ابن خلدون والعُمران البشري

ابن خلدون والعُمران البشري

من منظور فقه السياسة

 إعداد: د. امحمَّد مالكي 

 (مدير مركز الدراسات الدستورية والسياسية، كلية الحقوق، جامعة القاضي عياض مراكش ـ المغرب)

 

مقدِّمَة:

لم يكن حظُّ من سبق ” ابن خلدون”([1])، أو حايلَه، أو جاء بعده، وافراً قدرَ ما حظي به “صاحب المقدِّمَة”([2]) بحثا، وتنقيباً، وتحليلاً، سواء من قبل بني جلدته من العرب والمسلمين، أو من الأوروبيين والغربيين([3]). فباستثناء عناوين محدودة سعت إلى إبراز مظانّ الضعف في متنه، أجمعت جلُّ الكتابات، شرقاً وغرباً، على ألمعية هذا الفقيه المالكي، ورياديته العلمية في طَرقِ مجالات معرفية لم يقتحمها من سبقه من الفقهاء والمؤرخين والفلاسفة، بل إن شهادات كثيرة من أساطين الفكر الغربي الحديث تُعفي الباحث من عناء الدفاع عن أصالة صاحب المقدِّمَة، وتاريخية فكره([4]).

ليس قصدُ الدراسة النظرَ في مجمل متن ” ابن خلدون” وما جادَ به قلمُه، بل غرضها الإمعان في مَفصل من مفاصل فكره، أي ” العمران” وما يرتبط به ويتفرع عنه من قضايا وإشكاليات. ولئن كانت الأدبيات وافرةً وكثيرةً في هذا المجال بالذات([5])، فإن سعيَنا يروم إبرازَ مساهمة ” الخلدونية” في تأصيل هذا المفهوم، وتقعيد أسسه كعلم برهانيّ، يمتلك الأركان الأربعة التي اتَّفق عليها المناطقة القدماء، أي: الموضوع، الأعراض الذاتية، والمسائل، والمبادئ والمقدمات([6]). ثمّ إن البحث، في إطلاله على هذا العلم، يتوخى التركيز على الجوانب التي لها صلة بعلم لم يشهده ” ابن خلدون”، لكن ساهم في التعاطي مع جملة من مفاهيمه، يتعلق الأمر بـ”علم السياسة”، ولعل نصّ ” المقدِّمَة” يقنع القارئ بما فيه الكفاية بمساهمة صاحبها في إثراء وتطوير ” العمران البشري” من زاوية فقه السياسة.

فهكذا، يُقدٍّرُ مُعِدّ الدراسة أهميةَ المساهمة في هذا الملتقى العلمي المميَّز بمقاربة الجوانب التي حظيت بمعالجة ذات الصلة المنهجية والمعرفية بفقه السياسة وإشكالاته، إذ من المعروف أن ” ابن خلدون” أفرد فصولاً أصيلةً وعميقةً حول “الدول وأحوالها وتطورها والتملك والتغلب وأنواع الْمُلك وكيف يسري إليه الانحلال”([7])، الأمر الذي ميزه عن سابقيه مِمَّن أنتجوا نصوصاً سياسيةً عن الدولة، من قبيل أفلاطون وأرسطو والفرس، والأكثر جعله متفرداً عن هؤلاء من حيث انتقالُه بالكتابة السياسية من “مستوى الواجب أو الْمُفترض إلى مستوى الواقع المعاش في التجربة التاريخية”.([8])

تروم الدراسة النظر في ثلاث إشكاليات من منظور ” علم العمران”، كما أصَّل قواعدَه ابن خلدون. تتعلق الإشكالية الأولى بـ”الحاجة إلى الاجتماع السياسي”، أي المعمور من الأرض [أولا]، وتخص الثانية ” ضرورة السياسة، أي الدولة، لانتظام العمران ” [الدولة ثانيا]، أما الإشكالية الثالثة فترتبط بـ”دور العصبية في تحريك فاعلية العمران” [ثالثا].

*            *               *

 أولا: في ضرورة الاجتماع البشري

عَنونَ ” ابن خلدون” البابَ الأول من الكتاب الأول من المقدِّمَة بـ”في العمران البشري على الجملة وفيه مقدمات”، واستهلَّهُ بالقول: “في أن الاجتماع الإنساني ضروري. ويعبر الحكماء على هذا بقولهم:”الإنسان مدني بطبعه”، أي لابد له من الاجتماع الذي هو المدنية في اصطلاحهم وهو معنى العُمران” ([9])، مستدلاً على ذلك ببيان الله في خَلقه[الإنسان] ([10])، وفطرَته على البحث عن فوته اليومي، الذي لا يتحقق بقدرته الشخصية، بل بحاجته إلى تكاتف القُدَرِ من بني جلده([11]). ثم إن التكاتف في تحصيل القوت بغية الديمومة والبقاء، يستوجب التعاون من أجل ردِّ الضرر، أي ” الاستعانة” و” الْمُدافعة”، بتعبير ابن خلدون”([12])، لكن حين يحدث الاستنكاف، ويتمنَّعُ الناس عن الاستعانة والمدافعة، يحصُل الهلاك ” ويبطُل نوع البشر”، والعكس صحيح:”إذا كان التعاون حصل له [الإنسان] القوت للغذاء والسلاح للمدافعة، وتمت حكمة الله في بقائه وحفظ نوعه. فإذن هذا الاجتماع ضروري للنوع الإنساني، وإلا لم يَكمُل وجودُهم وما أراده الله من اعتمار العالم بهم واستخلافِهم إياه، وهذا هو معنى العُمران الذي جعلته موضوعاً لهذا العِلم”([13]). لذلك، يَثبُت العُمران، ويستقيم، ويتحقق مقصدُ الاستخلاف منه، حين تتقوى الاستعانة بين الناس وتتأكد المُدافعة بينهم.. بيد أن العمران، من حيث هو اجتماع بشري بالسليقة والضرورة، يحتاج إلى “وازع” يُعضِّده، ويلحَم نسيجَه الاجتماعي، ويقوي شَوكَته، إنه “الملك” بتعبير ابن خلدون.

تواترَ استعمالُ مصطلح “الملك” في أكثر من مقام في المقدِّمَة، بل إنه أكثر المفاهيم إجرائيةً في فهم معالجات ابن خلدون للعُمران البشري من زاوية فقه السياسة. ففي سياق تشديده على لازِمة “الملك للعمران”، يقول ابن خلدون:”ثمّ إن هذا الاجتماع إذا حصل للبشر كما قرََّرناهُ وتمَّ عُمرانُ العالم بهم، فلابد من وازع يدفع بعضهم عن بعض، لما في طِباعهم من العدوان والظلم وليست آلة السلاح التي جعلت دافعةً لعدوان الحيوانات العُجم عنهم كافيةً في دفع العدوان عنهم لأنها موجودة لجميعهم. فلابد من وجود شيء آخر يدفع عدوان بعضهم عن بعض… فيكون ذلك الوازع واحداً منهم يكون له عليهم الغَلبة والسلطان واليد القاهرة، حتى لا يصل أحد إلى غيره بعدوان، وهذا هو معنى الْمُلك..”([14]). إن “الْمُلك” في المتن الخلدوني “خاصية للإنسان طبيعية لابد لهم منها”، كما هي للحيوان، غير أن الملك َ موجود لهذا الأخير بمقتضى الفطرة، في حين يتحقق للبشر بـ”الفكرة والسياسة”([15]). فالملك إذن ” هو الغاية الطبيعية ولا يحصل حسب الاختيار وإنما يحصل بالطبيعة”.

