنظيم هذا الأمر. وأمَّا الأيتام فهم معرضون لانتهاكات أكبر من حيث الحقوق بالمقارنة مع الأطفال الموجودين تحت رعاية آبائهم وأمهاتهم أو أحد هذين الطرفين.

يبدو أن موضوع حقوق الأطفال والأيتام ورعايتهم الذي تحوّل إلى جرح دام، وأصبح من المشاكل ذات الأولوية في جل المجتمعات، ولو اختلفت مظاهره وطبيعته تبعا للظروف الخاصة بكل مجتمع، يبدو أنه سيظل محتفظا بمكانته كمشكلة تزداد أهميتها يوما بعد يوم في جدول أعمال الإنسانية. ولهذا السبب فإن اهتمام وزارة الأوقاف والشئون الدينية في سلطنة عمان بهذا الموضوع، وإعطائها مكانة خاصة بين محاور الندوة، يُعدّ اختيارا موفقا يستحق كلّ التقدير والمباركة. ولا شكّ أن هذا الاجتماع سيثبت من جهة أن العالم الإسلامي والعلماء المسلمين لم يهملوا هذا الموضوع، وسيكشف من جهة أخرى عن أن المصدرين الأساسين للإسلام ـ أي القرآن الكريم والسنة النبوية ـ وكذلك التراث الإسلامي والمصادر الفقهية تحتوي على مبادئ سامية يمكنها أن تسلط الضوء في طريق إيجاد الحلول لمثل هذه المشاكل، وأن تصبح مصدر إلهام لكثير من التشريعات المعاصرة بما تحتوي عليه من الإنتاج الفكري القيم في هذا المجال. وقد حاولت في هذه الورقة بدلا من القيام بسرد معلومات منتظمة ومفصلة في موضوع حقوق الأطفال والقيام بتقييمات حولها، حاولت لفت الانتباه إلى نقطة الانطلاق لهذا الموضوع، ألا وهو مفهوم “الشخصية” ومدى اهتمام الفقهاء المسلمين بتأصيله وخاصة نظرة علماء الأصول المتقدمين من المذهب الحنفي في بلاد ما وراء النهر إلى هذا المفهوم، وجهودهم الكبيرة في تحليله وتناوله ومحاولاتهم لوضع مصطلحات له حيث لم يُتنبّه إلى آرائهم في الدراسات الخاصة بالموضوع.

من الطبيعي أن تبدو للوهلة الأولى بأن الأحكام الفقهية المتعلقة بالمجالات القانونية/الحقوقية أحكام شكلية جامدة لا علاقة لها بأساس المشكلة؛ لأنّ الهدف من تلك الأحكام إِنَّمَا هو بيان التدابير الموضوعية التي ستفيد في تقليل المشاكل إلى أدنى مستوى، كما أنها تهدف إلى إبراز طرق التوصل إلى حلول موضوعية للمشاكل المتولدة. إلا أننا إذا أخذنا بعين الاعتبار ارتباط القانون بالأخلاق، وخاصة تَغذِّي الفقه من القواعد الاعتقادية والأخلاقية، يظهر لنا جليا بأنّ الحلول الفقهية المقترحة لمعالجة ما تواجهنا من المشكلات بما في ذلك ما تتعلّق منها بموضوع ندوتنا، حتى تكون هذه الحلول المقترحة ناجحة وموصلة إلى نتائج إيجابية، لا بد من تقوية الجوانب الأخلاقية والإيمانية لدى الأفراد والمجتمعات. ولا شك أن للتربية والتعليم أهمية عظمى يجب عدم إغفالها لتحقيق هذا الهدف.


[1]) مصطفى أحمد الزرقا، الفقه الإسلامي في ثوبه الجديد، د.م.، د.ت، الطبعة السادسة، 3/233-234.

[2]) (مادة onier, R., Petit Vocabulaire de Droit Romain, Paris 1942, p. 217-218 (“persona”

[3]) Jale Akipek – Turgut Akıntürk, Türk Medenî Hukuku Başlangıç Hükümleri Kişiler Hukuku, (مادة Capitan, H., Vocabulaire Juridique, Paris 1936, (“personne” نقلا من İstanbul, 2007, p229-230.

[4]) سورة الأعراف 7/172، سورة الإسراء 17/13 ، سورة الأحزاب 33 / 72.

