عهد الإمام الصلت بن مالك وعمقه الحضاري

عهد الإمام الصلت بن مالك وعمقه الحضاري*

 إعداد:  د. إسماعيل بن صالح بن حمدان الأغبري

 (خبير الوعظ والإرشاد بوزارة الأوقاف والشؤون الدينية، سلطنة عمان)

 

المقدمة

لقد عنى الإسلام عناية بالغة بحقوق الإنسان، فحفظ دمه وماله وعرضه، ومنع التعرض له بما يزعجه أو يخيفه، فقد روى الإمام الربيع بن حبيب في صحيحه عن أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي عن جابر بن زيد قال: بلغني عن رسول الله صلعم أَنَّه قال: «من روَّع مسلما روعه الله يوم القيامة»([1]) كما جاء عنه صلعم فيما رواه الربيع «من قتل معاهدا لم يجد ريح الجنة، وإن ريحها يوجد من مسيرة خمسمئة عام»([2])، إن الميثاق العالمي الإسلامي لحقوق الإنسان، والذي جاء على لسان نبيّ الرحمة محمَّد صلعم في آخر حجّة حجها، والمعروفة بحجة الوداع لهي شاهد حيّ وملموس على تكريم الإسلام للإنسان أيا كان وكيفما كان، في حال السلم أو حال الحرب، «إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا»([3])، وإذا كان العالم اليوم يتغنى بوضعه بعضا من المبادئ المتعلقة بحقوق الناس عامة إِلاَّ أن هذه المحاولات لم تزل تتعثر، وفيها من الثغرات ما لا يخفى، وكثير منها انتقائي.

إن قول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً﴾([4]) نصّ صريح على وجوب احترام حقوق الإنسان مهما كان دينه أو لونه أو عرقه أو جنسه.

لم تكن تلك الدعوات مجرد شعارات لا تبصر النور، أو مجرد أماني لا أثر لها على الواقع أو أحلام يصعب تحقيقها، وَإِنَّمَا تخلق بها المسلمون سواء أكانوا فاتحين مبشرين أو كان العدو قد غزاهم في أرضهم، فجاهدوه في سبيل الله بألسنتهم وأسنتهم من غير حيف ولا جور، ولا أدل على ذلك من بقاء أقليات غير مسلمة في عقر ديار الإسلام وممالكه، فلم تجفف ينابيع النصرانية في دمشق وهي عاصمة الدولة الأموية، ولم يصبح النصارى أثرا بعد عين في بغداد عاصمة الدولة العباسية، ولم يزل منهم باق في حاضرة الخلافة العثمانية، ولم يكن الإمام الصلت بن مالك الخروصي لينقضّ على نصارى سقطرى إِلاَّ بعد نقضهم العهد وإخلافهم الوعد، واستباحتهم حرمات المسلمين من دماء وأعراض وأموال.

إن العهد (الوثيقة) الذي كان زمن الإمام الصلت بن مالك الخروصي في القرن الثالث الهجري، والذي وجهه لقادة جيشه المتوجهين لنصرة المسلمين المغدور بهم ليجلي حقائق كثيرة، تنبئ عن روح إسلامية وأخلاق محمَّدية، منها وجوب النصرة، وحماية الأرض والعرض، والذود عن الحياض، وحفظ الدين والذمار مع مراعاة حقوق الإنسان سواء أكان مسلما أو غير مسلم، وسواء أكان في حال الحرب أو حال السلم.

لقد أطنب الإمام ـ رحمه الله ـ في وصاياه، وشدد على جنده ليكونوا أكثر حذرا من أن تأخذهم نشوة النصر فيبغوا بغير الحق، أو يتجاوزوا مبدأ العدل الإسلامي، أو يخرجوا عن الوصايا الإلهية في حربهم المحاربين والناكثين من النصارى، مؤكدا لهم أيضا ضرورة رفع الظلم عن المسلمين، وبذل الجهد واستفراغ الوسع في تخليص نساء المسلمين من قبضة المحاربين.

لم يغفل الإمام التأكيد على قادة جيشه ضرورة الإنصاف وتحري العدل بين جميع سكان سقطرى من المسلمين إباضية كانوا أو غير إباضية، اتباعا لمسلك أسلافه، الذين أثر عنهم القول “الناس منا ونحن منهم إِلاَّ مشركا بالله عابد وثن، أو كافرا من أهل الكتاب”، وقول أبي حمزة الشاري: “لا أخالف وصيّة شيخي (يعني أبا عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي، ت145هـ) الذي أوصاه بقوله: لا تقتلوا طفلا ولا شيخا ولا امرأة”، وذلك يوم خروجهم في اليمن في عهد آخر خلفاء بني أمية مروان بن محمَّد.

وإذا بغى فريق من المسلمين فقد نص فقهاء الإباضية “لا سبيل على أموال الباغين” “فإذا انقضت الحرب فما وجد من السلاح أو متاع أو مال في العسكر، لم يحل غنيمته ولا إتلافه، ولا إتلاف طعام، ولا شيء سواه”([5]).

إن العهد يجسد لنا صورة الإسلام الناصعة من حيث حسن التعامل ووجوب العدل مصداقا لقوله تعالى: ﴿وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُواْ وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾([6]).

لقد تنفّس العالم الصعداء بفتوحات المسلمين، فكانت بردا وسلاما، حرية في العقيدة، وحقا في التعبير، ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾([7]).

الكنائس لا تهدم، والراهب لا يقتل، والعهدة العمرية خير شاهد، لم تعرف في قاموسهم محاكم التفتيش ولا حرب الإبادة، ولا سياسة الأرض المحروقة، بل ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ ﴾([8])، فما عرف العالم فاتحا أرحم من المسلمين. لم يشرع الله الجهاد إلا لصدّ العدوان، وردع البغاة، ومن هنا فلا يتحول إلى إفساد في الأرض.

إن بعضا مِمَّن ينتمون إلى هذه الأمّة قد شانوا الإسلام بما يأتونه من أفعال تتصادم وأخلاقيته وعدالته، ولعل هؤلاء مِمَّن قال الله فيهم ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً ﴾([9])، تكفير لمن خالفهم في الرأي والفكر، واستباحة دماء قوم أبرياء من أطفال ونساء مسلمين، وقتل لغير المسلمين دون سابق دعوة أو إنذار، ودون ارتكاب جرم أو إلحاق أذى. إن المخالفة في العقيدة وتباين الدين ليس مدعاة لسفك الدم وإزهاق الروح، فحقّ الحياة حق مشترك بين جميع البشر.

لقد حوى عهد الإمام الصلت بن مالك دررا وجواهر من القيم والمثل الإسلامية، ويمكن اعتباره وثيقة عالمية في حقوق الإنسان، وهو مصدر موثوق يعبر عن كيفية تعامل المسلمين مع غيرهم ـ وإن كان الآخر معتديا ـ.

المبحث الأول: الإمام الصلت بن مالك وأحوال دولته

هو الإمام الصلت بن مالك بن عبد الله بن مالك الستالي الأزدي الخروصي الناسك العادل([10])، من أشهر أئمة عمان في القرن الثالث الهجري، كان مثالا في الزهد والتواضع، وحسن السيرة، ازدهر العلم، وكثر العلماء في عهده([11])، وكان منهم والمقدم فيهم.

مبايعته بالإمامة:

بويع بالإمامة في اليوم الذي توفي فيه سلفه الإمام المهنا بن جيفر، وذلك عام 237هـ، وكان هناك من الفقهاء الراسخين أبو المؤثر الصلت بن خميس، ومحمَّد بن علي القاضي وسليمان بن الحكم والوضاح بن عقبة ومحمَّد بن محبوب وزياد بن الوضاح وبشير بن المنذر ورباط بن المنذر ومحمَّد بن أبي حذيفة وهاشم بن الجهم وعبيد الله بن الحكم وعلي بن صالح وعلي بن خالد والحسن بن هاشم.

قال أبو المؤثر: إِلاَّ أن محمَّد بن علي وبشير بن المنذر ومحمَّد بن محبوب والمعلى بن منير وعبيد الله بن الحكم كانوا هم المقدمين في البيعة للصلت بن مالك ـ رحمه الله ـ.

قال أبو قحطان: أجمعوا على إمامة الصلت وولايته، وولاية من قدمه من المسلمين، وأجمعوا على نصرته وتحريم غيبته([12]).

عمّر الإمام الصلت بن مالك ما لم يعمّر أحد من قبله، إذ دامت إمامته أكثر من خمس وثلاثين سنة، حتى ثقلت قدماه، لكنه بورك في سمعه وبصره وعقله وسائر حواسه، ورغم ذلك فإن الفتنة أطلت برأسها، حتى قال العلامة أبو قحطان ـ وهو من أشدّ أنصاره ـ فسار الصلت بن مالك بالحق في عمان ما شاء الله حتى فني أشياخ المسلمين جملة الذين بايعوه، لا نعلم أن أحدا منهم فارقه، وعمر الصلت بن مالك في إمامته ما لم يعمر إمام من أئمة المسلمين فيما علمنا حتى كبر، ونشأ في الدولة شباب، وناس يتخشعون من غير ورع، يظهرون حب الدين، ويبطنون حب الدنيا… فلما طال عمر الصلت عليهم ملوه لَمَّا كبر وضعف([13]). ولا شك أن العلامة أبا قحطان يغمز بهذا القول الشيخ القاضي موسى بن موسى([14]) ومن معه من الذين كانوا سببا في اعتزال الإمام الصلت بن مالك.

اعتزال (عزل) الإمام الصلت بن مالك:

لقد تولّى كبر المعارضة، وشدد الانتقاد على الإمام الصلت بن مالك الشيخ القاضي موسى بن موسى ومن أيده، إذ أقبلوا من كل حدب وصوب، يريدون التغيير، تحت شبه عدة منها: كبر سن الصلت بن مالك علما بأنه لم يفقد حاسة من حواسه، وَإِنَّمَا ثقلت قدماه فقط، (إن الصلت بن مالك صار إلى حد الضعف والزمانة والعجز، وخاف المسلمون ذهاب دولتهم، وزوال نعمتهم، وكان موسى بن موسى في وقته هو شيخ المسلمين، وإمام أهل الدين) ([15])، فخشي الصلت الفتنة، فترك دار الحكم، وتخلى عما يدل أنه ولي الأمر، ولزم داره، رغم أنه يمتلك قوة ضاربة وشرعية تؤهله لردع موسى بن موسى، لكن زهده في الأمر منعه من ذلك.