تَسمحُ قراءةُ المقاطع ذات الصلة بـ”الاجتماع البشري”، باستنتاج مفادُه أن مقاربةَ صاحب المقدِّمَة لفكرة ” العمران” المؤسَّسة على ” الاستعانة ” و” المدافعة”، والمعضَّدة بـ”الوازع”، أي الْمُلك، لا تجد سجلَّها في الحقل الفقهي اللاهوتي، ولا في الانشغال الإيديولوجي([16])، وإنما تستمد روحَها من طبيعة المجتمع وكُنهِ تفاعلاته. فالناس في حاجة إلى بعضهم بعضا وتلك سُنّة الله في خلقه، ومن هنا تولد الاستعانةُ، وتنبع المدافعة، لكن الناس في ضرورة إلى من يسوسُهم، أي يُدبِّر أمورَهم بقوَّة الإقناع والإكراه، وبذلك يكون الوازع، أي الْمُلك، لازمةً لا مندوحة عنها، لاكتمال العمران، واستقامته، وديمومته.. إن” الملك” هنا ليس شيئاً آخر سوى “السلطة”، أي القدرة على رَدِّ المظالم التي تَستشري بين الناس، وخلق التوازن اللاَّزم لاستمرار معمور الأرض. لكن إذا كانت السلطة مِمَّا ينبع من طبيعة البشر و يندرج ضمن لوازم العُمران وضروراته، فإنها تستوجب مسوغات تبررُ الحاجة إلى وجودها، حدَّدها ابن خلدون في ” مسلمات الطبيعة البشرية”([17]) من جهة، وغايتها الاجتماعية [التوازن] من جهة أخرى. والواقع أن صاحب المقدِّمَة حين أسس علمه الجديد [العمران البشري] على هذه المفاهيم لم يَركُن إلى الحقل الفقهي اللاهوتي فيعتمده مصدراً لتفكيره، كما فعل سابقوه، بل استند إلى المعاينة، والمخابرة، والتجربة، وشكَّل منها عُدَّته المنهجية والمعرفية لقراءة تاريخ العرب والمسلمين على امتداد سبعة قرون [ق7/ 14م]، عايش شخصياً فصولاً دقيقةً وحساسةً منه. فمن المعلوم أن ابن خلدون عاش متنقلاً بين القبائل المغاربية من 1365 وحتى 1372م، وفي قلعة ابن سلامة، حيث وجد ملاذَه عند “أولاد عريف” انزوى إلى العزلة مدة ثلاث سنوات ونصف [مارس 1375ـ أكتوبر 1378]، فكان مؤلفه العُمدة “المقدِّمَة” ثمرة تفكير عميق، جمع بين التمكُّن الفقهي والفهم التاريخي، والخبرة العملية في شؤون السياسة والسلطة والسلطان([18]).

فإذا تركنا تفاصيل مصادر ابن خلدون في تأصيل مفهوم الْمُلك [السلطة] في متن المقدِّمَة، وسعينا إلى فحص لوازم تحققه في تشكيل السلطة وجعلها ناظِمةً للتوازن المطلوب لديمومة العمران، نجد الفقيه ربط بين الوازع وضرورات اجتماعية مكمِّلة له، ومعززة لنفاذه في صهر الناس وتحقيق الاستعانة والمدافعة لديهم، يتعلّق الأمر تحديداً بمفهوم “الجاه”، الذي عرفه “لسان العرب” بأنه “الموقع والرتبة التي تعود إلى شخص ما في محيط السلطان”. و على الرغم من محدودية تداول الكلمة [الجاه] في أدبيات من عاصر ابن خلدون، وضعف استعماله من قبل المحدثين والمعاصرين من المؤرخين، فإن مقاطع كثيرة من المقدِّمَة اعتمدت “الجاه كمفهوم إجرائي، وجعلت العلاقة بينه وبين الْمُلك تلازميةً، وغير قابلة للفكاك. فالملك يتحقق لوجهاء القوم دون سواهم من الناس، أي أنه “شرط اجتماعي لممارسة الإكراه الذي يعتبر ضرورة للعيش في المجتمع”.([19]) فهكذا، تناول ابن خلدون ” الجاه” في سياق تحليله للحياة المادية للمجتمع، أي الرزق والكسب، واعتبره وسيلةً من وسائل المعاش، وأشار إلى أنه متعدد الوظائف، وعرَّفه كما يلي: “الجاه هو القدرة الحاملة للبشر على التصرف فيمن تحت أيديهم من أبناء جنسهم بالإذن والمنع والتسلط بالقهر والغلبة، ليحملهم على دفع مَضارِهم وجلب منافعهم في العدل بأحكام الشرائع والسياسة وعلى أغراضه فيما سوى ذلك”([20]). بيد أن ابن خلدون يميز، في مقام آخر، بين مستويات الجاه ومراتبه، فيقول: “إن الجاه متوزّع في الناس ومترتب فيهم طبقة بعد طبقة: ينتهي في العلو إلى الملوك الذين ليس فوقهم يد عالية، وفي السفل إلى من لا يملك ضرّاً ولا نفعاً بين أبناء جنسه،وبين ذلك طبقات متعدّدة”.

 يبدو الْمُلك إذن، كما أسلفنا القول، ضرورةً للاجتماع البشري، بل إن كلّ تجمع بشري يخلق بالطبيعة السلطة اللاّزمة له. ثم إن الملك، أو السلطة بتعبير عصري، يَتقوَّى بالجاه، أي بتلك القدرة الجاذِبة للإكراه والانصياع والقبول. ومن الجدير بالإشارة أن مفهوم “الجاه” يختلف عن “الشرف” في المتن الخلدوني. فالشرف بالأصالة، والحقيقة إنما هو لأهل العصبية([21])، أو كما ورد بيانُه في المقدِّمَة “الشرف والحَسَب إنما بالخِلال، ومعنى البيت أن يعُدَّ الرجل في آبائه أشرافاً مذكورين، تكون له بولادتهم إياه تَجِلَّةً في أهل جِلدته، لِما وقَرَ في نفوسهم من تَجِلّة ِ سلفه وشرفهم بخِلالهم..”. ([22]) ثمّ إن للملك صفات ومتممات، لعل أهمها الكرامة والمجد وما يميز صاحب الملك من أجمل الصفات الأخلاقية والسياسية، وهو ما أبدع ابن خلدون في وصفه قائلاً: “إذا كان الملك غايةً للعصبية، فهو غاية لفروعها ومتمماتها، وهي الخِلال؛ لأن وجوده دون متمماته كوجود شخص مقطوع الأعضاء، أو ظهوره عُرياناً بين الناس”([23]). ويُضيف ابن خلدون صفةً ثالثةً هي “الترف”، إذ الملك مرتبط بطبيعته بالبذخ، و”يتعارض نتيجة لذلك مع الحياة البدوية التي تكتفي بالضروري”، والحال أن ابن خلدون يعتمد هذه الخِصلة فيصلاً للتمييز بين “البداوة”والحضارة”، وقد أفاضت المقدِّمَة في بيان ذلك في أكثر من مقام([24]). ففي الفصل الثامن عشر من الباب الثاني الخاص بـ”العمران البدوي والأمم الوحشية والقبائل”، تذهب المقدِّمَة إلى أن من “عوائق الْمُلك حصول الترف وانغماس القبيل في النعيم”، فتُرجِعَ سببَ ذلك إلى أن ” القبيل إذا غلبت بعصبيتها بعض الغَلَب استولت على النعمة بمقداره، وشاركت أهل النِعم والخِصب في نعمتهم وخِصبهم، وضربت معهم في ذلك بسهم وحصة بمقدار غَلبها واستظهار الدولة بها. فإذا كانت الدولة من القوَّة بحيث لا يطمع أحد في انتزاع أمرها ولا مشاركتها فيه، أذعن ذلك القبيل لولايتها، والقُنوع بما يُسَوِّغون من نعمتها ويَشركون فيه من جبايتها…”([25]).