[5]) أبو زيد الدبوسي، تقويم الأدلة ، الناشر: خليل محي الدين الميس، بيروت 1421/2001، ص417 وما بعدها؛ شمس الأئمة السرخسي، أصول السرخسي، الناشر: أبو الوفاء الأفغاني، بيروت 1393/1973، 2/332 وما بعدها؛ فخر الإسلام أبو الحسن البزدوي، أصول البزدوي، الناشر: محمد المعتصم بالله البغدادي، بيروت 1417/1997، 4/393 وما بعدها؛ عبد العزيز البخاري، كشف الأسرار، الناشر: محمد المعتصم بالله البغدادي، بيروت 1417/1997، 4/393 وما بعدها.

[6]) انظر مثلا: مصطفى أحمد الزرقا، المرجع السابق، 3/235-287.

[7]) إن القاعدة المقررة في الفقه الإسلامي وكذلك في القوانين الغربية هي أن الشخصية تبدأ مع ولادة الطفل حيا، ولا يشترط شروط أخرى مثل كونه قد ولد على هيئة إنسان أو سلامته من الإعاقة أو كونه يستطيع الحياة. في مقابل ذلك يشترط القانون المدني الفرنسي (المادة 725، 906) لبداية شخصية المولود أن يكون قادرا على الحياة، كما يشترط القانون المدني الإسباني (المادة 30) أن يكون مولودا على هيئة إنسان إلى جانب اشتراط حياته لمدة 24 ساعة على الأقل.

[8]) Jale Akipek – Turgut Akıntürk, op. cit, p. 238-239.

[9]) نجد الدبوسي أيضا قد تناول الأهلية من حيث جانبيه الأداء والوجوب مقسمة، إلا أن البداية في دراسة الموضوع بتقسيم الأهلية إلى “أهلية الأداء” و”أهلية الوجوب” واضح جدا عند البزدوي والسرخسي.. انظر: أبو زيد الدبوسي، المرجع السابق، ص417-423؛ شمس الأئمة السرخسي، المرجع السابق، 2/332 ؛ فخر الإسلام أبو الحسن البزدوي، المرجع السابق، 4/393.

[10]) انظر: أبو زيد الدبوسي، المرجع السابق، ص417-428؛ شمس الأئمة السرخسي، المرجع السابق، 2/333، 340، 347 ؛ فخر الإسلام أبو الحسن البزدوي، المرجع السابق، 4/448.

[11]) لقد ورد عند الدبوسي أيضا عبارات تتعلق بمراتب الأهلية المختلفة، وتوضيحات حول خصائص التصرفات التي يمكن للصغير المميز القيام بها؛ إلا أن البزدوي والسرخسي كان كلامهما واضحا من حيث تقسيم أهلية الأداء إلى “ناقصة” و”كاملة”، وكذلك من حيث دراسته للتصرفات بصورة منتظمة وفق تقسيم ثلاثي. انظر: أبو زيد الدبوسي، المرجع السابق، ص420-430، 433؛ شمس الأئمة السرخسي، المرجع السابق، 2/332، 340-353؛ فخر الإسلام أبو الحسن البزدوي، المرجع السابق، 4/394، 411-433، 435، 448-451.

[12]) سورة النساء 4/6.

[13]). حول نظرية الأهلية في الفقه الإسلامي انظر: مصطفى أحمد الزرقا، المرجع السابق، 2/734-815؛ صبحي المحمصاني، المبادئ الشرعية والقانونية في الحجر والنفقات والمواريث والوصية، بيروت 2002، ص55-116؛ نفس المؤلف، النظرية العامة للموجبات والعقود في الشريعة الإسلامية، بيروت 1948، 2/100-163. وانظر أيضا لأحكام الأهلية مقارنا بالفقه الإباضي: عبد الحكيم عبد الرحمن أسعد السعدي، الأهلية في قانون الأحوال الشخصية العماني، مجلة جامعة الأنبار للعلوم الإسلامية، العدد الأوّل ، 1430 /2009 ، ص59-91.

 

* ندوة تطور العلوم الفقهية فِي عمان “ الفقه الحضاري، فقه العمران”

 المنعقدة خلال الفترة: (18-21) ربيع الثاني 1431هـ / (3-6) إبريل 2010م:

سلطنة عمان- وزارة الأوقاف والشؤون الدينية 

هذه المقالة تحتوي على لا تعليق

أكتب تعليقك هنا

نرجو أن تضع المادة أسفله
الإسم
إيميل
موقع
تعليقك