قال الأزهر بن محمَّد بن جعفر: إن الصلت بن مالك صار إلى حد الضعف والزمانة والعجز عن القيام بالإمامة، وخاف المسلمون ذهاب دولتهم، وزوال نعمتهم، وكان موسى بن موسى هو شيخ المسلمين وإمام أهل الدين، فاجتمع إليه أخلاؤه، وساروا لينظروا فيما فيه عز الدين، فلما صاروا (بفرق) مكثوا بها، وكانت الرسل فيما بينهم وبين الإمام، فقال الإمام: ما يطلبون؟ قالوا: قد صرت على حد الضعف، ويخافون ذهاب الدولة، ويسألونك أن تعتزل حتى يقوم رجل يحيي به الله هذا الدين، قال الإمام: أنظر في ذلك، فبقوا أياما ينتظرون رأيه، ثُمَّ عزم على الاعتزال… وأرسل إليهم أني قد اعتزلت([16])، فلينظر المسلمون الأصلح لهم ولدينهم.

على إثر تلك الأحداث انقسم الفقهاء، قسم موال للصلت، مصر عليه، لائم ومشدد على الشيخ القاضي، وقسم مؤيد للشيخ، مصوب لِما فعل، ومنهم من توقف، وكلهم في العلم راسخون، وبذلك انقسم الفقهاء إلى فرقتين كبيرتين فرقة الطائفة الرستاقية ذات الموقف المتصلب من موسى بن موسى، وعلى رأسها العلامة الفقيه الأصولي ابن بركة، وفرقة الطائفة النزوانية ذات الموقف الذي يدعو إلى الكفّ عن الخوض فيما جرى، وعلى رأسها العلامة المحقق أبو سعيد الكدمي.

الازدهار العلمي في عهد الإمام الصلت بن مالك:

إن نظرة سريعة إلى ذلك العدد الكبير من الفقهاء الذين شهدوا وتمموا اختيار الصلت بن مالك ليدل دلالة واضحة على الازدهار العلمي والفقهي في عهده، ولو لم يكن من بين أولئك الفقهاء إلا محمَّد بن محبوب وأبو المؤثر الصلت بن خميس لكان ذلك كافيا في الدلالة على التقدم العلمي في عهده، فأبو المؤثر الصلت بن خميس (ت278هـ) عالم كبير، وفقيه جليل، لا يبرم أمر، ولا ينقض، ولا يعقد ولا يحل إلا بعد أخذ مشورته، وهو واحد من ثلاثة ضرب بهم المثل في عمان، فقيل: “رجعت عمان إلى أصم وأعرج وأعمى”، وكان أبو المؤثر هو الأعمى، بايع الصلت بن مالك، وأصر على إمامته، واشتد على مناوئيه، وبايع عزان بن تميم، حمل العلم عن محمَّد بن محبوب بن الرحيل. من مؤلفاته: الأحداث والصفات، وتفسير آيات الأحكام، وله فتاوى وأجوبة كثيرة مبثوثة في كتب فقهاء الإباضية([17]).

أما محمَّد بن محبوب فهو من كبار فقهاء الإباضية (… ثُمَّ ولى المسلمون من بعده الصلت بن مالك في اليوم الذي مات فيه المهنا بن جيفر، وكان هناك بقايا من أشياخ المسلمين وفقهائهم ورئيسهم وإمامهم في العلم والدين محمَّد بن محبوب،فبايعوا الصلت بن مالك على ما بويع عليه أئمة العدل من قبله، فسار بالحق والعدل) ([18])، واعتبر الجعبيري محمَّد بن محبوب بأنه إمام الحركة العلمية([19])؛ لأنه رئيس أشياخ المسلمين، وهو يتولى للصلت بن مالك قضاء أهم مدينة عمانية بعد نزوى آنذاك وهي صحار قصبة عمان، وعاصمتها أيام الإمام الشهيد الجلندى بن مسعود (ت134هـ)، بل إن الصلت بن مالك لا يطمئن لرأي وإن قال به من قال إِلاَّ إذا علم رأي محمَّد بن محبوب([20])، فهو عالم علامة إمام العلماء([21]).

البشير بن المنذر (ت237هـ) هو عالم فقيه عاصر الإمام المهنا بن جيفر، كان مقدما في اختيار الصلت بن مالك، كان محتسبا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر([22]).

أما الوضاح بن عقبة فقد حمل العلم عن العلامة موسى بن علي والد موسى بن موسى، كان من رجال دولة الإمام المهنا بن جيفر، كان قوله الفصل، مجتهد([23]).

وكان في عهده محمَّد بن الحواري المعروف بالأعمى، كان ثالث ثلاثة من علماء عمان في عهده، وكان أجمعهم علما وفقها، توقف في شان موسى بن موسى، له جامع أبي الحواري في خمسة أجزاء، وتفسير خمسمئة آية، وله زيادات على جامع ابن جعفر([24]).

إن العلماء الذين كانوا في عهد الإمام الصلت بن مالك لا يمكن عدهم وأكثرهم مجتهد([25])، وقد أورد السالمي أسماء علماء كثيرين كانت لهم مواقف متباينة مع أو ضد أو متوقف عن الخوض فيما جرى للإمام الصلت بن مالك، وهؤلاء لهم أقدام راسخة في فقه الإباضية، وكتبهم متداولة معمول بها معتمدة.

إن الأحداث التي جرت في آخر عهد الصلت بن مالك رغم سلبياتها إلا أنه خرج من رحمها مدرستان فكريتان كبيرتان، المدرسة الرستاقية، ويتزعمها عميدها ابن بركة، فقعد القواعد، وأصل المسائل، منبها إلى عدم الاستعجال، فكان كتاب الموازنة لابن بركة، وكتاب الأحداث والصفات لأبي المؤثر وغيرها من الكتب القيمة، وأما المدرسة النزوانية ويتزعمها عميدها أبو سعيد الكدمي، فقد بذل جهده لطي الآثار السلبية، فأسفر مسلكه عن بزوغ موسوعته المعتبر، وموسوعته الاستقامة، أصل فيهما مسائل سياسية واجتماعية عديدة، وقد أعجب الإمام السالمي أيما إعجاب بمسلك الكدمي حتى لقبه بإمام المذهب، فالعراك الفكري أوجد فقهاء راسخين، وجعل المجتمع في حالة حراك علمي ومناظرات صقلت المواهب، وشاع الاجتهاد في مسائل لم تكن لتولى تلك العناية من قبل، وبرزت على الساحة كتب فقهية وأصولية، صارت معتمدة في فقه الإباضية ككتاب المعتبر والاستقامة والجامع المفيد للكدمي، والاهتداء للكندي، وكتب الجامع والموازنة والتعارف وغيرها لابن بركة.

القوّة العسكرية في عهد الإمام الصلت بن مالك:

ورث الإمام الصلت بن مالك القوة العسكرية التي أنشأها سلفه المهنا بن جيفر خاصة البحرية منها، وقد أورد الإمام نور الدين السالمي ما يدل على القوة المتعاظمة البرية والبحرية في عهد الإمام المهنا بن جيفر، فاجتمع له في البحر ثلاثمئة مركب، مهيأة لصد العدوان، وكان لدى المهنا في مدينة نزوى وحدها سبعمئة ناقة وستمئة فرس على أهبة الاستعداد، قال العلامة الصبحي: “بلغني أنه كان عند المهنا بن جيفر تسعة آلاف مطية أو ثمانية آلاف مطية، قال: ولعلها لبيت المال، وكانت عساكره بنزوى عشرة آلاف مقاتل، وهؤلاء بنزوى خاصة فكيف بعساكر غيرها، وكثرت الرعايا في زمانه حتى بلغ سكان سعال ـ وهي محلة في نزوى ـ أربعة عشر ألفا”([26]). لا غرابة إذا كانت عمان في عهده وعهد من سبقه إمبراطورية مترامية الأطراف شملت الجزيرة العربية والهند والسند([27])، ولم تكن عمان خاضعة للدولة العباسية، بل عاصر الإمام الصلت بن مالك ستة من العباسيين وهم: المتوكل والمنتصر والمستعين والمعتز والمهتدي والمعتمد([28]).

إن هذه القوة البحرية والبرية لم تكن وليدة في عهد الإمام الصلت، وإنما عمل الصلت على البناء عليها، فقد كان للإمام غسان بن عبد الله (ت207هـ) قوة استطاع بها تأديب القراصنة، بل كان أول من اتخذ أسطولا بحريا من أئمة عمان (وكان البوارج ـ كفار الهند ـ يقعدون بأطراف عمان، ويسلبون منها ويسبون، ويمضون إلى ناحية فارس والعراق، فكانوا فيما بلغنا يسيرون بناحية دبا وجلفار)([29]).

يبدو أن العمانيين قد استعدوا لكل طارئ، واستفادوا من موقع دولتهم المطلة على عدد من البحار، الممتدة إلى مساحات شاسعة من الأرض، فاعتنوا بقوتهم البرية والبحرية معا منذ القرون الأولى الهجرية، مِمَّا مكنهم من صد هجمات عديدة من الأمويين والعباسيين ثُمَّ من القادمين من الغرب كمستعمرين ومحتلين، فموقع عمان التاريخية مع عمان الأم يسيل لعاب كثير من الطامعين والطامحين. ولا أدل على ذلك من كثرة القلاع والحصون والأسوار والتحصينات المنتشرة في مساحات شاسعة من الأرض العمانية.