*            *               *

ثانيا: في الحاجة إلى الدولة لانتظام العمران

تُشكّل الدولة في المتن الخلدوني حاضِنة العمران ومُستقرَّه، فهي المحور الذي يدور حوله الاجتماع البشري، وينتظم في نطاقه مقصدُ الاستخلاف وعمارة الأرض. وبحَسبِ الدولة على هذه الدرجة من الأهمية، فقد خصَّها ابن خلدون بفصول كثيرة في نصِّ المقدِّمَة ([26]). فمن جهة، انتقد صاحبها المؤرخين القدامى الذين اكتفوا بتدوين أخبار الدول دون التساؤل عن أصولها: كيف تنشأ، وتزدهر، وتُصاب بالهرم، والوَهن، والانقراض؟([27]). ومن جهة أخرى، اعتبر الدولة مُقومة للعمران، وحافظة لوجوده، فهي “السوق الأعظم، أم الأسواق كلها”، بل إنها والسلطان ” سوق العالم، تجلب إليه بضائع العلوم والصنائع، وتلتمس فيه طوال الحكم… وما نفق فيها نفق عند الكافة”([28]). لذلك، يرتبط ازدهار العمران، و نماؤه، وإثماره المقاصد المرجوة منه [الاستخلاف وعمارة الأرض]، بوجود الدولة، وديمومتها، وتأكيداً لهذا يقول ابن خلدون: “والحضارة في الأمصار من قِبَلِ الدولة، وإنها ترسخ لاتصال الدولة ورسوخها”([29]). غير أن الدولة عند صاحب المقدِّمَة لا يمكن تصورها فكرةً ووجوداً بدون عصبية. لذلك اعتبرها ” الامتدادَ المكاني والزماني لحكم عصبية ما”([30]).

1 ـ فمن حيث الامتداد المكاني، تتسع رقعة الدولة أو تضيق بحسب قوَّة عصبيتها فـ”الدولة بالحقيقة الفاعلة في مادة العمران إنما هي العصبية والشوكة”، وهو ما يعني أن الذي يمنح الدولة قدرة البقاء والديمومة والاتساع هو العصبية، بما تنطوي عليه الكلمة من التحام، وكثرة في العدد، وقوَّة في الشكيمة. إنّ العصبية في هذا السياق تتجول إلى معيار للحكم على مدى “نفوذ الدولة واتساع رقعتها”. والواقع أن الأمر لا يتعلق بعصبية الدولة فحسب، بل يخُصًّ أيضا عصبيات المناطق التي تحكمها. لذلك، تكون معادلة الدولة في المتن الخلدوني مرتبطةً بشكل عضوي وتلازمي بعصبيتها، أي أن درجة فعل الدولة في العمران مرتهن بقوَّة عصبيتها، وضعف عصبية نظيرتها من الدول التي تروم استتباعَها وإخضاعَها، والعكس صحيح تتراجع الدولة، وتُصاب بالوهن والانحلال، ثم الزوال حين تضعف شوكتُها، وتتوارى هَيبتُها، لأسباب أسهبت المقدِّمَة في تعدادها [ضعف العدد والالتحام، شيوع الدَّعة والترف والظلم والفساد]([31]).

تجدر الإشارة إلى أن ابن خلدون يُقرُّ بأن لـ”كل دولة حصَّة من الممالك والأوطان”، ومردُّ ذلك في تقديره راجع إلى عجز الدولة وعدم قدرتها الطبيعية على الاستمرار في الغزو والتوسع إلى ما لا نهاية.. إذ لكلّ أجل كتاب. لذلك، نراه يقول: “والسبب في ذلك أن عِصابة الدولة وقَومَها القائمين بها الْمُمَهدين لها لا بد من توزيعهم حِصصاً على الممالك والثغور التي تصير إليهم، ويستولون عليها لحمايتها من العدو، وإمضاء أحكام الدولة فيها من جباية ورَدع وغير ذلك. فإذا توزعت العصائب كلها على الثغور والممالك فلابد من نفاذ عددها، وقد بلغت الممالك حينئذ إلى حدّ يكون ثَغراً للدولة وتَخماً لوطنها ونطاقاً لمركز مُلكها. فإن تكلفت الدولة بعد ذلك زيادةً على ما بيدها بقي دون حامية وكان موضِعاً لانتهاز الفرصة من العدو والمُجاور، ويعود وبالُ ذلك على الدولة، بما يكون فيه من التجاسُر وخرق سياج الهيبَة..” ([32]).

فهكذا، يجب ألا يذهب فهمُنا لِما ورد أعلاه إلى الاعتقاد بأن حديث ابن خلدون عن قِسط الدول من الأمصار والأوطان، يتحدث عن ” الحدود” الجغرافية والسياسية كما نفهمها اليوم، أي التحديدات التي ترسم كيانَ الدولة ورقعتَها الجغرافية الْمُعترف بها قانونياً.. فشتّان بين ما هو قاصِدُه من كلمتي “الممالك والأوطان”، وما ترسخ لدينا منذ دخول مفهوم الحدود إلى دائرتنا العربية الإسلامية، حصراً منذ القرن السادس عشر. فبلاد المغرب، على سبيل المثال، التي كرَّس ابن خلدون قسطاً يسيراً من كتاباته عن دولها وقبائلها لم تعرف ظاهرة الحدود إلا مع دخول العثمانيين الأتراك إلى أراضيها، قبل أن يعمل الاستعمار الفرنسي في القرن التاسع عشر ومستهل القرن العشرين على تأكيد وجودها قانونياً وسياسياً. والحقيقة أن ابن خلدون لا يربط اتساع الرقعة الجغرافية، أي المكان بحسبه عنصرًا أساسياً لتشكل الدولة، بالعصبية فحسب، بل يدعو إلى الانتباه إلى نوع عصبية الدولة الغازية من جهة، أي حجم قوتها، وواقع عصبية الوطن أو الأوطان المُراد إخضاعها للدولة الغالِبة. فكلما كانت عصبية الأولى [الغازِية] قوية الشكيمة واللُّحمة، وعصبية الثانية [الْمُستتبَعة] ضعيفة ومحدودة، تحقق الإخضاع، واكتملت شروط نجاحه، والعكس صحيح. وللاستزادة نشير إلى انطواء المقدِّمَة على فيض من التفاصيل المُدلِّلة على الفرق الكامن بين نمطي العصبية المشار إليهما في هذا المقام. فهكذا، إذا كانت عصبية أهل الدولة من “نوع العرب ومن في معناهم” كان مُلكُها أوسع من ملك عصبية البدو المقيمين في التلال والسهول، على الرغم مِمَّا قد يتمتع به هؤلاء من كثرة في العدد..”([33])، أما مرد ذلك فيعود في نظر ابن خلدون إلى أن البدو الرُّحل “أَقدر على التغلب والاستبداد..”، وبسبب خشونة عيشهم وشظف أحوالهم “أقدر من غيرهم على تحمل مَشاقّ الغزو وطي المراحل..”، علاوة على أن “ليس لهم وطن يرتادون منه، ولا بلد يجنحون إليه، فنسبة الأقطار والمواطن إليهم على السواء، فلهذا لا يقتصرون على ملكة قطرهم وما جاورهم من البلاد، ولا يقفون عند حدود أفقهم، بل يظفرون إلى الأقاليم البعيدة ويتغلبون على الأمم النائية..”([34])، بيد أن ابن خلدون لم يكتف بربط اتساع رقعة الدولة بكثرة عدد المنتسبين إليها،، بل أضاف إليها معطى الالتحام المحافِظ على الشوكة، والمولِّد للهيبة، فكلَّما كان الالتحامُ قوياً تحققت القوَّة للدولة. لذلك، تعتبر العصبية لازِمةً لولادة الدولة حاضِنة العُمران، وحامية استمراره وديمومته.. ومن الجدير بالإشارة التأكيد أن ليس للعصبية تأثيراً على الامتداد الأفقي للدولة فحسب، بل تتحكم كذلك في تطورها الزماني، لذلك نرى صاحب المقدِّمَة يقول: “إن الدولة لها أعمار طبيعية كما للأشخاص”، أي تَمرُّ بأطوار، كما يعيش الإنسان مراحلَ في العمر، يتدرَّج خلالها من الطفولة إلى الشباب ثم الكهولة والشيخوخة، أي الهرم.