لقد عني العمانيون عناية بالغة بالجانب العسكري، ولذلك استطاعوا أن يصدوا كثيرا من الغارات التي شنت عليهم، بل تطور الأمر إلى أن صار العمانيون قوة يحسب لها ألف حساب في المعادلات الإقليمية والدولية، وانتقلوا من مرحلة صد الغارات إلى مرحلة ما يمكن أن نسميه بالضربات الاستباقية، وساهموا مساهمة فاعلة في عمليات التحرير وتجلى ذلك أيام الأئمة اليعاربة، إذ لم يكتف العمانيون بمقارعة البرتغاليين وإخراجهم من عمان، وَإِنَّمَا تتبعهم الإمام سلطان بن سيف في كافة الخليج، وأكمل خلفه الإمام سيف بن سلطان فأنزل البرتغاليين من صياصيهم من الهند والسند، ثم تتبعهم في شرق أفريقيا، فورث أموالهم وديارا قد استولوا عليها، فصارت عمان إمبراطورية مهابة الجانب، حتى لقب الإمام سيف بن سلطان اليعربي بقيد الأرض، لما آل بيديه من قوة عظيمة، فقد جاء في تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان “وحارب النصارى في جميع الأقطار، وعمل لهم مراكب عظيمة في البحر، وعظم جيشه، وقوي سلطانه، حتى قيل: إنه اجتمع له في الجيش الذي دخل به الهند ستة وتسعون ألف عنان”([30])، وتوعد ملك البرتغال العمانيين في رسالته الموجهة إلى الإمام سيف بن سلطان، فرد عليه الإمام “… قد حصل الوقوف على هذه الكتبة الشاهرة لقولكم: إن الله قد نزع الرحمة من قلوبكم، فهذا من أقبح عيوبكم وأشد وأشنع،…من تعلق بالأصول لم يبال بالفروع، ونحن المؤمنون حقا، لا يصدنا عنكم عيب، ولا يدخلنا شك، ولا ريب، والقرآن علينا قد نزل، رحيم بنا لم يزل، وخيولنا برية وبحرية، وهممنا سامية علية، إن قتلناكم فنعم البضاعة، وإن قتلتمونا فبيننا وبين الجنة ساعة،… وقولكم: “قلوبكم كالجبال وعددكم كالرمال”؛ فالجزار لا يبالي بكثرة الغنم الكثيرة، وإن الله مع الصابرين… إن عشنا عشنا سعداء، وإن متنا متنا شهداء، ألا إن حزب الله هم الغالبون ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا * تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا﴾([31])، فقل لصاحبك إذا رصّع وشيّد مقالته حصل الوقوف على هذا الكتاب كصرير باب وطنين ذباب ﴿سَنَكْتُبُ مَا قَالُواْ﴾، ﴿وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ العَذَابِ مَدًّا﴾، وما عندنا بعد ذلك إلا الخيل، تُمطر بالويل، والنار مظهرة العار، والسيوف مسقية بالحتوف، والسلام على من اتّبع الهدى، وخشي عواقب الردى، وأطاع الملك الأعلى، واختار الآخرة على الأولى)([32]).

ولم يفت أئمة وسلاطين البوسعيديين هذا الجانب، فقد عني الإمام أحمد بن سعيد البوسعيدي بالقوّة العسكرية، لذلك استطاع أن ينجد أهل العراق عندما استنجدوا، ويخلصهم من الفرس، وقد أدّى ذلك إلى تقارب واعتراف عثماني بالدور العماني، بل كان سلاطين العثمانيين يدفعون مكافأة سنوية للإمام أحمد بن سعيد ومن بعده([33]).

وفي عهد السلطان سعيد بن سلطان البوسعيدي ترسَّخت أقدام العمانيين في مواطن كثيرة، وامتدَّت الدولة من آسيا إلى أفريقيا، واتخذ السلطان سعيد بن سلطان عاصمتين في آن واحد، أحدها في آسيا وهي مسقط، والأخرى في أفريقيا وهي زنجبار([34]).

المبحث الثاني: عهد الإمام الصلت بن مالك الخروصي

كانت جزيرة سقطرى جزءا من الإمبراطورية العمانية، وللإمام الصلت بن مالك وال عليها، يمثله، ويدير شؤونها، ومن خلال عهد الإمام ووثيقته نستنج وجود تنوع ثقافي إسلامي في غالبه إباضي ـ سنّي، مع وجود أقلية لا بأس بها من النصارى، الذين هنئوا بالعيش تحت ظل وعدالة الإسلام، ولكنهم مع ذلك ظلت علاقاتهم مع بني جلدتهم من نصارى الحبشة في أشدها، ووصلت في عهد الإمام إلى درجة تعاون نصارى سقطرى مع نصارى الأحباش، وهو ما يمكن أن يطلق عليه بظهور الطابور الخامس في الجزيرة.

قد تصبح الأقليات المدخل في تحقيق ما يطمح إليه المغرضون من إثارة الفتن في جسم الأمة الإسلامية، وقد يتم استغلال تلك الأقليات والتغرير بها بالعزف على الوتر الديني.

إن مشكلة الأقليات لم تزل ورقة مساومة وعامل ضغط، فهي العصا الغليظة التي يتم التلويح بها لتحقيق أي مأرب من المآرب.

لا يعني ذلك أن كل أقلية هي طابور خامس، وَإِنَّمَا قد ينطبق ذلك على من يتم استغلاله، بدليل أن نصارى سقطرى لم يجمعوا على نقض العهد، وَإِنَّمَا قسم منهم، كما أن استقراء التاريخ يبين لنا أن قسما منهم لم يكونوا إِلاَّ مقاومين لكل غزو خارجي ولو كان قادما من بني جلدتهم.

إن حق المواطنة يشمل جميع أبناء الوطن، والإسلام يحفظ حقوق الجميع مهما تباينت أديانهم وألوانهم وأعراقهم وأجناسهم، وهذا لا ينفي أن يكون للأكثرية حقوقا أخرى.

إن دين الدولة الإسلام، لذلك وجب احترام دستور الدول التي ينص دستورها على ذلك، فالشورى والديمقراطية وسن الدساتير والقوانين بناء على الأكثرية، وفقرات النظم ومواد الدساتير أيضا تؤخذ في الاعتبار رأي الأكثرية مع احترام حقوق الأقلية.

عاش مع المسلمين أيام الرسول صلعم أقوام من غير المسلمين بالمدينة المنورة خاصة اليهود، ونظمت وثيقة المدينة العلاقة بين المسلمين وغيرهم، ولكن نقض اليهود للعهود كان سببا في إجلائهم من مواقعهم، فالخلاصة: إن حق المواطنة مكفول ما لم يرتكب أحد أمرا مخلا بالسلم الأهلي، أو يعتدي بقول أو فعل على ما يؤذي المشاعر، ويثير النعرات، أو يأتي أمرا فيه اعتداء على ثقافة الأمة وحضارتها.

فجزيرة سقطرى تحت راية المسلمين، وللإمام وال عليها، والناس في معظمهم من المسلمين، ولكن النصارى نقضوا، فانتفض الشراة عليهم، فما جزيرة سقطرى؟ وما هي ملامحها؟ وما أهم ما يميزها؟([35])

 1- الموقع: تقع جزيرة سقطرى في الجهة الجنوبية للجمهورية اليمنية قبالة مدينة المكلا. وتبعد عن الساحل اليمني حوالي 300 كم.

أ-الموقع الفلكي: تقع جزيرة سقطرى بين خطي طول 53-19 و54-33 شرق خط جرينتش الدولي وبين دوائر العرض 128- 42/12 شمال خط الاستواء.

وبذلك فإن الموقع الفلكي يشير إلى اقترابها من خط الاستواء الأمر الذي يجعل من مناخها يتسم بالمدارية عموماً. وقد أتاح هذا الموقع خصوصية السمات المناخية للجزيرة مِمَّا جعلها تتمتع بتنوع في الغطاء النباتي.

ب- الموقع الاستراتيجي: ونعني به الموقع الذي يحدد علاقة الإقليم بجيرانه وبمراكز الثقل الحضاري والسياسي في العالم، وقيمته السياسية والإستراتيجية وهذا ما ينطبق على جزيرة سقطرى كونها تقع في الممر الدولي البحري الذي يربط بين دول المحيط الهندي بالعالم.

2- المساحة: تبلغ مساحة الجزيرة 3650كم2، وشكل الجزيرة ينتمي للشكل المستطيل والمجزأ معاً وتوجد بعض الجزر تابعة للجزيرة الأم سقطرى.

3- المناخ: مناخ جزيرة سقطرى مداري ذو صيف طويل حار بينما الشتاء دافئ وقصير وممطر. درجة الحرارة: تترواح ما بين 37 درجة مئوية صيفاً إلى 29 درجة مئوية شتاءاً.

4- التضاريس: تتمتع الجزيرة بتضاريس مختلفة حيث توجد السهول و الهضاب والمناطق الجبلية والمناطق الساحلية؛ ففي الوسط هضبة شديدة التضرس مكونة من الصخور الجيرية، ويحيط بها سلاسل جبلية مكونة من الجرانيت، ومخروطية الشكل شديد الارتفاع والانحدار، وتعد جبال حجيرة من أكثر السلاسل ارتفاعاً وامتداداً في الجزيرة، فيما نجد الشمال والجنوب عبارة عن سهول ساحلية تقطعها الحصى والأحجار الرملية، مع وجود مناطق متفرقة للكثبان الرملية المنتمية للنوع الهلالي، ويتركز سكان الجزيرة على السواحل، ويندر وجودهم في المناطق الجبلية.

5-السكان: يبلغ عدد سكان جزيرة سقطرى حوالي 32285 نسمة (تعداد 2004م).

6- النظام البيئي لجزيرة سقطرى: يشكل أرخبيل سقطرى نظاما أيكولوجياً بحرياً مستقلاً، حيث إن أهمية بيئته الفريدة والتنوع البيولوجي الهائل والفريد ذو الأهمية العالمية الذي لا يقل أهمية عن جزر جالاباجوس. وقد وصفه الاتحاد الدولي لصون الطبيعة بأنه (جالاباجوس المحيط الهندي). كما أن الجزيرة من أهم أربع جزر في العالم من ناحية التنوع الحيوي النباتي، وتعتبر موطناً لآلاف النباتات والحيوانات والطيور المستوطنة، وهي بذلك تعتبر أهم موطن لأشجار اللبان المشهورة في العصور القديمة، حيث يوجد في العالم بأكمله 25 نوعاً من اللبان منها (9) أنواع مستوطنة في جزيرة سقطرى.

سُجل في الجزيرة حوالي (850) نوعاً من النباتات، منها حوالي (270) نوعاً مستوطنة في الجزيرة ولا توجد في أي مكان آخر من العالم. من بين الأنواع الهامة والقيمة شجرة دم الأخوين، وتجدر الإشارة إلى أن (10) من الأنواع الـ18 من النباتات النادرة والمهددة في اليمن موجودة في سقطرى، وأن (7) أنواع منها مدرجة في الكتاب الحمر للاتحاد الدولي لصون الطبيعة IUCN كنباتات نادرة ومهددة.

إن هناك ثمة إمكانية لم تكشف بعد لوجود أحياء بحرية مستوطنة، وقد دللت الدراسات على تنوع كبير للشعاب المرجانية انتشار أنواع من المرجان، والتي كانت معروفة بكونها مستوطنة في مناطق أخرى. يعتبر الجزء الشمالي الغربي من خليج عدن والمنطقة المحيطة بأرخبيل سقطرى من بين أكثر المناطق البحرية إنتاجية في العالم، وتقارن في إنتاجيتها سواحل البيرو وغرب أفريقيا([36]).

أسباب تجهيز جيش الإمام الصلت نحو سقطرى:

إن سقطرى قريبة من أرض الحبشة النصرانية، وهي كما أشرنا إليه أعلاه ذات أهمية لموقعها المتميز، بالإضافة إلى أن الدين له دور مهم في تأجيج المشاعر، يبدو أن سكان سقطرى لم يكونوا كلهم على الإسلام، بل هناك ما يشير إلى أن نسبة لا بأس بها من السكان كان على النصرانية، ولعل لهم مناطق محددة منها، ولهم ارتباطهم ببني جلدتهم من نصارى الحبشة، فكانوا أشبه بالطابور الخامس، ذلك ما يمكن تلمسه من عهد الإمام ووصاياه لجنده، الذين جندهم لنصرة المسلمين في الجزيرة، وإعادتها إلى سلطته “فإن رأيتم أن يكون صمدكم ومنزلكم قريبا من القرية الناكثة، فتحاصروهم، ويكون رسلكم إليهم من هناك”([37]).

ليس هناك من مصدر عريق ـ حسب اطلاعي ـ قد صرّح بأن غزوا حبشيا مباشرا قد لحق بالجزيرة، وإن كان كتاب عمان في التاريخ قد ذكر مؤلفوه أن غزوا حبشيا وقع على الجزيرة، فكانت الحرب بينهم وبين الإمام([38])، لكن لم ترد الإشارة إلى مصدر المعلومة.

يمكن القول بأن تمردا من قبل المجموعات النصرانية في الجزيرة قد وقع، وهذا التمرد كان مدعوما بطريقة غير مباشرة من قبل أوليائهم الأحباش، وكثيرا ما تكون الأقليات الدينية ورقة مساومة وعوامل ضغط لإثارة الشغب في البلاد، وأحيانا يتم تسخيرها بحسن نية الأقليات أو بتعاون عن وعي مع العدو الخارجي الموافق في الدين والملة، فوجود عين في الداخل قد يؤدي إلى سقوط إمبراطورية بأسرها.

إن القوة الضاربة للدولة العمانية آنذاك قد لا تؤهل الحبشة للتدخل المباشر، مخافة اجتياح الإمام لها، ولعل الحبشة أوعزت إلى أوليائها في سقطرى بإحداث التمرد، للاختبار، ومعرفة كيف يتصرف الإمام، وعلى ضوء ذلك التحرك يحسم الأحباش أمرهم.

لقد كان نقض النصارى لعهدهم مع الإمام مفاجئا ومعاجلا، ذلك أنه فور نقضهم العهد، تغلبوا على والي الإمام، فقتلوه ومن معه، ووقعت كثير من نساء المسلمين في قبضة النصارى أسيرات وسبايا، كما وقعت من المحاربين جرائم حرب تمس الأخلاق والأعراض

قالت الزهراء([39]) في قصيدتها العصماء، وهي تستنجد بالإمام لنصرة المسلمين وتخليص الجزيرة: ـ

  واستبدلت بالهدى كفرا ومعصية         وبالأذان نواقيسا من     الخشب

  وبالذراري رجالا لا خلاق لهم         من اللئام علو بالقهر     والغلب

  جار النصارى على واليك وانتهبوا      من الحريم ولم يألوا   من السلب

  كم من منعمة بكر وثــيــبــــــــــة         من آل بيت كريم الجد والحسب

  تدعو أباها إذا ما العلج هم بهــا         وقد تلقف منها موضع الــلــــبـــــب

  وباشر العلج ما كانت تضن به         على الحلال بوافي المهر والقهب([40])

تذكر بعض المصادر أن نداء الزهراء للإمام: ـ

  قل للإمام الذي ترجى فــضــائلــه       ابن الكرام وابن السادة الــنـجب

  أمست سقطرى من الإسلام مقفرة       بعد الشرائع والفرقان والكـــتب

  ما بال صلت ينام الليل مغتبطـــــا       وفي سقطرى حريم عرضة النهب

  يا للرجال أغيثوا كل مسلـمــــــة         ولو حبوتم على الأذقان والركب

  حتى يعود نصاب الدين منتصبــا        ويهلك الله أهل الجور والريــب([41])

قد تلقفه عن طريق هو أشبه بالأسطورة، إذ وضعت الزهراء استغاثتها في أنبوبة، ثُمَّ ألقتها في البحر، ثُمَّ ساقتها الأمواج إلى عمان، فتلقاها الإمام.

يبدو أن القصد من هذه الطريقة إثبات الكرامة للإمام، وإلا فإن سقطرى كانت جزءا من عمان ووالي الإمام عليها، وهناك من وسائل الاتصال المعهودة آنذاك ما لا يخفى، كما أن الإمام لم يكن ليهمل أو يقطع صلته بأطراف دولته، فمعروف القول عند الإباضية أن الحدود والزواجر أمرها للإمام، وقلّما يقطع الوالي فيها إلا من استثناه الأئمّة وهم قليل، لمزيد من الحيطة والحذر، ولا شك أن أمورا مهمة تعن للوالي، ويطلب لها الحكم الشرعي من الإمام، فهل تتم مراسلاتهم بما تذكره القصة؟ إن هذا لشيء عجاب؟

إن كرامة الإمام متحققة بهزيمته الناكثين من النصارى، وبعدله وزهده، وغيرته على ديار وأعراض المسلمين، فلا حاجة للأسطورة.

لبّى الإمام النداء، فجهز جيشا مكونا من مئة سفينة وسفينة، وجعل عليه خيرة القواد الأمناء الأكفاء، وهما محمَّد بن عشيرة وسعيد بن شملال، (فإن حدث بهما حدث ففي مقامهما حازم بن همام وعبد الوهاب بن يزيد وعمر بن تميم)([42])، وقد حقق الجيش الإسلامي نصرا مؤزرا على أهل النكث، وأخمد نار الفتنة، وخلص المسلمين من قبضة خصومهم، كما استمات الإمام من أجل تخليص الأسيرات المسلمات من أيدي النصارى، وصدق الله إذ يقول: ﴿وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَـذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيّاً وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيراً﴾([43])، فلمَّا أخلص أولئك لله كان الله معهم ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ ﴾([44])، فتحقّق الوعد ﴿وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾([45]).

  وثم يصبح دعا الزهراء صــادقـة       بعد الفسوق وتحيا سنة الكتب([46])

بين يدي العهد

أولا: نظرة إجمالية لمحتوى العهد

لقد بلغت صفحات العهد ما يربو على الخمس عشرة صفحة، ضمنها الإمام وصاياه لقادة جيشه خصوصا ولجنده عامة، والمتمعن في محتوى العهد يجد منطلقات الوصايا الإسلامية، ينتزع الإمام لكل مسألة دليلا من الكتاب والسنة ليضمن عدم وقوع انحراف من الجيش، ولا بغي على العدو، ولا معرة يرتكبها عند المصادمة، ولا تصفية عند الغلبة والتمكن من الخصم، بل ﴿وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُواْ وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾([47]).

إن العهد يتضمن أسس التعامل مع الناكثين من منظور إسلامي، يدعو الإمام من خلاله إلى الجنوح للسلم إن لاحت بوارقه، وقبوله دون تردد إن تعهد الناكثون إلى العودة إلى ما كان بينهم وبين المسلمين من عهود. إن هذا العهد لم يتح لأكثر الناس الاطلاع عليه أو دراسته، وإلاّ فهو حقيق بذلك، لما فيه من فنّ التعامل الراقي وفق المنظور الإسلامي، وتتجلى من خلاله قيمة الإنسان المسلم على الخصوص وضرورة صيانة دمه وماله وعرضه بالذب عنه ورفع الأذى ومقارعة المعتدي، ويتجلى من خلاله على العموم احترام الإنسان مهما كان جنسه أو لونه أو عرقه أو انتماؤه الدينيّ، فإن تحقق بالسلم والصلح ردعه أعاده إلى رشده، فليس من داع إلى خوض الحروب وسفك دمه تشفيا ـ وإن كانت الغلبة للمسلمين، وأسطولهم قادرا على محو آثار أعدائهم.

أطنب الإمام في وصاياه، وتناول وفصل أمورا كثيرة تبدو للناظر من أول وهلة أنه لا داعي للحديث في كثير منها، إلا أن حرص الإمام على العدل في الرضا والغضب ومع القريب والبعيد، وحال السلم وحال الحرب ومع المسلم وغير المسلم كان الدافع إلى ذلك، مخافة أن يصيب الجيش معرة، أو يخرج الجند حال النصر المؤزر عن حدود الشرع الشريف، فيكون الجهاد والبغي سواء، فمن عادة المنتصر أن ينصب أعواد المشانق على المغلوب تأثرا بنشوة النصر، وتغليبا لروح الثأر والانتقام.

شدّد الإمام أيما تشديد على ضرورة توقي الجيش الإسلامي المناكر صغيرها وكبيرها، وأكد أيما تأكيد على ضرورة عدم الاستخفاف بالذنب مهما كان.

إن هذا العهد يعتبر وثيقة حقوقية حريّ بالمنظمات المسماة بمنظمات حقوق الإنسان الإقليمية والعالمية الاطلاع عليها، لقد أبان الدكتور محمَّد علي البار أن هذا العهد في غاية الأهمية، وأنه من أفضل ما سطر في هذا الجانب([48]).

إنه ترجمة عملية لما ورد في القرآن الكريم والسنة النبوية، من وصايا وأخلاق سامية في كيفية التعامل مع غير المسلم في السلم والحرب معا، ومن خلال العهد يتبين مدى استمساك الإمام ومن معه بوصايا أسلافهم الإباضية من ضرورة العدل، وتجنب سفك الدماء ما وجدوا إلى ذلك سبيلا.