2 ـ تعرضت قضيّةُ “أطوار الدولة” أو أعمارها لسيل من التأويلات في متون الكتابات التي تناولت المنظومة الفكرية الخلدونية. فمن الباحثين من فهمَ قولَ ابن خلدون: “إن الدولة لها أعمار طبيعية كالأشخاص”، على أساس أن هناك دورةً Cycle، تبدأ بالولادة و النشأة، وتنتهي بالشيخوخة والهرم والانقراض، وقد تم اللجوء، في هذا السياق، إلى اعتماد مفهوم ” الدورة التاريخية Cycle historique”، لمتابعة تعاقب أطوار الدولة في الزمان، وشرح حيثيات انتقالها وتدرجها. بيد أنّ هناك، بالمقابل، من استبعد هذا الفهم، وقاربَ قضيةَ “أطوار الدولة” من زاوية معرفية مغايرة، كما هو حال “محمّد عابد الجابري”، في أطروحته حول “العصبية والدولة في فكر ابن خلدون”.([35])، حيث استبعد نظرية “الدورة التاريخية”، ليُشدد على أن “الأمر يتعلّق فقط بـ”دورة عصبية”، أي بانتقال الحكم والسلطة من عصبية إلى أخرى مماثلة داخل عصبية عامة واحدة”([36])، والحال أن مقاطع كثيرة من أطروحته تضمنت تحليلات عميقة للتدليل على “الدورة العصبية”، وليس “الدورة التاريخية” كما ذهب إلى ذلك العديد من الكتابات([37]). لذلك، نرى الجابري يؤكد على ضرورة وضع “أطوار الدولة” في الإطار التاريخي الذي ارتضى علم ابن خلدون وضعَها فيه، أي إطار “انتقال الرئاسة والْمُلك من عصبية خاصة إلى أخرى مماثلة لها داخل تجمع عصبي واسع”([38])، ليضيف “إن المضمون الواقعي والتاريخي لنظرية ابن خلدون قي أطوار الدولة، هو الدولة الإسلامية في تعاقبها وتزاحمها واختلاف العصبيات المؤسِّسة لها منذ بدأ التاريخ الإسلامي إلى عصر ابن خلدون”([39]).

فهكذا، إذا أخذنا بالمعنى الذي دافع “الجابري” على رجاحته التاريخية والعلمية، ورجعنا إلى المتن الخلدوني، فإن “المقدِّمَة ” تسعفنا في الوقوف على العديد من النصوص التي تنحو هذا المنحى في شرح أطوار الدولة، وتعاقبها في الزمان. فما يمكن استنتاجه من متون المقدِّمَة، أن صاحب “علم العمران” يميز بين مستويين من تطور الدولة. يتعلق أولهما بتطور الدولة باعتبارها “شخصاً” يملك، ويخص الثاني الدولة بحسبها “عصبيةً تحكُم”. إن للدولة خمسة أطوار حين تكون شخصاً مالكا, فهي تمر بمرحلة “الظفر بالبُغيَة وغَلبُ المدافع والْمُمانع والاستيلاء على الملك”، وحينها “يكون صاحب الدولة في هذا الطور أُسوةَ قومه في اكتساب المجد وجباية المال والمدافعة عن الحوزة والحماية…”([40]). تنتقل الدول في مرحلة ثانية إلى “طور الاستبداد”، أي استبداد الحاكم “على قومه، والانفراد دونهم بالملك، وكبحهم عن التطاول للمساهمة والمشاركة. ويكون صاحب الدولة في هذا الطور معنياً باصطناع الرجال، واتخاذ الموالي والصنائع، والاستكثار من ذلك لجدع أنوف أهل عصبيته وعشيرته المقاسمين له في نسبه، الضاربين في الْمُلك بمثل سهمه..”([41]). يسِم ابن خلدون المرحلة الثالثة من عُمر الدولة بـ”طور الفراغ والدَّعَة لتحصيل ثمرات الْمُلك مِمَّا تَنزَعُ طباع البشر إليه لتحصيل المال وتخليد الآثار وبُعدِ الصيت، فيستفرِغ [يصبُّ] وُسعَه في الجباية وضبط الدخل والخَرَاج وإحصاء النفقات والقصد فيها، وتشييد المباني الحافلة والمصانع المتسِعة والهياكل المرتفعة…”([42])، ينعت صاحب العمران المرحلة الرابعة من عمر الدولة بـ”كور القنوع والمسالمة. ويكون صاحب الدولة في هذا قانعاً بما بنى أولوه، سلما لأنظاره من الملوك و أقتاله [أعدائه]، مقلداً للماضين من سلفه، فيتَّبِع آثارهم حذو النعل بالنعل… ويرى أن في الخروج على تقليدهم فساد أمره وأنهم أبصر بما بَنَوا من مجده”([43]). ويختم المرحلة الخامسة من عُمر الدولة بالقول عنه “طور الإسراف والتبذير. ويكون صاحب الدولة في هذا الطور متلِفاً لما جمع أولوه في سبيل الشهوات والملاذ والكرم على بطانته وفي مجالسه، واصطناع أخذان [مفردها خذن، وهو العشير] السوء وخَضراء الدِمَن [أي الجميل في مظهره الوضيع في أصله] وتقليدهم عظيمات الأمور التي لا يستقلون بحملها، ولا يعرفون ما يأتون ويذَرون [يتركون] منها، مستفسدا لكبار الأولياء من قومه وصنائع سلفه، حتى يضطغنوا [يحنقوا] عليه، ويتخاذلوا عن نُصرته… وفي هذا الطور يحصل في الدولة طبيعة الهَرم، ويستولي عليها المرض المزمن الذي لا تكاد تخلُصُ منه، ولا يكون لها معه بُرء [شفاء]، إلى أن تنقرض…”([44]).

يُقيم ابن خلدون نوعاُ من التوازي بين أطوار الدولة، بحسبها شخصاً مالكاً، وبين أجيال “الْحَسَب”، باعتباره لازمةً للعصبية ومكملاً لها. فـ”كما أن الملك غاية طبيعية للعصبية”، فهو أيضا “غاية لكلّ مجد، ونهاية لكل حسب”. أما شرحه للحسب فيحدده بالقول: “…ولهذا كان انقراض الحسب في الجيل الرابع كما مرَّ في أن المجد والحسب إنما هو في أربعة أجيال. وقد أتيناك فيه ببرهان طبيعي كاف على ما مهَّدناه قبل من المقدمات…”([45])، ليضيف “وهذه الأجيال الثلاثة عمرها مائة وعشرون سنة على ما مرَّ. ولا تعدو الدول في الغالب هذا العمر بتقريب قبله أو بعده، إلا إن عرض لها عارض آخر من فقدان الْمُطالب، فيكون الهرم حاصلاً مستولياً والطالب لم يخضُرها… وهذا العمر للدولة بمثابة عمر الشخص من التزيّد إلى سن الوقوف، ثم إلى سن الرجوع، ولهذا يجري على ألسنة الناس في المشهور أن عمر الدولة مائة سنة..”. ([46])

نستنتج مِمَّا سبق بيانُه ارتباطَ عُمر الدولة، أي امتدادها في المكان وديمومتها في الزمان، بالعصبية أو العصبيات، وهو ما يفيد ارتهانَ “العمران” وعمارة الأرض بهذه القوَّة التي أخذت في المتن الخلدوني اسم “العصبية” وما يدخل في معناها. فتطور الدولة إذن يقوم، إيجاباً أو سلباً، على العصبية والحسَب. غير أن ” الحسَب”، بحسبه تعبيراً عن الخلال [الخصال] الحميدة وتجسيداً لها، يبقى ملتصقاً بالعصبية، التي يمتد مفعولها إلى “التجمع العصبي كله، أي تلك العصبية العامة الجامعة التي قامت بالمطالبة والثورة”([47]). والواقع أن ” العصبية”، باعتبارها قوَّة جماعيةً قائمةً ومؤسسةً على المصلحة المشتركة، فإن “الحسَب”حين تُصاب خِلاله بالعُفونة والفساد، يُضعِف العصبية، ويُصيب شوكتَها بالوهن والترهُّل.. وهي في كلّ الحالات مؤشرات بداية تراجع الدولة ودخولِها طور الانقراض، أي انقراض العمران، بتعبير ابن خلدون. فهكذا، يقودنا هذا الاستنتاج إلى التساؤل عن مفهوم “العصبية”، ومركزية الدور الْمَنوط بها في تحريك فاعلية العمران، أي عمارة الأرض، بتعبير ابن خلدون؟.

*            *               *

ثالثا: دور العصبية في تحريك فاعلية العمران

لا يختلف باحثان في أن “العصبية” أساسُ المتن الخلدوني ومناطه، وأنها المفصَل الذي تمحورت حوله نظرةُ صاحب المقدِّمَة إلى التاريخ، ومصدر تفسيره لِما حصلَ في بلاد العرب والمسلمين، منذ القرن السابع الميلادي وحتى الرابع عشر منه. لذلك، تعددت التأويلات الهادفة إلى فهم رؤية ابن خلدون لهذه القوَّة المحرِّكة للدولة والعمران، أي العصبية، وما يرتبط بها([48]). فمن الإشارات التي طرحها ابن خلدون، و تجدُر متابعتها ودراستها للوقوف على الدور المركزي للعصبية في تفعيل العمران، يمكن تحديد المصفوفة التالية([49]):

 

مقومات العصبية

حركة العصبية

غاية العصبية

علامات الملك

العلاقات مع العصبيات

طبائع الملك

العصبية

اللحمة

النسب

النعرة

النصرة

الولاء

الحلف

الاصطناع

النصرة

الرياسة

السؤدد

الخشونة

البسالة

الشوكة

المطالبة

الحماية

المدافعة

 الملك

الاستبداد

الدعوة

الدينية

الوجهة

الاستبصار

الوازع

السياسات

الحكم بالقهر

تجدد الدولة

خلال الخير

مراعاة

المصالح

الوفاء

بالعقود

إنزال الناس

منازلهم

العدل

والإنصاف

الخلافة

أنواع الملك

السياسات

المؤسسات

الشارات

الاستظهار

الاصطناع

الاستتباع

خلال الخير

المدن والأمصار

الانفراد بالمجد

الترف والدعة

وفور العمران

أطوار الدولة

المرتزقة

الجبايات

العلوم

الصناعات

التربية

الثقافات

الترف

السكون والدعة

التأنق

المذلة

الانقياد

المغارم

الظلم

المكر والخديعة

الفساد

فقد الأمل

فوت العمل

خراب العمران

تسمح قراءة المصفوفة أعلاه، باستخراج مجموعة من العناصر التي تؤكد مفصلية ” العصبية” في البناء الفكري الخلدوني، ليس من زاوية قيام ” الاجتماع البشري” وضرورة استمراره فحسب، ولكن من ناحية استتباب “الدولة”، وديمومتها إطاراً للعيش المشترك. فالعصبية تولد الوازِع إلى تكوين “الجماعة”، المتلاحمة والمتضامنة، والجماعة تستدعي، بدورها،”الدولة”، التي ترعاها، وتحافظ عليها قوية ومنتصِرةً. فوفق المصفوفة أعلاه، ينطوي مفهوم “العصبية” على شبكة من العناصر التكوينية والأخلاقية، كما يتضمن غايات وعلاقات ومنطق يحرك العمران البشري في اتجاه البناء والتشييد والإنشاء، أو بالعكس، نحو الهدم، والفساد، والاضمحلال، ومن ثم الانقراض. والحال أنها عناصر جامِعة [تهُمُّ الأفراد والجماعات]، ومتكاملة من حيث الوظائف الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والدينية. علاوة على انطوائها على سُلَّة من المعايير [الخِلال]، إذا اكتملت في مجموعة بشرية تحققت عِمارة الأرض، وإن غابت فسد العمران، وتصدعت الدولة وأصيبت بالهرم والزوال ([50]).

لعلّ اللافت للانتباه في مَحوَرة ابن خلدون نظريته في علم العمران على مفهوم العصبية، تركيزه على العناصر التي تقوي الدولة [العمران]، وتَحفَظ لها تطورَها وديمومَتها، أو تلك التي، خلافاً لذلك، تشكل مصدرَ وَهنها، وتراجعها، ومن ثم خرابها واضمحلالها. فهكذا، ليست العصبية، على قدر أهميتها، كافية في ذاتها لبناء الدولة وتحقيق العمران، بل تحتاج إلى إشارات مكملة لها، أي ما سمّي في المتن الخلدوني الخِلال، أي الخصال والصفات، التي قد تكون حميدة، أو سيئة ودنيئةً. لذلك، نراه يشدد، في أكثر من مقام، على ضرورة اكتمال “العصبية”، بحسبها وجوداً طبيعياً، من خلال “خِلال الخير”، من قبيل “مكارم الأخلاق وإنزال الناس مكانهم والعدل والإنصاف.. ففي تقدير صاحب المقدِّمَة لكلّ” عصبية وقوم وفئة ـ مهما كانت موغِلة في التوحش والبدائية والانعزال ـ مدخلها إلى المشاركة في العمران الإنساني، سواء من خلال مقوماتها الوجودية الطبيعية أو ما تحمله من خِلال الخير أم ـ وهو الأهم ـ من أمانة الدعوة الدينية”([51]). والحقيقة أن ابن خلدون، من هذه الزاوية بالذات، لا يُميّز بين بدوّ [الرياسة] وحَضر [الْمُلك]، إلا من باب قوَّة العصبية ليس إلا. فالعصبيات الواهنة والضعيفة تظلّ داخل عمرانها البدوي، في حين تتوخى العصبيات القوية [الحضرية] الْمُلك والمجد والدول العامة.. ولعل ذلك ما دفع باحثاً مثل محمد عابد الجابري إلى القول بأن ابن خلدون “نظر إلى العمران البدوي لا على أنه نقيض العمران الحضري، بل على أنه أصل له، فالمسألة بالنسبة له تدَرُّج في سلم الحضارة والمدنية، لا مسألة صراع بين نَمطين للحياة”([52]).