ثانيا: الوصايا الأخلاقية قبل البدء بالحرب:

أكد الإمام في عهده لقادة جيشه على ضرورة الالتزام التام بآداب الإسلام وقواعده في كل شأن من شؤون الحياة، مبتدئا بما يمكن تسميته من براعة الاستهلال، الحمدلة والصيعلة، نافيا الأنداد والأشباه عن الله، مذكرا بسطوته وقوته، وهو أمر ناسب إقبال الجيش على حرب عدو متمرد، له زيغ في العقائد وتشبيه لله جل وعلا بخلقه، ولم يفت الإمام التنبيه إلى ما قام به النبيّ الكريم من دفع للعدوان “دفع به حزب الشيطان، وأقمى به كلّ جبار عنيد، وكل معتد مريد”، ففي أوّل العهد، وقبل البدء بخوض المواجهة مع العدو ـ إن استلزم ذلك ـ شدد على:ـ ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ العَذَابُ بَغْتَةً وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى علَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ ﴾([49])، مستشهدا ومذكرا لهم ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْمُتَكَبِّرِينَ وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾([50]).  

الدعوة إلى تقوى الله ـ جلّ وعلا ـ، وتجنب ما يسخطه، وحث على التوبة من كلّ صغير وكبير.

دعاهم إلى صيانة الدين، وأن لا يغتروا بمفاتن الدنيا “وصونوا دينكم، ولا تبيعوا دينكم بدنياكم، ولا بدنيا غيركم، وقفوا عن الشبهات، واحرموا عن محارم الشهوات” فالإمام أراد من طرف خفي تنبيه الجيش إلى أَنَّه قد تفتح لهم الدنيا بما قد يحصلون عليه من مال وغنائم من سلاح وكراع وحرم، فعليهم أن لا ينسوا الهدف الأسمى والغاية العظمى التي من أجلها سعوا وخرجوا.

حذرهم من انتهاك الحرم، والاستهانة بمعصية الله ـ جلّ وعلا ـ “وغضوا أبصاركم عن مواقعة الخيانة، واحفظوا فروجكم عن الحرام”.

لقد اقتفى الإمام الصلت بن مالك في عهده مسلك الخليفة عمر بن الخطَّاب في وصيَّته لقائد جيشه سعد بن أبي وقّاص إذ أمره ومن معه بتقوى الله، وحذره وجنده من الوقوع في أي معصية، ونبهه إلى عدم الاستهانة ولو بالصغائر، إذ ينصر المسلم بطاعته لله وإلا فالعدو أكثر عددا، وأقوى عدة، فإن استووا مع العدو في المعصية لم يكن للمسلمين فضل على عدوهم.

دعاهم إلى “وكفوا أيديكم وألسنتكم عن دماء الناس، وأموالهم وأعراضهم بغير الحق، واجتنبوا قول الزور، وأكل الحرام، ومشارب الحرام، وجماعة السوء، ومداهنة العدو، وأدوا الأمانات إلى أهلها ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللّهِ أَوْفُواْ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾([51])، ففي وصيَّته يشدد على ضرورة بذل الجهد، واستفراغ الوسع في تجنّب سفك الدم إن وجد طريق آخر للحلّ، فإذا ما وقعت الواقعة فلا إسراف في القتل، ولا غلبة لشهوة التشفي على مبادئ العدل، وهو في ذلك يضع نصب عينيه ما فعله رسول الله صلعم يوم فتح مكة، إذ دعا إلى تجنب القتل وسفك الدماء ما أمكن ذلك، وفعلا لم يكن من قتال إلا ما كان من جهة خالد بن الوليد، ولما قدر عليهم عفا، فأطلق سراحهم، وقال «اذهبوا فأنتم الطلقاء».

ويلح الإمام في عهده إلى ضرورة الصدق في كلّ حال ومع أي كان، فلا يحملنهم بغض العدو على الافتراء عليه، ولا يرفعون إليه خبرا عن العدو غير صادق لِمجرد إغرائه به. ولم ينس الإمام التأكيد على ضرورة تَجنب أكل الحرام أو مهادنة العدو لمجرد ظن تحقق مصلحة شخصية.

إن العالم اليوم شديد الاضطراب أحوج ما يكون إلى هذه الوصايا، وحري بالإنسان أن يحترم حقوق أخيه الإنسان في السلم وفي الحرب، وجدير بتحقيق شعار حقوق الإنسان على الأرض واقعا ملموسا.

أوصى الجيش الإسلامي بـ”وإذا حدثتم فلا تكذبوا، وإذا وعدتم فلا تخلفوا، وأقيموا الصلاة… ولا ترخّصوا لأنفسكم في شيء من طاعته الواجبة… ولا تركنوا إلى من حاده تعصبا ولا ميلا، فأخاف عند ذلك أن يخذلكم”([52]).

ثالثا: مهام قادة الجيش

ورد في العهد والوصايا ذكر أسماء الذين نصبهم الإمام قادة للجيش، وهم “اعلموا أني قد وليت عليكم يا معاشر الشراة والمدافعة على جميع سقطرى أهل السلم منها وأهل الحرب… محمَّد بن عشيرة وسعيد بن شملال([53])”، كما أن الإمام نصب قوادا آخرين يخلفون الاثنين إن استشهدا، وهم: حازم بن همام وعبد الوهاب بن يزيد وعمر بن تميم، وهو في هذا مقتفي سنة رسول الله صلعم في غزوة مؤتة إذ أمر على الجيش زيد بن حارثة، فإن أصيب فجعفر بن أبي طالب، فإن أصيب فعبد الله بن رواحة([54]).

إن العهد قد بين بجلاء مهمة هؤلاء القادة وحدود الصلاحيات الممنوحة لهم، وهي: ـ

1)        إقامة الشعائر الدينية ومنها قبض الزكاة.

2)        فرض الجزية.

3)   “المصالحة والمسالمة والمحاربة لأهل النكث من النصارى أو من حاربكم من المشركين”، فالحرب ليست عبثية ولا همجية أو استئصاليه، وَإِنَّمَا على من حارب وأبى الصلح والعودة لما كان متفقا عليه من قبل النقض، فإن مال العدو إلى الصلح، فالمسلمون أولى بالجنوح إلى السلام.

4)        تقسيم ثلث الصدقات على أهلها.

5)   “تزويج النساء التي لا يصح لهن أولياء في مواضعهن بمن رضين به… ولا يكون الصداق أقل من أربعة دراهم”.

6)        “إقامة الوكلاء لليتامى والأغياب الذين لا أوصياء لهم”([55])، إذ هؤلاء يمثلون شريحة من شرائح المجتمع، فلا ينبغي أن يغفلهم أحد وقت اشتداد الأزمة خاصة القاصرين، الذين فقدوا ولي الأمر والمعين.

وذكرهم بضرورة التلاحم والتعاون وعدم التناحر والتفرّق ﴿وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾([56])، وهذا تنبيه لطيف منه لقادة جيشه وجنده وعامة المسلمين.

7)   أوكل لقادة الجيش وفوضهم في تقدير عقوبة من تثبت عليه معصية، “فمن ظفرتما عليه أنتما (أعني محمَّد بن عشيرة وسعيد بن شملال أو صح معكما عليه أنه شرب نبيذا حراما، أو خلا بامرأة يحدثها غير ذات محرم منه مِمَّن تسبق إلى قلوبكم فيه التهمة، أو يكون منهم اللهو واللعب أو الغناء أو بشيء مما يكرهه الله والمسلمون، أو آذى أحدا من المسلمين أو والى أحدا من عدوهم أو باع سلاحا في أرض الحرب فقد أذنت لكما في قطع صحبتهم وإخراجهم من عسكركم، وقطع النفقات والإدام عنهم… إلا من تاب منهم واستغفر”([57]).

إن هذه المهام الموكولة لقادة الجيش تتضمن المحافظة التامة على شعائر الإسلام وإلزام الجند ومراقبتهم مخافة التفريط في شيء منها، وواضح أن العدالة الاجتماعية مطلب ضروري لا يجوز الحيدة عنه قيد أنملة، بالنسبة للمسلمين أو النصارى غير الناقضين للعهد، وحتى مع الناقضين للعهد المحاربين للمسلمين.

إذا كان الإمام قد شدّد على القادة ضرورة تجنب البغي أو المهادنة مع العدو إن أبى إِلاَّ القتال، فإنه أيضا شدد على أفراد الشراة ضرورة السمع والطاعة للقادة، والنصح لهم وعدم خذلانهما “ولا تكالبوا ولا تحاسدوا، ولا تكايدوا، ولا تماكروا، ولا تضاغنوا، ولا تفاخروا في الأنساب، فإنه بلغنا عن رسول الله صلعم أَنَّه قال «المسلم أخو المسلم…» “كأنكم نفس واحدة، على كلمة واحدة، وولاية واحدة، وعداوة للعدو واحدة، وحياة واحدة، وميتة واحدة،… وقد بغى هؤلاء النصارى وطغوا ونقضوا عهدهم، ونرجو أن يديل الله عليهم، وإلى الله نرغب ونبتهل أن يهدم محاصنهم، ويخرب بالعدل مساكنهم”([58]).

رابعا: اختيار المعسكر الملائم:

إن الأقمار الصناعية اليوم وكتائب ما يسمى بالاستطلاع والاستكشاف والعيون الراصدة، والاستعانة بالسكان أو ببعض أفراد البلاد المستهدفة، مِمَّن يعملون على خدمة فريق ما مقابل عون مادي، ما له دور في تحديد المكان المناسب ليكون مركز الانطلاق في شن العمليات الحربية، ومأوى يأوون إليه ليكون ملاذا وحمى للجنود، وقد جاء في العهد ضرورة تخير المكان الأنسب عند النزول في جزيرة سقطرى، وهذا الأمر له أصل في السيرة النبوية، فقد اختار المسلمون في غزوة بدر الموقع الذي يغلب على الظن أنه الأنسب، نزولا عند رأي الحباب بن المنذر، فقد جاء أن النبي صلعم نزل منزلا استعدادا لمواجهة قريش، لكن الحباب بن المنذر رأى مكانا أفضل من ذلك المكان، فقال: يا رسول الله، أرأيت هذا المنزل؟ أمنزلا أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر عنه؟ أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ قال: «بل هو الرأي والحرب والمكيدة»، فقال: يا رسول الله، فإن هذا ليس بمنزل فانهض بالناس حتى نأتي أدنى ماء من القوم فننزله([59]).

لقد تضمن العهد ما يفيد أن الإمام لم يفرض على الجيش مكان النزول، لكنه مال إلى النزول قريبا من القرية الناكثة “فإن رأيتم أن يكون صمدكم ومنزلكم قريبا من القرية الناكثة…”([60])، ومع ذلك فقد أرجع الأمر إليهم، لأنهم المباشرون للمنطقة، وطلب منهم المشاورة فيما بينهم، وسؤال أهل الخبرة، ثم النزول عند رأيهم.