تكمن نباهة ابن خلدون في رصده العوامل المؤدية إلى وَهَن العصبية، وتأثيرها السلبي على انكماش العمران وأفول الدولة التي تمثل حاضِنتَه الأساسية. فمنها العوامل الطبيعية، ذات الصلة بالتنافس على الدلالات الاجتماعية، مثل الجاه والمجد والمكانة والمنزلة، وما ينجُم عنها بالضرورة من ميولات إلى الترَف والدَّعة والسكون، ومنها ما له علاقة بالدولة ذاتها، حيث يسعى صاحبها [الحاكم] إلى تثبيت دعائمها، وتقويتها، بالانفتاح على العصبيات الأخرى من غير عصبيته، واستمالتها لتكون عضُداً له، وسنداً لشوكة عصبيته. ومن الواضح عند قراءة المتن الخلدوني، أن هذا الأمر يحدث بدرجة أساسية في “العمران الحضري”، ولا يتحقق في نظيره البدوي. لذلك، يكون الأول [العمران الحضري] في حاجة إلى توظيف مستلزمات استقرار الاجتماع البشري، وانتظامه، وديمومته، أي ما يمكن أن نطلق عليه بلغة علم السياسة المعاصر أدوات السياسة وآليات اشتغالها، من ضبط وانتظام، وقهر وإلزام.. إنها آليات الإقناع والإخضاع التي نيطت بالدولة القومية الحديثة. بيد أن القراءة الفاحصة للمنظومة المعرفية الخلدونية، تُظهِر أن الطبيعي في العصبية ـ بحسبها محركاً للدولة ومنتجاً للعمران ـ أن تكون “قوَّة دافِقةً ودافعة” للعمران، وليس مُخربة له. فهي تخلق، عبر الخِلال الخيرة التي تكملها، وتنظُم سلوك مالكها [الحاكم أو الحكام] قبولاً جماعيا، أي ما يسمى اليوم “إرادة العيش المشترك، الذي يلحم العصبية العامة الغالِبة بالعصبيات التابعة لها، ويشكل ما أسماه صاحب المقدِّمَة “المِزاج في المتكوّن”. لذلك، يقول ابن خلدون:”وذلك أنّ الْمُلك إنَّما هو بالعصبية، والعصبية متآلفة من عصبيات كثيرة تكون واحدة منها أقوى من الأخرى كلها فتغلُِبها وتستولي عليها… وبذلك يكون الاجتماع والغَلَب على الناس والدول. وسرُّه أن العصبية العامة للقبيل هي مثل المِزاج للمتكوّن…، وقد تبين في موضعه أن العناصر إذا اجتمعت متكافئة فلا يقع منها مزاج أصلاً، بل لابد أن تكون واحدة منها هي الغالبة على الكل حتى تجمعَها وتؤلفَها وتصيرَها عصبية واحدة شاملة لجميع العصائب..”([53]).

نفهم إذن من المقطع أعلاه أن التكافؤ بين العصبيات غير وارد في التصور الخلدوني، كما أنه غير دافِع في اتجاه تفعيل العمران، أي تعزيز الاجتماع البشري، وتقوية إنتاجه، بل لابد من وجود عصبية غالِبة تسُوس العصبيات الأقل منها قوَّة، وتُدير شؤون أصحابها… بيد أن صاحب المقدِّمَة كان واعياً كل الوعي خطورة ” الغلبة” و”التغلب”على ديمومة العمران أي على استمرار الدولة ذاتها. فحين تتلاشى الخِلال الخيرة، وتحل محلها خلال سيئة، يفسد العمران، وتتهاوى أركان الدولة، ويأذن الله بالفناء. لذلك، يُفهم من منطق رؤية ابن خلدون لدور العصبية في تفعيل العمران، أن ثمة توازناً دقيقاً بين “الغلبة”، أي تغلب العصبية العامة، واستمرار قبول العصبيات الأخرى لها، أي الدول الخاضِعة، وأن المحافظة على هذا التوازن هو معيار التأكد من ديمومة العصبية فاعلَةً في العمران البشري، ما يعني أن “المعيار الفاصل بين السياسة نحو العمران أو توجهها نحو خرابه، رهن بإقامة وملاحظة ومتابعة ذلك التوازن الدقيق والهش والمتغير بين حقيقة تنوع الإرادات المكونة للمجتمع [مادة العمران] من ناحية، وبين إيجاد أساس وقاعدة اجتماعية تستند إليها الدولة [صورة العمران] على نحو تتجاوز من خلاله الصراع حولها، ومن ثم تتحول إلى سلطة مشروعة تجد أساسها في تحقيق الصالح العام لمجتمع على درجة ما من التجانس..”([54]). وبمفهوم المخالفة، يكون فقدان هذا التوازن أو تعذره مصدراً منتجاً للخراب، أي سبباً في تكلُّس العمران وانكماشه، ووَهن الدولة وانقراضها. فهكذا، يساعد المتن الخلدوني على استخراج معيارين للحكم على دور العصبية في تحريك فاعلية العمران: يتعلق المعيار الأول بوجود “الخِلال الخيرة” الدافعة نحو العمران، من خلال ” كفالة قيم العدل في العمران [خلافة الحق وكفالة الحق ورعاية المصالح بشقيها المادي والمعنوي]. في حين يتصل المعيار الثاني بمنع الفساد في الأرض من خلال مفهوم التدافع والمدافعة، وارتفاع الصراع على السلطة لتؤدّي دورها في العمران”([55])، وهو ما توضحه المصفوفة أسفله([56]).

معايير العلاقة

الطور الأول

الطور الأخير

قيم العدل المعنوي

إنزال الناس منازلهم

الجاه والنفوذ

(المكانة/ النازل)

إنزال الناس منازلهم

المرتزقة

قيم العدل المادي

(الظلم/العدل)

التعفف عن أموال الناس

العدالة في التوزيع

الجبايات

مزاحمة الناس أرزاقهم

الوظيفة مصدر للرزق

علاقات التدافع

(سلمية صراعية)

مشاركة واعية وسليمة لمنافع السلطة

الاستبداد والتعسف وقهر الناس

عصبية الاستظهار والاصطناع

مؤشرات العمران

(الأمل/ العمل/ العمران)

جدة الأمل

السعي والكسب

توسع العمران

ذهاب الآمال

القعود عن السعي

خراب العمران /الفوضى

إن المصفوفة أعلاه توضح بجلاء أهمية ” التوازن” ودوره في المحافظة على استمرار الدولة وعِمارة الأرض، وهو توازن كان القصد منه الإشارة إلى طبيعة العلاقة بين السلطان والرعية، أو بتعبير عصري العلاقة بين المجتمع السياسي ونظيره المدني، الأمر الذي يُبرز القيمة المعرفية للمتن الخلدوني في مقاربة “العمران البشري” من منظور فقه السياسة. فهل يمكننا اليوم، ونَحن على بعد أكثر من ستَّة قرون على وفاة صاحب المقدِّمَة، الإقرار برجاحة رأيه في النظر إلى السياسة كما كانت تمارس عند العرب والمسلمين،على الأقلّ خلال الحقبة التي شكلت مجال تأريخه [ق.7 ـ ق14م]، لاسيما وأنه انتقد منهجيات من سبقه إلى الاهتمام بعالَم السياسية، وإن من زاوية النُّصح والتأييد، كما هو حال الطرطوشي، صاحب “سراج الملوك”؟