شدد الإمام في عهده على ضرورة إحكام الخطة قبل البدء بالتنفيذ، فقد دعا إلى ضرورة اصطفاف الأسطول البحري وعدم تباعد سفنه إلا بقدر ما يسمع كل منهم نداء الآخر([61])، إن ذلك نابع من مخافة تفرق الجيش، وتفرد العدو به، كما أن القادة قد لا يتمكنون من التواصل مع كثير من الجند مما يعني غياب التنسيق وضعف تلقي التقارير بالنسبة للقادة والجند معا، وأكثر الجند ـ وإن كان معهم أدلاء ـ إلا أنهم قادمون من عمان لا يعلمون من أمر الجزيرة إلا قليلا، فليس في ذلك الزمان من وسائل الاتصال والتحكم عن بعد ما تيسر اليوم.

إن سير السفن متقاربة وبأعداد كثيرة تلقي في قلوب العدو الرعب، بظن العدو أن هذا ما ظهر منها، فكيف بما خفي عن الأنظار من مدد قادم.

لم يغفل الإمام أن يحثّ الشراة على ضرورة الاقتداء برفع شعار أسلافهم “وليكن شعاركم لا إله إلا الله، لا حكم إلا لله([62])، ولا حكم لمن حكم بغير ما أنزل الله، خلعا وبراءة وفراقا لجميع أعداء الله،… فيجعل الله أصواتكم بالتكبير والتحكيم كالرعد القاصف في أسماعهم، ولوامع سيوفكم كالبرق الخاطف في أبصارهم… وقولوا كما قال إخوانكم: لو ضربونا حتى نبلغ الغاف من عمان لعلمنا أنا على حق، وأنهم على باطل، وهم حزب الشيطان، وأنتم حزب الرحمن”.

يبدو أن شعار لا حكم إلا لله قد أصبح ملازما للإباضية في سلمهم وحربهم، وصارت ملحمة النهروان التي استشهد فيها أسلافهم، وكان شعارهم لا حكم إلا لله الملهم لهم في مقاومة المعتدي ومجاهدته، وهذا يتجلى في عهد الإمام الصلت، ومن خلال ما سطره العلامة أبو مسلم البهلاني في كتابيه العقيدة الوهبية وديوان أبي مسلم.

المفاوضات قبل الحرب:

لقد تضمن العهد تشديدا من الإمام على ضرورة التثبت مِمَّن نقض العهد ومن لم يزل عليه من النصارى، فمن لم يزل عليه لم يتابع بني جلدته على النقض فهو كما أمر الإمام “فأعلموهم مع رسلكم أنهم آمنون على أنفسهم ودمائهم وحريمهم وذراريهم وأموالهم، وأنكم وافون لهم بالعهد والذمة والجزية على الصلح الذي يقوم بينهم وبين المسلمين فيما مضى، ولا ينقض ذلك”؛ فالعهد نوه إلى ضرورة عدم أخذ المحسن بالمسيء، ووجوب مراعاة شرع الله في من ثبت على العهد، والتأكيد على أن حقوق المواطنة محفوظة.

إن الأمر بإتمام العهد مع الذين لم ينقضوه هو عين التمسك بتعاليم الإسلام، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ ﴾([63])، وعملا بقوله صلعم: «الجنة حرام على من قتل ذميا أو ظلمه أو حمله ما لا يطيق، وأنا حجيج الذمي فكيف المؤمن»([64]).

إن الإسلام هو معلم الناس احترام حقوق الإنسان، ولم تكن تلك شعارات ترفع للمتاجرة، أو مجرد برقع يخفي وجها كالحا وأفعالا مشينة.

إن الحرب في الإسلام لا تعتمد سياسة الإبادة، بل الرحمة والرأفة، ولا تسلك مسالك الأرض المحروقة، بل الحياة الحرة الكريمة للمسلم وغير المسلم، فما شرع الجهاد إلا في سبيل الله، ومن شرعه العدل البر الرحيم، ومن أهدافه رفع الظلم والضيم لا مضاعفته والعمل على تثبيته ﴿وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَـذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيّاً وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيراً ﴾([65]).

أما من نقض العهد، وبارز المسلمين بالقتال فقد روعيت أيضا حقوقه، فقد سلك الإمام في عهده مسلك أسلافه، واتبع هدي نبي الرحمة صلعم إذ أوصى في عهده بما يلي: ـ

دعوة الناكثين للعهد إلى الإسلام “فإن قبلوا ذلك فهي أفضل المنزلتين لهم، وذلك يمحو ما كان من حدثهم” فالإسلام جب لما قبله.

إن رفضوا الإسلام فلا إكراه للدخول فيه، ولكن يدعون إلى الرجوع إلى العهد السابق الذي نقضوه دون مبرر، “فإن أجابوا وتابوا فلتقبلوا ذلك منهم، ولتأمروهم بترك ما في أيديهم وأيدي أصحابهم من أهل الحرب من نساء مسلمات”([66])، وأصر الإمام على أنه ليس لمسلم أن يتزوج منهم حال الحرب، وعدم الدخول في العهد، ذلك أن كثيرا من الإباضية يشترطون لجواز الزواج منهم وأكل طعام أهل الكتاب أن يكون أولئك خاضعين لنفوذ الدولة الإسلامية، تحت سمعها وبصرها، فمن كان كذلك جاز الزواج منه وأكل ذبائحه. قال محمَّد بن يوسف أطفيش وهو يفسر قول الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلُّ لَّهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلاَ مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَن يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾([67])،  يعني: ذبائح اليهود والنصارى والصابئين… حل لنا معاشر المسلمين إن أعطوا الجزية للإمام العادل… وقيل: تحل مطلقا أعطوها أو لم يعطوها، كان الإمام أو لم يكن، حاربوا أو سالموا([68]). وفي تفسيره تيسير التفسير قال: “واشترط جمهور أصحابنا لإباحة ذلك إعطاء الجزية، وجمهور الأمة على حل ذبائحهم ولو ذبحوا على اسم عيسى”([69])، قال عمرو بن جميع: “فإن استكانوا لذلك ودفعوها حرمت دماؤهم وأموالهم وسبي ذراريهم، وحل للمسلمين أكل ذبائحهم ونكاح الحرائر من نسائهم، وإن لم يستكينوا لذلك ويدفعوها حلت دماؤهم وأموالهم وسبي ذراريهم، وحرم على المسلمين أكل ذبائحهم، ونكاح الحرائر من نسائهم”([70])، ويبدو أن سماحة الشيخ أحمد بن حمد الخليلي أحد أشهر القائلين بحل ذبائح أهل الكتاب إن كانوا تحت رقابة المسلمين وغلبتهم([71]).

لكن هذا الرأي غير مجمع عليه في الوسط الإباضي كما أشرنا إليه أعلاه، إذ قال العلامة إبراهيم بيوض: “… أما شرط بعض الفقهاء أن يكونوا تحت الذمة أو معاهدين أو تكون ذبيحتهم تحت رقابة المسلمين فباطل لم يشترطه الله ولا رسوله، بل فعل النبيّ صلعم على خلاف هذا”([72]).

شدّد العهد أيما تشديد على عدم قبول رجوعهم إلى العهد ما لم تقم قرينة ذلك وهي إرجاع النساء الأسيرات إلى المسلمين، ولا يخفى ما في ذلك من أهمية كبرى، إذ الجيش لم ينطلق إلا استجابة لنداء الزهراء، التي بينت أن النساء المسلمات استبيحت أعراضهن، فهو شرط ينسجم مع أسباب تسيير الجيش، وهو يتفق مع ما كان من قصة أسباب غزوة بني قينقاع، إذ ورد في كتب السير أن يهود قينقاع كشفوا عورة امرأة في سوق المدينة، فثارت معمعة القتال بينهم والمسلمين، وتمت محاصرة اليهود، باعتبارهم نقضوا العهد([73]).

لا عدوان على من جاء مستسلما وإن تأخر، “ولا تعرضوا لأحد مِمَّن جاءكم تائبا مستأمنا مستسلما بسفك دمه، ولا انتهاك حرمته، ولا سبي ذريته، ولا غنيمة ماله، وليكونوا مثلكم آمنين”([74])، فلم يترك الإمام طريقا يؤدي إلى سفك الدماء إلا وشمله العفو، بل ويشمل ذريته وماله، بل اعتبرهم كالمسلمين، لهم مالهم، وعليهم ما عليهم، يحمونهم كما يحمون ذرياتهم وأنفسهم، وقد جاء في كتاب المصنف أن الراجع إلى العهد، التائب من النقض تقبل توبته، ولا يؤخذ بما نقض، ولا يرد من الأموال إلا أموالا توجد بين يديه([75])، ولعل هذا ما لم ترتق إليه اليوم النظم العالمية، ولم تستطع تطبيقه كثير من القوى الموصوفة بالتمدن والتقدم والحضارة.

إذا أبى الناقضون للعهد الدخول في الإسلام، ورفضوا العودة للعهد، أجاز الإمام نصب العداء لهم ومحاربتهم، ذلك أن رد العدوان واجب، ودفع العدو عن بلاد المسلمين، ورفع الأذى عنهم مما أمرت به الشريعة الغراء، ومجاهدة المعتدين فرض، وهو أمر أقرته الشرائع السماوية، وكفلته النظم والقوانين الدولية وإلا لاستبيحت حرم، وعاث أولئك في الأرض، يهلكون الحرث والنسل. إن رد العدوان بالقوة ـ متى لم يتيسر ذلك بسبل السلام ـ أمر حضاري، فهو مؤذن بدفع البغي عن الناس، والذود عن الحمى والمنجزات، وحفظ الشرائع والمكتسبات ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾([76]).

إن رد العدوان بالقوة بعد رفض المعتدي التحاكم لصوت العقل والمنطق، وامتناعه عن قبول الوساطات والحلول السلمية مجلبة للسلام، وهو مِمَّا تفاخر به النظم العالمية العصرية ـ لولا الازدواجية ـ، فما قوات حفظ السلام وقوات التدخل السريع، وقوات فض الاشتباك، وقوات مراقبة وقف إطلاق النار وقوات الردع إلا أسلوب حضاري أممي عالمي، ويزيد على ذلك الإسلام في فن التعامل الحضاري ألا يقر ضيما ولا يعترف بظلم وإن تقادم، فالحقوق محفوظة ولو لأمد بعيد.