نستعين في الإجابة عن هذا السؤال المهم بما ذهب إليه المؤرخ المغربي “عبد الله العروي”، في أكثر من مقام([57]). فقد أشار إلى أن “نظرة ابن خلدون لم تكن سوى عرض عقلاني للمحاولات الإمبراطورية الثلاث، وليس تفسيرا للتاريخ السابق للقرن الحادي عشر”.. فالقصور النظري ـ يضيف العروي ـ للطرح الخلدوني في تفسير هذه الحقبة من تاريخ المغرب العربي [أواسط القرن 14م] المتميز بالانفصام الجلي للسلطة السياسية عن المجتمع المدني راجع إلى كون ابن خلدون كان يجهل تاريخ الشعوب الأخرى لدول البحر الأبيض المتوسط، في حين لا يمكن فهم الانفصام إلا بطرحه في إطار صنفين من الأسباب: داخلية وخارجية. فالأولى ليست هي النزاعات مع البدو، وإنما تكمن في محددات أخرى: الوضع الديمغرافي، الزراعي، والتجارة عبر الصحراء. أما الثانية، فيمكن فهمها من خلال الكشف عن موازين القوى في البحر الأبيض المتوسط خلال الفترة الفاصلة بين القرنين الحادي عشر والرابع عشر، وهي إحدى: ضعف الجهة الشرقية للبحر الأبيض المتوسط [ييزنطة والعالم الإسلامي]، مقابل تنامي وتصاعد أوروبا الغربية ([58])، فهكذا، وبقراءته ما لم يرد في كتابات ابن خلدون حصر عبد الله العروي محددات انفصام السلطة السياسية عن المجتمع المدني في عاملين ذاتيين اثنين: أزمة التنظيم السياسي، ومسألة الجيش. فالمظهر الأول المفسر للقطيعة يطرح بالأساس مشروعية النظام السياسي [السلطة]، ذلك أن الفقهاء في تلك الفترة لم يتورعوا في تبرير مقولة ثنائية الحكم: خلافة نظرية [ما هو وارد في الشرع]، وسلطة تستمد قانونيتها من حجم قوتها الدفاعية، وهو واقع يسهل معاينته لدى الدول التي تعاقبت على الحكم خلال القرنين الثالث عشر والرابع عشر، حيث لم تعد نبرر نفسها إلا بنفسها، بميول طبيعية سيكولوجية واجتماعية([59]). بجانب هذا العامل، هناك محدد آخر، ذلك أن فشل التنظيم العسكري الوطني للدولة الموحدية، أثر في تطورات الأحداث فيما بعد، حيث لم تستطع الدول اللاحقة تنظيم قوَّة عسكرية دفاعية مستمرة، الشيء الذي أدى إلى الاستنجاد بالمرتزقة والقراصنة، وفي مقدمتهم العرب الهلاليون وغيرهم من الأجانب، خصوصاً المحصل عليهم من طرف ملك قشتالة. إذن، الفشل في الميدان العسكري والدفاعي، اقترن بشكل التنظيم السياسي المتجسد في أزمة الشرعية، ليشكلا جوهرا ما رمز إليه ابن خلدون بالتوازن، أي بتعبير عصري “انفصام السلطة السياسية عن المجتمع المدني”.

*            *               *

المصادر والمراجع

  1. المنصف وناس، حدود المعاصرة في الخطاب الخلدوني، مجلة دراسات عربية، السنة 24، العدد11 سبتمبر 1988.
  2. المنصف وناس، الفكر الاجتماعي الخلدوني: المنهج والمفاهيم والأزمة المعرفية، سلسلة كتب المستقبل العربي 31، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، مارس 2004.
  3. أبو يعرب المرزوقي، الاجتماع النظري الخلدوني والتاريخ العربي المعاصر، الدار العربية للكتاب، طرابلس الغرب، تونس، 1984.
  4. أحمد حامد، تأثير ابن خلدون في الأنثروبولوجيا الاجتماعية، قراءة أنثروبولوجية للمقدِّمَة، مجلة العلوم الاجتماعية، السنة 15، العدد 3، خريف 1987.
  5. إدريس خضير، التفكير الاجتماعي الخلدوني وعلاقته ببعض النظريات الاجتماعية، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، 1992.
  6. حسن الساعاتي، علم الاجتماع الخلدوني قواعد المنهج، دار المعارف، 2006.
  7. سامية الساعاتي، ابن خلدون مبدعا، المجلس الأعلى للثقافة، 2006.
  8. ساطع الحصري، دراسات عن مقدِّمَة ابن خلدون، مكتبة الخانجي، القاهرة.
  9. صلاح بسيوني رسلان، السياسة والاقتصاد عند ابن خلدون، دار الثقافة للنشر والتوزيع 1992.

10. طاهر الحمامي، حياة ابن خلدون ونشاطه، ترجمة: إسحاق عبيد، (بدون دار نشر).

11. عبد السلام شدادي، عالم ابن خلدون/عبد السلام شدادي، ترجمة خالد عزب.

12. عبد المجيد شرفي، التحليل الاجتماعي لابن خلدون، ترجمة أحمد نبيل.

13. علي أومليل، ابن خلدون والفكر العربي المعاصر، مصادر ابن خلدون في المعرفة والتنظير، المجلة العربية للثقافة، السنة 1، العدد 1، سبتمبر 1981، تونس.

14. علي الوردي، منطق ابن خلدون في ضوء حضارته وشخصيته، الشركة التونسية للتوزيع، 1988.

15. علي فهمي، التحليل الخلدوني في العلوم الاجتماعية بين تقديس التراث وتحديث المحاولة: رؤية فكرية، مجلة اجتماعية، السنة 4، العدد 13، ربيع 1987.

16. محمد عابد الجابري، فكر ابن خلدون، العصبية والدولة، معالم نظرية خلدونية في التاريخ الإسلامي، يناير 1992.

مجموعة مؤلفين، ابن خلدون، البحر المتوسط في القرن الرابع عشر، قيام وسقوط إمبراطوريات، إصدارات مكتبة الإسكندرية، 2007.


[1]) مراجع كثيرة تعرضت لسيرته الذاتية، انظر: عبد الله العروي في: ابن خلدون وماكيافللي، دار الساقي، ترجمة خليل أحمد خليل، ط1، 1990.

[2]) هناك طبعات كثيرة للمقدمة، بتحقيقات مختلفة. بيد أننا نعتمد في هذه الدراسة على النص المحقق من قبل “درويش الجويدي”، الصادرة عن المكتبة العصرية في صيدا ـ بيروت، لبنان، ط1، 1995…

[3]) علماً أن الغربيين كانوا سباقين إلى التعريف بابن خلدون بترجمة المقدمة أولاً في القرن التاسع عشر، وبالاشتغال على مضامينها من وجهة نظر العلوم الاجتماعية المعاصرة.

[4]) من ضمن باحثين ومفكرين كثر، نشير إلى “إميل دوركايم” و” أرنولد توينبي”..

[5]) تراجع قائمة المراجع المرفقة بالدراسة على سبيل المثال، وهي لا تشكل إلا عينة محدودة من أدبيات وافرة وكثيرة..

[6]) انظر: شرحاً مفصلاً لهذه الأركان في: محمد عابد الجابري، فكر ابن خلدون، العصبية والدولة،معالم نظرية خلدونية في التاريخ الإسلامي، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، ط5، 1992، ص103 وما بعدها.