 إن قطع دابر الفساد ونشر السلم والأمن في ربوع العالم مما تفاخر به الحضارة المعاصرة، فمكافحة الجريمة ومتابعة مجرمي الحروب هو من علامات التقدم الحضاري، وإذا كان العالم يشتد غضبه للقرصنة الفكرية والثقافية والسرقات الأدبية، ويعد تلك أعمالا مشينة لا تتناسب والحضارة فكذلك الاعتداء على الآمنين ينافي الحضارة، وردع المعتدين مما يتفق مع الحضارة، ولكن دون مجاوزة للحد.

إن القتال في الإسلام هو آخر الحلول ويأتي في المرتبة الثالثة، وله أيضا ضوابط شرعية، فلا إسراف في القتل، ولا بد من الإنذار “وهل يجوز الوقوع بهم وهم نيام في البحر؟” الجواب: “أحب أن يدعوا إلى الإسلام، إذا لم يكن بينهم وبين المسلمين قتال، فإن ثبتوا في البحر على يقين أنهم هم الذين يغزون المسلمين لم أر ذلك حراما”([77]). قال الإمام الصلت بن مالك في عهده الحضاري، وصية لجيشه الإسلامي: “لا تغتالوهم بالقتل، ولا تسبوا لهم سبيا ولا ذرية، ولا تغنموا لهم مالا، حتى تسيروا إليهم بأنفسكم” أي تقيموا عليهم الحجة، وتنذروهم بأخطار نقضهم العهد، وترغبوهم في سبل السلام، ولا يخفى ما في ذلك من رقي حضاري، فبالرغم أنهم نكثوا أيمانهم مع المسلمين، ونقضوا عهودهم مع الشراة إلا أن الإمام في عهده أبى قتلهم غيلة دون دعوة وإنذار.

ضوابط الحسم العسكري

إذا لم تؤت الوساطات أكلها، وتمادى العدو في عدوانه، فلم يرجع ما سلب، حل قتاله، ووجب جهاده بعد البينة والحجة، وحيث إن الحرب مظنة الخروج عن المألوف من احترام حقوق الإنسان، إذ العواطف على أشدها، والرغبة في النكاية بالعدو في أوجها، والطموح في تحقيق نصر كاسح عليه يدغدغ المشاعر نبه العهد إلى ضرورة التعامل مع المحارب وفق شريعة الإسلام، إذ المجاهد يجاهد في سبيل الله فلا يعصي الله من حيث أتاه، فمن الضوابط الشرعية ذات الأبعاد الحضارية: ـ

1)    “لا تقتلوا صبيا صغيرا، ولا شيخا كبيرا، ولا امرأة إلا شيخا أو امرأة أعانوا على القتال”، إن هذه المبادئ والخطوط العريضة الحمراء والوصايا الحضارية هي مأخوذة من نبي الرحمة محمَّد صلعم فإنه قد «نهى عن قتل النساء والولدان»([78])، فبراءة الطفولة لا بد من حفظها، ولا يؤخذ القاصر بجريرة لم يرتكبها، وكذلك النساء والشيوخ الطاعنون في السن مِمَّن لم يشاركوا في الحرب أو لم يكونوا أدلاء على المسلمين، فهؤلاء لا اعتداء عليهم، وهو عين ما تنادي به منظمات رعاية الأمومة والطفولة من ضرورة تجنيب هؤلاء آثار الحروب وأخطارها.

2)    منع التمثيل بالجثث: “ومن قتلتموه عند المحاربة فلا تمثلوا به”([79])، وهو مأخوذ من نبي الرحمة إذ «نهى عن المثلة بالقتلى»، فالقتيل وإن كان محاربا فإنّ النفس البشرية لها احترامها، والتمثيل يدل على روح الانتقام والتشفي، وما لا يقره الإسلام.

إن كثيرا من الفقهاء نهوا عن حرق المحاربين بالنار، ورأوا أن التحريق بالنار والتعذيب بها لا يكون إلا من الله ـ جل وعلا ـ “والتحريق للأموال ليس من سيرة المسلمين، ولا ينبغي أن يسيروا بسيرة أهل الجور”([80]).

3)    الغنائم: أشار العهد إلى وصية الإمام في كيفية التعامل مع الغنائم، أما ما تعلق بالولدان الذين ولدوا للمحاربين قبل نقضهم العهد “فأولئك لا سبي فيهم”، بل إن الإمام في عهده الحضاري الإسلامي توسع حتى أنه أوصى جنده إن لم يعلموا متى ولد أولئك الأطفال قبل الحرب أو بعده، فليعتبروهم مواليد قبل الحرب، فلا سبي عليهم ولا اعتداء: “فمن شككتم فيه من الذراري ولم تدروا أكان مولده بعد العهد أو في العهد فخلوا سبيلهم، ولا تسبوهم”. ولا يخفى ما في هذه الوصايا من عمق إنساني حضاري. أما ما تعلق بالأطفال الذين ولدتهم المسلمات من المشركين عند أسرهن؛ فإن العهد نص على أن الأولاد يتبعون أمهاتهم المسلمات لا الآباء المشركين “وما كان من المسلمات اللاتي سبوهن قد ولدن من أحد منهم، أو كان في بطونهن حبل فإن أولادهن لحق أمهاتهم المسلمات وهم مسلمون مثل أمهاتهم، ولا يكون لحقا بآبائهن ولوا دخلوا في العهد ورجعوا عن النكث”.

4)    الإحسان إلى الأسرى: لقد شدد العهد أيما تشديد على ضرورة احترام الأسرى، فأوجب إطعامهم وحمايتهم واحترام حقوقهم، بل أمر الإمام بنقل الأسرى إليه “فأولئك يحملون إلي ويرفع، وينفق عليهم من مال الله من المغانم إلى وصولهم، ويرفع السلاح إلي، ومن غنم شيئا ووقع في يده شيء من النساء، فليتق الله فلا يطأهن…”. لقد ذهب كثير من فقهاء الإباضية إلى عدم جواز الإجهاز على الجرحى الذين لا يتصور منهم القدرة على معاودة القتال الفورية “ومن اتبع موليا فقتله بغير رأي الإمام، وأجاز على جريح متعمدا، فقد خالف المسلمين وسنتهم، ومن خالفنا متعمدا بخلافنا لم نتوله”([81])، فبلغ التسامح مداه أن كانت حقوق غير المسلمين كحقوق المسلمين من حيث عدم اتّباع المدبر، قال عمرو بن جميع: “… لم يتبع هاربهم، ولم يقتل جريحهم، وأما سلاح البغاة فترد إليهم”([82]).

ليس المراد إبادة الخصوم وإنهاء وجودهم، وإنما المراد الأخذ على أيديهم، وكفها عن المسلمين، فمتى ما تحقق ذلك أمكن العفو، خاصة إذا ما تفرق جمعهم، وتشتت شملهم، ولم يعد لهم مأوى يأوون إليهم، يستجمعون من خلاله قواهم.

نهى العهد المسلمين من بيع السلاح والحرب لم تزل مستعرة أو الديار غير آمنة، مخافة وقوعه بين يدي العدو، فيرتد إلى نحور المسلمين([83]).

 

الخلاصة

1)  إن عهد الإمام الصلت بن مالك الخروصي يعتبر من أفضل الوثائق الإنسانية، ومن أرقى العهود في حفظ حقوق الإنسان.

2)  لم يكن العهد مجرد وثيقة عسكرية، بل تضمن أحكاما فقهية، ووصايا أخلاقية، وعلاقات إنسانية رفيعة المستوى.

3)  ينبغي دراسة العهد دراسة دقيقة، وعلى أصحاب الدراسات العليا أن ييمّموا شطره؛ لاستكشاف ما يحويه.

4)  يمكن للمؤسسات المعنية بحقوق الإنسان أن تولي هذا العهد العناية البالغة، فهو صورة حضارية لكيفية التعامل مع المخالف في السلم والحرب معا.

5)  إن الشريعة الإسلامية قد كفلت للناس أجمعين حرياتهم، فلا إكراه في الدين، ولا استئصال للمخالف في الدين.

6)  لم يمارس المسلمون عسفا ولا غشما ضدّ الأقليات غير المسلمة، فقد كان في سقطرى تحت حكم الإمام الصلت بن مالك ومن قبله أقليات نصرانية تتمتع بكامل الحريات، وبقي النصارى في حواضر العالم الإسلامي كنصارى الشام التي كانت عاصمة للدولة الأموية، ولم يزالوا حتى يومنا هذا، ولم يمارس عنف على نصارى العراق التي كانت عاصمة للدولة العباسية، ولم يزالوا إلى اليوم.

7)  ضمت سقطرى مذاهب متعددة إباضية وغير إباضية، ولم يمارس الإباضية عنفا ضد غيرهم، ولم يكفروا أحدا من أهل القبلة ما لم ينكر معلوما من الدين بالضرورة، وهو منهج أئمتهم عبد الله بن إباض وجابر بن زيد وأبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة والربيع بن حبيب وعبد الرحمن بن رستم وأبي حمزة الشاري وغيرهم.

8)  العلاقة بين المسلمين وغيرهم تنظمها المعاهدات والاتفاقيات العادلة، وهذا معهود منذ عهد الوثيقة المحمَّدية التي نظمت التعايش المشترك بين المسلمين وغيرهم في المدينة.

9)  لا يشرع المسلمون في حرب المخالفين في الدين إلا إن نقضوا العهد، ومع ذلك فإن الإسلام يدعو المسلمين دعوة الناكثين إلى الإسلام أو العودة إلى العهد، فإن أبوا إِلاَّ التمرد، وشق الصف، وإضعاف دولة المسلمين جاز حربهم، وهو أمر معهود قديما وحديثا للحفاظ على هيبة الدولة، ووحدة أطرافها، وحماية أبنائها.

10) الحرب في الإسلام لها ضوابط شرعية، فلا قتل للأطفال والنساء والعجزة، ولا اعتداء على القسس والرهبان ورجال الدين، ولا اعتداء على دور العبادة.

11) يحرم التمثيل بالقتلى أيا كان دينهم، للحرمة البشرية.

12) الإسلام بريء من الظواهر المشينة التي تنتهك الحريات وتزهق الأرواح بالجملة براءة الذئب من دم ابن يعقوب، وما تقوم به مجموعة من المنتسبين إلى الإسلام من قتل وعنف وتفجير هو من باب الغبش في التصور والقصور في الفهم وقلة في الفقه، وبعد عن الدين، وهو أمر يسيء إلى الإسلام.

13) التكالب على بلاد المسلمين سبب من أسباب التشنج، وظهور بعض الظواهر المشينة.