[7]) قارن: محمد جوهري ومحسن يوسف وآخرون، ابن خلدون إنجاز فكري متجدد، [الإسكندرية: مكتبة الإسكندرية، ط1، 2008]، ص92 وما بعدها.

[8]) المرجع نفسه، ص93.

[9]) انظر: مقدمة ابن خلدون، تحقيق: درويش الجويدي، م، س، ص46.

[10]) يقول ابن خلدون في المقدمة:” وبيانه أن الله ـ سبحانه ـ خلق الإنسان وركبه على صورة لا يصحُّ حياتها وبقاؤها إلا بالغذاء، وهجاه إلى التماسه بقطرته، وبما ركَّب فيه من القدرة على تحصيله..”. راجع المصدر نفسه، ص46.

[11]) يشدد ابن خلدون على مجموع القُدَرِ لحصول الكفاية في القوت والمعاش، ويستدل بوافر من الأمثلة من الحياة اليومية.. انظر: المقدمة، المصدر نفس المصدر والصفحة.

[12]) يستعمل صاحب المقدمة مصطلح “المدافعة” في سياق كلامه عن تعاضد الحيوانات فيما بينها، وحاجة الإنسان إلى استخلاص العبرة منها، فيقول: “ولما كان العدوان طبيعياً في الحيوان جعل لكل واحد منها عضواً يختص بمدافعته ما يصل إليه عادية غيره..”.

[13]) مقدمة ابن خلدون، م، س، ص47.

[14]) مقدمة ابن خلدون…م، س، ص47

[15]) نفس المصدر والصفحة.

[16]) قارن: عبد السلام الشدادي، ابن خلدون من منظور آخر، ترجمة محمد الهلالي وبشرى الفكيكي، داتوبقال للطباعة والنشر، ط1، 2000، ص28-29.

[17]) حيث تظهر السلطة في كل الجماعات البشرية على كافة مستويات تطورها.

[18]) انظر: جانباً من سيرته الذاتية مقارنة مع “ماكيافللي”، في: عبد الله العروي، ابن خلدون و ماكيافللي، بحوث اجتماعية، ترجمة خليل أحمد خليل، دار الساقي، ط1، 1990.

[19]) عبد السلام الشدادي، ابن خلدون… م، س، ص26.

[20]) نقلا عن المرجع نفسه، ص26.

[21]) انظر: مقدمة ابن خلدون، تحقيق: درويش الجويدي…م، س، ص127.

[22]) نفس المصدر، ص126.

[23]) نقلاً عن عبد السلام الشدادي، ابن خلدون من منظور آخر…م، س، ص31 ـ 32.

[24]) انظر على سبيل المثال: الباب الثاني من المقدمة في العمران البدوي والأمم الوحشية والقبائل وما يعرض في ذلك من الأحوال وفيه فصول وتمهيدات في: مقدمة ابن خلدون…م، س، ص114 وما بعدها.

[25]) انظر: مقدمة ابن خلدون…م، س، ص131.

[26]) انظر: الباب الثالث من الكتاب الأول من المقدمة [في الدول العامة والمُلك والخلافة والمراتب السلطاني وما يعرض في ذلك كله من الأحوال وفيه قواعد ومتممات].

[27]) قارن: محمد عابد الجابري، فكر ابن خلدون، الدولة والعصبية، معالم نظرية خلدونية في التاريخ الإسلامي، [بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، ط5، 1992]، ص119.

[28]) نقلاً عن: الجابري، فكر ابن خلدون: الدولة والعصبية…، ص119.

[29]) نقلاً عن نفس المرجع والصفحة.

[30]) المرجع نفسه، ص211.

[31]) راجع المقدمة، لاسيما الباب الثالث من الكتاب الأول، في:درويش الجويدي، مقدمة ابن خلدون…م، س، ص143 وما بعدها.

[32]) المصدر نفسه، ص150 ـ 151.

[33]) نقلاً عن: د,محمد عابد الجابري، فكر ابن خلدون…م، س، ص213 ـ 214

[34]) انظر:، المقدمة، ج2، تحقيق: علي عبد الواحد وافي، ط2، القاهرة، لجنة البيان العربي، ج2، ص447. نقلاً عن محمد عابد الجابري، فكر ابن خلدون..م، س، ص214.

[35]) من ضمن طبعات كثيرة، انظر: طبعة مركز دراسات الوحدة العربية، فكر ابن خلدون، العصبية والدولة،…م س، 315 ص.

[36]) المرجع نفسه، ص216.

[37]) من ذلك قوله” فمن الخطأ القول إن ابن خلدون يرى أن الدورة الاجتماعية [أو التاريخية أو الحضارية]، تتم حسب ما حدده للدولة من أطوار. إن المسألة بالنسبة إلى صاحب علم العمران لا تعني الدورة الاجتماعية كما تصورها فيكو مثلاً، وإنما تعني فقط تناوب العصبيات الخاصة على الحكم في إطار عصبية عامة واحدة.

[38]) انظر:، محمد عابد الجابري، فكر ابن خلدون، العصبية والدولة…م، س، ص217.

[39]) نفس المرجع والصفحة.

[40]) انظر: مقدمة ابن خلدون، تحقيق: درويش الجويدي…م، س، ص163.

[41]) المصدر نفسه، ص164.

[42]) نفس المصدر والصفحة.

[43]) نفس المصدر والصفحة

[44]) المصدر نفسه، ص164 ـ 165.

[45]) المصدر نفسه، ص159 ـ 160.

[46]) نقس المصدر والصفحة.

[47]) انظر: محمد عابد الجابري، فكر ابن خلدون، العصبية والدولة…م، س، 220.

[48]) من ضمن كتابات معاصرة كثيرة، انظر: الملتقى الدولي حول “ابن خلدون والذكرى المئوية السادسة لمقدمته”، الجزائر، المركز الوطني للدراسات التاريخية، 1982. عبد القادر زغلول، الإشكاليات التاريخية في علم الاجتماع السياسي عند ابن خلدون، ترجمة فيصل عباس، [ بيروت، دار الحداثة، 1981].

[49]) نقلاً عن: ابن خلدون إنجاز فكري متجدد، تقديم إسماعيل سراج الدين، مكتبة الإسكندرية، 2000، ص110.

[50]) انظر: ابن خلدون، إنجاز فكري متجدد، تقديم: إسماعيل سراج الدين، مكتبة الإسكندرية، ط1، 2000، ص110

[51]) نقلاً عن نفس المرجع، ص111.

[52]) محمد عابد الجابري، فكر ابن خلدون…م، س، ص120.

[53]) مقدمة ابن خلدون، تحقيق: درويش الجويدي… م,س، ص155.

[54]) ابن خلدون: إنجاز فكري متجدد… م، س، ص114.

[55]) ابن خلدون، إنجاز فكري متجدد… م، س، ص116 ـ 117.

[56]) المرجع نفسه، ص117.

[57]) انظر: على سبيل المثال، مفهوم العقل، ثقافتنا في ضوء التاريخ، وتاريخ المغرب، ج1.

[58]) Laroui, l’histoire du Maghreb, un essai de synthèse, T1, P 202.

[59]) Ibid

 

* ندوة تطور العلوم الفقهية فِي عمان “ الفقه الحضاري، فقه العمران”

 المنعقدة خلال الفترة: (18-21) ربيع الثاني 1431هـ / (3-6) إبريل 2010م:

سلطنة عمان- وزارة الأوقاف والشؤون الدينية 

هذه المقالة تحتوي على لا تعليق

أكتب تعليقك هنا

نرجو أن تضع المادة أسفله
الإسم
إيميل
موقع
تعليقك