14)  يمكن التعايش بين الناس مهما اختلفت أديانهم، بشرط أن يحترم كل منهم الآخر.

 
قائمة المصادر والمراجع

1)  إبراهيم بيوض، فتاوى الإمام بيوض، ط2، مكتبة الضامري، مسقط، 1411هـ، 1990م.

2)  أبو بكر أحمد الكندي، المصنف، ط، وزارة التراث والثقافة، سلطنة عمان، 1404هـ، 1984م.

3)  بدرية الجهضمية، السيرة الزكية في المرأة الإباضية، ط2000م.

4)  حميد بن رزيق، الصحيفة القحطانية، ط، دار البارودي، بيروت، 2008م.

5)  الربيع بن حبيب، صحيح الربيع، ط، مكتبة مسقط، 1415هـ، 1994م.

6)  سليمان بن أحمد الطبراني، المعجم الكبير، ط2، مكتبة العلوم، الموصل، 1404هـ، 1984م.

7)  سليمان بن خلف الخروصي، ملامح من التاريخ العماني، ط3، مكتبة الضامري، 1422هـ.

8)  عبد الله الرويشدي، الذبح الحلال، ط، وزارة الأوقاف والشؤون الدينية، 1430هـ، 2009م.

9)  عبد الملك بن هشام، السيرة النبوية، مكتبة الكليات الأزهرية.

10)  علي الريامي، عزل الإمام الصلت بن مالك الخروصي، رسالة ماجستير(غير منشورة).

11)  عمرو بن جميع، مقدمة عقيدة التوحيد.

12)  فرحات الجعبيري، نفحات من السير، 2001م.

13)  محمَّد صالح ناصر، سلطان الشيباني، معجم أعلام الإباضية بالمشرق، ط، دار الغرب الإسلامي، بيروت، 2006م.

14)  محمَّد بن يوسف أطفيش، تيسير التفسير، ط، وزارة التراث والثقافة، سلطنة عمان، 1407هـ، 1987م.

15)  محمَّد بن يوسف أطفيش، هيميان الزاد، ط، وزارة التراث والثقافة، سلطنة عمان، 1406هـ، 1986م.

16)  مسلم بن الحجاج، صحيح مسلم، دار إحياء التراث العربي، بيروت.

17)  نور الدين السالمي، تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان.

وزارة الإعلام، عمان في التاريخ، 1995م.


[1]) صحيح الربيع، كتاب الإيمان والنذور، الباب (53) في الترويع، رقم الحديث (711)

[2]) ن. م، رقم الحديث (965).

[3]) صحيح مسلم، باب حجة النبي، رقم الحديث (1218)، 2/889.

[4]) سورة الإسراء: 70.

[5]) أبو بكر الكندي، المصنف، 11/ 232.

[6]) سورة المائدة: 2.

[7]) سورة البقرة: 256.

[8]) سورة البقرة: 208.

[9]) سورة الكهف: 104.

[10]) حميد بن رزيق، الصحيفة القحطانية، ط، 2008م، 3/432.

[11]) محمد ناصر، سلطان الشيباني، معجم أعلام الإباضية بالمشرق، ط1، دار الغرب الإسلامي، بيروت، 1427هـ، 2006م، /248.

[12]) نور الدين السالمي، تحفة الأعيان، بسيرة أهل عمان، 1/162.

[13]) ن.م 1/163.

[14]) عالم كبير، وقاض مشهور، ورث العلم عن أبيه شيخ الإسلام موسى بن علي، عرف بالوزير الأكبر في عهد الإمام الصلت، كان المحرك الأكبر لعزل الإمام الصلت، قام الإمام عزان بن تميم بعد أحداث عدة بعزله عن القضاء، قتل في بلدة إزكي، وكانت من بعده فتنة، انقسم الفقهاء إلى طائفتين كبيرتين. محمد ناصر، الشيباني، معجم أعلام الإباضية بالمشرق /464.

[15]) السالمي، تحفة الأعيان، 1/198.

[16]) ن.م 1/198.

[17]) ناصر والشيباني، معجم أعلام الإباضية بالمشرق /248.

[18]) فرحات الجعبيري، نفحات من السير، 1421هـ، 2001م، 5/41.

[19]) ن.م 5/40.

[20]) ن.م 5/93.

[21]) حميد بن رزيق، الصحيفة القحطانية، ط، 2008هـ، 3/433.

[22]) ناصر، الشيباني، معجم أعلام الإباضية بالمشرق، /70.

[23]) ن.م /496.

[24]) من.م /379.

[25]) السالمي، تحفة الأعيان، 1/ 196.

[26]) السالمي، تحفة الأعيان، 1/150.

[27]) سليمان بن خلف الخروصي، ملامح من التاريخ العماني، ط3، مكتبة الضامري، 1422هـ، /118.

[28]) وزارة الإعلام، عمان في التاريخ، 1995م، /157.

[29]) السالمي، تحفة الأعيان، 1/123.

[30]) السالمي، تحفة الأعيان، 2/ 98.

[31]) سورة مريم: 89-90.

[32]) السالمي، تحفة الأعيان، 2/ 109.

[33]) وزارة الإعلام، عمان في التاريخ، ص444.

[34]) سليمان الخروصي، ملامح من التاريخ العماني، /181.

[35]) هذا التعريف بسقطرى كثير منه لا علاقة له بوضع الجزيرة في عهد الإمام الصلت، كعدد السكان مثلا، وما يعيش عليها من مخلوقات أليفة، وإنما أطنبت ونقلت ذلك حرفيا للفائدة.

[36]) المعلومات عن موقع سقطرى مأخوذ حرفيا عن موقع المركز الوطني اليمني

[37]) السالمي، تحفة الأعيان، 1/173.

[38]) عمان في التاريخ، ص156.

[39]) فاطمة بنت حمد بن خلفان الجهضمية، نشأت في سمد الشأن من المنطقة الشرقية بعمان، ذهبت مع والدها لزيارة والي الإمام على الجزيرة القاسم بن محمد الجهضمي، أيام تبعية الجزيرة لعمان، فخان النصارى العهد، وقتلوا الوالي، وسبوا النساء، فاستغاثت الزهراء بالإمام. بدرية الشقصية، السيرة الزكية للمرأة الإباضية، ط1،1421هـ، 2000م، ص99.

[40]) السالمي، تحفة الأعيان، 1/163.

[41]) بدرية الجهضمية، السيرة الزكية، ص100.

[42]) السالمي، تحفة الأعيان، 1/ 168.

[43]) سورة النساء: 75.

[44]) سورة محمَّد: 7.

[45]) سورة الروم: 47.

[46]) بدرية الجهضمية، السيرة الزكية، 101.

[47]) سورة المائدة: 2.

[48]) علي الريامي، عزل الإمام الصلت بن مالك الخروصي، ص19 (رسالة ماجستير لم تطبع).

[49]) سورة الزمر: 56.

[50]) سورة الزمر: 61.

[51]) سورة الأنعام: 152.

[52]) السالمي، تحفة الأعيان، 1/170.

[53]) ن.م 1/172.

[54]) عبد الملك بن هشام، السيرة النبوية، مكتبة الكليات الأزهرية، 4/7.

[55]) السالمي، تحفة الأعيان1/ 171.

[56]) سورة الأنفال: 46.

[57]) ن.م 1/181.

[58]) ن.م 1/173.

[59]) عبد الملك بن هشام، السيرة النبوية، 2/192.

[60]) السالمي، تحفة الأعيان، 1/173.

[61]) ن.م 1/173.

[62]) لا حكم إلا لله هو الشعار الذي رفعه المحكمة أسلاف الإباضية من أهل النهر وان، الذين أبوا اللجوء إلى التحكيم منذ أن بدأت بوادره تلوح في الأفق، ويرى الإباضية أن أهل النهروان رفضوا التحكيم من أصله، ولم يقبلوه من قبل حتى ينقلبوا عليه من بعد، ويرون ما نسب إلى أهل النهروان من قبل كتاب المقالات لا يمت إليهم بصلة، ومن الافتراء عَلَى الناس بغير علم.

[63]) سورة المائدة: 1.

[64]) صحيح الربيع، ط، 1415هـ، مكتبة الاستقامة، مسقط، رقم الحديث (754)

[65]) سورة النساء: 75.

[66]) السالمي، تحفة الأعيان، 1/174.

[67]) سورة المائدة: 5.

[68]) محمد بن يوسف أطفيش، هيميان الزاد، ط، وزارة التراث والثقافة، سلطنة عمان، 1406هـ، 1986م، 5/322.

[69]) محمد بن يوسف اطفيش، تيسير التفسير، ط، وزارة التراث والثقافة، سلطنة عمان، 1407هـ، 1987م، 3/29.

[70]) عمر بن جميع، مقدمة التوحيد، / 111.

[71]) عبد الله الرويشدي، الذبح الحلال، ط2، وزارة الأوقاف والشؤون الدينية، 1430هـ، 2009م، /14.

[72]) إبراهيم بيوض، فتاوى الإمام الشيخ بيوض، ط2، مكتبة الضامري، مسقط، 1411هـ، 1990م، /573.

[73]) إسماعيل بن كثير، السيرة النبوية، دار المعرفة، بيروت، 1976م، 3/6.

[74]) السالمي، تحفة الأعيان، 1/175.

[75]) أحمد بن عبد الله الكندي، المصنف، وزارة التراث والثقافة، سلطنة عمان، 1404هـ، 1984م، 11/155.

[76]) سورة الحج: 40.

[77]) أحمد الكندي، المصنف،11/158.

[78]) سليمان بن أحمد الطبراني، المعجم الكبير، ط2، 1404هـ، 1983م، مكتبة العلوم، الموصل، رقم الحديث (150)، 19/75.

[79]) السالمي، تحفة الأعيان، 1/180.

[80]) أحمد الكندي، المصنف 11/239.

[81]) أحمد الكندي، المصنف، 11/243.

[82]) عمرو بن جميع، مقدمة التوحيد، ص110.

[83]) أحمد الكندي، المصنف 11/ 54.

 

* ندوة تطور العلوم الفقهية فِي عمان “ الفقه الحضاري، فقه العمران”

 المنعقدة خلال الفترة: (18-21) ربيع الثاني 1431هـ / (3-6) إبريل 2010م:

سلطنة عمان- وزارة الأوقاف والشؤون الدينية 

هذه المقالة تحتوي على التعليقات على عهد الإمام الصلت بن مالك وعمقه الحضاري مغلقة

التعليقات مغلقة مع الأسف